شك طرق استعانة شركية محرّمة، وقد يكون أخطر ما فيها: الاستهزاء بدين الله تعالى، حيث استخف به المعالِجُ والمعالَجُ، فأعرضا عنه، واستبدلا الذي هو شر بالذي هو خير، وتعلّقا لدفع الضر بغير الله ، وقد قال ﵊: مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلاَ أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدْعَةً فَلاَ وَدَعَ اللهُ لَهُ (١) ، فإذا تخلّى الله تعالى عن هؤلاء جميعهم، وأَذِن تعالى بإيقاع الضرر عليهم، وتركهم إلى ما وثقوا به واعتمدوا عليه من دون الله ، فلا يلومن أحدُهم إلا نفسَه.
وخلاصة ذلك أن كل استعانة صريحة بمخلوق، وطلبٍ منه، أو مناداةٍ له، أو دعائه، فهو بلا ريب مما يُغضِب الربَّ سبحانه، لأنه في حقيقته عبادة لغير الله، والعياذ بالله. قال تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *﴾ [الفاتحة: ٤] . فانظر كيف جعل سبحانه الاستعانة به استمداداً للمعونة الإلهية، ولياذاً بالحضرة الربانية، مع التبرؤ التام من الالتجاء والتوجه لسواه تعالى، وبدهي أن ثمرة ملازمة ذلك يعود نفعه على العبد، كما أن التجرؤ على مخالفة ذلك ضرره عظيم واقع على العبد لا محالة، وقد كان من لطف الله بعباده أن أرشد إلى وجوب الاستعانة بجلاله، فهو تعالى مستغن عن خلقه قاهر فوق عباده.
٧ - ٨ -٩ - العِرافة والكهانة والتنجيم: أما العرافة: فهي ادعاء معرفة أمور من الغيب، بمقدِّمات يستدل بها مدَّعي ذلك (٢) . فإن استخدم ذلك العرّافُ شياطين الجن ليعلموه شيئاً من علم الغيب، سمي العرّاف كاهناً، فالكهانة إذاً هي: ادعاء علم الغيب بوساطة
стр. 37
استخدام الجن (١) ، فإنْ كانت المقدِّمات متعلقةً بحساب الأحوال الفلكية وتأثيرها على الحوادث الأرضية سمي العرّاف عندئذٍ منجماً، فالتنجيم علم تخميني لا يقيني (٢) ، الغرض منه الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، والتمزيج بين تلك القوى الفلكية والقوابل الأرضية كما يزعمون (٣) . ومن التنجيم أيضاً ما يسمى بـ (الموالد) ، وهي أن يدعيَ بطريق معرفة النجم الذي كان طالعاً عند ولادة الشخص، أنه يكون سلطاناً أو عالماً، أو غنياً أو فقيراً، أو طويل العمر أو قصيرَه، ونحو ذلك (٤) . فإن خلت تلك المقدمات عن إخبار الشياطين وعن الاستدلال بسير الكواكب في مجاريها، سمي فاعل ذلك عرّافاً وحسب.
ومما يدخل في العرافة أيضًا: الاستدلال بقراءة الزهر، وبقراءة الفنجان، وبالضرب بالحصى، وبحساب الطالع، وبورق اللعب (الشدة أو الكوتشينة) ، والفتح بالسبحة، وقراءة الودَع، كل ذلك يعتبر من صنوف العرافة، إن لم يكن فيه إخبار من شيطان للعرّاف فإن تضمن ذلك كان كهانة، وإن تضمن قراءة جداول الكواكب وتفسيرالأرقام تبعاً لها، فيكون عندئذٍ تنجيماً. فالعرافة - كما سبق - لفظ عام قد ينفرد، وقد يندرج دونه مصطلحا الكهانة والتنجيم، وغيرهما، وذكر بعض أهل العلم أن الفرق بين العرافة والكهانة - مع أنهما يشتركان في دعوى الاطلاع على الغيب-: (أن العرافة تكون مختصة بالأمور الماضية، والكهانة مختصة بالأمور المستقبَلة) (٥) .
стр. 38
وهاك أخي القارئ، تفصيلاً لبعض من أنواع العرافة المشتهرة:
١٠ - قراءة الزهر المرقّم: وهو حجر بشكل مكعب موسوم في جهاته الست بأرقام من واحد إلى ستة، وهو معروف بـ (زَهْر لعبة الطاولة) ، حيث يُلقى هذا الزهر ضمن دائرة، فإن استقرَّ بها، يُقرَأ الرقم الظاهر في جهته العليا، ثم يُعمَد إلى تفسير الرقم بحسب ما تقضي به جداول الكواكب، المتوافرة لديهم: جدول (١)(٢) ... إلخ. وإن استقر الزهر خارج الدائرة، فإن الشخص - بزعمهم - سيصادف شقاقاً عما قريب!!
١١ - علم الأسارير ، وهو علم باحث في الاستدلال (بالخطوط الموجودة في الأكفِّ والأقدام والجباه، بحسب تقاطعها وتباين أطوالها، وتقدير المسافات بينها) يستدلون بذلك على أحوال الإنسان النفسية، وآتي أمرِه من شقاوة أو سعادة، وغنى أو فقر، ونحو ذلك.
١٢ - قراءة الفنجان: والمقصود بذلك، ادعاء تفسير أثر (القهوة المعروفة بـ: التركية) المتبقي في الفنجان، من بعد احتسائها، حيث يُدار الفنجان باليد اليسرى مرات، ومن ثَمّ يُكفأ على حافته، ليُرفع بعدها، وليشرع قارئه (المبصِّر) بقراءته بحسب ما يعرف من رموز به، فما كان من رمز في قاع الفنجان فهو يمثل المستقبل، وما كان قريباً عند حافة الفنجان فهو حاضر محتسي القهوة، ثم إن ظهر - مثلاً - شكل يشبه حصاناً فهو عريس الهنا لمن شربت القهوة، وإن كان ما ظهر يشبه دجاجة، فهو دلالة على البشارة بالإنجاب والإخصاب، أما الدائرة فتمثل عندهم اجتماعاً لعرس مثلاً، ويعبّرون عنها بقولهم (جَمٍْعة على خير) ، وهكذا يفسرون أثر البنّ البرازيلي أو العَدَني، سواء ولا فرق
стр. 39
لديهم، كلٌ بحسب حال شارب القهوة!! فإن كانت فتاة قاربت سن العنوسة، سارع القارئ يزفّ إليها بشرى مَقْدم فارس الأحلام ممتطياً صهوة جواد لا يكبو، محمَّلاً بالورود والرياحين!! وإن كان تاجراً بُشِّر بربح وافر في عاجل تجارته، وربما في آجلها، وإن كان طالباً بُشِّر باجتياز الامتحان بتفوق تام على أقرانه، وما يستدعي العجب فعلاً تصديق أكثر الناس بذلك، حتى ولو بلغ أحدهم شأوًا مرموقاً في الثقافة وتبوأ منزلة مشهودًا له بها!! أما عامة الناس، فحدّثْ ولا حرج حيث صارت قراءة الفنجان - عند البعض - دأبهم في كل صباح، حيث تجتمع النسوة في دار إحداهن، ويبدأ من ثمَّ استعراض المهارات في القراءة الرمزية.
ولا يخفى أن جميع ذلك هو من ادعاء العِرافة، فإن حضر كاهن، رجل كان أو امرأة، فأخبر بما يخبره به شيطان الجن من نبإ، مدعياً أنه يستنبطه من أثر خطوط القهوة، زاد عندها الأمر سوءًا وتحولت العرافة إلى كهانة، حيث يجزم الناس - حال صدق الكاهن، ولو لمرة واحدة - بدوام صدقه ووجوب تصديقه، فيعتقدون أحقية اتباع رموز الفنجان، وبأن ارتسامها دال يقيناً على ما اختصّ الله تعالى بعلمه مما قُدّر للمرء في عاجل أمره وآجله! تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
"ولا شك في أن هؤلاء المتكهنين من الكَذَبة المتخرِّصين من أهل الحَدْس والتخمين، إنما جعلوا هذه الحيل علامة عندهم.... فهؤلاء الكهنة يوهمون العامة معرفة مستقبل الأمور بالقراءة في الفنجان..... فإذا قُدّر إصابتُهم في بعض الأحيان، فإن ذلك من باب المصادفة، أو من إخبار الشياطين لهم بما تسترق من السمع، وأكثرهم كاذبون" (١) .
стр. 40
١٣ - الضرب بالحصى: وهو - اختصاراً - رمي عدد من الحَصَيات غير محدد، أو من الوَدَع (صدف لحلزونات بحرية) ، تُرمى في زاوية، ثم يشرع العرّاف باستعادتها حصاتين حصاتين مثلاً، أو ثلاثة ثلاثة، ثم ينظر ما تبقّى منها بعد ذلك، فإن كان شفعاً (عددًا مزدوجًا) دل ذلك على حُسْنِ الطالع وإن كان وترًا (عددًا مفردًا) دل على سوئه!، وذلك كله من العرافة بالتخمين والحدس، فإن أصابت أحياناً، فهو من باب المصادفة، فإن كان من يعمله كاهناً قد أخبر بما استخبر به شيطانَه، صارت من الكهانة المحرمة، والله أعلم (١) .
١٤ - الخط بالرمل: وله مسميات شتى، منها: علم الرمل، وعلم الخط، وعلم الطَّرْق، وعلم الضرب، وطريقته: أن يقوم الخاطّ برسم خطوط كثيرة متفرقة على أرضٍ لينة، يرسمها بخِفَّة بالغة وعَجَلةٍ متعمَّدة، فلا يُعرف عند ذلك عددها، ثم يمحوها خطين خطين، فإن بقي خطان مثلاً كان ذلك علامة على النجاح، وإن بقي خط واحد فهو دليل الخيبة والحرمان" (٢) . وهو من العرافة المحرمة، فإن عمله كاهن استعان بإخبار شيطانه، فهو من الكهانة الشركية، ومن ادعاء العلم بالغيب الذي اختص الله تعالى بعلمه.
مسألة: الخط بالرمل علم معروف مشتهر، فهل هو الضرب على الرمل بعينه، أم أنهما متغايران؟
стр. 41
الظاهر، والله أعلم، أنهما متغايران، فالخط بالرمل، هو الرسم ثم الإزالة على ما سبق بيانه، - وهو المسمى بالطَّرْق - أما الضرب على الرمل، فهو رسم خطوط ونقاط تُجمع بعدها ليُستخرج من عددها جملة يستخرج منها برج شخص ما، فيقرأ الضارب بعدها في جداول لديه، وينظر في الجدول المختص بذلك البرج، فيسرد على الشخص أمورًا تتعلق به، وواضح أن هذا [الضرب على الرمل] هو من علم التنجيم المحرم، الموقع بالشرك، وذلك لاعتقاد كلٍّ من المنجّم، والمصدّق له، بتأثير الأحوال الفلكية بالتسبب في مجريات الحوادث الأرضية، واعتقادهما بتحكم العالم العلوي - على ما يزعمون - بالعالم السفلي، ومن ذلك عموم ما يجري على الخلق من نعمة أو شقوة، ومن توفيق أو خيبة، مضاهئين بذلك قول الصابئة عبدة النجوم، والعياذ بالله تعالى.
فائدة: جاء في صحيح مسلم ﵀، سؤال معاويةَ بن الحَكَم السُّلَمي ﵁ لرسول الله ﷺ عن أمور منها: الخط، فقال ﵁: ومنا رجال يخطُّون، فقال ﷺ : «كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» (١) .
قال الإمام النووي ﵀: [اختلف العلماء في معنى الخط، والصحيح أن من وافق خطُّه خطَّ النبي فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة، فلا يباح، والمقصود: أنه حرام، لأنه
стр. 42
لا يباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها ... ] (١) . فحذار أخي المسلم الحصيف، من تلبيس إبليس وجنده الضعيف، بقولهم: ما دام قد فعله نبي من الأنبياء، فما المانع من فِعْله في حقنا؟! والإجابة كما سلف: (ذلك النبيُّ لا منعَ في حقه، وكذا لو علمنا موافقته، ولكن لا علم لنا بها، وقد حصل اتفاق من العلماء على النهي عنه الآن) (٢) .
١٥ - حساب الطالع: وهو ادعاء معرفة حصول السعادة أو الشقاء لشخص ما، بطريق معرفة اسمه واسم أمه، ومعرفة ما يمثله مجموع الاسمين من الأعداد، بحسب حساب الجُمَّل، (أبجد هوز....) ، وبعد جمع تلك الأعداد، فإنها تقسم على عدد الأبراج الإثني عشر المعروفة (أولها الحَمَل، وآخرها الحوت) ، ومن ثَمّ قسمتها على (١٢) ، لينظر العرّاف المنجّم بعدها في باقي القسمة، فبحسب هذا الباقي ينظر في جدول لديه مطابق لترقيم باقي القسمة، فيخبره بطالعه وبحظه تبعاً لما احتواه الجدول (٣) . وهي طريقة من طرق العرافة المعتمدة على التنجيم المحرم، ثم إن كلاً من العرّاف وطالب قراءة الطالع إن اعتقد أن منزلة الكوكب من القمر تتحكم بمستقبل المرء، وذلك بحسب سعد النجم أو نحسه، فإن ذلك - ولا ريب - أمر موقع بالشرك الأكبر، والعياذ بالله تعالى.
١٦ - حساب السُّبحة: وهو أشبه ما يكون بعادة الطِّيَرة
стр. 43
الشركية (١) ، التي كانت في الجاهلية، ثم أبطلها الإسلام، حيث كان أهل الجاهلية يعتمدون على الطير فإن كان سانحاً (أي طار عن يسارك وأعطاك ميامنه) تيمن به المسافر فمضى في سفره، وإن كان بارحاً (أي طار عن يمينك وأعطاك مياسره) تشاءم المسافر به وتطير، وحجزه ذلك عن سفره أو عن أمره الذي عزم عليه. فانظر، وفقك الله، كيف نفى الإسلام الطيرة الشركية التي تردّ صاحبها عن المطلوب، فقال ﵊: مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ (٢) ، لاعتقاده أن ذلك سبب مؤثر في جلب نفع أو دفع ضر، فاعجبْ بعدها من أقوام لم يَكْفهم تشاؤم من كان قبلهم بمرئي، كجهة طيران طير، أو رؤية غراب، أو رجلٍ أعورَ، أو تشاؤمهم بمسموع كصراخ هامة (بوم) ،
стр. 44
أو نعق غراب، وكذا تشاؤمهم بأزمنة كصفر أو شوال، وبأمكنة يزعمون كثرة تغوّل (ظهور) الغِيْلان (أنواع من الجن) فيها، أقول: لم يكفهم ذلك جميعه، حتى عمدوا إلى التشاؤم بعدد حبات السبحة، وبرقم بعينه، وباسم حوى حروفاً كان مجموع أعدادها - للأسف - رقماً كارثياً يجلب الشؤم للمسمى به، فانظر كيف استخف أولئك الدجاجلة ومن أزّهم من شياطينهم بعقول الناس فأطاعوهم.
هذا، وإن طرق العرافة عديدة ليس المراد هنا التعريف بجميعها، لكنِ التحذيرُ من مسلك هؤلاء، ومن الاغترار بهم، فإن أحدنا يتملكه العجَب، بل ويأخذه الذهول أحياناً، حين يرى أحدهم لم يدَعَ سبيلاً للإضلال إلا واتبعه، همه في ذلك كله جمع شيء من فتات الدنيا وحطامها، فتراه يهرع طارقاً أبواب الفضائيات يروّج لكهانته، ويسوّق لعرافته، وقد تجد بعضها يحفِل بهم، يستضيفونهم مكرمين، يستشفون منهم رأيهم في حاضر الأحداث ومستقبلها، ثم تجد بعدها مجلدات لعلماء سموا بالروحانيين حملت عنوان: توقعات سنة كذا، قد انتشرت بين أظهر المسلمين انتشار النار في الهشيم، فيضرب إليهم بعض من عَلِيَّة القوم أكباد الإبل شادّين رحالهم إليهم، مشمِّرين عن ساعد الجِدّ، طلباً لتنبؤات هؤلاء، ولا يرتضون عنها بدلاً، باذلين في سبيل ذلك النفيس من المال، متفاخرين بين أقرانهم بعلو همتهم في ذلك، حتى صار أولئك العرّافون لديهم يتملكون حركاتهم وسكناتهم، فترى أحدهم لا يمكن له اتخاذ أي قرار - حتى لو كان مصيراً له أو لغيره - إلا بعد شَوْر الفلكي، حيث تحول الفلكي لديهم مشعوذاً منجّمًا كاهنًا عرافًا، جمع الشرَّ من أطرافه، لم يَدَعْ شيئاً من التكهن بعلم الغيب المطلق إلا وقال به قوله الذي لا يرد، ومَشُورته التي لا تُخالَف، فإن لم يفعلوا فقد امتنع النفع
стр. 45
عنهم ووقع الضر بهم عند مخالفته!! نعم، لقد ضاهأ هؤلاء فعل الأمم السالفة، الذين اتخذوا أصناماً إفكاً آلهة دون الله، لكن المعاصرون قد منحوا هذا التحكم بأقدار الناس للكهنة وشياطينهم، في حين منح أولئك الأقدمون هذه السلطة لأرواح رجال صالحين، زعموا أنها قد استقرت في تلك التماثيل التي كانوا قد عكفوا عليها: يسترشدونها، ويستنفعونها، ويعوذون بها من إنزال ضُرٍّ بهم.
وقد نسي هؤلاء جميعاً قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ *﴾ [يونس: ١٠٧] . وفي حال أمثال هؤلاء وتخاصمهم ومزيد تحسرهم في الآخرة يقول الحق ﵎: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ *وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ *مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ *فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ *وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ *قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ *تاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ *إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ *وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ *فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ *وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ *فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ *وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩١ - ١٠٤] .
١٧ - الحسد: وهو مطلق تمني زوال النعمة عن الغير (١) ، وهو داء نفسي - عُضال بغيض - يستقر في نفس الحاسد، مردّه إلى أمرين؛ الأول: كراهة وبغض أن يرى الحاسدُ هذه النعمة على غيره، فيتمنى زوال النعمة عنه، والثاني - إضافةً إلى ما سبق -: مودّته البالغة بانتقال هذه النعمة والفضل إليه، واعتقاده بأنه أحقّ بها من صاحبها.
стр. 46
ومن أدلة وجود الحسد، قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *﴾ [البقرة: ١٠٩] . وقوله سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا *﴾ [النساء: ٥٤] . وقوله جلّ ذكره: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً *﴾ [الفتح: ١٥] . وقوله : [الفَلَق] ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ *﴾ .
ومن أدلة إثبات وجوده في السُّنّة، قوله ﷺ : وَلاَ تَحَاسَدُوا (١) وقوله ﷺ : لاَ يَجْتَمِعُ فِي جَوْفِ عَبْدٍ: الإِيْمَانُ وَالْحَسَدُ (٢) .
١٨ - العين: وهي النظر باستحسانٍ مَشُوبٍ (مختلط) بحسد، من خبيث الطبع، يحصل للمنظور منه ضرر (٣) . فإذا نظر خبيث الطبع المتشهّي لزوال النعمة عن غيره، الكاره لتوجهها إليه، إذا نظر إلى مُنْعَمٍ عليه، خرج من نفسه سهام، تصيب المعيون تارة، وتخطئة تارة، فإن صادفت تلك السهام نفس المعيون مكشوفة، غير متحصنة، ولا وقاية عليها بذكر الله والتبريك، أثرت فيه تلك النظرة ولا بد، وإن صادفته شاكي السلاح متخذاً وقاية، لم تنفذ فيه، ولم تؤثر، وربما رُدت السهام على صاحبها (٤) .
стр. 47
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ *﴾ [القلم: ٥١] .
قال الإمام ابن كثير ﵀: (قال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: (ليزلقونك: ليَنْفُذونك بأبصارهم. أي ليَعِينُونك بأبصارهم، بمعنى يحسدونك، لبغضهم إياك، لولا وقاية الله لك، وحمايته إياك منهم. وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتَها وتأثيرَها حق، وذلك بأمر الله الكوني القدري. كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة) . اهـ (١) . ثم ساق ﵀ نحواً من عشرين رواية في ذلك، منها: قول رسول الله ﷺ : الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا (٢) .
وهاك - أخي القارئ - بيان العلاقة بين الحسد والعين (٣) :
١ - الحسد، أعم من العين: لذا، فقد جاءت الاستعاذة في سورة الفلق، بما هو أعم، وهو الحسد، واستُغنِي عن ذكر العين لتضمن الحسد لها، قال تعالى: [الفَلَق: ٥] ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ *﴾ ، فالعين إذاً نوع من أنواع الحسد، فكل عائن حاسد إن كان خبيث الطبع قاصداً الإضرار، وإلا فهو عائن فقط، لكنْ ليس كل حاسد عائناً، فقد يحسد المرءُ لكرهه حصول نعمة ما على غيره، دون أن يوقع نظره عليه،
стр. 48
والحاصل أن الحسد يقع بالكلام ويقوم بالنفس ويحصل بالنظر، ولا تقع العين بالنفس، ولا يتصل شرها إلا بالنظر إلى المعيون، أو بالكلام بعد النظر إليه، واستحسان ما عنده.
٢ - العين تقع بمجرد النظر باستحسان، وقد يقع ذلك من الصالح وغيره. أما الحسد فلا يقع إلا من ضعيف الإيمان غافلٍ عن ذِكْر ربِّه.
٣ - العين قد تقع من صاحب النعمة، ومن غيره، أما الحسد فلا يقع إلا من الغير.
٤ - العين والحسد يشتركان في أمور ثلاثة: في السبب، وهو التشهي للنعمة، وفي وجوب الرقية منهما عند حصولهما، وفي الأثر فإن كلاهما مهلك موقع للضرر.
١٩ - السحر: هو علم بأمر عادي (١) مؤثِّر حقيقةً، عند وقوعه، ضار غير نافع، لكن قد خفي سبب تأثيره وضرره، فلا تُدرَك كيفيةٌ لذلك بالحواس، لكن الأثر حاصل بإذن الله الكوني القَدَري، وهو: [عبارة عن عُقد ورقىً وكلام يتكلم به الساحر أو يكتبه، أو يعمل شيئاً يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له، وله حقيقة، فمنه ما يقتل، وما يُمرض، وما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها، ومنه ما يفرّق بين المرء وزوجه، وما يُبغّض أحدهما إلى الآخر أو يحبّب بين اثنين] (٢) ، وقال ابن القيم ﵀: (هو مركب من تأثيرات الأرواح
стр. 49
الخبيثة، وانفعال القوى الطبيعية عنها) (١) . فهو: عمل مشترك بين الساحر الذي استرضى شيطاناً، وتقرب إليه بفعل محرم - من الكبائر غالباً - أو باقتراف شرك ظاهر، وذلك الشيطان الذي غايته الصد عن سبيل الله، وإيقاع الساحر ومن تبعه بالكفر، والعياذ بالله، وكلما كان الساحر أشد كفراً كان الشيطان أكثر طاعة له (٢) . والسحر - ولا شك - قرين الشرك بالله، وداخل فيه من ناحيتين: الأولى: ما يكون فيه من استخدام الشياطين، بالاستعانة بهم والتقرب إليهم بما يحبونه مما هو شرك بالله العظيم. والثانية: ما فيه من دعوى علم الغيب المستقبلي، ودعوى مشاركة الله في ذلك، وهذا كفر وضلال (٣) .
(والساحر، وإن لم يسمّ ذلك عبادةً للشيطان، فهو عبادة له على الحقيقة، وإن سماه استخداماً، فإن الشرك والكفر هو شرك وكفر لحقيقته ومعناه، لا لاسمه ولفظه) (٤) .
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اُشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *﴾ [البقرة: ١٠٢] .
стр. 50
وقال النبي ﷺ : ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيم، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاَتِ)) (١) .
وقالت السيدة عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ سُحِرَ، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن. - قال سفيان (٢) : وهذا أشد ما يكون من السِّحر، إذا كان كذا - فقال ﷺ : يَا عَائِشَةُ، أَعَلِمْتِ أَنَّ اللهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ أَتَانِي رَجُلاَنِ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآْخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلآْخَرِ: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: وَمَنْ طَبَّه؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ، كَانَ مُنَافِقًا (٣) - قَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشاقَةٍ، قَالَ: وَأَيْنَ؟ قَالَ: فِيْ جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، تَحْتَ رَعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ"، قَالَتْ: فَأَتى النَّبِيُّ ﷺ الْبِئْرَ حَتّى اسْتَخْرَجَهُ، فَقَالَ ﷺ : "هَذِهِ الْبِئْرُ الّتِي أُرِيتُها،
مسائل وأحكام مهمة تتعلق بالسحر والسحرة:
إن النصوص السابق إيرادها يمكن اعتبارها - بحقٍ - عمدة الأدلة، فيما يمكن استنباطه من فوائد وأحكام ومسائل متعلقة بالسحر وأهله، وقد لا يكون مناسبًا استيعاب تلك المسائل جميعها، في هذا المقام (١) ، لذا، سوف اقتصر على مهماتها، مستعينًا بالله .
الأولى: أن اليهود لما نبذوا تعاليم التوراة النافعة، ابتلاهم الله تعالى بالاشتغال بما يضرهم، فمن الحكمة الإلهية أن من ترك الحق ابتلي بالباطل (٢) .
الثانية: أن تلاوة الشياطين - في قوله تعالى: [البَقَرَة: ١٠٢] ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ... ﴾ ، هي بمعنى الإخبار والتحديث كذبًا، لذلك عُدّي فعل (تتلو) بـ (على) ، أي: تكذب وتفتري وتتقوّل على سبب ملك سليمان ﵇، وتزعم كاذبةً أن سليمان كان يستمد سرَّ مُلْكِه من السحر الذي جعله مسيطرًا على الجن والطير والرياح، وأنه قد وطّد مُلكه بذلك، لا بوحي ورسالة، ومِنَّةٍ وعطاء بغير حساب من الله . فكذَّبهم الله تعالى، بأن سليمان ﵇ لم يكفر كما ادعت الشياطين بتعلم السحر والعمل به، بل إن الشياطين وأتباعهم اليهود - لعنهم الله وقد صدَّقوهم فيما زعموه - هم الذين كفروا؛ فالشياطين كفروا بزعمهم هذا، وبتعليم اليهود السحر، واليهود قد كفروا ابتداءً بنبذهم التوراة وراء ظهورهم وتنكّرهم لتعاليمها، وكذلك بتصديقهم لما ادعاه الشياطين في حق مُلْك سليمان، وأيضًا قد كفروا
стр. 53
بتعلمهم السحر، وعملهم به، ثم إنهم كفروا بالنبي سيدنا محمد ﷺ ، وبرسالته الخاتمة، وبالكتاب الذي أنزل إليه: القرآن الكريم، وأصرّوا على استبدال السحر بالكتب المنزلة، فازدادوا كفراً إلى كفرهم، ورجساً إلى رجسهم، عليهم اللعنة إلى يوم الدين (١) .
الثالثة: أن هاروت وماروت (٢) ، هما مَلَكان من الملائكة ﵈ (٣) ، أنزلهما الله ليبينا للناس بأن ما يجري على يد السحرة بما تعلموه من الشياطين إنما هو من أبواب السحر، وأنها مؤثِّرة، ومن أعظم أثرها التفريق بين المرء وزوجه، وأن السحر يدور في فلك الشر المحض والضُّر الخالص، وذلك ليحذر الناس أولئك السحرة وقد كثروا في ذلك الزمان، واستنبطوا أبوابًا غريبة من السحر، وكانوا يدّعون النبوة، ويفترون الكذب بأن ما يجري على أيديهم هو من معجزات التأييد لنبوتهم، فأنزل الله هذين الملكين، لا بالسحر، بل لبيان حقيقة السحر، وبأنه مخالف لدعوى التحدي في المعجزات، حيث تُمْكِنُ معارضته بسحر مثله، والمعجزة لا تمكن معارضتها، وهي
стр. 54
تجري على يد نبي مؤيد من الله، لا على يد ساحر أفّاك (١) . فأقبل الناس إذ ذاك على تعلم ذلك منهما لكنهم فُتنوا وابتُلوا، فمنهم من اعتقد أحقية السحر لمَّا تعلمه، فعمل به، فصار كافرًا بذلك، مع أن الملكين ما فتئا يحذِّران كلَّ من رغب بالتعلّم أن في تعلم حقيقة السحر فتنة له، حيث إنه لو اعتقد أحقيته ثم عمل به، صار كافرًا، إلا أن الناس - وبخاصة اليهود - قد تجرؤوا فأقبلوا على التعلم، ثم خانوا العهد - وقد مَرَدُوا على ذلك - فعملوا بالسحر، ولم يلتزموا ما اشترطه عليهم الملكان، فكانت الفتنة واقعة بهم، فخسروا بذلك لمّا باعوا نصيبهم من نعيم الجنة، بعَرَضٍ من الدنيا قليل (٢) .
الرابعة: أن ما يرويه بعض المفسرين في خبر الملكين وقصتهما، وأنهما قد فتنا بامرأة لمّا نزلا إلى الأرض، وقد رُكّبت بهما الشهوة امتحانًا لهما، كل ذلك لا أصل له، ولا حجة فيه البتة، وهو من نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل، فلا يُعوَّل عليه، ولا يُركن إليه، وقد أنكر ذلك ثقات الأئمة وعلماء الإسلام، منهم القاضي عياض، والفخر الرازي، والشهاب العراقي، والإمام ابن كثير والعلاّمة الآلوسي، رحم الله الجميع (٣) .
стр. 55
الخامسة: أن السحر ثابت له حقيقة، وهو مؤثر بإذن الله الكوني القَدَري، وذلك بما يخلقه الله سبحانه عند وجود السحر، فلا يكون السحر ولا الساحر مستقلاً بالتأثير، وهذا هو مذهب أهل السنة، وأن القائلين - من أهل العلم - بأنه لا حقيقة للسحر، وإنما هو تمويه وتخييل وإيهام لكون الشيء على غير ما هو به، وأنه ضرب من خفة اليدين (الشعوذة أو الشعبذة) (١) ، هؤلاء قد نظروا إلى نوع بعينه من السحر وحسب، كما قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] ، وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنُ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] . وإن أهل السنة لا ينكرون أن يكون التخييل والمحاكاة من جملة السحر، لكن ثبت وراء ذلك أمور في السحر وتأثيره، جوّزها العقل، وورد بها السمع - أي: النصوص - فمن ذلك ما جاء من ذكر تعليم الملكين ببابل للناس السحر، ولو لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه، ولا أخبر تعالى أنهم يعلّمونه الناس، وأن من أثره حدوث فرقة بين الزوجين بإذن الله. كما أنه يستدل على ثبوت السحر، وحقيقته، وأنه أعم من كونه تخييلاً،
стр. 56
بقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا بسحر عظيم﴾ [الأعراف: ١١٦] ، وبسورة "الفلق" وقد اتفق المفسرون على أن سبب نزولها هو ما كان من سحر لَبيد بن الأعصم، كما ثبت في الصحيحين، وغيرهما (١) .
السادسة: في الفرق بين السحر وكلٍّ من: المعجزة، والكرامة، والطِّلَّسم.
- أما الفرق بين السحر والمعجزة، فمن وجهين؛ الأول: أن السحر يوجد من الساحر وغيره، وقد يكون جماعة يعرفونه ويمكنهم الإتيان به في وقت واحد، أو أن يقوم بعضهم بمعارضة وإبطال ما قام به البعض الآخر، أما المعجزة، فإن الله تعالى لا يمكّن أحدًا أن يأتي بمثلها، أو أن يعارضها. والثاني: أن الساحر لم يدّع النبوة، لكن المعجزة من شرطها اقتران دعوى النبوة والتحدي بها (٢) .
وأما الفرق بين السحر والكرامة: فالسحر يكون بأقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد، وأما الكرامة فهي تقع ابتداءً من الله إكرامًا لعبده الصالح، وتصديقًا للنبي الذي اقتفى ذلك العبد الصالح أثرَه وأحسنَ اتِّباعَه، فلا تظهر الكرامة إلا على رجل صالح متبع لا مبتدع، لكن السحر لا يكون إلا على يد فاسق مبتدع (٣) . قال الإمام النووي ﵀: (وأما الفرق بين الولي والساحر فمن وجهين؛ أحدهما - وهو المشهور -: إجماع المسلمين على أن السحر لا يظهر إلا على فاسق، والكرامة لا تظهر على فاسق، وإنما تظهر على ولي، وبهذا جزم إمام الحرمين - أي الجويني ﵀ وأبو سعد المتولي وغيرهما. والثاني: أن السحر قد يكون ناشئًا بفعلٍ وبمزجٍ ومعاناة وعلاج، والكرامة لا
стр. 57
تفتقر إلى ذلك، وفي كثير من الأوقات يقع ذلك اتفاقًا من غير أن يستدعيه - الولي - أو يشعر به، والله أعلم) . اهـ (١) .
وأما الفرق بين السحر والطِّلَّسْم، فالسحر يكون بغير معين وآلة، أما الطلسم فيكون بمُعِينٍ - بزعمهم - من مزاج الأفلاك أو العناصر، أو خواص الأعداد والحروف وبعض الموجودات. لكن من حيث الحكمُ فإن الشريعة المطهرة لم تفرق بين السحر وبين الطلسمات، وحرمتهما لما فيهما من الضرر (٢) .
السابعة: أن تعلم السحر واستعماله، إن كان مما يعظّم فيه غير الله كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر، فهو كفر بلا نزاع، ومن ذلك ما بيَّن حقيقته وحذر منه الملكان ببابل هاروت وماروت، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا ... ﴾ ، وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ... ﴾ ، وقوله جلّ ذكره: ﴿وَلاَ ... ﴾ ، وإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء والأدوية من الأطعمة والدهانات وغيرها، فهو حرام حرمة شديدة، وهو من الكبائر بالإجماع، لقوله ﷺ : اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ: الشِّرْكَ بِاللهِ، وَالْسِّحْرَ ... الحديث (٣) . لكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر (٤) .
الثامنة: أن تعلّم السحر من غير عمل به، هو أمر ضار غير نافع،
стр. 58
وهو شر محض لا خير فيه، ولا يجوز ذلك لقوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ ... ﴾ فقد صرّحت الآية الكريمة بأن السحر مما يضر ولا ينفع، كما أن تعلمه هو ذريعة - ولا شك - للعمل به، والعمل به حرام مطلقًا كما تقرر قريباً، فيمتنع تعلمه سدًا للذريعة المفضية إلى الحرام (١) .
التاسعة: في بيان حكم الساحر، هل يعتبر كافراً، فيقتل ردة؟ أم غير كافر فيقتل حداً دفعاً لشره؟ أم يقتل قصاصاً لا حداً إن تعدى بقتل نفس معصومة؟ ثم هل يستتاب الساحر، وهل تقبل توبته؟ وما حكم الساحر الذمي؟
[التحقيق في المسألة الأولى منها: أن السحر إن كان مما يُعظَّم فيه غير الله تعالى؛ كالتعبد للشياطين أو الكواكب، وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر، فهو كفر بلا نزاع، ومن هذا النوع سحر التفريق، وهو سحر هاروت وماروت المذكور في سورة «البقرة» فإنه كفر بلا نزاع. وإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها، فهو حرام حرمة شديدة، ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر. وعلى ذلك؛ فإن كان الساحر المسلم قد استعمل السحر الذي هو كفر فلا شك في أنه يُقتل كفراً، لقوله ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (٢) ، وأما إن كان الساحر قد عمل السحر الذي لا يبلغ بصاحبه الكفر، فهذا هو محل الخلاف بين العلماء، فمنهم من قال يقتل مطلقاً إذا عمل بسحره، سواء
стр. 59
قَتَل بسحره أحداً أم لم يقتل، وممن ذهب إلى ذلك: الأئمة مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في أصح الروايتين، وذهب الشافعي وابن المنذر ومن وافقهما إلى أن الساحر لا يقتل إن عمل بسحرٍ لا يبلغ به الكفر، إلا إن قتل بسحره هذا إنساناً فإنه يقتل به قصاصاً لا حداً. والأظهر في هذه المسألة: أن الساحر الذي لم يبلغ به سحره الكفر، ولم يقتل إنساناً أنه لا يُقتَل، لدلالة النصوص القطعية، والإجماع على عصمة دماء المسلمين عامة إلا بدليل واضح. وقتل الساحر الذي لم يكفر بسحره لم يثبت فيه شيء عن النبي ﷺ ، والتجرؤ على دم مسلمٍ من غير دليل صحيح من كتابٍ أو سُنّةٍ مرفوعة، غير ظاهر عندي. والعلم عند الله تعالى. مع أن القول بقتله مطلقاً قوي جداً لفعل الصحابة له من غير نكير] . اهـ (١) .
إن ما ذكر آنفاً هو ما رجّحه الإمام الشنقيطي ﵀، مع استدراكه - في آخر كلامه كما ترى - بأن القول بقتل الساحر مطلقاً قوي جداً، مما يُشعر بأن ترجيحه فيه عنده نظر، ولعل ما حداه إلى القول بمنع قتل الساحر الذي لم يكفر بسحره، ولم يقتل بسحره أحداً، هو التورع عن قتل امرئٍ ظاهره الإسلام، فلا يستباح قتله إلا بدليل قطعي الثبوت والدلالة في ذلك (٢) .
ويبقى أن جمهور العلماء على قتل الساحر مطلقاً، سواء قتل نفساً معصومة بسحره أم لا. وهو مذهب الأئمة: مالك وأبي حنيفة وأحمد في
стр. 60
أصح الروايتين، - كما سبق - وقد رجّحه صاحب المغني (١) ، كما قد رجّحه العلاّمة ابن عثيمين ﵀ (٢) ، والحافظ أبو بكر المالكي ﵀ (٣) .
أما المرأة الساحرة: فحكمها حكم الرجل الساحر بما سبق من تفصيل، والله أعلم.
ثم هل يستتاب الساحر، وهل تقبل توبته؟
قال الإمام القرطبي ﵀: "ذهب مالك إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرًا، يُقتل ولا يُستتاب ولا تُقبل توبته، لأنه أمر يَسْتَسِرُّ به كالزنديق والزاني، ولأن الله تعالى سمّى السحر كفرًا بقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] . وهو قول أحمد بن حنبل وأبي ثور وإسحاق والشافعي وأبي حنيفة، رحم الله الجميع. وروي قتلُ الساحر عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وأبي موسى الأشعري وقيس بن سعد، وعن سبعة من التابعين، وروي عن النبي ﷺ : حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ [أو: ضَرْبَةٌ] بِالسَّيْفِ (٤) . خرّجه الترمذي وليس بالقوي (٥) .
стр. 61
وقال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ﵏، بعد أن ذكر أثر عمر بن الخطاب ﵁: "اقتلوا كل ساحر"، قال: "ظاهره أنه يقتل من غير استتابة، وهو المشهور عن أحمد، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، لأن الصحابة لم يستتيبوهم، ولأن علم السحر لا يزول بالتوبة"اهـ (١) .
وقال بعض أهل العلم: تقبل توبة الساحر، ويُعزَّر، إن لم يكن في سحره قول أو فعل يقتضي الكفر (٢) .
أما ساحر أهل الذمة (الكتابي المعاهد يهوديًا كان أو نصرانيًا) ، فعند الجمهور: مالك والشافعي وأحمد: أنه لا يُقتل، لأن النبي ﷺ لم يأمر بقتل لبيد بن الأعصم، وكان يهوديًا سحر النبيَّ ﷺ ، وعند أبي حنيفة: أنه يُقتل كما يُقتل الساحر المسلم (٣) .
"وسئل ابن شهاب الزهري ﵀: أَعَلى من سَحَر من أهل العهد قتل؟ قال: بلَغنا أن النبي ﵇ صُنع له ذلك فلم يقتل من صنعه، وكان من أهل الكتاب. اهـ (٤) . أي: لَبيد بن الأعصم.
فائدة:
قال ابن بطّال - شارح البخاري ﵀ بعد أن ذكر قول ابن شهاب الزهري السابق، قال: [لا يُقتل ساحر أهل الكتاب عند مالك، لقول
стр. 62
ابن شهاب، ولكن يعاقب، إلا أن يَقْتُل بسحره، فيُقتَل، أو يُحدِث حدثًا فيأخذ منه بقدر ذلك، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وعن مالكٍ أيضًا: أنه لا يُقتل ساحر أهل العهد إلا أن يُدخل بسحره ضررًا على مسلم لم يعاهد عليه، فإذا فعلوا ذلك، فقد نقضوا العهد، يحلّ بذلك قتلُهم. اهـ (١) .
وقد رجّح الإمام الشنقيطي ﵀ القول بقتل ساحر أهل الذمة، وهاك قوله: وأظهر الأقوال عندنا أنه - أي ساحر أهل الذمة - لا يكون أشد حرمة من ساحر المسلمين (٢) ، بل يُقتل كما يُقتل ساحر المسلمين، وأما عدم قتله ﷺ لابن الأعصم، فقد بينت الروايات الصحيحة أنه ﷺ ترك قتله اتقاء إثارة فتنة، فدل على أنه لولا ذلك لقتله. وقد ترك ﷺ قتل المنافقين لئلا يقول الناس: محمد يقتل أصحابه، فيكون في ذلك تنفير عن دين الإسلام، مع اتفاق العلماء على قتل الزنديق، وهو عبارة عن المنافق، والله أعلم. اهـ (٣) .
العاشرة: في الرد على من أنكر جواز وقوع السحر على النبي ﷺ وتأثره ﵊ به.
خلاصة هذه الدعوى ما ذكره الإمام ابن حجر ﵀ في الفتح: من قول المازري ﵀: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث - أي: سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ ... - (٤) ، وزعموا أنه يَحُطُّ منصب النبوة
стр. 63
ويشكك فيها، قالوا: وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أن تجويز ذلك يُعْدِم الثقة بما شرعوه - أي: الأنبياء ﵈ من الشرائع، إذ يحتمل على هذا أن يخيّل إليه أنه يرى جبريل ﵇ وليس هو ثَمَّ، وأنه يوحى إليه بشيء ولم يوح إليه بشيء. اهـ (١) .
وممن استبعد صحة هذه الروايات من أهل العلم الأستاذ سيد قطب ﵀ بقوله: إنها تخالف أصل العصمة النبوية في الفعل والتبليغ، ولا تستقيم مع الاعتقاد بأن كل فعل من أفعاله ﷺ ، وكل قول من أقواله سنة وشريعة، كما أنها تصطدم بنفي القرآن عن الرسول ﷺ أنه مسحور - وهو قوله تعالى: [الإسرَاء: ٤٧] ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا﴾ ، وتكذيب المشركين فيما كانوا يدّعونه من هذا الإفك، ومن ثَم تُستبعَد هذه الروايات، وأحاديث الآحاد - أي: التي لم تبلغ حد التواتر - لا يؤخذ بها في أمر العقيدة، والمرجع هو القرآن، والتواتر شرط في أصول الاعتقاد، وهذه الروايات ليست من المتواتر، فضلاً على أن نزول هاتين السورتين في مكة هو الراجح، مما يوهن أساس الروايات الأخرى. اهـ (٢) .
وقد ذكر الإمام الحافظ ابن حجر ردًا على هذه الدعوى، ينقله عن الإمام المارزي ﵀، أُجْمِله فيما يلي:
١- ... قيام الدليل القطعي على صدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن الله تعالى، وعلى عصمته في التبليغ.
стр. 64
٢- ... شهادة معجزاته ﷺ بتصديقه، ومن الباطل تجويزُ ما قام الدليل على خلافه.
والمعنى أن الدليل القطعي الدلالة والثبوت قد قام على الصدق، وعلى العصمة، كما شهدت المعجزات بصدق النبوة، فكيف يسوغ إبطالُ جميع ذلك بادعاء أن حدوث السحر يشكك في صدق النبوة؟!
٣- ... أن تأثير السحر الذي حصل، كان متعلقًا ببعض أمور الدنيا التي لم يُبعَث ﷺ لأجلها، مما لا يقدح في ثبوت العصمة له في أمور الدين.
٤- ... أن السحر قد تسلط على بصر النبي ﷺ حتى كاد ينكر بصره - مما يخيّل إليه من إتيان نسائه ولم يكن قد أتاهن -، مما يدل على أن السحر قد تسلّط على جسده ﷺ وظواهر جوارحه، لا على تمييزه ومعتقده.
٥- ... أن أثر السحر، كان مقتصرًا على تخيّل لمبصَرٍ على غير صفته، فإذا تأمله عرف حقيقته، حيث إن النبي ﷺ كاد أن ينكر صحة بصره من أثر هذا التخييل.
٦- ... أن في إجابة الله نبيَّه ﷺ فيما دعاه به، وبما سأله من كشف ضر نزل به - وقد تحيّر ﷺ في معرفة ماهيته وسببه - كل ذلك فيه دليل على صدق نبوته ﵇، فقد عصمه الله من كيد الناس، إنسًا وجنًا، فلم يُذهِلْهُ هذا السحر ولم يُذهِب بعقله، حاش للنبي ﷺ ذلك. ولقد أدركت أختُ لَبيد بن الأعصم ذلك، فقالت: إن يكن نبيًا فسيُخبر، وإلا فسيُذهله هذا
стр. 65
السحر حتى يُذهب عقله. قال ابن حجر ﵀: (فوقع الشق الأول - أي: الإخبار - كما في هذا الحديث الصحيح) .
٧- ... أن ذلك التخيل لفعل شيء لم يفعله ﷺ كان من جنس الخاطر، يخطر ولا يثبت، فلو ثبت للزم أن يُخْرم - أي: يُتنقص - من المنزلة، لكن ليس في الخاطر يخطر تنقُّصٌ من قدر امرئٍ مهما علا قدره.
٨- ... أن ما أصابه ﷺ كان من جنس المرض، الذي قد يعتري سائر البشر، فمَرِضَ ﷺ ثم شفاه الله تعالى، ذلك أن أثر السحر كان على هيئة وجعٍ آلمه، ومرضٍ ألمَّ به، ثم شفاه الله تعالى وعافاه، كما يُعلم ذلك من مجموع روايات الحديث.
٩- ... أما الآية الكريمة التي احتجوا بمعارضة الحديث لها، - وهي قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا﴾ [الإسرَاء: ٤٧] ، فقد ذكر الإمام الشنقيطي ﵀ أن لمعنى (مسحورًا) تأويلين عند العلماء؛ الأول: أن السحر قد خبله فاختلط عقله، والتبس عليه أمره، - وهذا منفيٌّ بالضرورة - والثاني: أنه ﷺ من جنس البشر، له سَحْر أي: رئة، فهو لا يستغني عن الطعام والشراب، فهو ليس ملَكًا، يريدون بالأمرين لينفروا الناس عنه. فليس في الآية إذًا - على الوجهين - دليل على منع بعض التأثيرات العَرَضية التي لا تعلق لها بالتبليغ والتشريع، كما ترى، والعلم عند الله تعالى (١) .
стр. 66
الحادية عشر: في بيان أقسام السحر.
أَجْمَل ابن خلدون ﵀ في مقدمته أنواع السحر بثلاثة: الأول سحر النفس الساحرة بالهمة فقط من غير آلة ولا مُعين. الثاني: سحر النفس المؤثرة بمعين من مزاج الأفلاك أو العناصر أو خواص الأعداد وهو سحر الطِّلَّسمات، وهو أضعف رتبة من الأول. والثالث: سحر النفس المؤثرة في القوى المتخيَّلة، فيعمد إلى قوى التخيّل لديه فيتصرف فيها بنوع من التصرف، وذلك بأن يلقي فيها أنواعًا من الخيالات والمحاكاة والصور مما يقصده، ثم ينزلها إلى الحس من الرائين بقوة نفسه المؤثرة فيه، فينظر الراؤون كأنها في الخارج وليس هناك شيء من ذلك ... ويسمى هذا سحر (الشعوذة) أو (الشعبذة) . اهـ (١) .
أما الفخر الرازي فقد قسم السحر تفصيلاً إلى ثمانية أقسام، أُجْمِلها فيما يلي (٢) :
الأول: سحر عَبَدة الكواكب باعتقاد تأثير أرواحها في العالم.
الثاني: سحر تأثير النفوس القوية بأوهام على نفوس ضعيفة للاعتقاد بأن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسية.
الثالث: سحرٌ بالاستعانة بالأرواح الأرضية أو السُّفْلية، وهم الجن، وهو السحر المسمى بـ (العزائم والتسخير والرقى الشركية والدُّخَن المسكِّرة ... ) ، وهو أقل شأنًا عندهم من الاتصال بالأرواح السماوية للكواكب، وهو النوع الأول - الذي سبق ذكره.
стр. 67
النوع الرابع: سحر التخييل، وهو قيام المشعوذ الحاذق بإظهار عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استغرقهم الشغل بذلك، والتحديق الشديد نحوه عمل شيئًا آخر بسرعة شديدة، فيبقى ذلك العمل الأخير خفيًا لاشتغال الناظرين بالأمر الأول، ولسرعته بالإتيان بالعمل الثاني، فيظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه فيتعجبون منه جدًا، ويرافق ذلك - أي الخفة والمهارة والحذق - كلام يقوله المشعوذ يصرف به الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، وتؤثر نوعية الإضاءة وكمّها غالباً في التخييل للناظرين بما يريده المشعوذ.
أما النوع الخامس: فهو سحر الأعمال العجيبة، في ظاهرها، لكنها في حقيقتها جرّاء تركيب آلات على نسب هندسية ونحوها. وهو سحرٌ عند من لا يعرف حقيقة ذلك - وإلا فقد كشفت التقنية الحديثة ما لم يعرفه الأوائل: كتكلم ساعة بالتوقيت، ورفع أثقال هائلة بمبدأ (الهيدروليك) (١) ، وكثير نحوه، مما يعتبر حقائق فيزيائية وهندسية - لذا فإنه لا يُعَدُّ سحرًا إلا لكون سببه قد خفي عن الناظر، ومن ذلك ما يُروِّج بعضهم به لديانتهم بالتحايل بإظهار أنوار لهم في مواضع زاعمين أنهم إنما فعلوا ذلك لجمع شمل أصحابهم على دينهم.
والنوع السادس: سحر بالاستعانة بخواص بعض الأدوية والعقاقير، والدهانات، المؤثرة في بدن المسحور، وفي عقله وإرادته وميوله في المحبة والبغض، ونحو ذلك.
وقد يعمد إلى الاستفادة من خواص الأشياء، بعضُ من يدّعي
стр. 68
حصول أحوالٍ له، كمخالطته النيران حال كونه قد ادّهن بما يمنع نفاذ حرها إلى بدنه، أو يمسك حياتٍ قد أزال خطر سمِّها، فيُلبِّس بذلك على الناظر الجاهل بحقيقة حاله، فيفتتن به.
النوع السابع: سحرٌ بتعليق قلب السامع بالادعاء أن الساحر قد عرف اسم الله الأعظم، ولذا، فإن الجن قد صاروا منقادين له لا يعصون له أمرًا (١) ، فتقع المهابة إذ ذاك في نفس السامع، فتضعف حواسه، فيتمكن الساحر من فعل ما يشاء. ولا شك بأن هذا منطبق على ضعفاء العقول من الناس، لكن من وُهِب أدنى فراسة فإنه يميز بها أهل الصلاح من غيرهم.
النوع الثامن: سحرٌ بالسعي بنميمة وتضريبٍ (تفريق) بين الناس، وتحريش بينهم، ليتباغضوا ويتنازعوا. ولا يدخل في ذلك النميمةُ بالخير للإصلاح بين الناس، ولا النميمة بين الأعداء الكفرة، للتخذيل والتفريق بينهم، فهذا أمر محمود وفيه مزيد إيقاع نكايةٍ بهم.
ومما يُلحظ فيما سبق من تقسيمات لأنواع السحر، أنها مفصَّلة، وقد نُظِر فيها تارة إلى المعنى اللغوي للسحر، وهو: ما لَطُف ودَقَّ وخَفِي سببُه، وأخرى إلى الأثر الحاصل بالسحر، كالصرف (التفريق بين المرء وزجه) ، والتِّوَلة (العطف والمحبة) ، والجنون والخمول والتخييل والمرض والنزيف، وغيرها. ولعل الأَوْلى في ذلك كلِّه أن تُجمَل هذه
стр. 69
التقسيمات - كما أجملها ابن خلدون ﵀، فيما سبق- لتكون بحسب ماهية السحر، وكيفية القيام به، ووسيلة ذلك، فيكون السحر عندئذٍ على ذلك ثلاثة أقسام رئيسة:
الأول: سحر له حقيقة، تقوم به نفوس قوية مؤثرة يستعان به بما يعتقده الساحر عونًا له: من شياطين الجن، وأرواح الكواكب، وله طرق في الاستعانة والتحضير كالعزائم والإقسام، والذبح والتقرب بشرك فيه استهزاء، أو ذبح لغير الله، أو تقرُّب بارتكاب كبائر، ونحو ذلك مما يسترضي به شيطان الجن، وطرق باستحضار روحانية الكوكب، بكتابة طلّسمات، مع اعتقاده بتحكم العالم العلوي بالعالم السفلي، ونحو ذلك مما يرضي أيضًا الشياطين، فتخدمه في ضرر الخلق، والساحر يظن أن أرواح الكواكب تعلمه وترشده، وتظهر له كيفية تحكمها بمصائر الناس وحوادث الأرض.
والثاني: سحر له حقيقة أيضًا، تقوم به نفوس ساحرة أقل في القوة والتأثير مما سبقها في النوع الأول، وهي تستعين بخواص أدوية وعقاقير ودهانات ودُخَن مسكّرة، وعُقَد يُنفَث فيها، فتؤثر في بدن المسحور، وعقله، وتمييزه، وإرادته، وعواطفه، وتستعين أيضًا بأشياء من أثر المسحور يعزّم عليها بعزيمة شركية، فتدفن في أرض أو تجعل في ماء ونحوه، ولا يزول أثرها إلا إذا حُلَّت تلك العقد، أو عُثِر على المُغيَّب في الأرض أو الماء فأُتلِف، أو عُمِد إلى قراءة رقى مشروعة، فينشّر بها عن المسحور.
والثالث: سحر تخييل، أو سحر الأعين، وهو المسمى بالشعوذة، وقد يعتمد فيه المشعوذ على الخفة الفائقة، والسرعة الباهرة، والكلام المؤثر بالناظِر، دون استعانة بشيطان. فإن عُمد فيه إلى الاستعانة بشيطان - لإيقاع مزيد من التخييل على النظّار، كما يُرى في عصرنا -
стр. 70
نحو طعن بسكين، أو بتر لإصبع، أو نشرٍ لجسد بمنشار، أو رفع في الهواء ... مما لا يُشك بأنه يتم باتخاذ الساحر شيطانًا عَضُدًا، يعاونه فيما يفعل، على أن يقدم الساحر له الولاء والتعظيم والعياذ بالله تعالى، وهذا ما يسمى بـ (القمرة) ، وهو سحر على الحقيقة لا على التخييل، فإن استطاع الساحر إيقاع هذا بالتخييل فقط دون استعانة، فهو سحر تخييل على المجاز لا حقيقة له.
وبذا، أخي القارئ، يمكن إدراج أنواع السحر التي تشعّب في ذكرها بعض أهل العلم، تحت هذه الأنواع الثلاثة المذكورة آنفًا، والله أعلم.
المسألة الثانية عشر: في ذكر علامات دالة في تمييز الساحر عن غيره يمكن لمن أوتي شيئًا من الفِراسة أن يدركها، ومنها النظر إلى وجه الساحر، فيستشفّ فيه قبحًا، وذلك من أثر الكفر والعياذ بالله، أو سماع صوته، فيدرك حالاً - من نبرته ولحن قوله - أنه يوهم سامعه صلاحه، وحرصه على شفائه، ومن ذلك متابعة تصرفاته، فيميز بحصافته محاولته التلبيس على المريض بإيحاءات جسدية كتحريك اليدين، وإغماض العينين، فيعلم أنه ساحر لا خير فيه. لكن مع ذلك فإن ثمة علامات ظاهرة يمكنك التعرف من خلالها على الساحر، منها (١) :
١- ... سؤاله عن اسم المريض، واسم أمه (٢) .
стр. 71
٢- ... طلبه من المريض تزويده بأثر من آثاره المادية (كالمشط، والثوب، أو مُشاطة - ما يبقى في المشط من أثر الشعر عند تسريحه - أو عمامة ... إلخ) (١) .
٣- ... طلبه أحيانًا لحيوان بصفات معينة، كسواد لونٍ مثلاً، ليذبحه بذكر اسم غير الله عليه، أو بغير ذكر اسم الله عليه، وربما لطخ بدمه أماكن الألم من المريض، أو رمى به في مكان خَرِب (٢) .
٤- ... كتابته للطلاسم، وهي المحتوية - كما سيأتي - على أشكال وأسهم، وحروف مقطعة، وأعداد، ورسم أبراج، وكتابة أسماء كواكب (٣) .
٥- ... رفع الصوت بتلاوة آيات من القرآن، ثم الإسرار والتمتمة بكلام غير مفهوم، وعزائم شركية بحيث لا يسمعها المريض فيلتبس الأمر عليه (٤) .
стр. 72
٦- ... إعطاء المريض ما يسمى "حجابًا": تميمة شركية يعلّقها المريض، وتحوي مربعاتٍ بداخلها حروف وأرقام وعزائم، وكلام غير مفهوم، ويأمره بالحرص التام على عدم فك ذلك الحجاب (١) .
٧- ... أمره للمريض أن يعتزل الناس مدة معينة، في غرفة مظلمة لا يدخلها ضياء نور الشمس، وهو ما يسميه العامة (الحِجْبة) (٢) .
٨- ... أحيانا يطلب من المريض ألا يمس ماءً لمدة تكون - غالباً - أربعين يومًا (٣) ، أو أن يضع في عنقه صليبًا، وهذه العلامة تدل على أن شيطان الجن الذي يخدم الساحر هو نصراني. فإن كان عدوًا للنصرانية أمره أن يجعل الصليب منكسًا أو معقوفًا متكسرًا.
٩- ... إعطاؤه المريض أشياء يدفنها في الأرض (٤) .
١٠- ... يعطيه أحيانًا أوراقاً يحرقها ويتبخّر بها (٥) .
١١- ... إخباره المريض أحيانًا باسمه واسم بلده ومشكلته العُضال التي
стр. 73
جاء ينشد حلاً لها (١) .
١٢- ... قد يكتب للمريض نوعًا آخر من "الحجاب" وهو ورقة فيها حروف مقطعة، أو يكتب هذه الحروف في طبق من الخزف الأبيض، ويأمر المريض بإذابته بماء ثم شربه (٢) .
١٣- ... التحدث أحيانًا مع أشخاص غير منظورين في المجلس، فيطلب منهم السماح والإذن بالعون، ويُصرّح لهم بأن المريض ما أتى إلا وهو محب لهم موقن بقدراتهم ... إلخ (٣) .
١٤- ... أحيانًا يأمر المريضَ بلبس الجديد من الملبس، كقميص ثم يأمره بشق جهة اليد اليمنى من القميص، أو نزع جيبه وجعلها على ظهره، وغير ذلك (٤) .
стр. 74
١٥- ... لا يستقبل الساحر أحدًا في شهر رمضان المبارك، وبخاصة منه العشر الأواخر، كذلك في العشر الأوائل من ذي الحجة (١) .
١٦- ... من تحصَّن بالأذكار المشروعة، فإن الساحر يرفض استقباله أيضًا (٢) .
١٧- ... وضع زجاجة بلورية مكورة بين يديه، أو طَسْتٍ فيه ماء وقد نُجِّس ببول صبي مثلاً (٣) ، ونحو ذلك.
هذا، وإن طرائق السحرة تكاد لا تنحصر، اللهم إنا نعوذ بك من كيد الفجار وطرائق الأشرار، وطَوَارِقِ الَّليْلِ وَالنَّهَارِ إِلاّ طَارِقاً يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمنُ (٤) .
стр. 75
المسألة الثالثة عشر، وهي آخرها: في ذكر علاماتٍ يُعرف بها المسحور (١) .
١- ... كثرة الصدود عن ذكر الله تعالى، والميل إلى ترك العبادات، والإعراض عن سماع كل ما له تعلُّق بالدِّين.
٢- ... كثرة تعرضه لأحلام مفزعة "الكوابيس".
٣- ... الصداع الشديد المستديم.
٤- ... كثرة وقوع الشجار - لأمور غير ذات بال - بين الزوجين أو غيرهما.
٥- ... الغضب المشتد من غير مسوّغ ظاهر.
٦- ... كثرة الشرود والذهول.
٧- ... النسيان الشديد.
٨- ... تخيُّل حصول شيء، والحال أنه لم يحصل.
٩- ... شخوص البصر وزَوْغه.
١٠- ... كثرة المِلال من الاستقرار في مكان واحد، أو التأفّف الكثير من الاستمرار في عمل معين.
١١- ... عدم الاهتمام بالمظهر، [يبدو غالبًا أشعث الرأس، بالي الثوب، متسخ الجسد، ... ] .
١٢- ... الهُيام على وجهه لا يلوي على شيء، ولا يدري أين يذهب، وربما نام في الخِرَب (الأماكن المهجورة) .
١٣- ... تغير في لون البشرة، وبخاصة الوجه إلى السواد، وشُخوص البصر (جمودُه) .