← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7835

التحصين من كيد الشياطين

خالد الجريسي

Полный текст (444 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

التحصين من كيد الشياطين تأليف د. خالد بن عبد الرحمن الجريسي

стр. 2

مقدمة الْحَمْدُ للهِ بَارِئِ الْبَرِيَّاتِ، عَالِمِ الظَّوَاهِرِ وَالْخَفِيَّاتِ، سُبْحَانَهُ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَحِلْمًا، نَجَّى بِرَحْمَتِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَجَابَ بِلُطْفِهِ دُعَاءَ الْمُضْطَرِّينَ، وَأَوْهَنَ بِعِزَّتِهِ كَيْدَ الْكَافِرِينَ، وَأَضْعَفَ بِجَبَرُوتِهِ كَيْدَ الشَّيْطَانِ الْمَهِينِ، وَأَبْطَلَ بِقُدْرَتِهِ عَمَلَ أَوْلِيَاءِ الشَّيَاطِينِ؛ فَأَضَلَّ سَعْيَهُمْ، وَأَزْهَقَ بَاطِلَهُمْ، وَكَشَفَ السُّوءَ عَنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ. أَحْمَدُهُ تَعَالى حَمْداً كَثِيرًا، وَمَا يَفِي بِمَحَامِدِهِ التَّحْمِيدُ، وَأَشْكُرُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ شُكْرًا وَفِيرًا، أَبْتَغِي بِهِ مِنْ فَضْلِهِ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْقَائِمُ حَقّاً بِنُصْرَةِ التَّوْحِيدِ، أَحْمَدُ النَّاسِ لِرَبِّهِ المَجِيدِ، الْمَاحِي كُفْرَ كُلِّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ، الحَاشِرُ يُحْْشَرُ عِنْدَ قَدَمَيْهِ الْعَبِيدُ، الْعَاقِبُ فَلاَ نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَلاَ مَنَاصَ مِنِ اتِّبَاعِهِ لِطَالِبِ النَّجَاةِ وَلاَ مَحِيدَ، الْمَحْفُوظُ حَقّاً بِدِرْعِ الْعِصْمَةِ لاَ بِدِرْعِ الْحَدِيدِ، الْمَنْصُورُ بِرَبِّ الْعِزَّةِ سُبْحَانَهُ لاَ بِعَدَدٍ مِنْ خَلْقٍ وَلاَ عَدِيدٍ، قَصَمَ اللهُ تَعَالَى عَدُوَّهُ بِالرُّعْبِ وَالْوَعِيدِ قَبْلَ قِتَالٍ وَعُدَّةٍ وَتَجْنِيدٍ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُْمِّيِّ صَاحِبِ الْوَجْهِ الأَْنْوَرِ وَالْجَبِينِ الأَزْهَرِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْغُرِّ الْمَيَامِينَ، أُولِي الْفَضْلِ الْمَدِيدِ وَالْقَوْلِ السَّدِيدِ، وَعَلَى

стр. 3

إِخْوَانِهِ النَّبِيِّينَ، وَآلِ كُلٍّ، وَسَائِرِ الصَّالِحِينَ؛ المُقْتَدِينَ بِهُدَاهُمْ، وَالْمُقْتَفِينَ أَثَرَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمَّا تَوَالَتْ فِتَنُ الأَْعْمَالِ الْبَاطِلَةِ عَلَى قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وَعُرِضَتْ عَلَيْهَا كَالْحَصِيرِ عُوداً عُوداً، وَزَاغَ كَثِيرٌ مِنْهَا عَنِ الْحَقِّ، وَكَثُرَ اشْتِغَالُ النَّاسِ بِمَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ، وَبَاعُوا آخِرَتَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا قَلِيلٍ، وَأَعْرَضُوا عَمَّا جَاءَ فِي التَّنْزِيلِ، وَاسْتَبْدَلُوا الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَصَارَتْ طِلَسْمَاتُ السَّحَرَةِ الأَْشْرَارِ، وَتَعَاوِيذُ الْكَهَنَةِ الْفُجَّارِ، مُقَدَّمَةً لَدَيْهِمْ عَلَى كَلاَمِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ الأَْبْرَارِ ﷺ مَا تَعَاقَبَ لَيْلٌ وَنَهَارٌ، رَأَيْتُ أَنَّ مِنْ وَاجِبِي، مَحَبَّةً ِلأَهْلِ الإِْسْلاَمِ وَذَبّاً عَنْ حِيَاضِهِ الْمُطَهَّرَةِ، أَنْ أُبَيِّنَ عَوَارَ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالضَّلاَلِ، وَقَدِ اسْتَفْحَلَ خَطَرُهُمْ وَاسْتَشْرَى كَيْدُهُمْ، وَكَادَ - لَوْلاَ لُطْفِ اللهِ بِهذِهِ الأُْمَّةِ الْمُكْرَمَةِ - أَنْ يَدُكَّ حِصْنَ تَوْحِيدِهَا، وَأَنْ يَزِلَّ قَدَمَهَا بَعْدَ ثُبُوتِهِا، فَإِنَّكَ تَكَادُ لاَ تَجِدُ بَيْتاً أَوْ نَادِياً إِلاَّ تَعَلَّقَ أَهْلُهُ شَيْئاً وَلَوْ خَيْطاً، أَوْ تَمَسَّكُوا بِأَهْدابِ مُشَعْوِذٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَأَقَلُّهُ أَنْ يَكُونُوا قَدْ قَرَؤُوا فُنْجَاناً، أَوِ اسْتَبْشَرُوا بِمَطْلِعِ نَجْمٍ، وَتَشَاءَمُوا بِأُفُولِهِ، أَوْ كَرِهُوا رَقْماً وَأَحَبُّوا آخَرَ، حَتَّى صَارَتْْ ((مَوَاقِعُ الْفِتَنِ خِلاَلَ بُيُوتِهِمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ)) (١) ، لِذَلِكَ كُلِّهِ فَقَدِ اسْتَخَرْتُ اللهَ تَعَالَى فِي إِجَابَةِ مَنْ دَعَانِي لِبَيَانِ مَا يُحَصِّنُ الْمُؤْمِنَ وَيَكْفِيهِ - بِإِذْنِ

стр. 4

اللهِ - مِمَّا قَدْ يَضُرُّهُ مِنْ عَيْنِ عَائِنٍ، أَوْ حَسَدِ حَاسِدٍ، أَوْ كَيْدِ سَاحِرٍ، أَوْ مَسِّ شَيْطَانٍ، أَوْ اسْتِعَانَةِ كَاهِنٍ فَاجِرٍ بِجِنٍّ كَافِرٍ، وَغَيْْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُورِثُ ضُرًّا بَالِغًا مِنْ عَمَلِ شِرَارِ الْخَلْقِ وَأَعْدَاءِ الْحَقِّ، قَاصِداً كَشْفَ أَحْوَالِهِمُ الْمَشِينَةِ وَأَعْمَالِهِمُ الْمَهِينَةِ، مَعَ بَيَانِ مَا رَجَحَ مِنْ أَحْكَامِ هَؤُلاءِ وَأَعْمَالِهِمْ فِي الشَّرِيعَةِ الغَرَاءِ المُبِينَةِ، مُسْتَعِيناً بِاللهِ تَعَالَى، مُسْتَهْدِياً بِكِتَابِهِ الْمَجِيْدِ، وَمُسْتَنِيراً بِمَنَارِ السُّنَّةِ العَلِيَّةِ، وَجَوَامِعِ كَلِمِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ ﷺ ، جَامِعاً مِنْ مَعِينِ ذلِكَ كُلِّهِ رُقًى مَشْرُوْعَةً - إِنْ شَاءَ اللهُ -، سَائِلاً اللهَ الْمَلِكَ الْعَلاَّمَ أَنْ يَجْعَلَهَا سَبَباً مُبَارَكاً لِدَفْعِ الضُّرِّ بِإِذْنِهِ عَنِ الأَْنَامِ، وَأَنْ يَتَقَبَّلَهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَيُنْبِتَهَا نَبَاتاً حَسَناً، فَيَضَعَ لَهَا قَبُولاً في قُلُوبِ عِبَادِهِ الأَْخْيَارِ، وَيُكَفِّلَهَا أَهْلَهَا مِنَ السَّادَةِ الأَْبْرَارِ. هَذَا، وَقَدْ سَمَّيْتُ كِتَابِيَ هَذَا - بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ - ((التحصين من كيد الشياطين)) ، وَجَعَلْتُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ فُصُولٍ - بَعْدَ الْمُقَدِّمَةِ - مُرَتَّبَةٍ عَلَى النَّحْوِ الآتي: * الفصل الأول: ... بيان ألفاظ ومصطلحات مهمة. * الفصل الثاني: ... التحصينات الواقية. * الفصل الثالث: ... أنواع الأمراض بعامةٍ، وأصول التداوي المشروع. * الفصل الرابع: ... التداوي بالرقى المشروعة. * خاتمة

стр. 5

وَلَقَدْ عَلِمْتُ - خِتَاماً - أَنِّي أَدْلُو بِدَلْوٍ أَنْزَحُ بِهِ مَاءَ بِئْرٍ كَادَ مَاؤُهُ أَنْ يَنْضَبَ، لِكَثْرَةِ مَا نُزِحَ، وَأَجُولُ فِي مَيْدَانٍ صَالَ فِيهِ فُرْسَانٌ أَعْلاَمٌ لاَ يُشَقُّ لَهُمْ غُبَارٌ، إِلاَّ أَنِّي - مَعَ ذَلِكَ - أَحْبَبْتُ أَنْ أَنْزَحَ وَلَوْْ َقَطْرَةً، وَأَنْ أَصُولَ وَلَوْ جَوْلَةً، مُتَحَرِّياً لأَِثَرِهِمْ، مُتَّبِعاً سَنَنَهُمْ، رَاجِياً - إِنْ شَاءَ اللهُ - اللَّحَاقَ بِرَكْبِهِمْ. د. خالد بن عبد الرحمن الجريسي

стр. 6

الفصل الأول بيان ألفاظ ومصطلحات مهمة

стр. 7

بيان ألفاظ ومصطلحات مهمة تمهيد: تَرِد على مسامع المسلم المعاصر ألفاظٌ ومصطلحات، يألف سماعها في المجالس العامة والخاصة، وفي المحاضرات العلمية والندوات التلفازية، ويتجاذب الناس أطراف الحديث بها ويتشوّف كثير منهم - كبيرهم وصغيرهم - إلى معرفة المزيد عنها، فينبري إذ ذاك ثلة من القوم لتصدُّر الحديث بشأنها، فيتلقَّوْنه بألسنتهم، فيهرفون بما لا يعرفون، وقد صار حال الناس في ذلك بين مقلٍّ ومُكثِر؛ فهذا جاهل بحقيقتها، وذاك له أَثارة مِنْ علمٍ بها، وذلك عالم بخفاياها لكنه قد أمسك عن التحدث بشأنها، أو قلّ تعرضه لبيانها، وهي بلا ريبٍ حديث الناس على مدار الساعة، وغالبًا ما يكون للجهلة - الذين امتهنوا الشعوذة، واستساغوا التدجيل - قصب السبق في الحديث عنها، فتنجذب إليهم قلوب العامة، بل وبعض الخاصة، يُغدِقون عليهم بعض ما حازوه من فُتات الدنيا، ومع أن ضر هؤلاء الدجاجلة أقرب من نفعهم، لكنك تلقى تهافت الناس على دُورهم منقطع النظير، حتى إنك قد تجد من لم يمسه ضُرٌّ، يُقبِل عليهم طالبًا نفعاً بهم، فيهرعون إذ ذاك إلى اهتبال هذه الفرصة السانحة، فيستخِفُّونه، ويصنعون له التمائم والحُروز ويحضِّرون له - بزعمهم - الأرواح الخيِّرة لتساعده، فيكون بعدها في ضَنْك العيش؛ تتجاذبه شياطين الإنس والجن، حتى يأذن الله تعالى بفَكاكِه من ذلك.

стр. 8

لذا، وجب على المؤمن أن يكون على بينة من الأمر، فيحذر هؤلاء ويتقي شرهم، ولا سبيل إلى ذلك إلا بمعرفة ما بيَّنَتْه الشريعة الإسلامية من حقائق هذه الأمور، والتي سأسعى - جاهداً إن شاء الله - إلى استقصائها وبيانها بعون الله تعالى، وهي مصطلحات وَفّت الثلاثين لا يَحْسُن بمسلم الجهلُ بها. هذا، ولا تتناول هذه المباحث بيان هذه المصطلحات لغة، حيث إن المقام لا يتسع لذلك، والغرض بيان حقائقها لتبصير المسلم المعاصر بها، ولتحذيره مما قد يضره منها، وهي إجمالاً: الجن - المس - الاستعانة - المَنْدل - الزَّار - قياس الأثر - العرافة - الكهانة - التنجيم - قراءة الزهر المرقَّم - علم الأسارير - قراءة الفنجان - الضرب بالحصى - الخط بالرمل - حساب الطالع - حساب السُّبْحة - الحسد - العين - السحر - الطِّلَّسْم - النَّفْث - النفخ - الهمز - النَّزْغ - الرَّكْضة - الرَّبْط - التِّوَلة - النُّشْرة - التميمة - التحضير. ١- الجنّ (١) : هم خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ الله تعالى، خَلَقهم سبحانه لعبادته كالإنس، قال تعالى: [الذّاريَات: ٥٦] ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ *﴾ ، وهم يوافقون البشر بأوصاف، ويفارقونهم بأوصاف (٢) . أما موافقتهم للإنس فبأنهم: ١- مكلفون بالتكاليف الشرعية.

стр. 9

٢- يسكنون هذه الأرض. ٣- يأكلون ويشربون. ٤- يتناكحون ولهم ذرية. ٥- يُنسَبون إلى أقوامٍ وعشائرَ وقرابات. ٦- ينتسبون إلى أديان مختلفة، فمنهم المؤمنون [وهم درجات في الصلاح] ، ومنهم الكافرون. ٧- ... لهم أوصاف مشتقة من أحوالهم، فكما يقال للإنسي: شيطان لكثرة شقوته وإضلاله لبني جنسه، يقال للجني كذلك، وكما يقال طُفَيْلِيٌّ للإنسان إذا كَثُر اعتمادُه على غيره، يقال للجني إذا اتصف بذلك: تابع، وهكذا ... ومن أوصافهم المشتهرة العِفْريت: وهو القوي الداهية، والخابل وهو الذي يتسبب بالجنون لإنسي، والغُول وهو الذي يَكْثُر تشكُّلُه بصور كثيرة، ليُفْزِع الناس، والزَّوْبعة، وهو من أكثر الجن شوكة وقوة، ومنهم الغوّاص وهو من له قدرة فائقة على الغوص لاستخراج مكنونات البحار من حُلِيٍّ وغيرها، ومن ذلك أيضًا: البنّاء، وهو: من يتصف بالمهارة النادرة في فن البناء. والله أعلم. ٨- ... ينتسبون إلى أوطانٍ، منها: الجزيرة (١) ، ومن مدنها:

стр. 10

نَصِيبين، وفيها جن هم نِعْمَ الْجِنُّ (١) ، وهم سادات الجن، ومن أوطانهم أيضاً نِينَوَى (٢) ، وهكذا. وأما مخالفتهم للإنس فبأمور منها: ١- ... أن أصل خِلْقتهم من خالص اللهب. ٢- ... أنهم يتميزون بقدرات فائقة، منها: سرعة الحركة في التنقل، والقدرة الهائلة على إنجاز الأعمال الشاقة، والقدرة على التشكل بصورة ذي روح كإنسان أو حيوان، علماً أن الصورة التي يتشكّلون بها تصير حاكمة عليهم، فلو فُرِض تشكُّلُهم بصورة إنسي ثم طُعِن هذا الإنسي بخنجر مثلاً، فإن الجني يموت بسبب ذلك، بخلاف تشكُّل الملائكة ﵈، فإن الصورة لا تحكم عليهم (٣) ، وهم باقون على عظم خِلْقتهم وقوتهم كما قبل التشكل. ٣- ... أنهم ثلاثة أصناف: - صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء. - وصنف متشكلين بحيات وكلاب.

стр. 11

- وصنف يحلُّون ويظعنون، يصعدون وينزلون حيث يشاؤون. ٤- ... أنهم لا تمكن رؤيتهم على صورتهم الحقيقية. ٥- ... أنهم لم ينبّأ منهم أحد، ولم يكن منهم رسول، فأنبياء البشر ورسلهم ﵈، هم أنبياء ورسل للجن كذلك. ٦- ... أن من طعامهم اللحم الذي يجدونه عند العظم، وأن علف داوبهم يجدونه عند الروث، يحل لهم ذلك كلُّه إذا ذكروا اسم الله عليه. ٧- ... يسكن الشياطين منهم - والعياذ بالله - في الأماكن المهجورة والحُشُوش (١) ، ويسكنون الأسواق لكثرة ما يكون فيها من التبرج، والغش، والأَيْمان الكاذبة، عياذاً بالله تعالى. * وهاك - أخي القارئ - أدلةً على مجمل ما سبق ذكره من صفات الجن ما وافق منها صفاتِ الإنس وما خالف، مرتبةً بحسب إيرادها السابق إن شاء الله: ١- ... هم مكلفون - كالبشر - مأمورون بأداء الطاعات منهيون عن مقارفة المعاصي، وأدلة ذلك عديدة، منها قوله تعالى: [الذّاريَات: ٥٦] ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ *﴾ ، وقوله سبحانه - حكايةً عن نفر منهم أنصتوا لتلاوة مباركة من النبي ﷺ : [الأحقاف: ٣١] ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ *﴾ ، قال الإمام الشوكاني ﵀ في تفسيره للآية

стр. 12

الكريمة: (في هذه الآية دليل على أن حكم الجن حكمُ الإنس في الثواب والعقاب والتعبُّد بالأوامر والنواهي) . اهـ (١) . مسألة: هل أرسل الله إلى الجن رسلاً منهم أم لا؟ ولا يَرِد على ما سبق الاحتجاجُ بمعنى قوله تعالى: [الأنعَام: ١٣٠] ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ . فإن ظاهر معنى الآية أفاد أن لهم رسلاً من جنسهم، كما أن للإنس رسلاً من جنسهم. لكن الراجح في ذلك عند أهل العلم أنه لم ينبأ منهم أحد ولم يكن منهم رسول، وقد استدلوا على ذلك بأدلة عديدة، منها: قول الله تعالى: [يُوسُف: ١٠٩] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ... ﴾ . وقوله تعالى: [الفُرقان: ٢٠] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ ، وقوله : [العَنكبوت: ٢٧] ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ . وفيه تصريح بأن كل نبي بعثه الله بعد إبراهيم ﵇ فهو من ذريته. وقال النبي ﷺ : وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ (٢) .

стр. 13

ومعلوم - ولا ريب - أن الجن هم من بعض الخَلْق المكلّفين، فيدخلون في عموم رسالته ﷺ ، وقد أفاد الحديث أيضًا أنه ليس لأحد من إنس أو جن أو غيرهم ادعاء نبوة - أو رسالة من باب أولى - بعد النبي ﷺ . وهاك ثلاثة وجوه يرجح بها قول القائلين باختصاص الرسالة ببني آدم دون الجن: الأول: ... كثرة الأدلة - وقد أوردت بعضها - ومن صريح ما استدلوا به قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ... ﴾ [يُوسُف: ١٠٩] ، قال القرطبي ﵀: أي أرسلنا رجالاً ليس فيهم امرأة ولا جني ولا مَلَك (١) . اهـ. الثاني: ... أن المراد بقوله تعالى -، أي: من أحدكم (٢) وقد بينه الإمام الشوكاني ﵀ بقوله: هو من مجموع الجنسين، وصَدَقَ على أحدهما، وهم الإنس، كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ *﴾ [الرحمن: ٢٢] ، والمراد: من أحدهما. اهـ (٣) . الثالث: ... تضمُّن القرآن الكريم خطاباً للجن وتحدياً لهم وإعلاماً بمآلهم في الآخرة، وتوعُّداً لهم، فأما إفرادهم بالخطاب ففي قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِْنْسِ﴾ [الأنعام: ١٢٨] ، وأما اقتران الخطاب بالإنس ففي قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِْنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ

стр. 14

تَنْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] ، وهو من التحدي لهم، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا *﴾ [الإسراء: ٨٨] . ومن الإعلام بمصيرهم في الآخرة قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ *وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ *﴾ [الأحقاف: ١٨-١٩] ، ومن توعّده لهم قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلاَنِ *﴾ [الرحمن: ٣١] . وقوله: ﴿وَمِنَ ... ﴾ [سبأ: ١٢] . وخلاصة ما ذُكر آنفًا - في تقرير أن الجن مخاطبون بالتكليف من قِبَل رسل الإنس - هو ما ذكره الإمام القرطبي ﵀ بقوله: (إن سورة الرحمن والأحقاف وقل أوحي - أي سورة الجن -، دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيون، معاقبون كالإنس سواء بسواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم، لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك)) . اهـ (١) . ووجه الاستدلال في ذلك: أن خطاب القرآن المتوجه إلى الجن دال على أن من أنزل عليه القرآن ﷺ هو مرسل إلى الجن كما إلى الإنس، وإلا فكيف يفردون بالخطاب ثم يتوعدون بالعذاب، ويتم تحديهم بكتابٍ، هو في الأصل منزل على رسول خاص بالإنس، فلو حصل ذلك لكان لهم عندها أن يحتجوا بقولهم: لا شأن لنا بذلك كله،

стр. 15

فالقرآن إنما أنزل على رسول خاص بالإنس، ولمّا لم يفعلوا، دل ذلك على أن النبي ﷺ مرسل لعموم الإنس والجن، والله أعلم. ٢- ... أما سكناهم لهذه الأرض فدليله قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ *﴾ [الرحمن: ١٠] ، قال ابن عباس ﵄: الأنام: الناس، وقال الحسن البصري ﵀: الأنامُ الجنُّ والإنس (١) . - ... وقول النبي ﷺ : إِنَّ فِي الْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا ... (٢) . ٣- ... وأما كونهم يأكلون ويشربون. فدليله قول النبي ﷺ : إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ (٣) . ٤- ... ودليل كونهم يتناكحون ويتناسلون ولهم ذرية قولُ الله تعالى - محذِّراً من اتباع إبليس وذريته عياذاً بالله منهم -: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ [الكهف: ٥٠] . وقد كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء، يقول: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ (٤) . (والخُبُث جمع خبيث،

стр. 16

والخبائث جمع خبيثة، يريد: ذُكْرانَ الشياطين وإناثهم) (١) . ومعلوم أن وجود الذكران والإناث مقتضٍ لحصول الجماع والتوالد، والله أعلم. ٥- وأما انتسابهم إلى أقوام وعشائر، فلقول الله تعالى - حكاية عن نفرٍ من الجن استمعوا القرآن من الرسول ﷺ : ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] . ولقوله ﷺ لأبي هريرة ﵁: «إِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ (٢) - وَنِعْمَ الْجِنُّ - فَسَأَلُونِي الزَّادَ، فَدَعَوْتُ اللهَ لَهُمْ أَنْ لاَ يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلاَ بِرَوْثَةٍ إِلاَّ وَجَدُوا عَلَيْهَا طَعَاماً» (٣) . ٦- ... وأما انتسابهم إلى أديان مختلفة، وكونهم طرائق عديدة من حيث الصلاح والفساد، فلقول الله تعالى - حكاية عن بعض الجن (٤) -: [الجنّ: ١١] ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا *﴾ . قال الإمام القرطبي ﵀: (المعنى: لم يكن كل الجن كفاراً، بل كانوا مختلفين، منهم كفار، ومنهم مؤمنون صُلَحاء، ومنهم مؤمنون غير صُلحاء) (٥) . ٧- ... وأما أوصافهم التي اشتهروا بها فصارت كالأصناف لهم: فمنهم: الشياطين، ومنهم المردة - والعياذ بالله - قال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا

стр. 17

السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ *وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ *﴾ [الصافات: ٦-٧] . والشيطان المارد، هو: (الخبيث المتمرد العاتي، إذا أراد أن يسترق السمع أتاه شهاب ثاقب فأحرقه) (١) . ومن أصناف الشياطين أيضاً البناؤون والغوّاصون قال تعالى: ﴿وَالشَّيْاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ *﴾ [ص: ٣٧] . وقد سخّرهم الله تعالى لعبده ونبيّه سليمان ﵇ وسلّطه عليهم فهم يأتمرون بأمره ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣] ، [والمحراب مقدّم المجلس أو المصلّى أو البنيان، والتمثال صورة من نحاس أو زجاج، والجفان ج/جفنة وهي قدر متسع للطعام، بلغت من سعتها أن تكون كالجابية، أي: الحوض الذي يُجبى فيه الماء أي يجمع به، وقدور أخرى ثابتة لا تتحول من موضعها لِعِظَم حجمها] (٢) . ومن أصنافهم: العفاريت، قال تعالى: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ *﴾ [النمل: ٣٩] ، والعِفْريت هو: (النافذ في الأمر المبالغ فيه مع خبث ودهاء) (٣) . ومنه قوله ﷺ : إِنَّ عِفْرِيتاً مِنَ الْجِنِّ جَعَلَ يَفْتِكُ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ، لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلاَةَ، وَإِنَّ اللهَ أَمْكَنَنِي مِنْه فَذَعَتُّهُ ... الحديث (٤) .

стр. 18

ومنها أيضاً النَّخَسَة الخُبَّل، وهم الذين ينخسون المولود عند ولادته، وقد يتخبط الإنسانَ هذا النوعُ إذا ضلّ عن سبيل الله تعالى، فيُصيِّره لا يعي ما يقوله، وهو المسمى بالمس أو الصرع، والصحيح ثبوت حصوله، كما سيأتي بيانُه تفصيلاً إن شاء الله. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] . وقال ﷺ : مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلاّ نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخاً مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ إِلاّ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ (١) . ومن أصنافهم كذلك الغِيلان، ومفرده غُول، وهو الجني يتصور بصور عدة، ويتبدل باستمرار. قال النبي ﷺ : ... فَإِذَا تَغَوّلَتْ بِكُمُ الْغِيلاَنُ فَبَادِرُوا بِالأَْذَانِ ... (٢) . وكذا منهم الزَّوْبَعة، وهم - كما سبق - من أقوى الجن شوكة. قال تعالى: [الأحقاف: ٢٩] ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ *﴾ ، (وفي سبب نزولها، قال ابن مسعود ﵁: (هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن

стр. 19

نَخْلَةَ، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا - قال: صَهْ -، وكانوا تسعةً أحدُهم زَوْبَعَةُ، فأنزل الله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ..﴾ - الآية) (١) . [وقد آذنَتْه بهم - أي أعلمَتْه ﷺ باستماعهم ووجودهم شجرةٌ] (٢) . وقال الإمام القرطبي ﵀: هم من بني الشيِّصيان، وهم أكثر الجن عدداً وأقواهم شوكة وأشرفهم نسباً (٣) . وقد تعددت الروايات في تحديد نسبة هؤلاء النفر وعددهم، فقيل هم تسعة من الشيِّصيان كما تقدم، أو سبعة من نِصِّيبين، أو من جن نينوى، أو من أهل حرّان، وأن الاستماع كان في صلاة الفجر أو في صلاة العِشاء الآخرة. وأياً كان الحال، فالعبرة في إذعانهم - مع عِظَم شوكتهم - لمواعظ القرآن، وقبولهم بأن يكونوا رسلَ رسولِ الله ﷺ إلى قومهم، يدعونهم لإجابة داعي الله والإيمان به ﵊، بل إنهم قد دَعَوا بعض الإنس أيضاً للإسلام كما في حديث إسلام سواد بن قارب ﵁ الطويل، وفيه أن داعي الجن أتاه ثلاث ليالٍ متواليات يدعوه في كل ليلة بقوله: فانهضْ إلى الصَّفوة من بني هاشمٍ ... ما مؤمنو الجن ككفارها فأنشد سواد بين يدي النبي ﷺ شعراً، ومنه: وأنك أدنى المرسلين شفاعةً ... إلى الله يا ابنَ الأكرمينَ الأطايبِ

стр. 20

فمُرْنا بما يأتيك يا خيرَ مُرْسَلٍ ... وإن كان فيما جاء شَيْبُ الذوائبِ وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعةٍ ... سواك بمُغْنٍ عن سوادِ بن قاربِ قال سواد ﵁: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، وَقَالَ: أَفْلَحْتَ يَا سَوَادُ (١) . ٨- ... وأما انتسابهم إلى أوطانٍ ومواضعَ من الأرض، فمن أدلته: - ... قول النبي ﷺ لأبي هريرة ﵁: «إِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ، وَنِعْمَ الْجِنُّ ... » (٢) الحديث. - ... وعند الإمام الشعبي ﵀: (إن الوفد الذي جاء ليلة استماع الجن القرآنَ من رسول الله ﷺ ، كانوا من جنّ الجزيرة) (٣) .

стр. 21

- ... وذكر الإمام القرطبي ﵀ أن الوفد كانوا من جن حرّان، ومن نصيبين، والذين أتَوْا النبيَّ ﷺ بنَخَلَةَ كانوا من جن نِينَوَى)) (١) . * وأما أدلة مخالفتهم للإنس: - ... ومن ذلك أن أصل خِلْقتهم من خالص حَرِّ النار، ولَهَبِها، فلقول الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ *﴾ [سورة الرحمن: ١٥] ، ولقوله تعالى: ﴿وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ *﴾ [الحِجْر: ٢٧] . ولقول النبي ﷺ : خُلِقَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الجَّانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ (٢) . والمارج والسموم وَصْفان للنار، يعني الأولُ: لهب النار ولسانه، والثاني: خالص حرّ النار الذي ينفذ في المسام لشدته (٣) . - ... ومن ذلك تميزهم عن الإنس بقدرات متفوقة منها: سرعة الحركة، فلقوله تعالى: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ *﴾ [النمل: ٣٩] . فقد تكفّل ذلك العِفْريت من الجن بإحضار عرش ملكة سبأ بلقيس، لسليمان ﵇، وذلك قبل قيامه ﵇ من مجلسه.

стр. 22

ومن قدراتهم المتفوقة - ولا ريب - قدرتهم على لمس السماء، قال تعالى حكاية عن مَرَدة الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا *﴾ [الجن: ٨] . - ... ومن أدلة مخالفتهم الإنس في قدرتهم على التشكل بصورة ذي روح، فلقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ *﴾ [الأنفال: ٤٨] . وقد كان ذلك في مجيء إبليس - نعوذ بالله من الشيطان الرجيم - في صورة رجل من بني مُدْلج، وهو على هيئة سراقة بن مالك بن جعشم، فلما رأى جبريلَ ﵇ أقبل مع جند من الملائكة نزع يده من يد رجل من المشركين، فقال الرجل: تزعم أنك جار لنا؟! فقال: إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (١) . وأما دليل تشكُّلهم من السنة النبوية، فقد سبق قول النبي ﷺ : إِنَّ عِفْرِيتاً مِنَ الجِنِّ جَعَلَ يَفْتِكُ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ، لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلاَةَ، وَإِنَّ اللهَ أَمْكَنَنِي مِنْهُ فَذَعَتُّه، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَرْبِطَهَ إِلَى جَنْبِ سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، حَتَى تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ أَجْمَعُونَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: [ص: ٣٥] ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَِحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ ، فَرَدَّهُ اللهُ خَاسِئاً (٢) .

стр. 23

ومن أدلته أيضاً: حديث أبي هريرة ﵁، إذ وكّله رسولُ الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فكَذَبَه شيطانٌ ليلتين يحثو في كلّ ليلةٍ من تمر الصدقة، مدَّعياً فاقتَه وعياله زاعماً عدمَ عودته، ثم يعود، حتى جاء الثالثة، فعلّم أبا هريرة أن يقرأ آية الكرسي بتمامها فيكون بعدها في حفظ الله تعالى ولا يقربنَّه شيطان حتى يُصبِح، فقال ﵊: أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعَلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَة؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: ذَاكَ شَيْطَانٌ (١) . - وأما تشكلهم على صورة ذي روح من الحيوان، فدليله قول النبي ﷺ : لاَ تَقتُلُوا الجِنَّانَ (٢) ، إِلاّ كُلَّ أَبْتَرَ ذِي طُفْيَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يُسقِطُ الْوَلَدَ، وَيُذهِبُ الْبَصَرَ، فَاقْتُلُوهُ (٣) ، [واستثناء هذين النوعين (الأبتر وذي الطُّفْيَتَيْن) (٤) ، من حيات البيوت يقتضي: أن الجني يتمثل في حيات البيوت، إلا في هذين النوعين فلا يتصوّر بصورتهما، لذا فإنه يسنّ

стр. 24

قتلُهما مطلقاً] اهـ (١) . وهذا النهي عن قتل حيات البيوت مقيد بوجوب استئذانها ثلاثة أيام، كما في قوله ﷺ : إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنّاً قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئاً (٢) ، فَآذِنُوهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ (٣) . - وأما اختلاف الجن وتبايُنهم من حيث الصورة وشكل الخِلْقة، فدليله قوله ﷺ : الْجِنُّ عَلَى ثَلاَثَةٍ: فَثُلُثٌ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ فِي الْهَوَاءِ، وَثُلُثٌ حَيَّاتٌ وَكِلاَبٌ، وَثُلُثٌ يَحُلُّونَ وَيَظْعَنُونَ (٤) . - وأما كونهم لا تمكننا رؤيتهم على صورتهم الأصلية، فلقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] . وهذه الآية دالّة - كما ذكر الإمام الشوكاني ﵀ على عدم رؤيتنا لهم على صورتهم الأصلية، وليس معناها انتفاء رؤيتنا لهم في حالة تشكُّلهم بمختلف الصور التي ثبت تشكُّلُهم بها، لورود الأحاديث الصحيحة في ذلك (٥) .

стр. 25

- وأما كون رسل البشر هم رسل للجن أيضًا، وأنه لم ينبأ من الجن أحد ولم يرسل إليهم، فقد سبق تفصيل ذلك، بما أغنى عن إعادته هاهنا (١) وهو الذي عليه جمهور العلماء كما ذكره ابن قيم الجوزية ﵀ بقوله: (ولما كان الإنس أكملَ من الجن وأتمَّ عقولاً ازدادوا عليهم بثلاثة أصناف أُخَر ليس شيء منها للجن، وهم: الرسل والأنبياء والمقرّبون، فليس في الجن صنف من هؤلاء، بل حِلْيتهم الصلاح) . اهـ (٢) . - وأما كون طعامهم أوفر اللحم يجدونه عند كل عظم، وكون طعام دوابهم عند كل بَعْرَةٍ أو رَوْثٍ، فدليله قوله ﷺ مخاطباً الجن - لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْماً، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لَدَوَابِّكُمْ (٣) . - وأما دليل وجود الشياطين منهم - والعياذ بالله - في أماكن قضاء الحاجة كالحشوش ونحوها، فلقوله ﵊: إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فَإِذَا أَتى أَحَدُكُمُ الْخَلاَءَ، فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ (٤) .

стр. 26

- وأما كثرة وجودهم - عياذاً بالله - في الأسواق، فلوصية سلمانَ ﵁، بقوله: ((لا تكونن، إن استطعتَ، أولَ من يدخل السوق ولا آخرَ من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها يَنْصِبُ رايته)) (١) . ٢- المسُّ، ومن أثره الصَّرْع: إن من المسلّم به لدى كل مسلم - ولله الحمد - الإيمان الجازم بما نُصَّ عليه في كتاب الله تعالى، وبما صحّ من سنة نبيه ﷺ ، ومما يدخل في ذلك التسليم بوجود الجن، وهذا مما أجمع عليه سلف هذه الأمة وخَلَفُها شرَّفها الله. ولكن، ما تأثير هذا الخلق على الإنس؟ إن جمهور أهل العلم يُثبِتون أثراً للجن على الإنس، فإنْ تسلَّط شيطان من شياطين الجن على إنسي تخبَّطه بمسٍ - والعياذ بالله -، وهذا المس له عندهم مفهوم شامل ينضوي تحته كل أثر له، ومن ذلك الوسوسة المعنوية، ومن أثرها اللمّة، وهي: خاطر يفضي إلى كثرة التردد في الأمور، أو الميل إلى الشر والانصراف عن الخير، وقد تبلغ الوسوسة في صدر الإنسي حدَّ سَلْبِه لإرادته، وقد يتبع ذلك الأذى النفسيَّ المسُّ الحسيُّ - وهو التخبط - وهو أذى وتعدٍّ مادي جسدي يؤدي إلى اختلال الحركات، فيتخبط الممسوس في مشيته مثلاً، أو يفقد السيطرة على تصرفاته، وهذا ما يسمَّى بالصَّرْع، وقد يصل الصَّرْع إلى حدّ التلبس التام، فيكون المسُّ عندئذ سيطرةً تامة على العقل والجسد، فيُعَلّ الممسوسُ بسببها جسداً ونفساً، ويؤثر ذلك على عقله، فيصيبه لمم (طرف جنون) أو جنون تام، والعياذ بالله، فلا يعي بعدها ما يقول، وقد

стр. 27

يقول ما لا يريد، أو ما لا يُفْهَم، وقد يؤذي غيره، وهو مسلوب الإرادة، وقد يكره العبادات، ويكون الكاره - على الحقيقة - هو الشيطان الذي استهواه فمسه فتلبَّس به. وخلاصة ذلك أن المس من قِبَل شيطان من شياطين الجن لإنسان، هو التعرض له بأذىً: بدءاً بالوسوسة، مروراً بالصَّرْع، وانتهاءً بالتلبس، نسأل الله العافية. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] . وقال تعالى: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَْرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام: ٧١] . وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *مَلِكِ النَّاسِ *إِلَهِ النَّاسِ *مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ *الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ *مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ *﴾ [سورة الناس] . وقال النبي ﷺ لامرأة (١) أتت تشكو إليه أنها تُصرع وتتكشّف: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ، فقالت: أصبر، ثم قالت: إني أتكشّف، فادع الله لي أن لا أتكشف، فَدَعَا لَهَا ﷺ » (٢) .

стр. 28

وقال ﵊: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ (١) . ٣- الاستعانة: ويُعنى بها - اصطلاحًا -: قصد طلب العون من الجن خاصة، ومن شياطينهم بصورة أخص، وهو ما يسمى بـ (دعوة الجن) ، وقد يُلجأ إليه - والعياذ بالله - عند العلاج من مس أو سحر أو ربط ونحو ذلك. - قال الله تعالى: [المَائدة: ٢] ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ . - وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا *﴾ [الجن: ٦] . - وقال الله : [سَبَإ: ٤١] ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ . وقد أفتى علماء أعلام في عدم جواز الاستعانة بالجن - فيما فيه إثم أو عدوان -؛ منهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، بقوله: (من كان يستعمل الجن فيما ينهى الله عنه ورسوله، إما في الشرك، وإما في قتل معصوم الدم، أو في العدوان عليه بغير القتل كتمريضه وإنسائه العلم وغير ذلك من الظلم، وإما في فاحشة كجلب من يطلب الفاحشة، فهذا

стр. 29

قد استعان بهم على الإثم والعدوان، ثم إن استعان بهم على الكفر فهو كافر، وإن استعان بهم على المعاصي فهو عاصٍ؛ إما فاسق وإما مذنب غير فاسق) . اهـ (١) . وكذا أفتى بذلك سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀، وقد علل ﵀ عدم جواز استخدامهم في العلاج بكون ذلك وسيلة إلى عبادتهم وتصديقهم، لأن فيهم من هو كافر ومن هو مسلم ومن هو مبتدع، ولا تُعرف أحوالهم فلا ينبغي الاعتماد عليهم ولا يُسأَلون ولو تمثلوا لك، بل عليك أن تسأل أهل العلم والطب من الإنس، وقد ذمّ الله المشركين بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا *﴾ [الجن: ٦] ، ولأنه وسيلة للاعتقاد فيهم والشرك، وهو وسيلة لطلب النفع منهم والاستعانة بهم، وذلك كله من الشرك) . اهـ (٢) . وقد يحسن في هذا المقام ذكر بعض أقوال أهل العلم في معنى الرَّهَق من قوله تعالى: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] . قال الإمام القرطبي ﵀: (رهقاً، أي خطيئة وإثماً. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، والرَّهَق: الإثم في كلام العرب وغشيان المحارم) (٣) . وقال الإمام ابن كثير ﵀: (رَهَقاً، أي: إثماً، وازداد الجن عليهم جراءة.... وقال عكرمة ﵀: فدَنَوْا من الإنس فأصابوهم بالخَبَل والجنون، وقال مجاهد ﵀: زاد الكفار طغياناً) (٤) .

стр. 30

تفصيل القول في شأن الاستعانة بالجن: يتبين من مجموع النصوص الشرعية، ثم من ثاقب فهم أهل العلم لها - جزاهم الله خيراً -، يتبين أن الاستعانة لفظ مجمل يندرج تحته مسمَّياتٌ شتى، فلا يسوغ الحكمُ بتحريمها على وجه الإجمال، بل يُنظَر فيما قُصِد بها، وبأي وسيلة تمت، فيكون الحكم بحسب ذلك النظر، وهاك بعض تفصيل لذلك: - الاستعانة بمعنى الاستعاذة ، ووسيلتها التوجّه، ومثالها: توجه بعض مشركي العرب إذا نزل وادياً مقفراً للالتجاء إلى سيد القوم من الجن في ذلك الوادي، ليقيَه الضُّرَّ - المحتمل حصوله من أشرار قومه - في نفسه أو ماله أو ولده، أو حتى ماشيته، وهذا، ولا ريب، فيه توجه إلى ما يظنه المستعيذ سلطاناً قاهراً يتملكه الجن، فيكون فيه نوع تعظيم لهم، فيحرم لذلك، بل ويكون فيه نوع شرك، لكون الاستعانة - بما لا يقدر عليه إلا الله - عبادة لغير الله سبحانه. قال الإمام القرطبي ﵀: (ولا خفاء أن الاستعاذة بالجن دون الاستعاذة بالله كفر وشرك) (١) . - الاستعانة بمعنى الاستمتاع ، ووسيلته الإقسام على الجن بأسماء من يعظّمونهم، فيحصل بذلك لكبراء الجن الرئاسةُ والجاه - بزعمهم - على الإنس فضلاً عن الجن، فينالون به حظاً من حظوظ الدنيا فيتلذذون لذلك. أما قضاء الحوائج للإنس مما يقدر عليه الجن، فإنه يحرم أيضاً، لكونه وسيلة للاعتقاد، وهو وسيلة لطلب النفع منهم والاستعانة بهم.

стр. 31

هذا إن لم يكن فيه إقسام على الجن بعظيم عندهم، أو لم يكن فيه طلب لأمر غيبي اختص الله بعلمه به، فإن كان فيه شيء من ذلك فهو شرك صريح وعبادة ظاهرة لهم، والعياذ بالله تعالى. - الاستعانة بمعنى الاستخدام ، ووسيلته: أن يطلب الإنسي المؤمن من جنٍ أداء طاعة لله تعالى، كأن يبلِّغه علماً نافعاً، ثم يطلب منه تبليغه لمن خلفه من نظرائه من الجن، وهذا جائز محمود، وهو من قبيل الدعوة إلى الله تعالى. - الاستعانة بمعنى الاستخدام الخاص، وهو فيما اصطلح عليه السحرة في معنى الاستخدام، ووسيلته أن يتقرب الساحر إلى شيطان من شياطين الجن بأفعال يحبها، كأن يتقرب إليه بذبح، أو بفعل فاحشة، أو بترديد عزائمَ شركيةٍ، ونحو ذلك، فيعطي ذلك الشيطانُ عندها العهدَ للساحر بأن يلزم طاعته كلما طلب ذلك. وهذا - ولا شك - محرم وهو شرك بالله، وكفر بدينه، والعياذ بالله. الاستعانة بمعنى الاستحضار ، وهو نوعان، وسيلة الأول منهما ادعاء طلب استنزال روح من أرواح الملائكة ﵈، والآخر طلب تلبس جني بجسد إنسي، لتدل الملائكة في الأول، أو الجني في الثاني - بزعمهم - على اسم سارق ما، أو مكان مسروق، أو متى وكيف وأين تمت السرقة، وهو ما يعبَّر عنه بالمندل، وسوف يأتي تفصيل له، وهو محرّم لاشتماله على اعتقاد ما لا يصح في حق الملائكة ﵈ من معصية الله تعالى، ولتضمنه استعانة بهم أو بالجن المسمَّوْن عندهم: خُدّام المندل.

стр. 32

وطرق الاستعانة كثيرة متشعبة، ليس القصد في هذا المقام حصرها، لكن بيان بعضها، وذلك ليُعلَم تغايرُ أحكامها تبعاً لوسائلها والغاية منها، وأن أغلب ما يتخذه الإنس من وسائل لتحقيق الاستعانة، يدخل فيه نوع شرك، من عمل مذموم تحبه الجن، أو إقسام وعزائم تستمتع بسببها الجن بالجاه، أو يستمتع بها الإنس بتحصيل مال أو رياسة، أو بادعاء كهانة أو فك سحر، أو جلب غائب، أو دفع مس ونحوه. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ *﴾ [الأنعام: ١٢٨] . وفيما يأتي أخص بعض طرق الاستعانة المحرمة بالذكر تفصيلاً، وذلك لاشتهار العمل بها لدى السحرة والدجاجلة المشعوذين. ومن ذلك: المندل - الزار - قياس الأثر. ٤ - المندل: وهو: مصطلح لديهم - عنيتُ أهل السحر والشعوذة، قاتلهم الله - يعني: استحضار جني كافر بطريق تكرار تعويذة تسمى: عزيمة، يكون الساحر، والعياذ بالله، قد توافق على صيغة لها مع شيطان الجن، بحيث تصير كالعهد بينهما، ويكون ذلك بعد استرضاء الساحر للجني بتلبية طلباته جميعِها، ولو اشتملت على ارتكاب محرم أو تلفظ بشرك، فإذا استرضاه بذلك عاهده بالتعويذة - وهي تكون متضمنة شركًا صريحًا، وتكون غالبًا بكلمات غير عربية كالسريانية مثلاً -، وكلما تلا المعزِّم التعويذة حضر خادم المندل فيستعمله فاتح المندل،

стр. 33

أي الساحر أو المشعوذ، في الاستدلال على غائب كمسروق أو مفقود ونحوه. وتفصيله: أن يُحضِر الساحر طفلاً لم يبلغ الحُلُم حال كونه غير متوضئ! فيكتب آية من القرآن على جبهته، وغالباً ما يكتبون قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ *﴾ [ق: ٢٢] ، ثم يحمّله فنجاناً يضع فيه حبراً أو زيتاً، ثم يقرأ المعزِّم - الساحر - العزيمةَ المتوافَق عليها، فيرى الطفل في الفنجان الجنيَّ المحضَّر، فيسأله عن المفقود فيجيبه وهو يرى صورته متمثلاً بحبرٍ أو زيت ونحوهما، فإما أن يريه الجنيُّ المفقودَ فيعرف مكانه، أو يكتب له بحروف متفرقة على لوحٍ يراه الطفل، وربما سأله عن السارق فيكتب، وهكذا. ويُلحَظ في هذه الطريقة انتشارها، فربما قام بها دجال مشعوذ، أو ساحر، أو حتى مَنْ ظاهرُه الصلاح، فيلبّس على العامة أمر دينهم، ويوهمهم بأن الجن المؤمن يخدمه بطريق المندل، فليُحذر من ذلك أشد الحذر. ومما يشبه فتح المندل من طرق الاستعانة المحرمة: طريقة الكف، وفيها يرى الطفل الصُّوَر في كفِّه، وقد رسم الساحر عليه مربعاً كتب حوله طلاسم، وجعل في وسطه زيتاً أو حبراً، ثم يتلو الساحر عزيمة شركية. ومؤدّى الطريقتين واحد، وهو ادعاء كشف الغائب، ومعرفة مكان المفقود أو المسروق ونحو ذلك بطريق الاسترضاء. ٥ - الزار أو دَقّة الزار ، ويقصد به: التقرب إلى شيطان من شياطين الجن، بتلبية جميع طلباته من ذبح لغير الله تعالى، وارتكاب محرم كاختلاط رجال بنساء، وربما زانى بعضهم ببعض، وذلك ليزورهم ذلك الشيطان، فيُخرج - بزعمهم - شيطاناً آخر كان قد سبقه فتلبس في جسد إنس، (غالباً ما تكون امرأة) ، فيقام حفل توسم فيه تلك

стр. 34

المرأة عروساً، وتضرب من حولها الدفوف، ويُهلُّ به بالذبح تقربًا لغير الله تعالى، ويلطخ بالدم المهراق وجه تلك العروس، فتصرخ صرخة أو يصرخ منظّم الزار، مؤذِناً بتحقق تخلّصها من الجن الذي تلبس بها. وفي هذه الأثناء - عند ضرب الدفوف وإضاءة الشموع ودوران الرجال والنساء حول العروس التي قد تعتلي متجملةً سُدّة تتوسطهم، أو تكون معتلية ظهر حصان أو جمل - في هذه الأثناء قد يختلي رجال بنساء بقصد الاستمتاع المحرم. وما سبق يكون في حالةِ كان مرض المرأة تلبُّس جنيٍّ، أما إن كانت راغبة بالولد ولا طاقة لزوجها بذلك، فقد يقوم منظّم الزار - أو من ينيبه - بتلك المهمة بدلاً عنه، ويتم الإعلان بعدها بأنها قد شفيت من عقم مزمن، أو تعافى زوجها ببركة الزار، وما قدمته من غالٍ ونفيس، لمنظِّمه ومستدعي زائر الحضرة من الجن الصالح!! هكذا ينفد ما في الديار لإقامة الزار، وينفد ما في الجيب لمعرفة ما في الغيب، وصدق القائل في وصف الزار وتكلفته الباهظة، بقوله: ثلاثة تشقى بهنَّ الدارُ ... العرسُ والمأتمُ ثم الزَّارُ ومعلوم لديك - أخي القارئ - انتشار هذه الطريقة من طرق الاستعانة انتشار النار في الهشيم في بعض ديار المسلمين، بل إن الأدهى من ذلك كلِّه كثرةُ عرض حفلات الزار - وما يحصل بها من مخازٍ فاضحة - في عروض تلفازية وسينمائية، حتى لَيُخيَّل لمن يراها بأن ذلك هو من مسلّمات الدين، وشعائره التي لا يُعذَر المسلمُ بالجهل بها، فيتم بذلك التلبيس على

стр. 35

المسلمين عامةً، وتنفير غير المسلمين من الالتحاق بهم فيما لو توافرت لديهم النية لذلك، أو كانوا من المؤلَّفة قلوبهم!! ٦ - قياس الأثر: وهي - كما سبق - طريقة من طرق الاستعانة بالجن، ويطلب الساحر فيها أثراً من أثر المريض، كمنديل له، أو عمامة ونحو ذلك، مما يحمل ريح عرق المريض، ثم يعقد هذا المنديل من طرفه، ثم يقيس مقدار أربع أصابع من بعد العقدة، ومن ثَمّ يمسك المنديل إمساكاً محكماً، ثم يقرأ سورة التكاثر أو أي سورة من قصار المفصّل ويرفع بها صوته، ثم يُسِرُّ بقول طِلَّسم شركي، ينادي به الجني، ويسأله أن يقصّر الأثر إن كان بالمريض مس من الجن، وأن يطوّله إن كان به عين، [أو العكس] (*) ، وأن يُبقيَه على ما هو عليه إن كان المرض مرضاً عضوياً أو نفسياً، ثم يتم القياس بعد ذلك، فإن نقص عن أربع أصابع استعان بالجني أو بمن هو أعلى منه وأقدر على إخراج مَنْ مَسَّهُ من الجن، وإن زاد عَمَد إلى معالجته من العين، بطرق مقررة من اغتسال العائن ثم صب الماء على رأس المعين بغتةً مِنْ خَلْفِه، أو يتوضأ العائن، ثم يغتسل منه المعين، أو بقراءة الرقى المشروعة في ذلك، وإن بقي الأثر على ما هو عليه - لم يزد ولم ينقص - أَمَر المريضَ بالاستطباب لدى أهل الطب" (١) . وهذه الطرق الثلاثة السالفة، - المندل والزار وقياس الأثر - هي ولا

стр. 36

شك طرق استعانة شركية محرّمة، وقد يكون أخطر ما فيها: الاستهزاء بدين الله تعالى، حيث استخف به المعالِجُ والمعالَجُ، فأعرضا عنه، واستبدلا الذي هو شر بالذي هو خير، وتعلّقا لدفع الضر بغير الله ، وقد قال ﵊: مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلاَ أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدْعَةً فَلاَ وَدَعَ اللهُ لَهُ (١) ، فإذا تخلّى الله تعالى عن هؤلاء جميعهم، وأَذِن تعالى بإيقاع الضرر عليهم، وتركهم إلى ما وثقوا به واعتمدوا عليه من دون الله ، فلا يلومن أحدُهم إلا نفسَه. وخلاصة ذلك أن كل استعانة صريحة بمخلوق، وطلبٍ منه، أو مناداةٍ له، أو دعائه، فهو بلا ريب مما يُغضِب الربَّ سبحانه، لأنه في حقيقته عبادة لغير الله، والعياذ بالله. قال تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *﴾ [الفاتحة: ٤] . فانظر كيف جعل سبحانه الاستعانة به استمداداً للمعونة الإلهية، ولياذاً بالحضرة الربانية، مع التبرؤ التام من الالتجاء والتوجه لسواه تعالى، وبدهي أن ثمرة ملازمة ذلك يعود نفعه على العبد، كما أن التجرؤ على مخالفة ذلك ضرره عظيم واقع على العبد لا محالة، وقد كان من لطف الله بعباده أن أرشد إلى وجوب الاستعانة بجلاله، فهو تعالى مستغن عن خلقه قاهر فوق عباده. ٧ - ٨ -٩ - العِرافة والكهانة والتنجيم: أما العرافة: فهي ادعاء معرفة أمور من الغيب، بمقدِّمات يستدل بها مدَّعي ذلك (٢) . فإن استخدم ذلك العرّافُ شياطين الجن ليعلموه شيئاً من علم الغيب، سمي العرّاف كاهناً، فالكهانة إذاً هي: ادعاء علم الغيب بوساطة

стр. 37

استخدام الجن (١) ، فإنْ كانت المقدِّمات متعلقةً بحساب الأحوال الفلكية وتأثيرها على الحوادث الأرضية سمي العرّاف عندئذٍ منجماً، فالتنجيم علم تخميني لا يقيني (٢) ، الغرض منه الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، والتمزيج بين تلك القوى الفلكية والقوابل الأرضية كما يزعمون (٣) . ومن التنجيم أيضاً ما يسمى بـ (الموالد) ، وهي أن يدعيَ بطريق معرفة النجم الذي كان طالعاً عند ولادة الشخص، أنه يكون سلطاناً أو عالماً، أو غنياً أو فقيراً، أو طويل العمر أو قصيرَه، ونحو ذلك (٤) . فإن خلت تلك المقدمات عن إخبار الشياطين وعن الاستدلال بسير الكواكب في مجاريها، سمي فاعل ذلك عرّافاً وحسب. ومما يدخل في العرافة أيضًا: الاستدلال بقراءة الزهر، وبقراءة الفنجان، وبالضرب بالحصى، وبحساب الطالع، وبورق اللعب (الشدة أو الكوتشينة) ، والفتح بالسبحة، وقراءة الودَع، كل ذلك يعتبر من صنوف العرافة، إن لم يكن فيه إخبار من شيطان للعرّاف فإن تضمن ذلك كان كهانة، وإن تضمن قراءة جداول الكواكب وتفسيرالأرقام تبعاً لها، فيكون عندئذٍ تنجيماً. فالعرافة - كما سبق - لفظ عام قد ينفرد، وقد يندرج دونه مصطلحا الكهانة والتنجيم، وغيرهما، وذكر بعض أهل العلم أن الفرق بين العرافة والكهانة - مع أنهما يشتركان في دعوى الاطلاع على الغيب-: (أن العرافة تكون مختصة بالأمور الماضية، والكهانة مختصة بالأمور المستقبَلة) (٥) .

стр. 38

وهاك أخي القارئ، تفصيلاً لبعض من أنواع العرافة المشتهرة: ١٠ - قراءة الزهر المرقّم: وهو حجر بشكل مكعب موسوم في جهاته الست بأرقام من واحد إلى ستة، وهو معروف بـ (زَهْر لعبة الطاولة) ، حيث يُلقى هذا الزهر ضمن دائرة، فإن استقرَّ بها، يُقرَأ الرقم الظاهر في جهته العليا، ثم يُعمَد إلى تفسير الرقم بحسب ما تقضي به جداول الكواكب، المتوافرة لديهم: جدول (١) (٢) ... إلخ. وإن استقر الزهر خارج الدائرة، فإن الشخص - بزعمهم - سيصادف شقاقاً عما قريب!! ١١ - علم الأسارير ، وهو علم باحث في الاستدلال (بالخطوط الموجودة في الأكفِّ والأقدام والجباه، بحسب تقاطعها وتباين أطوالها، وتقدير المسافات بينها) يستدلون بذلك على أحوال الإنسان النفسية، وآتي أمرِه من شقاوة أو سعادة، وغنى أو فقر، ونحو ذلك. ١٢ - قراءة الفنجان: والمقصود بذلك، ادعاء تفسير أثر (القهوة المعروفة بـ: التركية) المتبقي في الفنجان، من بعد احتسائها، حيث يُدار الفنجان باليد اليسرى مرات، ومن ثَمّ يُكفأ على حافته، ليُرفع بعدها، وليشرع قارئه (المبصِّر) بقراءته بحسب ما يعرف من رموز به، فما كان من رمز في قاع الفنجان فهو يمثل المستقبل، وما كان قريباً عند حافة الفنجان فهو حاضر محتسي القهوة، ثم إن ظهر - مثلاً - شكل يشبه حصاناً فهو عريس الهنا لمن شربت القهوة، وإن كان ما ظهر يشبه دجاجة، فهو دلالة على البشارة بالإنجاب والإخصاب، أما الدائرة فتمثل عندهم اجتماعاً لعرس مثلاً، ويعبّرون عنها بقولهم (جَمٍْعة على خير) ، وهكذا يفسرون أثر البنّ البرازيلي أو العَدَني، سواء ولا فرق

стр. 39

لديهم، كلٌ بحسب حال شارب القهوة!! فإن كانت فتاة قاربت سن العنوسة، سارع القارئ يزفّ إليها بشرى مَقْدم فارس الأحلام ممتطياً صهوة جواد لا يكبو، محمَّلاً بالورود والرياحين!! وإن كان تاجراً بُشِّر بربح وافر في عاجل تجارته، وربما في آجلها، وإن كان طالباً بُشِّر باجتياز الامتحان بتفوق تام على أقرانه، وما يستدعي العجب فعلاً تصديق أكثر الناس بذلك، حتى ولو بلغ أحدهم شأوًا مرموقاً في الثقافة وتبوأ منزلة مشهودًا له بها!! أما عامة الناس، فحدّثْ ولا حرج حيث صارت قراءة الفنجان - عند البعض - دأبهم في كل صباح، حيث تجتمع النسوة في دار إحداهن، ويبدأ من ثمَّ استعراض المهارات في القراءة الرمزية. ولا يخفى أن جميع ذلك هو من ادعاء العِرافة، فإن حضر كاهن، رجل كان أو امرأة، فأخبر بما يخبره به شيطان الجن من نبإ، مدعياً أنه يستنبطه من أثر خطوط القهوة، زاد عندها الأمر سوءًا وتحولت العرافة إلى كهانة، حيث يجزم الناس - حال صدق الكاهن، ولو لمرة واحدة - بدوام صدقه ووجوب تصديقه، فيعتقدون أحقية اتباع رموز الفنجان، وبأن ارتسامها دال يقيناً على ما اختصّ الله تعالى بعلمه مما قُدّر للمرء في عاجل أمره وآجله! تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. "ولا شك في أن هؤلاء المتكهنين من الكَذَبة المتخرِّصين من أهل الحَدْس والتخمين، إنما جعلوا هذه الحيل علامة عندهم.... فهؤلاء الكهنة يوهمون العامة معرفة مستقبل الأمور بالقراءة في الفنجان..... فإذا قُدّر إصابتُهم في بعض الأحيان، فإن ذلك من باب المصادفة، أو من إخبار الشياطين لهم بما تسترق من السمع، وأكثرهم كاذبون" (١) .

стр. 40

١٣ - الضرب بالحصى: وهو - اختصاراً - رمي عدد من الحَصَيات غير محدد، أو من الوَدَع (صدف لحلزونات بحرية) ، تُرمى في زاوية، ثم يشرع العرّاف باستعادتها حصاتين حصاتين مثلاً، أو ثلاثة ثلاثة، ثم ينظر ما تبقّى منها بعد ذلك، فإن كان شفعاً (عددًا مزدوجًا) دل ذلك على حُسْنِ الطالع وإن كان وترًا (عددًا مفردًا) دل على سوئه!، وذلك كله من العرافة بالتخمين والحدس، فإن أصابت أحياناً، فهو من باب المصادفة، فإن كان من يعمله كاهناً قد أخبر بما استخبر به شيطانَه، صارت من الكهانة المحرمة، والله أعلم (١) . ١٤ - الخط بالرمل: وله مسميات شتى، منها: علم الرمل، وعلم الخط، وعلم الطَّرْق، وعلم الضرب، وطريقته: أن يقوم الخاطّ برسم خطوط كثيرة متفرقة على أرضٍ لينة، يرسمها بخِفَّة بالغة وعَجَلةٍ متعمَّدة، فلا يُعرف عند ذلك عددها، ثم يمحوها خطين خطين، فإن بقي خطان مثلاً كان ذلك علامة على النجاح، وإن بقي خط واحد فهو دليل الخيبة والحرمان" (٢) . وهو من العرافة المحرمة، فإن عمله كاهن استعان بإخبار شيطانه، فهو من الكهانة الشركية، ومن ادعاء العلم بالغيب الذي اختص الله تعالى بعلمه. مسألة: الخط بالرمل علم معروف مشتهر، فهل هو الضرب على الرمل بعينه، أم أنهما متغايران؟
следующие страницы →