ب- النص الثاني: حديث «السِّحْر» .
أولاً: ثبوت الحديث ، وتعدُّد رواياته.
ثانيًا: إيراد بعض روايات الحديث.
ثالثًا: بيان غريب الألفاظ.
رابعًا: جملة من دعاوى منكري الحديث، وردّها.
خامسًا: مسائلُ مهمة متعلقة بالحديث.
أولاً: ثبوت الحديث:
هذا الحديث صحيح متفق عليه (١) ، فهو في أعلى درجات الصحيح
стр. 37
السبع، وله حكم المتواتر (١) ، وقد تعددت روايات الحديث تعدادًا بالغًا؛ من ذلك ما أخرجه البخاري في ثمانية مواضع من صحيحه، وما أخرجه مسلم في موضع واحد من صحيحه، بطريقين (٢) ، ومن أهل السنن أخرجه كلٌ من النَّسائي، وابنُ ماجَهْ، كما أخرجه من غير أصحاب الكتب الستة جمّ غفير من أعلام العلماء منهم الأئمة: أحمد في خمس مواضع من مسنده، والحُميدي في مسنده، وابن سعد في طبقاته الكبرى، وابن أبي شيبة في مصنفه، والبيهقي في دلائله، واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة، وغيرهم رحم الله الجميع. ومما يجدر ذكره في هذا المقام أن تعدد الروايات وكثرتها، يفيد تكاملاً في معانيها، وذلك لما حوته هذه الروايات من اختلاف في الألفاظ، وزيادات في العبارات، تجعل المتأمل بها يحيط بمعنى الرواية المتفق عليها، كما أنه يدرك تفصيلات في الحديث، هي ضرورة لفهمه فهمًا دقيقًا، وهاك - مكرمًا - نصَّ هذه الروايات بتمامها، فلا تَكَلّ عن مطالعتها ولا تَمَلّ من تدبّرها؛ محبة بالنبيِّ ﷺ وطلبًا لتبلّغ حديثه، ووعيًا له.
ثانيًا: إيراد بعض روايات الحديث .
١- مَرْوِيُّ الإمام البخاري ﵀:
وقد بلغ ثمانية أحاديث - كما سبق - وصل الإمام سبعةً منها عن عائشة ﵂، وروى أحدها معلقًا (٣) ، وهذا تمام نصّ الروايات، بترتيب الإمام في صحيحه:
стр. 38
١- ... سئل ابن شهاب - أي الزهري ﵀: أَعَلى من سَحَر من أهل العهد قَتْلٌ؟ قال: بَلَغنا «أن رسول الله ﷺ قد صُنِع له ذلك فلم يقتل من صَنَعه» ، وكان من أهل الكتاب (١) .
٢- ... «أن النبيَّ ﷺ سُحِرَ، حتى كان يُخيَّل إليه أنه صنع شيئًا ولم يصنعه» (٢) .
٣- ... «سُحِر النبيُّ ﷺ ، حتى كان يُخَيَّل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعلُه، حتى كان ذات يومٍ دعا ودعا، ثم قال: «أَشَعَرْتِ أن الله أفتاني فيما فيه شفائي؛ أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رِجْلَيَّ، فقال أحدهما للآخر: ما وَجَعُ الرَّجُلِ؛ قال: مطبوب، قال: ومَنْ طَبَّه؟ قال: لَبِيدُ بنُ الأعصم، قال: فيما ذا؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاقَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قال: وأين هو؟ قال: في بئرِ ذَرْوَانَ» . فخرج إليها النبيُّ ﷺ ثم رجع، فقال لعائشةَ حين رجع: «نَخْلُها كأنه رؤوسُ الشياطين» ، فقلت: أستخرجتَه؟ فقال: «لا، أما أنا فقد شفاني الله، وخشيتُ أن يثير ذلك على الناس شرًا» . ثم دُفِنَتِ البئرُ (٣) .
٤- ... «سَحَر رسولَ الله ﷺ رجلٌ من بني زُرَيْقٍ، يقال له: لَبيدُ بنُ الأعصم، حتى كان رسول الله ﷺ يُخَيَّل إليه أنه يفعل الشيء وما فَعَلَه، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلةٍ وهو عندي، لكنه دعا ودعا، ثم قال: «يا عائشةُ، أَشَعَرْتِ أن الله أفتاني فيما استفتيتُه فيه، أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رِجْلَيَّ، فقال أحدهما لصاحبه: ما وَجَعُ الرَّجُلِ؟ فقال: مطبوبٌ، قال: من طَبَّه؟ قال: لَبيد بنُ الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ، وَجُفِّ طَلْعِ نخلةٍ ذَكَرٍ،
стр. 39
قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذَرْوَانَ» . فأتاها رسول الله ﷺ في ناسٍ من أصحابه، فجاء فقال: «يا عائشةُ، كأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَاء، أو كأن رؤوسَ نخلِها رؤوسُ الشياطين» . فقلت: يا رسول الله: أفلا استخرجتَه؟ قال: «قد عافاني الله، فكرهت أن أثوّر على الناس فيه شرًا» . فأمر بها فدُفِنَتْ (١) .
٥- ... «كان رسول الله ﷺ سُحِرَ، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتِيهِنَّ - قال سفيانُ: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا - فقال: «يا عائشةُ، أَعَلِمْتِ أن اللهَ قد أفتاني فيما استفتيتُه فيه؛ أتاني رجلان، فقعد أحدُهما عند رأسي، والآخرُ عند رِجْلَيَّ، فقال الذي عند رأسي للآخَرِ: ما بالُ الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومَنْ طَبَّه؟ قال: لَبِيد بنُ أعصمَ - رجل من بني زُرِيْقٍ حليف ليهود، كان منافقًا - قال: وفيمَ؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاقَةٍ، قال: وأين؟ قال: في جُفِّ طلعةٍ ذكرٍ، تحت رَعُوفَةٍ في بئر ذَرْوَانَ» . قالت: فأتى النبيُّ ﷺ البئرَ حتى استخرجه، فقال: «هذه البئر التي أُرِيتُها، وكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّا، وكأن نخلَها رؤوسُ الشياطين» . قال: فاستُخرِج، قالت: فقلت: أفلا؟ - أي: تنشّرتَ - فقال: «أما اللهُ فقد شفاني الله، وأكره أن أُثير على أحدٍ من الناس شرًا» (٢) .
٦- ... سُحِرَ النبيُّ ﷺ ، حتى إنه ليُخَيَّلُ إليه أنه يفعل الشيء وما فَعَلَه، حتى إذا كان ذات يوم، وهو عندي، دعا الله ودعاه، ثم قال: «أَشَعَرْتِ يا عائشةُ
стр. 40
أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه» . قلت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رِجْلَيَّ، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قال: مطبوبٌ، قال: ومَنْ طَبَّه؟ قال: لَبيد بنُ الأعصم اليهوديُّ من بني زُرِيْقٍ، قال: فيما ذا؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ وَجُفِّ طلعةٍ ذَكَرٍ، قال: فأين هو؟ قال في بئر ذي أَرْوَانَ» . قال: فذهب النبيُّ في أناس من أصحابه إلى البئر، فنظر إليها وعليها نخلٌ، ثم رجع إلى عائشة فقال: «واللهِ لكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء، ولكأن نخلَها رؤوسُ الشياطين» . قلت: يا رسول الله، أفأخرجتَه؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله وشفاني، وخشيتُ أن أُثَوِّرَ على الناس منه شرًا» وأمر بها فدُفِنَتْ (١) .
٧- ... «مكث النبيُّ ﷺ كذا وكذا، يُخيَّل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتي، قالت عائشة: فقال لي ذات يوم: يا عائشة، إن الله أفتاني في أمر استفتيتُه فيه: أتاني رجلان، فجلس أحدُهما عند رِجْلَيَّ والآخرُ عند رأسي، فقال الذي عند رِجْلَيَّ للذي عند رأسي: ما بالُ الرَّجُل؟ قال: مطبوب، يعني: مسحورًا، قال: ومَنْ طَبَّه، قال: لبيد بن أعصمَ، قال: وفيم، قال: في جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ في مُشْطٍ ومُشَاقَةٍ، تحت رَعُوفَةٍ في بئر ذَرْوانَ» . فجاء النبيُّ ﷺ فقال: «هذه البئر التي أُرِيتُها، كأن رؤوس نخلها روؤس الشياطين، وكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء» فأمر به النبيُّ ﷺ فأُخرج، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله فَهَلاَّ، تعني تَنَشَّرْتَ؟ فقال النبيُّ ﷺ : «أما الله فقد شفاني، وأما أنا فأكره أن أثير على الناس شرًا» . قالت: ولبيد بن أعصمَ، رجل من بني زُرِيْق، حليف ليهودَ (٢) .
стр. 41
٨- ... أن رسول الله ﷺ طُبَّ، حتى إنه لَيُخَيَّلُ إليه أنه صنع الشيء وما صَنَعه، وأنه دعا ربّه، ثم قال: أَشَعَرتِ أن الله قد أفتاني فيما استفتيتُه فيه» ، فقالت عائشة: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رِجْلَيَّ، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرَّجُل؟ قال: مطبوب، قال: مَنْ طَبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: فيماذا؟ قال: في مشط ومشاطة وجُفّ طلعةٍ، قال: فأين هو؟ قال: في ذَرْوَانَ» ، وذروان بئر في بني زُرَيْقٍ، قالت: فأتاها رسول الله ﷺ ثم رجع إلى عائشة ﵂، فقال: «واللهِ لكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء، ولكأن نخلَها رؤوس الشياطين» . قالت: فأتى رسول الله ﷺ فأخبرها عن البئر، فقلت: يا رسول الله فهلاّ أخرجتَه؟ قال: «أما أنا فقد شفاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرًا» (١) .
٢- مَرْوِيُّ الإمام مسلم ﵀ (٢) :
«سَحَر رسولَ الله ﷺ يهوديٌّ من يهود بني زُرِيْقٍ، يقال له: لَبِيدُ بنُ الأعصم، قالت - أي عائشة ﵂ حتى كان رسول الله ﷺ يُخَيَّلُ إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعلُه، حتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة دعا رسول الله ﷺ ، ثم دعا، ثم دعا، ثم قال: «يا عائشةُ، أَشَعَرْتِ أن الله أفتاني فيما استفتيتُه فيه؟ جاءني رجلان، فقعد أحدُهما عند رأسي، والآخر عند رِجْلَيَّ،
стр. 42
فقال الذي عند رأسي للذي عند رِجْلَيَّ، أو الذي عند رِجْلَيَّ للذي عند رأسي: ما وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قال: مطبوب، قال: مَنْ طَبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطةٍ، قال: وَجُفّ طلعةِ ذكرٍ، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أَرْوَانَ» . قالت: فأتاها رسول الله ﷺ في أناسٍ من أصحابه، ثم قال: «يا عائشة، واللهِ لكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنّاء، ولكأن نخلَها رؤوسُ الشياطين» . قالت: فقلت يا رسول الله، أفلا أحرقتَه؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرًا، فأمرتُ بها فدُفِنَتْ» (١) .
٣- مرويُّ النَّسائي ﵀:
وهو في موضع واحد من سننه عن زيد بن أرقم، ولفظه: سَحَرَ النبيَّ ﷺ رجلٌ من اليهود، فاشتكى لذلك أيامًا، فأتاه جبريل ﵇ فقال: إن رجلاً من اليهود سَحَرك، عقد لك عُقدًا في بئر كذا كذا، فأرسل رسولُ الله ﷺ فاستخرجوها، فجيئ بها، فقام رسول الله ﷺ كأنما نُشِط من عِقالٍ، فما ذكر ذلك لذلك اليهودي، ولا رآه في وجهه قَطُّ (٢) .
٤- مرويُّ ابنِ ماجَهْ ﵀:
وهو كذلك في موضع واحد من سننه، عن عائشة ﵂، قالت: سَحَر النبيَّ ﷺ يهوديٌّ من يهود بني زُرَيْقٍ، يقال له: لبيد بن الأعصم، حتى كان النبيُّ ﷺ يُخيَّل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، قالت: حتى إذا كان ذات يومٍ، أو كان ذات ليلةٍ، دعا رسول الله ﷺ ، ثم دعا، ثم قال: «يا عائشةُ، أشعرتِ أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ جاءني رجلان، فجلس أحدهما
стр. 43
عند رأسي والآخر عند رجليَّ، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجليَّ، أو الذي عند رجليَّ للذي عند رأسي: ما وجع الرَّجُلِ؟ قال: مطبوب، قال: مَنْ طَبَّهُ؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشطٍ ومُشاطةٍ وجُفِّ طلعةٍ ذكرٍ، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذي أروانَ» ، قالت: فأتاها النبيُّ ﷺ في أناسٍ من أصحابه، ثم جاء فقال: «واللهِ يا عائشةُ لكأنَّ ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء، ولكأنَّ نخلَها رؤوس الشياطين» ، قالت: يا رسول الله، أفلا أحرقتَه؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهتُ أن أثير على الناس منه شرًا» فأمر بها فدُفِنَتْ (١) .
٥- مرويُّ الإمامِ أحمدَ ﵀:
روى الإمام الحديث في خمس مواضعَ من المسند - كما سبق ذكره - كلُّها في مسند النساء، من حديث السيدة عائشة ﵂، وهاك نصَّها:
- ... «سُحِر النبيُّ ﷺ ، فيُخَيَّلُ إليه أنه قد صنع شيئًا ولم يصنعه» (٢) .
- ... «سحر رسولَ الله ﷺ يهوديٌّ من يهود بني زُرَيْقٍ، يقال له: لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه (أنه) يفعل الشيء وما يفعله، قالت: حتى إذا كان ذات يومٍ، أو ذات ليلةٍ، دعا رسول الله ﷺ ، ثم دعا، ثم قال: «يا عائشةُ، شعرتُ أن الله قد أفتاني فيما استفتيتُه فيه، جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رِجْلَيَّ. فقال الذي عند رأسي للذي عند رِجْلَيَّ، أو الذي عند رِجْلَيَّ للذي عند رأسي: ما وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قال: مطبوب، قال: مَنْ طَبَّهُ؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشطٍ
стр. 44
ومُشاطةٍ وجُفِّ طلعةٍ ذكرٍ، قال: وأين هو؟ قال: في بئر أروانَ» ، قالت: فأتاها رسول الله ﷺ في ناسٍ من أصحابه، ثم جاء فقال: «يا عائشةُ كأنَّ ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء، ولكأنَّ نخلَها رؤوس الشياطين» ، قالت: يا رسول الله، فهلاّ أحرقتَه؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله ، وكرهتُ أن أثير على الناس منه شرًا» فأمر بها فدُفِنَتْ (١) .
- ... «لبث رسول الله ﷺ ستَّةَ أَشْهُر يرى أنه يأتي النساء ولا يأتي، فأتاه ملكان، فجلس أحدهما عند رأسه والآخرُ عند رجليه، فقال أحدهما للآخر: ما بالُه؟ قال: مطبوب، قال: مَنْ طَبَّه؟ قال: لَبيد بن الأعصم، قال: فيم؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ في جُفِّ طلعةِ ذكرٍ، في بئر ذَرْوَانَ تحت راعوفةٍ، فاستيقظ النبيُّ ﷺ من نومه، فقال: «أيْ عائشةُ ألم تَرَيْ أن الله أفتاني فيم استفتيته، فأتى البئر، فأمر به فأُخرِج، فقال: هذه البئر التي أُرِيتُها، واللهِ كأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء، وكأن روؤس نخلِها رؤوس الشياطين» ، فقالت عائشة: لو أنك - قال: كأنها تعني أن يَنْتَشِرَ - قال: «أما والله قد عافاني الله، وأنا أكره أن أثير على الناس منه شرًا» (٢) .
- ... «سُحِر رسول الله ﷺ حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعلُه، حتى إذا كان ذات يوم وهو عندها دعا اللهَ ، ودعاه، ثم قال: «أَشَعَرْتِ أن الله أفتاني فيما استفتيتُه فيه» ، قلت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رِجْلَيَّ، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قال: مطبوب، قال: مَنْ طَبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: في ماذا؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ، وجُفِّ طلعةِ ذكرٍ» ، قال: فأين هو؟ قال: «في بئر (ذي أَرْوَانَ) . فذهب النبيُّ ﷺ إلى البئر، فنظر إليها وعليها نخل، ثم رجع إلى عائشةَ فقال: «والله لكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء، ولكأن نخلَها رؤوس الشياطين» ، قلت: يا رسول الله فأَحْرِقْه، قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله ، وخشيتُ أن أُثوِّر على الناس منه شرًا» (٣) .
- ... أن رسول الله ﷺ سُحِر له، حتى كان يخيل إليه أنه يصنع الشيء ولم يصنع، حتى إذا كان ذات يوم رأيته يدعو. فقال: «شَعَرْتُ أن الله قد أفتاني فيما استفتيتُه فيه، فقال: أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رِجْلَيَّ، فقال أحدهما: ما وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قال الآخر: مطبوب، قال: مَنْ طَبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في ماذا؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ، وَجُبِّ أو جُفِّ طلعةِ ذكرٍ، قال: فأين هو؟ قال: في ذي
стр. 45
أَرْوَانَ» ، قال: فانطلق رسول الله ﷺ ، فلما رجع رسول الله ﷺ أخبر عائشة، قال: «وكأنها رؤوس الشياطين، وكأن ماءها نُقاعة الحِنَّاء» ، فقلت: يا رسول الله، فأخرجتَه للناس، فقال: «أما الله فقد شفاني، وخشيتُ أن أُثوِّر على الناس منه شرًا» (١) .
٦- ما رواه الحُمَيديُّ في «مسنده» :
مكث رسول الله ﷺ كذا وكذا يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهم، قالت: فقال ذات يوم: «يا عائشة، أعلمتِ أن الله أفتاني في أمر استفتيته فيه: أتاني رجلان فجلس أحدهما عند رِجْلَيَّ، والآخر عند رأسي، فقال الذي عنه رجليَّ للذي عند رأسي: ما بالُ الرَّجُلِ؟ قال: مطبوب. قال: ومَنْ طَبَّه؟ قال: لبيد بن أعصمَ. قال: وفيم؟ قال: في جُفِّ طلعةِ ذكرٍ، في
стр. 46
مشط ومشاقة، تحت راعوفة في بئر ذروان» قالت: فجاءها رسول الله ﷺ ، فقال: «هذه البئر التي أُرِيتُها، كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين، وكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء» ، قالت: فأمر به رسول الله ﷺ فأخرج، فقلت: يا رسول الله فهلاّ؟ قال سفيان - أي ابن عيينة - يعني تنشَّرتَ؟ فقال: «أما والله فقد شفاني، وأما أنا فأكره أن أثير على الناس منه شرًا» قالت: ولبيد ابن أعصمَ رجل من بني زُرَيْقٍ حليفٌ ليهود (١) .
٧- ما رواه ابن سعدٍ في «الطبقات الكبرى» :
وقد أخرجه في ثلاثة مواضع فيها:
الأول: عن عائشة ﵂ (٢) : أن رسول الله ﷺ سُحِرَ له حتى كان يخيّل إليه أنه يصنع الشيء ولم يصنعه، حتى إذا كان ذات يوم رأيتُه يدعو، فقال: «أشعرتِ أن الله قد أفتاني فيما استفتيته؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رِجْلَيَّ، فقال أحدهما: ما وجع الرَّجُلِ؟ فقال الآخر: مطبوب. فقال: مَنْ طَبَّه؟ فقال: لبيد بن الأعصم، قال: فيمَ؟ قال: في مُشط ومُشاطة، وجُبِّ طلعةٍ ذكرٍ، قال: فأين هو؟ قال: في ذي ذروان» ، قال: فانطلق رسول الله ﷺ ، فلما رجع أخبر عائشة فقال: «كأن نخلها رؤوس الشياطين وكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء» ، فقلت: يا رسول الله: فأخرِجْه للناس، قال: «أما الله فقد شفاني، وخشيت أن أثوّر على الناس منه شرًا» (٣) .
الثاني: عن عبد الله بن عباس ﵂ (٤) : قال: مرض رسول الله ﷺ ،
стр. 47
وأُخِّذ عن النساء وعن الطعام والشراب، فهبط عليه ملكان - وهو بين النائم واليقظان - فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما شكوُهُ؟ قال: طُبّ، يعني: سُحر. قال: ومن فعله؟ قال: لبيد بن أعصمَ اليهوديُّ، قال: ففي أي شيء جعله؟ قال: في طلعةٍ، قال: فأين وضعها؟ قال: في بئر ذروان تحت صخرة، قال: فما شفاؤه؟ قال: تنزح البئر وترفع الصخرة وتستخرج الطلعة، وارتفع الملَكان، فبعث نبيُّ الله ﷺ إلى عليٍّ وعمّار ﵄، وأَمَرهما أن يأتيا الركيّ فيفعلان الذي سمع، فأتياها وماؤها كأنه قد خُضِبَ بالحِنّاء، فنزحاها، ثم رفعا الصخرة فأخرجا طلعةً، فإذا بها إحدى عشرة عقدةً، ونزلت هاتان السورتان: [الفَلَق: ١] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *﴾ ، و [النَّاس: ١] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *﴾ ، فجعل رسول الله ﷺ ، كلما قرأ آية انحلّت عقدة حتى انحلت العقد، وانتشر نبيُّ الله ﷺ ، للنساء والطعام والشراب (١) .
الثالث: عن زيد بن أرقم ﵁، قال: عقد رجل من الأنصار - يعني للنبي ﷺ عقدًا، وكان يَأْمَنُه، ورمى به في بئر كذا وكذا، فجاء الملَكان يَعُودَانِه، فقال أحدهما لصاحبه: تدري ما به؟ عقد له فلان الأنصاري ورمى به في بئر كذا وكذا، ولو أخرجه لعوفي، فبعثوا إلى البئر فوجدوا الماء قد اخضرَّ فأخرجوه فرمَوْا به، فعوفي رسول الله ﷺ ، فما حدّث به ولا رُئي في وجهه (٢) .
٨- ما رواه ابن أبي شيبةَ ﵀ في مصنَّفه: وذلك في موضعين منه:
الأول: عن زيد بن أرقم ﵁، قال: سَحَر النبيَّ ﷺ رجلٌ من اليهود، فاشتكى النبيُّ ﷺ لذلك أيامًا، فأتاه جبريل فقال: إن رجلاً كذا من اليهود
стр. 48
سَحَرك، عقد لك عُقَدًا، فأرسل إليها رسول الله ﷺ عليًا، فاستخرجها، فجاء بها، فجعل كلما حلّ عقدة وجد لذلك خفة، فقام النبيُّ ﷺ كأنما نُشِط من عِقالٍ، فما ذكر النبيُّ ﷺ ذلك لليهودي، ولا رآه في وجهه قط (١) .
الثاني: عن عائشة ﵂، قالت: سَحَر رسولَ الله يهودي من يهود بني زُرِيْقٍ يقال له: لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله ﷺ يُخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، حتى إذا كان ذات يوم، أو كان ذات ليلة، دعا رسول الله ﷺ ، ثم دعا، ثم دعا، ثم قال: «يا عائشةُ، أشعرتِ أن الله قد أفتاني فيما
стр. 49
استفتيته فيه، جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رِجْلَيَّ، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجليَّ، أو الذي عند رجليَّ للذي عند رأسي: ما وجع الرَّجل؟ قال: مطبوب، قال: مَنْ طَبَّه؟ قال لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مُشطٍ ومُشاطةٍ وجُفّ طلعةِ ذكرٍ، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذي أروانَ» فأتاها رسول الله ﷺ في أناس من أصحابه، ثم جاء فقال: يا عائشة كأنما ماؤها نُقاعة الحِنَّاء، ولكأن نخلَها رؤوس الشياطين» فقلت: يا رسول الله، أفلا أحرقته؟ فقال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس منه شرًا» ، فأمر بها فدُفنت (١) .
٩- ما رواه البيهقي في «الدلائل» ، وهو عنده في موضعين أيضًا:
الأول: عن عائشة: أن النبيَّ ﷺ طُبَّ حتى إنه ليُخيّل إليه أن صنع الشيء وما صنعه، وأنه دعا ربّه ثم قال: «أشعرتِ أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟» فقالت عائشة: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رِجْلَيَّ، فقال أحدهما لصاحبه: ما وَجَعُ الرّجُل؟ قال الآخر: مطبوب، قال: مَنْ طَبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: فيماذا؟ قال: في مُشطٍ ومشاطةٍ وجُفِّ طلعةٍ ذكرٍ، قال: فأين هو؟ قال: هو في ذروانَ، وذروانُ بئرٌ في بني زُريْق» . قالت عائشة: فأتى رسول الله ﷺ ثم رجع على عائشة فقال: «واللهِ لكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء، ولكأن نخلَها رؤوس الشياطين» ، قالت: فقلت له: يا رسول الله، هلاّ أخرجتَه؟ قال: «أما أنا فقد شفاني الله، وكرهت أن أثير على الناس منه شرًا» (٢) .
الثاني: عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: مَرِض رسول الله ﷺ مرضًا شديدًا، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما ترى؟ قال: طُبَّ، قال: وما طِبُّه؟ قال: سُحِرَ، قال: وما سَحَرَه؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي، قال: أين هو؟ قال: في بئر آل فلانٍ، تحت صخرةٍ في رَكِيّةٍ، فأْتُوا الركيَّ فانزحوا ماءها، وارفعوا الصخرة ثم خذوا الكَرْبة، فاحرقوها، فلما أصبح رسول الله ﷺ بعث عمّار بن ياسر في نفرٍ فأتَوْا الركيَّ، فإذا ماؤها مثل ماء الحِنَّاء، فنزحوا الماء، ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الكربة فأحرقوها، فإذا فيه وَتَرٌ فيه إحدى عشرة عقدةً، فأنزلت عليه هاتان السورتان، فجعل كلما قرأ آية انحلّت عقدة: [الفَلَق:١] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *﴾ ، و [النَّاس:١] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *﴾ (٣) . وقال البيهقي: الاعتماد على الحديث الأول (٤) . اهـ.
стр. 50
١٠- ما أورده اللالكائي في «الاعتقاد» ، في موضعين منه.
الأول: «سُحِر رسول الله ﷺ حتى إنه يخيّل إليه أنه فعل الشيء وما فَعَله» (١) .
الثاني: كان رسول الله ﷺ أصابه شيء حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، فانتبه من نومه، فقال: «يا عائشة، إن الله تعالى أفتاني فيما استفتيته: أتاني آتيان، فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجليّ، فقال أحدهما للآخر: ما بالُ الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومن طَبَّه؟ قال: لبيد ابن أعصم، قال: فيم؟ قال: في جُفّ طلعةٍ تحت رعوفةٍ في بئر ذروان» . قالت: فأتى النبي ﷺ فاستخرجه، وقال النبي ﷺ : «هذه البئر التي رأيتها، كأن ماءها نُقَاعةٌ من الحِنَّا، وكأن نخلها رؤوس الشياطين» ، قالت عائشة: فقلت له: ألا تنتصر؟ قال: «أما أنا فقد شفاني الله، وأكره أن أثير على أحد شيئًا، قالت: ونزلت: [الفَلَق: ١-٢] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ *﴾ ، حتى ختمت السورة (٢) .
ثالثًا: بيان غريب الألفاظ:
- ... «أَشَعَرْتِ» أي أَعَلِمْتِ (٣) .
стр. 51
- ... «أَفْتَانِي» قال ابن حجر ﵀ (١) : (في رواية الحميدي (٢) : «أفتاني في أمر استفتيته فيه» ، أي: أجابني فيما دعوته، فأطلق على الدعاء استفتاء؛ لأن الداعي طالب والمجيب، مُفْتٍ، أو المعنى: أجابني بما سألته عنه، لأن دعاءه كان أن يطلعه الله على حقيقة ما هو فيه لِما اشتُبه عليه من الأمر، ووقع في رواية عمرة عن عائشة: «أن الله أنبأني بمرضي» ، أي: أخبرني) . ويتحصل من كلامه ﵀: أن «أفتاني» هي بمعنى: أجابني فيما دعوته به وطلبته منه، أو أجابني بما سألته أن يطلعني عليه مما لم أتبيّنه من حقيقة ما أشكو منه، أو أخبرني بما ألمّ بي، والله أعلم.
- ... «رجلان» ، أي: ملكان (٣) ، وهما جبريل وميكائيل ﵉ (٤) .
- ... «مطبوب» ، (أي: مسحور، والطَّبّ بالفتح السِّحر، وبالكسر العلاج، ويطلق على الطبيب، وقيل: هو من الأضداد (٥) . و (يقال: طُبَّ الرجل إذا سُحِر، يقال: كَنُّوا عن السحر بالطِّبِّ تفاؤلاً كما قالوا للّديغ: سليم) (٦) .
- ... «مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ» : (أما المشط، فهو الآلة المعروفة التي يُسرَّح بها شعر الرأس واللحية، وهذا هو المشهور) (٧) ، (وأما المشاطة، فهي: ما
стр. 52
يخرج من الشعر إذا مُشِط) (١) .
- ... «مُشَاقَةٍ» : (هي من مشاقة الكَتَّان) (٢) ، أي: (ما يخرج من الكَتَّان إذا سُرِّح، وقيل: المشاقة هي المشاطة بعينها، والقاف تبدل من الطاء، لقرب المخرج، والله أعلم) (٣) . وقيل: (المشاقة ما يُغزل من الكتَّان) (٤) .
- ... «جُفِّ طَلْعَةِ ذكرٍ» : (الجُفّ جُف الطلعة (٥) ، وهو وعاؤها) (٦) ، أي: (وعاء طلع النخل، وهو الغشاء الذي يكون عليه، ويطلق على الذكر والأنثى، فلهذا قيّده في الحديث بقوله: «طلعةِ ذكرٍ» ) (٧) .
- ... «رَعُوفَةٍ» : الرعوفة: (حجر يوضع على رأس البئر لا يُستطاع قلعُه، يقوم عليه المستقي. وقد يكون - هذا الحجر - في أسفل البئر) (٨) . (فإذا حُفِرت البئر تكون ناتئة هناك، فإذا أرادوا تنقية البئر جلس
стр. 53
المُنَقِّي عليها) (١) .
- ... «ذَرْوان» أو «ذي أَرْوان» (٢) : (هي بئر لبني زريق في المدينة) (٣) .
- ... «نُقاعة الحِنَّاء» : (نقاعة كلِّ شيءٍ: الماء الذي ينتقع فيه) (٤) ، والمراد هنا: (الماء الذي يُنقع فيه الحِنَّاء) (٥) ، (أي: أن لون ماء البئر لون الماء الذي ينقع فيه الحناء) (٦) .
- ... «تَنَشَّرْتَ» : (التنشّر هنا يحتمل معنيين؛ الأول: من النُّشْرة، والثاني: من النَّشْر بمعنى الإخراج) (٧) ، أما النشرة، فهي: (ضرب من الرقية والعلاج، يُعالج به من كان يُظن أن به مسًا من الجن، سميت نشرة لأنه يُنْشَر بها عنه ما خامره - أي خالطه - من الداء: أي يُكشف ويُزال، ونشره، أي: رقاه (٨) . وأما النَّشْر بمعنى الإخراج: فهو (استخراج ما حواه الجُف) ، من سحرٍ (٩) ليراه الناس، ومن ثم إحراقه (١٠) ، وقد عُمِل
стр. 54
هذا السحر (في إحدى عشرة عقدة) (١) ، (جعلت في وَتَر) (٢) .
- ... «نُشِطَ من عِقَال» ، - والصحيح: أُنشِط - قال ابن الأثير: في حديث السحر «فكأنما أُنشِط من عقال» ، أي: حُلَّ، وقد تكرر في الحديث، وكثيرًا ما يجيء في الرواية: «كأنما نشط من عقال» ، وليس بصحيح. يقال: نشطتُ العقدة إذا عقدتَها، وأنشطتُها وانتشطتُها إذا حللتَها (٣) .
(وأنشطتُ العقال: حللتُه، ويقال: الشُّفْعة كنَشْطة العقال، وهذا تشبيه لها بذلك في سرعة بطلانها بسبب التأخير، والعقال: حبل - يجعل في وسط الذراع - يُشدّ به وظيف (٤) البعير مع ذراعه) (٥) . والمراد في الحديث: أن النبي ﷺ لم يلبث أن عوفي من مرضه، وحُلّ عنه أثر السحر حال إخراج ذلك من البئر، كأنْ لم يكن به بأس ﷺ .
- ... «الرَّكِيُّ» : أو الرَّكِيَّة (هي: البئر، وجمعها ركايا) (٦) .
- ... «فنزحاها» ، أي: (أخذا ماءها واستقياه، ويقال: بئر نَزَحٌ لا ماء فيها، أي: أُخذ ماؤها، حتى نفدَ) (٧) .
стр. 55
رابعًا: ذكر جملةٍ من دعاوى منكري الحديث، وردّها:
أنكر جماعة من أهل العلم ثبوت هذا الحديث، بل قد زعم بعضهم وضعَه (١) !! وكان مبنى دعواهم إنكارهم ابتداءً لحقيقة أثر السحر في نفس المسحور، وكذلك لإمكان تأثيره في حقائق الأشياء، واعتقادهم بأن أصل السحر لا يعدو كونه تمويهًا وتخييلاً، وأن الروايات قد أثبتت تأثيرًا بالنبيِّ ﷺ بمرض ووجع، وأنه ﵊ دعا ربّه فاستجاب له، فأنبأه تعالى بمرضه، وأن ذلك كان بأثر السحر، ثم دلّه سبحانه على كيفية التخلص من ذلك التأثير، فلما أن فعل ﷺ عافاه ربه ، وهذا يناقض - في نظرهم - كون السحر من لطيف أمور التخاييل وخفيِّها، ثم إنهم زعموا - بناء على ما سبق - أن حصول مثل هذا التأثير يحطّ من منزلة النبوة، ويشكّك بما بلَّغه النبيُّون عن ربهم، حيث يكون من المحتمل أنهم تخيّلوا سماعًا للوحي ورؤية لجبريل، وليس ثَمَّ، وقالوا: إن تجويز تأثير السحر فيهم، يلزم منه الإقرار بزعم الكفار أن النبيَّ ﷺ كان رجلاً مسحورًا، كما حكاه عنهم تعالى بقوله: [الفُرقان: ٨] ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا﴾ ، ثم إن السحرة - فيما نصّ عليه القرآن - لا يتأتّى لهم الفلاح فيما رَموْا إليه، وذلك بقوله تعالى: [طه: ٦٩] ﴿وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ، وكيف - والحال هذه - قد تأتى لهم إنفاذ تأثير سحرهم برسول الله ﷺ ؟!
ثم إن المنكرين زعموا كذلك ضعفًا في إسناد الحديث، واضطرابًا في متنه، يقضيان - بما رأَوا - بردّه، وترك التمسك به.
أخي القارئ: إن ما سبق هو غاية ما استند إليه منكرو هذا الحديث، وهاك - مكرمًا - وجوهًا في ردّ هذه الدعاوى، أُوردها ذبًّا عن حياض السنَّة
стр. 56
المطهَّرة، وإظهارًا لوجه الحق الذي أقرّه جمّ غفير من أهل التفسير والسنن والفقهاء من الأعلام العلماء رحمهم الله تعالى. فأقول - مستعينًا بالله تعالى -:
يمكن رد هذه الدعاوى من وجوه أربعة:
الأول: ... إثبات صحة إسناد هذا الحديث.
الثاني: ... إثبات سلامة متن الحديث من الاضطراب.
الثالث: ... النظر فيما ادّعَوْه من إنكار حقيقة تأثير السحر.
الرابع: ... النظر فيما زعموه من شبه في أن وقوع تأثير السحر قادح في منزلة النبوة، ومشكّك في صحة الوحي.
أما إسناد هذا الحديث؛ فإن روايته في الصحيحين، لكافية في تلقيه بالقبول، بل هو في أعلى درجات الصحة، حيث اتفق عليه إماما أهل الحديث [والحديث إذا اتفق عليه الشيخان صار له حكم المتواتر، كما صرّح به الحافظ ابن الصلاح وغيرُه من الحُفّاظ؛ كالعراقي، وابن دقيق العيد، وابن حجر، والمحقق العلاّمة العَيْني، والجلال السيوطي، والقسطلاني، رحم الله الجميع. ثم إن رواة حديث سحر لبيد بن الأعصم للنبيِّ ﷺ في الصحيحين ليس فيهم واحد مُتكلَّم فيه بعدم العدالة، فالحديث صحيح بإجماع المحدّثين] (١) .
أما ادعاء المنكرين تضعيف هذا الحديث لوجود هشام بن عروة - الراوي عن عائشة ﵂ وأن رواية هذا الحديث إنما تدور عليه في الصحيحين، [فهو مردود عند أهل العلم، فإن هشامًا من أوثق الناس وأعلمهم، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب ردَّ حديثه، وقد رواه غير هشام، عن عروة، عن عائشة، - كما في دلائل البيهقي عن عَمْرة عن عائشة - والقصة مشهورة عند
стр. 57
أهل التفسير والسنن والحديث والتأريخ والفقهاء] (١) يضاف إليه أن عائشة ﵂ لم تنفرد برواية هذا الحديث بل رواه - كما سبق إيراده - جمع من الصحابة، منهم: ابن عباس كما في طبقات ابن سعد، وزيد بن أرقم كما عند الحاكم مصحَّحًا، وابن أبي شيبة عنه أيضًا.
والحاصل في ذلك: أن رواية الحديث في الصحيحين، ورواية غير هشام له عن عائشة، ثم رواية غير واحد من الصحابة له، كلُّ ذلك يجعل الحديث بمنأىً عن تضعيفه، كما يجعل دعوى الإنكار بهذا التضعيف غايةً في الوَهْن والتهافت، وهي رَدٌّ على القائلين بها.
نأتي بعدها إلى إثبات سلامة متن هذا الحديث من الاضطراب؛ فنقول: إن المتأمل في مجموع رواياته يتبين له وقوع اختلاف ظاهر بينها من وجوه، لكن ذلك لا يقتضي وجود اضطراب في الروايات، حيث إن ذلك الاختلاف في ألفاظها لا يُفضِي إلى التناقض في معانيها، بل إلى التبيين والتكامل، وسوف أفصّل في ذلك - إن شاء الله - بما يتسع له المقام:
أولاً: اختلاف الروايات في بعض ألفاظها؛ نحو: [ «أَشَعَرْتِ» ، «أَِعَلِمْتِ» ]-[ «مُشَاطَةٍ» ، «مُشَاقَةٍ» ]-[ «وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ» ، «وَجُبِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ» ]-[ «بِئْرٍ ذَرْوَانَ» ، «بِئْرٍ ذِي أَرْوَانَ» ] ، [فَهَلاًّ أَخْرَجْتَهُ» ، «أَفَلاَ أَحْرَقْتَهُ» ]-[ «أن أُثِيرَ» ، «أن أُثَوِّرَ» ] .
إن مثل هذا الاختلاف الظاهر في ألفاظ الروايات لا يترتب عليه اختلاف في المعنى، بل هو ناتج من رواية المحدثين له بالمعنى، وهو يؤدي غالبًا إلى تكامل في معاني ألفاظ الحديث لا إلى تناقض في فحوى الروايات. أما الاختلاف الظاهر الذي يُبدِي تعارضًا في الروايات، فإن
стр. 58
المحدثين وشُرّاح الحديث لم يَدَعوا لمثل ذلك مسلكًا للطعن في صحة الأحاديث، حيث إنهم يعمدون إلى الجمع بين الروايات؛ إما بترجيح إحداها لمزيد ضبط الراوي لها ورسوخ قدمه في الإتقان في جملة الرواية وتأديته لها، أو بحمل المراد من اللفظ العام في رواية على ما جاء من لفظ خاص في أخرى، أو باحتمال تكامل المعاني في ألفاظ الروايات، أو بجعل الاختلاف في بعض الألفاظ ناشئًا من رواية الحديث بالمعنى، بما لا يغير المعنى المقصود، وهذا جارٍ من سنّة المحدثين، ولا يقدح ذلك في صحة الحديث. والمعوّل عليه عندهم: هو العمل على الجمع بين الروايات، فإن أمكن الجمع فلا مسوّغ عندها لرد الحديث أو تضعيفه. وهاك - إن شئت - مصداق ذلك في متن الحديث الذي بين أيدينا، فالجفّ والجبّ بمعنىً، وهو: وعاء الطلعة - كما سبق بيانه في موضعه - (وذروان) هي عينُها (ذي أروان) ، والمشاطة هي المشاقة، حيث تبدل القاف من الطاء لقرب مخرجهما.
أما استخراج عمل السحر الذي ثبت في بعض الروايات، وانتفى حصوله في بعضها، فإنه يمكن الجمع بين الأمرين على أن الاستخراج حصل حتى رآه النبيُّ ﷺ وعَلِمه، لكن الاستخراج المنفي، والذي كره رسول الله ﷺ حصوله، وهو الذي طلبته السيدة عائشة، فذاك استخراج ما وقع به السحر من جف الطلعة وما حواه ذلك الجف، ثم إظهاره للناس حتى يعاينوه، فكَرِه ﷺ ذلك الاستخراج لما قد يثيره من فتنة بين المسلمين الغاضبين من جهةٍ، وبين قوم الساحر (بني زريق) ويهود مِن بعدِهم من جهة أخرى، فيُهراق دم كثير بسبب ذلك، والحال أن الله تعالى قد أحدث الشفاء لنبيِّه ﷺ ، فلا داعي إذًا لإخراج السحر كيما يعاينه الناس، مع علمه ﷺ بما في معاينة الناس لهذا السحر من كشف للساحر، ومعرفة شدة عداوته وقومه ومن وراءهم، ومع ما فيه كذلك من مصلحةٍ في التحذير من أمر السحر وبيان قبحه، لكنْ - وكما هو مقرر - فإن درء المفسدة مقدّم على جلب
стр. 59
المصلحة، وبخاصة إذا كانت المفسدة المتوقعة: فتنة عظيمة كما هو الحال هنا، فَكَرِه رسول الله ﷺ أن يثير تلك الفتنة بين الناس، حتى إنه ﵊ لم يذكر ذلك لذلك المنافق، ولا رآه في وجهه قط، وكل ذلك مرده إلى بالغ حكمته ﷺ ، فهو الأسوة الحسنة في تعليم الصبر لمن ابتلي من أمته بمثل ذلك، ليعمد إلى الدعاء بعظيم إخلاص، ثم لا يغضب لنفسه فيسعى للانتصار لها، فيكون بذلك سببًا لإثارة شر على الناس، فإن اقتدى بنبيِّه ﷺ بذلك كان ذلك سببًا متيقنًا لحصول شفائه ومعافاته، والله أعلم.
ومما اختلفت به الروايات كذلك ورود بعضها بلفظ عام، والآخر مخصوصًا، ومثاله: «حتى كان يُخيَّل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعله» ، و «حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن» ، وهذا - كما هو معلوم - لا يستلزم ضعفًا في الحديث أو اضطرابًا في ألفاظ متنه، فإن لفظ الرواية الثانية جاء مخصِّصًا لما في الأولى، ومبينًا لما أُجمِل فيها، فالمراد بالشيء: مباشرة النساء، وقد ذكرت السيدة عائشة ﵂ ما يفيد معرفة السامع للمراد، دون التصريح بما يخص الجماع، وذلك فيه مزيد تأدب واستحياء منها، وتعظيم لمقام النبيِّ ﷺ ، لكن التصريح في بعض الروايات يبين المجمل منها، حتى لا يُظنّ أن التخيّل الذي وقع لرسول الله ﷺ كان عامًّا في كل أفعاله ﷺ ، فيكون ذلك مسلكًا لطاعن في مقام النبوَّة الكريم، من أنه يحتمل عندئذ أن يتخيل نزول جبريل بالوحي، وليس ثمة ذلك. فتأمل - رحمك الله - كيف تكامل معنى الروايات، وكيف صدَّق بعضُها بعضًا.
كما أنه لم يَرِد - فيما تتبعتُه من روايات الحديث - ما يفيد تلميحًا أو تصريحًا نسبةَ التخيل في القول إلى النبيِّ ﷺ حتى يكون لذلك التخيل مدخلاً
стр. 60
في أمر التشريع. وبذلك يتحصل - مما سبق - سلامة متن هذا الحديث من الاضطراب، بحسب ما قرره علماء هذا الفن من ضبطٍ للحُكم باضطرابٍ أو عدمه، ولله الحمد والمنة.
ولننظر بعدُ في شبهة قوية، قضت - بزعم معتقِدِها - بأن حديث السحر موضوع لا أصل له!! فقد أنكر قوم أن للسحر أثرًا في نفس المسحور من غير اتصال به ولا مماسة، وعليه فقد حكموا بوضع هذا الحديث، حيث إن متنه ينصّ على أن لبيد بن الأعصم قد أثّر في تخيل النبيِّ ﷺ في فعله للأشياء دون أن يكون قريبًا منه مماسًّا له ﷺ .
وفي مثل ذلك يقال: إن ظاهر نصوص الشريعة تقرر حصول أثر الساحر إذا قال الساحر عزائم، أو نفث في عقد، بل بحصول أثر العائن والحاسد من غير تلفّظ، بل بمجرد التشهّي لحصول نعمة، أو إعجاب بما حظي به المَعين من نعمة!! فكيف يُنكَر حصول أثر السحر عن بُعدٍ، وقد قال تعالى: [البَقَرَة: ١٠٢] ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وقال سبحانه: [الفَلَق] ﴿وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ *وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ *﴾ ، وقال رسول الله ﷺ : «الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وإذا استُغسِلتم فاغسلوا» (١) ، ثم إن النبيَّ ﵊ قد أذن بالاسترقاء من العين، وبالتداوي بعجوة المدينة للسحر (٢) . كل ذلك دالّ - ولا
стр. 61
ريب - على أن للسحر أثرًا في المسحور، ولا يقتصر أثره على سحر الأعين عند إيقاع الساحر لعمله، فيرى الناظر غير ما هو واقع، وإنما ذلك نوع من السحر، لا جميعه. وكما لا يخفى فإن نفس الساحر الخبيثة، أشد تأثيرًا من نفس العائن والحاسد، حيث إن العائن قد يعين صاحبه من غير قصد إيقاع ضرر به، والحاسد يوقع شرًا بمن حسده دون أن يعاينه فضلاً عن أن يماسّه، فلا شأن للمماسة في إحداث الأثر إذًا، لكن غاية ما هنالك أن حصول الضر في جميع ذلك لا يكون إلا بإذن الله، وقد قال سبحانه: [البَقَرَة: ١٠٢] ﴿وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، وقال تعالى: [الفَلَق: ١-٥] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ *وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ *وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ *وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ *﴾ .
وقال : [القَلَم: ٥١-٥٢] ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ *وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ *﴾ .
[والتحقيق الذي عليه جماهير العلماء من المسلمين: أن السحر منه ما هو أمر له حقيقة لا أنه مطلق تخييل لا حقيقة له، ومما يدل على أن منه ما له حقيقة قوله تعالى: [البَقَرَة: ١٠٢] ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ فهذه الآية تدل على أن السحر شيء موجود له حقيقة تكون سببًا للتفريق بين الرجل وامرأته. وقد عبّر الله عنه بـ (ما) الموصولة وهي تدل على أنه شيء له وجود حقيقي. ومما يدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: [الفَلَق: ٤] ﴿وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ *﴾ ، يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عُقَدهن. فلولا أن للسحر حقيقة لم يأمر الله بالاستعاذة منه.
أما قوله تعالى: [طه: ٦٦] ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ ، وقوله سبحانه: [الأعرَاف: ١١٦] ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ ، فالآيتان تدلان على أن من السحر ما لا حقيقة له في نفس الأمر، وإنما هو تخييل لأعين الناظرين وحسب، وبذلك يتضح عدم التعارض بين الآيات الدّالة على أن له حقيقة،
стр. 62
والآيات الدالة على أنه خيال] (١) .
الوجه الرابع في الرد على منكري الحديث: استبعد هؤلاء أن يكون النبيُّ ﷺ قد سُحِر، وقالوا: إن في الاعتقاد بحصول ذلك تصديقًا لمقولة الكفار وزعمهم أن النبيَّ ﷺ رجل مسحور، كما حكاه الله عنهم: [الفُرقان: ٨] ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا﴾ . كذلك قد زعم المنكرون أن تأثير السحر على النبيِّين ﵈ يحطّ من مقام نبوتهم، ويقدح بصحتها، وهو يُعدِم الثقة - بزعمهم - بما أتى به هؤلاء الأنبياء ﵈ من عقائد وشرائع.
والردّ على هذين الزعمين يتطلب بسطًا لا يتسع له المقام لكن سأبين ما بوسعي بيانه، فأقول مستعينًا بالله تعالى: ما القصد بوصف الكفار للنبيِّ ﷺ بأنه رجل مسحور؟ إن الكفار يعيبون بذلك على المؤمنين اتباعهم وتصديقهم لرجل مسحور قد أثر السحر في اتزان عقله، بل قد أذهبه عنه بالكلية، وهو مثل قوله تعالى: [الحِجر: ٦] ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ *﴾ ، وقوله تعالى: [القَلَم: ٥١] ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ . ذلك أن السحر قد يصل أثره أن يبلغ بالمسحور حدَّ الجنون، فإن تقرر أن ذلك هو قصدهم حين وصفوا النبيَّ ﷺ بالرجل المسحور، فإن وقوع أثر السحر على هيئة مرض جسدي حال بينه ﷺ وبين إتيانه نساءه، لا يتطابق؛ بل لا يتوافق مع زعم الكفار بأن السحر قد أخذ بعقله، أو سلبه القدرة على التفكير، فلا يكون - على ذلك - في إثبات الحديث تصديق لمقولتهم ألبتة، [وإن قَدَّر بعد ذلك ضعيف العقيدة - مُصِرًّا - أن الحديث فيه تصادم لظاهر نص القرآن، في قولهم هذا، فنجيبه بأن قول الكفار ذلك وادعاؤهم به كان قبل قصة سحر اليهودي للنبيِّ ﷺ الذي مرض بسببه، وبذلك تعلم أنه لا منافاة بين الآية المذكورة
стр. 63
وبين إثبات سحر اليهودي له ﵊] (١) .
أما الزعم بأن وقوع أثر السحر على الأنبياء يحطُّ من مقام نبوَّتِهم، [فإن وقوع المرض لهم بسبب السحر، لا يجرّ خللاً لمنصب النبوة، لأن المرض الذي لا نقص فيه يقع للأنبياء في الدنيا ويزيد في درجاتهم في الآخرة، فإذا خُيّل إليه - بسبب مرض السحر - أنه يفعل شيئًا من أمور الدنيا وهو لم يفعله، ثم زال ذلك عنه بالكلية بسبب إطْلاع الله تعالى له على مكان السحر وإخراجه إياه من محله ودفنه، فلا نقص يلحق الرسالة من هذا كله، لأنه مرض كسائر الأمراض، لا تسلّط له على عقله؛ بل هو خاص بظاهر جسده كبصره حيث صار يخيل إليه فعل الشيء من ملامسة بعض أزواجه، وهو لم يفعله، وهذا في زمن المرض لا يضر، والعجيب ممن يظن هذا الذي وقع من المرض بسبب السحر لرسوله ﷺ قادحًا في رسالته، مع ما هو صريح في القرآن في قصة موسى مع سحرة فرعون، حيث صار يخيل إليه من سحرهم أن عصيَّهم تسعى، فثبّته الله، كما دلّ عليه قوله تعالى: [طه: ٦٦-٦٩] ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى *فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى *قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى *وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى *﴾ . ولم يقل أحد من أهل العلم ولا من أهل الذكاء أن ما خُيّل لموسى ﵊ أولاً من سعي عِصِيّ السحرة قادح في رسالته، بل إن وقوع مثل هذا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام يزيد قوة الإيمان بهم، لكون الله تعالى ينصرهم على أعدائهم، ويخرق لهم العادة بالمعجزات الباهرة ويخذل السحرة والكفرة، ويجعل العاقبة للمتقين، كما هو مبين في آيات الكتاب المبين] (٢) .
بقي أن دعواهم في أن تأثير السحر على النبيِّ ﷺ فيه جنس فلاح
стр. 64
للساحر، حيث استطاع الإمراضَ بسحره، فيرده [أن مرض النبيِّ ﷺ دام مدة ثم أطلعه الله عليه، فأخبر أصحابه بمحلّه، فوجدوه في المحل الذي أخبر به، فكان ذلك من أعلام نبوته، وشفى الله رسوله ﵊ من المرض، وباء الساحر بالخزي ولم يفلح في مسعاه، كما قال تعالى: [طه: ٦٩] ﴿وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ . والأمور لا يُنظر فيها إلا عواقبُها، والنصر في العاقبة للرسل، ولمن كان على قدمهم من أممهم] (١) .
وملخص ما سبق جميعه: هو أن الحديث ثابت، وهو في أعلى درجات الصحيح، وقد سلم متنه من اضطراب وإسناده من تضعيف، وأن السحر الذي وقع قد أثّر في بعض قوة النبيِّ ﷺ الجسمية، دون أن يمس قدرته الفكرية بشيء، فهو من جنس المرض الذي يعتري سائر البشر، وليس ذلك قادحًا في منصب النبوة، بل هو دليل من دلائلها (٢) ، حيث أثبت الحديثُ صدق النبيِّ ﷺ فيما يُخبِر به عن حال نفسه الشريفة، فضلاً عما يخبر به من خبر السماء، وإلا فلو أنه كان مُخفِيًا شيئًا لأخفى مثل هذا عن الناس مخافة أن يتنقصوا من مقامه، ثم إن إثبات ذلك دالّ بالمحصّلة على إثبات النبوَّة من حيث إن الله سبحانه قد استجاب دعاءه وأعلمه بجنس مرضه، وعيّن له موضع السحر - بتفصيل شهد الواقع أنه حق - ثم أكرمه ربّه فعافاه، وزاده إكرامًا أن أوحى إليه بدواء السحر: المعوذتين، وقد فقهَتْ مثلَ ذلك أخت الساحر لبيد بن الأعصم، حيث قالت: (إن يكن نبيًا فسيُخبَر، وإلا فسيذهله هذا السحر حتى يُذهِب عقله) (٣) ، وقال الحافظ ابن حجر: (فوقع الشِّق الأول كما في هذا الحديث الصحيح) (٤) ، أي أخبره الله بذلك، وهذا - أي
стр. 65
وقوع مرض له ﷺ بسبب السحر - نظير ما كان يعتريه ﷺ من المرض بسبب تلك الشاة المسمومة التي أتت بها يهودية فأكل ﵊ منها (١) ، وقد أدرك يهود خيبر أن نجاته ﵊ من الموت بالحال من أثر ذلك السمِّ الفتاك الذي دُسَّ له، هو دليل دامغ على صدق نبوته، حيث سألهم ﷺ : «هل جعلتم في هذه الشاة سمًا؟» فقالوا: نعم، فقال: «ما حَمَلكم على ذلك» ؟ فقالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرّك» (٢) .
فلم يضره ذلك السمّ على الوجه المعهود، - وبخاصة أن اليهودية التي أهدت الشاة كانت قد أكثرت السم في الكتف والذراع؛ لأنه بلغها أن ذلك كان أحبّ أعضاء الشاة إليه ﷺ لكن أثره مع ذلك كان بصورة ألم ناشئ عن ذلك الأكل ومرض كان يعتريه ﷺ من تلك الأكلة أحيانًا، وقد أخبر أنس ﵁ عن أثر ذلك السم بقوله: (فما زلت أعرفها في لهوات (٣) رسول الله ﷺ (٤) ، كذلك هنا، فإن أشد أنواع السحر لم يُذهِب بعقله، بل أثّر في ظاهر جسده مرضًا حتى صار كالذي ينكر بصره وأُخِذ عن النساء فترة يسيرة. وعلى ذلك كلِّه لا يبقى لمن ادعى تنقُّصًا من مقام النبوَّة بإثبات حديث السحر حجّة، بل إن فيه من دلائل نبوَّته ﷺ ما فيه، وأن من دلائلها الباهرات عصمة الله تعالى لنبيِّه ﷺ من قتل الناس له بسُمٍّ، ولو كان فتاكًا، أو ذهول عقل بسِحر ولو كان أشد أنواع السحر، وكذلك عصمته ﷺ عن مطلق تسليطٍ مُهلِكٍ من الناس، وهو القائل سبحانه: [المَائدة: ٦٧] .
стр. 66
فائدة: إن ما ذكر سابقًا من أن أثر السحر الذي أصاب النبيَّ ﷺ هو من جنس الأمراض التي تتسلط على ظاهر الجسد قد جاءت الإشارة إليه في لفظ النبيِّ ﷺ فإنه [لم يُرو عنه ﷺ إلا الحديث الدالّ على المرض، بدليل قوله في مراجعة الملكين الكائنين في صفة رجلين: ما وجع الرجل، فقال المجيب منهما: مطبوب؛ وقوله ﷺ بعدما أخرج المشط والمشاطة وما معهما مما عمل فيه السحر: (قد عافاني) وفي رواية (وشفاني) . ففي نفس الحديث التصريح بالوجع وبالمعافاة منه، فدلّ هذا على أنه مجرد مرض وليس في لفظ رسول الله ﷺ أنه صار يخيل إليه فعل ما لم يفعله، وتعبير عائشة ﵂ بذلك إنما هو على حسب ما ظهر لها أنه تخيّل] (١) .
كذلك فإن في قوله ﷺ : «من تصبّح سبع تَمْرات عجوةً لم يضرُّه ذلك اليوم سُمّ ولا سِحر» (٢) . تلميح إلى مشابهة أثر السحر والسم في أن كلاً منهما ضارّ بالإمراض، وأنه يتداوى منهما، وليس بالضرورة أن يُذهِب السحرُ بالعقل، أو يُزهِق السمُّ الروح. وانظر بعدها - رحمك الله - إلى فقه الإمام البخاري ﵀، حيث جعل حديث السحر في كتاب الطب في صحيحه، ثم جعل بابًا في كتاب الطب: الدواء بالعجوة من السحر، ما يشير إلى أن من أثر السحر والسم إحداث ما يُمرِض، وأن عجوة المدينة يتداوى بها من جميع ذلك، والله أعلم.
مسألة: متى عُمِل السحرُ للنبيِّ ﷺ ؟
[لمّا رجع رسول الله ﷺ من الحديبية في ذي الحجة، ودخل المحرَّمُ من سنة سبعٍ جاءت رؤساء يهودَ الذين بقوا بالمدينة ممن يُظهِر الإسلام، وهو
стр. 67
منافقٌ إلى لبيد بن الأعصم اليهودي، وكان حليفًا في بني زُريق، وكان ساحرًا قد علمَتْ ذلك يهودُ وأنه أعلمهم بالسحر وبالسموم، فقالوا له: يا أبا الأعصم أنت أسحرُ منا، وقد سحَرْنا محمدًا، فسحَره منا الرجال والنساء ولم نصنع شيئًا، وأنت ترى أثره فينا وخلافه دينَنا، ومَنْ قتل منا وأجلى، ونحن نجعل لك على ذلك جُعْلا على أن تسحره لنا سحرًا ينكَؤه، فجعلوا له ثلاثة دنانير على أن يسحر رسولَ الله ﷺ ... ] (١) .
مسألة: كم كانت مدة مرض النبيِّ ﷺ بهذا السحر؟
[ورد في ذلك روايتان، أفادت الأولى أنه ﷺ أقام في ذلك المرض أربعين يومًا، والثانية أنه ﷺ لبث ستة أشهر في ذلك. ويمكن الجمع بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغيُّر مزاجه، والأربعين يومًا من استحكامه - أي: أثر السحر -] (٢) ، [وهذا الجمع هو المتعيّن، لأنه لم يشتهر أن مرضه هذا عليه أتم الصلاة والسلام قد طال به، ولو طال به لنقل ذلك متواترًا لتوفّر الدواعي على نقله لشدة شأنه عند أصحابه وتابعيهم، لكنه لم يَطُل، ولم يتعدّ حالَ مَن عُقِد عن النساء مدةً يسيرة] (٣) .
أخي القارئ المكرم، أكتفي بما أوردته من بعض فقه أهل العلم لهذين النصين الجامعين - عنيت: آية السحر وحديثه -، مع أن كلاً منهما هو أهلٌ لأن يُفرَد بمصنّف تام لسعة ما حواه من معان وأحكام وعظات، سائلاً الله تعالى أن يرزقني وإياك فقهًا في دينه، وأن يهديَنا لما اختُلِف فيه من الحق بإذنه.
стр. 68
الفصل الثاني
بيان معنى السحر، وما يتعلق به من مصطلحات
стр. 69
الفصل الثاني
بيان معنى السحر ، وما يتعلق به من مصطلحات
درج المصنِّفون في بيان معنى السحر على الاقتصار على ذكر التعريفين اللغوي والاصطلاحي له، وقد أحببت - إتمامًا للفائدة - بيان مصطلحاتٍ لها تعلق وثيق بمعنى السحر، وعليه فإن محتوى هذا الفصل سيكون على بابين: الباب الأول في التعريف بالسحر لغة واصطلاحًا. والثاني: في بيان مصطلحات متعلقة بالسحر.
الباب الأول: بيان معنى السحر؛ وفيه مبحثان:
الأول: في التعريف اللغوي للسحر.
الثاني: في تعريفه اصطلاحًا.
المبحث الأول: التعريف اللغوي .
السِّحْر مصدر سَحَر يَسْحَرُ. وله معان عديدة في أصل اللغة، منها: [صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، فكأن الساحر لما أرى الباطل في صورة الحق وخَيّل الشيءَ على غير حقيقته، قد سَحَر الشيءَ عن وجهه، أي: صَرَفَه. وإنما سمّت العرب السِّحْر سِحْرًا لأنه يزيل الصحة إلى المرض، وإنما يقال: سَحَره، أي: أزاله عن البغض إلى الحب] (١) . [ومن الصرف: البيان في فطنةٍ، والفصاحة في الكلام واللِّسانةِ فيه، كما في الحديث: «إن من البيان لسحرًا» (٢) ، ومعناه - والله أعلم - أنه يبلغ من ثنائه أنه يمدح
стр. 70
الإنسانَ فيصدُقُ فيه حتى يصرفَ قلوب السامعين إليه، أو يبالغ في ذمّه فيصدقُ فيه حتى يصرف قلوبهم أيضًا عنه، فكأنه سَحَر السامعين بذلك] (١) . ومن معاني السحر: [الخِداع والاستمالة، وكلُّ من استمال شيئًا فقد سحره، ومنه إطلاق الشعراء سِحْرَ العيون لاستمالتها النفوس، حتى قالت الأطباء: الطبيعة ساحرة] (٢) ، ومنها: [اللطف والدقة، فكل ما لَطُف - أي: خفي - مأخذُه ودقّ سمي سحرًا، والجمع: أسحار وسُحور] (٣) ، [لذلك تقول العرب في الشيء الشديد الخفاء: أخفى من السحر، ومنه قول مسلم بن الوليد الأنصاري:
جعلتُ علاماتِ المودّة بيننا
مصائدَ لَحْظٍ هنّ أخفى من السِّحْر
ولهذا قيل لملاحة العينين: سحر؛ لأنها تصيب القلوب بسهامها في خفاء. ومنه قول المرأة التي شُبِّبَتْ (٤) بنصر بن حجّاجٍ السُّلَمي:
وانظر إلى السِّحْر يجري في لواحظه
وانظر إلى دَعْجٍ (٥) في طَرْفه الساجي] (٦)
стр. 71
ومنها كذلك: الفساد، [تقول: طعام مسحور، إذا أُفسِد عملُه، ونَبْت مسحور: مفسود، وأرض مسحورة: أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها، فهي لا تُنبِت، وغيث ذو سِحْر إذا كان ماؤه أكثر مما ينبغي، وسَحَر المطرُ الطينَ والترابَ سِحْرًا: أفسده، وتقول غنم مسحورة: إذا كانت قليلة اللبن] (١) ، وأخيرًا من معاني السحر: العِضَه، والعِضَهُ عند العرب: شدة البَهْت وتمويه الكذب، وقال ابن مسعود ﵁: كنا نسمّي السحر في الجاهلية: العِضَه. وقال الشاعر:
أعوذ بربّي من النافثا
تِ في عِضَهِ العاضِهِ المُعْضِه] (٢)
والمعنى: ألتجيء إلى الله تعالى وأستجير به من شر السواحر اللواتي ينفثن في كذب الساحر وبهتانه في عُقَده، والله أعلم.
[ثم السِّحْرُ يُطلق ويُراد به الآلة التي يُسحر بها، سواء كانت معنوية كالرقى والنفث في العقد، أو حسية كتصوير الصورة على صورة المسحور (٣) ، وتارة يطلق ويراد به فعل الساحر] (٤) .
هذه معان خمسة للسحر في أصل اللغة، أوردتُّها من أجل أن يعاين القارئ ما حوته مادة هذا اللفظ من خفاء وتمويه وخداع وتخييل وفساد وكذب وبَهتٍ، فالسحر - حتى في أصله اللغوي - مبني على خلاف الحق والظهور والصدق والصلاح، فمعانيه لغةً متناسبة تمامًا مع ما سيأتي حالاً من معنىً للسحر شرعًا.
стр. 72
المبحث الثاني: التعريف الاصطلاحي .
قبل الشروع بسرد تعريفات اصطلاحية للسحر؛ لابد من تبيان الخلاف الحاصل في أمر السحر؛ وجوده وماهيته وأثره، وهل له حقيقة كغيره من الأشياء، أو هو مجرد تخييل وتمويه، [ومذهب أهل السنة وجمهور العلماء من الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقةً كحقائق غيره من الأشياء الثابتة، لأن الله تعالى قد ذكره في كتابه، وذكر أنه مما يُتعلم، وذكر إشارةً إلى أنه مما يُكفَّر بتعليمه والعمل به، وأنه يفرَّق به بين المرء وزوجه، وهذا كله مما لا يمكن أن يكون فيما لا حقيقة له، وكيف يُتعلّم ما لا حقيقة له، وفي «حديث السحر» تصريح بإثباته، وأنه أشياء دُفِنت وأُخْرِجت، والذي يُعرَف بالعقل من هذا: أن إحالة كونه من الحقائق مُحالٌ، وغير مستنكر في العقل أن يكون الباري سبحانه يخرق العادات عند النطق بكلام مُلفّقٍ أو تركيبِ أجسامٍ؛ منها قتّالة كالسموم، ومنها مُسقِمة كالأدوية الحادّة، ومنها مُصِحّة كالأدوية المضادّة للمرض، فلم يبعد في العقل عندها أن ينفرد الساحر بعلمِ قوىً قتّالة أو كلامٍ مهلك، أو مؤدٍ إلى التفرقة] (١) .
[وقيل: هو تخييل فقط ولا حقيقة له، وهذا اختيار أبي جعفر الأستراباذي من الشافعية، وأبي بكر الرازي من الحنفية، وابن حزم الظاهري وطائفة (٢) ؛ قال النووي: والصحيح أن له حقيقة وبه قطع الجمهور وعليه عامّة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة. انتهى] (٣) . تأسيسًا على ما ذكر آنفًا فإنك ستلحظ تباينًا فيما يأتي من عبارات العلماء في تعريفهم للسحر؛ وذلك تبعًا
стр. 73
لما تقرر عند صاحب التعريف من كون السحر له حقيقة مؤثرة أم أنه مجرد خُدَع وتخييلات لا أثر لها (١) . وسأشرع بذكر تلك التعريفات، مستعينًا بالله تعالى:
١- ... [السحر: عبارة عن عُقَد ورقًى وكلامٍ يتكلّم به الساحر، أو يكتبه، أو يعمل شيئًا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له (٢) ، وله حقيقة، فمنه ما يقتل، وما يُمرِض، وما يأخذ الرجلَ عن امرأته فيمنعه وَطْأَها، ومنه ما يفرِّق بين المرء وزوجه، وما يُبغِّض أحدهما إلى الآخر، أو يحبّب بين اثنين] (٣) .
٢- ... [السحر: نوعٌ يستفاد من العلم بخواصّ الجواهر (٤) ، وبأمور حسابية في مطالع النجوم (٥) ، فيُتخَذ من تلك الجواهر هيكل مخصوص على صورة
стр. 74
الشخص المسحور، ويُترصَّد له وقت مخصوص في المطالع، وتُقرَن به كلمات يُتلفَّظ بها من الكفر والفحش المخالف للشرع، ويُتوصَّل في تسميتها إلى الاستعانة بالشياطين، وتَحصُل من مجموع ذلك - بحُكْم إجراء الله العادة - أحوال غريبة في الشخص المسحور] (١) .
٣- ... [السحر: خارق للعادة يظهر من نفس شريرة بمباشرة أعمال مخصوصة] (٢) .
٤- ... [السحر: أصله طِلَّسْمٌ يُبنى على تأثير خصائص الكواكب، كتأثير الشمس في زئبق عصيّ فرعون، أو تعظيم الشياطين ليسهّلوا للساحر ما عَسُر عليه] (٣) .
٥- ... [السحر: هو خُدَعٌ ومخاريقُ ومعانٍ يفعلها الساحر، حتى يُخيّّل إلى المسحور الشيءُ أنه بخلاف ما هو به، نظير الذي يرى السراب من بعيد فيخيل إليه أنه ماء، ويرى الشيء من بعيد فيُثبته بخلاف ما هو على حقيقته] (٤) .
٦- ... السحر: أصله التمويه بالحيل والتخاييل، وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني، فيُخيّل للمسحور أنها بخلاف ما هي به] (٥) .
٧- ... [السحر: هو ما يفعله الساحر من الحيل والتخييلات التي يحصل بسببها للمسحور ما يحصل من الخواطر الفاسدة الشبيهة بما يقع لمن يرى السراب فيظنه ماءً، وما يظنه راكب السفينة أو الدابة من أن الجبال تسير] (٦) .
стр. 75
٨- ... [السحر: كل أمر خَفِيَ سببُه وتُخُيِّل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع] (١) .
٩- ... [السحر: علم يستفاد منه حصول مَلَكةٍ نفسانية، يُقتدر بها على أفعال غريبة، لأسباب خفيّة] (٢) .
١٠- ... [السحر والطلّسمات: علوم بكيفية استعدادات تقتدر النفوس البشرية بها على التأثيرات في عالم العناصر (٣) ، إما بغير مُعين (٤) أو بمعين من الأمور السماوية، والأول - أي الذي هو بغير معين - هو: السحر، والثاني: هو: الطلسمات] (٥) .
نظرة تدبّر في هذه التعريفات العشرة:
لو تأملت أخي القارئ فيما سبق من تعريفات متعلقة بالسحر - والحال أن ثنايا كتب التوحيد والتفسير والفروع حافلة بأكثر من ذلك -، أقول: لو تدبّرت هذه التعريفات لظهر لديك جليًا أنها - على كثرتها - لم تفِ بمعنى جامع مانع للسحر، حيث إن بعضها أثبت حقيقة أثر السحر، ونفى بعضها ذلك، وفرق أحدها بين السحر والطلسم بينا سوّى آخرُ بينهما، وطابق