فصل
هَلْ إِزَالَةُ النجاسة عَنْ ثَوْبِ مُصَلٍّ، وَلَوْ طَرَفَ عِمَامَتهِ وبَدَنِهِ وَمَكَانِهِ لَا طرف حَصِيره، سُنَّةٌ أو وَاجِبَةٌ إِنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ، وإلَّا أَعادَ الظُهْرَيْنِ للاصْفِرَارِ خِلَافٌ (١)،
(١) الظاهر من الخلاف الوجوب؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (١). قال الباجي: ولا خلاف أنه ليست هنا طهارة واجبة للثياب غير طهارتها من النجاسة، ولا دليل لمن اعترض على الاستدلال بالآية؛ بكونها مكية نزلت أول ما نزل من القرآن قبل فرض الصلاة، لأنه لا مانع من تكرار النزول، ولأنه يحتمل أن يكون خص بوجوب الصلاة عليه قبل الأمة؛ وأيضًا فإن الصلاة كانت شرعًا لمن قبلنا، وهو شرع لنا إذا ثبت في شرعنا أنه كان شرعًا لهم، ولم ينص لنا على أنه ليس شرعًا لنا، وإذًا فيحتمل أن يكون قد اتبع في الصلاة شرع من قبله من النبيين، فوجب ذلك باتباعهم، وتأخر الأمر بنص شرعنا عن ذلك الوقت، فلا يمتنع أن يكون قد أمر على الوجهين بتطهير الثياب للصلاة في أول الأمر، ثم ورد بعد ذلك نص الأمر بالصلاة. والدليل على ما قلناه من جهة السنة ما رواه البخاري: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن حازم، حدثنا الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال: مر النبي ﷺ بقبرين فقال: "إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ؛ أمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ". ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدهَ. قالوا: يا رسول الله لم فعلته؟. قال: "لَعَلهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا". ا. هـ. منه ببعض التصرف.
وعليه فالذي يؤيده الدليل أن إزالة النجاسة واجبة وجوب الفرائض، فمن صلى بها عامدًا ذاكرًا أعاد أبدًا. وقد رواه أبو طاهر عن ابن وهب، كما نقله الباجي؛ وأما أن يصار إلى أنها شرط في صحة الصلاة، كما هو مروي عن ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير، فغير ظاهر، لحديث خلع النعلين؛ لأنه بنى ﷺ على ما صلى قبل خلعهما، ولحديث عائشة عن أبي داود قالت: كنت مع النبي ﷺ وفيه: فلما أصبح رسول الله ﷺ أخذ الكساء فلبسه، ثم خرج فصلى فيه الغداهَ ثم جلس، فقال رجل: يارسول الله، هذه لمعة من دم في الكساء. فقبض رسول الله ﷺ عليها مع ما يليها،=
стр. 37
وَسُقُوطُهَا في الصَّلَاةِ مُبْطِلٌ (١) كَذِكْرِهَا فِيهَا لَا قَبْلَهَا، أو كَانِتْ أَسْفَلَ نَعْلٍ فَخَلَعَهَا (٢)، وعُفِيَ عما يَعْسُرُ كَحَدَثٍ مُستْنكِحٍ وَبَلَلِ بَاسُورٍ في يَدٍ إن كَثُرَ الرَّدّ أَوْ ثَوْبٍ، وَثَوْبُ مُرضِعَةٍ تَجْتَهِدُ، وَنُدبَ لَهَا ثَوْبٌ لِلْصَّلَاةِ (٣). وَدُونَ دِرْهَمٍ مِنْ دَمٍ
= وأرسلها إلي مصرورة في يد الغلام فقال: "اغْسِلَي هذِهِ وَأجفِّيهَا ثُم أرْسَلِي بِهَا إِلَيَّ" فدعوت بقصعتي فغسلتها ثم أجففتها ثم أخرجتها، فجاء رسول الله ﷺ وهو عليه. رواه أبو داود. والدليل منه على عدم الشرطية أنه لم ينقل إلينا أنه ﷺ أعاد تلك الصلاة التي صلاها في ذلك الثوب. انظر المبحث النفيس في نيل الأوطار.
(١) أي سقوط النجاسة على المصلي واستقرارها عليه، أو تحلل شيء منها في ثوله إن لم تستقر مبطل لصلاة ذلك المصلي، لوجوب إزالتها مع الذكر والقدرة لما علمت.
(٢) لحديث أبي سعيد ﵁ عن النبي -صلي الله عليه وسلم-: أنه صلى فخلع نعليه فخلع الناس، فلما انصرف قال لهم: "لِمَ خَلَعْتُمْ؟."قالو: رأيناك خلعت فخلعنا. فقال: "إن جِبْرِيلَ أتَانِي فَأَخْبَرَني أنَّ بِهَما خَبَثًا، فَإِذَا جَاءَ أَحدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقْلِبْ نَعْلَيْهِ وَلْيَنْظُرْ فِيهِمَا فَإِنْ رَأَى خَبَثًا فَلْيَمْسَحْهُ بِالْأرْضِ ثُمَّ لْيُصَل فِيهِمَا". رواه أحمد وأبو داود. قال الشوكاني: وأخرجه الحاكم وابن خزيمة وابن حبان.
وهذا الحديث دليل كما علمت على أن طهارة الخبث ليست شرطًا في صحة الصلاة، ومحل الشاهد منه كونه ﷺ تمادى في صلاته وبنى على ما صلى منها وهو منتعل النعل الذي به الخبث.
(٣) هذه القاعدة التي هي: المشقة تجلب التيسيير. من أمهات الفقه الكبرى التي أسس عليها، كما عقده شيخ مشائخنا في مراقي السعود بقوله:
قد أُسس الفقه على رفع الضرر … وأنَّ ما يشق يجلب الوطر
ومحل الشاهد منه قوله: وأن ما يشق يجلب الوطر؛ ودليلها من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾ (٢).=
стр. 38
مُطْلَقًا، وَقَيْحٍ وصَدِيدٍ وَبَوْلِ فَرَسٍ لِغَازٍ بأرْضِ حَرْبٍ، وَأَثرِ ذُبَابٍ مِنْ عَذِرَةٍ ومَوْضِعِ حِجامَةٍ مُسِحَ، فإذا بَرئَ غُسِلَ وإِلَّا أعاد في الوقْت وَأَوِّلَ بِالنِّسْيانِ وبالإطْلَاقِ، وكَطِينِ مَطَرٍ وَإن اخْتَلَطَتِ الْعَذِرَةُ بِالْمُصِيبِ لا إن غَلَبَتْ وظَاهِرُهَا الْعَفْوُ ولَا إِنْ أصَابَ عَيْنُهَا، وَذَيْلِ امْرَأةٍ مُطَالٍ للسِّتْرِ وَرِجْل بُلَّتْ يَمُرانِ بِنَجَس
= وقول المصنف: كحدث مستنكح … الخ. كله أمثلة للقاعدة الجليلة. وقوله: وندب لها ثوب للصلاة؛ أي من باب الحيطة لأن ذلك الأحوط لصلاتها. والله الموفق.
ثم إن المدونة نصها: وقال مالك في السلس؛ البول إن أذاه الوضوء واشتد عليه البرد فلا أرى عليه الوضوء. ا. هـ.
وفيها أيضًا ما نصه: ابن وهب عن عقبة بن نافع قال: سئل يحيى بن سعيد عن الرجل يكون به الباسور لا يزال يطلع منه فيرده بيده. قال: إذا كان ذلك لازمًا في كل حين لم يكن عليه إلا غسل يديه، فإن كثر ذلك عليه وتتابع لم نرعليه غسل يديه، وكان ذلك بلاء نزل به يعذر به بمنزلة القرحة. ا. هـ.
كل هذه المسائل تتبع قاعدة: المشقة نجلب التيسير التي قدمنا أن دليلها القرآن العظيم: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢) وقوله ﵀: لا إن أصاب عينها. يريد أنه لا عفو مع إصابة ذات النجاسة، وهو كذلك لأن حكم الخبث مقدر شرعًا قيامه بعين النجاسة، فلا عفو إذًا مع قيام ذاتها.
وقوله: وواقع على ما ر؛ أي لأن الأصل الطهارة، فيتناوله استصحاب الأصل. وهي قاعدة عظيمة عقدها في المنهج المنتخب بقوله:
وأبْقِ ما كان على ما كان … البيت ................
وقوله: وكسيف صقيل لإفساده من دم مباح؛ قال الباجي في المنتقى ما نصه: وأما الدم على السيف ففي العتبية من رواية ابن القاسم عن مالك؛ يمسح ويصلى به. وقد علل القاضي أبو محمد ذلك بصقالته، وأن النجاسة تزول عينها وأثرها بمسحه لأنها لا تبقى فيه، ويحتمل أن يقال في ذلك إن الذي يبقى فيه يسير معفو عنه كأثر المحاجم، وهذا آكد لأن السيف يفسد بالغسل، والحاجة إلى مباشرة الدماء متكررة. وبالله التوفيق -. ا هـ. منه. بلفظه.
стр. 39
يَبِسٍ يَطْهُران بِما بَعْدَهُ، وخُفٍّ ونَعْلٍ مِنْ رَوْث دَوَابَّ وَبَوْلهَا إن دلكا لا غيره، فَيَخُلَعُهُ الماسِحُ لَا مَاءَ مَعَهُ وَيَتيَمَّمُ، واخْتَارَ إلحاق رجل الْفَقِير. وفي غيره للمتأخرين قَوْلَانِ، وَوَاقِعٍ عَلَى مَارٍّ وإن سَأَلَ صَدَّقَ المسلم وكَسَيْفٍ صَقِيلٍ لإِفْسَادِهِ مِنْ دَمٍ مُبَاحٍ، وأثر دُمَّلٍ لَمْ يُنكَا، وَنُدِبَ إن تَفَاحَشَ كدَم البَراغيث، إلا في الصَّلَاة. وَيَطْهُرُ مَحَل النَّجَسِ بِلَا نِيةٍ (١) بِغَسْلِهِ إن عُرِفَ، وَإلَّا فَبِجَمِيع المشْكُوكِ فِيهِ (٢)، بِخِلَافِ ثوْبَيْهِ فيَتَحَرَّى، بِطَهُورٍ مُنْفَصِلٍ كَذلِكَ (٣)، ولا يَلْزَمُ
= وأما القيح والصديد فقد قال في المدونة: قال ابن القاسم: والقيح والصديد عند مالك بمنزلة الدم. ا. هـ. منه.
قلت: فقد رجع بالسيف في تعليله الى القاعدة التي ذكرنا، ودين الله يسر، والله يقول: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾.
ما أكرمه وأرحمه، بيده الأمر كله وهو الموفق إلى ما فيه رضاه تعالى. وذكر في المدونة: ابن وهب عن عمر بن قيس عن عطاء قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يمشون حفاة، فما وصلوا من قشب رطب غسلوه، وما وصلوا عليه من قشب يابس لم يغسلوه. ا. هـ.
وفي الموطإ عن أم سلمة زوج النبي -صلي الله عليه وسلم- أنها قالت: في ذيل المرأة المطال للستر. قال رسول الله ﷺ "يطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ" وفي المدونة: قال مالك: لا بأس بطين المطر وماء المطر المستنقع في السكك والطرق.
(١) لأنه لا تشترط النية في طهارة الخبث. قال الباجي في المنتقى: وأما ما يفعله المرء في غيره فلا يفتقر إلى نية؛ كغسل الميت وغسل الإناء. ا. هـ. محل الغرض منه.
(٢) ففي المدونة ما نصه: وقال مالك في الثوب يصيبه البول، أو الاحتلام فيحصي موضعه ولا يعرفه، قال: يغسله كله. قلت: فإن عرف تلك الناحية منه؟. قال: يغسل تلك الناحية. ا. هـ.
(٣) أي ويطهر محل النجس بغسله بطهور، انفصل منه بعد غسله غير متغير لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا.
стр. 40
عَصْرُهُ مَعَ زَوَالِ طعمه، لَا لَوْنٍ وَرِيح عَسُرا (١)، والغُسَالَةُ الْمُتَغَيِّرةُ نَجِسَةٌ (٢)، وَلَوْ زَالَ عَيْنُ النَّجاسَةِ بِغَيْرِ المُطْلَقِ لَمْ يَتَنَجَّسْ مُلَاقِي مَحَلِّهَا، وإن شَكَّ في إصَابَتِهَا لِثَوْبٍ وَجَبَ نَضْحُهُ (٣) وَإن تَرَكَ أعادَ الصَّلَاةَ كَالْغَسْلِ، وهُوَ رَشٌّ بِالْيَدِ بِلَا نِيَّةٍ، لَا إنْ شَكً في نَجاسَةِ المُصِيبِ أوْفِيهِمَا (٤)، وَهَلِ الْجَسَدُ كالثَّوْبِ أو يَجِبُ غَسْلُهُ خِلَافٌ (٥). وَإذَا اشْتَبهَ طَهُورٌ بِمُتَنَجِّسٍ لَا نَجَسٍ، صَلَى بعَدَدِ النَّجِسِ وَزيَادَةِ إنَاءٍ (٦)، ونُدِبَ غَسْلُ إِنَاءِ مَاءٍ وُيراقَ، لَا طَعَامٍ (٧) وحَوْضٍ، تَعَبُّدًا سَبْعًا
(١) لحديث أبي هريرة قال: سألت خولة -هي بنت يسار- رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، فإن لم يذهب الدم؟. قال: "يَكْفيكِ الْمَاءُ وَلَا يَضُركِ أَثرُهُ". قال في بلوغ المرام أخرجه الترمذي وسنده ضعيف، قلت: وقد أخرجه في المدونة، ونصها: ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة عن يزيد بن أبي حبيب عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة، أن خولة بنت يسار قالت لرسول الله ﷺ : أرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَخْرجِ الدَّمُ مِنَ الثَّوْبِ؟. قَالَ: "يَكْفِيكِ الْمَاءُ"ا. هـ. منه بلفظه.
(٢) لأنها والحالة هذه ماء تغير بنجس، ولا يخفى أنه والحالة هذه لا خلاف في نجاسته.
(٣) ونص المدونة في الموضوع هو: قال مالك في الثوب يصيبه البول .. إلى أن قال: قلت: فإن شك فلم يستيقن أصابه أو لم يصبه؟. قال: ينضحه بالماء ولا يغسله، وذكر النضح قال: هو الشأن. قال: وهو من أمر الناس. قال: وهو طهور لما شك فيه. ا. هـ. منه.
(٤) لأن اليقين لا يرفع بالشك، للقاعدة العظيمة التي تقدمت الإشارة إليها وتقدم دليلها.
(٥) ما ذهب إليه في المدونة أن الجسد يجب غسله من النجس كالثوب، ونصه: وقال مالك فيمن صلى وفي جسده نجس: هو بمنزلة من هو في ثويه، يصنع فيها كما يصنع من صلى وفي ثويه دنس. ا. هـ. منه.
(٦) هذا القول مروي عن سحنون وابن الماجشون؛ وعن ابن سحنون عن أبيه أنه يتركها ويتيمم. وعلى كل حال فليس إلا الاجتهاد في المسألة، وما ذكره هنا أحوط. والله الموفق.
(٧) نص المدونة: وقال مالك: إن ولغ الكلب في إناء به لبن فلا بأس بأن يؤكل ذلك اللبن.
стр. 41
بِوُلوِغِ كَلْبٍ مُطْلَقًا، لَا غَيْرِهِ (١).
قلت: هل كان مالك يقول بغسل الإناء سبع مرات إذا ولغ الكلب في الإِناء في اللبن وفي الماء؟.
قال: قال مالك: قد جاء الحديث وما أدري ما حقيقته؟. قال: وكأنه كان يرى أن الكلب كأنه من أهل البيت وليس كغيره من السباع، وكان يقول: إن كان يغسل ففي الماء وحده وكان يضعفه. وقال: لا يغسل من سمن ولا لبن ويؤكل ما ولغ فيه من ذلك، وأراه عظيمًا أن يعمد إلى رزق من رزق الله فيلقى الكلب ولغ فيه. ا. هـ. محل الغرض منه.
(١) قلت: الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة: "إذَا شَربَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ مبْعًا". ولأحمد ومسلم: "طَهُوز إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَة سَبعَ مَرَّات أُولَاهُنَّ التُّرابِ". وهو نص في أن الكلب إذا ولغ في إناء بصيغة التنكير، أهريق ما فيه وغسل سبع مرات؛ فهو دليل على وجوب الغسلات السبع من ولوغ الكلب، قال الشوكاني: وإليه ذهب ابن عباس وعروة من الزبير ومحمد بن سيرين وطاوس وعمرو بن دينار والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وداود. ا. هـ. منه.
فحكاية ندب الغسل هنا وتخصيص الولوغ بالماء يحتاج إلى مخصص خارجي، وقد نقلنا لك من لمدونة الفتوى المنقولة عن مالك والتي يتبلور منها محض الاجتهاد. وعندي أنه هنا يتعين في المسألة لأخذ بقوله المأثور عنه: إذا رأيت فانظروا في رأيي؛ فما وافق السنة والكتاب فخذوا به، وما خالفهما اضربوا به الجدار.
وقولي: إنه يتعين العمل بذلك هنا، لأن المنقول عن الإمام هنا محض الاجتهاد، ألا ترى إلى وله: وأراه عظيمًا أن يعمد إلى رزق من رزق الله فيلقى لكلب ولغ فيه، وإذًا، فإنه اجتهاد في محل رد فيه النص. ومعلوم أن المقرر في فن الأصول، أن مثل ذلك يقدح فيه بالقادح المعروف بفساد لاعتبار، على ما عقده شيخ مشائخنا في مراقي السعود بقوله:
والخلف للنص أو اجماع دعا … فساد الاعتبار كل من وعى
لذي يجب الرجوع إليه في نظري وتجب به الفتيا، هو وجوب إراقة إناء المائع الذي ولغ فيه الكلب، غسل الإناء منه سبع مرات؛ وذلك امتثالًا لأمره ﷺ ، الذي هو حقيقة في الوجوب. بدليل قوله=
стр. 42
عندَ قَصْدِ الاسْتِعْمَالِ بِلَا نِيَّةٍ وَلَا تَتْريبٍ (١)، ولا يَتَعَدَّدُ بِوُلُوغِ كَلْبٍ أوْ كِلَابٍ (٣).
= تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (١) الآية، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُ﴾ (٤). إلى غير ذلك. وإن الفتيا بطهارة الماء الذي ولغ فيه الكلب وجواز الوضوء به، والفتوىَ بطهارة اللبن أو السمن الذي ولغ فيه الكلب، بعد أن يتبلغ المفتي بذلك الأحاديث الصحيحة، الواردة بالأمر وبالإِراقة والغسل، إن الفتوى بذلك في نظري جراءة عظيمة. وبالله تعالى التوفيق، هو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) وقوله بلا تتريب، فقد تعجب من هذا القول الإمام القرافي. ذكر الشوكاني عنه أنه قال: قد صحت فيه الأحاديث، فالعجب منهم كيف لم يقولوا بها؟. علمًا بأن التتريب لم يقع في رواية مالك إلا أنه ورد في روايات صحيحة يجب العمل بها، وإن قال بعضهم بأنها معللة بالاضطراب لأن في بعض ألفاظها: أولاهن، وفي لفظ: أخراهن، وفي لفظ: إحداهن، وفي لفظ: السابعة، ولفظ الثامنة. قالوا: والاضطراب يوجب الاطراح. قال الشوكاني: وأجيب بأن المقصود حصول التتريب في مرة من المرات، وأن إحداهن مبهمة، وأولاهن معينة لذلك الابهام، وكذلك الألفاظ الأخرى، ومقتضى الصناعة الفقهية أن يحمل المطلق على المقيد. ا. هـ. محل الغرض منه بتصرف.
(٢) قوله: ولا يتعدد بولوغ كلب … ألخ. هو للقاعدة المقررة التي عقدها ميارة في تكميله بقوله:
إن يتعددْ سبب والموجَبُ … متحد كفى لهن موجب
стр. 43
فصل
فَرَائِضُ الْوُضُوءِ
غَسْلُ مَا بَينَ الْأذنينِ ومنابتِ شَعَرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ والذَّقْنِ وظاهرِ اللِّحْيةِ؛ فيَغْسِل الوَترَةَ وأَساريرَ جبهته وظاهرَ شَفَتَيْهِ بتخليل شَعَرٍ تظهر البشرةُ تحتهُ لَا جُرْحًا برئَ أَوْ خلِق غائرًا (١).
(١) ذكر في هذا الفرض الأول من الوضوء وهو الوجه، ودليله الكتاب بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم﴾ (١). الآية. وكل كلامه هنا في تحديد الوجه. فذكر أن حده عرضًا ما بين الأذنين، وأن حده طولًا ما بين منابت شعر الرأس المعتاد والذقن، ومضمون ما ذكر أنه يجب عليه غسل ما ظهر من جسده، بما في ذلك بشرته الظاهرة من خلال شعر اللحية. ومذهب العتبية كراهة تخليل اللحية الكثيفة، وفي سنن الدارمي أخبرنا مالك بن اسماعيل، ثنا اسرائيل عن عامر بن شقيق عن شقيق بن سلمة قال: رأيت عثمان توضأ فخلل لحيته وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ. ا. هـ. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه بروايتين، لكن ذكر ابن حجر في تلخيص الحبير جـ ١/ ص ٨٧ قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس في تخليل اللحية شيء صحيح. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لا يثبت عن النبي ﷺ في تخليل اللحية شيءٌ ا. هـ. وفي البيهقي من حديث ابن عباس في صفة غسله ﷺ أنه: أخذ غرفة فجعل بها هكذا -يعني أضافها إلى يده الأخرى- فغسل بها وجهه. ا. هـ. محل الغرض منه.
وذكر في الحديث الذي بعد هذا من حديث حمران مولى عثمان أنه أخبره أنه رأى عثمان بن عفان غسل وجهه ثلاثًا. وأخرج الدارقطني في سننه من حديث نافع عن ابن عمرأن النبي -صلي الله عليه وسلم- كان إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك، وشبك لحيته بأصابعه من تحتها. ا. هـ. منه.
وفى المدونة: وقال مالك في الوضوء: تحرك اللحية من غير تخليل. ابن وهب: إن ربيعة بن أبي عبد الرحمن كان ينكر تخليل اللحية وقال: يكفيها ما مر عليها من الماء -إلى أن قال- وقال ابن سيرين ليس من السنة غسل اللحية، وإن ابن عباس لم يكن يخلل لحيته من الوضوء، من حديث ابن= وهب عن عبد الجبار عن عمر. ا. هـ.
стр. 44
ويدَيْه بِمِرْفَقِيْهِ (١) وبقية مِعْصَمٍ إِن قُطِعَ كَكَفٍّ بِمَنْكِبٍ، بِتَخْلِيلِ أصَابِعِهِ (٢) لَا إجَالَةُ خاتمه (٣) ونَقَضَ غَيْره.
(١) الدليل في هذا قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١) الآية -وفي حديث حُمران مولى عثمان بن عفان الذي وَصَف فيه وصْف عثمان ﵁ به وضوء رسول الله ﷺ قال: ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك. ا. هـ. الغرض منه. من بلوغ المرام. وقال: متفق عليه.
وأخرج ابن خزيمة في حديث إسناده صحيح، عن عبد خير عن عليٍّ ﵁، ومحل الغرض منه قال: ثم غسل يده اليمنى ثلاث مرات إلى المرفق، ثم غسل يده اليسرى ثلاث مرات إلى المرفق. ا. هـ. وقال في آخر الحديث: هذا طهور نبيِّ الله ﷺ فمن أحب أن ينظر إلى طهور نبي الله ﷺ فهذا طهوره. ا. هـ. منه. وفي المدونة من حديث مالك عن عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني عن أبيه يحيى أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد بن عاصم، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ : هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ قال: نعم. إلى أن قال: ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين. ا. هـ.
وفي المدونة عن ابن القاسم: قلت فإن هو قطعت يداه من المرفقين أيغسل ما بقي من المرفقين ويغسل موضع القطع؟. قال: لا يغسل موضع القطع، وإن لم يبق من المرفقين شيء فليس عليه أن يغسل شيئًا من يديه إذا قطعتا من المرفق. ا. هـ. منه.
(٢) لحديث ابن عباس عن أحمد وابن ماجه والترمذي، أن رسول الله ﷺ قال: "إذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ أصَابعَ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ". قال الشوكاني في نيل الأوطار: رواه أيضًا لحاكم، وفيه صالح مولى التوأمة وهو ضعيف ولكن حسنه البخاري لأنه من رواية موسى بن عقبة عن صالح، وسماع موسى منه قبل أن يختلط. ا. هـ. وفي الباب أحاديث أخرى أنظرها في نيل الأوطار.
(٣) وعن أبي رافع أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ حرك خاتمه. رواه ابن ماجه والدارقطني، وقال=
стр. 45
وَمَسْحُ مَا عَلَى الجمْجُمَةِ بعظم صُدْغَيْهِ مَع المُسْتَرْخِي (١)، ولَا يَنْقُضُ ضَفْرَهُ رَجُلٌ أوِ امْرأةٌ وَيُدْخِلَان يَدَيْهِمَا تَحْتَهُ في رَدِّ الْمَسْحِ (٢)، وغَسْلُهُ مُجْزٍ (٣) وَغَسْلُ
في نيل الأوطار: الحديث في إسناده معمر بن محمد بن عبيد الله عن أبيه وهما ضعيفان، وقد ذكره البخاري تعليقًا عن ابن سيرين، ووصله ابن أبي شيبة، وهو يدل على مشروعية تحريك الخاتم ليزول ما تحته من الأوساخ، وكذلك ما يشبه الخاتم من الإسورة والحلية ونحوهما. ا. هـ. منه بلفظه.
(١) هذا دليله كتاب الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (١). الآية، وقد بينت السنة المطهرة كيفية ذلك المسح؛ ففي المدونة من حديث مالك عن عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني، عن أبيه يحيى أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد بن عاصم وكان من أصحاب رسول الله ﷺ : هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضَأ؟. قال عبد الله: نعم. إلى أن قال: ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع بهما إلى المكان الذي منه بدأ. ا. هـ. محل الغرض منه.
وأخرج هذا الحديث البيهقي: باب الاختيار في استيعاب الرأس بالمسح. ولعد أن ساقه نصًا قال: رواه البخاري في الصحيح عن عبد الله بن يوسف عن مالك؛ ورواه مسلم عن اسحاق بن موسى الأنصاري عن معن عن مالك.
وقوله: بعظم صدغيه، دليله ما اخرجه البيهقى في السنن الكبرى: باب تحري الصدغين في مسح الرأس. من حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ؛ فمسح ما أقبل من رأسه وما أدبر، ومسح صدغيه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما ومنبتهما. ا. هـ.
(٢) ونص المدونة في ذلك: وقال مالك: المرأة في مسح الرأس مثل الرجل؛ تمسح على رأسها كله، وان كان معقوصًا فلتمسح على ضفرها. إلى أن قال: وقال مالك في المرأة: يكون لها الشعر المرخي على خديها من نحو الدلالين، إنها تمسح عليهما بالماء، ورأسها كله مقدمه ومؤخره. ورواه ابن وهب أيضًا وكذلك الذي له شعر طويل من الرجال.
(٣) الظاهر فيه الإجزاءُ ولكن مع الكراهة لمخالفة سنة المسح التى جاءت بها تعاليم الوحي والله تعالى أعلم.
стр. 46
رِجْلَيْهِ بِكَعْبَيْهِ (١) النَّاتِئَيْنِ بِمِفْصَلَي السَّاقَيْن؛ وَنُدِبَ تَخْلِيلُ أصَابِعِهِمَا (٢) وَلَا يُعِيدُ مَنْ قَلَّمَ ظُفُرَهُ أوْ حَلَقَ رَأْسَهُ، وَفي لِحْيَتِه قَوْلَانِ. والدَّلْكُ (٣)،
(١) دليله قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (١) الآية. وفي المدونة: قال ابن القاسم: قال مالك فيمن قطعت رجلاه إلى الكعبين، قال: إذا توضأ غسل بالماء ما بقي من الكعبين، وغسل موضع القطع أيضًا. قلت لابن القاسم: أيبقى من الكعبين شيء؟ قال: نعم، إنما يقطع من تحت الكعبين ويبقى الكعبان في الساقين. وقد قال تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. ولقد وقفت مالكًا على الكعبين اللذين إليهما حد الوضوء الذي ذكره الله في كتابه، فوضع لي يده على الكعبين اللذين في أسفل الساقين فقال لي: هذان هما. ا. هـ. منه.
والسنة المطهرة غسل الرجلين بدليل الآية، ولقوله ﷺ المتفق عليه من حديث عبد الله بن عمر ﵄. قال: تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرة فأدركنا وقد أرهقنا العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا قال: فنادى بأعلى صوته: "وَيْلٌ لِلأْعْقَابِ مِنَ النَّارِ". مرتين أو ثلاثًا. ولما ذكره الشوكاني من إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على غسل الرجلين قال: قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على غسل القدمين. رواه سعيد بن منصور. ا. هـ. منه.
ولحديث جابر عن الدارقطني: أمرنا رسول الله ﷺ إذا توضأنا للصلاة أن نغسل أرجلنا. نقله عنه الشوكاني. ولقوله ﷺ بعد أن توضأ وضوءًا غسل فيه قدميه: "فَمَنْ زَادَ عَلَى هذا فَقَدْ أسَاءَ وَظَلَمَ". أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة من طرق صحيحة. ا. هـ. نيل الأوطار.
(٢) لحديث ابن عباس المتقدم. عند أحمد وابن ماجه والترمذي أن رسول الله ﷺ قال: "إذَا تَوَضَّأْتَ فخَلِّلْ أصَابعَ يَدَيْكَ وَرِجْلَيكَ". انظر تحسين البخاري له عند الكلام على غسل اليدين.
(٣) لحديث عبد الله بن زيد بن عاصم: إن النبي ﷺ توضأ فجعل يقول: هكَذَا يُدَلكُ. رواه أحمد، قال الشوكاني وهو احدى روايات حديثه المشهور. ا. هـ. منه. وفي المدونة.
وقال مالك في الجنب يأتي النهر فينغمس فيه انغماسًا، وهو ينوي الغسل من الجنابة ثم يخرج، قال: لا يجزئه إلا أن يتدلك، وإن نوى الغسل لا يجزئه إلا أن يتدلك. قال: وكذلك الوضوء من الماء. ا. هـ. منه.
стр. 47
هل المُوَالاةُ وَاجِبَةٌ (١) إِنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ؟. وَبَنَىِ بِنِيَّةٍ إِنْ نَسِيَ مُطْلَقًا وإنْ عَجَزَ، مَا لَمْ بطُلْ بِجَفَافِ أعْضَاءٍ بِزَمَن اعْتَدَلَا، أو سُنَّةٌ خِلَافٌ. وَنيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ (٢) عِنْدَ وجهِهِ، أو الْفَرْضِ او اسْتِبَاحَةِ مَمْنُوعٍ وإن مَعَ تَبَرُّدٍ،
(١) ودليل وجوب الموالاة قوله في المدونة: وقال مالك فيمن توضأ ففرغ من بعض الوضوء، وبقي بعضه فقام لأخذ الماء، قال: إن كان قريبًا فأرى أن يبني. ا. هـ. منه.
ولدليل حديث خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي، في ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره ﷺ أن يعيد الوضوء. رواه أحمد وأبو داود وزاد: والصلاة. قال الأثرم: قلت لأحمد هذا إسناده جيد؟. قال: جيد. انتهى من منتقى الأخبار.
قال الشوكاني: الحديث يدل على مذهب من قال بوجوب الموالاة، لأن الأمر بالإعادة للوضوء كاملًا للإخلال به بترك اللمعة. ا. هـ. قال: وقال بالوجوب الأوزاعي ومالك وأحمد بن حنبل والشافعي في قول له. وقال بعدم وجوبها أبو حنيفة والشافعي في قول له. قال الشوكاني: والتمسك، لوجوب الموالاة بحديث ابن عمر وأبي بن كعب أنه ﷺ : توضأ على الولاء وقال: "هذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ". أظهر من التمسك بما ذكره المصنف في الباب، لولا أنه غير صالح للاحتجاج كما عرفناك في شرح حديث عثمان لا سيما زيادة قوله: "لَا يَقْبَلُ الله الصَّلَاةَ إلَّا بهِ". وقد روي بلفظ: "هذَا الذي افْتَرَضَ الله عَلَيْكُمْ". ا. هـ. محل الغرض منه.
والذي يقول بعدم وجوب الموالاة يتمسك ببعض أخبار، منها ما أخرجه البيهقي في سننه بسنده عن مالك بن أنس عن نافع أن ابن عمر: توضأ في السوق فغسل يديه ووجهه وذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم دخل المسجد فمسح على خفيه بعد ما جفَّ وضوؤه وصلى. قال البيهقى: وهذا صحيح عن ابن عمر، مشهور عن قتيبة بهذا اللفظ. وكان عطاء لا يرى بتفريق الوضوء بأسًا، وهو قول الحسن والنخعي أصح قولي الشافعي ﵁. ا. هـ. منه.
(٢) دليل وجوب نية رفع الحدث الحديث الصحيح الذي رواه محمد بن ابراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّمَا الْأعمالُ بِالنِّيَّاتِ وإنَّمَا لِكُلِّ امْرئٍ مَا نَوَى". الحديث، قال البيهقى: رواه =
стр. 48
أو أخْرَجَ بَعْضَ المُسْتَبَاحِ، أوْ نَسِيَ حَدَثًا (١) لا أخْرجَهُ، أوْ نَوَى مُطْلَقَ الطَّهَارَةِ أو استباحة مَا نُدِبَتْ لَهُ، "أوْ قَالَ: إنْ كُنتُ أحْدثتُ فَلَهُ، "أو جَدَّدَ فتبيَّنَ حَدَثُهُ، أوْ تَرَكَ لُمْعَةً فانْغَسَلَتْ بنية الْفَضْلِ، أو فرَّقَ النِّيَّةَ عَلى الْأعْضَاءِ (٢)، والأظْهَرُ فِي الْأخِير الصِّحَّةُ، وعُزُوبُهَا بَعْدَه ورَفْضُهَا مُغْتَفَرٌ، وَفي تَقَدُّمِهَا بِيَسِيرٍ خِلَافٌ.
= البخاري في الصحيح عن محمد بن كثير عن الثوري عن مسدد عن حماد بن زيد، ورواه مسلم عن أبي الربيع. ا. هـ. ودليل وجوب النية للطهارة خصوصًا ما أخرجه البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضوءَ لَهْ وَلَا وُضوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ". قال البيهقي: حدثنا أبو علي ثنا أبو بكر ثنا أبو داود ثنا أحمد بن عمرو بن السرح ثنا ابن وهب عن الدراوري قال: وذكر ربيعة أن تفسير حديث رسول الله ﷺ : "لَا وُضوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْه". إنه الذي يتوضأ ويغتسل ولا ينوي وضوءًا للصلاة ولا غسلًا للجنابة. ا. هـ.
(١) والنية القصد وهو عزيمة القلب، كذا قال النووي. وقال البيضاوي: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرض من جلب نفع أو دفع ضرر حالًا أومآلًا. والشرع خصصه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضاء الله وامتثال حكمه. وحديث عمر بن الخطاب قال الشوكاني: دليل على اشتراط النية في أعمال الطاعات، وأن ما وقع بدونها غير متعبد به، وباشتراط النية في الطهارة، قال ان فعي ومالك والليث وربيعة وأحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه. ا. هـ. بتصرف.
وكل هذه الفروع التي ذكرت هنا مدارها على قوله ﷺ : "وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوى".
(٢) يشير بهذا الفرع الى القاعدة الخلافية التي عقدها في المنهج المنتخب بقوله:
وهل بغسل العضو عنه يرتفع … حدثه أم بالفراغ وسمع
إنكار بعض كأبى بكر وقد … أجيب عنه ولذا بحث ورد
стр. 49
وسُنَنُهُ: غَسْلُ يديه أوَّلًا ثَلَاثًا تَعَبُّدًا بِمُطْلَقٍ ونيَّةٍ، وَلَوْ نظيفَتَيْنِ، أوْ أحْدَثَ في أثْنَائِهِ مُفْترقَتَيْنِ (١). ومَضْمَضَةٌ واسْتِنْشَاقٌ وبَالَغَ مُفْطِرٌ، وفعلهما بِسِتٍّ أفْضَلُ وَجَازَا أَوْ إِحْدَاهُمَا بِغَرْفَةٍ، واستنثارٌ (٢)، ومَسْحُ وجْهَيْ كُلِّ أُذُنٍ وَتَجْدِيدُ مائهما (٣).
(١) دليله حديث أوس بن أوس الثقفي قال: رأيت رسول الله ﷺ تَوضأ فاستوكف ثلاثًا أي غسل كفيه. رواه أحمد والنسائي. قال الشوكاني: وهذا الحديث معناه في الصحيحين من حديث عثمان بلفظ: فأفرغ على كفيه ثلاث مرات فغسلهما. وقال في آخره: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا.
ومن أدلته أيضًا حديث الصحيحين: "إذَا اسْتَيْقَظَ أحَدُكُمْ مِنْ نَوْمهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أنْ يُدْخلَهَا في وَضُوئِهِ فَإنَّ أحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ". رواه البخاري في الصحيح، عن عبد الله بن يوسف عن مالك، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن أبي الزناد، وهو من حديث أبي هريرة.
ومن الدليل على ذلك ما ثبت من حديث عبد خير أن عليَّ بن أبي طالب أخذ بيمينه الإناء فأكفا على يده اليسرى ثم غسل كفيه، ثم أخذ الإناء بيده اليمنى فأفرغ على يده اليسرى، فعله ثلاث مرات، قال عبد خير: كل ذلك لا يدخل يده اليمنى حتى يغسلها مرات. الحديث أخرجه ابن خزيمة.
(٢) دليله حديث عبد خير عن علي انه أدخل يده اليمنى، في الإناء، فملأ فمه فتمضمض واستنشق واستنثر ففعل ذلك ثلاثًا، الحديث أخرجه البيهقي. وحديث أبي هريرة المتفق علبه: "إذَا تَوَضَّأَ أحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أنْفِهِ ثُمَّ لْيَنْتَثِرْ ومَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوترْ" رواه البخاري في الصحيح عن عبد الله بن يوسف عن مالك، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن أبي الزناد. وحديث أبي هريرة المتفق عليه أن رسول الله ﷺ قال: "إذَا اسْتَيْقَظَ أحَدُكُم مِنْ مَنَامِه فَتَوَضَّأ فَلْيَسْتَنْثِر ثَلَاثَ مَراتٍ فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَبيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ". رواه البخاري في الصحيح عن ابراهيم بن حمزة، ورواه مسلم عن يزيد بن الهاد.
وحديث عاصم بن لقيط بن صبرة عن. ابيه، عند البيهقي أن رسول الله ﷺ قال له: "أسْبغِ الوُضُوءَ وَخَلِّلِ الأصَابعَ، وإذَا اسْتَنشَقْتَ فَبَالِغْ إلَّا أنْ تَكُونَ صَائِمًا". وحديث عبد الله بن زيد بن عاصم المتفق عليه فيه: ثم ادخل يده فاستخرجها فتمضمض واستنشق من كف واحدة يفعل ذلك ثلاثًا. وأما فعلهما=
стр. 50
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بست فلحديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده؛ أنه رأى رسول الله ﷺ وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق. رواه البيهقي وذكر أن يحيى بن معين سئل: هل رأى جد طلحة بن مصرف رسول الله ﷺ ؟. فقال يحيى: المحدثون يقولون قد رآه، وأهل بيت طلحة يقولون: ليست له صحبة. انظر السنن الكبرى للبيهقى.
وفي المدونة ما يدل على أنهما ليستا واجبتين ونصها: وقال مالك فيمن ترك المضمضة والاستنشاق، وداخل أُذنيه في الغسل من الجنابة حتى صلى، قال: يتمضمض ويستنشق لما يستقبل وصلاته تامة. قال: ومن ترك المضمضة والاستنشاق، ومسح داخل الأُذنين في الغسل من الجنابة، والذي ترك ذلك في الوضوء فهما سواء. ا. هـ منه.
(٣) دليله ما أخرجه البيهقي من حديث عثمان بن عبد الرحمن التيمي قال: سئل ابن أبي مليكة عن الوضوء فقال: رأيت عثمان بن عفان سئل عن الوضوء فدعى بماء فذكر الحديث إلى أن قال: فأخذ ماء فسمح برأسه وأُذنيه فغسل بطؤلهما وظهورهما مرة واحدة، ثم غسل رجليه ثم قال: أين السائلون عن الوضوء؟. هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ.
وفي حديث الربيع بنت معوذ أن النبي ﷺ مسح أُذنيه ظاهرهما وباطنهما. عند البيهقي أيضًا. وأما تجديد الماء لمسح الأُذنين فدليله حديث حبان بن واسع الأنصاري عند البيهقي؛ أن أباه حدثه أنه سمع عبد الله بن زيد يذكر أنه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ، فأخذ لأُذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذ لرأسه. قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح. وكذلك روي عن عبد العزيز بن عمران بن مقلاص وحرملة ابن يحيى عن ابن وهب، ورواه مسلم بن الحجاج في الصحيح. ا. هـ. محل الغرض منه، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 51
وَرَدُّ مَسْحِ رَأْسِهِ (١)، وتَرْتيبُ فَرَائِضِهِ (٢)، فَيُعَادُ الْمُنَكَسُ وَحْدَهُ إِنْ بَعُدَ بِجَفَافٍ وإلَّا مع تابعه، وَمَنْ تَرَكَ فَرْضًا أَتَى بِهِ وَبِالصَّلَاةِ (٣)، وسُنَّةً فَعَلَهَا لما يُسْتَقْبَلُ (٤)(١) دليل رد مسح الرأس حديث عبد الله بن زيد بن عاصم، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقال فيه: ثم مسح رأسه بيديه؛ فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع بهما إلى المكان الذي منه بدأ.
أخرجه ابن خزيمة في صحيحه: باب استحباب مسح الرأس باليدين جميعًا ليكون أوعب لمسح جميع الرأس، وصفة المسح، والبدء بمقدم الرأس قبل المؤخر في المسح، فذكر من حديث عبد الله ابن زيد بن عاصم محل الشاهد منه كما ذكر آنفًا.
(٢) قال في المدونة: وسألت مالكًا عمن نكس وضوءه فغسل رجليه قبل يديه ثم وجهه ثم صلى، قال: صلاته مجزئة. قال: فقلت لمالك: أفترى له أن يعيد الوضوء؛. قال ذلك أحب إليَّ. قال: ولا أدري ما وجوبه.
وأيضًا فإن حديث جابر بن عبد الله الذي أخرجه مسلم بن الحجاج في الصحيح عن إسحاق بن إبراهيم وغيره عن حاتم بن اسماعيل: سمعت رسول الله ﷺ حين خرج من المسجد وهو يريد الصفا يقول: "نَبْدَأ بِمَا بَدَأ اللهُ بِهِ فَبَدَأ بِالصَّفَا". فيه دليل على سنة الترتيب.
(٣) قال في المدونة: وقال مالك فيمن توضأ فغسل وجهه ويديه وترك أن يمسح برأسه، وترك غسل رجليه حتى جفَّ وضوؤه وطال ذلك. قال: إن كان ترك ذلك ناسيًا بنى على وضوئه. وإن تطاول ذلك. قال: وإن ترك ذلك عمدًا استأنف الوضوء .. ابن وهب: عن يحيى بن أيوب عن ابن حرملة أن رجلًا جاء إلى سعيد بن المسيب فقال: إني اغتسلت من الجنابة ونسيت أن أغسل رأسي. قال فأمر رجلًا من أهل المجلس أن يقوم معه إلى المطهرة فيصب على رأسه دلوًا من ماء.
(٤) وقال مالك فيمن ترك المضمضة والاستنشاق وداخل أُذنيه في الغسل من الجنابة حتى صلى؛. قال: يتضممض ويستنشق كما يستقبل وصلاته التي صلى تامة. وقال: ومن ترك المضمضة والاستنشاق ومسح داخل الأُذنين في الغسل من الجنابة. والذي ترك ذلك في الوضوء فهما سواء، ويمسح داخلهما فيما يستقبل. ا. هـ. من المدونة بلفظها.
стр. 52
وَفَضَائلُهُ: مَوْضِعٌ طَاهِر، وَقِلَّةُ الْمَاءِ بِلَا حَدٍّ كالْغُسْلِ (١)، وَتَيَمُّنُ أَعْضَاءٍ وَإِنَاء فُتِحَ (٢)، وَبَدْء بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ (٣)، وشَفْعُ غَسْلِه وتَثْلِيثُه (٤)، وهل الرجلان كذلك أو
(١) النهي عن الإِسراف في الماء؛ من أدلته حديث عبد الله بن مغفل؛ أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسالك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: يا بني سل الله الجنة وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّهُ سَيَكونُ فِي هذِهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطُّهُورِ والدُّعَاءِ". رواه البيهقي في سننه. وفيه أيضًا عن أبيّ بن كعب عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ الْوَلْهَانُ فَاحْذَرُوهُ أَو قَالَ فَاتَّقُوهُ". قال: وقال غيره عن أبي داود في هذا الحديث: "فَاحْذَرُوهً وَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ" ا. هـ. منه
(٢) دليل فضيلة التيمن حديث عائشة المتفق عليه قالت: كان رسول الله ﷺ يحب التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شانه كله. قال الشوكاني في الكلام على هذا الحديث: قال النووي: قاعدة الشرع المستمرة استحباب البداءة باليمين في كل ماكان، من باب التكريم والتزيين، وما كان بضدها استحب فيه التياسر، قال: وأجمع العُلماء على أن تقديم اليمين في الوضوء سنة من خالفها فاته الفضل. ا. هـ. منه.
(٣) لحديث عبد الله بن زيد بن عاصم المتفق عليه، وفيه: فبدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه. ودليل الاستحباب ورودحديث الربيعة بنت معوذ عند البيهقي قالت: فتوضأ وأنا أنظر اليه - تعني رسول الله ﷺ - فوضأ وجهه ثلانًا ومضمض واستنشق مرة ووضأ يده اليمنى ثلاثًا ووضأ يده اليسرى ثلاثًا ثم مسح برأسه مرتين يبدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه، ثم مؤخر رأسه ثم مقدمه، ثم مسح أُذنيه كلتيهما ظاهرهما وباطنهما، ووضأ رجله اليمنى ثلانًا ووضأ رجله اليسرى ثلاثًا. ا. هـ. منه.
(٤) بدليل صحة الوضوء بغرفة واحدة؛ كما هو نص البخاري والبيهقي واللفظ له عن ابن عباس قال: ألا أخبركم بوضوء النبي ﷺ ؛. فدعا بإناء فيه ماء، فجعل يغرف غرفة غرفة لكل عضو. ا. هـ.
علمًا بأن حديث عبد الله بن زيد بن عاصم وحديث عثمان بن عفان ﵄ وحديث الربيع بنت معوذ ﵃ أجمعين في كل واحد منها تكرار الغسل، فدل أنه للفضل. والله الموفق.
стр. 53
المطلوب الْإنْقَاءُ (١)؟. وَهَلْ تُكْرَهُ الرابِعَةُ أَوْ تُمْنَعُ خِلَافٌ (٢)، وَترْتِيبُ سُننِه أَو مَعَ فرائضِه. وَسِوَاكٌ (٣) وَإِنْ بإِصْبَعٍ (٤) كَصَلَاةٍ بَعُدَتْ مِنْهُ (٥). وَتسمية (٦)؛ وتُشَرَعُ في
(١) أما دليل تثليث غسل الرجلين فحديث حمران مولى عثمان بن عفان الذي يرويه في وصف عثمان ﵁ لوضوء رسول الله ﷺ وهو حديث صحيح. وحديث عبد خير الذي يرويه عن وصف علي ﵁ لوضوء رسول الله ﷺ وهوعند البيهقي، وكل منهما ورد فيه. ثم غسل رجله اليمنى ثلاثًا ثم غسل اليسرى ثلاثًا. غير أن في لفظ حديث حمران: رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات. ولفظ حديث عبد خير: ثم غسل رجله اليمنى ثلاثًا ورجله الشمال ثلاثًا.
(٢) دليل كراهة الزيادة في الوضوء على ثلاث ما رواه عمر بن شعيب عن أببه عن جده قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فسأله عن الوضوء فأراه ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: "هذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَيَّ هَذا فَقَدْ أَسَاءَ أَو تَعَدى وَظَلَمَ". رواه البيهقي في السنن وقال: وكذلك رواه الأشجعي عن الثوري موصولًا. ا. هـ.
(٣) الدليل على أن السواك فضيلة حديث أبي هريرة عند مسلم والبيهقي، واللفظ له أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْلَا أنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِتَأْخِير الْعِشَاءِ وَالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ". قال البيهقي: زاد أبو سعيد في روايته: قال الشافعي: وفي هذا دليل على أن السواك ليس بواجب، وأنه اختيار لأنه لو كان واجبًا أمرهم به شق أولم يشق. ا. هـ. منه
(٤) دليله حديث أحمد عن علي بن أبي طالب ﵁: أنه دعا بكوز من ماء فغسل وجهه وكفيه ثلاثًا وتمضمض ثلاثًا؛ فأدخل بعض أصابعه في فيه واستنشق ثلاثًا وغسل ذراعيه ثلاثًا ومسح رأسه واحدة وذكر باقي الحديث وقال: هكذا كان وضوء نبي الله ﷺ .
قال الشوكاني في الكلام على هذا الحديث: وروى أبو عبيدة في كتاب الطهورعن عثمان أنه إذا توضأ يسوك فاه بأصبعه. وروى الطبراني من حديث عائشة: قلت يارسول الله، الرجل يذهب فوه أيستاك؟. قال: نَعَمْ! قلت: كيف يصنع؟. قال: "يُدْخِلُ إصْبَعَهُ في فِيهِ". ا. هـ. منه
(٥) وحديث "لَوْلَا أنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ" المتقدم الذكر فيه دليل على فضيلة السواك لكل صلاة، سواء توضأ لها المصلي أم بعدت عن الوضوء. وبالله التوفيق.
(٦) قال ابن خزيمة في صحيحه: باب ذكر تسمية الله عند الوضوء، ثم ساق سند =
стр. 54
غُسْلٍ وَتَيمُّمٍ وأَكْلٍ وشُرْبٍ وذَكَاةٍ ورُكُوب دَابَّةٍ وسَفِينَةٍ ودُخولٍ وَضِدِّهِ لِمَنْزِلٍ ومَسْجِدٍ، ولُبْس وغَلْقِ بَابٍ وإطفَاءِ مِصْبَاحٍ وَوَطْءٍ وصُعُودِ خَطِيبٍ مِنْبَرًا وتَغْمِيضِ مَيْتٍ ولَحْدِهِ، ولا تُنْدَبُ إِطَالَةُ الغُرَّةِ (١) وَمَسْحُ الرَّقَبَةِ (٢) وَتَرْكُ مَسْحِ
= حديث عن أنس ﵁، قال: طلب بعض أصحاب رسول الله ﷺ وضوءًا فلم يجدوا، فقال النبي ﷺ : "ههُنَا مَاء". فرأيت النبي ﷺ وضع يده في الإناء الذي فيه الماء، ثم قال: "تَوَضَّئُوا بِسْمِ اللَّهِ". فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، والقوم يتوضئون حتى توضئوا عن آخرهم. قال ثابت فقلت لأنس: كم تراهم كانوا؟. قال: نحوًا من سبعين.
وفي البيهقي ما نصه: أخبرنا أبوسعيد أحمد بن محمد الماليني، أنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، ثنا أحمد بن حفص السعدي قال: سئل أحمد بن حنبل -يعني وهو حاضر- عن التسمية في الوضوء فقال: لا أعلم فيه حديثًا ثابتًا. أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد عن ربيح، وربيح رجل ليس بمعروف. ا. هـ. منه.
وقول المختصر: وتشرع في غسل ألخ يعني من كل أمر ذي بال يشرع الأنسان في عمله؛ وذلك عملًا بقوله ﷺ : "كُلّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأ فِيهِ بِبِسْمِ اللهِ فهُوَ أَجْذَمُ". أو كما قال ﷺ .
(١) قوله: ولا تندب إطالة الغرة؛ أي أخذًا من قوله ﷺ : "فَمَنْ زَادَ عَلَى هذاَ أوْ نَقَّصَ فَقَدْ أسَاء وَظَلَمَ". وذكر الشوكاني عن النووي أن الإمام أبا الحسن بن بطال والقاضي عياض -من أصحابنا- قد ادعيا اتفاق العُلماء على أنه لا تستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين. وقد شنع عليهما حكاية ذلك الاتفاق وقال: إن دعواهما هذه باطلة، لثبوت فعل ذلك عن رسول الله ﷺ . وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص: وقد ادعى ابن بطال في شرح البخاري -وتبعه القاضي- تفرد أبي هريرة بهذا -يعني الغسل إلى الآباط- وليس بجيد. فقال: قد قال به جماعة من السلف ومن أصحاب الشافعي، وقال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع عن العمري عن نافع أن ابن عمركان ربما بلغ الوضوء إبطيه. انظر نيل الأوطار للشوكاني.
(٢) يقول المُصَنِّف على الرغم من حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده: أنه رأى النبي ﷺ يمسح رأسه حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق. رواه أحمد. =
стр. 55
الْأعْضَاءِ (١)، وَإِنْ شَكَّ فِي ثَالِثَةٍ فَفِي كَرَاهَتِهَا وَنَدْبِهَا قَوْلَانِ. قال: كشَكِّهِ في يَوْمِ عَرَفَةَ؛ هَلْ هو العيد (٢)؟.
= قال الشوكاني: الحديث فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. قال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم، تركه يحيى بن القطان وابن مهدي وابن معين وأحمد بن حنبل، وقال النووي في تهذيب الأسماء: اتفق العُلماء على ضعفه. ا. هـ. منه.
(١) قوله: وترك مسح الأعضاء؛ قال في المدونة ما نصه: قال مالك ولا بأس بالمسح بالمنديل بعد الوضوء، ابن وهْب عن زيد بن الحباب عن أبي معاذ عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ كانت له خرقة ينشف بها بعد الوضوء. انتهى منه.
(٢) قلت قد تقدم ذكر الكراهة على الغرفة الثالثة لحديث: "فَمَنْ زَادَ أَو نَقَّصَ فَقَدْ أُسَاءَ وَظَلَم". وإذا دار الأمر بين الكراهة والفضيلة قدم جانط الكراهة للقاعدة المقررة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. الذي عقده في المنهج المنتخب بقوله.
درء المفاسد مقدم على … جلب المصالح فخذ ما نقلًا
قال العلامة محمد الأمين بن أحمد زيدان في شرح هذا البيت: ومن ثم تركت الغسلة الثالثة إذا شك فيها، وترك صوم يوم عرفة إذا شك هل هو العيد؟. ا. هـ.
стр. 56
فصل
نُدِبَ لِقَاضِي الْحَاجَةِ جُلُوسٌ (١) وَمُنِعَ بِرَخْوٍ نَجِسٍ وتَعَيَّنَ الْقِيامُ، واعْتِمَادٌ على رِجلٍ واسْتِنْجَاءٌ بِيَدٍ يُسْرَيَيْنِ (٢)، وَبَلُّهَا قَبْلَ لُقِيِّ الأَذَى وَغَسْلُهَا بِكَتُرابٍ بَعْدَهُ. وستْرٌ إلى مَحَلِّهِ (٣) وإِعْدَادُ مُزِيله (٤)، وَتَقْدِيمُ قُبُلِهِ وتَفْرِيجُ فَخِذيْهِ واستِرْخَاؤُهُ وَتَغْطِيَةُ رَأْسِهِ (٥) وَعَدَمُ الْتِفَاتِهِ، وذِكْرٌ وَرَدَ بَعْدَهُ وَقَبْلَهُ فَإِنْ فاتَ فَفِيهِ (٦). وسكوتٌ إِلَّا لِمُهِمٍّ (٧). وبالْفَضَاءِ تَسْتُرٌ وَبُعْدٌ (٨) واتّقاءُ جُحْرٍ وَرِيحٍ وَمَوْرِدٍ وَطَرِيقٍ وشَطٍّ وظِلٍّ وَصُلْبٍ (٩) وبِكَنيفٍ نَحَّى ذِكْرَ اللَّهِ (١٠) ويقدِّمُ يُسْرَاهُ دُخُولًا ويُمْنَاهُ خُروجًا عَكْسَ مَسْجِدٍ وَمَنْزِلٍ يُمْنَاهُ بِهِمَا (١١). وَجَازَ بِمَنْزلٍ وَطْءٌ وَبَوْلٌ مُسْتَقْبِلَ قِبْلَةٍ ومُسْتَدْبِرًا،
(١) لحديث عائشة عند البيهقي قالت: ما بال رسول الله ﷺ قائمًا منذ نزل القرآن. وأما حمل ذلك على الندب لورود الخبر بأنه ﷺ بال قائمًا، ففي صحيح ابن خزيمة من حديث حذيفة أنَّ رسول الله ﷺ أتى سباطة قوم، فبال قائمًا ثم توضأ ومسح على خفيه.
(٢) الاعتماد على الرجل اليسرى؛ لحديث البيهقي بسنده عن رجل من بني مدلج عن أبيه قال: قدم علينا سراقة بن جعشم فقال: علمنا رسول الله ﷺ إذا دخل أحدنا الخلاء أن يعتمد اليسرى وينصب اليمنى .. وأما الاستنجاء باليد ودلكها بالأرض بعد الاستنجاء فدليله حديث أبي هريرة عند البيهقي، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور أو ركوة، فاستنجى ثم مسح يده على الأرض، ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ. ا. هـ.
وأما كون الاستنجاء باليسرى فلقاعدة الشرع المستمرة؛ وهي استحباب اليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بضدها استحب فيه التياسر. ا. هـ.
ولحديث أبي قتادة عند ابن خزيمة قال: قال رسول اللهُ ﷺ : "إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفسْ فِي الإِنَاءِ وإِذَا أَتَى الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وإِذَا تَمَسَّحَ فَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ". ا. هـ. =
стр. 57
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (٣) لحديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن جابر بن عبد الله عند البيهقي قال: أتينا جابر بن عبد الله في مسجده فذكر قصته قال: فقال جابر: فذهب رسول الله ﷺ بقضي حاجته، فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله ﷺ فلم ير شيئًا يستتر به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ غصنًا من أغصانها فقال: "انْقَادِي عَلَيَّ بِإذْنِ اللَّهِ". فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها فقال: "انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى" فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنصف بينهما لَأمَ بينهما فقال: "الْتَئِمَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى". فالتأمتا. قال جابر: فجلست أحدث نفسي فحانت مني التفاتة فإذا رسول الله ﷺ مقبل، وإذا الشجرتان قد افترقتا؛ فقامت كل واحدة منهما على ساق، وذكر باقي الحديث، رواه مسلم في الصحيح عن هارون بن معروف. ا. هـ. السنن الكبرى للبيهقي وحديث أبي هريرة عند البيهقي أيضًا، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا كثيبًا مِنْ رَمْلٍ يَجْمَعُهُ ثُمَّ يَسْتَدِيرُهُ فَإنَّ الشَّيَاطِينَ يَلْعَبُونَ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَح"ا. هـ. منه.
(٤) لحديث عائشة عند البيهقي أن رسول الله ﷺ قال: "إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بثلاثة أَحْجَارٍ لَيَسْتَطِيبَ بِهِنَّ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ". ا. هـ.
(٥) لحديث عائشة عند البيهقي قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ غَطَّى رَأْسَهُ وَإِذَا أَتَى أَهْلَهُ غَطَّى رَأْسَهُ". إلى أن قال: وروي في تغطية الرأس عند دخول الخلاء عن أبي بكر وهو عنه صحيح، ورواه أيضًا عن حبيب بن صالح عن النبي ﷺ مرسلًا. ا. هـ. منه.
(٦) أما الذكر الذي ورد قبله فهو ما أخرجه ابن خزيمة من حديث زيد بن أرقم عن النبي ﷺ قال: "إنَّ هذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَة، فَإذَا دَخَلَهَا أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ".
وأما الذكر الوارد بعد الخروج من الخلاء؛ فهو ما أخرجه ابن خزيمة من حديث يوسف ابن أبي بردة عن أبيه قال: دخلت على عائشة فسمعتها تقول: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الغائط قال: "غُفْزانَك". "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْرَجَ مِنِّي الْأذَى وَعَافَانِي". =
стр. 58
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (٧) لحديث ابن عمر عند ابن خزيمة؛ أن رجلًا مر على النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد ﵇. ا. هـ. منه.
(٨) لِحديث أبي قراد عند ابن خزيمة قال: خرجت مع رسول الله ﷺ فرأيته خرج من الخلاء، وكان إذا أراد حاجة أَبْعَدَ. ا. هـ. منه.
(٩) لحديث عبد الله بن سرجس عند البيهقي أن النبي ﷺ قال؛ "لَا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ فِي الْجُحْرِ". الحديث إلى أن قال: فقيل لقتادة: وما يكره من البول في الجحر؛ فقال: إنها مساكن الجن.
وأما اتقاءُ الصلب فلحديث أبي موسى عند أحمد وأبي داود. مال رسول الله ﷺ إلى دمث، إلى جنب حائط فبال وقال: "إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ". وقوله إلى دمث؛ أي إلى سهل أي رخو وأما النهي عن التخلي في الطريق والظل؛ فلحديث أبي هريرة عند البيهقي أن رسول الله ﷺ قال: "اتّقُوا اللَّاعِنَيْنِ. قَالُوا وَمَا اللَّاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟. قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ وَظِلِّهِمْ". رواه مسلم في الصحيح عن قتيبة. ا. هـ. منه. وأما النهي عن التخلي في المورد فلحديث معاذ بن جبل عند البيهقي أيضًا. قال: قال رسول الله ﷺ : "اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ: الْبِرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةَ الطَّرِيقِ وَالظِّلَّ". ا. هـ. منه. وأما النهي عن البول في الصلب فلتوقي تطاير النجاسة عليه.
(١٠) وأما تنحية ما فيه ذكر الله بالكنيف، فلحديث أنس ﵁ عند البيهقي؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه، وفي لفظ له: إن رسول الله ﷺ لبس خاتمًا نقشه: محمد رسول الله. فكان إذا دخل الخلاء وضعه. ا. هـ.
(١١) تقديم اليمنى في الخروج من الحمام، واليسرى في الدخول فيه، وتقديم اليمنى في الدخول في المسجد واليسرى في الخروج منه؛ هو للقاعدة الشرعية المستمرة من استحباب اليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بضد ذلك استحب فيه التياسر.
стр. 59
وإنْ لَمْ يُلْجَأْ (١)، وأُوِّلَ بِالسَّاتِرِ وَبِالإطْلَاقِ لَا فِي الْفَضَاءِ (٢) وبِسِتْرٍ قَوْلَانِ تَحْتَمِلُهُمَا، والمخْتَارُ التّرْكُ، لَا القَمَرَيْنِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ (٣). وَوَجَبَ اسْتِبْراءٌ بِاسْتِفْرَاغِ أخْبَثَيْهِ مَعَ سَلْتِ ذَكَرٍ ونَتْرٍ خَفَّا (٤)، ونُدِبَ جَمْعُ مَاءٍ وحَجَرٍ ثُمَّ مَاءٌ (٥). وتَعَيَّنَ فِي
(١) لحديث ابن عمر أنه كان يقول: إن أناسًا يقولون: إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس. قال عبد الله بن عمر: لقد ارتقيت على ظهر بيتنا فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته. قال البيهقي: وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر بن إسحاق، أنا محمد بن غالب، أنا عبد الله هو القعنبي عن مالك فذكره. ورواه البخاري في اصحيح عن عبد الله بن يوسف عن مالك. ا. هـ. من السنن الكبرى للبيهقي.
(٢) لحديث عيسى الخياط عند البيهقي، قال: قلت للشعبي أنا أعجب من اختلاف أبي هريرة وابن عمر؛ قال نافع عن ابن عمر: دخلت بيت حفصة فحانت مني التفاتة فرأيت كنف رسول الله ﷺ مستقبل القبلة، وقال أبو هريرة: "إذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا". قال الشعبي: صدقًا جميعًا؛ أما قول أبي هريرة فهو في الصحراء؛ إن لله عبادًا ملائكة وحين يصلون، فلا يستقبلهم أحد ببول ولا غائط ولا يستدبرهم.
وأما كنفهم هذه فإنما هو في بيت يبنى لا قبلة فيه. ا. هـ. سنن البيهقي.
وفي المدونة ما نصه: وقال مالك إنما الحديث الذي جاء: "لَا تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ وَلا غَائِطٍ".
إنما يعني بذلك فيافي الأرض، ولم يعن بذلك القرى ولا المدائن. قال: فقلت: أرأيت مراحيض تكون على السطوح؟. قال: لا بأس بذلك، ولم يعن بالحديث هذه المراحيض. قلت: أيجامع الرجل امرأته مستقبل القبلة في قول مالك؟. قال: لا أحفظ عن مالك فيه شيئًا، وأرى أنه لا بأس به لأنه لا يرى بالمراحيض بأسًا في القرى والمدائن، وإن كانت مستقبلة القبلة. ا. هـ. منه.
(٣) وأما عدم كراهة استقبال بيت المقدس؛ فقد ادعى الخطابي الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر في استقباله الكعبة، نقله عنه الشوكاني في نيل الأوطار وقال: فيه نظر. وأما القمران فلا وجه لاتقاء استقبالهما. والله الموفق.
(٤) وجوب الاستبراء بدليل حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ فَإذا =
стр. 60
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ذَهَبَ أحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا لِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاَثَةِ أَحْجَارٍ" ونهى عن الروث والرمة، وأن يستنجي الرجل بيمينه. ا. هـ
وأما استحباب الوتر في الاستجمار فحديث أبي هريرة عند ابن خزيمة: "إذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُوتِرْ فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، أَمَا تَرَى السَّموَاتِ سَبْعًا وَالأرْضَ سَبْعًا وَالطَّوَافَ سَبْعًا". وذكر أشياء. ا. هـ.
وفي حديث عيسى بن يزداد عن أبيه أن النبي ﷺ كان إذا بال نتر ذكره ثلاث مرات. ا. هـ. انظره في البيهقي. ولحديث أبي هريرة "اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْلِ فَإِنَّ أَكْثَرَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ". رواه الدَّارقُطْنِي. ا. هـ. بلوغ المرام.
(٥) دليله قوله في المدونة: قلت لمالك فمن تغوط واستنجى بالحجارة، ثم توضأ ولم يغسل هنالك بالماء حتى صلى؟. قال: تجزئه صلاته، وليغسل ما هنالك بالماء فيما يستقبل. قال ابن القاسم: قال مالك: يعني الاستنجاء بالماء. ا. هـ. منه.
وفي صحيح ابن خزيمة من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا ذهب لحاجته، ذهبت معه بعكاز وإداوة، فإذا خرج تمسح بالماء وتوضأ من الإداوة. ا. هـ. منه.
وفي المدونة عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عبد الرحمن بن نافع التنوخي عن عبد الله بن مسعود قال: كنا مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، فسمعتهم يستفتونه عن الاستنجاء، فسمعته يقول: "ثَلَاَثَةُ أحْجَارٍ". قالوا: كيف بالماءِ؟. قال رسول الله ﷺ : هُوَ أَظْهَرُ وَأَطْيَبُ". ا. هـ. منه.
وعن عائشة ﵂: "مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يُتْبِعُوا الْحِجَارَةَ بِالْمَاءِ مِنْ أَثَرِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ". كان النبي ﷺ يفعله. ا. هـ. احتج به أحمد. ا. هـ. المغني.
стр. 61
منيٍّ (١) وَحَيْضٍ (٢) ونفاسٍ وَبَوْلِ امْرَأةٍ (٣) ومنتشر عَنْ مَخْرَجٍ كَثِيرًا (٤)، ومَذِيٍّ بِغَسْلِ (٥) ذَكَرِهِ كُلِّهِ، فَفِي النِّيَّةِ وبُطْلَانِ صَلَاةِ تارِكِهَا أَوْ تارِكِ كُلِّهِ قَوْلَانِ.
(١) للحديث المتفق عليه من حديث عائشة -وقد تقدم- للاستدلال به على نجاسة المني، ولفظه: عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل. ا. هـ. بلوغ المرام.
ولحديث عائشة عند الدار قطني من طريق سليمان بن يسار قالت: إن كنت لأتبعه من ثوب رسول الله ﷺ فأغسله. ا. هـ. وقال الدار قطني: صحيح. وهذا لا يعارضه حديثها ﵂ عند مسلم: لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا فيصلي فيه. ا. هـ. لأنه لا خلاف في طهارة مني النبي ﷺ ، وإنما كان غسله من ثوبه للأسوة وللتشريع. والله الموفق.
(٢) لحديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ أن النبي ﷺ قال في دم الحيض يصيب الثوب: "تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ ثُمُّ تَنْضَحُهُ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ". ا. هـ. بلوغ المرام. وقال: متفق عليه.
ولحديث خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه. قال: "فَإذَا طَهُرْتِ فَاغْسِلِي مَوْضِعَ الدَّمِ ثُمَّ صَلَّي فِيهِ". قالت: يا رسول الله إن لم يخرج أثره؟. قال: "يَكْفِيكِ الْمَاءُ لَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ". ا. هـ. رواه أحمد وأبو داود. وقد تقدم الاستدلال به عند قول خليل: لا لون وريح عسرا. ومعلوم أن ما يستدل به في دم الحيض دليل في دم النفاس لعدم الفارق.
(٣) ذكر الشوكاني في نيل الأوطار جـ ١/ ص ١٢٢ - ط دار الجيل بيروت، ما نصه: وذكر ابن دقيق العيد أن سعيد بن المسيب سئل عن الاستنجاء بالماء فقال: إنما ذلك وضوء النساء. قال: وعن غيره من السلف ما يشعر بذلك. ا. هـ. منه بلفظه.
(٤) لا إشكال في تعين الماء في الكثير المنتشر عن مخرجه لتعين الماء في إزالة النجاسة، وقد تقدم أدلة ذلك.
(٥) لحديث حصين بن قبيصة عن علي ﵁ عند البيهقي قال: كنت رجلًا مذَّاءً فجعلت أغتسل حتى تقشف ظهري، قال: فذكرت ذلك لرسول الله أو ذكر له فقال رسول الله ﷺ : "لَا تَفْعَلْ إِذَا رَأَيْتَ الْمَذِيَّ فَاغْسِلْ ذَكَرَكَ وَتَؤَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاة فَإِذَا نَضَحْتَ الْمَاءَ فَاغْتسِلْ". ا. هـ. والله الموفق.
стр. 62
وَلَا يُسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ (١)، وَجَازَ بِيَابِسٍ طَاهِرٍ مُنْقٍ غَيْرِ مُؤذٍ (٢) ولَا مُحْتَرمٍ وَلَا مُبْتَلٍّ ونَجسٍ (٣) وأَمْلَسَ ومُحَدَّد وَمُحْتَرَمٍ مِنْ مَطْعُومٍ ومَكْتُوبٍ وذَهَبٍ وفِضَّةٍ (٤) وجِدَارٍ وعَظْم (٥) وَرَوْثٍ فإن أَنْقَتْ أجْزَأَتْ كالْيَدِ ودُونَ الثَّلَاثِ
(١) لما في المدونة، قال: وقال مالك: لا يستنجى من الريح، ولكن إن بال أو تغوط فليغسل مخرج الأذى وحده فقط. ا. هـ. منه.
(٢) أما الحجر فبالنص، والجمهورعلى أن الحجر ليس بمتعين، بل تقوم الخرقة والخشب وغير ذلك مقامه. قال النووي: فلا يكون له مفهوم كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ (١). ويدل على عدم تعيين الحجر نهيه ﷺ عن العظم والبعر والرجيع، ولو كان الحجر متعينًا لنهى عما سواه. وعلى الجملة كل جامد طاهر مزيل للعين ليس له حرمة يجزئ الاستجمار به. ا. هـ. من نيل الأوطار.
(٣) لحديث ابن مسعود عند مسلم أن النبي ﷺ قال: "أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَقَرأْتُ عَلَيْهِم الْقُرْآنَ". قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: "لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ". فقال رسول الله ﷺ : "فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإنَّهُمَا طَعَامُ إخْوَانِكُمْ". رواه مسلم وأحمد. والنجس، فلحديث ابن مسعود أيضًا قال: أتى النبي ﷺ الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجد، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقاله: هذِهِ رِكْسٌ" رواه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي، وقوله رِكْسٌ يعني نجسًا.
(٤) لما فيه من الترف والخيلاء وضيعة المال الممنوعة شرعًا.
(٥) أي وكيفما حصل الإِنقاء في الاستجمار أجزأه، ولو كان حصل الإنقاء باليمين التي نهى عن الاستنجاء بها، لحديث أبي قتادة المتفق عليه الذي جاء فيه"وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنَ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ". أجزأه ذلك مع ما ارتكبه من النهي، قال في المغني لابن قدامة: وإذا زاد على الثلالة استحب أن لا يقطع إلَّا على وتر لقوله ﷺ "مَنِ اسْتَجْمَر فَلْيُوترْ". متفق عليه. فيستجمر خمسًا أو سبعًا أو تسعًا أو ما زاد على =
стр. 63
فصل
نُقِضَ الْوُضُوءُ بِحَدَثٍ (١) وَهُوَ الخَارِجُ المُعْتَادُ فِي الصِّحَّةِ (٢)، لَا حَصىً وَدُودٌ (٣) وَلَوْبِبَلَّةٍ، وبِسَلَسٍ فَارَقَ أَكْثَرَ؛ كسلس مَذْيٍ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ، ونُدِبَ إنْ
= ذلك، فإن اقتصر على شفع منقية فيما على الثلاثة جاز لقوله ﷺ "وَمَالَا فَلَا حَرَجَ". قلت: وأجزأه دون الثلاث لحديث ابن مسعود الذي اقتصر فيه على حجرين ورد الروثة، وإن زاد فيه أحمد لفظه. "أَبْغِنِي ثَالِثَةً" لعدم ورود إتيانه بها، والله الموفق.
(١) في البيهقي من حديث عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد قال: شكي إلى رسول الله ﷺ الرجل يخيل إليه الشيءُ في الصلاة، فقال: لَا يَنْتَقِل حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجدَ رِيحًا". قال الشافعي رضي الله تعالى عنه في رواية أبي سعيد: فلما دلت السنة على أن الرجل ينصرف من الصلاة بالريح، كانت الريح من سبيل الغائط وكان الغائط أكثر منها. رواه البخاري في الصحيح عن علي بن المديني وغيره، ورواه مسلم عن عمرو الناقد وغيره كلهم عن سفيان بن عيينة. ا. هـ. منه.
وفي البيهقي أيضًا من حديث ابن طهمان عن جرير بن عبد الله أنه بال ثم توضأ ومسح على خفيه.
فقلنا له: ما هذا الذي صنعت؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ صنع مثل الذي صنعت. رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى وغيره عن أبي معاوية. وأخرجه البخاري من وجه آخر عن الأعمش.
وفيه أيضًا من حديث عاصم بن أبي النجود عن زر عن صفوان بن عسال قال: رخَّص لنا رَسول الله ﷺ في المسح على الخفين للمسافر ثلاثًا إلا من جنابة، ولكن من غائط أو بول أو ريح، قال أبو الوليد: ولم يقل أوريح غير مسعر. ا. هـ. منه.
(٢) لما أخرجه في المدونة قال: وقال مالك في السلس: البول إن أذاه الوضوء واشتد عليه البرد فلا أرى عليه الوضوء. وأما خروجه المعتاد أن يكون من أحد السبيلين؛ قال ابن قدامة في المغني: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن خروج الغائط من الدبر وخروج البول من ذكر الرجل وقُبُل المرأة، وخروج المذْي وخروج الريح من الدبر. أحداث ينقض كل واحد منها الطهارة ويوجب الوضوءَ. ا. هـ. منه. جـ ١/ ص ١٢٥.
(٣) لما في المدونة ونصه: قلت: فالدود يخرج من الدبر. قال: لا شَيء عليه عند مالك. ا. هـ.
стр. 64
لَازَمَ أكْثَر لَا إنْ شَقَّ (١)، وَفِي اعْتِبَارِ المُلَازَمَةِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ مُطْلَقًا تَرَدُّدٌ. مِن مَخْرَجَيْهِ أوْ ثُقْبَةٍ تَحْتَ المَعِدَةِ إن انْسَدَّا وإِلَّا فقوْلَانِ (٢). وَبسَبَبِهِ وَهُوَ زَوَالُ الْعَقْلِ (٣) وان بِنَوْمٍ ثَقُلَ (٤) وَلَوْ قَصُرَ لَا خَفَّ (٥). ونُدِبَ إنْ طَالَ.
(١) قال في المدونة: قال: وسئل مالك عن الرجل يصيبه المذْي وهو في الصلاة أوفي غير الصلاة فيكثر ذلك عليه، أترى أن يتوضأ؛. قال: قال مالك: أما من كان ذلك منه من طول عزبة، أو تذكر فإني أرى أن يتوضأ، وأما من كان ذلك منه استنكاحًا قد استنكحه من أبردة أو غيرها فكثر ذلك عليه فلا أرى عليه وضوءًا. وإن أيقن أنه خرج منه ذلك، فليكف ذلك بخرقة أو بشيءٍ وليصل ولا يعيد الوضوء. ا. هـ. منه.
(٢) قيد خروج الحدث من المخرجين؛ وهما القبل والدبر، ليكون الخروج معتادًا لأنه الناقض في المذهب، أو كانا منسدين فخرج الحدث من ثقب جعل للحادث تحت معدته، أما إن كان الثقب فوق المعدة كان الخروج منه حائدًا عن طور الاعتياد، فجرى الخلاف في النقض به؛ فمن قال به أناط النقض بالخارج أيًا كان مخرجه، ومن نفى أناط النقض بالخروج المعتاد. فالله تعالى أعلم. والطريق إلى ذلك الاجتهاد فلا نص.
(٣) دليل قول مالك في المدونة ونصه: وقال مالك من أغمي عليه فعليه الوضوء. قال: وقيل لمالك: فالمجنون أعليه الغسل إذا أفاق؛. قال: لا، ولكن عليه الوضوء. قال: قد يتوضأ من هو أيسر شأنًا ممن فقد عقله بجنون أو بإغماء أو بسكر؛ وهو النائم الذي ينام ساجدًا أومضطجعًا لقول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١). وقد قال زيد بن أسلم: إنما تفسير هذه الآية؛ إذا قمتم إلى الصلاة من المضاجع يعني النوم.
(٤) لحديث معاوية عند بلوغ المرام قال: قال رسول الله ﷺ "الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ فَإذا نَامَتْ الْعَيْنَانِ اسْتطْلَقَ الْوِكَاءُ". رواه أحمد والطبراني، وزادَ: "وَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ" وهذه الزيادة في هذا الحديث عند أبي داود من حديث علي دون قوله: "اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ". وفي كلا الإسنادين ضعف. ا. هـ. منه. لفظه.
(٥) لحديث أنس قال: كَانَ أصحاب رسول الله ﷺ ينظرون العشاء الآخرة حتى تخفق =
стр. 65
ولَمْسٌ يَلْتَذُّ صَاحِبُهُ بِهِ عَادَةً وَلَوْ لِظُفُرٍ أوْ شَعَرٍ أوْ حَائِلٍ وأوِّلَ بِالْخَفِيفِ وِبالإِطْلَاقِ إنْ قَصَدَ لذَّةً أوْ وَجَدَهَا (١) لا انْتَفَيَا إلَّا القُبْلَةَ بِفَمٍ (٢) مُطْلَقًا وَإنْ بِكُرْهٍ أو اسْتِغْفَالٍ، لَا لِودَاعٍ أوْ رحْمَةٍ. ولَا لذَّةٌ بِنَظَرٍ كإِنْعاظٍ وَلَذَّةٍ بِمُحْرَمٍ عَلَى الأصَحِّ (٣). وَمَطْلَقُ
= رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضئون. رواه أبو داود.
قال الشوكاني: هذا الحديث أخرجه أيضًا الشافعي في الأم، ومسلم والترمذي من طريق شعبة عن قتادة على عهد رسول الله ﷺ ، ولفظ الترمذي من طريق شعبة: لقد رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يوقظون للصلاة حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطًا، ثم يقومون فيصلون ولا يتوضؤون. قال ابن المبارك: هذا عندنا وهم جلوس. ا. هـ. محل الغرض منه.
(١) دليل نقض اللمس للوضوء ما في المدونة ونصه: وقال مالك في المرأة تمس ذكر الرجل قال: إن كان مسته المرأة لشهوة فعليها الوضوء، وإن كانت مسته لغير شهوة؛ لمرض أو نحوه فلا وضوء عليها. قال: وإذا مست المرأة الرجل للذة فعليها الوضوء، وكذلك الرجل إذا مس المرأة بيده للذة فعليه الوضوء؛ من فوق الثوب كان أو من تحته، فهو بمنزلة واحدة وعليه الوضوء. قال: والمرأة بمنزلة الرجل في هذا. قال: وإن جسها للذة فلم ينعظ فعليه أيضًا الوضوء. ا. هـ.
(٢) لما في المدونة ونصه: مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه كان يقول: الوضوء من قبلة الرجل امرأته ومن جسها بيده. ابن وهب عن مالك، وبلغني أن عبد الله بن مسعود كان يقول: من قبلة الرجل امرأته الوضوء. وعن سعيد بن المسيب وعائشة وابن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن وعبد الله بن يزيد بن هرمز، وزيد بن أسلم ويحيى بن سعيد ومالك والليث بن سعد وعبد العزيز ابن أبي سلمة مثله، علي بن زياد عن سفيان أن ابراهيم النخعي كان يرى في القبلة الوضوء. ا. هـ. منه.
(٣) والدليل على أن اللمس بدون لذة لا ينقصر الوضوء، هوحديث عائشة ﵂ عند النسائي، ولفظه كما في نيل الأوطار قالت: ان كان رسول الله ﷺ ليصلي وإنِّي لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله. قال الشوكاني: الحديث. قال الحافظ في التلخيص: إسناده صحيح، وفيه دليل على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء. ا. هـ. منه. وبالله تعالى التوفيق.
стр. 66
مَسِّ ذَكَرِهِ المُتَّصِلِ (١)، وَلَوْ خُنْثَى مُشْكِلًا، بِبَطْنٍ أَوْ جَنْبٍ لكَفٍّ أَوْ إِصْبَعٍ (٢)، وِإنْ زائدًا أَحَسَّ وَبِرِدَّةٍ (٣)، وبِشَكٍّ في حَدَثٍ بَعْدَ طُهْرٍ عُلِمَ (٤) إِلَّا المُسْتَنْكِحَ (٥)، وَبِشَكٍّ في سَابِقِهِمَا، لا بِمَسِّ دُبُرٍ أوْ أُنْثَيَيْنِ (٦) أَوْ فَرْجِ صَغِيرَةٍ (٧)، وَقَيْءٍ (٨)، وأَكْلِ لَحْمِ جَزُورٍ (٩).
(١) نص المدونة في ذلك: ابن القاسم وعلي بن زياد وابن وهب وابن نافع عن مالك عن عبد الله بن أبىِ بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه سمع عروة بن الزبير يقول: دخلت على مروان بن الحكم فتذاكرنا ما يكون منه الوضوء فقال مروان: ومن مس الذكر الوضوء، قال عروة: ما علمت ذلك. فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِذَا مَسَ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ". قال عروة: ثم أرسل مروان إلى بسرة رسولًا يسألها عن ذلك، فأتاه عنها بمثل الذي قال. وقالوا كلهم عن مالك عن نافع عن ابن عمرأنه كان يقول: إذا مس رجل فرجه فقد وجب عليه الوضوء. ا. هـ. منه.
وحديث بسرة بنت صفوان. ذكر الشوكاني عن البخاري أنه قال: إنه أصح شيءٍ في هذا الباب، وإن الإسماعيلي قال: يلزم البخاري إخراجه، فقد أخرج نظيره، وغاية ما يقدح به فيه أنه حدث به مروان فاستراب بذلك عروة، فأرسل مروان رجلًا من حرسه فعاد إليه بأنها قالت ذلك، والواسطة بين عروة وبسرة، إما مروان وهو مطعون في عدالته أو حارسه وهو مجهول، والجواب عن ذلك أن ابن خزيمة وغير واحد من الأئمة قد جزموا بأن عروة قد سمعه من بسرة، ففي صحيح ابن خزيمة وابن حبان قال عروة: فذهبت إلى بسرة فسألتها فصدقته. ا. هـ. منه. بتصرف قليل، ثم قال بعد ذلك: وذهب إلى ذلك عمر وابنه عبد الله وأبو هريرة وابن عباس وعائشة وسعد بن أبي وقاص وعطاء والزهري وابن المسيب ومجاهد وأبان بن عثمان وسليمان بن يسار والشافعي وأحمد واسحاق ومالك في المشهور عنه وغير هؤلاء. ا. هـ. منه ..
قلت: وحديث طلق بن علي الذي احتج به أبو حنيفة ومن وافقه ولفظه: الرجل يمس ذكره، أعليه وضوء؛. فقال ﷺ : "إنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ". ذكر الشوكاني أن الشيخين لم يحتجا بواحد من رواته، وأنهما احتجا بجميع رواة حديث بسرة، وذكر أيضًا أن الدَّارقُطْنِي أخرج عن طلق ما يناقضه وهو قوله: =
стр. 67
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= " مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ". قال: أخرجه الدار قطني وصححه. ا. هـ. منه وهو يؤيد رواية نسخ حديث طلق. والله الموفق.
(٢) ونص المدونة في ذلك: قلت فإن مسه بباطن الأصابع؛. قال: أرى باطن الأصابع بمنزلة باطن الكف. قال: لأن مالكًا قال لي: باطن الكف فباطن الأصابع بتلك المنزلة. ا. هـ. منه.
(٣) الردة عرفوها بأنها كفر المسلم بصريح القول أو الفعل ولو بالتضمن، وعليه فلا خلاف بين المسلمين أن الكافر نجس، وأنه إن أسلم مأمور بالغسل، فمنهم من حمل الأمر على الوجوب، ومنهم من حمله على الاستحباب، ومن أدلة أمر الكافر بالغسل إذا أسلم حديث أبي هريرة: أن ثمامة بن أثال الحنفي أسلم فقال النبي ﷺ "اذْهَبُوا بِهِ إلَى حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ فَمُرُوهُ أنْ يغْتَسِلَ". رواه أحمد.
قال الشوكاني: الحديث أخرجه أيضًا عبد الرزاق والبيهقي وابن خزيمة وابن حبان، وأصله في افيحين، وليس فيهما الأمر بالاغتسال، وإنما فيهما أنه اغتسل. ا. هـ. منه.
وقد أخرج أيضًا أحمد والترمذي والنسائي وأبو داود حديث قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر. ا. هـ.
وغير خاف أنه نص الكتاب، قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (١). ولا شك أن الوضوء من العمل. والله الموفق:
(٤) نص المدونة في ذلك: وقال مالك فيمن توضأ فشك في الحدث؛ فلا يدري أحدث الضوء أم لا؟. إنه يعيد الوضوء. بمنزلة من شك في صلاته فلا يدري أثلاثًا أم أربعًا، فإنه يلغي الشك.
قلت: هذا الفرع مما صدق عليه قول المُصَنِّف: أَوْ خطإ أصلحوه. لأن القاعدة العظيمة التي هي من أصول الدين، ومن أمهات الفقه التي بني عليها، أن اليقين لا يلغى بالشك، وقد عقدها شيخ مشائخنا في مراقي السعود بقوله:
قد أسس الفقه على رفع الضرر … وأنَّ ما يشق يجلب الوطر
ونفي رفع العلم بالشك … ... ............ الخ =
стр. 68
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ودليل ذلك حديث عباد بن تميم عن عمه قال: شكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: "لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَشُمَّ رِيحًا". قال في منتقى الأخبار: رواه الجماعة إلا الترمذي. وأخرجه البيهقي عن سعيد بن المسيب وعباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد وقال: رواه البخاري في الصحيح عن علي بن المديني وغيره، ورواه مسلم عن عمرو الناقد وغيره، كلهم عن سفيان بن عيينة.
وأخرج البيهقي أيضًا: أخبرنا أبو الحُسين بن بشران ببغداد، ثنا اسماعيل بن محمد الصفار، ثنا سعدان بن نصر، ثنا معاذ بن معاذ عن أشعث عن الحسن أنه قال: إذا شككت في الحدث وأيقنت الوضوءَ فأنت على وضوئك، وإذا شككت في الوضوء وأيقنت الحدث فتوضأ.
وقال الشوكاني في الكلام على حديث عباد بن تميم المتقدم: قال النووي في شرح مسلم: وهذا الحديث أصل من أصول الإِسلام، وقاعدة عظيمة من قواعد الدين، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها، حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها. ا. هـ. بلفظه.
(٥) قال في المدونة: قال مالك: من شك في بعض وضوئه، يعرض له هذا كثيرًا، قال: يمضي ولا شيءَ عليه، وهو بمنزلة الصلاة، إلى أن قال: قلت لابن القاسم: أرأيت من توضأ فايقن بالوضوء، ثم شك بعد ذلك فلم يدر أحدث أم لا؟. وهو شاك في الحدث؛ قال: إن كان ذلك يستنكحه كثيرًا فهو على وضوئه، وإن كان ذلك لا يستنكحه فليعد الوضوءَ. وهو قول مالك. ا. هـ.
منه.
قلت: وقد علمت فيما سبق من الدليل أن الوضوء المتيقن لا ينتقض بالشك من غير المستنكح، وأحرى أن يكون مستنكحًا. والله الموفق.
(٦) المذهب عدم الوضوء من مس الأنثيين؛ لضعف الخبر الوارد في ذلك، قال البيهقي: وروي ذلك عن هشام بن عروة من وجه آخر مدرجًا في الحديث، وهو وهم والصواب أنه من قول عروة، والقياس أن لا وضوء في المس، وإنما اتبعنا السنة في إيجابه بمس الفرج فلا يجب بغيره. ا. هـ. منه. =
стр. 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وأما من جعل الوضوء من مس الدبر، فإنه حمل عليه لفظ الفرج من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "أَيُّمَا رَجُلٍ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا". رواه أحمد والترمذي والبيهقي. وغير خاف أن الفرج لفظ عام، يعم القبل والدبر معًا؛ لأنه غلب إطلاقه على السوأتين، إلا أن الصناعة الفقهية تقتضي -فيما لو ورد لفظ عام وآخر خاص- أن يحمل على تخصيص العام باللفظ الخاص، فإذا تقررذلك فقد ورد حديث بسرة بنت صفوان الأسدية ولفظه في بعض رواياته: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلَا يُصَلِّي حَتى يَتَوَضَّأَ". وفي بعضها "وَيتَوَضَّأْ مَنْ مَسَّ الذَّكَرَ".
فتعين تخصيص حديث عمروبن شعيب به، بحمل الفرج على الذكر. والله تعالى أعلم، ولذلك لا نقض في مس الدبر عندنا. وبالله تعالى التوفيق.
(٧) المدار في المذهب هنا بعدم النقض بلمس فرج الصغير على العادة، فإن العادة لم تجر بلمسه للتلذذ، ولا أن يلتذ بلمسه ولولم يقصد اللذة، وليس في ذلك إلا الاجتهاد، والله الموفق.
(٨) ودليل عدم الوضوء من القيء حديث الموط!: قال يحيى: وسئل مالك: هل من القيء وضوء؛. قال: لا، ولكن ليتمضمض من ذلك وليغسل فاه، وليس عليه وضوء. ا. هـ. وانما لم ينتقض الوضوء به لأنه غير خارج من السبيلين. أنظر الباجي.
(٩) من قال بالوضوء من لحم الإبل استدل بحديث البراء بن عازب ﵁ عند أبي داود، ولفظه: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: "تَوَضَّؤُوا مِنْهَا". وسئل عن لحوم الغنم قال: "لَا تَوَضَّؤُوا مِنْهَا". الحديث. وهو عند مسلم من حديث جابر بن سمرة، وبذلك قال من الأربعة الإمام أحمد بن حنبل. والذي عليه الجمهور عدم الوضوء من لحوم الإبل لأمور:
منها: إنه مذهب الخلفاء الراشدين الأربعة، وقد أوصى رسول الله ﷺ باتباع سنتهم قال: "خُذُوهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ". وبه قال من الصحابة غيرهم: ابن مسعود وأبيّ بن كعب وابن عباس وأبو الدرداء وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو أمامة، وبه قال جماهير التابعين ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأتباعهم. قالوا: المراد بالوضوء في الحديث الوضوء اللغوي لا الشرعي؛ لأن في لحوم الإبل دسومة لاتوجد في لحوم غيرها. =
стр. 70
وَذَبْح وحِجَامَةٍ وَفَصْدٍ (١) وقَهْقَهَةٍ بِصَلَاةٍ (٢) ومسِّ امرأة فرجها، وأُوِّلَتْ أَيْضًا بِعَدَمِ الإِلطافِ (٣).
= قال الخطابي: تأول عامة الفقهاء الوضوء على الوضوء الذي هو النظافة ونقي الدسومة؛ ومعلوم أن في لحوم الإِبل من الحرارة وشدة الزهومة ما ليس في لحوم الغنم كما روي: "تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ فَإنَّ لَهُ دَسَمًا"، فكان معنى الوضوء منصرفًا إلى غسل اليد لوجود سببه، دون الوضوء الذي هو من أجل رفع الحدث لعدم سببه. ا. هـ.
ومنها: ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه؛ إنه كان آخر الأمرين عن رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار، ومعلوم أن لحم الإِبل، على فرض الأمر بالوضوء الشرعي من أكله، هو أحد أفراد ما مسته النار، فقد نسخ الوضوء من جميع ما مسته النار، فلزم بذلك عدم الوضوء من أكل لحوم الابل. وبالله تعالى التوفيق. أنظر المبحث النفيس في شرح أبي دواد لمحمود محمد خطاب السبكي.
(١) قال في المدونة: قال ابن وهب، وقال ابن عباس وابن عمروالحسن في الحجامة: يغسل مواضع المحاجم فقط. ابن وهب: وقال يحيى بن سعيد في العِرق يقطع والحجامة مثله. ا. هـ. منه.
(٢) ذهب أبو حنيفة إلى نقض الوضوء بالقهقهة في الصلاة، والجمهور على أنها لا تنقض الوضوء في الصلاة، ولنا أن ما لا ينقض الطهارة خارج الصلاة لا ينقضها داخلها؛ كالكلام والقذف. وفي البيهقي عن جابر بن عبد الله سئل عن الرجل يضحك في الصلاة قال: يعيد الصلاة ولا يعيد الوضوء. ا. هـ. منه. وإلته الموفق.
(٣) قال الباجي في المنتقى ما نصه: اختلفت الرِّواية في إيجاب الوضوء بمس المرأة فرجها؛ فروى ابن القاسم وأشهب عن مالك: لا وضوء عليها. وروى علي بن زياد: عليها الوضوء. وروى اسماعيل بن أبي أويس: عليها الوضوء إذا ألطفت أو قبضت عليه، واختلف أصحابنا في تأويل هذه الروايات. الخ.
قلت: والعجب من اختلاف هذه الروايات، والتعب في تأويلها، في الوقت الذي نجد فيه نصًا يجب الرجوع إليه، ثابتًا عمن لا يسع المسلم إلا اتباعه؛ وهوحديث عمروبن شعيب عن أبيه عن جده وفيه: "وأيَّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ". رواه أحمد والبيهقي والترمذي. وقال في العلل عن البخاري: وهذا عندي صحيح. وفي إسناده بقية ابن الوليد، ولكنه قال. حدثني محمد بن الوليد الزبيدي حدثني عمرو بن شعب. انظر نيل الأوطار. وبالله تعالى التوفيق.
стр. 71
وَنُدِبَ غَسْل فَمٍ مِنْ لَحْمٍ وَلَبَنِ (١)، وتَجْدِيدُ وُضوء إِنْ صُلِّيَ بِه (٢)، ولو شَكَّ في صلَاتِه ثُمَّ بَانَ الطُّهْر لَمْ يُعِدْ (٣). وَمَنَعَ حَدَثٌ صَلَاةً وطَوَافًا وَمَسَّ مُصْحَفٍ (٤) وإن بِقَضِيبٍ، وَحَمْلُهُ وَإِنْ بِعِلَاقَةٍ أَوْ وِسَادَةٍ، إلَّا لِأمْتِعَةٍ قُصِدَتْ، وَإنْ عَلَى كَافِرٍ لَادِرْهَمٍ وتَفْسِيرٍ وَلَوْحٍ لِمُعَلِّمْ وَمُتَعَلِّمٍ وَإِنْ حَائضًا، وَجُزْءٍ لمُتَعَلِّمٍ (٥) وَإِنْ بَلَغَ، وَحِرْزٍ بِسَاتِرٍ وَإِنْ لِحَائضٍ (٦).
(١) دليله: ما أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس أن رسول اللهُ ﷺ شرب لبنًا فدعا بماء فتمضمض ثم قال: "إنَّ لَهُ دَسَمًا". ا. هـ. ودل على أن هذا الفعل للفضيلة، حديث أنس عند أبي داود أيضًا أن رسول اللهُ ﷺ شرب لبنًا فلم يتمضمض ولم يتوضأ وصلى. ا. هـ. ودليل المضمضة من اللحم حديث الموطإ: وحدثني عن مالك عن ضمرة بن سعيد المازني عن أبان بن عثمان أن عثمان بن عفان أكل خبزًا ولحمًا، ثم تمضمض وغسل يديه ومسح بهما وجهه، ثم صلى ولم يتوضأ. ا. هـ.
(٢) دليله حديث أنس ﵁ عند أبي داود قال: كان النبي ﷺ يتوضأ لكل صلاة، وكنا نصلي الصلوات بوضوء واحد، وهذا الحديث أخرجه البخاري والنسائي والبيهقي وابن ماجه والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. وهو دليل على أنه يستحب الوضوء لكل صلاة، بدليل أنه ﷺ عنه الجمع بين صلاتين فأكثر بوضوء واحد؛ ألا ترى إلى حديث البخاري الذي يرويه من حديث سويد بن النعمان ﵁، ولفظه: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام خيبر، حتى إذا كنا بالصهباء صلى لنارسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاة العصر، فلما صلى دعا بالأطعمة فلم يؤت إلا بالسويق، فأكلنا وشربنا ثم قام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المغرب، فمضمض ثم صلى لنا المغرب ولم يتوضأ.
(٣) قد تقدم في هذا التعليق أن الشك في الحدث بعد تيقن الطهارة لا يرفعها، وأن الواجب استصحاب الحال، سواءٌ شك في حدثه قبل الصلاة أو في الصلاة، وسبحان من يستحيل عليه الخطا. وصدق الله العظيم: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١). =
стр. 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (٤) أما منع الحدث للصلاة؛ فلحديث مصعب بن سعد، وحديث أبي هريرة كلاهما عند ابن خزيمة، لفظ الأول: "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ". ولفظ الثاني"لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ إِلَّا بِطُهُورٍ وَلَا صَدَقَة مِنْ غلُولٍ".
وأما الطواف فاشتراط الطهارة له لحديث عائشة، حين حاضت بسرف، فقال لها النبي ﷺ "اسْتَذْفِرِي وَافْعَلِي كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الطَّوَافَ" أو كما قال ﷺ . ودعاؤه ﷺ ليلة نزوله من منى صفية بنت حُيَي ﵂ فقيل: إنها حائض. فقال"حَلْقَى عَقْرَى أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ ". قالت عائشة: إنها أفاضت مع الناس يوم طواف الإِفاضة. قال: "لَا إِذًا". يدل أيضًا على أن عدم الطهارة مانع للطواف. والله الموفق.
وأما منع الحدث لمس المصحف ولو بقضيب؛ فإن دليل ذلك قوله تعالى ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). الآية، فإن قوله تعالى. ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
يجعل الضمير في يَمَسهُ ظاهرًا في القرآن، لا يجوز صرفه عنه إلى اللوح المحفوظ إلا لدليل صريح صحيح ولا دليل كذلك، فتعين حمله عليه، وعلى ذلك الجمهور. وأيضًا فقد روى الدَّارقُطْنِي عن سليمان بن موسى قال: سمعت سالمًا يحدث عن أبيه فقال: قال رسول اللّه ﷺ : "لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ". وأخرج أيضًا عن حسان بن بلال عن حكيم بن حزام أن النبي ﷺ قال: "لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا وَأَنْتَ عَلَى طُهْرٍ". ا. هـ. والله الموفق. أنظر المبحث النفيس في المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود للشيخ محمود محمد خطاب السبكي.
(٥) أما ما استثناه من جواز اللوح والجزء للمعلم والمتعلم والحائض المتعلمة دون الجنب؛ فإنما هو للقاعدة الشرعية العظيمة: [المشقة تجلب التيسير] ودليلها القرآن كما تقدم: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٢). وإنما جاز للحائض دون الجنب لتعذر الغسل عليها دونه، ولأنها ربما يطول عليها الدم فتنسى ما حصلت من القرآن. والله تعالى أعلم.
(٦) نقل الشيخ محمود محمد خطاب السبكي في شرح أبي داود ما نصه: ونقل ابن جرير الطبري =
стр. 73
فصل
يجب غَسْلُ ظَاهِرِ الْجَسَدِ بِمَنِيٍّ (١) وَإِنْ بِنَوْمٍ (٢) أَوْ بَعْدَ ذَهَابِ لَذَّةٍ بِلَا جِمَاعٍ (٣) ولَمْ يَغْتَسِلْ. لَا بِلَا لَذَّةٍ. أوْ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ (٤) وَيَتَوضَّأْ كَمَنْ جَامَعَ فاغْتَسَلَ ثُمَّ أمْنىَ (٥) وَلَا يُعِيدُ الصَّلَاة، وَبِمَغِيبِ حَشَفَةِ بَالِغٍ لَا مُرَاهِقٍ أوْ قَدْرِهَا فِىِ فَرْجٍ (٦) وَإِنْ مِن بَهِيمَةٍ وَمَيْتٍ (٧)، ونُدِبَ لِمُرَاهِقٍ كَصَغِيرَةٍ وَطِئها بَالِغٌ (٨). لَا بِمَنِيٍّ وَصَلَ لِلْفَرْجِ وَلو التَذَّتْ (٩).
= عن مالك قال مالك: لا بأس بما يعلق على النساء الحيض والصبيان من القرآن إذا جعل في كن كقصبة حديد أو جلد يخرز عليه، قال: وقد يستدل للإباحة بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم من الفزع كلمات: "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ أَنْ يَحْضُرُونَ"، قال: وكان عبد الله عمرو يعلمهن من عقل من بنيه، ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه. رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. ا. هـ.
(١) لحديث أبي سعيد الخدري عند الجيهقي أن رسول الله ﷺ قال: "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ". رواه مسلم في الصحيح عن هارون بن سعيد عن ابن وهب. ا. هـ.
ولحديث حصين بن قبيصة الفزاري عن عليٍّ ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن المذي فقال: "إِذَا رَأَيْتَ الْمذِيَّ فَتوَضَّأ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ وَإِذَا رَأَيْتَ نَضْحَ الْمَاءِ فَاغْتَسِلْ"، رواه البيهقي. وأخرج أيضًا عن عليِّ ﵁ قال: كنت رجلًا مذَّاءً، فلما رأى رسول الله الماء قد آذاني قال: "إنَّمَا الْغُسْلُ مِن الْمَاءِ. الدَّافِقِ". ا. هـ.
(٢) لما أخرجه البيهقي من حديث عائشة ﵂ قالت: سئل رسول اله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الرجل يرى في المنام البلل ولا يذكر احتلامًا، قال: "يَغْتَسِلُ، وَإِنْ رَأَى أَنَّهُ احْتَلَمَ وَلَمْ يَرَ بَلَلًا فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ". ا. هـ.
ولحديث أنس ﵁ عند بلوغ المرام، قال: قال رسول الله ﷺ في المرأة ترى في منامها ما يراه الرجل قال: "تَغْتَسِلُ" متفق عليه. زاد مسلم: فقالت أم سلمة: وهل يكون هذا؟ قال: =
стр. 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= " نَعَمْ، فَمنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟.".
(٣) لحديث هشام بن عروة عن أبيه عن زيد بن الصَّلْت أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب إلى الجرف، فنظر فإذا هو قد احتلم وصلى ولم يغتسل، فقال: والله ما أراني إلا قد احتلمت وما شعرت، وصليت وما اغتسلت. فاغتسل وغسل ما رأى في ثوبه من الاحتلام ونضح ما لم ير، وأذن وأقام ثم صلَّى بعد ارتفاع الضحى متمكنًا. ا. هـ. البيهقي. وأخرج البيهقي أيضًا عن سليمان بن يسار أن عمر بن الخطاب صلى الصبح بالناس، ثم غدا إلى أرضه بالجرف فوجد في ثوبه احتلامًا فقال: إنا لما أصبنا الودك لانت العروق. فاغتسل وغسل ما رأى في ثوبه من الاحتلام وأعاد الصلاة. ا. هـ. وهما في الموطإ.
قلت: وفي غسله لما رأى من الاحتلام في ثوبه دليل لمن يقول إن المني نجس وهو مذهبنا، وبالله تعالى التوفيق.
(٤) قال ابن قدامة في المغني: فإن خرج شبيه المنيِّ لمرض أو برد لا عن شهوة فلا غسل فيه. وهذا قول أبي حنيفة ومالك. وقال الشافعي: يجب به الغسل ويحتمله كلام الخرقي. ا. هـ. منه.
وفي منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأبرار ما نصه: ولأحمد فقال: "إِذَا حَذَفْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَإذَا لَمْ تَكنْ حَاذِفًا فَلَا تَغْتَسِلْ". قال الشوكاني في الكلام على هذا الحديث بعد ما أنهى الكلام على صنده، ما نصه: قوله: حذفت، يروى بالحاء المهملة والخاء المعجمة بعدها ذال معجمة مفتوحة ثم فاء وهو الرمي، وهولا يكون بهذه الصفة إلا لشهوة، ولهذا قال المُصَنِّف: وفيه تنبيه على أن ما يخرج لغير شهوة إما لمرض أو لبرد لا يوجب الغسل.
قلت: ومذهب الشافعي هنا أجرى على الدليل؛ حيث إن الشارع ﷺ جعل مناط الغسل خروج الماء ولم يقيد بشيء، فتقييده هنا بخروجه بلذة معتادة يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه، وليس بالإمكان تقييده بمفهوم قوله في حديث أحمد المتقدم: "فَإذَا لَمْ تَكُنْ حَاذِفًا فَلَا تَغْتَسِلْ" لأن الدلالة فيها لم تبلغ درجة مفهوم المخالفة، نعم في قوله ﷺ "إذَا حَذَفْتَ المَاءَ فَاغْتَسِلْ مِنَ الْجَنَابَةِ" مفهوم صفة، غير أن المذهب عندنا عدم التخصيص والتقييد به، ألا ترى إلى لزوم زكاة المعلوفة عندنا أخذًا.
стр. 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= من قوله ﷺ في الغنم مثلًا: "فِي كُلِّ أرْبَعِينَ شَاةٌ شَاةٌ" فقد قيدها من لا يرى الزكاة في المعلوفة بقوله ﷺ : "فِي الغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاة" وامتنع الإمام مالك عن تخصيص العموم في قوله"فِي كُلِّ أَرْبَعِين شَاةً شَاةً" بمفهوم المخالفة في قوله: "فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زكَاةٌ" لأن المنطوق لا يخصص عنده بالمخالفة، وهكذا يلزم هنا جريًا على أصول الإمام مالك أن لا يخصص قوله ﷺ : "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" بمفهوم مخالفة "إِذَا حَذَفْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ مِنَ الْجَنَابَةِ". فقد أناط النبي ﷺ وجوب الغسل برؤية الماء بقوله "نَعَمْ، إذَا رَأَتِ الْمَاءَ" لذلك يجب الغسل بخروج المني على كل حال. والله تعالى أعلم. وهو ولي التوفيق.
(٥) ذكر ابن قدامة في المغني: قال أحمد ﵀ في الرجل يجامع ولم ينزل فيغتسل ثم يخرج منه المني: عليه الغسل. لكنه ذكر بعد ذلك أن الرِّواية المشهورة عن أحمد أنه لا غسل عليه، قال الخلال: تواترت الروايات عن أبي عبد الله أنه ليس عليه إلا الوضوء. ا. هـ. منه. ويؤيد ما درج عليه المُصَنِّف عندنا ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه وابن أبي شيبة من طريق الأوزاعي عن الزهري في المرأة والرجل يخرج منهما الشيء بعدما يغتسلان، قال: يغسلان فرجيهما ويتوضآن. ا. هـ.
قلت: والذي هو أجرى على الدليل أنه إن جامع فأكسل فاغتسل ثم أمنى بعد ذلك، أنه يغتسل مرة أخرى لاختلاف سببي الغسل هنا، لأن الغسل الأول كان بسبب الإيلاج، والغسل الثاني بسبب خروج المني، وكل منهما سبب مستقل أناط به الشارع وجوب الغسل. والله أعلم وهو الموفق.
(٦) اتفق جميع الفقهاء على وجوب الغسل بمغيب الحشفة من البالغ في الفرج إلَّا ما روي عن داود بن علي من التعلق بحديث: "الْمَاءُ مِن الْمَاءَ" الذي كان رخصة رخص فيها رسول الله ﷺ ثم أمر بالغسل، قال سهل بن سعد: حدثني أبي بن كعب أن: "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءَ" كان رخصة أرخص فيها رسول الله ﷺ ثم نهى عنها، متفق عليه، ودليل ما ذهب إليه عامة فقهاء الأمصار من الخلفاء الراشدين فمن بعدهم؛ هو ما أخرجه الشيخان والموطأ عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلَّا من الماء الدافق، أو من الماء. وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل. فقال أبو موسى: أنا أشفيكم من ذلك. فقمت فاستأذنت على عائشة، فقلت: يا أماه أويا أم المؤمنين، إنِّي أريد أن أسألك عن شيء وأنا =