← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7844

الحذر من السحر

خالد الجريسي

Полный текст (354 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٥- حكم النُّشرة، وهي: حل السحر بسحر مثلِه ، فإن الحكم في هذه المسألة بالجواز أو عدمه، ينبغي التأسيس له بمعرفة المقصود بحل السحر عن المسحور، هل هو عين النُّشْرة أم عمل آخر لا يتعلق بها؟ ولبيان ذلك لا بد من معرفة المقصود بالنشرة وبيان حكمها، ومن ثم تقرير حكم حل السحر عن المسحور بطريق السحر. أ- أما النُّشْرة - بالضمّ - فهي: (ضرب من العلاج، يُعالَج به من يُظن أن به سحرًا، أو مسًا من الجن، وقيل لها ذلك، لأنه يُنْشَر بها عنه ما خامره من الداء، أي يُكشف ويُزال) (١) . (وإذا نُشِّر المسفوع كان كأنما أُنشط من عقال) (٢) ، ومعنى ذلك: (أن من به نظرة من الشيطان، أي علامة منه، أو ضربة واحدة منه، أو كان به إصابة بالعين، إذا عولج بالنشرة، حُلّ عنه ذلك سريعًا وقام كأنْ ليس به شيء) (٣) . أما حكم النشرة ففيه تفصيل؛ وهو تبع لما تكون عليه، وهي على أحد ضربين: الأول: تعويذة مشروعة أو رقية جائزة مَقُولة أو مكتوبة (لتقرأ على المريض، ولينفث عليه بها، لا لِتُعَلَّق فتكون تميمة) ، ويقصد بهذه النشرة معالجة من كان به طِب. أي: سحر أو عين أو مس أو عَصْب عن امرأته. والثاني: حل السحر عن المسحور بسحر أو بألفاظ أعجمية - لا تُعلَم - أو بطلاسم لا يُفهم معناها، أو بألفاظ شركية، ونحوه مما كان معهودًا من النشرة في الجاهلية.

стр. 212

فالنشرة الأولى لا بأس بها، لما فيها من المصلحة وطلب المنفعة، وعدم المفسدة، بل ربما تكون مطلوبة لأنها مصلحة بلا مضرّة (١) . وأما الثانية؛ وهي استخراج السحر بسحر أو بألفاظ أعجمية أو بما لا يُفهم معناه، أو بنوع آخر مما لا يجوز، فإنه ممنوع (٢) . وعلى هذا التفصيل السابق تُحمل أقوال بعض أهل العلم الذين أجازوا النشرة، وعللوا لجوازها بحصول النفع، أو كونها بالعربية، ومن هؤلاء سعيد ابن المسيَّب، والمُزَنِيُّ، والشَّعْبي، والطبري، كما يفسّر بهذا التفصيل قولُ من منعها من أهل العلم؛ كالحسن البصري، وابن تيمية، وابن القيم، وابن الجوزي، رحم الله الجميع. وهاك أخي القارئ أدلة كلٍّ من الفريقين، بعدما علمت طريق الجمع بين مذاهبهم في حكم النشرة. من أدلة القائلين بجواز النشرة: ١- ... قول النبيِّ ﷺ حين سألته عائشة ﵂: أفلا؟ أي: تنشَّرْتَ، فقال ﵊: «أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللهُ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا» (٣) . ووجه الاستدلال في ذلك: أن النبيَّ ﷺ لم ينكر على السيدة عائشة سؤالها، ثم إنه ﷺ لم يذكر - في هذا الحديث - حرمة النُّشرة، مع أن المقام مقام بيان الحكم، مع شدة الحاجة إليه، فعُلِم بذلك أصل مشروعية النشرة، والله أعلم. ٢- ... واستدلوا أيضًا بقول سعيد بن المسيَّب لما سأله قتادةُ رحمهما الله قائلاً: رجل به طِبّ، أو يؤخذ عن امرأته، أيُحَلُّ عنه أو يُنَشَّر؟ قال:

стр. 213

لا بأس، إنما يريدون به الإصلاحَ، فأما ما ينفع الناس فلم يُنْهَ عنه (١) . اهـ. أما القائلون بتحريم النشرة، لكونها من السحر، فمن أدلتهم: - ... ما نصت عليه الآية الكريمة: [البَقَرَة: ١٠٢] ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ﴾ ، فقد صرّحت بأن السحر ضُرّ محض لا يتأتى منه نفع قط، فكيف ينتفع المنشّر عنه بسحر؟! - ... وكذلك النصُّ على عدم فلاح الساحر مطلقًا، في قوله تعالى: [طه: ٦٩] ﴿وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ، فكيف يرجى ممن لا يتأتى له فلاح في جميع أمره في الدنيا والآخرة أن ينفع مسحورًا بنُشرة يعملها؟! - ... ومن أدلتهم أيضًا قول النبيِّ ﷺ : «اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك» (٢) . - ... وقولُه ﷺ حين سئل عن النشرة: «هو من عمل الشيطان» (٣) . ووجه الاستدلال في الحديثين السابقين، أن رسول الله ﷺ قيّد في الحديث الأول جواز الاسترقاء بما لم يكن فيه شرك، ومعلوم أن النشرة بالسحر قد تتضمن شركًا، أو كلامًا أعجميًا - لا يُعلم - قد يحوي شركًا، أما الحديث الثاني فقد جعل رسول الله ﷺ النشرة من عمل الشيطان؛ لأنه

стр. 214

لا يُعلم عند العرب من شأن النشرة - إذا أُطلقت - إلا النشرة المعهودة في الجاهلية، وأصلها عندهم: حل السحر بسحر مثله. هذا، وقد بسطت القول في حكم النشرة بما يتسع له المقام؛ وذلك لشدة حاجة المبتلى بسحر إليها، ولكثرة وقوع المسألة فيها، والمختار من أقوال العلماء في حكمها قول من ذهب إلى التفصيل، حيث يمكن به الجمع بين ما ظاهره التعارض من النصوص، والله أعلم. أما ما ذكره بعض أهل العلم مما عرفه العرب واشتهر عندهم من طُرُق للنشرة، فأذكرها هنا إتمامًا للمطلب، ولا أجزم بنفعها أو مشروعيتها، ما خلا ما يقرأ من آيات الله تعالى في الصنفين الثالث والرابع منها: ١- ... [ما يسمّى (الحَلّ) ، وهو أن الرجل إذا لم يقدر على مجامعة أهله وأطاق ما سواها، فإن المبتلى بذلك يأخذ حزمة قضبان وفأسًا ذا قطارين، ويضعه في وسط تلك الحزمة، ثم يؤجِّج نارًا في تلك الحزمة، حتى إذا ما حمي الفأسُ استخرجه من النار وبال على حرّه، فإنه يبرأ بإذن الله تعالى. ٢- ... أن يتنشّر بأن يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفازة، وورد البساتين، ثم يلقيها في إناء نظيف، ويجعل فيها ماءً عذبًا، ثم يغلي ذلك الورد في الماء غليًا يسيرًا، ثم يمهل حتى إذا فتر الماء أفاضه عليه فإنه يبرأ بإذن الله تعالى. ٣- ... أن يخرج الإنسان في موضع عضاه (١) ، فيأخذ عن يمينه وعن شماله من كلٍّ، ثم يدقّه ويقرأ فيه، ثم يغتسل به.

стр. 215

٤- ... أن يأخذ سبع ورقاتٍ من سدر أخضر، فيدقّه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسي، والقواقل (١) ، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به، فإنه يذهب عنه كلُّ ما به، وهو جيد للرجل إذا حُبِس عن أهله] (٢) . ***

стр. 216

الفصل السابع الوقاية والعلاج

стр. 217

الفصل السابع الوقاية والعلاج تمهيد (١) : التحصين أمر مشروع: للمرء أن يسأل ابتداءً، بعدما ثبت لديه جواز تأثير السحر مرضًا على النبيِّ ﷺ مع عظيم مقامه وصدق توجّهه وملازمة وِرده، وبخاصة إذا ما علم بعدها أن سلطان السحر إنما يكون في القلوب الضعيفة، لأن الأرواح الخبيثة إنما تنشط على أرواح تلقاها مستعدة لما يناسبها، فكيف جاز بعد هذا كله أن يؤثر سحر ابن الأعصم مرضًا ألمّ برسول الله ﷺ ملازمًا له ﷺ ستة أشهر (٢) ؟! وهل للتوقي من السحر بعد ذلك جنس فائدة؟! لعل الجواب عن ذلك يكمن في أمور منها: أن تأثير السحر على الأرواح الضعيفة إنما هو محمول على الغالب، فلا يمنع احتمال تأثيره على الأرواح القوية المتحصنة، وأن هذا التأثير الأخير قد يكون للابتلاء بالصبر ورفع المنزلة، وأن ما وقع له ﷺ إنما هو لبيان تجويز ذلك في حقه ﷺ ، كما في حق كلِّ أحد من البشر، فهو إثبات لبشريته ﷺ منعًا للغلو في حقه ﵊، كما أن فيه تعليمًا لنا بالقدوة على الصبر على البلاء، ولزوم التضرع إلى الله تعالى مع إظهار مزيد الافتقار إليه سبحانه، ومن الحِكَم في ذلك أيضًا إظهار عظيم عناية الله بنبيّه ﷺ وعصمته له من أذى الناس فلا سمّ ولا سحر يضرّانه - ضرًا معهودًا بأثرهما ﵊، فقد كان سحر ابنِ الأعصم من أشد أنواع السحر ضررًا، وكان سمّ اليهودية

стр. 218

لذّاعًا فتاكًا، قد جعلَتْ كمًّا منه في موضع الكتف من الشاة، ومع أن النبيَّ ﷺ قد التقمه، فلم يضره الضر المعهود، وهذا من أعظم دلائل نبوَّته ﵊، كما أن في حصول أثر السحر إرشادًا لنا إلى وجوب الحذر البالغ من السحر، ومعرفة خطر أهله، وفيه كذلك ظهور أثر الإخلاص في الدعاء للنجاة من كيد الكائدين وشر الحاقدين، وبيان أن أكثر العاملين بالسحر إنما هم من يهود ومَنْ تبعهم، مع ظهور عظيم أثر الاسترقاء بالمعوّذتين وأنهما أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر، وأنه «مَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا قَطُّ» (١) ، كما أن في إثبات حصول أثر السحر على النبيِّ ﷺ ما يفيد مزيد الأمانة في النقل من لدن الصحابة ومن بعدهم من التابعين، ثم من نقل ذلك من المحدثين، حيث إنهم لو كانوا يخفون شيئًا مما قد يُتوهَّم منه التنقُّص من كمال قَدْر النبوَّة وعظيم شأن الرسالة لأخفَوْا مثلَ ذلك. هذا، والحِكم البالغة في ذلك تكاد ألا تحصى، وقد حفلت بها كتب شروح السنة المطهرة لمن شاء المزيد، وبالله تعالى حسن التوفيق. أخي القارئ، بعد تقرير أن التوقي والتحصين من السحر أمر مشروع بل هو مطلوب، أعمد إلى بيان تحصينات للمؤمن تقيه بإذن الله تعالى شر السحرة الأشرار، وتحصنه من كيدهم المهين، ثم أُتبِع ذلك بطرق مشروعة للمعالجة من أثر السحر، وأختم بذكر رقى مشروعة من كتاب الله تعالى وسُنَّة نبيِّه ﷺ ، مفصَّلة تقي عامة أنواع الضرِّ بإذن الله. وسأقدّم بين يدي ذكر هذه

стр. 219

الرقى - إتمامًا للفائدة إن شاء الله - بيان معنى الرقى، وأنواعها، ومسائل مهمة متعلقة بها (١) . وعلى ما ذكر آنفًا تكون الأبواب المندرجة في هذا الفصل كالآتي: الأول: بيان تحصينات واقية من السحر، بإذن الله تعالى. الثاني: الطرق المشروعة لإبطال السحر. الثالث: التداوي بالرقى المشروعة ويشمل مبحثين: ١- بيان معنى الرقى، وأنواعها، ومسائل مهمة متعلقة بها. ٢- ذكر رقى مشروعة من الكتاب والسنة.

стр. 220

الباب الأول: التحصينات الواقية من السحر، بإذن الله تعالى. إن الشريعة المطهرة لم تدع حصنًا منيعًا يقي المؤمن كل شر إلا وشرّعت أبوابه داعية أتباعها إلى ولوجه، والتحصن فيه، فمن أخذ تلك التحصينات بقوة وعض عليها بالنواجذ نجا، ومن أعرض عنها أو تساهل بشأنها عرّض نفسه إلى التهلكة، وتجاذبته أهواؤه، وعبثت به نفوس السحرة الخبيثة، وتمكنت من إعمال سحرها عليه. وسأبين فيما يلي بعضًا من هذه التحصينات الواقية، وهي بمجملها أربعة تحصينات. الحصن الأول: تحقيق الإخلاص في توحيد الله سبحانه: ويكون ذلك باليقين الجازم بعظمة الله وقَدْره حقَّ قدره، وإفراده سبحانه بالعبادة، والاعتقاد بأنْ لا استحقاق في شيء منها لأحد غيره، وذلك بتوحيد الله في ربوبيته وإلهيته وأسمائه الحسنى وصفاته العُلى، وهو درع حصين وسلاح مكين لا يمكن لمخلوق أن يتسلل منه، أو يقارب حِماه، إذ إن صاحبه لا يستعيذ إلا بالله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يستعين إلا بالله، ولا يطلب نفعًا إلا من الله، ولا يستدفع ضرًا إلا بالله، ولا يتقرب إلا لله. هذا، وإن النظر في كتاب الله تعالى وسُنَّة نبيِّه ﷺ يرشد إلى حقيقة أن الإخلاص هو حقيقة الإيمان، ومبنى رفعته، وهو صفة المصطفَيْن الأخيار من عباد الله الصالحين، فتأمّل معي - أخي الحصيف - هذه النصوص المباركة: - ... قال تعالى: [الزُّمَر: ٢-٣] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ *أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ *﴾ .

стр. 221

- ... وقال سبحانه: [الزُّمَر: ١٤] ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي *﴾ . - ... وقال جلَّ ذِكره: [غَافر: ١٤] ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ *﴾ . - ... وقال تبارك اسمه: [ص: ٤٥-٤٦] ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ *إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ *﴾ . - ... وقال : [الحِجر: ٣٩-٤٢] ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ *قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ *إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *﴾ . فانظر - رعاك الله - إلى عظم شأن هذا الحصن، وإلى عجز إبليس وجنده، وضعفهم عن مجرد إغواء من اتصف بالإخلاص، فكيف لساحر بعدها - وهو خادم صاغر لشيطانه - أن يقارب مؤمنًا بضرٍّ، أو يُنزِل به شرًا؟! أما رأيت كيف تجتنب الشياطين طريقًا مرّ بها عمر ﵁ كما أعلمه به المعصوم ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجَّاَ إِلاَّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» (١) بل أضحى الشيطان يرتعد خوفًا من إخلاص عمر ﵁ وقوته في الحق، كما بشّر به رسول الله ﷺ عمرَ بقوله: «إَنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ» (٢) .

стр. 222

وأما الحصن الثاني - بإذن الله - فيكون في تعظيم الله بالإكثار من ذكره سبحانه: - ... ومن أعظم أنواع الذكر المُحصِّنة لقلب المؤمن، والتي ينبغي له الاشتغال بها: تلاوة القرآن الكريم، مع الاجتهاد في تدبُّره وحفظه، فهذا يوهن بل يبطل أي سلطان لشيطان أو لمن تقرّب إليه من ساحر مشعوذ، كما أخبر بذلك سبحانه: [النّحل: ٩٩-١٠٠] ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ *إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ *﴾ . ومما لا يخفى مزيد فضلِ بعض سور القرآن الكريم، كما بعض آياته، التي صحّ بمزيد فضلها النصُّ، أما السور، فمنها: - ... سورة الفاتحة، ويتلوها المؤمن سبع عشرة مرة في صلواته من اليوم والليلة، وقد قال النبيُّ ﷺ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ : هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيْتُهُ» (١) . وقال ﵊: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ، وَلاَ فِي الإِْنْجِيلِ، وَلاَ فِي الزَّبُورِ، وَلاَ فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا، وَإِنَّهَا سَبْعٌ مِنَ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيْتُهُ» (٢) . ومن فضلها العظيم أنها رقية مشروعة، قد «أقرّ رسولُ الله ﷺ نفرًا من الصحابة ﵃، رقَوْا بها - مجتهدين في كونها رقية - سيدَ حيٍّ من أحياء العرب، كان قد لُدِغ، فشفي، فقال ﷺ للراقي، وهو أبو سعيد

стр. 223

الخدري ﵁: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ» (١) . - ... سورة البقرة بتمامها في البيت، فتكون حصنًا حصينًا لأهله؛ قال رسول الله ﷺ : «لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» (٢) . وقال ﵊ في فضلها أيضًا: «اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلاَ تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» (٣) . فهي حصن حصين يبطل أعمال السَّحَرة الأشرار، وكيد أتباعهم الفجّار. - ... ومن السور الداعية لِتَنَزُّل السَّكينة على قلب المؤمن، سورة الكهف، وقد قال ﵊ لمن تنزلت عليه سحابة غَشِيَتْه عند قراءته لها،: «اقْرَأْ، فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ» (٤) . - ... ومن فُضليات السور أيضًا سورة (الكافرون) ، فإنها براءة من الشرك، وهي لا تَدَع للشيطان على الإنسان سلطانًا ألبتة، وقد أمر رسولُ الله ﷺ

стр. 224

نوفلَ بن معاويةَ ﵁، أن يتلوها إذا أوى إلى فراشه، بقوله ﷺ «قل: ﴿قال يا أيها الكافرون﴾ ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ» (١) . - ... ومن السور الكريمات المحصِّنات: سورة الإخلاص والمعوِّذتان، إذا قرئت ثلاثًا، وذلك لقوله ﷺ لعبد الله بن خُبيب ﵁: «قل: ﴿قل هو الله أحد﴾ وَالْمُعوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَتُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» (٢) . كما أن سورة الإخلاص تعدل ثُلُثَ القرآن، فقد قرأ رسول الله ﷺ هذه السورة حين احتشد الناس لسماع ثلث القرآن من في رسول الله ﷺ ، فلما قرأها قال ﷺ : «إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، أَلاَ إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» (٣) ، كذلك، فإن المعوذتين رقية شرعية للمريض، كما صحّ عن النبيِّ ﷺ أنه كَانَ إِذَا اشْتَكى - أي: مَرِضَ - نَفَثَ عَلَى

стр. 225

نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا اشْتَكى وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ﷺ جَعَلَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ ﵂ تَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ ﷺ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَتَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ [رَجَاءَ بَرَكَتِهَا] (١) . وأما الآيات الكريمات، التي تقي تلاوتُها - بإذن الله - من صنوف الشرور. - فأولها: آية الكرسي، وذلك لما صحَّ عن النبيِّ ﷺ من قوله لأبيِّ بن كعبٍ ﵁، «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيَّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيَّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» ، قُلْتُ: ﴿اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وقال: «وَاللهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ» (٢) . وتلاوة هذه الآية هي أعظم سبب لحفظ الله تعالى لعبده، ولحجز الشياطين كافة عمن يقرأها، فعن أبي هريرة ﵁، قال: وكّلني رسول ﷺ بحفظ زكاة رمضان فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذتُه فقلت: لأرفعنّك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: - ذلك الشيطان اللص -: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تُصبح، فقال النبيُّ ﷺ : «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ» (٣) .

стр. 226

- ومن ذلك أيضًا، الآيتان من خواتيم سورة البقرة، وهي قوله تعالى: [البَقَرَة: ٢٨٥-٢٨٦] ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ *لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ *﴾ . فقد صحّ عن النبيِّ ﷺ أنهما تكفيان من قرأهما من غائلات الليل، قال ﷺ : «الآْيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» (١) . وقال ﵊: «إِنَّ اللهَ تَعَالى كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ أَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَلاَ يُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلاَثَ لَيَالٍ فَيَقْرَبُها شَيْطَانٌ» (٢) . - ... ومن صنوف الشرور العظمى التي يتحصن المسلم منها فتنة (المسيح الدجّال) ، ويكون ذلك التحصن بحفظ عشر آيات من أول سورة الكهف، وعشرٍ من آخرها. وذلك لقوله ﷺ : «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ [مِنْ آخِرِ] سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ» (٣) .

стр. 227

لقد تفضّل الله تعالى على المؤمن بهدايته للإيمان، وإن تلاوة ما سبق ذكره من السور والآيات لم يكن لينفع قارئه، النفع التام، إلا إذا صدر عن قلبٍ مخلَّصٍ من شوائب الشرك، ولوثات الرياء، فاحرص على حفظ النعمة العظمى، والمنة الكبرى: نعمة الإيمان، فهي الحصن الحصين، وهي التي تُحِيل النطق بالأذكار - ومن أعظمها تلاوة آيات الله تعالى - من مجرد قولٍ لكلمات يلهج بها اللسان، إلى أنوار من الهدى تحمي القلب فيطمئن بها، وتُبصِّره بالحق فيعقله فيتدبّر عندها هوان الدنيا، وحسن ثواب الآخرة، وتزكو نفسه، فتتلبسها السكينة، ويجلّلها الفلاح، وإن نعمة الإيمان هي التي تكشف للروح معنى النفخة العلوية والخِلْقة السويّة التي أسجد اللهُ تعالى ملائكتَه الكرام بسببها لآدم ﵇، كما تكشف للروح شدة عداوة إبليس لبني آدم ﵇، وتكبُّرَه الذي حجب عنه كل خير، وأحاله رجيمًا مذؤومًا مدحورًا، ملعونًا، مُتوعَّدًا بأشد العذاب، إذا عقل القلب ذلك اتخذت الروحُ عندها الشيطانَ عدوًا، وحذِرَتْ مكايده، وحصَّنَتِ النفس من مداخله، ولا يقتصر أمرها على ذلك، بل إن هذه النعمة العظمى تلقي السرور والحبور في مناحي القلب، فيأمر القلبُ الجسدَ بحسن الامتثال للوهّاب، وبشدة الكراهية لمخالفة أمره، فتمتثل الجوارح عندها بالعبادة فيحقق العبد غاية وجوده، والحكمة من خلقه، فيعبد ربّه حق العبادة، ويتوكل عليه حق التوكل. أخي القارئ الكريم، إذا عرفت قدر تلاوة آيات الله تعالى في مقام الأذكار المُحَصِّنة، وارْتَضْتَ في رَوْضِها، ورتَّلْتَها ترتيلاً آناء الليل وأطراف النهار، فهاك باقةً عطرة من أذكار نبوية شريفة، فاح شذاها من محبة النبيِّ ﷺ لأمته، ومزيد رحمته ورأفته بهم، وإشفاقه عليهم من أن تَجَاذَبَهُمْ أهواؤهم، وتأمَّر عليهم نفوسُهم بالسوء، أو يُضِلَّهم قرناؤهم من شياطين الإنس والجن. وقد دلنا ﵊ على أن الخلق جميعَهم عجَزَة لا يملكون ضرًا ولا نفعًا إلا بإذن الله، وأن الله سبحانه هو الذي يُجري -

стр. 228

إن شاء - نفعًا أو ضرًا على أيديهم، وأن القلم قد جرى في علمه تعالى بما هو لنا أو علينا، فالتعويل كله على إرادة الله وقدرته سبحانه، قال ﵊: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُْمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَْقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» (١) . فإن استقر هذا المعنى في فؤادك حصل لك عندها انتفاع تام بالأذكار النبوية، وتحصنت بها بإذن الله، فلا يضرك شيء بعدها يقينًا، بل ولا يجرؤ مخلوق على ضُرِّك، فإن أهل الحصن لا ينعمون بالاطمئنان والأمان إلا إذا وقف عند أبواب أسوارهم جند أشاوس يخشى العدو من مجرد التفكير بغزوهم، هذا مَثَلُ قلب المؤمن وقد أيقن بعزة الله سبحانه، ولهج لسانه بما أرشده إليه نبيُّه ﷺ . هذا، وإن من مهمات التحصينات بالأذكار النبوية؛ الأوراد عند الإصباح والإمساء، وكذلك عند النوم. أولاً: التحصينات بأذكار الإصباح والإمساء، وقد حفلت بإيراد ما صح منها كتبُ السنّة المطهّرة (٢) ، وليس الغرض هنا استقصاءها، لكن الاختيار منها، مبينًا فضلها تفصيلاً بحسب ما يقتضيه المقام: ١- ... تلاوة آية الكرسي: [البَقَرَة: جزء من الآية ٢٥٥] ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ... ﴾ ، فهي أعظم آية في كتاب الله تعالى (٣) ، وهي الكلمات النافعة التي لا يزال على قارئها من الله حافظ، ولا يقربه

стр. 229

شيطان (١) ، وإن فيها وفي قوله تعالى: [آل عِمرَان: ١-٢] ﴿الم *اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ *﴾ ، اسم الله الأعظم (٢) ، وآية الكرسي مكتوبة تحت العرش (٣) ، وإن فضلها يكاد لا يحصى.

стр. 230

٢- ... تلاوة سورة الإخلاص، والمعوذتين. أما الإخلاص، فهي تعدل ثلُث القرآن (١) ، ومن فَقِهَ معناها وأحبّ أن يقرأ بها أحبَّه الله (٢) ، وهي سبب موجب - برحمة الله - لدخول الجنة (٣) ، ومن دعا بها فقد دعا الله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب (٤) ، وهي حصن مع المعوذتين، تكفي من كل شيء (٥) ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيْ سُنَّةِ الْفَجْرِ ﴿قال يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ (٦) . وأما سورتا الفلق والناس، فهما السورتان المعوِّذتان (٧) ، ما تعوّذ متعوِّذٌ

стр. 231

بمثلهما، ويستحب أن يقرأ بهما في صلاة الصبح (١) ، وكذلك في أدبار الصلوات (٢) ، وحين الإصباح والإمساء مع سورة الإخلاص ثلاث مرارٍ - كما مرّ آنفًا -، كما يقرأ المؤمن بذلك جميعه وينفث بهما في كفيه إذا أوى إلى فراشه، ويتعوذ بهما عند شكايته المرض، ويرقي بهما نفسه عند نزول المرض، كل ذلك اقتداءً بالنبيِّ ﷺ (٣) . ٣- ... قول: (لاَ إِلهَ إِلاّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، عشر مرارٍ أو مائة مرّة. فمن قالها (عشرًا) كان كمن أعتق رقبةً من ولد إسماعيل ﵇. ومن قالها (مائةً) كتبت له مائة

стр. 232

حسنة، ومحي عنه مائة سيئة، ثم كانت له حِرْزًا من الشيطان في يومه ذاك حتى يمسي (١) . ٤- ... قول: «سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» (ثلاث مرات) ، وهذه لو وزنت بما يقوله المؤمن من أذكار منذ انقضاء صلاة الفجر إلى وقت الضحى، لوزنتهن (٢) . ٥- ... ثم يَشْرع بالصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، بقوله: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى [إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى] آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى [إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى] آلِ إِبْرَاهِيمَ (فِي الْعَالَمِينَ) ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٣) . يكررها عشرًا، أو يكثر منها ما شاء، لقوله ﷺ : مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا (٤) ، كما أنه يستحب للمؤمن أن يبالغ في الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ يوم الجمعة وليلته، وذلك امتثالاً لأمره ﷺ بقوله ﷺ : إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ

стр. 233

عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيه الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ (١) . ٦- ... قول أفضل الاستغفار وسيِّده، وهو قوله ﷺ : «اللهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ [لَكَ] بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ» (٢) . وقد أَعْلَمَ النبيُّ ﷺ بعظيم فضل هذا الاستغفار بقوله ﷺ : «وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِي، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (٣) . وأنّى يكون لشيطان سلطان على من هو معدود في أهل الجنة؟! قال تعالى: [الحِجر: ٤٢] ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *﴾ ، وقال سبحانه: [النّحل: ١٠٠] ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ *﴾ . ٧- ... ملازمة الاستغفار والتوبة في اليوم والليلة، ما يحبط محاولات الشيطان المتكررة لإغواء من استطاع من بني آدم وإلحاقهم بمعيته إلى مستقره الأخير وإلى مصيره البئيس، فالعبد - إذا غفر الله له وتاب عليه - أيأس شيطانه من اللحاق به، فيعاود الكرّة مرة بعد مرة عسى أن ينال مبتغاه وغاية مناه، فيلزم العبدُ عندها الاستغفارَ والتوبة، لتبدأ بعدها المحاولات

стр. 234

من جديد، ولعل ذلك هو سر إشفاق النبيِّ ﷺ على أمته المكرمة بأمرهم بتكرار الاستغفار والتوبة سبعين أو مائة مرة، مع أن العبد قد لا تبلغ ذنوبه هذا الكمّ في اليوم، إلا أن وساوس شياطين الإنس والجن قد تبلغ ذلك، وقد تزيد، عياذًا بالله تعالى من شر وساوسهم. قال النبيُّ ﷺ : وَاللهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّة (١) ، وقال ﵊: إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مَائِةَ مَرَّة (٢) . فإذا كان النبيُّ ﷺ وشأنه دوام ذِكر الله تعالى - يفتر عن الذكر أحيانًا، فيَعُدّ ذلك ﷺ خلاف الأولى في حقه، فيشرع بالاستغفار والتوبة، فما بال أحدهم وقد علا الرّان (٣) قلبَه ساعات، بل ربما أيامًا، ثم يسأل بعدها مستغربًا كيف تسلّط شيطان على قلبه؟! وكيف تلبّس به وجرى في دمه؟! وكيف صرعه مسٌّ شيطاني، أو أضرّ به سحر سُفْلي، أو عانه عائن، أو أضر به شر حاسد؟! حتى إذا استعصى علاج ذلك على الخلق عرف آنذاك أن ما أصابه كان بما كسبت يداه واشتغلت به يمناه، وبما أعرض قلبه عن ذكر مولاه، فيمّم وجهه مسارعًا إلى راقٍ يرقيه، أو صالح يدعو له، وكان الأجدر به أن يعلم ابتداءً أنْ لا ملجأ ولا منجىً من الله إلا إليه، وأن الأمر كله لله، فلو تعلق بالرقية أو بصلاح عبد يرقيه وحسب، لم ينفعه ذاك، حتى يعود إلى مولاه ويطلب رضاه، عندها ينفع التحصينُ

стр. 235

ويوفق الله الراقي والمسترقي، ويشفي الله عبده من كل ما يؤذيه، ويقوم كأنما نشط من عقال، كأنْ ليس به ضُرٌّ مسَّه. ٨- ... ومن الأذكار المُحصِّنة لقلب المؤمن في الإصباح والإمساء، أيضًا قول النبيِّ ﷺ : أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ (أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى) الْمُلْكُ لِلّهِ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ، لاَ إِلَهَ إِلاّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ويزيد إن شاء إذا أمسى: رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا (١) ، أَصْبَحْنَا (أَمْسَيْنَا) عَلَى فِطْرَةِ الإِْسْلاَمِ، وَعَلَى كَلِمَةِ الإِْخْلاَصِ، وَعَلَى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَعَلَى مِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٢) ، أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ومن فضل قول ذلك أن العبد إذا نزل منزلاً فقالها لم يضره شيء؛ إنس ولا جان ولا حيوان، حتى يترك منزله ذلك (٣) . كذلك قول: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ مَعِ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَْرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (يقولها ثلاثًا) ، ومن فضلها: أن قائلها لا تصيبه فَجْأَةُ بلاءٍ (٤) ، وقول: رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِْسْلاَمِ دِينًا،

стр. 236

وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا يقولها ثلاثًا كذلك. فمن قال ذلك كان حقًا على الله تعالى أن يُرضيه يوم القيامة (١) . ثانيًا: الأذكارُ المتعلقة بالنوم؛ ومن ذلك: - ... تلاوة آية الكرسي [أعظم آية في كتاب الله، وسيدة آي القرآن] . كما جاء في رواية استحفاظ النبيِّ ﷺ أبا هريرة لزكاة رمضان، وقد أتاه آتٍ يحثو من مال الصدقة مرات عديدة - وهو يَعِدُ بألا يعود، ثم هو يعود حتى قال لأبي هريرة ﵁: إذا أويتَ إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي، فأعلم رسولُ الله ﷺ أبا هريرة عن حقيقة هذا الآتي بقوله: صَدَقَكَ، وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ (٢) . - ... تلاوة خواتيم سورة البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ إلى آخر السورة الكريمة [البقرة ٢٨٥-٢٨٦] . وذلك لقول النبيِّ ﷺ : الآْيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ؛ مَنْ قَرَأَ بِهِمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ (٣) . - ... تلاوة سورة (الكافرون) ، لقوله ﵊: اقْرَأْ: [الكافِرون: ١] ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ *﴾ ، ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ (٤) . ٤- ... النفْث في اليدين - باطن الكفَّين -، مع قراءة سورة الإخلاص والمعوّذتين، فَقَدْ كَانَ ﵊ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ نَفَثَ فِي

стр. 237

يَدِهِ وَقَرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَمَسَحَ بِهِمَا جَسَدَهُ (١) . - ... التكبير أربعًا وثلاثين، والحمد ثلاثًا وثلاثين، والتسبيح ثلاثًا وثلاثين، وذلك لقوله ﷺ لعلي وفاطمة ﵄: إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا، فَكَبِّرَا اللهَ أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَسَبِّحَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ (٢) . - ... ومن ذلك، إِسْباغُ الوضوءِ، وَالاضْطِجاع على الشِّق الأيمن، مع قول: اللهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ (٣) . هذا، وقد اقتصرت على ما رأيتَ، سائلاً الله تعالى أن يوفقني وإياك للتحصن بذكره في جميع أحوالنا، وأن يُذهِب عنا رجز الشيطان ويُضعف كيده، ويُخزي جنده ويُعدم سلطانه، وأن يمتن الله علينا فيوفقنا لأن نكون من عباده المخلَصين. آمين.

стр. 238

الحصن الثالث: الإكثار من الاستعاذة بالله تعالى: إن تحصين المؤمن نفسه مدارُه جميعًا على وقاية قلبه مما قد يؤثر فيه فيفتح فيه ثلمة يلج الشيطان وأتباعه منها فيستحوذ على روحه، أو يضره في جسده، وقد علمت - بفضل الله - ما يحصن قلبك بتلاوة آيات الله تعالى، وملازمة ما أرشد إليه رسول الله ﷺ من أذكار مباركات، لكن مع ذلك فقد يتحيّن الشيطان وجنده من السحرة - عياذًا بالله - فرصة يغفل فيها العبد عن ذكر ربه، فيقع المؤمن عندها بتأثير أعمالهم، ويكون فريسة سهلة لمكائدهم، لذا فقد أرادت الشريعة المطهرة ألاّ تدع لعدوك إليك سبيلاً يسلكه، ولا تسلُّطًا يتسلط به عليك، فإن غفلت أو أُنسيت، أو شغلك شاغل عن ذكر ربك، فما أيسر من أن تتلفظ عندها بكلمات تلتجئ بقولهن إلى حمى مولاك، وتستجير بعزته، وتستمسك بقدرته، وتُظهِر بها مدى ضعفك وافتقارك، فيُضعِف اللهُ كيد عدوك، فيخنس عن قلبك. فإذا ما أردت - أخي المؤمن - أن تتخلص من كيد شياطين الإنس والجن، لتلج في حِرْز العبادة والتقوى، فما عليك إلا أن تستعين بخالقهم، وتستجير بجنابه سبحانه، وتلتجئ إلى حماه، وتلوذ بكنفه، فهو القادر سبحانه على إعاذتك من نزغات الشيطان، ومن كيد السحرة الفجرة، الذين ما فتئوا يخدمون شياطينهم ويتقربون إليهم. لذلك كله فقد أرشدت الشريعة المطهرة إلى وجوب الاستعاذة بالله تعالى رحمة بهذا الإنسان وطلبًا لسلامته، وتحصينًا متواصلاً له، وهاك نصوصًا من كتاب الله تعالى وسُنَّة نبيِّه ﷺ دالّة على ذلك: - ... قال الله تعالى: [الأعرَاف: ٢٠٠] ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *﴾ .

стр. 239

- ... وقال تبارك اسمه: [النّحل: ٩٨] ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *﴾ . - ... وقال سبحانه: [المؤمنون: ٩٧-٩٨] ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ *﴾ . - ... وقال : [فُصّلَت: ٣٦] ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *﴾ . أما السنُّة فمنها قول النبيِّ ﷺ لرجل مغضَبٍ قد احمرّ وجهُه -: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فقال الصحابة للرجل: ألا تسمع ما يقول النبيُّ ﷺ ؟ قال: إني لست بمجنون (١) . ويُلحظ هنا ضرورة أن يكون غضب المؤمن لله تعالى، فلا يغضب لأمر من أمور الدنيا، ولا ينتقم لنفسه قطّ، وإن له في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، «وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِنَفْسِهِ، إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلّهِ بِهَا» (٢) . ومن مواضع الاستعاذة عند استفتاح صلاة التطوع، وذلك بقوله ﷺ : اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا - ثَلاَثَ مِرَارٍ - وَالْحَمْدُ لِلّهِ كَثِيرًا - ثَلاَثَ مِرَارٍ - وَسُبْحَانَ

стр. 240

اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً - ثَلاَثَ مِرَارٍ - اللهُمَّ إِني أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْثِهِ وَنَفْخِهِ، قلت - القائل: جبير بن مُطعِم ﵁: همزُه ونفثُه ونفخُه؟ قال ﷺ : أَمَّا هَمْزُهُ: فَالْمَوْتَةُ (١) الَّتِي تَأْخُذُ ابْنَ آدَمَ، وَأَمَّا نَفْخُهُ: الْكِبْرُ، وَنَفْثُهُ: الشِّعْرُ (٢) . كذلك، فإن الاستعاذة تتأكد عند إرادة الشروع بتلاوة آيات من القرآن الكريم. قال تعالى: [النّحل: ٩٨] ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *﴾ . وفي ذلك حِكم بالغة أوجزها فيما يلي: - ... أن القرآن الكريم وهو شفاء للصدر وهداية للقلب، يشفي الله به الصدر مما علق به من الوساوس، فيصير القلب قابلاً للهداية فيتأثر بما يتلوه صاحبه من آيات الله، كما وتؤثر التلاوة عندها بمن يسمعها، ويمكن إذ ذاك تمكُّن الهداية في النفس وبقاؤها مانعًا للنفس عن الشهوات، وحاجزًا للفكر عن الشبهات، وهذا من أشد ما يغتاظ به الشيطان

стр. 241

الرجيم، لذا، فهو يهرع عندئذٍ لشغل القارئ والسامع عن ذلك الانتفاع، حسدًا من عند نفسه، وحجزًا للمؤمن عن الهداية، فإذا استعاذ المؤمن صرف اللهُ كيدَ الشيطان وأَذِن بهدايته وانتفاعه بالتلاوة، ولله الحمد والمنة. قال تعالى: ُ [الإسرَاء: ٤٥] ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا *﴾ . وقال : [فُصّلَت: ٤٤] ﴿ ... قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً ... *﴾ . - ... ومن الأحوال أيضًا التي تتأكد فيها مشروعية التعوّذ حدوث نزغ من الشيطان، أو طائف منه، قال تعالى: [الإسرَاء: ٥٣] ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِيناً *﴾ . وقال سبحانه: [الأعرَاف: ٢٠٠-٢٠١] ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ *﴾ . فائدة في الفرق بين العدو الإنسيِّ، والعدو الشيطانيّ: قال الإمام ابن كثير ﵀: قال الله تعالى: [الأعرَاف: ١٩٩-٢٠٠] ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ *وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *﴾ وقال تعالى: [المؤمنون: ٩٦-٩٧] ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ *وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *﴾ وقال تعالى: [فُصّلَت: ٣٤-٣٦] ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ *وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *﴾ .

стр. 242

قال ﵀: [فهذه ثلاث آيات (١) ليس لهن رابعة في معناها، وهو أن الله يأمر بمصانعة العدوّ الإنسيِّ والإحسان إليه ليردَّه عنه طبعُه الطيبُ الأصلِ، بالموادّة والمُصافاة، ويأمر سبحانه بالاستعاذة به من العدو الشيطاني لا محالةَ، إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانًا، ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم، لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبلُ] اهـ. من كلام الإمام ﵀ (٢) . - ... كما يشرع التعوّذ بالله، عند إرادة دخول الخلاء، فقد كان النبيُّ ﷺ إذا دخل الخلاء، قال: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ (٣) . - ... وعند سماع نباح الكلاب، أو نهيق الحُمُر - في الليل خاصةً - وذلك لقوله ﷺ : «وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ [فَإِنَّهُ رَأَى] شَيْطَانًا» (٤) الحديث. ولقوله ﵊: «إِذَا سَمِعْتُمْ نُبَاحَ الْكِلاَبِ وَنَهِيقَ الْحُمُرِ بِاللَّيْلِ

стр. 243

فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ، فَإِنَّهُنَّ يَرَيْنَ مَا لاَ تَرَوْنَ» (١) . - ... هذا، ومما يحسن ختم صنوف التعوذ به، الاستعاذة بالله تعالى من أن يتسلط الشيطان على نفس المؤمن عند النزع الأخير، فيُخْتَمُ له بخاتمة السوء، عياذًا بالله، لذا فقد شُرِع لنا التعوذ بالله تعالى من ذلك، قال النبيُّ ﷺ : «وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِيَ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ» (٢) . كذلك فإن مما يشرع في التحصين بذكر الله تعالى تعويذ الولد، وذلك بما كان النبيُّ ﷺ يعوّذ به الحسن والحسين ﵄، ويقول: إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ﵈: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لاَمَّةٍ (٣) . ومما يدخل في تحصين الولد كذلك ما أرشد إليه النبيُّ ﷺ بقوله: لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتى أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا، [وَلَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ] (٤) . ومما يحصَّن به المولود أيضًا التأذين في

стр. 244

أُذنه حين الولادة، كما: أَذَّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُذُنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ - حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ - بِالصَّلاَةِ (١) . ولعل الحكمة في ذلك: أن تسبق كلمةُ التوحيد إلى قلب المولود، قبل أن ينخسه الشيطان أو ينزغه، أو يطعنه - يمسه - في جنبيه بأصبعه، فإذا سمع النداء للصلاة استقرت كلمة التقوى في قلبه، وعلَتْ روحَه، فلا يجتاله الشيطان عن الفطرة التي فُطر عليها، ولا يتسلط عليه بعد ذلك ولا يضره. أما الرابع من التحصينات الواقية - بإذن الله - فهو: بالاجتهاد في تحقيق حسن الاقتداء بالنبيِّ ﷺ . ويكون ذلك بإعمال سنّته ﷺ فيما أرشدت إليه من محادّة الشيطان، وقصد مخالفته، ومخالفة أتباعه. وليس المقصود في هذا المقام استقصاء الوصايا النبوية الكريمة جميعها، لكنْ بعض ما أرشدت إليه، ومن ذلك: ١- ... أكثِرْ من الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم، وبخاصة عند الغضب. قال النبيُّ ﷺ : «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (٢) . ٢- ... سمِّ الله تعالى، عند كل أمرٍ ذي بال من قول أو عمل تريد الشروع به. كتلاوة القرآن، والوضوء، ودخول المسجد والخروج منه، ودخول البيت والخروج منه، وركوب الدابة، وعند البدء بطعام أو شراب،

стр. 245

أو عند ذبح مأكول اللحم، أو عند إرادة الجماع، أو دخول الخلاء، قال رسول الله ﷺ «كُلُّ كَلاَمٍ، أَوْ أَمرٍ ذِي بَالٍ، لاَ يُفتَحُ بِذِكْرِ اللهِ ، فَهُوَ أَبْتَرُ» (١) . ٣- ... تيمَّنْ في شأنك كلِّه، فقد: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» (٢) ، أي: في الأمور المستحسنة جميعها (٣) . اهـ. ٤- ... خالف سَمْت الشيطان، ومحبوبَه وما يميل إليه، ومن ذلك: * ... الكِبْرُ والاستعلاء، وهما داءان مهلكان مانعان من كل خير، مردّهما إلى العُجْب بالنفس، والبَطْرِ بأنعُم الله وكفرٍ وجحود بها، وهذا عين ما اتصف به إبليس الرجيم حين أمره الله تعالى بالسجود لآدم تكريمًا لهذا الخَلْق؛ اعترافًا بقدرة الخالق، وامتثالاً لأمره سبحانه، قال تعالى: [ص: ٧٣-٧٨] ﴿فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ *إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ *قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ *قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ *وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ *﴾ ، وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «مَا زَادَ اللهُ

стр. 246

عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاّ عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ تَعَالى» (١) . * ... والعجلةُ [وهي المانعة عن التمهل والتأمل قبل الشروع بالأفعال، فيشرع المرء بها من غير تبصُّرٍ ولا معرفة، فيروّج الشيطانُ شرَّه على المستعجِل من حيث لا يدري] (٢) ، ومردّ العجلة الكِبْر والعُجْب بالنفس، والتشبّع بما لم يعط، فإن المرء إذا اعتدّ بنفسه توهّم قدرته على إنجاز ما يريده كأسرع ما يكون، فإذا حاول ذلك أعياه الأمر، فاستشاط عندها غيظًا، وربما جرّه ذلك إلى إحباطٍ يستتبع تركًا للأعمال النافعة، واستسلامًا لوساوس الشيطان بالعجز، والتنحّي جانبًا عن مسار العمل النافع، وترك الاستعانة بالله، فيلقي الشيطان عندئذٍ شُبُهاته في قلبه، ويُخيِّل إليه عجز الإنسان عمومًا عن أداء ما يحقق له الاستخلاف في الأرض أو القيام بما خُلِق له من العبادة، فيتوجه عندها إلى اتباع الهوى والتطفل على موائد الغير، ويُمضي حياته على هذا المنوال!! فهل كان يتصور عند تعجّله في أداء مهامه أن يصير إلى ما صار إليه؟! قال الله تعالى: [الإسرَاء: ١١] ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً﴾ . وقال سبحانه: [الأنبيَاء: من الآية ٣٧] ﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ... ﴾ ، وقال رسول الله ﷺ : «الأَْنَاةُ مِنَ اللهِ وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ» (٣) . وقال ﵊: «يُسْتَجَابُ لأَِحَدِكُمْ

стр. 247

مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» (١) . فإن كان التعجُّل مذمومًا حالَ الدعاء، عندما تعظم الرغبة في الاستجابة، فكيف بما دون ذلك من أمور الدنيا؟! * ... والغضبُ: وهو آفة الخُلُق، ويكون بتوقّد جمرة في قلب ابن آدم تؤزُّه على إنفاذ ما يريده قسرًا، وإن الملقي لهذه الجمرة الخبيثة هو الشيطان الرجيم؛ يلقيها على حين غفلة من هذا القلب عن ذكر الله. وكم ألحق الغضب بابن آدم من ويلات تندَّم بعد وقوعها، بل استغرب أحيانًا صدورها عنه، لكنْ لاتَ ساعةَ مَنْدَمِ، فكم من قتيل - بغير حق - وطلاق بغير بصيرة، وعداوة بغير مسوِّغٍ، وقطيعة رحم جرَّاء غضب في ساعة غفلة، غطى عقل صاحبه، وأحرق الحكمة المودعة في قلبه، فاستحال شبيهًا بمجنون، لا يعي ما يقول ولا يدرك ما يفعل، فغلب الشيطان على عقله واستحوذ على بصيرته فأوقعه بما لا يريد فأورده المهالك، والمرء يحسب - أنه في ذلك كله - ينتصر لنفسه، ويُنْفِذ رأيه، ويحقق مراده. لذا، فقد أكد رسول الله ﷺ النهي عن الوقوع بمثل هذا الفخ الشيطاني المتكرر، حيث حذر ﵊ مرارًا من الغضب، وأرشد النبيُّ الكريم ﷺ إلى قول الكلمة الطيبة، وإلى أن يملك المؤمن نفسه عند الغضب، وأن يكثر من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وبالوضوء عند الغضب، كما أرشد ﵊ إلى تغيير هيئة الغضبان بجلوسٍ بعد قيام، وباستلقاء بعد

стр. 248

جلوس، مما يُسهم في إطفاء جذوة تلك الجمرة المتوقدة في قلبه. قال الله تعالى: [آل عِمرَان: ١٣٤] ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . وقال رسول ﷺ : «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (١) . وقد روي عن النبيِّ ﷺ الدلالةُ على مايطفئ الغضب، من وضوء، وتغيير هيئة: «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ» (٢) . وأوصى ﵊ جاريةَ بن قدامة ﵁، بقوله مرارًا: «لاَ تَغْضَبْ» (٣) . وقال ﷺ : «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوْ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ، وَإِلاَّ فَلْيَضْطَجِعْ» (٤) . * ... والحَيْرة: وهي كثرة التردد، وذلك سبب مؤكد لاستهواء الشيطان ابنَ آدم بإضلاله، وتسييره إلى مَهلِكه، لكنِ المؤمنُ يحزم أمره فيما يريد في حياته الدنيا، أما غيره فقد تلمّس معالم طريقه من وحي شيطان إنس أو جن، فاجتاله وألقى في رُوْعه الشبهات وتلاعب به

стр. 249

حتى أضلّه، فألفى الأفّاكون - من سحرة ودجاجلة - طريقًا إليه، فهلك هلاكًا محتمًا، والعياذ بالله تعالى. قال تعالى: [الأنعَام:٧١] ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ ... ﴾ (١) ، وقال سبحانه: [النِّسَاء: ١٤٣] ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ ... ﴾ ، وقد أرشد الله نبيَّه ﷺ ، ومن بعده أمته ﷺ بقوله تعالى: [آل عِمرَان: ١٥٩] ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ، وقال رسول الله ﷺ مرشدًا أمته ﷺ : «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ، وَلاَ يَقُولَنَّ: اللهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي، فَإِنَّه لاَ مُسْتَكْرِهَ لَهُ» (٢) . فتأمّل - رحمك الله - إن كان العزم مأمورًا به عند إرادة العمل الصالح، وفي مقام الطلب من الله تعالى مع أن الأصل هو الحث على عمل الصالحات، مع عظم مشروعية الدعاء، فكيف بما هو دون ذلك من الأمور؟!. * ... والتبذير، ويكون بالإسراف في الإنفاق، ومجانبة التوسط فيه، وكذلك في الإنفاق بغير وجه حق، أو في معصية، أو في الحث عليها، والمؤمن يجانب ذلك كلَّه، فيكون إنفاق النعمة - من مالٍ وغيره - عنده قوامًا بين الإسراف والتقتير، مع إعطاء كل ذي حقٍّ

стр. 250

حقه، وفي طاعة الله بمباح أو قُرْبَةٍ، وهو يعلم أن مِنْ أَحَبِّ ما يُنفَق به المال عند الله تعالى: ما كان زكاةً، أو صلة أرحام، أو إحسانًا إلى جار مسكين، أو إجابةً لسائل. وحيث يجانب المؤمنُ ذلك فقد قارب التشبه بصفة الشيطان في التبذير والسَّفَه، الذي يودي به إلى كفرٍ بالنعمة وجحود بها، وذلك باستعمالها في غير ما وُهِبَتْ لأجله، فيتآخى المسرف المبذر مع الشيطان من هذه الحيثية، فيكون للشيطان على إخوانه المبذرين سبيل للغواية ونوع تسلطٍ على قلوبهم الجاحدة. قال تعالى: [الإسرَاء: ٢٦-٢٧] ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا *إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيْاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا *﴾ . وقال سبحانه: [الفُرقان: ٦٧] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا *﴾ . وقال رسول الله ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأُ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (١) . وجاء رجل إلى النبيِّ ﵊، فقال: يا رسول الله، مَنْ أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: «أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ» (٢) .
следующие страницы →