اتخذوا أرقامًا وحروفًا وكواكب أربابًا من دون الله، فضَلُّوا وأَضَلُّوا.
وخلاصة القول أن كتابة الأوفاق بالحروف أو بالأرقام التي تناسبها، بقصد التأثير بها على شخص بعينه، والاعتقاد بتأثيرها، إنما هو ضرب من ضروب السحر الحقيقي، وبخاصة إذا عرفت أنهم يزيدون حولها توكيلاً لجانّ أو لملك قاهر، يدّعون أنهم خُدّام لهذه الحروف ولتلك الأعداد!!
٢- الطوالق (١) السليمانية؛ إن كثيرًا من الحروز والأحجبة الشركية تحفل بذكر هذه الطوالق،: والمقصود بهم، اثنا عشر رجلاً من رجال الجن، يزعم المعتقدون بهم أنهم ممن دخل على سيِّدنا سليمانَ رسولِ الله ﵇، وقد سيطر بهم - بزعم هؤلاء - على جميع قبائل الجن، ويقصّون في ذلك عجبًا من أن كل طَوْلق من هؤلاء لما دخل حاوره سليمان النبيُّ ﵇ طالبًا اسمه وفِعاله ومسكنه، فأعلمه ذلك الجنيُّ بعظيم قدرته على التأثير بأبناء آدم، فاستفسر النبيُّ سليمان ﵇ عن دواء ذلك، فدلّه الطولق على أمور منها: أدوية يدهن بها، وأحجبة تعلق على الصدور، وتعاويذ حوت طلسمات واستغاثات شركية، كتبت مجاورة لآيات قرآنية وأدعية نبوية!! مع معرفة هؤلاء الطوالق الاثني عشر بطالع الشخص (٢) الذي لهم سيطرة عليه، فمنهم - مثلاً - الطولق صفصف بن مروان الذي يؤثر بمن كان طالعه الأسد والشمس، ودقعش ذاك الذي يؤثر بمن طالعه السنبلة وعطارد، هكذا وكأن هؤلاء الطوالق موكلين بخلق الله، ولا نجاة لهذا الخلق إلا بتعلم ما تعلمه سليمان ﵇ بزعمهم - من هؤلاء، فاعجبْ لمن يصنع حجابًا حوى مثل ذلك، وازدد في العجب لمن يقصده أو يصدقه أو يعلق ذلك
стр. 142
الحجاب. وللمعرفة وحسب سأسرد أسماء هذه الطوالق المزعومة، علمًا أن كتبًا كاملة ألفت في شرح هذه القصة الخرافة المدسوسة على تأريخ بني إسرائيل، ومن ثم نُحِلت زورًا وبهتانًا على نبي الله سليمان ﵇. ثم إن أصحاب هذه الكتب يَدْعون - بكل صفاقةٍ - أمَّةَ خاتم النبيِّين ﷺ لتعتقد بها وتدعَ ما سواها!!
أما الطوالق فهم بالترتيب الذي دخلوا فيه على سليمان ﵇ كما زعموا - كالآتي:
١- زوبعة. ٢- ميمون. ٣- جابر بن مروان. ٤- ميمون بن زكية. ٥- صفصف بن مروان (ويبدو أنه أخ شقيق لجابر!) . ٦- دقعش. ٧- زوبعة ابن مروان. (كذلك هو أخ لمن سبقاه على ما يظهر!) . ٨- سهورا. ٩- أبو البِشْر. ١٠- مكيل. ١١- منذر. ١٢- شمت.
أخي القارئ؛ لا ريب أنك قد استشفّيت مما سبق أن كتبة الحروز والأحجبة المحتوية لاستغاثات شركية بهؤلاء الطوالق، مع الاعتقاد بروحانية ما دلوا عليه من طوالع الكواكب، قد عملوا سحرًا حقيقيًا، حيث تتوكل شياطين الجن بإعمال ذلك وإيقاعه، أعاذنا الله والمسلمين من شر ذلك.
٣- الدوائر الشركية: وهي مما تحويه عامّةُ الأحجبة (السحرية) أيضًا؛ وتلك الدوائر منها ما يسمونه الدائرة العظمى، وهي دائرة كتب عند محيطها آية الكرسي إلا أنهم حذفوا من أولها اسم الله تعالى، وادعوا أن ذلك - أي آية الكرسي من غير ذكر اسم الله في أولها - هي الاسم الأعظم!!، ومنها ما قُطّع مساحات كتب في وسطها آية قرآنية ومن حولها حروف كتبت بلغات غير عربية، مما يحوي شركًا غالبًا، ومنها دائرة جعل في وسطها اسمُ حامل الحجاب، ومن حولها أشكال يزعم هؤلاء أنها كانت منقوشة على خاتم نبيِّ الله سليمان ﵇، وهي أشكال أو خواتم سبعة، سيأتي رسمها قريبًا،
стр. 143
والحاصل أن تلك الدوائر مما يكاد لا يحصى محتواه (١) ، لذا فإن كل حجاب حوى دوائر فيها حروفًا وأعدادًا، وآيات قرآنية - وبخاصة آية الكرسي - قد كتبت معكوسة أو مزجت كلماتها بما هو من غيرها أو أدغمت فيها أسماء لله تعالى بأسماء لا يُعلَم معناها، أو حوت أشكالاً لا يُدرك المراد منها كنجوم وخطوط، فإن ذلك جميعه علامات دالة على أن هذا الحجاب شركي، قصد به أذى حامله، واسترضاء كاتبه لشيطانه، بإشاعته الشرك بين العباد، وصرفهم عن الاستغاثة برب العباد.
٤- الأشكال السبعة (٢) ، ولا يكاد يخلو حجاب أو أي عمل سحري منها وهي المسماة عندهم - الخواتم السبعة، أو الأحرف السبعة يجعلونها في أوفاق أو دوائر، وهي حروف ذكر أن عليًا ﵁ وجدها على صخرة منقوشة فأخبر أنها اسم الله الأعظم، وفسّرها بهذه الأبيات - وهي قصيدة أبياتها ستون - جاء فيها:
ثلاثُ عِصِيٍّ صُفِّفَتْ بعد خاتِم ...
على رأسها مثلَ السِّنان المقوَّم
وميمٌ طميسٌ أبترُ، ثم سُلَّمٌ ...
إلى كل مأمول وليس بسُلّم
وأربعةٌ شِبْه الأنامل صُفِّفت ...
تشير إلى الخيرات من غير معصَمِ
стр. 144
وهاءٌ شقيقٌ ثم واوٌ مقوّسٌ ...
كأنبوب حجّامٍ وليس بمِحْجَم
فهذا هو الاسم المعظّم قدرُه ...
فإن كنت لم تعلمه من قبل فاعلمِ
وقد رسمها أهلها هكذا:.... ........ فإذا ما رأيتَها في حجاب أو نُقِشت على أسورةٍ، أو كانت في وَفْقٍ أو دائرة أو مثلث، فاعلم - رحمك الله - أن هذا من عمل السحرة، ذلك أن هذه الأشكال لا يُدرى معناها يقينًا، وقد تكون عزيمة شركية أو توكيلاً شيطانيًا، أو طلسمات شركية تكتب في الأحجبة السحرية، فالحِذْر الحِذْر من اعتقاد كونها اسم الله الأعظم، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
٥- الطِّلَّسْمات ؛ وهي كذلك من أشهر ما تحويه الأحجبة، ويكاد لا يخلو حجاب منها، وهي - كما سبق - خطوط مجهولة المعاني، وكلام معجم لا يُدرى تفسيره [وقيل معنى الطلسم: عَقْد لا ينحلّ، وقيل: هو مقلوب اسمه، أي: مسلط، لأنه من جواهر القهر والتسلط] (١) ، والذي يعنينا من ذكر الطلسم هنا أن تلك المصنفات المشبوهة قد حوت فيما حوته على رسوم لطلاسم، ترسمها، وتحث على كتابتها، لأعمال هي غاية في الضرر، ثم يدعي مصنفوها بعد ذلك أنهم إنما دلوا على ذلك من أجل أن يكتب هذا الحجاب لمُستحِقِّه، وينزِّهون أنفسهم عن قصد الظلم ويَدْعون الله - بعد تعليمها والحث على كتابتها - أن يرزقهم النجاح والفلاح!! والحاصل أن هذه الخطوط ليس مستحيلاً فك قراءتها، حيث إنها تكتب بحروف أقلام تسمى روحانية (٢) ،
стр. 145
تكون معروفة عند أهلها؛ فهي طلاسم لمن لا يعرف هذه الأقلام وهي حروف لها أشكال محددة، تقابل الحروف العربية؛ يتألف منها كلام يقرؤه أهله كما يقرأ أحدنا حروف لغة يعرفها، وكلما ازداد الساحر معرفة برموز الأقلام الروحانية كان عندها أقدر على كتابة أعمال سحرية مطلسمة، كما أنه يكون متمرسًا في فك عبارات تلك الطلسمات.
٦- ما يدّعون أنه الاسم الأعظم: تحوي بعض الحروز على ألفاظ أو أشكال رمزية ادعى أهل الأسرار المخفية أنها اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، ثم هم قد اختلفوا في تحديده على ثلاثة مدَّعَيَات، وذلك تبعًا لطرائقهم العجيبة في استخراجه، وخلاصة ذلك عندهم أن الاسم الأعظم قد يكون هو: أَهَمْ كَسَقْ حَلَعْ يَصْ!!! (١) أو أَهْيَا شَرَاهْيَا أَدُونَايْ أَصْبَاوُتْ آلْ شْدَايْ!! أو هو المرموز إليه بالأشكال السبعة السابقة (٢) . ولنر ما تأويل هذه الألفاظ المشكلة عندهم:
- أما (أهم كسق حلعْ يص) فهي أحد عشر حرفًا؛ فالألف منها ترمز لاسم الله، والهاء: لاسم الهادي، والميم: لاسم المالك، والكاف: لاسم الكافي، والسين: لاسم السلام، والقاف: لاسم القهار، والحاء: لاسم الحليم، واللام: لاسم اللطيف، والعين: لاسم العليم، والياء: لاسم [يمين
стр. 146
اليمين] (١) ، والصاد: لاسم الصمد.
- وأما: أهيا شراهيا أدوناي أصباوت آل شداي، فهي ألفاظ بالعبرانية، أبقوها كذلك لئلا يعرفها أحد!! وقيل معناها: يا قديم يا دائم يا أحد يا واحد يا صمد. لكنهم فيما يكتبون من دوائر في أحجبتهم يُصِرُّون على إثباتها بالعبرانية، ثم هم يُتبِعونها بلفظ استحضار الجن وتسخيرهم بقولهم: الوَحَا الوَحَا، العَجَل العَجَل، الساعةَ الساعة.
كما يكتبون حولها آيات قرآنية، متبعةً بنص استحضارٍ واضح لخُدّام الأسماء الحسنى، وإقسام عليهم بالإجابة، فهل يكون بعد الاستعانة الصريحة بالجن مكان للطلب باسم الله الأعظم!! (٢)
- وأما الرموز في الأشكال السبعة - وقد سبق رسم لها - التي يزعم زاعمهم أنها نقشت على خاتم سليمان ﵇، بل هي منقوشة عند باب الكعبة (٣) ، والواقع يكذب زعمهم، وشرح هذه الأشكال عندهم: [أن الله تعالى يقول: أنا الله الواحد الأحد الملك الحي، أنا الله يسبح لي الظلال والفي، أنا الله الصانع لا يدركني الفي، أنا الله الذي ليس كمثله شي، أنا السميع البصير خالق كل حي] (٤) .
ولنا هنا أسئلة بدهية متعلقة بتفسيرهم لهذه الأشكال؛ من ذلك: كيف استدل هؤلاء من هذه الأشكال على هذه العبارات؟! وما الفرق بين الظلال والفي؟ أليس من الأَوْلى أن تكون: الحَرور والفي؟ ثم ما معنى: لا يدركني الفي، وصفةُ مَنْ هذه؟! وكيف يكون الخلق للأحياء، ماداموا أحياءً؟! - والخلق كما تقرر هو إيجادٌ
стр. 147
من عدم - ثم هل إن الخلق مقتصر على الحياة، أم أن الله تعالى خالق كل شيء؟! خلق الموت والحياة، والجماد والنبات، والأرض بما فيها والسموات بما فيها، والكرسي والعرش. [الزّخرُف] ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ *﴾ .
هذا، وقد وردت تفسيرات لهذه الأشكال لا إسناد لها يعتد به، فهي ضروب من التخرص في تأويل ذلك، ومنها أن الخاتم ذا الأركان خمسة، يشير إلى التطواف بأركان الملكوت. وأن الألِفات الثلاثة ترمز إلى الجمع لمعنى الشفع والوتر، والألف الممدود فوقها دل على كمال القهر والغلبة، والألفات الأربع لكل ذي قوائم أربع، والميم المنطمسة دلت على انطماسها بمداد العُبَّاد والعلماء والزُّهاد، والسُّلَّم يعني معراج السموات السبع الطباق، والهاء المقوسة تدل على إحاطة العلم والأمر. وثمة تأويلات أخرى نضرب صفحًا عن ذكرها، ولا ندخل في اختلافات أهلها بها فقد صرح كبيرهم البوني في منبع أصول الحكمة بما نصه (١) : وأما الأحرف السبعة التي هي.............. فاختلف الحكماء في معانيها على أقوال كثيرة، والحق أنها من غوامض الأسرار التي لا ينبغي التصريح بها حتى يكشفه الله تعالى للطالب إلهامًا أو منامًا!! فلينتظر منتظرهم كشفًا أعظم بإلهام أو بمنام، ونحن ننتظر رحمة الله باتباع رسوله خير الأنام ﷺ .
أخي القارئ، أكتفي بهذه النماذج التي هي أُمَّات ما قد تجده في كثير من الأحجبة، وأضرب صفحًا بعدها عن تفصيل لما يسمى حروزًا وختومًا تعددت عند أهلها؛ منها ما تعلق بالأسماء الحسنى فجعلوا لكل اسم حرزًا حوى وفقًا بحروفه وأعداده وقد توكل به - بزعمهم - مَلَك عُلْوي وملك سُفْلي، ومن حمل هذا الوفق استُحسِن له القيام برياضات روحية مضنية من صيام وخلوة وتكرار قول الاسم مئات المرات في أوقات عينوها له، ما أنزل الله بذلك من سلطان، كما جعلوا حروزًا مختصة بالنبيِّ ﷺ ، وبأم المؤمنين خديجة ﵂،
стр. 148
وآخر مختص بفاطمة الزهراء ﵂، وكذلك فإن لديهم لكلٍّ من الأئمة الاثني عشر (١) حجابًا مختصًا به، وعُوَذًا وهياكل سبعة، مما لا يتسع المقام لذكره، وقد لا يمكن حصره (٢) .
المبحث الثاني: في التحذير من مصنفات حوت هذه العلوم:
ولنشرع بعدها في ذكر بعض المصنفات المسماة روحانية، ولسان حالها ناطق بأنها إنما جعلت من أجل تعليم ممارسة السحر بطرق متنوعة، ونحن نذكر تلك المصنفات كيما يحذر القارئ من اقتنائها مغترًا بزخرف جمال مظهرها المخالف لقبح مخبرها، ومن هذه الكتب:
١- شمس المعارف ولطائف العوارف، المشتهر بشمس المعارف الكبرى، لمؤلفه أحمد بن علي البُوْني، وهو من أكثر الكتب المتعلقة بطريق التنجيم، بل والأمرِ بعمله - لكن لمستحقه بزعمه -، فهو يحدد ساعات فلكيةً تصلح لأعمال الشر، ويُصرِّح فيه بمُعتقَده بتقديس الكواكب السبع السيارة، ومن قوله في ذلك: (وقوى هذه السبع الدراري مأخوذة من قوى التقطعيات الباطنة، وهي: لا إله إلا الله؛ فهذه مستمدة من هذه العلويات الأقدسيات) (٣) . كما حوى الكتاب أوفاقًا، وقرر أن لها تأثيرًا عظيمًا في كل ما يريده كاتبها، وهو يفعل بها ما يشاء، ووضع شروطًا لصحة كتابة كل وفق
стр. 149
منها، وحاصل ذلك أن تكون الأعمال مرتبة في أوقات محددة موافقة لسعود الكواكب أو نحوسها، وادعى فيه معرفته بالأسماء التي كان عيسى ﵇ يحيي بها الموتى بإذن الله! كما ادعى فيه معرفة الاسم الأعظم وجعل أوفاقًا لكلٍّ من الأسماء الحسنى، وأوفاقًا للحروف من فواتح السور، وأوفاقًا تعمل لما يخطر ببالك وما لا يخطر من قضاء حاجات، حتى استنطاق ما في القلوب، وحَجْب الأبصار، وعَقْد الألسنة، ورؤية الأرواح من غير حجاب! وأعمالاً لتفريق المجتمعين، ولتهييج المحبة (التِّوَلة) ، وهذه مما اتُّفِق على كونه من أعمال السحر، كما حوى ذكر أعمال السحر الخاصة بحقائق الموجودات، والعقاقير والتدخينات، وغير ذلك الكثير مما يُنبي عن مَشْرب صاحب الكتاب في تعليم السحر وإيهام القارئ بالقدرة غير المتناهية للأعمال السحرية من استحضار الجن والملائكة والطلب منهم، فينصرف بعدها عن الطلب من الله تعالى، ويفني عمره في تعلم رياضات السحر، وأعماله.
هذا، وإن خطر الكتاب لجسيم، لكونه من أكثر الكتب رواجًا في هذا الباب، ولأن كاتبه يدس في ثنايا كتابه السُّمَّ في الدَّسَم، فبينا يتقبل القارئ مبدأ فضل الأسماء الحسنى ووجوب دعاء الله بها، إذا به يجعل لها أوفاقًا حرفية وعددية، ويصاحب كتابتَها تقربٌّ إلى الكواكب السبع بكتابتها في طالعٍ سعيد، مع استدعاء خادم كل اسم من الملائكة بزعمه، فهيطال مثلاً خادم اسمه تعالى (الحي) (١) ، وتفصيل الأمر فيما حواه هذا المصنف لا يحسن في هذا المقام، لكنِ القصدُ التحذير منه وعدم الاغترار بثناء كثير من الناس عليه، وقد كان أول من أثنى عليه - بما هو ليس أهله - صاحبُه، حيث قال في ختام كتابه ما نصه: [واعلم أن كتابي هذا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ... فإن كنت تنكره أو تلقيه فللبيت رب يحميه، ... فيا حسرتا على من كان في نهار غفلته مفرطًا، وعن رفقته ذوي المعارف مثبَّطًا، لقد بان
стр. 150
خسرانه عند إرباح العالمين ونُسِخ اسمه من لوح المقربين ... ] . انظر - رحمني الله وإياك - هل بعد هذه العبارات من تجرؤ على دين الله؟! فكتاب البوني موصوف عنده بوصف القرآن العظيم، ومعظَّم لديه تعظيمَ بيت الله العتيق، ومن لا يقرّ بذلك يتولى البوني الحكم عليه بنفسه يوم الدين بالخسران المبين، ونسخ اسمه من لوح الأبرار في علّيين!!! كما وطرده من ملأ المقربين!!
٢- منبع أصول الحكمة، للبوني نفسه، وهو مختصر مشابه في كثير من محتواه لسابقه، لكن البونيَّ ضمَّنه شرحين لدعوتين اشتُهرتا بين أهل هذه الأسرار؛ الأولى بمسمّى (الدعوة البِرْهَتِيَّة) ، والثانية المدعوّة (الدعوة الجلجوتية الكبرى) ، أما الأولى فهي - بزعمه [قسم عظيم لا يتخلف عنه ملك ولا يعصيه جن ولا عفريت ولا مارد ولا شيطان، وهي تغني عن جميع ما عداها من العزائم والأقسام وتتصرف في جميع الأعمال من استنزال أملاك واستحضار أعوان وجلبٍ ودفع وصرع وقهر وإخفاء وإظهار، وغير ذلك من كل ما يريده الإنسان من خير أو شر] (١) . والبرهتية نسبة إلى بِرْهَتِيْهٍ بالعِبْريّة ومعناه - بزعمهم - بالعربية قُدُّوس أو سُبُّوح، وهي قصيدة حوت ثمانية وعشرين اسمًا من الأسماء المعجمة ادَّعَوا أنها أسماء الله تعالى، وهي غريبة في لفظها غاية الغرابة، وهي - في حقيقتها من العهود والاستحضارات الشيطانية، والتوكيلات السفلية، والاستغاثات الشركية، كما هو مصرح به في كيفية القسم بهذه الأسماء (٢) .
أما الدعوة الثانية، فهي المسماة بالجلجوتية الكبرى، وقد ذكر لها طريقتين صغرى وكبرى، فكانت الصغرى قصيدة بستين بيتًا حوت وصف الأشكال السبعة التي سبق بيانها، وكانت الكبرى في أربعة وستين وثلاثمائة
стр. 151
بيتًا، وقد سماها مباركة مع كونها حوت بنص قوله إعمالاً للسحر، ففيها:
وبالطلسمات الساحرات وسحرِها
سحرت عيون العالمين بما حوت
طلاسم أسماء وسحر طلاسم
سحرت بها كل العيون فأسحرت
كما أن القصيدة حوت استغاثة بمخلوقات، ومن ذلك قوله:
بعزة خُوطير له المجد والثنا
ويا قَلْنَهُودٍ قاهرَ الجن إذ عصَتْ
بسطوة بَرْشانٍ قوي وقاهر
له الملك والأملاك جمعًا تواضعَتْ
ويا كَظُهَير، يا إلهي بجاهه
بعز نَمو شَلَخٍ به السعد أقبلَتْ
ويا فَزْمَز أسرع بنَجْج مقاصدي
بقزٍّ بمزٍّ فالملوك تسارعَتْ
إلى ما هنالك من طامات أطّت بها القصيدة وحُقّ لها أن تئطَّ، فما نوعُ شركٍ إلا وله قد حَوَتْ!! مع هذا كله، فإن البوني يبارك هذه القصيدة، ويذكر أن خواصها لا تحصى وتصاريفها لا تستقصى!! ثم يأمر طالبَ السحر بقراءة هذه الدعوة - وهي ٣٦٠ بيتًا كما سبق - سبع مرات، وأحيانًا ثمان وعشرين مرة في جلسة واحدة، لا يفصل بينها سوى تأدية الفرائض من الصلاة!! ونحن نقول لهؤلاء: أما كان كتاب الله تعالى هو الأحق بالتلاوة والحفظ والتدبر من جلجوتيتكم هذه؟! أما كانت أسماء الله الحسنى أحق بأن يدعى بها من هذه الألفاظ المعجمة التي في بِرْهتيتكم تلك؟! فيا من اقتنى مثل هذه الكتب هلاّ بادرت إلى إتلافها، فإن العمر فرصة ثمينة لإعماره بطاعة الله تعالى، وهو
стр. 152
القائل سبحانه: [البَقَرَة: ١٨٦] ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ *﴾ ، وإن التلفّت لمثل هذا السراب، أو السعي في ولوج هذا الباب، مضيعة للأعمار مجلبة للدمار، أعاذنا الله والمسلمين من ذلك.
٣- مصنفات عبد الفتاح الطوخي: أغرق هذا الرجل أسواق المكتبات العامَّة، بل أرصفة المارَّة - ردهة من الزمن - بطوفان من تصانيفه التي ما تركت سبيلاً إلى إفساد عقول الناشئة بخاصة والناس بعامة إلا سلكته، وقد هالني حقًا هذا الكمُّ الهائل من هذه الكتب، وقد بلغت عندي نيفًا وخمسين كتابًا، لن أعمد في هذا المقام إلى سرد أسمائها فإن شأنها عندي أهون من ذلك بكثير، لكنْ سأذكر واحدًا منها هو دالٌّ بمضمونه على منهج التأليف والقصد منه، وذلك ضنًّا مني بوقت القارئ من الانشغال بمثل ذلك.
أ - البداية والنهاية في علوم الحرف والأوفاق والأرصاد والروحاني: هذا كتاب وضعه مؤلفه بجزءين جمع فيهما ستة ومائة مما سماه دروسًا قدّم لها بدعوى تعظيم الله لأمر السحر من دون سائر الموجودات، واحتج بقوله تعالى: [الأعرَاف: ١١٦] ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ ، ألم يقرأ الطوخي قوله تعالى في توعد الله تعالى الكفرة بتعذيبهم في الآخرة وتعظيم ذلك بقوله سبحانه: [البَقَرَة: ٧] ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *﴾ . وقولَه تعالى في وصف سوء العذاب على بني إسرائيل بأنه بلاء عظيم: [البَقَرَة: ٤٩] ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيْسَتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ *﴾ . وقولَه تعالى في توعُّد المنافقين المحادِّين لله ورسوله بخزي عظيم: [التّوبَة: ٦٣] ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ *﴾ .
стр. 153
ألم يدرك الطوخي - وهو من بزّ أقرانه وسبق سابقيه وأعجز لاحقيه عن مقاربته، فضلاً عن اللحاق به أو التفوق عليه - أن الوصف تابع للموصوف، فقُبح السحر جرّ إلى وصف التعظيم للسحر مبالغة في تقبيح شأنه وأمر أهله، لا للثناء عليه كما توهّم صاحب المصنفات الخمسين. وإني قد سقت هذا الرد عليه قاصدًا أن لا يغترّ القارئ بكثرة المصنفات والعبقرية الحسابية الفذة، التي تظهر في أشكال جداول هذه الكتب، وإنما جميع ذلك هو من واسع المعرفة بعلوم الشر، ويحضرني هنا قول الشاعر:
إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى
فأوَّلُ ما يجني عليه اجتهادُه
ولنعد بعدها إلى ذكر شيء مما حواه كتابه «البداية والنهاية» ، فمن ذلك:
- ... اعتقاد أن الحروف تتبع عناصر الموجودات، فمنها نارية وترابية وهوائية ومائية (١) .
- ... اعتقاد أن لكل عدد خواص وأسرار، وأن بعضها يتحابُّ وبعضها يتنافر (٢) .
- ... اعتقاد تقسيم جهات العالم بحسب كلمات أبجد هوز، وأنها منقوشة كذلك عند العرش، لكنها نُقِشت نقشًا معنويًا لا ماديًا، ولا يعقلها إلا العالِمون (٣) !
- ... يدل في كتابه على أمور تستعمل كلها في أعمال السحر: منها الأوفاق، حيث يفصّل في صفة تخطيطها من المثلث منها إلى المعشر، ومنها الأرصاد مع شروط كتابة ذلك من إطلاق بخور كوكب الساعة، والكتابة على معدن مناسب لعنصر الكوكب، في مكان خال عن الناس
стр. 154
والحيوانات، وبرسم شعباذ (١) يمثل هيئة العمل المراد من تباغض أو تنافر، وصورة الكتابة في الخير في الوفق، كما صورة الكتابة في الشر (٢) . ومما دل عليه الكتاب أيضًا في جزئه الثاني: مظاهر الكواكب واتصالاتها وما تدل عليه، واعتقاده وجوب اتباع الناس لهيئات الكواكب، فيقول: حيثما رأيت السُّعود فقُلِ الخيرَ، وحيثما رأيت النُّحوس فقل الشر! ...
والسعود فاضلة كريمة، والنحوس جاهلة لئيمة، والسعد يعطي، والنحس يسترجع (٣) ! ويعتقد الطوخي بتحكم الطوالع بمصير الإنسان، فيقول: ومن كان له المريخ والزُّهرة في السادس - أي في الطالع السادس عند مولده -: كان طبيبًا حاذقًا في الطب، ومن كان عطارد راجعًا في مولده والزهرة تتلقاه بنورها كان غنيًا محسنًا، ومن كان عطارد في مولده في الثاني عشر من الطالع كان ذكيًا حليمًا عليمًا، كما أن الزهرة - باعتقاده - تَحُلّ ما يعقده المرّيخ والمشتري يحلّ ما يعقده زحل، فما أعظم قوة الزهرة إذا كان في الربع الشرقي، وإن كانت في الجنوب دلت على عطايا جزيلة، كذلك إن كان المشتري في الشمال (٤) !! ثم يستخرج بعدها أسماء الملوك العلوية والملوك الأرضية (خدام الأيام والليالي) ، حيث يرفض ما قرره غيره من أن ملك يوم الأحد مُذْهَب، ومن بعده الاثنين مُرّة ثم الأحمر وبرقان وشمهورش والأبيض وميمون، ويذهب إلى طريقة في الاستخراج ليكون اسم الملك مخالفًا لما تقرر عندهم فيكون عينيائيل مثلاً أو شحنمنيائيل!! ولو ذهبنا نتتبع ما في هذا الكتاب لطال بنا المقال، لكن ما سبق قد دل بوضوح على مدى إغراق الرجل في تعليم صنوف السحر
стр. 155
بالتنجيم والطلاسم والأوفاق، ولم يُخفِ ذلك في مطلع كتابه حيث قال: كتاب به جميع الطلاسم وحلُّ الرموز السحرية والروحانية، العُلْوية والسُّفْلية من عهد آدم ﵇ حتى عهدنا الحاضر، جمعنا فيه السحر القديم والحديث من سحرة الفراعنة، وسحرة الهنود، وسحرة المغاربة، وسحرة السودان، والسحرة المصريين والأجانب في جميع العصور والأزمان، ثم يقول بعد تعمُّده جَمْع هذه الموبقات: أسأل الله أن ينفع به المطيعين لله رب العالمين وأن يجازيني به خيرًا يوم الدين، إنه سميع مجيب الدعوات، آمين (١) ، وعلى هذا المنوال جميع مصنفاته الخمسين، فيها تعليم الاستحضار والتسخير والاستخراج، والدعوات الشركية، والتوكيلات الشيطانية، والسحر؛ الأحمر منه
والأسود، وعلم الرمل، وعلم النّجامة، وطب الحروف، وضرب المندل، وأعمال: إرسال الهواتف والفرقة والطلاق، وعقد اللسان وسلب العقل والعقد عن الزواج، وغيرها مما يصعب حصره، وكأني به قد أوتي علم الأولين والآخرين، فلم تفته فائتة، ولم تند عنه واردة ولا شاردة إلا وغاص في مكنونها وعرفها كُنْه المعرفة!!
٤- المصنف المسمى (فتح الملك المجيد المُؤلَّف لنفع العبيد، وقمعِ كلِّ جبارٍ عنيد) ، والمشتهر بمُجرّبات الدَّيْرَبي الكبير، لأحمد الدَّيْرَبي، وهو ستة وثلاثين بابًا في خواص الآيات والسور، وفي ذكر حجب مجرّبة تنفع - بزعمه - لكثير مما عجز عنه الطب الحديث، وفي رقى مشهورة النفع للحيات والعقارب، وطرد البق والبرغوث وجلب الحمام والسمك، وختامه شعوذة بحيل لإمساك النار وإدخال بيضة في قمقم، وإشعال النار في شمعة طين، ثم فيه فائدة للمقامرين ليتعرفوا على البيضة التي تكسر جميع البيض!! إلى آخر ما فيه من مجربات يحث عليها أهلها،
стр. 156
والحق يقال: إن التساهل في أمر هذه المجربات قد فتح باب الفتنة على مصراعية لأعمال السحر، فقد احتج قوم بالتجريب لحصول المنفعة، فجرّوا على الأمة ما لا حصر له من المجرّباب، لكن الفيصل في ذلك - كما لا يخفى -[أن الأفعال إنما يثبت استحبابها واتخاذها دينًا، إذا وافقت كتاب الله تعالى وسنة نبيِّه ﷺ ، وما كان عليه السابقون الأولون، وما سوى ذلك من الأمور المحدثة فلا يستحب، وإن اشتملت أحيانًا على فوائد، لأن مفاسدها تكون راجحة على فوائدها] (١) .
ولنعد بعدها إلى هذه المجربات والفوائد لنجد أن عامة ما ذكر فيها من خصائص الآيات والسور لم تصح، ثم إن التصرفات بها بكتابتها على هيئات مخصوصة، ككتابة في إناء زجاج ثم محوها بماء ورد، أو على شقفة طين نيئة لم تحرق، ثم سحق الطين، وخلطه مع تراب من مقبرة قديمة وتراب آخر من دار خربة، ثم رش ذلك في موضع دار عدوٍّ لخرابه يوم السبت، كل ذلك مما يُستشف منه نوع استهزاء بآيات الله تعالى، وإن لم يكن ذلك فالبدع المُضِلَّة، وإلا فهل تستعمل آيات القرآن من قوله تعالى: [هُود] ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ *مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ *﴾ . هل يعقل أن تكون سببًا في إصابة امرئ بحمى، إن رسمت في قدر باسم شخص مع شيء من أثره، ويجعل القدر على نار حتى يغلي فالمعمول له تأخذه الحمى من حينه ووقته، هذا ما قاله الديربي فهل من نفعٍ يفوق هذا النفع من مجرباته؟! كما حوى كتابه تلك الأشكال السبعة - المذكورة آنفًا - وأنها مجربة النفع أيضًا، وهكذا فهو كتاب غلب عليه الدلالة على أعمال سحرية مجربة، لا شأن لها ألبتة بالرقى الشرعية أو بخصائص السور وفضائل
стр. 157
الآيات، وعلم الطب والكيمياء، مما ادُّعي - زورًا - أن الكتاب قد حَفَل به.
أخي القارئ، هذه نماذج لما قد يقع تحت يدك من أمثال هذه المصنفات المسماة روحانية، فاحذرها كل الحذر، ولا تغتر بعناوينها الطنانة وألفاظها الرنانة، ولا بثناءٍ عليها، فإن المؤمن كيّس فطن، واعلم - رحمك الله - أن الكتب من أمثالها قد بلغت مئات، كلها يسميها أهلها: علاجًا روحانيًا، وأسرارًا مكتومة مخفية، وكواكب درّية، وعلومًا لدنّية، ودعوات مباركات عليّة، ومجرّبات نافعة جليّة، وشموس أنوار، وكنوز أسرار، ومفاتيح غيبيّة، وطوالع فلكيّة، وقُرْعات (١) مباركات، وشموس معارف، ومنابع حكمة،
стр. 158
وأصولاً جَفْرية (١) ، وحروفًا نورانية، وطبًا روحانيًا وحكمة علية، وهي في حقيقتها أبعد ما تكون عن الروح والعلم والحكمة والبركة والنفع، بل هي متسمة بأضداد ذلك، وقد اتصف أهلها كذلك بالزيغ والإفساد فكانوا ممن ألقت شياطينهم إليهم زخرف القول غرورًا، وأزّتهم على الإضلال أزًّا، ومنّتهم بقدرة فائقة على التحكم بمصائر الناس، بطريق أوحت به إليهم: أنْ راقبوا أوضاع الأفلاك، وناسبوا ذلك بأحرف وأعداد، واستجلبوا روحانية تلك الكواكب وخدامها من الجن والأملاك، فإنهم يسبغون عليكم من سحائب فضلهم كما يغيثونكم بوابل بركتهم، إن أنتم استدعيتموهم بأبخرة يحبونها، وبإقسامات وعهود يلتزمونها، لا يستطيعون فكاكًا منها ولا تحويلاً عنها!! هكذا صدّق إبليس عليهم ظنه، فاستخفّ عقولهم وعلّق قلوبهم بسراب يحسبه الظمآن ماءً، فهم يسعون إليه بكليتهم، يتعلمون منه فنون السحر بمشقة بالغة، وبرياضات وخلوات قاهرة، ولو شاء شيطانهم لوفّر عليهم ذلك العناء المضني والتعلم المفني، فعاونهم
стр. 159
ابتداءً، لكنه - نعوذ بالله من شياطين الإنس والجن - قصد إذلالهم، فاستعبدهم وأراق ماء وجوههم، كما أخسرهم إيمانهم، فخسروا باتباعه دنياهم مع أخراهم.
أعاذنا الله من شر الشيطان وشِرْكه وشَرَكه، ومن شر أتباعه وفجورهم، وردَّ كيدَهم في نحورهم، وحفظ على الأمة دينها، وزادها إيمانًا مع إيمانها، آمين.
***
стр. 160
الفصل الرابع
السحر؛ باعتباره ظاهرةً اجتماعية
стр. 161
الفصل الرابع
السحر؛ باعتباره ظاهرةً اجتماعية
تمهيد:
يعتبر علم السحر، والاشتغال به، من الأمور التي حظيت باهتمام المجتمعات الإنسانية قديمًا وحديثًا، حيث إنه من العلوم التي يكتنفها الغموض، وتحيط بها هالة من التعظيم، النابع من خوف الإنسان بعامة مما يكون خفيًا عن حواسه، وهو يعتقد مع ذلك أنه قد يتسبب له بخطر محدق. لذا، فإن معرفة شيء ما عن هذه الظاهرة سرعان ما يستهوي كثيرًا من الناس، وذلك بسبب ما يسمى - في علم النفس - بالوحدة النفسية بين البشر، فالشعوب على اختلافها تعرف طقوس السحر وطلاسمه وتعاويذه، والمجتمعات تنقسم فيما بينها بين من ينظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها وسيلة لمعرفة آثارها، أو وسيلة للتسلية وإشباع رغبة النفس بالاستطلاع على المغيبات، وبين من يعتبرها أساسًا يبني عليها حياته، وتكون محور اهتمامه ومأخذ تفكيره (١) . وسنبحث - إن شاء الله - في هذا الفصل باختصار تأريخ السحر، مع بيان أثر السحرة وأعمالهم في المجتمعات، والعلاقة الوطيدة بين انحراف الشباب خاصة، وبؤر السحر والشعوذة، وسبيل الخلاص من ذلك.
وعليه، فإن الفصل يحوي أربعة مباحث تتناول الآتي:
أولاً: لمحة تأريخية عن السحر لدى الشعوب.
ثانيًا: الوظيفة الاجتماعية لظاهرة السحر.
стр. 162
ثالثًا: السحر وشباب الأمة.
رابعًا: نظرة تربوية لاستنقاذ الشباب من أوكار الانحراف.
أولاً: لمحة تأريخية عن السحر لدى الشعوب (١) :
عرفت الإنسانية فنون السحر منذ عهود قديمة، وظهر في ذلك مخطوطات ومنقوشات صخرية تدل بمجموعها على مبلغ اهتمام الإنسان بأداة السحر باعتبارها معينًا له في حل المشكلات المتعلقة بعالم الغيب، لرفع الأستار عنه، والوقاية من أخطاره المحدقة. وقد اختلف المؤرخون في تحديد أول من مارس طقوس السحر وأعماله، إلا أن بعضًا منهم يرجح أن يكون زرادشت (زوروستر) ، في بلاد الفرس، والواقع أنه منذ القرن الأول الميلادي إلى ما بعده استخدمت كلمة (مجوس) للإشارة إلى السحرة والراجمين بالغيب الوافدين أساسًا من بابل، واعتبر المجوس البابليون غالبًا من السحرة. ثم لحق الفرس الكنعانيون حيث اعتقدوا اتصال الكلاب والقطط بالشياطين وتأثير أصواتها على الناس، أما الكلدانيون فقد اهتموا بدراسة الكواكب والنجوم، واعتقدوا جزمًا بتأثير حركتها على حياة البشر وهم ينسبون إليها أفعالاً كثيرة، ويعملون أعمالهم السحرية معتمدين على حركات الكواكب وأوقاتها ومواضعها، وعليه فإنهم أول من اعتمد النِّجامة كسبيل للسحر، أما المصريون القدماء فقد اعتبروا السحر علمًا من علوم الكهنوت، وربطوا كثيرًا من الطقوس الدينية بالسحر وتعاليمه، وعليه فقد كان السحر لديهم دينًا تطبيقيًا اشتغل به كبار رجال الدين.
стр. 163
أما الهنود القدماء فقد احتل السحرة لديهم - وما زالوا - مكانة كبيرة، واختلطت الطقوس السحرية لديهم بكثير من عاداتهم، فكثرت عندهم التعاويذ والرقى، وكان منها ما يُستخدم للضر أو للنفع بحسب اعتقادهم؛ فقد تُمرض أو تشفي أو تضمن السعادة أو تجلب النحس، وتعدى أثر السحر لديهم إلى إخصاب الأرض وإجدابها، ولهم كتب في ذلك منها ما يسمى (سر الأسرار) ، ويعتقد الهنود أن معبوداتهم في الثالوث الهندي، وهو يتألف من برهما وفشنو وسيفا، تخضع للسحرة وتأتمر بأوامرهم؛ لأنها لا تقوى على مقاومة تعاويذ ورقى السحرة الهنود!!
كما قد ذاع صِيت السحر في أوروبا في عصورها المظلمة.
أما اليونان القدماء، فقد تعلموا السحر بالتنجيم، واعتقدوا بأن انتصار الإسكندر المقدوني على سائر الملوك كان بفعل معرفته بالأعمال السحرية، في حين أن الرومان عاش أباطرتهم الوثنيون في رعب من السحر، واتخذوا إجراءات تحميهم منه، وكان المتمرِّسون بالسحر في مجتمعهم يُعدون أشرارًا مشعوذين ويُحاكَمون تبعًا لذلك.
وفي روما كانت شهرة الكلدانيين من بابل ذائعة في مضمار السحر، وكان يُعتقد أن في حوزتهم أسرار السحر والتنجيم.
أما اليهود فقد كانوا - وما زالوا - من أكثر الشعوب تعلمًا وممارسة للسحر، فقد ورثوه صاغرًا عن صاغر مما تقولته الشياطين على ملك سليمان ﵇، ويعرف سحرهم باسم مكايد بني إسرائيل وهي تسع وثلاثون مكيدة - أي عملاً سحريًا - فيها من الضر المقصود ما الله به عليم، عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. أما السحر لدى أهل الصين فهو من أقدم ما عرفته الإنسانية منذ ثلاثة آلاف سنة قبل ميلاد المسيح ﵇، ويعتقد أن كتاب (التغيرات) لكونفوشيوس الصيني هو أقدم كتاب في هذا المضمار.
стр. 164
هذا بإجمال سرد دال على تغلغل السحر في سائر المجتمعات، بما يفسر - تأريخيًا - نسبة عامة الأقوام دعوات رسلهم ﵈ إلى السحر، ووصمهم للأنبياء بأنهم سحرة يبغون حيازة الملك بسطوة سحرهم، وبتمرسهم في فنونه. قال الله تعالى: [الذّاريَات: ٥٢] ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ *﴾ . وقال سبحانه حكاية عن قوم فرعون، وعن كفار قريش: [القَصَص: ٤٨] ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ . وقال عز من قائل: [الأعرَاف: ١٠٨-١٠٩] ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ *قَالَ الْمَلأَُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ *﴾ .
ثانيًا: الوظيفة الاجتماعية لظاهرة السحر .
قد يسأل المرء متعجبًا: ما الذي يجعل من السحر ظاهرة اجتماعية مهمة مستمرة في حياة الناس، مع ما توصل إليه العلم الحديث من تقنيات متطورة بما يذهل العقول ويكاد يذهب بالألباب؟ فالعالم بات قرية صغيرة، يتناقل أهله فيها شتى المعارف في ثواني معدودة، بل يأتيك بالأخبار من لم تُزوِّد، فتلك الأقمار الصناعية في مئات المدارات تبث ما شاءت من غث وسمين، وتلك المركبات الفضائية تصطدم بنيازك عمدًا لتأخذ عينات منها فتحللها وتنبئنا بمكوناتها في مراكز وكالات الفضاء، وأخرى تحط غير مأهولة على سطح المريخ، لتنقل إلينا كثيرًا من طبيعة أرضه ومحيطه!! [ومعلوم أن هذا الكوكب هو من السبع الدراري السيارة التي ما زال أهل السحر بالتنجيم مصرين على أن له روحانية تُستنزَل وملكٌ موكل وجنٌ خادم، ومعدن مناسب للتقرب إليه، وثياب للمُتقرِّب إليه مختصة به يُرضي مزاجَ الكوكب بلبسها، وبخورات تستجلب تأثيره، فيُعمل عندئذٍ الكوكب - بزعمهم - تفريقًا وتحبيبًا وإمراضًا ومعافاة، وحربًا وسلمًا، وسعدًا ونحوسًا، وخصبًا للأرض أو جدبًا، بل تعدى ذلك كله إلى التصرف بأسعار السلع التي من جنس معادنه إغلاء وإرخاصًا] (١) !!
стр. 165
ونعود بعدها إلى تعليل تواصل هذه الظاهرة في المجتمعات البدائية منها والمتقدمة، لنجد أسبابًا ثلاثة تكمن وراء ذلك (١) :
١- شغف الإنسان بفطرته - إلى تفسير الظواهر الغامضة والغريبة في الكون، فلا تبقى في مخيلته مجهولة يتوجس منها خيفة، ويترقب أن تداهمه في كل لحظة، فإذا ما استكشف حقيقة هذا المجهول تسبب له ذلك باطمئنان نفسي، وجعل لهذه المجهولات قدرها الذي تستحقه دون المبالغة في جعل هالة حولها تقلق النفس وتؤرق الروح وتشغل الفكر.
٢- شعور الإنسان دومًا بحاجته لقوى خارقة تختصر له طريق البلوغ إلى مآربه، وبخاصة إذا ما بذل في تحصيل حاجاته قصارى جهده فأعجزه ذلك، عندها يبحث جادًا عن وسائل تنوّله - بأقل جهد ممكن - مراده، وتحقق له بتعويذة مثلاً أو بكتابة وَفْقٍ جميع حاجاته!! فمن كانت عاقرًا فإنها تلد بحمل حجاب، ومن كان مبتلى بمرض عضال أعجز أهل الطب، تخلص منه بطلسم قاهر لا يرد أمره ولا يتخلّف وعده! وهذا الشعور بالقصور الإنساني تزيد نسبته عند الإنسان البدائي الأمي، لكنه قد يتعداه إلى من حاز أعلى الدرجات العلمية، بل وإلى حكام الشعوب أحيانًا، فينشئ أحدهم حربًا مثلاً أو يعقد سلمًا تبعًا لتكهن كاهن أو تنجيم ساحر أو نبوءة عراف!!
٣- استخدام بعض الناس السحر كوسيلة للدفاع من أذى الآخرين، وكذلك لحماية الممتلكات الخاصة، لاعتقادهم بذلك، وقد يستعمل البعض السحر لإيذاء الآخرين بالتفريق أو الأمراض ونحوه أو التنكيل بالأعداء، أو لجلب محبوب، أو حتى لجلب زبون، أو ترويج كاسد من سلعة، ولعل هذا الدافع هو الأقوى لاستمرار هذه الظاهرة، فالإنسان تتعدد حاجاته وهو يسعى حثيثًا لتحقيقها، ومن الناس من يعتقد أن السحر هو الطريق الوحيد لذلك.
стр. 166
تلك هي الوظائف الاجتماعية - الحيوية والنفسية - التي تؤديها ظاهرة السحر، وهي تمثل جميع خصائص الظاهرة الاجتماعية، ما ضمن لها البقاء في المجتمعات، إما باعتبارها اعتقادات أو عادات، أو موردًا سخيًا للتكسب به، أو سبيلاً للوجاهة والسلطة عند من يمنح السحرة هالة، ويعتقد بهم قدرة فائقة.
ثالثًا: السحر، وشباب الأمة .
إن من المسلّم به - في علم الاجتماع - أن الإنسان هو نتاج ثقافته، وأن التنشئة الاجتماعية هي عملية تحويل هذا الإنسان (الكائن الخام عند مولده) إلى كائن مثقف واعٍ متفاعل بإيجاب مع تلك البيئة المحيطة به. كما أن الإنسان بحكم فطرته ينزع دومًا وبإصرار إلى مزيد من الاستقلال والحرية المتنامية سعيًا إلى تحقيق ذاته والسموّ بها، وهذا النزوع هو منبع متدفق لعملية التجديد الاجتماعي، ومن غير هذا التمرد - إن صحّ التعبير - يبقى المجتمع آسنًا آيلاً إلى التحلل الذاتي، ومن ثم الاندثار.
أخي القارئ، لقد سقت إليك هذا التمهيد لنخلص معًا إلى أن نَزَعات الشباب المستمرة إلى التغيير ليست في ذاتها مذمومة، بل هي الأداة الأقوى إلى الحدّ من سطوة تلك العادات الاجتماعية، التي قد لا تكون دومًا متوافقة مع روح الدين وتعاليمه. وعلى ذلك؛ فإن الانفتاح لتقبّل كل حسن من الجديد، يزيد من كفاءة الأمة على عيش عصرها، بل واستباق كفاءته أحيانًا، وقد عاشت الأمة حِقَابًا من الزمن فاقت فيه بوعيها المتجدد أمم عصرها، فبينا كانت أوروبا تتناحر إماراتها، وتغرق في ظلمات جهالتها، كانت الأندلس تزهو حينها بمنارات معاهدها واختراعات علمائها، وكانت مثالاً يحتذى انبهر به كل من حولها!!
стр. 167
إن الثروة الهائلة في الشباب تستبق إليها مُستغرَبات من الثقافة من كل حَدَب وصوب، وتقف كثير من مجتمعاتنا - للأسف البالغ - موقف المتفرج العاجز عن التكيف مع الثقافات المستجدة، بما عطّل بشكل كبير دور الشباب في الإنتاج والرقي بالمجتمع،، ووجد كثير منهم نفسه بين خيارين أحلاهما مرّ، فبين الحَجْر على تفكيره وإلزامه العادات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وبين دائرة الوارد عليه من سموم الأفكار وشائن السلوك، فأضحى كثير منهم فريسةَ هذا التناقض بما أوقعه في دائرة الفراغ القاتل، فتوجّه بعدها إلى ما يخطر ببالك وما لا يخطر، فتارة للخلاعة وطورًا لمخدرات، وثالثة لسحر وشعوذة، ورابعة لأفكار هدامة لبست لبوس الإسلام واحتجبت بستاره وظن أهلها أنهم يحسنون صنعًا.
إن ما يعنينا من ذلك كله أن نُشخِّص توجُّه بعض الشباب إلى مسارح الشعوذة، وخلوات السحرة، ومعابد الشياطين الفجرة، نعم لقد وجد في بعض مجتمعات المسلمين من الشباب من يقيم قداسًا أسود يتقرب فيه إلى الشيطان بفض بكارة عذراء، أو بتعذيب طفل، وشرب من دمه، أو بممارسة شتى أنواع الرذيلة، بل والاستهزاء بالأديان كافة، ثم تعدى تلك الغرفات المظلمة التي تقام فيها هذه الطقوس الفاجرة، تعداها إلى حرمة القبور، لتُنبش ويُعبث بعظام أهلها، ثم تُرتكب الفواحش عندها (١) !!
هذه الجماعات الهدّامة - التي لم يعد أمرها خافيًا - قد عظّم قوم من شأن خطرها على الدين، وادّعى بأنها ستكون معول هدم يفتّ في عضده
стр. 168
وينال منه. ونحن نقول: إن هذه الطقوس المشينة والرموز المهينة، ليست - في اعتقادنا - إلا تسخير الساحر لبعض الشباب لأجل إتمام تقربه لشيطانه، فإن ما يفعله هؤلاء يدخل في ما يشترطه شيطان الساحر من النيل من الدين وأهله، وامتهان مقدساته، وذلك ليتم الساحر عقد الاستعانة بشيطانه.
ونحن لا ننكر هنا أن هذه الجماعة المنحرفة كانت حصيلة جهد مضن وإنفاق سخي من أعداء الأمة، لكن اختصاص إطلاق لفظ (عبدة الشيطان) على هؤلاء قد يوهم أن من عداهم من السحرة والكهان والمنجمون، وأصحاب الدعوات الشركية، والعزائم الشيطانية براء من هذه العبادة، إنهم جميعًا في ذلك سواء، وبخاصة إذا اطلعنا على صنوف التقرب للشيطان التي نص عليها أهل السحر في كتبهم، فهي تكاد تكون متطابقة مع طقوس هؤلاء، لكن غاية الفرق بينهم أن السحرة يستفيدون من هؤلاء الشباب كوسيلة لتقربهم إلى شياطينهم في حصول أعمالهم السحرية، أما الأتباع فهم أداة رخيصة وفريسة سهلة تُلتَهم على مذبح السحرة، فترى أحدهم ينهي حياته ملقيًا بنفسه من شاهق، أو قاطعًا عروق يده، أو محرقًا نفسه، عياذًا بالله تعالى من ذلك، فما الذي حدا بشاب في ريعان شبابه إلى هذه النهاية المفجعة، والخاتمة البائسة؟! إنه ذلك الضياع، فبعد أن فشل في تحقيق ذاته في مسرح الحياة، وبعد أن بقيت طاقاته منحصرة بين جنبيه، فلم تجد منفذًا إلى تثقيف واع يواكب العصر، ولم تتقن عملاً منتجًا يحقق الإبداع، ولم يلق ذلك الشاب أسرة تحيط به رعاية، وتسهم في حل مشكلاته، ولا مجتمعًا ينفض عنه باليَ عاداته، ويتمسك بعظيم عباداته،، عندها تلقفته صحبة السوء، وسحبته إلى دُور المشعوذين وخِرَب السحرة المجرمين، فغلب على ظنه أنه قد يحقق شيئًا ما بطريقهم، يحقق به ذاته ويتوصل به إلى تطلعاته، عجز فآوى إلى أوكارهم، حتى إذا استيأس من نفعهم وعلم بشاعة ما أقدم عليه، وعجزت كثير من مؤسسات المجتمع التربوية عن استيعاب معضلاته تلك، ازداد
стр. 169
ضياعًا وحيرة فلم يجد سبيلاً عندها إلا ذلك السقوط المريع والنهاية البائسة.
هذا، وإننا في ذلك لا نبرئ ساحة نفر من الشباب لديه استعداد مسبق لهذا الانحراف، وهو يميل بطبعه إلى اتباع الهوى وتحكيم الشهوات، فيكون وَقودًا لهؤلاء السحرة والكهنة، ولتلك الدعوات الهدامة المنحرفة.
رابعًا: نظرة تربوية لاستنقاذ الشباب من أوكار الانحراف (١) .
إن المنهجية العلمية تقتضي النظر إلى المشكلة المراد تشخيصها ووضع الحلول الناجعة لها؛ نظرًا يشمل جميع حيثياتها حتى يمكن بذلك معالجتها، والتخلص من أثرها، وإني لا أدعي في هذا أني قد أتممت تشخيص هذه المشكلة الاجتماعية المهمة، فإن ذلك قد يحتاج إلى عقلية فذة قد تقارب ما عند ابن خلدون ﵀، وأنّى لي مثل ذلك، لكني أحسب أني في هذه العجالة قد ألقيت الضوء على جانب مهم من أسباب ما وقع به أولئك الشباب، ولن نسلك في علاج ذلك مسلك الغربيين الذين قطعوا أشواطًا في العمران واستخدام الموارد وتصنيع الأدوات، لكنهم حسبما هو ظاهر من حالهم لم يرتقوا إلى البعد الداخلي للحضارة، ولم يلامسوا بحضارتهم ما وُجِدوا لأجله، لذا فإن مبلغ علمهم قد بقي منحصرًا في تحقيق القدر الأكبر من الترفُّة والتقدم المادي البحت، لكنْ والحق يقال إن أهل الغرب قد بذلوا جهودًا مضنية لتقرير فكرة التغيير والتقدم المستمر في أذهان شعوبهم فاستطاع مفكروهم عبر قرون متواصلة أن يفتحوا دائرة التفكير المنغلق إلى أفق الوعي الحضاري المتجدد، وأن يعزّزوا الثقة بالقدرات الإنسانية للتطور نحو الأفضل، وفي هذا المضمار بالذات نرى أن أمة الإسلام المكرمة هي الأحق بهذا النمط من التفكير الجادّ والانفتاح على آفاق تحديث الحياة وتمدينها، ذلك أن ديننا الحنيف لم يَدَع مسلكًا يثبّت فيه مفهوم التمدين الإنساني الذي
стр. 170
يسخّر كل أنشطة الحياة لكسب رضوان الله تعالى في هذه الحياة إلا وسلكه.
ولنأت بعد تقرير ذلك إلى ما نحسبه مسهمًا في تخليص شبابنا من براثن تلك الدعوات الهدامة، وهو يتلخص في ضرورة توجيه موارد الأمة وثرواتها وجهة التنمية الإنسانية، أعني بذلك تنمية العقل والروح والمشاعر والطموح الخاص لدى الشباب، وأن يكون جميع ذلك متوازنًا وموازيًا لتوفير الحاجات المادية بتوفير فرص عمل مناسبة لهم، فإن هذا التوازن - وبخاصة إذا أطر بإطار المشروعية والاعتدال - أشعر الشباب بملئهم حيزًا مهمًا في المجتمع، وأكسبهم خبرة عملية يستنتجون من خلالها ما يسمى فقه الموازنات، وفقه الأولويات، فلا يكون أحدهم كتاجر خارج السوق، أو مهندس ينشئ المشاريع على صفحات الورق، فإذا طبق الشباب تعاليم الدين عمليًا في المجتمع، تعرفوا عندها على الموازنة بين هذه التعاليم، وتقديم أولوياتها في التطبيق، لكن لو بقي أحدهم أسير سماع محاضرات علمية، وهو يمارس دور المتلقّي دومًا، ويشعر بأنه قد أقصي عن مسرح الحياة العامة، فإنه بطبيعة الشباب التواقة دومًا إلى الانتقاد والتغيير سوف ينتقد ولا شك كل ما حوله، لما يجده من هوة سحيقة بين ما يتلقفه نظريًا، وبين ما يراه في أرض الواقع، ولو أنه شارك - ولو بقدْر يسيرٍ - في بناء ما حوله لوجد أن طموحاته تلك تحتاج إلى جهد عظيم في البناء واستفراغ كل الطاقات في خدمة مجتمعه، فلم يجد عندئذ وقتًا ضائعًا أو غير ضائع ليصرفه فيما يعتبره هو إزهاقًا لطاقاته، واستخفافًا بإمكاناته، فلا مشعوذ دجال يستخف عقله، ولا صاحب يُمَنِّيهِ بقدرة الساحر فلان على تحقيق أمنياته، ولا جماعة منحرفة لها أن تبذر بذارها الفاسدة في أرض عقله.
وها هم رسل الله ﵈ كانت تأتيهم معونة الله تعالى من حيث لم يحتسبوا، وفي اللحظة الأخيرة الحاسمة، وبعد استفراغهم ومن معهم
стр. 171
كامل جهدهم، تأتيهم الثمرة لجهودهم تلك، [يُوسُف: ١١٠] ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ . وقد كان الله قديرًا على نصرهم ابتداءً، لكن سنة الله تعالى في خلقه اقتضت أن يبذل العبد كل الوسع، وأن يستفرغ جميع الطاقة، ثم إذا ما عجز عن تحقيق مراده طلب العون أو جاءه المدد، فلو تقرر في أذهان شبابنا - عمليًا - مثل هذه المعاني الشرعية، فأي مشعوذ دجال له أن يستخف عقولهم؟! وأي ساحر فاجر يوهمهم بقدراته الخارقة؟ وأي جماعات منحرفة لها أن تبذر بذارها الفاسد في أرض عقولهم؟ لقد أضَحوا شبابًا يعملون بجِدٍّ على تحديث مجتمعاتهم والرقيِّ بها، وفق توازن شرعي، وسلّم أولويات للمهمات، بما يخدم وطنهم، ويحقق رسالتهم في الحياة.
***
стр. 172
الفصل الخامس
علامات يُعرف بها كلٌ من الساحر والمسحور
стр. 173
الفصل الخامس
علامات يُعرف بها كلٌ من الساحر والمسحور
تمهيد:
لا ريب في أن القارئ الحصيف الذي أمعن النظر بما سبق عند بيان أنواع السحر (١) ، قد أدرك يقينًا سبب إعراض أئمة أهلم العلم - عند تعرضهم لبيان هذه الأنواع - عن تفصيل ما يُعرف به العمل السحري، خشية أن يكون ذلك سبيلاً غير مقصود لتعلمه، أو العمل به؛ حيث اكتفَوا من ذلك بالإشارة عن العبارة. إلا أنا قد بينا - فيما سبق - أن اشتمال أي مكتوب على أوفاق أو ذكر للطوالق السليمانية والدوائر الشركية والنِّجامة، أو تصوير لشِعْباذ (٢) ، أو للأشكال السبعة أو تقديس للكواكب السبعة السيارة، أو البروج الاثني عشر الفاعلة المختارة، أو ذكر الطلاسم المجهولة المعاني، والعزائم الشركية، والاستحضار مع الاستعانة، والحجب والتمائم المكتظة بالأرقام والحروف، كل ذلك - بالإجمال - علامات تُنْبئ بأن من كتبها أو قالها، كان مقارِبًا لعمل السحر، ونحن سنضرب صفحًا عن المصوّرات لذلك - وهي التي تعجّ بها كتب المشعوذين (٣) - ولننزه كتابنا هذا عنها، لكن قد يكون من الأهمية بمكانٍ بيان حال كلٍّ من الساحر والمسحور الذي قد يخفى على كثير من الناس، فيأتي ساحر مثلاً يتلبس بلبوس صالحي الرقاة، فيعمد إلى قول عُوَذِه وعزائمه الشركية، ثم هو يمنح الملتجئ إليه حروزًا طلسمية، ويأمره بمخالفة أمور شرعية، ويستحضر القوى الجنيّة، ويستنزل - بزعمه - روحانيات الكواكب
стр. 174
العليّة، أو يضع بين يديه زجاجة مكوَّرةً بِلَّوْرِية، ثم يدعي بعد ذلك أنه راق من ثقات الرقاة، ووليّ من خُلّص الأولياء. لذا، فقد أجد أن من الواجب المتحتم كشف عَوار سلعة هؤلاء، وذلك ببيان علامات - لا تتخلّف - يُعرفون بها، تحذيرًا لمن قد يُغتر بهم أو يقع في شَرَكهم.
أما المسحور - عافانا الله -، فقد يكون وجوده في الواقع من أندر النادر، لكن كثيرًا من الناس يزعم في كثير من الأمراض النفسية أو حتى العضوية وجود سحر على المريض، فتتلقفه عندها أيادي المشعوذين الدجاجلة، فيخرج من بين أيديهم وقد تملّكه سحر، أو تلبّسه شيطان، وقد تمكن الدجال من عقله ونفسه، بل ومن جيبه أيضًا!! لذلك فإن الناس ينقسمون في شأن الاستدواء لمرضهم أقسامًا، فمن عائذ بطبيب نفسي لا يغادر عيادته إلا للرقاد ليلاً، إلى آخر قد تعلّق بأهداب مشعوذ ينتظر عند بابه الساعات الطوال، وثالث يجزم بوجود سحر عليه فهو يرقي نفسه ويرقيه غيره بما شُرِع وما لم يُشرَع، ورابع لا يثق بطب نفسي ولا برقية مشروعة، فتراه يجري التحاليل ويكررها مرات، ويتعلق قلبه بأدوية أطباء الأمراض العضوية، يجمع منها في خاصّةِ خزائنه العشرات.
أخي القارئ، نحن فيما قدّمنا لا نقلّل ألبتة من أهمية الطب بشقَّيْه العضوي والنفسي، أو من فعالية الطب البديل (١) ، الذي يثبت فعاليته باطراد،
стр. 175
كما أننا لا نحجز الناس عن الاسترقاء عند ثقات الرقاة، لكنْ غاية ما هنالك أننا ندعو إلى أن يسعى المرء إلى تشخيص حاله المَرَضيّة تشخيصًا صائبًا، ثم ليعمد بعدها إلى علاج نفسه بما يناسب حاله، دون الرجوع - بحالٍ - إلى مشعوذٍ ادّعى صلاحًا، والصلاح منه براء. من أجل ذلك كان من الضرورة بيان أعراض قد تظهر على المسحور، فإذا ما ظهرت وجب التأكد من قِبَل الأطباء إلى خلوّ هذه الحالة من أمراض عضوية أو نفسية، ومن ثم يُعمد إلى الاسترقاء عند من يُظن به الصلاح، وسأبين فيما يلي علامات كلٍّ من الساحر والمسحور، والله المستعان.
أولاً: علامات يُعرَف بها الساحر .
إن تمييز الساحر عن غيره يمكن بعلامات يدركها كلُّ من أوتي شيئًا من الفراسة؛ من ذلك أنك إذا نظرت إلى وجهه استشفيت فيه قبحًا ظاهرًا، وظلمة بادية، وذلك من أثر كفره والعياذ بالله، ثم إنك إذا سمعت صوته فستدرك حالاً - من نبرته ولحن قوله - أنه يوهم سامعه بصلاحه، وحرصه على شفائه، ومن ذلك أيضًا أنه يحاول التلبيس على المريض بإيحاءات جسدية كتحريك اليدين، وإغماض متكرر للعينين، وغير ذلك كثير مما لا تخطئه فراسة المؤمن، لكن مع ذلك فإن للساحر علامات ظاهرة يمكن التعرف عليه من خلالها، [منها: (١)
١- ... سؤاله عن اسم المريض، واسم أمه (٢) .
стр. 176
٢- ... طلبه من المريض تزويده بأثر من آثاره المادية (كالمشط، أو الثوب، أو مُشاطة - ما يبقى في المشط من أثر الشعر عند تسريحه - أو عِمامة ... إلخ) (١) .
٣- ... طلبه أحيانًا لحيوان بصفات معينة، كسواد لونٍ مثلاً، ليذبحه بذكر اسم غير الله عليه، أو بغير ذكر اسم الله عليه، وربما لطخ بدمه أماكن الألم من المريض، أو رمى به مذبوحًا في مكان خَرِب (٢) .
٤- ... كتابته للطلاسم، وهي المحتوية على أشكال، وأسهم، وحروف مقطعة، وأعداد في أوفاق، ورسوم لأبراجٍ، وكتابةٍ لأسماء كواكب (٣) .
٥- ... رفع الصوت بتلاوة آيات من القرآن، ثم الإسرار والتمتمة بكلام غير مفهوم وبعزائم شركية، بحيث لا يسمعها المريض فيلتبس الأمر عليه (٤) .
стр. 177
٦- ... إعطاء المريض ما يسمى "حجابًا"، وهو: تميمة شركية يعلّقها المريض، وتحوي مربعاتٍ بداخلها حروف وأرقام وعزائم، وكلام غير مفهوم، ويأمره بالحرص التام على عدم فك ذلك الحجاب (١) .
٧- ... أمره للمريض أن يعتزل الناس مدة معينة، في غرفة مظلمة لا يدخلها ضياء نور الشمس، وهو ما يسميه العامة (الحِجْبة) (٢) .
٨- ... أحيانا يطلب من المريض ألا يمس ماءً لمدة، تكون - غالبًا - أربعين يومًا (٣) ، أو يأمره بأن يضع في عنقه صليبًا، وهذه العلامة تدل على أن شيطان الجن الذي يخدم الساحر هو نصراني. فإن كان عدوًا للنصرانية أمره أن يجعل الصليب منكسًا أو معقوفًا متكسرًا (٤) .
٩- ... إعطاؤه المريض أشياء يدفنها في الأرض (٥) .
١٠- ... يعطيه أحيانًا أوراقًا يحرقها ويتبخّر بها (٦) .
١١- ... إخباره المريض أحيانًا باسمه، واسم بلده، ومشكلته العُضال التي جاء
стр. 178
ينشد حلاً لها (١) .
١٢- ... قد يكتب للمريض نوعًا آخر من «الحجاب» وهو ورقة فيها حروف مقطعة، أو يكتب هذه الحروف في طبق من الخزف الأبيض، ويأمر المريض بإذابته بماء ثم شربه (٢) .
١٣- ... التحدث أحيانًا مع أشخاص غير منظورين في المجلس، فيطلب منهم السماح والإذن بالعون، ويُصرّح لهم بأن المريض ما أتى إلا وهو محب لهم موقن بقدراتهم ... إلخ (٣) .
١٤- ... أحيانًا يأمر المريضَ بلبس الجديد من الملبس؛ كقميص، ثم يأمره بشق جهة اليد اليمنى من القميص، أو نزع جيبه وجعلها على ظهره، وغير ذلك (٤) .
١٥- ... لا يستقبل الساحر أحدًا في شهر رمضان المبارك، وبخاصة في العشر
стр. 179
الأواخر منه، كذلك في العشر الأوائل من ذي الحجة (١) .
١٦- ... من كان متحصِّنًا بالأذكار المشروعة، فإن الساحر يرفض استقباله أيضًا (٢) .
١٧- ... وضع زجاجة بلورية مكورة بين يديه، أو طَسْتٍ فيه ماء وقد نُجِّس ببول صبي مثلاً (٣) .
هذا، وإن طرائق السحرة تكاد لا تنحصر، اللهم إنا نعوذ بك من كيد الفجار وطرائق الأشرار، ومِنْ طَوَارِقِ الَّليْلِ وَالنَّهَارِ إِلاّ طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ، يَا رَحْمنُ (٤) .
ثانيًا: في ذكر علاماتٍ يُعرف بها المسحور (٥) .
١- ... كثرة الصدود عن ذكر الله تعالى، والميل إلى ترك العبادات، والإعراض عن سماع كل ما له تعلُّق بالدِّين.
٢- ... كثرة تعرضه لأحلام مفزعة «الكوابيس» .
стр. 180
٣- ... الصداع الشديد المستمر.
٤- ... كثرة وقوع الشجار - لأمور غير ذات بال - بين الزوجين، أو غيرهما.
٥- ... الغضب المفرط المتكرر، من غير مسوّغ ظاهر.
٦- ... كثرة الشرود والذهول.
٧- ... النسيان الشديد.
٨- ... تخيُّل حصول شيء، والحال أنه لم يحصل.
٩- ... شخوص البصر (جموده) ، وزَوْغه.
١٠- ... كثرة الملل من الاستقرار في مكان واحد، أو التأفّف الكثير من الاستمرار في عمل معين.
١١- ... عدم الاهتمام بالمظهر، فهو يبدو غالبًا أشعث الرأس، بالي الثوب، متسخ الجسد.
١٢- ... الهِيام على وجهه لا يلوي على شيء، ولا يدري أين يذهب، وربما نام في الخِرَب (الأماكن المهجورة) .
١٣- ... تغير في لون البشرة، وبخاصة في لون بشرة الوجه إلى السواد.
هذه بعض الأعراض التي تبدو جلية على المسحور، لكن ينبغي هنا تمييز بعض هذه الأعراض عن أعراض تطابقها، قد تظهر على بعض مَن يعانون من أمراض عضوية كداء الشقيقة، أو نفسية كداء انفصام الشخصية، المتسبب في اختلال التصرف، وكثرة الوهم والقلق والأرق، أو المعاناة من عقدة النقص البسيط أو المركب، المتسبب لكثرة النقد الذي يكون غالبًا في غير محله، مما يتسبب في كثير من حالات التخاصم بين الزوجين، أو ظهور علامات جنون العظمة (داء الكِبْر) ، فالواجب في هذه الحالات جميعها - أولاً - المعالجة العضوية لدى أهل الاختصاص، فإن لم تُجْدِ