الكتاب: مواهب الجليل من أدلة خليل
المؤلف: أحمد بن أحمد المختار الجكني الشنقيطي
عني بمراجعته: عبد الله إبراهيم الأنصاري
الناشر: إِدارة إِحياء التراث الإِسلامي، قطر
الطبعة: الأولى
جـ ١، ٢: ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م
جـ ٣، ٤: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هذا الكتاب
بقلم
فضيلة الشيخ عبَد الله إبرَاهيم الأنصاري
مدير عام إدارة إحياء التراث الإسلامي
بدولة قطر
الحمد لله الذي بفضله ونعمته تتم الصالحات. نحمده تعالى ونشكره، ونستعين به ونستغفره. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن من أهم ما يعتني به العبد في حياته نشر العلم، وتبليغه بأي طريقة تمكنه. وإن من أجل العلوم وأنفعها علم الفقه، الذي يستنير به العبد، حتى يعلم الطريقة التي هو عليها، بمعنى أنه بموجبه يعلم فرض عينه، ويعلم كذلك ما هو واجب عليه -على الكفاية- ومعلوم أن فروع المذاهب الأربعة المدونة تصدى لها فحول علماء المذاهب بالتدوين. وقد اعتنى أكثر هؤلاء باستجلاب الأدلة على مسائلهم الفرعية ما أمكن ذلك، فيزدان الفرع بذلك في عين طالب العلم، ويزداد تبصرًا في أمره. وأقلهم في ذلك مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحي الحميري. وإن من أجلّ من دوّن في فروع هذا المذهب العلامة خليل بن اسحاق في مختصره الذي اختصر فيه توضيحه. ولقد أقبل عليه أهل المذهب المالكي إقبالًا لا مثيل له، بالشروح والحواشي والتعاليق، فكان لذلك المرجع الذي يعود إليه أهم مذهب مالك في الفتوى والقضاء والعمل، حتى أنهم ليحكون عن شيخه المنوفي أنه قال: نحن أناس خليليون، إن اهتدى اهتدينا. ومن عظيم عنايتهم أن القليل منهم من لم يحفظ المختصر.
стр. 3
غير أن كل هؤلاء الشيوخ الذين اعتنوا بشرح المختصر المذكور، لم يعطوا عناية لاستجلاب بعض أدلة هذه الفروع، ونفس طالب العلم تواقة إلى معرفة الدليل، حتى قيض الله لهذا العمل أحد طلاب المختصر، ألا وهو الشيخ أحمد بن محمد الأمين بن أحمد المختار الجكني، المدرس بالمسجد الحرام، فقام باستجلاب ما وقف عليه من أدلة خليل، فجاء بحمد الله كتابه بمثابة تاج توج به فروع مذهب إمام الأئمة -إمام دار الهجرة- وغير خاف أنه لا يستطاع التدليل على كل المسائل الفروعية الاجتهادية، وذلك ما حمل المؤلف على تسمية كتابه: مواهب الجليل من أدلة خليل. فأتى بمن التبعيضية ليترك لنفسه خط الرجعة. وما لا يدرك كله لا يترك كله.
إن إدارة إحياء التراث الِإسلامي بدولة قطر، لفخورة بتزويد المكتبة الإِسلامية بالجزء الأول من هذا الكتاب ليحل مكانه اللائق بين رفوفها، وليسد الثغرة التي كانت تنتظره لدى طلاب المختصر الجليل، وسوف يليه بإذن الله بقية الأجزاء.
وإننا لندعو الله -جلت قدرته- أن يعين المؤلف على إتمامه حتى يتسنى لنا طبع بقية أجزائه. كما نرجوه تعالى أن يجزل المثوبة لنا وله، وأن يجعل عملنا خالصًا لوجه الله تعالى، إنه سميع مجيب.
خادم العلم
عبد الله إبراهيم الأنصاري
مدير إدارة إحياء التراث الإسلامي
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الكتاب
الحمد لله الذى بفضله ونعمته تتم الصالحات. أحمده حمدًا يوافي مزيد نعمه، لا أحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، أحمده حمد موحد شاكر لما أنعم به من التوفيق، إلى النطق بكلمة التوحيد التي هي أفضل ما نطق به النبيون، كما ورد في الحديث الصحيح: "أفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ"، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلى الله وبارك على سيد المرسلين القائل: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقَهْهُ فِي الدِّينِ" وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛ فيقول الفقير إلى رحمة مولاه وعفوه: أحمد بن أحمد المختار الجكني الابراهيمي ثم من المحاضر منهم، الشنقيطي إقليمًا، لقد كانت تساورني منذ أكثر من عشر سنوات فكرة وضع تعليق على مختصر خليل بن اسحاق المالكي يوضح ما تيسر من أدلته، ولقد زاد عزمي على القيام بهذا الموضوع، خصوصًا بعد وفاة شيخنا وابن عمنا فضيلة العلامة الشيخ محمد الأمين بن المختار بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني ثم اليعقوبي، فقد كان، عليه رحمة الله، يذكر أنه، إن هو أنهى (أضواءُ البيان في إيضاح القرآن بالقرآن)، وبقيت له فسحة أجل، شرع فيها بإذن الله في وضع شرح على المختصر مؤيدًا بالدليل، لكنه توفي عليه رحمة الله في سبع عشرة خلت من ذي
стр. 5
الحجة، سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة، بعد أن أنهى الكتابة على سورة المجادلة، فكان من واجب تلامذة الشيخ إكمال المسيرة التي كان يواصلها الشيخ، وقد عرض علي بعض الزملاء أن أقوم بإكمال أضواء البيان، فأجبته بعدم استطاعتي لذلك، ورحم الله من عرف قدره، إني لا أستطيع القيام بما التزم به الشيخ؛ من كونه لا يجعل آية من القرآن موضع بحثه حتى تكون تشتمل على إجمال يوضحه القرآن في موضع آخر، مع التزامه الإِتيان بجميع ما يتوارد من القرآن مع تلك الآية، فلو أن الموضوع كان تفسيرًا عاديًا يعنى بالآية ولغتها وفقهها وسبب نزولها وما إلى ذلك، غير أنه لما كان الحال في إيضاح القرآن على ما درج عليه الشيخ ﵀ من أم الكتاب إلى نهاية المجادلة، فقد صرحت بعدم استطاعتي لإِكماله، وجزى الله خير جزائه صديقنا وزميلنا الشيخ عطية بن محمد سالم، القاضي بالمحكمة الشرعية بالمدينة المنورة، فقد قام بواجبه نحو إكمال أضواء البيان، ولما كنت أحد طلبة العلم الذين مارسوا دروس المختصر من أيام نعومة الأظفار، وكنت سمعت من الشيخ غير ما مرة أمنيته أن يتمكن من وضع شرح يوضح أدلة خليل، رأيت من واجبي الإِدلاء بدلوي لتحقيق بعض ما كان يتمناه شيخي عليه رحمة الله، في وضع هذا التعليق، أسوة بزميلي وصديقي الشيخ عطية بن محمد سالم، الذي حقق أمنيته في إكمال الأضواء مع قوة الفارق بيني وبين هذا الصديق، الذي يتبلور في قصوري وقلة اطلاعي وعدم وجودي للوقت اللازم لذلك، لاشتغالي يوميًا بتحصيل النفقة الواجبة.
ولقد كنت أفكر بعض الوقت في جعل نصيحة الشيخ محمد الأمين بن أحمد زيدان موضوع تعليقي؛ لاستخراج أدلة ما اشتمل عليه هذا الشرح النفيس من
стр. 6
الفروع الفقهية، فقد كان هذا الشرح هو الذي درست المختصر به على شيخي في الفقه المالكي وقواعده، فضيلة الشيخ سيد جعفر بن سيد محمد بن سيد جعفر بن سيد علي بن سيد محمد بن سيد جعفر الشهير بـ "ديدي" الادريسي نسبًا الشريف، ولقد كدت أفعل لولا أني تذكرت قول رسول الله ﷺ : "الْمُؤْمِنُ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ" أو كما قال ﷺ ، فخشيت أن تتكرر قضية "المنهج إلى المنهج" من قبل أحد بني عمومتي من حفدة هذا الشارح، فعدلت عن ذلك وقررت وضع التعليق على المختصر نفسه، وحيث إن هذا المختصر وضع عليه حتى الآن حول مائة شرح وتعليق، فإنه أصبح غنيًا عن وضع شرح جديد يبين ألفاظه ويوضح معانيه وأحكامه.
لذلك، فقد قررت عدم الاعتناء بشرح المختصر محيلًا طلبة العلم في ذلك إلى عشرات الشروح التي تزخر المكتبات بها، لكنَّ موضوع عنايتي هو وضع ما استطعت الوقوف عليه من أدلة فروع هذا المختصر الذي هوما به الفتوى في مذهب الإِمام مالك بن أنس، الذي أُفضل الأخذ برأيه في مسائل الاجتهاد، وكثيرًا ما سمعت -ولا سيما في المشرق- من بعض طلبة العلم ممن كان ينتجع شكير الحزمية، الذي اهتز وربا حديثًا، كثيرًا ما كنت أسمع من بعض هؤلاء الذين لا يتردد طالب علم في أنهم من القسم الثاني، من حديث أبي موسى المتفق عليه: "مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ (به) مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ منهَا نُقْيَةٌ، أو قال، ثُغْبَةٌ قَبِلتِ الْمَاءَ، فَأنبتَت الْكَلَأ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرِ، وَكَانَتْ مِنْهَا أجَادَبُ أمْسكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ الْمَاءَ وَلَا تُنْبِت
стр. 7
الْكَلأَ فَذلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ".
فالنبي ﷺ قسم الناس بالنسبة إلى ما جاء به من الهدى إلى ثلاثة أقسام:
أولًا: شبه من تحمل العلم وتفقه به، بالأرض الطيبة يصيبها المطر فتنبت وينتفع الناس بها.
ثانيًا: شبه من تحمل العلم ولم يتفقه به بالأرض الصلبة التي لا تنبت، ولكنها تمسك الماء فيأخذه الناس وينتفعون به.
ثالثًا: شبه من لم يحمل علمًا ولم يتفقه، بالقيعان التي لا تنبت ولا تمسك الماء، فهو الذي لا خير فيه.
أقول: كثيرًا ما أسمع من بعض طلبة العلم -ممن هم من القسم الثاني من أقسام الناس بموجب هذا الحديث- يقولون: من أين لخليل قوله كذا؟. من أين لمالك قوله كذا؟. وما أدى بهم إلى ذلك إلا أنهم لم يتذوقوا طعم الفقه.
إنهم أوعية علم فقط ينتفع به من يسمعه منهم ممن فقهه الله في الدين، وذلك ما دعا رسول الله ﷺ إلى قوله: "نَضَّرَ اللهُ امْرَءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ". وفي رواية: "فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ".
وقد كانت فروع المذهب المالكي من أكثر الفُروعِ جريًا على الأدلة، لا يماثله في ذلك أي مذهب من المذاهب المدونة فروعها، ذلك أن مذهبي الشافعي وأحمد معروفان بأنهما أهل الحديث، ومذهب أبي حنيفة معروف
стр. 8
بالرأي، وقد جمع مذهب مالك الأخذ من الكتاب والسنة والقياس.
قال في مراقي السعود:
وموجِبٌ تغليبَ الْارجحِ وَجَبْ … لديه بحثُ عن إمام منتخَب
إذا علمتَ فالإِمامُ مالكُ … صحَّ له الشأْوُ الذي لا يدركُ
للأثر الصحيح مع حسن النظر … في كل فن كالكتاب والأثر
ولما كان أصحابنا اشتغلوا في تدوين الأحكام بالاكتفاء بنسبتها إلى القائل بها من شيوخهم، دون استجلاب أدلتها، ثقة منهم بهم، واعتمادًا على قاعدة هي قولهم: الناقل أمين ما لم يثبت عدم ذلك، وجد الناقدون إليهم سبيلًا.
والحق أن هذه القاعدة غير مسلمة وأن الأصل في الناس الجرح حتى تثبت العدالة عندنا.؟!
قال في المنهج المنتخب:
طهارة الأعيان أصل وكذا … براءةٌ لا بعدَ تعمير خُذا
عكسًا بعكس ويسارٌ جرحُ … جمعٌ تساوٍ والظهورُ شرحُ
ومحل الشاهد من البيتين قوله: جرح، أي والأصل في الناس الجرح حتى تثبت العدالة، ونسبه شيخ مشائخنا محمد الأمين بن أحمد زيدان في المنهج إلى المنهج إلى مالك والشافعي.
على أني ألفت النظر إلى أنه ليس كل مسائل المختصر تنتمي إلى مذهب
стр. 9
مالك، لأن كل مسألة جاء دليل عليها من الكتاب أو السنة أومن إجماع الأمة، لا يمكن أن تضاف إلى مذهب كائن من يكون، ولا يجوز فيها التقليد أبدًا؛ إذ لا تقليد إلا في محل الاجتهاد، ولا يجوز الاجتهاد في محل ورد فيه نص؛ لأن نصوص الكتاب والسنة حاكمة على كل المجتهدين، ولا يجوز لأي مجتهد مخالفة النص بحال من الأحوال. نعم، قد يرد النص مجملًا فيحمله هذا المجتهد على أحد احتماليه أو احتمالاته بدليل شرعي، ويحمله الآخر على غير ذلك بدليل آخر؛ ولابد لطالب العلم أن يفرق بين الاتباع والتقليد، والفرق بينهما واضح؛ وهو أن كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلد له، وأن كل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبع له.
قال شيخنا ﵀ في أضواء البيان عند قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ (١) الآية -عند التنبيه الرابع- ما نصه: وأمَّا كون العمل بالوحي اتباعًا لا تقليدًا فهو أمر قطعي، والآيات الدالة على تسميته اتباعًا كثيرة جدًا. قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا
стр. 10
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢). والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، فالعمل بالوحي هو الاتباع كما دلت عليه الآيات. ا. هـ. منه بتصرف.
فإذا تقرر ذلك أشكلت نسبة جميع ما في المختصر من المسائل إلى مذهب الإِمام مالك؛ لأن مسائل الزكاة والطهارة والصلاة والصوم والحج إلى غير ذلك من العبادات ثابتة في جلها بالنص، وكذلك جل المعاملات. والعبرة في جميع ذلك بالاتباع فقط، ولا مذهب فيه لكائن من يكون، إذ لا مذهب إلا فيما فيه مجال للاجتهاد، ولا مجال للاجتهاد فيما فيه نص من كتاب أو سنة أو إجماع.
على أنه سوف تفوت مسائل كثيرة لا يستطاع التدليل عليها، لأن السبيل إليها محض الاجتهاد البحت، مع أني سوف أبذل قصارى جهدي في إجرائها على قواعد المذهب، خلافيات كانت تلك القواعد أو وفاقيات؛ نحو قولهم: هل الأمر يقتضي تكرارًا أو لا؟. وهل يجب الأخذ بأول الأمور أو أواخرها؟. وهل النكاح قوت أو تفكه؟. ونحو ذلك. ومن أمثلة القواعد الوفاقيات: المشقة تجلب التيسير، والضرر يزال، ومن استعجل شيئًا قبل أو انه عوقب بحرمانه. إلى غير ذلك. وقد جعلت ديدني أني إن وجدت للمدونة نصًا في الموضوع سقته، فإن كان مرفوعًا اكتفيت به، وإن كان مجرد فتوى من الإمام نظرت، فإن عارضها النص أتيت به رادًا لتلك الفتوى، عملًا بقول قدوتي مالك ﵀
стр. 11
حيث ثبت عنه: ما وافق من رأي الكتاب والسنة فخذوا به، وما لا فاضربوا به الجدار. ا. هـ. وغير محتاج إلى لفت النظر إلى أني أضرب الذكر صفحًا عن الفروع المقدرة المفروضة وما أكثرها في المختصر. وبالله التوفيق.
هذا، والمركب صعب، والبضاعة مزجاة، ولذلك فقد حذوت حذو سلفي الصالح الشيخ خليل بن اسحاق -علينا وعليه رحمة الله- سائلًا بلسان التضرع والخشوع لله تعالى أن يعين وأن يوفق بمنه وكرمه إلى النظر بعين الرضا والصواب إلى عملي هذا، وأن يجعله خالصًا لوجهه تعالى، وأن يجعله من عملي الذي يجري عليَّ بعد موتي وعلى مشائخي، لأن ما تعلمته عليفم هو مما ورثوه من العلم.
وأعترف مقدمًا بالقصور وقلة الاطلاع، وأرجو من اطلع على خطإ ارتكبته إلى المبادرة بالتنبيه عليه، فإنه لا يسلم مؤلف من هفوة ولا جواد من كبوة، والأسوة في قوله ﵎: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١). ذكر أبو عبد الله القرطبي عند هذه الآية أنه لا يمكن بحال أن يؤلف مؤلف إلا ظهر فيه مصداق هذه الآية الكريمة، ويحكى لذلك عن قدوتنا وإمامنا محمد بن ادريس الشافعي عليه رحمة الله أنه لما أنهى الأم قدم المكتوب لأصحابه قائلًا: خذوا هذا، مع العلم أن به أخطاءً كثيرة. فردوا عليه أن أصلح الخطا قبل أن تناولنا الكتاب. فقال: لو اهتديت إلى مواضع الأخطاء ما وضعتها.
стр. 12
فقالوا: وما يدريك إذاً؟. قال: كتاب الله تعالى حيث يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ ..
هذا الشافعي، فما ظنك بمن هو في القرن الخامس عشر؛ يغمره الجهل وتحيط به الشبهات في مأكله وملبسه ومسكنه، ويعوقه عدم التفرغ وقلة المراجع لقلة الامكانيات؟!.
وعلى كل حال فقد عزمت على تحقيق ما كان يتمناه شيخي في حياته بعد الاستخارة النبوية، متكلا على الله جل شانه، راجيًا منه تعالى التوفيق والعون والسداد والرشاد. وسميته (مواهب الجليل من أدلة خليل). وإني على قصوري وعجزي وعجري وبجري، لواثق بربي عزوجل أنه سوف يحقق أمنيتي بإكماله وبتوفيقي فيه وتيسيره لي، وأنه سوف يغمرني به وشيخي، بل وجميع مشائخي برضاه وبرحمته غدًا في الجنة مستقر رحمة الله، فقد صح لي عنه جلا وعلا فيما يرويه عنه نبيه ﷺ أنه قال: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي" وظني به تعالى أنه سوف يرحمني بتحقيق أمنيتي هذه وبتيسير هذا الكتاب وبقبوله، وإنه هو الغفار للذنوب، سوف يغفر لي ذنوبي جميعها على كثرتها، فيرحمني برحمته التي سبقت غضبه، سبحانه ما أكرمه، يطاع فيشكر ويعصى فيغفر، عليه توكلت هو حسبي ونعم الوكيل.
نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 13
﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته، وهذا أوان الشروع في المقصود:
المؤلف
أحمد بن أحمد الحكنى المختار الشنقيطي
стр. 14
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المختصر
قال فىِ المختصر: بسم الله الرحمن الرحيم يَقُولُ الْفَقِيرُ الْمُضْطَرُّ لِرَحْمَةِ رَبِّهِ، المُنْكَسِرُ خاطِرُه لقلة العمل والتَّقْوى، خَلِيلُ بن اسْحَاقَ (١) المالكي: الحمد لله حمدًا يُوَافِي ما تَزَايدَ مِنَ النِّعَمِ، والشُكْرُ له عَلَى مَا أَوْلَانَا مِنَ الْفَضْل والكَرَمِ، لا أحصي ثناءً عَلَيْهِ هُوَ كَما أثْنَى عَلَى نَفْسِهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على محمد سيد العرب والعجم، والمبعوث لسائر الأمم، وبعد: فقد سألني جماعةً -أبَانَ اللهُ لنا ولهم معالم التحقيق، وسَلَكَ بنا وبهم أنْفَعَ طَرِيقٍ- مُخْتَصَرًا عَلى مذهب الإمام مالك (٢) بن أنس رحمه الله تعالى مبينًا لما به الفَتْوى، فأجبت
(١) عرف نفسه هنا وذلك مدعاة للوثوق بتأليفه، لأن التأليف المجهول صاحبه لا يعبأ به.
فذكر أنه يدعى خليل بن اسحاق. قال الدردير. ابن موسى ووهم من قال: ابن يعقوب. كان ﵀ مجمعًا على فضله وديانته وكان من جند المنصورة؛ يلبس زي الجند المتقشفين. وكان ذا دين وفضل وزهد وانقباض عن الناس، وقد جمع بين العلم والعمل ونفع الله به المسلمين، وله تصانيف كثيرة. توفي في/ ١٣/ ربيع الأول سنة ٧٧٦ هـ. انتهى. من الديباج باختصار.
(٢) مالك هو إمام دار الهجرة؛ مالك بن أنس بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان -بفتح المعجمة أوله بعدها ياء مثناة تحتية ساكنة- ابن خثيل -بالتصغير- ابن عمرو بن الحارث -وهو ذو أصبح- الأصبحي المدني الحميري نسبة إلى حمير، وفي عمود النسب للعلامة الشيخ أحمد البدوي بن محمدا -بدال ممدودة- المجلسي الموريتاني المتوفي تقريبًا عام ١٢٢٠ هـ. قال: =
стр. 15
سؤالهم بعد الاستخارة مشيرًا بفيها للمدونة (١)، وبأوِّلَ إلى اختلاف شارحيها في فهمها وبالاختيار للخمي (٢)، لكن إن كان بصيغة الفعل فذلك لاختياره هو في
= وانسب لحمير بني الجمهور … شعب إمام طيبة المشهور
ذكر في هذا البيت أن بني الجمهور هم شعب مالك بن أنس، وأنهم من حمير. ونقلت في تكملتي لحماد على الأنساب من تكملة البوحسني له؛ أن الجمهور بالضم هو ابن سهل بن عمرو بن قيس بن حمير بن معاوية بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عوف بن زهير بن الهميسع بن حمير. والله أعلم.
وعلى كل حال فهو أبو عبد الله المدني الفقيه أحد الأعلام في الإسلام، وهو إمام دار الهجرة. قال ابن عيينة في حديث أبي هريرة: يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحدًا أعلم من عالم المدينة -وهو مالك- وكذا قال عبد الرزاق. كان ﵀ ثقة ثبتًا. مات بالمدينة في صفر عام ١٩٧ هـ. وعاش ٨٩ سنة وقيل غير ذلك. ا هـ.
(١) يعني إذا قال "فيها" ونحو ذلك من كل ضمير مؤنث عائد إلى غير مذكور غائب، فإنما يريد به المدونة؛ وهي المسائل التي دونها قاضي القيروان أسد بن الفرات على محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ثم عن مالك وتسمى الأسدية، فتلطف سحنون بابن الفرات حتى أخذها منه ثم عرضها على ابن القاسم وهذبها ونقحها، واختصرها الشيخ ابن أبي زيد القيرواني وابن أبي زمنين. ا. هـ. جواهر الإكليل.
(٢) ذكر أن من مصطلحه أنه يشير بمادة الاختيار، سواءٌ أكان بصيغة الاسم أو بصيغة الفعل لاختيار اللخمي، لكنه إن كان بالفعل فهو لاختياره من قبل نفسه، وإن كان بالاسم فهو لاختياره من الاختلاف الكائن بين الشيوخ قبله، واللخمي هو أبو الحسن علي بن محمد الربعي، قيرواني نزل صفاقس فكان فيها فاضلًا، له تعليق على المدونة سماه التبصرة، مفيد حسن لكنه ربما اختار فيه وخرج، فخرجت اختياراته عن المذهب المالكي ويشهد لذلك قول القائل:
لقد مزقت قلبي سهام جفونها … كما مزق اللخمي مذهب مالك
مات عام ٤٩٨ هـ.
стр. 16
نفسه، وبالإِسم فذلك لاختياره من الخلاف، وبالترجيح لابن يونس (١) كذلك، وبالظهور لابن (٢) رشد كذلك، وبالقول للمازري (٣) كذلك، وحيث قلت: خلافٌ. فذلك لاختلاف في التشهير، وحيث ذكرت قولين أو أقوالًا؛ فذلك لعدم اطلاعي في الفرع على أرجحية منصوصة، واعتبر من المفاهيم مفهوم الشرط.
وأُشيرُ بُصحِّحَ أَوِ استحْسِنَ إلى أَنَّ شيخًا غير الذين قدمتهم صحَّحَ هذا أو استظهره، وبالتَّردُّدِ لتردد المتأخرين في النَّقْلِ أو لعدم نص المتقدمين، وبلو إلى خلاف مذهبيٍّ. والله أسأل أن ينفع به من كتبه أو قرأهُ أو حصله أو سعى في شيءٍ منه. والله يعصمنا من الزلل ويوفقنا في القول والعمل، ثم أعتذر لذوي الألباب من التقصير الواقع في هذا الكتاب، وأسأل بلسان التضرع والخشوع
(١) ويشير بمادة الترجيح وبنفس التفصيل إلى ابن يونس؛ وهو أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس الصقلي؛ كان فقيهًا إمامًا فرضيًا، وكان ملازمًا للجهاد موصوفًا بالنجدة، ألَّف كتابًا في الفرائض وكتابًا جامعًا للمدونة أضاف إليها غيرها من الأمهات. وتوفي عام ٤٦١ هـ.
(٢) ويشير بمادة الظهور وبنفس التفصيل السابق لابن رشد؛ وهو الإِمام محمد بن أحمد بن محمد ابن رشد القرطبي؛ زعيم فقهاء وقته بالأندلس والمغرب، والمعترف له بصحة النظر وجودة التأليف ودقة الفهم، وكانت الدراية أغلب عليه من الرواية، له التآليف النافعة. توفي عام ٥٢٥ هـ.
(٣) ويشير بمادة القول وبنفس التفصيل السابق إلى المازري؛ وهو الإمام أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازري الصقلي، ينسب إلى مازرة -بفتح الزاي وكسرها- مدينة بجزيرة صقلية تسمى الأن بسيسيلية قرب مالطة، وهو إمام أهل أفريقية وما وراءها من المغرب، له التآليف النافعة الكثيرة. توفي عليه رحمة الله عام ٥٢٦ هـ.
стр. 17
وخطاب التذلل والخضوع أن ينظر بعين الرضا والصواب، فما كان من نقص كملوه أو من خطإ أصلحوه، فقلما يخلص مصنف من الهفوات، أو ينجو مؤلف من العثرات.
* * *
стр. 18
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الطهارة
باب في أحكام الطهارة
يُرْفَعُ الْحَدَثُ (١) وَحُكْمُ الْخَبَثِ (٢) بِالْمُطْلَق (٣) وَهُوَ مَا صَدَقَ عليه اسْمُ ماءٍ بِلَا قَيْدٍ
(١) الحدث وصف حكمي مقدر على أعضاء المكلف جميعها أو بعضها، يترتب بموجبه منع المكلف من الصلاة ومن كل ما تشترط فيه الطهارة.
(٢) وحكم الخبث هو الوصف المقدر شرعًا قيامه بعين النجاسة.
(٣) صفة حذف موصوفها وأقيمت مقامه. أي بالماء المطلق من التقييد بشيءٍ لا ينفك عنه.
فالمطلق في الاصطلاح هو اعتبار الماهية من حيث هي هي، فإذا اعتبرت الماهية من حيث الوصف كانت مقيدة. ودليل الطهارة بالماء هو قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ الآية من الفرقان. وحديث الموطإ عن أبي هريرة: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُه الْحِلُّ مَيْتَتُهُ". يعني البحر؛ لأنه جواب لسؤال سائل: أفنتوضأ بماء البحر؟. وأخرجه البغوي: باب أحكام المياه، وأبو داود في الطهارة والترمذي كذلك.
أما إذا تقيد بما ينفك عنه؛ كماء البحر أو ماء البئر أو ماء المطر أو ماء الغدير ونحو ذلك، فإن ذلك القيد لا يخرجه عن طهوريته؛ لحديث أبي سعيد الخدري في بئر بُضاعة: قال: قال رسول الله ﷺ "إنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. ولحديث أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنهِ". أخرجه ابن ماجه.
стр. 19
وَإنْ جُمِعَ مِنْ نَدىً (١) أوْ ذَابَ بعد جُمُودِهِ (٢). "أَوْ كَانَ سُؤْرَ بَهِيمَةٍ (٣) أوْ حَائضٍ (٤) أوْ جُنُبٍ أوْ فَضْلَةَ (٥) طهارتهما أوْ كَثيرًا خُولِطَ بِنَجَسٍ (٦) لم يُغَيِّرْ أوْ شُكَّ فِي مُغيِّرهِ
(١) الندى هو الماء الذي ينزل من السماء آخر الليل على ورق الشجر، وطهورية ماء السماء دليلها القرآن كما علمت آنفًا من آية الفرقان، علمًا بانه روى البيهقي من حديث عبد الله بن الزبير عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد رأيتني مع النبي ﷺ في ماءٍ من السماء وإني لأدلك ظهره وأغسله.
(٢) وأما دليل طهورية الماء الذائب بعد جموده فحديث عائشة عند البخاري ومسلم والبيهقي واللفظ له قالت: كان رسول الله ﷺ يتعوذ يقول: "اللَّهُمَّ اغْسِلْ قَلْبِي بِالْمَاءِ والثَلْجِ وَالْبَرَدِ".
(٣) دليله حديث جابر بن عبد الله ﵁ عند البغوي، أن النبي ﷺ سئل: أيتوضأ بما
أفضَلت الحمر؟. قال: "نَعَمْ، وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا". وهذا الحديث رواه الشافعي والدارقطني والبيهقي. وفي الموطإ من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عمر بن الخطاب خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص، حتى وردوا حوضًا فقال عمرو بن العاص لصاحب الحوض: يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟. فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا.
(٤) الدليل على طهارة سؤر الحائض ما أخرجه ابن خزيمة من حديث عائشة قالت: كان رسول الله يؤتى بالإناء فأبدأ فأشرب وأنا حائض، ثم يأخذ ﷺ الإناء فيضع فاه على موضع فيَّ. وآخذ العرق فأعضه، ثم يضع فاه على موضع فِيَّ. وهو حديث إسناده صحيح. وقال د. الأعظمي في تعليقه على ابن خزيمة: إن مسلمًا أخرجه من طريق وكيع، قال ابن خزيمة: لو كان سؤر الحائض نجسًا لما شرب ﷺ ماءً نجسًا غير مضطر إلى شربه.
(٥) أما دليل طهورية فضلة طهارة الجنب؛ فمن ذلك ما رواه ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة ﵂. أخرجه في بلوغ المرام وقال أخرجه مسلم.
ولأصحاب السنن؛ اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة فجاء يغتسل منها فقالت: إني كنت جنبًا. فقال: "إنَّ الْمَاءَ لَا يَجْنبُ" وصححه الترمذي وابن خزيمة. ا. هـ. بلوغ المرام. وأخرج الدارقطني عن ابن عباس قال: حدثتني ميمونة بنت الحارث أن النبي ﷺ توضأ بفضل غسلها من الجنابة.
(٦) دليله ما تقدما "إن الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" قال ابن حجر في التلخيص: أخرجه أحمد =
стр. 20
هل يَضُرُّ (١)؟. أوْ تَغَيَّرَ بِمُجَاوَرَةٍ (٢) وَإنْ بِدُهْنٍ لَاصَقَ (٣) أوْ بِرَائحَةِ قَطِرَانِ (٤) وعَاءِ مُسَافِرٍ أوْ بِمتوَلِّدٍ (٥) منهُ أوْ بِقرَارِهِ كَمِلْحٍ أوْ بِمَطْروح فيهِ ولو قَصْدًا مِنْ تُرابٍ أوْ مِلْحٍ، والأرْجَحُ السَّلَبُ بِالْمِلْحِ وَفي الاتِّفَاقِ عَلى السَّلَبِ بِهِ إن صنعَ تَرَدُّدٌ (٦). لَا
= والشافعي وأصحاب السنن والدارقطني والحاكم والبيهقي وقال: صححه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو محمد بن حزم.
(١) اليقين أنه طهور قبل طروّ الشك في تغيره، أو الشك في المغير الميقن هل هو مما يسلب طهورية الماء أولا؟. فهو والحالة هذه يبقى على طهوريته للقاعدة المتفق عليها والتي هي من أمهات الفقه التي أسس عليها. كما قال في مراقي السعود:
قد أسس الفقه على رفع الضرر … وأن ما يشق يجلب الوطر
ونفي رفع العلم بالشك، وأن … يُحكم العرف وزاد من فطن
كون الأمور تبع المقاصد … ..................... الخ
ومحل الشاهد منها قوله: ونفي رفع العلم بالشك؛ أي اليقين لا يرفع بالشك، ويؤيده قوله ﷺ المتفق عليه "فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أوْ يَشُمَّ رِيحًا". الحديث.
(٢) لم أطلع على دليل فيه يرجع إليه، وعليه العمل في المذهب. والله أعلم.
(٣) الذي يؤيده الدليل هو ما ذهب إليه ابن عرفة وابن مرزوق والأجهوري وتلامذته؛ من أنه تسلب طهوريته بريح دهن لاصق سطحه، والدليل ما تقدم في الحديث" الْمَاء طَهُورٌ إلَّا إنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ أوْ طَعْمُهُ أوْ لَوْنُهُ".
(٤) استثناءُ رائحة القطران هنا تحتاج إلى دليل يرجع إليه من النقل لم أجده.
(٥) المتولد منه كالطحلب -بضم الطاءِ- وقراره كالملح والتراب والمغرة ونحو ذلك، ودليل عدم سلب الطهورية بالمتولد والمقر واضح في قوله ﷺ في البحر: "هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ".
(٦) ما ذهب إليه المؤلف هنا مذهب ابن أبي زيد القيرواني، وذهب ابن يونس أن الملح المقصود طرحه يسلب طهورية الماء، وفرق الباجي بين الملح المصنوع والملح المعدني قال: الأول يسلب الطهورية دون الثاني. وتردد المتأخرون في الاتفاق على أن الملح المصنوع يسلب طهورية=
стр. 21
بِمُتَغيِّرٍ (١) لوْنًا أوْ طَعْمًا أوْ رِيحًا بِمَا يُفارِقُهُ غَالِبًا مِنْ طَاهِرٍ أوْ نَجَسٍ؛ كَدُهْنٍ خَاَلطَ أو بُخَارِ مَصْطَكَّا، وَحُكْمُهُ كَمُغَيِّره (٢) وَيَضُرُّ بَيِّنُ التَّغَيُّرِ بِحَبْلِ سانيةٍ كغَدِير برَوْثِ مَاشِيةٍ أوْ بئْر بوَرَقِ شَجَرٍ أوْ تِبْنٍ. والأظْهَرُ فِي بِئْرِ البَادِيَةِ بِهِمَا الجوَازُ (٣). وَفي
= الماء، والذي يؤيده الدليل أن الملح إن اعتبر مفارقًا منفكًا عن الماءِ سلب طهوريته، ولعل الذي يقول: لا يسلب الطهورية، اعتبره مثل الثلج في أنه ماءٌ أصالة. والله تعالى الموفق.
(١) الدليل على أن الماء المتغير لونًا أو طعمًا أو ريحًا مسلوب الطهورية، هو ما رواه راشد بن سعد عن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ رِيحَهُ أوْ طَعْمَهُ". عند الدارقطني وقد تقدمت روايته عند ابن ماجه: "إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنهِ".
(٢) أما الدليل على أنه إن تغير بطاهر بقي على طهارته، فحديث عبد الله بن عباس ﵄ عند ابن خزيمة أنه قيل لعمر: حدثنا عن ساعة العسرة، فقال عمر: خرجنا الى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن الرجل ينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده إلى آخر الحديث، قال ابن خزيمة:
لو كان ماءُ الفرث نجسًا لما جاز أن يجعلهُ المرث على بدنه، وهو غير واجد لماءٍ طاهر يغسله به.
ودليل كونه إن تغير بنجس تنجس هو ما حكاه ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن الماء القليل والكثير إذا وقعت نجاسة فغيرت للماء طعمًا أو لونًا أو ريحًا أنه ينجس ما دام كذلك. ذكره ابن قدامة في المغني في المجلد الأول ص ٢٠. وقد حكى الشوكاني هذا الإجماع أيضًا في نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، لكنه حكاه عن البدر المنير في المجلد الأول ص ٣٥.
(٣) ما ذهب إليه ابن يونس من عدم تأثر بئر الماشية والغدران بأبوال الماشية وروثها وبورق الشجر، لعدم الاحتراز من ذلك وغلبة الوقوع، تشهد له القاعدة العامة التي تقول: (الصثمقة تجلب التيسير) ودليلها قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢). وقوله ﷺ :"إذَا أَمَرْتُكمْ بِشَيْء فَأتوا مِنْة مَا اسْتَطَعْتمْ" وقال الباجي في المنتقى: وقد روى في المجموعة ابن غانم عن مالك في غدير تردها الماشية، فتبول فيها وتروث فتغير طعم الماء =
стр. 22
جَعْلِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ (١) نَظَرٌ، وَفي التطْهِيرِ بِمَاءٍ (٢) جُعِلَ في الْفَمِ قَوْلَانِ، وَكُرِهَ مَاء مُسْتَعْمَل فِي حَدَثٍ، وَفي غَيْرِه تَرَدُّدٌ (٣). وَيَسِير كآنِية وُضوء أوْ
= ولونه، قال: لا يعجبني الوضوء به ولا أحرمه. ومعنى ذلك أن هذا مما لا ينفك الماء عنه غالبًا ولا يمكن منعه منه. ا هـ. منه.
(١) الظاهر أنه والحالة هذه من عدم تغيير أي وصف من أوصاف الماء، أنه يبقى على طهوريته إذا كان المخالط طاهرًا، وأما إذا كان المخالط نجسًا فيجري على حكم يسير ماء أصابته نجاسة لم تغيره، الذي يأتي الكلام عليه قريبًا إن شاء الله.
(٢) هذا خلاف لفظي؛ إذ المعروف أنه إن ظهر تغيير للماء بغلبة اللعاب عليه، سلب طهوريته، وأنه لا خلاف أنه إن لم يظهر به تغير بقي على طهوريته، فأين الخلاف إذًا؟.
(٣) هذه الكراهة مراعاة لخلاف خارج المذهب، قال الخرقي: ولا يتوضأ بماء قد وضئ به.
قال ابن قدامة: وبه. قال الأوزاعي. وهو المشهور عن أبي حنيفة. وإحدى الروايتين عن مالك وظاهر مذهب الشافعي، غير أن الدليل من الوحيين يؤيد طهورية هذا الماء المستعمل في حدث إذا لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة، فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (١) الآية. قال في المنتقى على الموطإ: وطهور -على مثال صبور وشكور- إنما يستعمل فيما يكثر منه الفعل، وهذا يقتضي تكرار الطهارة بالماء. ا. هـ. منه.
وأما السنة؛ فقوله ﷺ : "الْمَاءُ لَا يَجْنُبُ" أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة والترمذي كما تقدم عزوه لبلوغ المرام. وأيضًا فقد روي عنه ﷺ أنه اغتسل من الجنابة فرأى لمعة لم يصبها الماء فعصر شعره عليها. قال ابن قدامة في المغني: رواه الإمام أحمد في المسند وابن ماجه وغيرهما. ا هـ.
وبعد أن اطلعت على أن الماء المستعمل في رفع حدث يبقى على طهوريته بدليل الكتاب والسنة الفعلية والقولية، فأي تردد يبقى عندك في طهورية الماء المستعمل في غير رفع الحدث؟ وحكم الخبث في طهارة تتوتف على المطلق كغسل الإحرام وتجديد الوضوء ونحو ذلك؟ فهذا الماء الذي لم يزل مانعًا من الصلاة لم يزل باقيًا على طهارته، ولا محل للتردد في التطهير به، والعلم عند الله تعالى.
стр. 23
غُسْلٍ بنَجَسٍ لَمْ يُغيِّرْ (١) أوْ ولَغَ فِيهِ كَلْبٌ (٢)، وَراكِدٌ يُغَتسَلُ فيه (٣) وَسُؤْرُ شَارِب
(١) حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ "إنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْء إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنهِ" يدل لهذا الفرع، غير أن الباجي نفل عن ابن القاسم أنه يطلق على هذا الماء القليل الذي خالطته نجاسة قليلة لم تغيره، اسم النجاسة في روايته وقوله، ويرى أن على من توضأ به الإِعادة في الوقت دون غيره.
والدليل يؤَيد من ذهب إلى نجاسة الماء اقليل الذي أصابته نجاسة لم تغيره، وأنه يجب اجتنابه لتحقق وقوع الرجس به، والله تعالى يقول: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (١). وحديث القلتين عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ" وفي لفظ "لَمْ يَنْجُسْ" أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه الحاكم وابن خزيمة وابن حبان، نص في أن الماء القليل الذي لم يبلغ القلتين ينجس بما يلاقيه من النجس، وحديث أبي هريرة المتفق عليه: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أحَدُكمْ مِنْ نَوْمهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَة فِي الْإنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ". نص هو الآخر في الموضوع، لأنه نهي للمستيقظ عن غمس يده في آنية الوضوء لئلا ينجس الوضوء -بفتح الواو. كل ذلك في نظري أقل أحواله أن يكون مخصصًا لحديث "الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَىْءٌ" علاوة على أن جانب المنع مقدم على جانب الإِباحة عند التعارض، والله الموفق.
(٢) في صحيح مسلم: "طَهُورٌ إنَاءِ أحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ"، وفي رواية أخرى: "إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أحَدِكُمْ فَلْيَهْرِقْة، وَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، لَماذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أحَدِكُمْ فَلَا يَمْشِ حَتَّى يُصْلِحَهُ". أخرجه ابن خزيمة وقال: وفيه دليل على نقض قول من زعم أن الماء طاهر.
والذي يظهر أن من زعم أن ماء ولغ فيه كلب أنه طهور بعد ما يبلغه هذا الحديث الصحيح، أقل أحواله أن يجر عليه الذيل قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢). وما يتوارد معها من القرآن على معناها، وسوف يأتي مزيد كلام على طهارة الكلب وغيرها في محل ذلك. والله الموفق.
(٣) هذه الكراهة أيضًا لمراعاة خلاف مذهب خارج المذهب المالكي، وحملًا للنهي الوارد في=
стр. 24
خَمْرٍ وَمَا أدْخَلَ يَدَهُ (١) فيهِ وَمَا لَا يَتَوَقَّى نَجِسًا (٢) مِن مَّاءٍ (٣)، لَا إنْ عَسُرَ الإِحْتِرازُ (٤) مِنْهُ، أوْ كَانَ طَعَامًا (٥) كَمُشَمَّسٍ (٦).
= قوله ﷺ "لَا يَغْتَسِلْ أحَدُكمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ". رواه مسلم، على التنزيه، لأن أقل أوصافه أن يكون ماء استعمل في حدث، وقد تقدم قوله ﷺ : "الْمَاءُ لَا يَجْنُبُ وبالله تعالى التوفيق.
(١) في العتبية من رواية ابن القاسم عن مالك: لا يتوضأ من سؤره ولا يتوضأ من فضل وضوئه -يعني النصراني- ووجه ذلك أن الغالب عليه النجاسة، لأنه لا بتدين بالتوقي منها، لأنه يأكل الميتة والخنزير ويشرب الخمر، فهو بمنزلة ما يأكل النجاسة من الدجاج المخلاة وغيرها التي يمنع من الوضوء بسؤرها. ا. هـ. المنتقى للباجي.
والدليل مع ما مشى عليه المؤلف من أن الطهارة هي الأصل المتيقن، وهو لا يرفعه الشك فكرهوا استعماله كراهة تنزيه، لا جرم أن النجاسة إن شوهدت بفيه وقت الاستعمال عمل على وقوعها فيه. وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله.
(٢) أما آسار البهائم والطيور التي لا تتوقى نجاسة فقد تقدم الكلام عليها عند قول المؤلف: أو كان سؤر بهيمة. فراجعه.
(٣) يريد أن كراهة هذا الاستعمال مخصوصة بكون السؤر الذي يكره استعماله من خصوص الماء، أما الطعام فسيتكلم عليه قريبًا.
(٤) يريد أنه إن عسر الاحتراز مما لا يتوقى نجسًا انتفت كراهة استعماله -أي الماء- كالقط والفأر، وذلك لقوله ﷺ "إنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ". أخرجه الموطأ عن أبي قتادة،
وحديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عمر بن الخطاب خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضًا، فقال عمرو بن العاص لصاحب الحوض: يا صاحب الحوض، هل ترد حوضك السباع؟. فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا. أخرجه الموطأ أيضًا. وقد تقدم.
(٥) يريد إن كان سؤر شارب الخمر وما أدخل يده فيه من الطعام، لم يكره استعماله لذلك ولا يراق لشرف الطعام ولأنه لا يلغى بالشك. ولا أرى لذلك إلا قولهم اليقين: لا يلغى بالشك. لأن النجاسة الواقعة فيه يقينًا تنجسه.
(٦) أي ويكره استعمال ماءٍ مسخن بالشمس حملًا للنهي الوارد في ذلك على الكراهة. وأوثق
стр. 25
وَإنْ رِيئَتْ عَلَى فِيهِ بَعْدَ اسْتِعْمَالِهِ عُمِلَ عَلَيْهَا (١)، وَإذَا مَاتَ بَرّيٌّ ذُو نَفَسٍ سَائلَةٍ بِرَاكِدٍ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ نُدِبَ نَزْحٌ بِقَدْرِهِمَا (٢)، لَا إن وَقَعَ مَيْتًا (٣) وإنْ زَالَ تَغَيُّرُ النَّجَاسَةِ لا بِكَثْرَةِ الْمُطْلَقِ، فاسْتُحْسِنَ الطهُورِيَّة وعَدَمُهَا أرْجَحُ (٤)، وَقُبِلَ خَبَرُ الْوَاحِد إنْ بَيَّنَ وَجْهًا أوْ اتَّفَقَا (٥) مَذْهَبًا، وإلَّا فقال: يُسْتَحْسَنُ تَرْكُهُ (٦) وَوُرود الْمَاءِ عَلى النَّجاسَةِ كَعَكْسِهِ (٧).
= شيء في ذلك ما روي عن عمر بن الخطاب: (لَا تَغْتَسِلُوا بِالْمُشَمَّسِ فَإنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ" عندَ الدارقطني.
(١) قال في الموطإ ما نصه: قال يحيى: قال مالك: لا بأس إلا أن يرى في فمها نجاسة. ا. هـ. يعني الهرة، قال الباجي: ومعنى ذلك لا بأس باستعمال سؤرها إلا أن ترى في فمها نجاسة. ا. هـ. من المنتقى.
(٢) لما أخرجه عبد الرزاق عن ليث قال: إذا سقط الكلب في البئر فأخرج منها حين سقط نزع منها عشرون دلوًا، فإن أخرج حين مات نزع منها ستون أو سبعون دلوًا، فإن تفسخ فيها نزع ماؤها، فإن لم تستطيعوا نزح منها مائة دلو، وعشرون ومائة. ا. هـ. ولابن أبي شيبة عن ابن علية عن ليث عن عطاء قال: إذا وقع الجرذ في البئر نزع منها عشرون دلوًا، فإن تفسخ فأربعون، فإن وقعت الشاة نزح منها أربعون دلوًا، فإن تفسخت نزعت كلها أو مائة دلو. ا. هـ.
(٣) لحديث القلتين لأصحاب السنن إلا الصحيحين، وصححه ابن خزيمة والحاكم وابن حبان وقد تقدم لفظه، ولحديث أبي سعيد عند البيهقي، قال: كنا مع النبي ﷺ فأتينا على غدير فيه جيفة، فتوضأ بعض القوم وأمسك بعض القوم حتى يجيء النبي ﷺ فجاء النبي ﷺ في أخريات الناس فقال: "تَوَضَّؤُوا وَاشْرَبُوا فَإنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ". ا. هـ.
(٤) رجحان عدم الطهورية لتيقن النجاسة أولًا، ولا يرفع اليقين إلا باليقين.
(٥) قبول خبر الواحد يتوقف فقط على أن يكون عدل رواية وشروطه معروفة، وقد بينها ابن عاصم
стр. 26
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بقوله:
والعدل من يجتنب الكبائرا … ويتقي في الأَغْلَبِ الصغائرا
وما أبيح وهو في الأعيان … يقدح في مروءة الإنسان
وذو أنوثة وعبد والعدا … وذو قرابة خلاف الشهدا
(٦) لقوله ﷺ "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ".
(٧) إذ لا فرق بين ورودها عليه ووروده عليها. والله الموفق.
ودليله حديث بول الأعرابي في المسجد؛ قال النبي ﷺ "صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ". أو كما قال ﷺ .
* * *
стр. 27
فصل
الطَّاهِرُ مَيْتُ مَا لَا دَمَ لَهُ (١)، والْبَحْرِيُّ (٢) وَلَوْ طَالَتْ حَيَاتُهُ بِبَرٍّ (٣)، ومَا ذُكِّي (٤)، وَجُزْؤُهُ، إلَّا مُحَرَّمَ الْأكْلِ (٥)، وَصُوفٌ وَوَبَرٌ وزَغَبُ رِيش وشَعْرٌ (٦)،
(١) لدليل قوله ﷺ "إذَا وَقَع الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلّهُ ثم ليَطْرَحْهُ فإنَّ فِي أحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفي الآخَرِ دَوَاءً وَإنَّهُ يُؤخِّرُ الدَّوَاءَ وَيُقَدِّمُ الدّاءَ" أخرجه الباجي في المنتقى، وأخرجه ابن خزيمة قال: قال رسول الله ﷺ "إذَا وَقعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أحَدِكُمْ فَإنَّ فِي أحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفي الآخَرِ شِفَاءً وَإنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِه الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ فَلْيَغْمِسْهُ كُلّهُ ثُمَّ لْيَنْتَزِعْهُ". ا. هـ. وهو من حديث أبي هريرة. قال الباجي: فلو كان ينجس بالموت وينجس ما مات فيه، لما أمرنا أن نفسد الطعام والشراب بغمسه فيه، فإن ذلك يميته غالبًا. ا. هـ. منه. قال ابن قدامة في المغني: وقد روي أن النبي ﷺ قال لسلمان: "يَا سَلْمَانُ، أيُّمَا طَعَامٍ أو شَرَابٍ مَاتَ فِيهِ دَابَّةَ لَيْسَتْ لَهَا نَفَسٌ سَائِلَةٌ فَهُوَ الْحَلَالُ أكلُهُ وشُربُهُ وُوَضُوءُهُ". وهذا صريح أخرجه الترمذي والدارقطني. قال الترمذي: يرويه بقية، وهو مدلس، فإذا روى عن الثقات جود. ا. هـ. بلفظه.
(٢) لحديث أبي هريرة: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِل مَيتَتُهُ". يعني البحر، وقد تقدم فراجعه. ولقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ الآية، قال عمر بن الخطاب ﵁، وهو من أهل اللسان: صيده ما صدته. وطعامه ما رمي به. ا. هـ. المنتقى للباجي.
(٣) قال الباجي في شرح الموطإ: وأما ما تدوم حياته كالضفاع والسلحفاة فهو عند مالك طاهر حلال لا يحتاج إلى ذكاة، وفي القرطبي أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل الضفدع، وإذًا فإن الذكاة لا تنفع فيها. والله أعلم.
(٤) قوله وما ذكي: أي بشرط أن يكون مما يباح أكله.
(٥) أي فلا تنفع فيه الذكاة.
(٦) دليله قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (١) الآية، وفي=
стр. 28
وَلَوْ مِنْ خنْزيرٍ إنْ جُزَّتْ (١)، وَالْجَمَادُ وَهُوَ جِسْمٌ غَيْرُ حَيٍّ وَمُنْفَصِلٍ عَنْهُ (٢) إلَّا المُسْكِرَ (٣). وَالْحَيُّ وَدَمْعُهُ وَعَرَقُهُ ولُعَابُهُ (٤) ومُخَاطُهُ وبَيْضُهُ وَلوْ أكَلَ نَجِسًا (٥) إلَّا
= مصنف عبد الرزاق ما نصه: عن عبد الرزاق عن الثوري عن ابن عون عن ابن سيرين قال: الصوف والمعز والجز والثل لا بأس به وبريش الميتة. ا. هـ. وفيه أيضًا: عبد الرزاق عن معمر عن حماد: لا بأس بصوف الميتة ولكنه يغسل، ولا بأس بريش الميتة. ا. هـ.
(١) لم أقف على دليل أستطيع أن أستجلبه على طهارة شعر الخنزير. والله أعلم.
(٢) يريد به ما لم تحل الروح فيه أصلًا، ولم يكن منفصلًا عن حي؛ كالعسل والسمن واللبن فإنها منفصلة عن حي.
(٣) فهو نجس لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: جاء أبو طلحة إلى النبي ﷺ فقال: إني اشتريت لأيتام في حجري خمرًا. فقال له النبي ﷺ : "أهْرِقِ الْخَمْرَ وَكسِّرِ الْدِّنَانَ). فأعاد عليه ذلك ثلاث مرات. أخرجه الدارقطني.
(٤) دليل طهارة العرق ما ثبت من أنه ﷺ ركب فرسًا معروريًا لأبي طلحة، وهو متفق عليه من حديث أنس. ودليل طهارة عرق الإنسان حديث أنس عن مسلم والبيهقي أن أم سليم كانت تجعل من عرقه ﷺ في قارورة، وأنه لما سألها قالت: بركتك يا رسول الله نجعله في طيبنا. فقال ﷺ "أصَبْتِ".
وأما طهارة لعاب الحي فحديث جابر ﵁ عند البغوي الذي تقدم: أفَنَتَوَضَّأْ مِمَّا أفْضَلَتِ الْحُمُرُ؟. قال: "نَعَمْ! وَممَّا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا". فلو لم يكن لعاب هذه الحيوانات طاهرًا لأنجس سؤرها لعابها، وأيضًا فإن حديث عمرو بن خارجة دليل على طهارة العرق واللعاب من الحيوان حيث يقول: كنت آخذًا بزمام ناقة النبي ﷺ ولعابها يسيل على كتفي. وطهارة المخاط والبصاق فحديث رواه البخاري في الصحيح عن الفريابي أن رسول الله ﷺ بزق في ثوبه، قال البيهقي: وعن أنس أن النبي ﷺ بزق في ثوبه؛ يعني وهو في الصلاة. ا. هـ.
(٥) لحديث: أفنتوضأ مما أفضلت الحمر؟. قال: نعم. الحديث، ومعلوم أن الحمار يأكل
стр. 29
الْمَذِرَ وَالْخَارِجَ بَعْدَ الْمَوْتِ (١).
وَلَبَنُ آدَمِيٍّ (٢) إِلَّا الْمَيِّتَ، وَلَبَنُ غَيْرِدِ (٣) تابعٌ، وَبَوْلٌ وَعَذِرَةٌ مِن مُباحٍ (٤) إلَّا الْمتَغَذِّيَ (٥) بِنَجَسٍ، وَقَئٌ إلَّا الْمُتَغَيِّرَ (٦) عَنِ الطَّعَامِ، وصَفْرَاءُ وَبلغَمٌ (٧) وَمَرارةُ
= النجاسات. قلت: والأظهر في الدليل استثناءُ لعاب الكلب لأحاديث الولوغ والإراقة، والمتبادر إلى الذهن أن الخنزير شر منه، لحديث نزول عيسى، وذكر فيه: "يَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتلُ الْخِنْزِيرَ"، علمًا بأن في المدونة: قال علي وابن وهب عن مالك: لا يعجبني الوضوة بفضل الكلب إذا كان الماءُ قليلًا. فهو يدل على أنه يرى نجاسته ونجاسة لعابه. ويدل أيضًا أنه كان يرى نجاسة ماءٍ قليل وقعت فيه نجاسة، وأما الاستدلال على طهارة لعابه بأنه يؤكل صيده فهو غير وجيه، إذ لا منافاة بين أكل صيده وتطهير أثر لعابه. انظر نيل الأوطار في هذا المحل والله الموفق.
(١) نسبه ابن قدامة في المغني لعلي بن أبي طالب وابن عمر وربيعة ومالك بن أنس والليث وبعض الشافعية. ا. هـ.
(٢) لطهارة الآدمي، لقوله ﷺ "الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ" متفق عليه. ولأنه تغير إلى مصلحة، والقاعدة تفيد أن ما تغير الى فساد فهو فاسد نجس كالروث، وما استحال إلى صلاح فهو طاهر كالبيض واللبن. قال في المنهج المنتخب:
وهل يؤثر انقلاب كعرق … ولبن بول وتفصيل أحق
(٣) أي فكل ما يؤكل لحمه فلبنه طاهر وما لا فلا.
(٤) قد تقدم الكلام عليها عند تغير بئر البادية والغدران بأبوالها فراجعه.
(٥) لنجاسة أصله ولأنه لم يستحل إلى صلاح للقاعدة المتقدمة.
(٦) لحديث الموطإ، ونصه: وحدثني عن مالك أنه رأى ربيعة بن عبد الرحمن يقلس مرارًا وهو في المسجد فلا ينصرف ولا يتوضأ حتى يصلي. قال الباجي: وليست المضمضة عليه بواجبة، ولكن يستحب له أن يتمضمض من ذلك ويغسل فمه لأن القلس لا يكون طعامًا متغيرًا وإنما يستحب منه تنظيف الفم. ا. هـ. فإن كان القيء متغيرًا كان نجسًا، ووجب منه غسل الفم لحديث الموطإ: وسئل مالك هل من القيء وضوء؟. قال: لا، ولكن ليمضمض من ذلك، وليغسل فاه وليس عليه وضوء. أي فإن كان غير متغير فالأمر على الاستحباب كما تقدم، وإن تغير فهو على الوجوب.
(٧) الصفراء ماء أصفر ملتحم يشبه الزعفران يخرج من المعدة، والبلغم ماء منعقد كالمخاط=
стр. 30
مُبَاحٍ وَدَمٌ لَمْ يُسْفَحْ وَمسْكٌ (١) وَفَأْرَتُهُ، وزَرْعٌ بِنَجَسٍ (٢)، وخَمْرٌ تَحَجَّر أوْ خُلِّلَ (٣) والنَّجَسُ مَا اسْتُثْنِيَ ومَيْتُ (٤) غَيْرِ مَا ذُكِرَ وَلَوْ قَمْلَةً (٥) وَآدَمِيَا والأظْهَرُ طَهَارَتهُ (٦)، وَمَا أُبيِنَ مِن حَيٍّ وَمَيْتٍ؛ مِنْ قَرْنٍ وَعَظْمٍ وَظِلْفٍ وَظُفْرٍ وَعَاجٍ وَقَصَبِ (٧) رِيشٍ وَجِلْدٍ
= يخرج من الصدر أو يسقط من الرأس، والعلة في طهارتهما الحياة؛ لأن الحياة عدنا علة طهارة الحي، وإنما قلنا بنجاسة القيء للتغير واستحالته إلى فساد.
(١) قال الباجي: وإنما حكم لها بالطهارة -والله أعلم- لأنها قد استحالت عن جميع صفات الدم، وخرجت عن اسمه إلى صفات واسم يختص بها فطهرت بذلك، كما يستحيل الدم وسائر ما يتغذى به الحيوان من النجاسات إلى صفات أخرى فيكون طاهرًا. ا. هـ. محل الغرض منه.
(٢) و (٣) علة طهارتهما الاستحالة إلى صلاح كالمسك وللقاعدة آنفة الذكر.
(٤) لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (١) الآية.
(٥) وجه الخلاف فيها في تحقيق المناط في كونها مما له نفس سائلة أولا؟. فمن قال بنجاسة ميتتها يقول: هي ذات دم. ومن قال: لا تنجس ميتتها. يقول: هي لا دم لها، وإنما هي ناقلة لدم غيرها.
(٦) الآدمي المسلم؛ ذكر الشوكاني الإجماع عدى طهارته حيًا وميتًا لقوله ﷺ المتفق عليه: "الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ". وعند البخاري تعليقًا "الْمُؤمنُ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلا مَيْتًا" وحديث ابن عباس عند البيهقي: "إن مَيِّتَكُمْ بَمُوتُ طَاهِرًا فَحَسْبُكُمْ أنْ تَغْسِلُوا أيْدِيَكُمْ". وأما الآدمي الكافر فمذهب مالك نجاسته حيًا وميتًا لظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٢) الآية. وبه يقول أبو حنيفة، والذي استظهره ابن يونس قول غيرهما. انظر نيل الأوطار. ا. هـ.
(٧) لقوله ﷺ : "مَا أبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيْتٌ" عند الحاكم من حديث أبي سعيد الخدري يرفعه، قال ابن حجر في التلخيص: ورواه الدارمي وأحمد والترمذي وأبو داود والحاكم من حديث عبد الرحمن ابن عبد الله بن دينار عن زيد بن أسلم عن أبي واقد الليثي بلفظ آخر مثله في المعنى فانظره. والعظم=
стр. 31
وَلَوْ دُبغَ ورُخِّصَ فِيهِ مُطلَقًا -إِلَّا مِنْ خِنْزِيرٍ- بَعْدَ دَبْغِهِ فِي يابِسٍ (١) وَمَاءٍ، وفيها كراهَةُ الْعَاجِ والتَّوقفُ فِي الكيْمَخْتِ. وَمَذِيٌّ (٢) وَمَنِيٌّ (٣) وَوَدْيٌ (٤) وقَيْحٌ وصَدِيدٌ،
= والقرن والظلف والظفر والعاج وقصب الريش إذا كانت من الحي فهي حية لدليل قوله تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (١). الآية، فما يحيا فهو ميت، وأيضًا فإن دليل الاحساس على الحياة ظاهر لأن ألمه أشد من الألم في اللحم والجلد. ا. هـ.
(١) قال الخرقي: وكل جلد ميتة دبغ أو لم يدبغ فهو نجس. ا. هـ. واستدل له ابن قدامة بقوله ﷺ : "كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكمْ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَاب وَلَا عَصَبٍ". رواه أبو داود والإمام أحمد. ولكنه وردت أحاديث في الباب تعارضه؛ منها الصحيح ومنها ما تكلم فيه، من ذلك حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ أراد أن يتوضأ من سقاء فقيل له: إنه ميتة. فقال: "دِبَاغهُ يُزِيلُ خَبَثَهُ أوْ نَجَسَهُ أوْ رِجْسَهُ".
قال في التلخيص: وإسناده صحيح. رواه الحاكم والبيهقي والنسائي وابن حبان والطبراني. ا. هـ. وحمله مالك على الانتفاع به في خصوص الماء لأنه يدفع عن نفسه، وفي اليابس الذي لا يتحلل إليه منه شيءٌ. ا. هـ.
(٢) لحديث مسلم والبخاري عن علي بن أبي طالب: كنت رجلًا مذاء، وكنت أستحيي أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: "يَغْسِلُ ذَكَرَهُ ويتَوَضَّأ".
(٣) لحديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يغسل المنى ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل. متفق عليه.
(٤) لحديث ابن عباس عند البيهقي قال: المني والمذي والودي؛ فالمني فيه الغسل، ومن هذين الوضوء، ويغسل ذكره ويتوضأ.
стр. 32
وَرُطُوبَةُ (١) فَرْجٍ وَدَمٌ مَسْفُوحٌ (٢) وَلَوْ مِنْ سَمَكٍ وَدُبَاب، وسَوْدَاءُ ورَمَادُ نَجَسٍ ودُخَانُه وَبَوْلٌ وعَذِرَةٌ مِنْ آدَمِيٍّ وَمُحَرَّمٍ (٣) ومَكْرُوهٍ. ويَنْجُسُ كثيرُ طَعَامٍ مَائعٍ بِنَجَسٍ (٤) قَلَّ؛ كَجَامِدٍ إنْ أمْكَنَ السَّريَانُ (٥) والَّا فبِحَسَبِه. وَلَا يَطْهُرُ زيْتٌ خُولِطَ وَلَحْمٌ طُبخَ، وَزَيْتُونٌ مُلِّحَ وبَيْضٌ سُلِقَ بِنَجَسٍ وَفَخَّارٌ بغَوَّاصٍ (٦)، ويُنْتَفَعُ بِمُتَنَجِّسٍ (٧) لَا نَجِسٍ (٨) في غَيْرِ مَسْجِدٍ وَآدَمِيٍّ، وَلَا يُصَلَّى بِلِبَاسِ كَافِرٍ بِخِلَافِ
(١) لحديث أبيِّ بن كعب ﵁ أنه قال: يارسول الله، إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل؟. قال: "يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأة مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلّي". قال المنتقى للمجد: أخرجاه. ومحل الشاهد منه قوله ﷺ : "يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأةَ مِنْة". فقد أمره بغسل رطوبة الفرج، وإن كان عدم الغسل لعدم الإنزال منسوخًا بقوله ﷺ :"إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأرْبَعِ ثَمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ". متفق عليه من حديث أبي هريرة.
(٢) لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾. الاية.
(٣) لاستحالته من الآدمي إلى فساد، ولما ورد في نجاسة أبوال وأرواث وألبان ما لا يؤكل لحمه، ولخبر بول الأعرابي في المسجد، فأمر النبي ﷺ بذنوب من الماء فصب عليه.
(٤) لا خلاف في ذلك بين العلماء، ولقوله ﷺ في السمن الذي وقعت فيه فأرة: "وَإنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ".
(٥) لحديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال: سئل النبي ﷺ عن الفأرة تقع في السمن قال: "إذَا كَانَ جَامِدًا فَأَلْقوهُ وَمَا حَوْلَهَا. وَإنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ". أخرجه أحمد وأبو داود، وفي كنز العمال.
(٦) لسريان النجاسة في جميع الأجزاء، فلم تبق إزالتها عن جميع ما ذكره ممكنة. والله أعلم.
(٧) لما رواه أحمد في مسنده عن ابن عمر ﵄: أن قومًا اختبزوا من آبار الذين ظلموا أنفسهم فقال النبي ﷺ : "أعْلِفُوهُ النَّواضِحَ". وقال مالك والشافعي: يطعم البهائم وخصه الإمام أحمد بما لا يؤكل لحمه. وهو بمحض الاجتهاد والله الموفق.
(٨) للحديث المتفق عليه أن النبي ﷺ سئل عن شحوم الميتة تطلى بها السفن ويدهن بها الجلود=
стр. 33
نِسْجِهِ ولا بِمَا يَنَامُ فِيهِ مُصَلٍّ آخَرُ، ولَا بِثِيَابِ غَيْرِ مُصَلٍّ إِلَّا كَرَأسِهِ وَلَا بِمُحَاذي فَرْجِ غَيْرِ عَالِمٍ (١). وَحَرُمَ استعمالُ ذَكَر مُحَلًّى وَلَوْ مِنْطَقَةً وآلةَ حَرْبٍ (٢)، إِلَّا
= ويستصبح بها الناس؟. قال: "لَا، فوَ حَرَامٌ".
(١) قوله: ولا يصلى بلباس كافر. ألخ؛ كل ذلك للاحتياط والأخذ باليقين؛ ولدليل حديث عائة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ لا يصلي في شُعُرِنَا. رواه أحمد وأبو داود وصححه الترمذي، ولفظ الترمذي: لا يصلي في لحف نسائه. قال الشوكاني: ورواه أيضًا النسائي وابن ماجه، كلهم من طريق محمد بن سيرين عن عبد الله بن شقيق عن عائشة.
وقولي: إن فعله هذا كان للاحتياط، لأنه ورد عنه ﷺ من حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: سمعت رجلًا سأل النبي ﷺ : أصلي في ثوبي الذي آتي فيه أهلي؟. قال: "نَعَمْ، إلَّا أنْ تَرَى فِيهِ شَيْئًا تَغْسِلُهُ". رواه أحمد وابن ماجه. وحديث أبي هريرة: كنا نصلي العشاء مع النبي ﷺ فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما من خلفه. الحديث رواه أحمد. وحديث عائشة ﵂ عند مسلم: كان النبي ﷺ يصلي من الليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض وعليَّ مرط عليه بعضه. رواه أيضًا أبو داود وابن ماجه. وحديث أبي قتادة المتفق عليه: كان ﷺ يصلي وهو حامل أُمامة بنت زينب، فإذا ركع وضعها وإذا قام حملها.
كل ذلك يدل على أن مظنة النجاسة دون تيقنها، لا تبطل الصلاة وإنما نهي عن ذلك في المذهب للاحتياط والأخذ باليقين. والله الموفق.
(٢) قيل تعليل حرمة استعمال ذلك التزهيد في الدنيا، ولكن الوعيد في ذلك يرد عليه، لأنه لا يرد وعيد إلا في محرم، والنص الوارد في ذلك قوله ﷺ : "لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ ولا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَلَا تَأكُلُوا فِي صِحَافِهَا فَإنهَا لَهُم فِي الدنْيَا وَلَكُم فِي الآخِرةِ". متفق عليه من حديث حذيفة، وورد في الذي يستعمل ذلك من الوعيد قوله ﷺ : "إن الذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ في بَطْنهِ نَارَ جَهَنَّمَ". متفق عليه من حديث أم سلمة ﵂. ولعائشة ﵂ عند أحمد وابن ماجه: "الذي يَشْرَبُ فِي إناءِ فِضَّةٍ كَأنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نارًا".=
стр. 34
المصحف (١)، والسَّيْفَ (٢) والأنْفَ (٣) ورَبْطَ سِنٍّ مُطْلَقًا (٤) وخَاتَمَ فِضةٍ (٥)، لا ما بَعْضُه ذَهَبٌ، وإناءُ نَقْدٍ واقْتِنَاوةُ وإِنْ لامْرأَةٍ، وفي المغشَّى والمُمَوَّهِ
= وقد مال الشوكاني في نيل الأوطار إلى أن علة تحريم استعمال الفضة والذهب والحرير هي التشبه بأهل الجنة لحديث، قال: هو مناط معتبر للشارع، كما ثبت عنه حيث رأى رجلًا متختمًا بذهب فقال: "مَالِي أرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أهْلِ الْجَنَّةِ"؟.
قال: أخرجه الثلاثة من حديث بريدة. ا. هـ. محل الغرض منه.
(١) وقوله: إلا المصحف، هو لما أخرجه البيهقي بسنده عن الوليد بن مسلم قال: سألت مالكًا عن تفضيض المصاحف، فأخرج الينا مصحفًا، قال: حدثني أبي عن جدي أنهم جمعوا القرآن على عهد عثمان ﵁، وأنهم فضضوا المصاحف على هذا ونحوه. ا. هـ.
(٢) وقوله: والسيف، هو لما أخرجه البيهقي بسنده عن عثمان بن سعد الكاتب عن أنس؛ أن قبيعة سيف النبي ﷺ كانت من فضة. قال رواه أبو داود عن محمد بن بشار عن يحيى بن كثير. ا. هـ.
وأخرج بسنده عن مرزوف الصيقل قال: صقلت سيف النبي ﷺ ذا الفقار، فكان فيه قبيعة من فضة، وبكرة في وسطه من فضة، وحلق في قيده من فضة. وأخرج البيهقي أيضًا بسنده عن نافع أن ابن عمر تقلد سيف عمر يوم قتل عثمان ﵁ وعنهم، وكان محلى، قال: قلت: كم كانت حليته؟. قال: أربعمائة. ا. هـ. إلى غير ذلك من الآثار الواردة.
(٣) وقوله: والأنف، هو لما ثبت أن عرفجة بن أسعد العطاردي أذن له النبي ﷺ أن يتخذ أنفًا من ذهب. كما رواه البيهقي.
(٤) وقوله: وربط سن مطلقًا، هو لما أخرجه البيهقي بسنده عن محمد بن سعدان مولى قريش عن أبيه قال: رأيت أنس بن مالك يطوف به بنوه على سواعدهم وقد شدَّت أسنانه بذهب. ا. هـ.
قال البيهقي: وروينا في ذلك عن الحسن البصري والنخعي وغيرهما من التابعين. ا. هـ.
(٥) وقوله: وخاتم فضة، هو لما أخرجه البيهقي بسنده عن ابن شهاب، عن أنس أن النبي ﷺ تختم بخاتم فضة، فلبسه في يمينه فصه حبشي، وكان يجعل فصه مما يلي بطن كفه. قال البيهقي: رواه مسلم في الصحيح. ا. هـ. منه.
стр. 35
والمُضَبَّبِ وذي الْحَلَقَةِ (١) وإِناءِ الْجَوْهَر (٢) قَوْلَانِ، وجَازَ للمرأةِ الملبوسُ مُطْلَقًا وَلَوْ نَعْلًا لَا كَسريرٍ (٣).
(١) وقوله: وذي الحلقة، الدليل على جواز اتخاذ الضبة في الإِناء، هو ما ثبت في البخاري عن أنس أن قدح رسول الله ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة. ا. هـ.
(٢) وقوله: وإناء جوهر، يميل الشوكاني إلى القول باتخاذ إناء الجوهر؛ حيث يقول في نيل الأوطار: وقد قيل أن العلة في التحريم الخيلاء، أو كسر قلوب الفقراء، ويرد علبه جواز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة، وغالبها أنفس وأكثر قيمة من الذهب والفضة ولم يمنعها إلا من شذ، وقد نقل ابن الصباغ في الشامل الإِجماع على الجواز، وتبعه الرافعي ومن بعده. ا. هـ. منه.
(٣) وقوله: وجاز للمرأة الملبوس مطلقًا ألخ، هو لما أخرجه البيهقي بسنده عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "الْحَرِير وَالذهَبُ حَرَامَ عَلَي ذُكُورِ أْمَّتِي حِل لإِنَاثِهِمْ". قال البيهقي: وقد رويناه من حديث علي بن أبي طالب وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ . ا. هـ. وفي الباب أحاديث أخر. والله الموفق.
أما منعها من انخاذ السرير فلعله لما فيه من الخيلاء والبذخ والترف. والله أعلم.
стр. 36
فصل
هَلْ إِزَالَةُ النجاسة عَنْ ثَوْبِ مُصَلٍّ، وَلَوْ طَرَفَ عِمَامَتهِ وبَدَنِهِ وَمَكَانِهِ لَا طرف حَصِيره، سُنَّةٌ أو وَاجِبَةٌ إِنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ، وإلَّا أَعادَ الظُهْرَيْنِ للاصْفِرَارِ خِلَافٌ (١)،
(١) الظاهر من الخلاف الوجوب؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (١). قال الباجي: ولا خلاف أنه ليست هنا طهارة واجبة للثياب غير طهارتها من النجاسة، ولا دليل لمن اعترض على الاستدلال بالآية؛ بكونها مكية نزلت أول ما نزل من القرآن قبل فرض الصلاة، لأنه لا مانع من تكرار النزول، ولأنه يحتمل أن يكون خص بوجوب الصلاة عليه قبل الأمة؛ وأيضًا فإن الصلاة كانت شرعًا لمن قبلنا، وهو شرع لنا إذا ثبت في شرعنا أنه كان شرعًا لهم، ولم ينص لنا على أنه ليس شرعًا لنا، وإذًا فيحتمل أن يكون قد اتبع في الصلاة شرع من قبله من النبيين، فوجب ذلك باتباعهم، وتأخر الأمر بنص شرعنا عن ذلك الوقت، فلا يمتنع أن يكون قد أمر على الوجهين بتطهير الثياب للصلاة في أول الأمر، ثم ورد بعد ذلك نص الأمر بالصلاة. والدليل على ما قلناه من جهة السنة ما رواه البخاري: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن حازم، حدثنا الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال: مر النبي ﷺ بقبرين فقال: "إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ؛ أمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ". ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدهَ. قالوا: يا رسول الله لم فعلته؟. قال: "لَعَلهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا". ا. هـ. منه ببعض التصرف.
وعليه فالذي يؤيده الدليل أن إزالة النجاسة واجبة وجوب الفرائض، فمن صلى بها عامدًا ذاكرًا أعاد أبدًا. وقد رواه أبو طاهر عن ابن وهب، كما نقله الباجي؛ وأما أن يصار إلى أنها شرط في صحة الصلاة، كما هو مروي عن ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير، فغير ظاهر، لحديث خلع النعلين؛ لأنه بنى ﷺ على ما صلى قبل خلعهما، ولحديث عائشة عن أبي داود قالت: كنت مع النبي ﷺ وفيه: فلما أصبح رسول الله ﷺ أخذ الكساء فلبسه، ثم خرج فصلى فيه الغداهَ ثم جلس، فقال رجل: يارسول الله، هذه لمعة من دم في الكساء. فقبض رسول الله ﷺ عليها مع ما يليها،=
стр. 37
وَسُقُوطُهَا في الصَّلَاةِ مُبْطِلٌ (١) كَذِكْرِهَا فِيهَا لَا قَبْلَهَا، أو كَانِتْ أَسْفَلَ نَعْلٍ فَخَلَعَهَا (٢)، وعُفِيَ عما يَعْسُرُ كَحَدَثٍ مُستْنكِحٍ وَبَلَلِ بَاسُورٍ في يَدٍ إن كَثُرَ الرَّدّ أَوْ ثَوْبٍ، وَثَوْبُ مُرضِعَةٍ تَجْتَهِدُ، وَنُدبَ لَهَا ثَوْبٌ لِلْصَّلَاةِ (٣). وَدُونَ دِرْهَمٍ مِنْ دَمٍ
= وأرسلها إلي مصرورة في يد الغلام فقال: "اغْسِلَي هذِهِ وَأجفِّيهَا ثُم أرْسَلِي بِهَا إِلَيَّ" فدعوت بقصعتي فغسلتها ثم أجففتها ثم أخرجتها، فجاء رسول الله ﷺ وهو عليه. رواه أبو داود. والدليل منه على عدم الشرطية أنه لم ينقل إلينا أنه ﷺ أعاد تلك الصلاة التي صلاها في ذلك الثوب. انظر المبحث النفيس في نيل الأوطار.
(١) أي سقوط النجاسة على المصلي واستقرارها عليه، أو تحلل شيء منها في ثوله إن لم تستقر مبطل لصلاة ذلك المصلي، لوجوب إزالتها مع الذكر والقدرة لما علمت.
(٢) لحديث أبي سعيد ﵁ عن النبي -صلي الله عليه وسلم-: أنه صلى فخلع نعليه فخلع الناس، فلما انصرف قال لهم: "لِمَ خَلَعْتُمْ؟."قالو: رأيناك خلعت فخلعنا. فقال: "إن جِبْرِيلَ أتَانِي فَأَخْبَرَني أنَّ بِهَما خَبَثًا، فَإِذَا جَاءَ أَحدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقْلِبْ نَعْلَيْهِ وَلْيَنْظُرْ فِيهِمَا فَإِنْ رَأَى خَبَثًا فَلْيَمْسَحْهُ بِالْأرْضِ ثُمَّ لْيُصَل فِيهِمَا". رواه أحمد وأبو داود. قال الشوكاني: وأخرجه الحاكم وابن خزيمة وابن حبان.
وهذا الحديث دليل كما علمت على أن طهارة الخبث ليست شرطًا في صحة الصلاة، ومحل الشاهد منه كونه ﷺ تمادى في صلاته وبنى على ما صلى منها وهو منتعل النعل الذي به الخبث.
(٣) هذه القاعدة التي هي: المشقة تجلب التيسيير. من أمهات الفقه الكبرى التي أسس عليها، كما عقده شيخ مشائخنا في مراقي السعود بقوله:
قد أُسس الفقه على رفع الضرر … وأنَّ ما يشق يجلب الوطر
ومحل الشاهد منه قوله: وأن ما يشق يجلب الوطر؛ ودليلها من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾ (٢).=
стр. 38
مُطْلَقًا، وَقَيْحٍ وصَدِيدٍ وَبَوْلِ فَرَسٍ لِغَازٍ بأرْضِ حَرْبٍ، وَأَثرِ ذُبَابٍ مِنْ عَذِرَةٍ ومَوْضِعِ حِجامَةٍ مُسِحَ، فإذا بَرئَ غُسِلَ وإِلَّا أعاد في الوقْت وَأَوِّلَ بِالنِّسْيانِ وبالإطْلَاقِ، وكَطِينِ مَطَرٍ وَإن اخْتَلَطَتِ الْعَذِرَةُ بِالْمُصِيبِ لا إن غَلَبَتْ وظَاهِرُهَا الْعَفْوُ ولَا إِنْ أصَابَ عَيْنُهَا، وَذَيْلِ امْرَأةٍ مُطَالٍ للسِّتْرِ وَرِجْل بُلَّتْ يَمُرانِ بِنَجَس
= وقول المصنف: كحدث مستنكح … الخ. كله أمثلة للقاعدة الجليلة. وقوله: وندب لها ثوب للصلاة؛ أي من باب الحيطة لأن ذلك الأحوط لصلاتها. والله الموفق.
ثم إن المدونة نصها: وقال مالك في السلس؛ البول إن أذاه الوضوء واشتد عليه البرد فلا أرى عليه الوضوء. ا. هـ.
وفيها أيضًا ما نصه: ابن وهب عن عقبة بن نافع قال: سئل يحيى بن سعيد عن الرجل يكون به الباسور لا يزال يطلع منه فيرده بيده. قال: إذا كان ذلك لازمًا في كل حين لم يكن عليه إلا غسل يديه، فإن كثر ذلك عليه وتتابع لم نرعليه غسل يديه، وكان ذلك بلاء نزل به يعذر به بمنزلة القرحة. ا. هـ.
كل هذه المسائل تتبع قاعدة: المشقة نجلب التيسير التي قدمنا أن دليلها القرآن العظيم: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢) وقوله ﵀: لا إن أصاب عينها. يريد أنه لا عفو مع إصابة ذات النجاسة، وهو كذلك لأن حكم الخبث مقدر شرعًا قيامه بعين النجاسة، فلا عفو إذًا مع قيام ذاتها.
وقوله: وواقع على ما ر؛ أي لأن الأصل الطهارة، فيتناوله استصحاب الأصل. وهي قاعدة عظيمة عقدها في المنهج المنتخب بقوله:
وأبْقِ ما كان على ما كان … البيت ................
وقوله: وكسيف صقيل لإفساده من دم مباح؛ قال الباجي في المنتقى ما نصه: وأما الدم على السيف ففي العتبية من رواية ابن القاسم عن مالك؛ يمسح ويصلى به. وقد علل القاضي أبو محمد ذلك بصقالته، وأن النجاسة تزول عينها وأثرها بمسحه لأنها لا تبقى فيه، ويحتمل أن يقال في ذلك إن الذي يبقى فيه يسير معفو عنه كأثر المحاجم، وهذا آكد لأن السيف يفسد بالغسل، والحاجة إلى مباشرة الدماء متكررة. وبالله التوفيق -. ا هـ. منه. بلفظه.
стр. 39
يَبِسٍ يَطْهُران بِما بَعْدَهُ، وخُفٍّ ونَعْلٍ مِنْ رَوْث دَوَابَّ وَبَوْلهَا إن دلكا لا غيره، فَيَخُلَعُهُ الماسِحُ لَا مَاءَ مَعَهُ وَيَتيَمَّمُ، واخْتَارَ إلحاق رجل الْفَقِير. وفي غيره للمتأخرين قَوْلَانِ، وَوَاقِعٍ عَلَى مَارٍّ وإن سَأَلَ صَدَّقَ المسلم وكَسَيْفٍ صَقِيلٍ لإِفْسَادِهِ مِنْ دَمٍ مُبَاحٍ، وأثر دُمَّلٍ لَمْ يُنكَا، وَنُدِبَ إن تَفَاحَشَ كدَم البَراغيث، إلا في الصَّلَاة. وَيَطْهُرُ مَحَل النَّجَسِ بِلَا نِيةٍ (١) بِغَسْلِهِ إن عُرِفَ، وَإلَّا فَبِجَمِيع المشْكُوكِ فِيهِ (٢)، بِخِلَافِ ثوْبَيْهِ فيَتَحَرَّى، بِطَهُورٍ مُنْفَصِلٍ كَذلِكَ (٣)، ولا يَلْزَمُ
= وأما القيح والصديد فقد قال في المدونة: قال ابن القاسم: والقيح والصديد عند مالك بمنزلة الدم. ا. هـ. منه.
قلت: فقد رجع بالسيف في تعليله الى القاعدة التي ذكرنا، ودين الله يسر، والله يقول: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾.
ما أكرمه وأرحمه، بيده الأمر كله وهو الموفق إلى ما فيه رضاه تعالى. وذكر في المدونة: ابن وهب عن عمر بن قيس عن عطاء قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يمشون حفاة، فما وصلوا من قشب رطب غسلوه، وما وصلوا عليه من قشب يابس لم يغسلوه. ا. هـ.
وفي الموطإ عن أم سلمة زوج النبي -صلي الله عليه وسلم- أنها قالت: في ذيل المرأة المطال للستر. قال رسول الله ﷺ "يطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ" وفي المدونة: قال مالك: لا بأس بطين المطر وماء المطر المستنقع في السكك والطرق.
(١) لأنه لا تشترط النية في طهارة الخبث. قال الباجي في المنتقى: وأما ما يفعله المرء في غيره فلا يفتقر إلى نية؛ كغسل الميت وغسل الإناء. ا. هـ. محل الغرض منه.
(٢) ففي المدونة ما نصه: وقال مالك في الثوب يصيبه البول، أو الاحتلام فيحصي موضعه ولا يعرفه، قال: يغسله كله. قلت: فإن عرف تلك الناحية منه؟. قال: يغسل تلك الناحية. ا. هـ.
(٣) أي ويطهر محل النجس بغسله بطهور، انفصل منه بعد غسله غير متغير لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا.
стр. 40
عَصْرُهُ مَعَ زَوَالِ طعمه، لَا لَوْنٍ وَرِيح عَسُرا (١)، والغُسَالَةُ الْمُتَغَيِّرةُ نَجِسَةٌ (٢)، وَلَوْ زَالَ عَيْنُ النَّجاسَةِ بِغَيْرِ المُطْلَقِ لَمْ يَتَنَجَّسْ مُلَاقِي مَحَلِّهَا، وإن شَكَّ في إصَابَتِهَا لِثَوْبٍ وَجَبَ نَضْحُهُ (٣) وَإن تَرَكَ أعادَ الصَّلَاةَ كَالْغَسْلِ، وهُوَ رَشٌّ بِالْيَدِ بِلَا نِيَّةٍ، لَا إنْ شَكً في نَجاسَةِ المُصِيبِ أوْفِيهِمَا (٤)، وَهَلِ الْجَسَدُ كالثَّوْبِ أو يَجِبُ غَسْلُهُ خِلَافٌ (٥). وَإذَا اشْتَبهَ طَهُورٌ بِمُتَنَجِّسٍ لَا نَجَسٍ، صَلَى بعَدَدِ النَّجِسِ وَزيَادَةِ إنَاءٍ (٦)، ونُدِبَ غَسْلُ إِنَاءِ مَاءٍ وُيراقَ، لَا طَعَامٍ (٧) وحَوْضٍ، تَعَبُّدًا سَبْعًا
(١) لحديث أبي هريرة قال: سألت خولة -هي بنت يسار- رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، فإن لم يذهب الدم؟. قال: "يَكْفيكِ الْمَاءُ وَلَا يَضُركِ أَثرُهُ". قال في بلوغ المرام أخرجه الترمذي وسنده ضعيف، قلت: وقد أخرجه في المدونة، ونصها: ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة عن يزيد بن أبي حبيب عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة، أن خولة بنت يسار قالت لرسول الله ﷺ : أرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَخْرجِ الدَّمُ مِنَ الثَّوْبِ؟. قَالَ: "يَكْفِيكِ الْمَاءُ"ا. هـ. منه بلفظه.
(٢) لأنها والحالة هذه ماء تغير بنجس، ولا يخفى أنه والحالة هذه لا خلاف في نجاسته.
(٣) ونص المدونة في الموضوع هو: قال مالك في الثوب يصيبه البول .. إلى أن قال: قلت: فإن شك فلم يستيقن أصابه أو لم يصبه؟. قال: ينضحه بالماء ولا يغسله، وذكر النضح قال: هو الشأن. قال: وهو من أمر الناس. قال: وهو طهور لما شك فيه. ا. هـ. منه.
(٤) لأن اليقين لا يرفع بالشك، للقاعدة العظيمة التي تقدمت الإشارة إليها وتقدم دليلها.
(٥) ما ذهب إليه في المدونة أن الجسد يجب غسله من النجس كالثوب، ونصه: وقال مالك فيمن صلى وفي جسده نجس: هو بمنزلة من هو في ثويه، يصنع فيها كما يصنع من صلى وفي ثويه دنس. ا. هـ. منه.
(٦) هذا القول مروي عن سحنون وابن الماجشون؛ وعن ابن سحنون عن أبيه أنه يتركها ويتيمم. وعلى كل حال فليس إلا الاجتهاد في المسألة، وما ذكره هنا أحوط. والله الموفق.
(٧) نص المدونة: وقال مالك: إن ولغ الكلب في إناء به لبن فلا بأس بأن يؤكل ذلك اللبن.