← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7844

الحذر من السحر

خالد الجريسي

Полный текст (354 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ومنها كذلك: الفساد، [تقول: طعام مسحور، إذا أُفسِد عملُه، ونَبْت مسحور: مفسود، وأرض مسحورة: أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها، فهي لا تُنبِت، وغيث ذو سِحْر إذا كان ماؤه أكثر مما ينبغي، وسَحَر المطرُ الطينَ والترابَ سِحْرًا: أفسده، وتقول غنم مسحورة: إذا كانت قليلة اللبن] (١) ، وأخيرًا من معاني السحر: العِضَه، والعِضَهُ عند العرب: شدة البَهْت وتمويه الكذب، وقال ابن مسعود ﵁: كنا نسمّي السحر في الجاهلية: العِضَه. وقال الشاعر: أعوذ بربّي من النافثا تِ في عِضَهِ العاضِهِ المُعْضِه] (٢) والمعنى: ألتجيء إلى الله تعالى وأستجير به من شر السواحر اللواتي ينفثن في كذب الساحر وبهتانه في عُقَده، والله أعلم. [ثم السِّحْرُ يُطلق ويُراد به الآلة التي يُسحر بها، سواء كانت معنوية كالرقى والنفث في العقد، أو حسية كتصوير الصورة على صورة المسحور (٣) ، وتارة يطلق ويراد به فعل الساحر] (٤) . هذه معان خمسة للسحر في أصل اللغة، أوردتُّها من أجل أن يعاين القارئ ما حوته مادة هذا اللفظ من خفاء وتمويه وخداع وتخييل وفساد وكذب وبَهتٍ، فالسحر - حتى في أصله اللغوي - مبني على خلاف الحق والظهور والصدق والصلاح، فمعانيه لغةً متناسبة تمامًا مع ما سيأتي حالاً من معنىً للسحر شرعًا.

стр. 72

المبحث الثاني: التعريف الاصطلاحي . قبل الشروع بسرد تعريفات اصطلاحية للسحر؛ لابد من تبيان الخلاف الحاصل في أمر السحر؛ وجوده وماهيته وأثره، وهل له حقيقة كغيره من الأشياء، أو هو مجرد تخييل وتمويه، [ومذهب أهل السنة وجمهور العلماء من الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقةً كحقائق غيره من الأشياء الثابتة، لأن الله تعالى قد ذكره في كتابه، وذكر أنه مما يُتعلم، وذكر إشارةً إلى أنه مما يُكفَّر بتعليمه والعمل به، وأنه يفرَّق به بين المرء وزوجه، وهذا كله مما لا يمكن أن يكون فيما لا حقيقة له، وكيف يُتعلّم ما لا حقيقة له، وفي «حديث السحر» تصريح بإثباته، وأنه أشياء دُفِنت وأُخْرِجت، والذي يُعرَف بالعقل من هذا: أن إحالة كونه من الحقائق مُحالٌ، وغير مستنكر في العقل أن يكون الباري سبحانه يخرق العادات عند النطق بكلام مُلفّقٍ أو تركيبِ أجسامٍ؛ منها قتّالة كالسموم، ومنها مُسقِمة كالأدوية الحادّة، ومنها مُصِحّة كالأدوية المضادّة للمرض، فلم يبعد في العقل عندها أن ينفرد الساحر بعلمِ قوىً قتّالة أو كلامٍ مهلك، أو مؤدٍ إلى التفرقة] (١) . [وقيل: هو تخييل فقط ولا حقيقة له، وهذا اختيار أبي جعفر الأستراباذي من الشافعية، وأبي بكر الرازي من الحنفية، وابن حزم الظاهري وطائفة (٢) ؛ قال النووي: والصحيح أن له حقيقة وبه قطع الجمهور وعليه عامّة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة. انتهى] (٣) . تأسيسًا على ما ذكر آنفًا فإنك ستلحظ تباينًا فيما يأتي من عبارات العلماء في تعريفهم للسحر؛ وذلك تبعًا

стр. 73

لما تقرر عند صاحب التعريف من كون السحر له حقيقة مؤثرة أم أنه مجرد خُدَع وتخييلات لا أثر لها (١) . وسأشرع بذكر تلك التعريفات، مستعينًا بالله تعالى: ١- ... [السحر: عبارة عن عُقَد ورقًى وكلامٍ يتكلّم به الساحر، أو يكتبه، أو يعمل شيئًا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له (٢) ، وله حقيقة، فمنه ما يقتل، وما يُمرِض، وما يأخذ الرجلَ عن امرأته فيمنعه وَطْأَها، ومنه ما يفرِّق بين المرء وزوجه، وما يُبغِّض أحدهما إلى الآخر، أو يحبّب بين اثنين] (٣) . ٢- ... [السحر: نوعٌ يستفاد من العلم بخواصّ الجواهر (٤) ، وبأمور حسابية في مطالع النجوم (٥) ، فيُتخَذ من تلك الجواهر هيكل مخصوص على صورة

стр. 74

الشخص المسحور، ويُترصَّد له وقت مخصوص في المطالع، وتُقرَن به كلمات يُتلفَّظ بها من الكفر والفحش المخالف للشرع، ويُتوصَّل في تسميتها إلى الاستعانة بالشياطين، وتَحصُل من مجموع ذلك - بحُكْم إجراء الله العادة - أحوال غريبة في الشخص المسحور] (١) . ٣- ... [السحر: خارق للعادة يظهر من نفس شريرة بمباشرة أعمال مخصوصة] (٢) . ٤- ... [السحر: أصله طِلَّسْمٌ يُبنى على تأثير خصائص الكواكب، كتأثير الشمس في زئبق عصيّ فرعون، أو تعظيم الشياطين ليسهّلوا للساحر ما عَسُر عليه] (٣) . ٥- ... [السحر: هو خُدَعٌ ومخاريقُ ومعانٍ يفعلها الساحر، حتى يُخيّّل إلى المسحور الشيءُ أنه بخلاف ما هو به، نظير الذي يرى السراب من بعيد فيخيل إليه أنه ماء، ويرى الشيء من بعيد فيُثبته بخلاف ما هو على حقيقته] (٤) . ٦- ... السحر: أصله التمويه بالحيل والتخاييل، وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني، فيُخيّل للمسحور أنها بخلاف ما هي به] (٥) . ٧- ... [السحر: هو ما يفعله الساحر من الحيل والتخييلات التي يحصل بسببها للمسحور ما يحصل من الخواطر الفاسدة الشبيهة بما يقع لمن يرى السراب فيظنه ماءً، وما يظنه راكب السفينة أو الدابة من أن الجبال تسير] (٦) .

стр. 75

٨- ... [السحر: كل أمر خَفِيَ سببُه وتُخُيِّل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع] (١) . ٩- ... [السحر: علم يستفاد منه حصول مَلَكةٍ نفسانية، يُقتدر بها على أفعال غريبة، لأسباب خفيّة] (٢) . ١٠- ... [السحر والطلّسمات: علوم بكيفية استعدادات تقتدر النفوس البشرية بها على التأثيرات في عالم العناصر (٣) ، إما بغير مُعين (٤) أو بمعين من الأمور السماوية، والأول - أي الذي هو بغير معين - هو: السحر، والثاني: هو: الطلسمات] (٥) . نظرة تدبّر في هذه التعريفات العشرة: لو تأملت أخي القارئ فيما سبق من تعريفات متعلقة بالسحر - والحال أن ثنايا كتب التوحيد والتفسير والفروع حافلة بأكثر من ذلك -، أقول: لو تدبّرت هذه التعريفات لظهر لديك جليًا أنها - على كثرتها - لم تفِ بمعنى جامع مانع للسحر، حيث إن بعضها أثبت حقيقة أثر السحر، ونفى بعضها ذلك، وفرق أحدها بين السحر والطلسم بينا سوّى آخرُ بينهما، وطابق

стр. 76

البعض تعريفَ السحر لغةً، ومايَزَ آخرُ بينهما، واقتصر أحدها على بيان نوع من أنواعه كالتنجيم، واختصر آخر أعماله المخصوصة فلم يُمثِّل لها، كما لم يُبيِّن أثرها. التعريف المختار: إن هذا التباين بين هذه التعريفات هو ما حدا بالعلاّمة التهانوي في كشّافه - على كثرة بحثه وسعة اطلاعه - إلى القول: [لم يصل إليّ تعريف يعوّل عليه في كتب الفقه] ، ثم إنه عرّف السحر بما يجمع غالبًا بين جميع ما سبق من تعريفات، فقال: [والأقرب أنه الإتيان بخارق عند مزاولةِ قولٍ أو فعل محرّمٍ في الشرع، أجرى الله سبحانه سنته عنده ابتلاءً] (١) . ولو جاز لنا - توضيحًا - تعديل طفيف على تعريفه هذا، لقلنا إن التعريف المختار للسحر هو: إتيان نفس شريرة أمرًا خارقًا - ضارًا غير نافع - عند مزاولتها قولاً أو فعلاً محرّمًا في الشرع، أجرى الله سبحانه سُنّته - الكونية - عنده ابتلاءً. شرح وجيز للتعريف، مع بيان محترزاته: (إتيان) : دلت على مباشرة الساحر السحرَ، لا مجرّد تعلّمه، أو تعليمه. (نفس شريرة) : دلت على أن من شرط إعمال السحر أن يقوم بمزاولته [نفس خبيثة، ينفصل عنها نَفَس ممازج للشر والأذى مقترن بالريق الممازج لذلك، والحال أن تلك النّفْس قد تساعدت والروح الشيطانية على أذى المسحور. قال تعالى: [الفَلَق: ٤] ﴿وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ *﴾ ، فإن النفاثات هنا: هن الأرواح والأنفس الخبيثة، لا النساء النفاثات وحسب، لأن تأثير السحر إنما هو من جهة تلك الأنفس الخبيثة والأرواح الشريرة، وسلطانه إنما يظهر منها، فلهذا ذكرت النفاثات هنا بلفظ التأنيث

стр. 77

دون التذكير، والله أعلم] (١) . (أمرًا) : المقصود شأن ذو بال، فإن من السحر ما يؤثر في القلوب والعقول والأبدان؛ فيُمرِض ويقتل ويُذهِل فيُذهِب باللبّ، ويفرّق بين المرء وزوجه، ويحبّب بين اثنين أو يأخذ أحدهما عن الآخر. (خارقًا) : المعنى حصول أمر بخلاف ما عُهِد حصولُه، وفيه إثبات حقيقة تأثير السحر، لا أنه مجرد تمويه وتخييلات، [ولا يُستنكر في العقل أن الله يخرق العادة عند النطق بكلام ملفّق، أو تركيب أجسام، أو المزج بين قوى على ترتيبٍ لا يعرفه إلا الساحر، وإذا شاهد الإنسان بعض الأجسام منها قاتلة كالسُّموم، ومنا مُسقِمة كالأدوية الحادّة، ومنها مُضِرّة كالأدوية المضادّة للمرض، لم يستبعد عقله عندئذٍ أن ينفرد الساحر بتعلّم قُوىً قتالةٍ أو كلام مُهلِك أو مؤدٍ إلى التفرقة] (٢) . وهنا مسألتان: الأولى: إذا جاز خرق العادة على يدي الساحر، فبمَ يقع الفرق بينه وبين النبيِّ الصادق؟ والجواب: أن العادة تنخرق على يد النبيِّ والساحر، والفرق أن النبيَّ ﵇ يتحدى بها ويُعجز بها الخلقَ فتدلّ على صدقه؛ والساحر لا يتحدى بها ولا يستعجز بها الخلق، ولو تحدى بها لم تنخرق له] (٣) . والثانية: هل إن خرق العادة بإتيان الساحر سحره، لازم الحصول؟ [الحق أن السحر مع كونه أمرًا خارقًا للعادة إلا أنه مسبَّبٌ عن سبب معتادٍ كونُه عنه] (٤) ، والمعنى: أن السحر هو علم بأمر عادي يتوصل إليه

стр. 78

بطلبه في الغالب، أي أنه لا يؤثر ضرًا إلا إذا خلّى الله تعالى بين الساحر وبين ما أراد، وقد لا يكون ذلك، قال تعالى: [البَقَرَة: ١٠٢] ﴿وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ . إذًا فالسحر يؤثر بعلة عادية، وليس سببًا مولِّدًا مُوجبًا للحدوث، لذا فإنه يمكن إبطال وصوله ابتداءً بوجود مانع من تحصّنٍ بذكر الله، كما يمكن إبطال أثره بعد وقوعه برقية شرعية، أو دعاء مشروع، ونحوه، والله أعلم. (ضارًّا غير نافع) : قال تعالى: [البَقَرَة: ١٠٢] ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ﴾ ، [أي: يضرهم في دينهم، وليس له نفع يوازي ضرره] (١) ، لكنْ، هل للسحر نفع؟ الواقع أن السحر شر محض وضر خالص على الساحر في دينه وعاقبة أمره، حيث إنه تعمُّدٌ لإيقاع أذى بالمسحور، وهو ضرّ عظيم له - عياذًا بالله - لكن مع ذلك كله فإن الساحر يُفتَن بتعلم السحر، ليجني بعمله متاعًا من الدنيا قليل من تحصيل مال، أو كسب جاه، ولو كان ذلك مقابل خسرانه نصيبه من نعيم الآخرة! بالمقابل فإن المسحور مع عظم ما نزل به من ضرّ، فإنه يبتلى بذلك، وهو يجني نفعًا عظيمًا بصبره على ذلك وتعلقه بقدرة الله في كشف الضر عنه. أما تقييد الأمر الخارق بكونه ضارًا غير نافع، فذلك ليخرج به نحو معجزةٍ لنبيٍّ أو كرامةٍ لوليّ، فإن في المعجزة إظهار الحق بالتدليل على صدق دعوى النبوة، وإثبات وجوب الإيمان بمن أتى بها، مع لزوم اتباعه، وفي ذلك ما لا يخفى من عظيم النفع في الدارين، كما أن في الكرامة للولي تصديق النبيِّ الذي سار الوليُّ بحسن اتباعه والتأسي به، وفي ذلك من النفع باستمرار اتباع الخلق للرسالة ما فيه، فضلاً عما تتضمنه الكرامة من بشرى للوليِّ ودلالةٍ على محبة الله له، ومزيد عنايته به.

стр. 79

(عند مزاولتها قولاً أو فعلاً محرّمًا في الشرع) : أي أن من شرط تأثير السحر حصول استرضاء من الساحر لشيطانه، فإذا استرضاه بما يكون كفرًا بواحًا بنفسه كعبادة كوكب مثلاً، أو النطق بالاستعانة بغير الله، أو أطاعه باقتراف الكبائر محادّة لله ولرسوله، عندها فقط تقع معونة الشيطان لتلك النفس الشريرة فيمكنها بعدها أن تنفث شرها، محاولة إيقاع ضرّها بالمسحور. [فالسحر لا يظهر إلا على كافر أو فاسق، فهو توصل بمحظور إلى محظور. ويخرج باشتراط مزاولة قول أو فعل محرم: ما يفعله أصحاب الحِيَل بمعونة الآلات والأدوية أو ما يُريه صاحب خفة اليد، فإن ذلك - وإن سمي سحرًا - فإنه على المجاز لا على الحقيقة، لما فيه من مشابهة السحر في الدقة، لأن السحر في الأصل موضوع لما خفي سببه] (١) . (أجرى الله سبحانه سنته الكونية عنده) : [المعنى أن السحر ليس بمؤثر بذاته نفعًا ولا ضرًا، وإنما يؤثر بقضاء الله تعالى وقدره، وخلقه وتكوينه، عند مزاولة الساحر سحره، لأنه تعالى خالق الخير والشر، والسحر من الشر، ولهذا قال تعالى: [البَقَرَة: ١٠٢] ﴿وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، فيكون التأثير بقضاء الله الكونيّ القدريّ، لا الشرعيّ، فإن الله لم يأذن بذلك شرعًا] (٢) . ويخرج بذلك - كما لا يخفى - المعجزة والكرامة، فإنهما تقعان بإذن الله الشرعي، فهما مما يختص بمرضاة الله سبحانه ومحابّه. (ابتلاءً) : أي: امتحانًا وفتنة للساحر، قال تعالى: [البَقَرَة: ١٠٢] ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ ، فالساحر مع علمه القاطع بشدة النهي عن تعلم السحر فإنه يتعلمه، ثم يعمل به، فيفتن بذلك عن دينه،

стр. 80

ويمتحن في إيمانه، فيستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويشتري الحياة الدنيا بالآخرة، [فتحق الفتنة على المفتونين، فما أسوأ ما باعوا به أنفسهم لو كانوا يعلمون حقيقة الصَّفْقة] (١) ، ولعل في قول صاحب التعريف: ابتلاءً، ما يشير أيضًا إلى أن المسحور يبتلى - أي يمتحن في تَمسّكه بدينه، ويقينه بقدرة الله وحكمته - بإجراء الإذن الكوني بإيقاع تأثير السحر به؛ ليؤجر بعدها فيكون ذلك تثبيتًا له ورفعًا لمنزلته وسببًا في شفائه، والله أعلم. ***

стр. 81

الباب الثاني: بيان مصطلحات متعلقة بالسحر . إن المصنفات التي تناولت أمر السحر - بيانًا وتحذيرًا - قد حفَلت بكمٍّ لا بأس به من ألفاظٍ نُثرت في ثناياها، قد ذكرها المصنفون عَرَضًا عند تعريفهم بالسحر، أو عند التنفير من تعلمه أو تعاطيه، لكن هذه المصطلحات بقيت مرتبطة بالسحر دون أن يُكشف اللِّثامُ عن وجه معانيها، فقد يقع المرء في تعلمها أو يُلبّس ساحر ماكر بأمثالها على كثير من الناس دون أن يُتفطّن إليها؛ لذا فقد أردت بيانها بما يناسب المقام؛ ليعلم القارئ وجهَ تعلُّقِها بالسحر ونسبتِها إليه فيحذرها كما يحذّر منها، وهي عشرة مصطلحات: ١- الطَّلِسْم ، أو الطِّلَّسْم، والشائع في نطقه طَلْسَم، بوزن جعفر، والمقصود به: [الخطوط المجهولة المعاني، وكذلك كل كلام أعجمي جُهِل معناه] (١) . [ويزعم السحرة أن بهذه الطلسمات تقتدر النفوس البشرية على التأثيرات في عالم العناصر، بشرط استعانة تلك النفوس بالأمور السماوية] (٢) ، [فهذه الطلسمات مُحدِثة - عندهم - لأمر خارق يكون مبدؤه القوى السماوية الفعّالة، فإذا مُزجت بالقوى الأرضية المنفعلة، حدثت عندئذٍ أمور غريبة وآثار مخصوصة] (٣) ، والحاصل أن الطلسمات هي: ما يكتبه الساحر بإيحاء من شيطانه، ويكون محتويًا - غالبًا - على حروف وأعداد يستعين عند كتابتها بما يدعيه من تأثير روحانية الكواكب على ما يقابلها من أسرار الحروف وخفايا ترتيب الأعداد، مع مناسبة ذلك لخواص العناصر والموجودات، بما يُحدِث

стр. 82

تأثيرًا عجيبًا بها؛ من تآلف وتنافر، وغضب ورضى، وتيسير أمر أو توقيف حال، ونحوه. وهو أمر يتكلف الساحر لعمله الجهد الجهيد، ويبذل في إتقانه العمر المديد، حيث إن نفسه لم تبلغ أن تؤثر بهمتها فقط في الموجودات، لذا فهو مضطر للجوء إلى حِمى الكواكب السبع السيارة، ليستنزل روحانيتها، ويستعلم أمزجتها، لتقوم هي بدورها بالتأثير في قوى أرضية، وذلك عند قيام المُطلسِم بكتابة أعداد وحروف تناسب أمزجة تلك الكواكب!! فاعجب - أخي القارئ - لتلك الاستعانة الظاهرة بتلك الأجرام السماوية، وذلك التزلّف لجنابها المعظّم، لذا [فإن الشريعة لم تفرّق بين السحر والطلسمات، وجعلته كلَّه بابًا واحدًا محظورًا] (١) . وهاك مصوّرًا (٢) لنماذج من طلاسم وجدت في أحجبة يعلّقها أهلُها، ولا علم لهم بما حوته من طلسمات شركية وأعمال سحرية!! فالحذر كل الحذر من التسهّل في تعليق الأحجبة.

стр. 83

٢- التنجيم (١) : وهو [الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، والتمزيجُ بين القوى الفلكية والقوابل الأرضية كما يزعمون] (٢) ، وهذا العلم قد يوهم ظاهرُ اسمه أنه لا تعلُّق له بالسحر، وأنه داخل في الكهانة أو العرافة، فالمنجِّم يستدل بالتشكُّلات الفلكية وأوضاع الكواكب على ما يكون - بزعمه - من حوادث في الكون، لكن الناظر في حال كثير من المنجّمين يدرك أنهم لم يقتصروا على إخبار الناس بما يكون من حوادث أرضية عامة؛ من نحو خسف، أو قحط، أو فيضان، أو هلاك بحرب، بل تعدَّوا ذلك إلى ما يختص الآدميين، فزعموا أن لحركة الكواكب في أبراج السماء تأثيرًا بذواتها على إحداث حسن طالع المرء أو شؤمه، ولهم في ذلك جداول مقررة بالغة في الدقة يحكمون بها - بزعمهم - من خلال حساب حروف الاسم، واسم الأم، وزمن الولادة، ومكانها؛ وذلك بإعمال ما يُعرف بحساب الجُمّل الكبير، مع إسقاط عددٍ بعينه من الجمع، ثم بحساب ما يفضُل ينسبون صاحب الاسم إلى برج من الإثني عشرَ برجًا المعروفة - من الحَمَل إلى الحوت - ليحكم بعدها المنجّم تبعًا للبرج، بطالع المرء من الكواكب السبعة السيارة، وبها يعرف سعوده أو نحوسه، وطبعه - مزاجه - وغير ذلك، والواقع أن حكمه إنما يكون بما يوحيه إليه شيطانه، فترى كثيرًا من الناس يسارعون إليهم، وقد يغيّر أحدهم اسمه، أو يفترق عن زوجه بسبب أنهما من طبائع كواكب مختلفة؛ فهذا ناريٌ وتلك مائية، وذاك هوائيٌ وزوجُه ترابية، أو أن فلانًا يولد له لكن امرأته عاقِرٌ - بحكم الكواكب عياذًا بالله - فيفارقها، وغير ذلك مما يدّعونه من تحكم بمصائر الناس، وكأن ذلك الساحر المنجّم قد سبق بتخرُّصه علمَ المَلَك الموكّل بكتابة الرزق والأجل والعمل والشقاوة أو السعادة للجنين، ونحن نعلم - كما في الحديث - أن ذلك المَلَك يسأل ربّه إعلامَه بحال الجنين، حتى يأمره ربُّه بما شاء سبحانه، فمالِ هؤلاء الدجاجلة

стр. 84

قد اختلقت لهم شياطينهم أكذوبةً صناعةً، فأيقنوا بصدقها ثم زعموا علمًا بغيب استأثر الله بعلمه؟! وما بال أقوام هرعوا إلى أبوابهم يصدِّقونهم فيما يقولون، فيبغضون فلانًا لأجلهم ويحبون آخر بحكمهم، ولا يفعلون أشياء في أيامٍ بعينها مخافة نحوسهم، ولا يتزاوجون إلا بليلة سعد يزعمونها، وفي ساعة سعيدة يدّعون علمها، يكون كوكب فيها في ساعة سعيدة!! أو يكون القمر مقترنًا فيها بمنزلة تكون الزهرة فيها في شَرَفها ناظرة إلى القمر ما يوجب التآلف والتوادّ!! إن مثل هذا التصديق والاعتقاد بقدرة المنجّم الساحر على التحكم بذلك كلِّه، هو - ولا ريب - كفر، والعياذ بالله.

стр. 85

وها هم أولاء أهل التنجيم، بل أهل الشعوذة، يتسللون لِواذًا، مبتغين دخول بيوت المسلمين على حين غفلة من أهلها؛ فبينا تجتمع الأسرة المسلمة تنقِّل نواظرها لمتابعة ما قد ينفع من برامج متلفزة، وقليلٌ ما هي! إذ يطلع عليها دون استئذان من تزيّا بزيِّ السَّحَرة، وادعى زورًا معرفةً بالتنجيم، وأعظم على الله الفِرْية بزعمه أنه من أهل الولاية الصالحين، فبات يلقي على مسامعنا ما ينفر منه من له أدنى مُسْكة من عقل، أو أثارة من علم، ثم إن هذا المشعوذ مع كونه لم يحصِّل معرفةً بالتنجيم تُذكر، ولم يدرك من صنوف السحر ما يُعتبر، إلا أنه - وبكل صفاقة - لا يَدَع علمًا من علوم الدين أو الدنيا إلا ويدلي فيه بدلوه، حتى باتت سورة (الزُّمَر) عنده سورة الرَّمْز، وصار نبيُّ الله إبراهيم ﵇ عنده منجمًا يستغيث بالكواكب يرتجي منها التلطف لتَدارَكه بالشفاء!! مستدلاً في ذلك بقول الله تعالى: [الصَّافات: ٨٨-٨٩] ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ *فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ *﴾ ، ويحَ هؤلاء ما أعظم جرأتهم على دين الله؛ إن أحدهم لم يكلِّف نفسه النظرَ في كتاب تفسير معتبرٍ قبل أن يفسر معنى نظر أبي الأنبياء إلى النجوم، ولو أن مدّعٍ منهم نظر إلى أشهر التفاسير (تفسير ابن كثير مثلاً) لوجد حلاًّ للمعضلة التي حار في فهمها، لكنّ الظن بأمثاله هو تعمُّد تشويه جلالة قَدْر أنبياء الله تعالى. يقول الإمام ابن كثير في تفسيره (١) : (إنما قال إبراهيم ﵊ ذلك، ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم، فإنه كان قد أَزِف خروجُهم إلى عيدٍ لهم، فأحبّ أن يختليَ بآلهتهم فيكسرها، فقال لهم كلامًا هو حقٌّ في نفس الأمر، فهِموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه) . اهـ. وهكذا يهرف هؤلاء السحرة بما لا يعرفون، فهم كَذَبة حتى في ادعائهم معرفةً بالتنجيم؛ فالتنجيم - على ما تقرر عند أهله - يستحيل أن يدرك المتمرِّسُ فيه معرفةَ تفاصيل حياة الإنسان التي قد تخفى حتى على أقرب الناس إليه، فما بال أحدهم حال سماعه اسم المتصل وزمن ولادته، وبلمسة من أنامله الآثمة على جهاز حاسوب، يُبدي للمتصل دقائقَ متعلقةً بصحته، فهو يُنْبئه بنوع الألم، وبدرجة التألّم، بل بوقت حدوث ذلك الألم واشتداد وطأته، وكأن أحدهم قد بات ابن سينا عصرِه أو بقراط دهرِه، كلُّ ذلك يتم بتقنية الاستشعار عن بُعد، وحال معرفة اسم المريض وزمن ولادته فقط!! تَطْلع علينا هذه الأقنية متبعةً سَنن أقنية غربية ما فتئت منذ زمن بعيد تمارس الدجل والشعوذة؛ تارة بورق اللعب (الكوتشينة) ، وأخرى بكُرة بِلَّوْرية، وثالثة بشاشات فلكية، فأبى دجاجلة العرب إلا اتباع دجاجلة الغرب حَذْو القُذَّة بالقُذَّة ودخلوا جُحر الضبِّ الذي دخلوه، بل إن بعضهم قد سبق أولئك في جُحْر الشعوذة، فبعد أن عَلِم أحدهم ما عَلِمَ من أمر الإسلام وأيقن تنفيرَه الشديد من ولوج دهاليز السحر والكهانة والتنجيم لم يُثْنِه ذلك كلِّه عن محادَّة الله ورسوله، فأوغل في ذكر وَصْفات للشفاء ابتدعها وجانَبَ بها جادَّة السُّنَّة، فهو يأمر مثلاً بتلاوة آيات سبعين مرة، بينا هو بالكاد يستطيع تلاوتها مُنزَّهة عن اللَّحْنين الخفيِّ والجليِّ في التلاوة، فتراه يرفع مخفوضًا أو يؤنِّث مذكرًا أو يُحِيل المفعول به فاعلاً!! فاعجب - أخي القارئ - لأمثال هؤلاء حين تنهال عليهم الاتصالات من كل حَدَب وصوب، وما أحسب أكثر المتواصلين معهم إلا متواطئين على نشر تلك الشعوذات بغية عَرَض من الدنيا قليل، فالحذر الحذر من تصديق أولئك السَّحَرة المُنَجِّمين سواء أتيناهم في دُورهم أم تسوَّروا علينا بيوتنا فدخلوها، بل إن خطر هؤلاء المتسوِّرين قد يكون أشد فتكًا من خطر ساحر التزم داره أو تنقّل بشخصه بين دُور مَنْ يطلبه ويُغدِق عليه من عطاءاته، فالساحر المنجِّم على شاشة التلفاز يبلغ تأثيره عمومَ الناس، الناشئة فَمَن فوقَهم، وهو يشوِّه صورة الدِّين الحنيف عند من اعتنقه ومن لم يعتنقه، وقد أحسنَتْ إحدى دول الخليج العربي صنعًا بحظر دخول أمثال هؤلاء أراضيها، لكن مدعي السحر والتنجيم - للأسف، وبالتقدم التقني الحاصل - ما زالوا يتواصلون بمشاهديهم، فالحذر الحذر من جميع هؤلاء الذين لم يَدَعوا أكاذيب إلا اختلقوها، ولا علمًا بغيب إلا ادّعوا تملّك مفاتحه، بصناعة اخترعتها لهم شياطينهم، ثم ألقتها في رُوْعهم، فصاروا عبّادًا للنجوم من دون الله، وتكلّفوا ما لا علم لهم به، فضلّوا وأضلّوا وأضاعوا نصيبهم من الآخرة، والعياذ بالله تعالى. وهاك أخي القارئ - نصَّ فتوى صدرت عن أكابر علمائنا، تبين حقيقة هؤلاء، وتصف سبيلهم، وتُحذِّر منهم، وتشدِّد النكيرَ عليهم: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فإن ما تبثُّه هذه القنوات من علم السِّحر والشعوذة والكهانة من أعظم المنكرات ومن أعظم الفساد، وإضلال الناس، وهي علوم تقوم على الكذب والدجل ودعوى علم الغيب بما يدَّعونه من النظر في النجوم والطوالع كما يقولون، أو مما يتلقَّوْنه من أصحابهم من شياطين الجن، وقد لا تكون لهم خبرة في هذه العلوم الشيطانية ولكنهم يدَّعونها كذبًا وزورًا لكسب المال، وهذه العلوم لا تَرُوج إلا على الجُهَّال والمغفَّلين وضعفاء الدين، وقد ذمَّ الله السِّحر والسَّحَرة والكُهَّان، كما قال الله تعالى: [طه: ٦٩] ﴿وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ، وقال: [البَقَرَة: ١٠٢] ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اُشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ﴾ ، وقال تعالى في سحرة فرعون: [يُونس: ٨١] ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ، وثبت في صحيح مسلم أن النبيَّ ﷺ قال: «من أتى كاهنًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاةٌ أربعين يومًا» (٢) ، وجاء في السُّنن: «من أتى كاهنًا أو عرَّافًا فسأله عن شيء فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمَّد» (٣) ، وسواء ذهب السائل إليهم ببدنه أو اتصل عليهم بواسطة الهاتف: الحكم واحد. وعلى هذا، فيجب الحذر من مشاهدة هذه البرامج فمشاهدتها ولو لمجرد الفرجة حرام، وأما الاتصال على أصحاب هذه البرامج لسؤالهم ففيه الوعيد المتقدم. ويجب على أولياء أمور الأُسَر منعُهم من مشاهدتها أو الاتصال على هؤلاء السَّحَرة والمشعوذين؛ فقد قال ﷺ : «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيته» (٤) ، وقال ﷺ : «من رأى منكم منكَرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه ... » (٥) . ويجب على المسلمين التناصحُ والحذر والتحذير من التواصل مع هذه القنوات التي هَمُّ أصحابِها كسبُ المال ولو من الحرام، بل وأكثرهم يقصد الفساد والإفساد، فنقول: حسبنا الله ونعم الوكيل. الموقعون: الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

стр. 86

٣- النَّفْث في العُقد: وهو نفخ مع ريق خفيف، أو دونه، يقوم به من له نفس ساحرة مؤثرة، من رجال أو نساء، ينفثون في عقدة أو أكثر من عُقَد الخيوط حين يسحرون بها وأكثر من يقوم بذلك السواحر، وهن النساء اللواتي يتعاطين السحر، ويقمن بذلك خاصة في حال طمثهن (المحيض) ، فيعقدن في سحرهن، ثم ينفثن في عقدهن (١) . قال تعالى: [الفَلَق: ٤] ﴿وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ *﴾ ، [فالنفاثات هنا: هن الأرواح والأنفس النفاثات، لأن تأثير السحر إنما هو من جهة الأنفس الخبيثة، والأرواح الشريرة، وسلطانه إنما يظهر منها، فلهذا ذكرت النفاثات هنا بلفظ التأنيث دون التذكير، والله أعلم] (٢) . وفي الأثر: «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ

стр. 87

إِلَيْهِ» (١) . [وهذا النفث من السحرة وأهل الباطل هو المذموم، ولا يلزم منه ذمّ النفث مطلقًا، ولا سيما بعد ثبوته في الرقية المشروعة - بأحاديث صحيحة] (٢) . ٤- التميمة: وهي - في الأصل -[خرزات كانت العرب تعلّقها على أولادهم، يتقون بها العين في زعمهم، فأبطله الإسلام] (٣) ، لكنها تعم كل رقية مكتوبة معلّقة على أولاد أو غيرهم، وتسمى أيضًا الحجاب، أو الجامعة، لدفع العين أو أذى جن، أو مرض، ونحو ذلك؛ وهي نوعان: الأول: ما يكون فيها من أسماء الشياطين، أو احتوى على عظمٍ أو خَرَز أو مساميرَ أو طلاسم ونحوه. وهذا النوع لا شك بتحريمه، وهو من أنواع الشرك الأصغر، إن لم يحو استقسامًا أو استعانة صريحة بمخلوق، فيكون الاعتقاد به عندها شركًا أكبر، والعياذ بالله تعالى، وذلك لعموم قوله ﷺ : «إِنَّ الرُّقى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ (٤) شِرْكٌ» (٥) ، ولتوعّده ﷺ من تعلّق قلبه بحفظ تميمة

стр. 88

أو وَدَعَة، بقوله: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلاَ أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً (١) ، فَلاَ وَدَعَ اللهُ لَهُ» (٢) . والنوع الثاني من التمائم: هو ما يعلّق من الآيات القرآنية والتعوّذات والأدعية النبوية، وتعليق ذلك اختلف في جوازه العلماء، فأجازه البعض، مُلحِقًا له بجنس الرقية الجائزة، ومنعه آخرون، [ومن حجة المانعين: أن الرقى قد جاء ما يقيد مطلق جوازها، في قوله ﷺ : «لاَ بَأْسَ بِالرُّقى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (٣) ، بينا لم يُسْتَثْنَ من تحريم التمائم شيء، وكذلك احتج المانعون بالقول بسد الذرائع المفضية إلى الشرك، وقالوا: [لو أنا جوّزنا التمائم المحتوية على دعوات مباحة، لانفتح باب عظيم أدخل فيه من شاء ما شاء، ولاشتبهت عندها التميمة الجائزة بالممنوعة، وتعذّر التمييز بينهما إلا بمشقة عظيمة، لذا فقد وجب سد ذلك الباب وقفل هذا الطريق حماية لجانب التوحيد مما قد يشوبه من دَخَل وشبهات. هذا، فضلاً عن احتمال امتهان تلك التمائم من القرآن أو السنة، بحملها في حال لا تليق كدخول خلاء بها، أو حصول جماع ونحو ذلك] (٤) . ٥- الاستحضار ، وهو من أنواع الاستعانة الشركية من قِبَل الساحر أو العرّاف، وهو استنزال الأرواح في قوالب الأشباح - الأجساد -، أي: ادعاء حلول روح ما في جسم مادي، وهو نوعان: وسيلة الأول منهما ادعاء طلب استنزال روح من أرواح الملائكة ﵈!! والآخر طلب تلبُّس جني بجسد إنسي؛ وذلك لتدل الملائكة أو الجِنّة - بزعمهم - على أمر مغيّب كاسم

стр. 89

سارق ما، أو تعيين مكان لمسروق، وذلك محرّم لاشتماله على اعتقاد ما لا يصح في حق الملائكة ﵈ من معصية الله تعالى، ولتضمنه استعانة صريحة بهم أو بالجن، وهم يسمون الملائكة هنا (الموكّلون) ، والجن المتعاون معهم خُدّام العزائم، والعزائم: علم يُتعرّف منه كيفية تسخير الأرواح واستخدامها كتسخير المَلَك والجن، فالعزيمة كلام - يكون غالبًا غير مفهوم - يتوافق عليه الساحر وشيطانه، بحيث يلتزم الشيطان معونة الساحر كلما نطق بالعزيمة، فيكون مسخرًا لذلك، ويكون الساحر قد تقرّب مسبقًا من شيطانه بأنواع القُرَب المحرمة، وكلما بالغ الساحر في طاعة شيطانِه، فلم يتورع عن ارتكاب الشركيات والمحرمات القبيحة، كلما تعهد شيطانه بمزيد معونته له. [واعلم - رحمك الله - أن تسخير الجن أو المَلَك من غير تجسّدها وحضورها يسمى علم العزائم، بشرط تحصيل المقاصد بواسطتها. وأما حضور الجن وتجسدها فإنه يسمى علم الاستحضار، ولا يشترط تحصيل المقاصد بها] (١) . ٦- الرقى: وقصدت بها هنا معنى خاصًا، وهو الرقى الممنوعة كرقى الجاهلية ورقى الهند والفارسية، وغيرهم، التي ربما احتوت على طلاسم، واستعانة بمخلوقين، وربما كانت كفرًا (٢) ، [وعلم الرقى: علم باحث عن مباشرة أفعال مخصوصة تترتب عليها بالخاصية آثار مخصوصة، كعقود الخيط والشعر وأمثالهما، وإنما سميت رقية لأنها كلمات رقيت من صدر الراقي، زعموا أنها كُشِفت من الجن أو سُمِعت في المنام] (٣) . ووجه تعلق هذا العلم بالسحر ظاهر، حيث احتوى على عُقَدٍ ورقيٍ عليها بألفاظٍ تكون في غالبها محتوية لكلمات كفرية، أو استعانة بمخلوق، بما يسخِّر شيطانَ الساحر لخدمته في إيقاع أذى بمن رُقِي له.

стр. 90

٧-٨-٩ العيافة والطَّرْق والخطّ؛ أما العيافة فالمقصود بها: [زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرّها، وهو من فعل أهل الجاهلية] (١) ، وفي الأثر: «العيافة والطِّيَرة، والطَّرْق من الجبْت» (٢) ، أي من السحر (٣) ، أما الطِّيَرة: [فهي التشاؤم بالشيء، وأصلها التطيّر بالسوانح والبوارح (٤) من الطير والظّباء وغيرهما، وكان ذلك يصدّهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه، وأخبر أن ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضرّ] (٥) ومن صور الطيرة أيضًا التشاؤم بالأسماء والأماكن والأشخاص، وهو داء دبّ في سائر الأمم إلى

стр. 91

عصرنا هذا، فترى أحدهم يمقت رقمًا بعينه. وإنْ تعجبْ بعدها فاعجبْ لتشاؤم قوم برسلهم! قال تعالى: [يس: ١٨] ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، وقال سبحانه: [النِّسَاء: ٧٨] ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ . وقد نفى الإسلام الطيرة وبيّن فساد التشاؤم من الشيء المرئي أو المسموع؛ وأعلم الناسَ ألاّ علامة بذلك على ما يحذرون ألبتة، وأن أثره إنما يكون في نفس المتطيِّر لا بالمتطيَّر به، فقال ﵊: «لا طِيَرة، وخيرها الفأل، قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة، يسمعها أحدكم» (١) . [فأين الطيرة من الفأل الصالح السارّ للقلوب المؤيّد للآمال الفاتح باب الرجاء المسكّن للخوف الرابط للجأش الباعث على الاستعانة والتوكل عليه، فهذا ضدّ الطيرة، فالفأل يفضي بصاحبه إلى الطاعة والتوحيد، والطيرة تفضي بصاحبها إلى المعصية والشرك] (٢) . أما الطَّرْق، فمعناه: [الضرب بالحصا الذي يفعله النساء، وقيل: هو الخطّ بالرمل] (٣) ، فعلى الأول يكون الطرق: رمي عدد من الحصيات غير محدد، أو من الوَدَع (صدف لحلزونات بحرية) ، يرميها العرّاف في زاوية، ثم يشرع باستعادتها حصاتين حصاتين، أو ثلاثًا ثلاثًا، ثم ينظر ما تبقى منها، فإن كان شفعًا (عددًا مزدوجًا) استدل بذلك على حسن الطالع، وإن كان وترًا (مفردًا) دلّه على سوء الطالع! فإن كان استدلال الرامي بالحصى كان عرّافًا وحسب، وإن كان بإخبار شيطانه له، فهو كاهن (٤) .

стр. 92

وأما الخطّ بالرمل: [وهو المسمى بالخط، والضرب، فطريقته: أن يقوم الخاطّ برسم خطوط كثيرة متفرقة على أرضٍ ليّنة، يرسمها بخفة بالغة وعجَلة متعمَّدة، فلا يُعرف عند ذلك عددها، ثم يمحوها خطين خطين، فإن بقي خطان مثلاً كان علامة عنده على النجاح، وإن بقي خط واحد فهو بزعمه دليل على الخيبة والحرمان] (١) . وقد يسأل المرء بعدها - على فرض ثبوت الحديث - عن إعلام النبيِّ ﷺ بكون العيافة والطرق من جملة السحر، مع أن ظاهر معناهما العرافة أو الكهانة على أبعد تقدير؟ والجواب: [أن المتأمل في حال العائف والخاطّ، يجد أنهما مشتركان مع الساحر في أمور منها: انتكاس الفطرة بالاعتقاد بدعوى مشاركة الله باختصاصه بعلم الغيب، وأن أفعالهما تتم غالبًا - كما السحر - بأنواع التقرب لشياطينهم بأنواع الشرك والمحرمات، واعتقادهما إمكان نزول ضر بعبدٍ بغير إذن الله بذلك، وخوفهما - كما الساحر - من مخالفة أوامر شياطينهما، وفي ذلك كله عبادة صريحة لغير الله، وشك ظاهر بحكمة الله في قضائه وتقديره] (٢) . فصلاة ربي وسلامه على من أوتي جوامع الكلم، وحاز أقطار العلم، وحوى مجامع الفهم، ولم يدع بابًا للخير إلا أرشد أمته إليه، ولا بابًا للشرّ إلا حذرها منه. مسألة: الخطّ بالرمل علم معروف مشتهر، فهل هو الضرب على الرمل بعينه، أم أنهما متغايران؟ الظاهر، والله أعلم، أنهما متغايران، فالخط بالرمل، هو الرسم ثم الإزالة على ما سبق بيانه، - وهو المسمى بالطَّرْق - أما الضرب على

стр. 93

الرمل، فهو رسم مجموعات من خطوطٍ يحيط بها نقاط يدل كلٌّ منها على طبع من الطبائع الأربعة - النار والهواء والماء والتراب - فالنارية مثلاً هي: والهوائية هي:، والمائية هي:، والترابية هي:، فيقوم الضارب باستخراج طبيعة المضروب له من خلال معرفة اسمه واسم أمه، وهم يزعمون أن عدد حروف ذلك كلِّه يخرج منه جملة بحساب الجُمّل (١) ، تدل على برج صاحبها، وبالتالي سعده أو نحوسه، ذلك أن الضارب يقرأ في جداول لديه فينظر في الجدول المختص بذلك البرج، فيسرد على الشخص أمورًا تتعلق به، وواضح أن هذا الضرب على الرمل هو من علم التنجيم المحرم، الموقع بالشرك، وذلك لاعتقاد كلٍّ من المنجّم، والمصدّق له، بتأثير الأحوال الفلكية بالتسبب في مجريات الحوادث الأرضية، واعتقادهما بتحكم العالم العلوي - على ما يزعمون - بالعالم السفلي، ومن ذلك عموم ما يجري على الخلق من نعمة أو شقوة، ومن توفيق أو خيبة، مضاهئين بذلك قول الصابئة عبدة النجوم، والعياذ بالله تعالى. فائدة: جاء في صحيح مسلم ﵀، سؤال معاويةَ بن الحَكَم السُّلَمي ﵁ لرسول الله ﷺ عن أمور منها: الخط، فقال ﵁: ومنا رجال يخطُّون، فقال ﷺ : «كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» (٢) .

стр. 94

قال الإمام النووي ﵀: [اختلف العلماء في معنى الخط، والصحيح أن من وافق خطُّه خطَّ ذلك النبيِّ فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة، فلا يباح، والمقصود: أنه حرام، لأنه لا يباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها ... ] (١) . فحذار أخي المسلم الحصيف، من تلبيس إبليس وجنده الضعيف، بقولهم: ما دام قد فعله نبي من الأنبياء، فما المانع من فِعْله في حقنا؟! والإجابة كما سلف: (ذلك النبيُّ لا منعَ في حقه، وكذا لو علمنا موافقته، ولكن لا علم لنا بها، وقد حصل اتفاق من العلماء على النهي عنه الآن) (٢) . ١٠- النِّيرَنْجات - أو سحر الاستعانة بالخواص الطبيعية بواسطة الكتابة-: وهي جمع نِيرَنْج، [وهو معرّب نِيرَنْكْ، وهو: التمويه والتخييل، وهو إظهار غرائب الامتزاجات بين القوى الفاعلة والمنفعلة، وذلك بقصد صدور آثار مطلوبة من الحبّ والبغض، والإقبال والإعراض، وأمثال ذلك، بكتابات مخصوصة مؤلفة من الروحانيات المبثوثة في العالم] (٣) . ولا شك بأن عمل النيرنجات هو من فعل السحرة الذين يعتقدون قدرة المخلوقات الروحانية - بزعمهم - على التأثير في عالم الطبيعة، بل والتحكم فيه. [وطريقهم إلى ذلك كتابات مجهولة الدلالات، فكأنها أرقام وحروف للأوائل] (٤) . فتكون النيرنجات - على ذلك - أشبه بسحر الطلسمات، إلا أن الطلسمات مختصة بتمزيج القوى الفاعلة السماوية فقط، بمقابلها من القوى المنفعلة الأرضية، والنيرنجات لا تختص، بل تعم القوى الفاعلة المبثوثة في العالم أجمع، والله أعلم.

стр. 95

١١- الشعوذة ، أو الشعبذة: [وهي معرب شعباذة، وهو اسم رجل ينسب إليه هذا العلم، وهو علم مبني على خفة اليد، بأن يُري الناسَ الأمر المكرر واحدًا لسرعة تحريكه، والواحد مكررًا، ويري الجماد حيًا، ويخفي المحسوس عن أعين الناس، بلا أخذٍ من عندهم باليد، إلى غير ذلك من الأحوال، وهذا - كما يظهر - ليس من السحر في شيء، وإنما هو من قبيل تعلّم الأسباب اليقينية الموصلة إلى ذلك، وأن كل من اطّلع عليها قدر على مثلها، وإن كان لعدّه من السحر نوع سبيل] (١) . والشعوذة هي أكثر ما يفعله من يسمّون سحرة في عصرنا في السيرك وغيره، إلا أن بعضهم قد يتفق مع شيطانه أن يعاونه في التخييل في قدرة الرائين لا في حقيقة المرئي، فإن كان كذلك فهو - بلا ريب - نوع من سحر الأعين، والله أعلم. أخي القارئ، أقتصر على ذكر هذه المصطلحات الإحدى عشر، علمًا أن ما يتعلق بأمر السحر من ألفاظ يتداولها أهلها ويخطّونها في مصنفاتهم لا تكاد تنحصر، لكن أردت بيان ما اشتهر منها، كما سأبين - إن شاء الله - في الفصل التالي - أنواع علوم متعلقة بالسحر، تفنى أعمار أهل الشر في تلقيها وإتقانها والعمل بها قد سمَّوْها - زورًا - علومًا عُلْوية روحانية، وأسرارًا مكتومة لَدُنِّية!! ***

стр. 96

الفصل الثالث بيان أنواع السحر، وعلاقتها بما يسمى (علومًا روحانية)

стр. 97

الفصل الثالث بيان أنواع السحر، وعلاقتها بما يسمى (علومًا روحانية) تمهيد: الغموض يكتنف عالم السحر: إن المتتبع لما أُلّف عن السحر؛ من مصنفات تبحث في ماهيته وطرائقه وتأثيره، أو تلك التي تذكر أنواعه عَرَضًا بغية التعريف بها، ومن ثم بيان خطرها وذمّها بغرض التحذير منها، إن المستقرئ لذلك كله - أو لكثير منه- ليجد غموضًا يكتنف عالم السحر، وضبابية ترتسم من حوله، ما يجعل محاولة استقصاء أنواعه، ومعرفة ضروبه وفنونه أمرًا عسيرًا، دونه عقبات كؤود، قد يكون مرجعها إلى أمور أربعة: أولها: ندرة المصنفات الأمهات في هذا العلم، والتي إن وُجد بعضها ضنّ أهلها بالتصريح فيها بطرائق أعمال السحر، فلا يُتاح لكل قارئ معرفتها، وآثروا - ولله الحمد - إبقاء مخبوء يكتمونه عمن هو ليس أهلاً لمعرفته!! ومما اشتهر من تلك المصنفات: كتاب (غاية الحكيم) للمجريطي (١) ، وكتاب (سحر النَّبَط)

стр. 98

لابن وحشية (١) ، وكتاب (الجمهرة) (٢) للخوارزمي، وكتاب (العَماء) (٣) للدَّسْتُميساني، وكتاب البُّوني المسمّى (شمس المعارف الكبرى) (٤) ، وغيرها مما قد يُطَّلع عليه بقصد الحذر لما فيه، لا لعلمه ولا للعمل به. والثاني: أن من تعرض لبيان هذه الأقسام من علماء الأمة، ذكرها ضمن مسائل عديدة تعرض فيها لتفسير آية كريمة، أو شرح حديث شريف، أو تفصيل مسألة فقهية، ونحو ذلك، مما حصر ذكر هذه الأنواع في بوتقة البحث العلمي المراد به تأصيل مسائل ومناقشتها وتحرير محل النزاع فيها، ومن ثم تقرير ما ذهب إليه الكاتب. وقد اكتفى بعضهم بكونه ناقلاً أمينًا لما دوّنه سابقه من هذه الأقسام بقصد التعليق على ما ذهب إليه، وتقرير خلافه أحيانًا. والمثال عليه: ما دوّنه الإمام الجصّاص في (أحكام القرآن) ، ومن بعده الفخر الرازي في تفسيره الكبير، والأئمة: النووي في شرحه لصحيح مسلم، وابن حجر في شرحه لصحيح البخاري، وابن كثير في تفسيره، وغير هؤلاء العلماء

стр. 99

الأفذاذ ممن كتب في الأنواع، أو اكتفى بالنقل عن سابقه، والتعليق عليه. والأمر الثالث: أن الأنواع التي ذكرها المصنفون - قديمًا وحديثًا - منها ما تعلق بتقسيم أصل السحر بين حقيقة وتخييل، أو بتقسيمه من حيث أهلُه القائمون بعمله، وطرائقُهم في ذلك، وأدواتهم فيه، أو تقسيمه بحسب ما ترتب عليه من أثر بالمسحور، من تفريق أو تحبيب وغيرهما، وقد تجد أيضًا من نوّعه تبعًا للأحكام الشرعية في تعلمه والعمل به. الرابع الأخير منها: أن بعض المصنفين المعاصرين - ممن ادعى حيازة علوم الأولين وربما الآخِرِين! - قد أغرق المكتبات في بعض البلاد بمصنفات حوت غثًا لا سمينًا من أسحار حمراء وسوداء، وأسرار العلوم المكتومة، وكيمياء القدماء المخزونة، ومجربات ما أنزل الله بها من سلطان وبركات الحروف، وقدرات الأعداد، وعلوم الأوفاق والزايرجات، وغيرها كثير مما تأنف الأنامل عن تسطير مثله، ثم نسب ذلك كله إلى علوم روحانية، اصطفاها من علوم أهل بابل، وحِكَم الإغريق، وأقلام الأولين وخطوطهم، بما جعل المطّلع عليها فضلاً عن العالم بها أو العامل بها - عياذًا بالله - في تعبٍ مُضنٍ دونه نيل شهادة علمية مرموقة، أو إتقان كثير من علوم الشريعة المطهرة!! وليس أدل على ذلك مثالاً كتب - الملقب بـ (الأستاذ الكبير) مدير عام معهد الفتوح الفلكي!! - عبد الفتاح الطوخي، الذي ألقى بما يربو عن ثلاثين مؤلفًا فيما ادعاه كشفًا لتلك الأسرار الخفية، والعلوم اللدنية، من تنجيم، وكشف طالع، وتسخير، واستحضار، وصرف عُمّار، وفتح مندل، ودعوات، وأوفاق، وخواتم، وأرصاد، وفك طلاسم، ومجرّبات، وتعبير رؤى، وعلوم نفس، وتنويم، وعلم فراسة، وليس هو الوحيد المبرّز في هذا المضمار فقد نافسه خلق كثير - من الرافضة - غرقوا في بحور الغرائب وأسرار الأجفار، والحروز المنسوبة زورًا لأئمة آل البيت الأطهار، وأغرقوا معهم جِبِلاًّ كثيرًا لا يزال كثير منهم يحتفظون بهذه الكتب

стр. 100

في نفائس مقتنياتهم وخاصة مكتباتهم! أقول: قد أسهمت أمثال هذه المصنفات في إضفاء مزيد من التدليس في أمر السحر، حتى إنها قد خيلت للقارئ أن السحر صنوف لا تنحصر، وأن قدرات السحرة لا يحدها ضابط؛ فمن المجريات في طبهم التي ما تركت داء إلا وأحدثت له دواء، إلى خرصٍ بحسن طالع أو نحسه، إلى تسخير روحانية كوكب وإلزام للمَلَك المُوكَّل به، الذي يقوم بدوره بتسخير الجن المتحكم بالفيوضات الروحانية لذلك الكوكب، إلى صناعة حُجُب مطلسمة تجلب الصحة وتمنع السقم، وتقضي سائر الحوائح من تفريق وتهييج محبة، إلى فتح مندل يجلب الغائب ويحضر المسروق، إلى تحضير جانّ، وإخراجه بل وإحراقه أحيانًا، إلى آخر منظومتهم التي تكاد لا تنتهي! أخي القارئ، هذه الأمور الأربعة - المذكورة آنفًا - قد تكون أسبابًا مهمة حالت بين المسلم المعاصر وفهمه لحقيقة السحر، وأنواعه، وقد يكون ذلك - بتقدير الله - من الخير لهذه الأمة المكرمة، حيث انحصر اهتمام جُلّ المسلمين بمطالعة ما دوّنه علماؤهم في أقسام السحر، دون الخوض في معرفة تفصيلات ذلك، ونحن - بعون الله تعالى - سنسلك مسلكهم في بيان تقسيم السحر، مع قصد كشف ستر الدجاجلة، وتصنيفهم علوم الشر التي دوّنوها في تلك الأقسام، ليُعلَم وثيقُ علاقتِها بالسحر، فيُتقى تعلُّمُها ويُحذر أهلها، وعلى ذلك، فإن هذا الفصل سوف يحوي بابين: الأول: في مراتب السحر وأقسامه. وفيه أربعة مباحث: ١- مراتب السحر من حيث الحقيقةُ والمجاز. ٢- أقسام السحر، من حيث طرائقه وأهله. ٣- أنواع السحر، من حيث تأثيره. ٤- تقسيم السحر من حيث الحكم الشرعي.

стр. 101

والباب الثاني: في بيان علاقة السحر بما يسمى علومًا روحانية. وفيه مبحثان: ١- التعريف ببعض هذه العلوم، وبيان تعلُّقِها بالسحر. ٢- في التحذير من مصنفات حوت هذه العلوم.

стр. 102

الباب الأول: مراتب السحر وأقسامه أولاً: مراتب السحر من حيث ماهيته؛ حقيقة ومجازًا . إن أشهر من تعرّض لمراتب السحر من حيث الحقيقة والمجاز ابنُ خلدون في مقدمته (١) ، حيث يقول: (والنفوس الساحرة على مراتب ثلاث يأتي شرحُها: فأولها: المؤثّرة بالهمة فقط من غير آلة ولا معين، وهذا هو الذي تسميه الفلاسفة السحر، والثاني: بمعين من مزاج الأفلاك أو العناصر أو خواصّ الأعداد، ويسمّونه الطِّلّسمات، وهو أضعف رتبةً من الأول، والثالث: تأثير في القوى المتخيلة؛ يَعمَد صاحب هذا التأثير إلى القوى المتخيّلة فيتصرف فيها بنوع من التصرف، ويلقي فيها أنواعًا من الخيالات والمحاكاة، وصورًا مما يقصده من ذلك، ثم يُنزِلها إلى الحِسّ من الرائين بقوة نفسه المؤثرة فيه، فينظر الراؤون كأنها في الخارج وليس هناك شيء من ذلك، كما يُحكى عن بعضهم أنه يري البساتين والأنهارَ والقصورَ وليس هناك شيء من ذلك، ويسمى هذا عند الفلاسفة: الشعوذة أو الشعبذة) (٢) . يتبين مما سبق أن إعمال السحر - بمراتبه الثلاثة - لا بد فيه من تأثير نفس ساحرة قوية، سواء كان تأثير السحر بهذه النفس وحسب، أو باستعانتها بتوجهٍ إلى من تستعين به من مخلوق، أو بصرف تأثيرها إلى قدرات التخيل لدى الرائين، ومنها إلى قدرة الإبصار لديهم، كل ذلك اعتبره ﵀ سحرًا لأن التعويل فيه إنما يكون على اقتدار النفس البشرية على التأثير بالهمة، وقَد بيّن أن هذه القوة هي قوة كامنة في تركيب الإنسان، لكنها إنما تظهر بالدِّرْبة على ذلك شأنها في ذلك؛ شأن سائر القوى البشرية الموهوبة

стр. 103

للإنسان، وفي ذلك، يقول: [ثم هذه الخاصية - أي اقتدار النفس البشرية على التأثير بالهمة والإرادة - تكون في الساحر بالقوة شأن القوى البشرية كلها، وإنما تخرج إلى الفعل بالرياضة (١) ، ورياضة السحر كلها إنما تكون بالتوجّه إلى الأفلاك والكواكب والعوالم العلوية والشياطين بأنواع التعظيم والعبادة والخضوع والتذلل، فهي لذلك وِجْهة إلى غير الله وسجود له، والوجهة إلى غير الله كفر] (٢) . أما المراتب الثلاثة فأحسب أنك أدركت أن سحر الهمة، وسحر الاستعانة، مرتبتان للسحر الحقيقي، وأن الثالث هو سحر تخييل لا حقيقة له. وقد قرر ذلك ابن خلدون عند تعليله لاختلاف العلماء في حقيقة السحر، فقال ﵀: [ولما كانت المرتبتان الأُولَيَان من السحر لها حقيقة في الخارج، والمرتبة الأخيرة الثالثة لا حقيقة لها؛ اختلف العلماء في السحر، هل هو حقيقة أو إنما هو تخييل، فالقائلون بأن له حقيقة نظروا إلى المرتبتين الأولَيَيْن، والقائلون بأنْ لا حقيقة له نظروا إلى المرتبة الثالثة الأخيرة، فليس بينهم اختلاف في نفس الأمر، بل إنما جاء من قِبَل اشتباه هذه المراتب، والله أعلم] (٣) . وعلى ذلك يكون ابن خلدون ﵀ قد جعل أصولاً عامة يمكن أن يندرج تحتها صنوفًا تكاد ألا تحصى من أنواع السحر، قد تشعّب في ذكرها بعض أهل العلم. وإذا جاز لنا إجمال مذهبه - بما ييسر فقه ذلك على القارئ - فإن ذلك منحصر في ستة أمور:

стр. 104

١- ... أن النفس القوية المؤثرة هي شرطٌ لحصول السحر. ٢- ... هذه النفس، لا بد من تدريبها لتقوى مَلَكة التأثير فيها. ٣- ... هذه الدِّرْبة إنما تكون بصنوف من التقرب لغير الله - والعياذ بالله -. ٤- ... فإن كملت قوة هذه النفس بالتأثير بالإرادة، فاستغنت عن معين لها كان ذلك أشد ما يكون من السحر، وهو سحر له حقيقة في الخارج، أي: يؤثر تفريقًا وتحبيبًا واختلاطًا في عقل المسحور، وتغييرًا في مزاجه، وإمراضًا لبدنه. ٥- ... أما النفس التي لم تتكامل قوتها بالتأثير بالهمة فقط، فهي تبقى قاصرة عن إعمال السحر، إلا إذا استعانت بمخلوق من مزاجٍ لأفلاك، أو خواص لعناصر أو تأثير لأعداد، ويسمى فاعل ذلك ساحر بالطلسمات، وهو سحر له حقيقة أيضًا، وهو مؤثر، لكنه لا يبلغ بتأثيره كما سابقه. وتأثير هذين النوعين بإيقاع الضر إنما يكون بأمر عادي أي ليس محتمًا حصوله، لكن يكون بإذن الله الكوني القدري، فيخلق الله - إن شاء - أثرَ هذا السحر - عند عمل الساحر له - فيبتلي به الساحر فتنة، والمسحورَ صبرًا وامتحانًا. ٦- فإن عجزَتْ تلك النفس عن التأثير - حقيقة - بإرادتها وهمتها، وكذلك باستعانة بغيرها، عمد صاحبها إلى روحانية ملك - بزعمهم - أو كيد شيطان، أو إلى التأثير بطريق التخييل؛ وسبيل ذلك: محاولة السيطرة على مخيّلة الرائي النفسية، ومن ثم إسقاط ذلك على رؤيته الحسية البصرية، ليريَه ما ليس موجودًا حقيقة، وهذا الأخير هو سحر المجاز أو التخييل، وهو ما يسمى بالشعوذة. وهنا تنبيه إلى أن المرتبة الثالثة، وهي سحر التخييل - إذا اعتمد فيها

стр. 105

الساحر على الخفة الفائقة، والسرعة الباهرة، والكلام المؤثر بالناظر، مع صرف بصره إلى ما يريده الساحر عما لا يريده، كان ذلك شعوذة وسحر مجازٍ لا على الحقيقة، أما إن عمد الساحر إلى تقديم الولاء والتعظيم لشيطانه (وهو ما يسمى بالقُمْرة) ، مع التمتمة بعزيمة أو إقسام ونحوه قاصدًا عون ذلك الشيطان فيما يخيِّلُ به للناظر، فهو - ولا ريب - سحر على الحقيقة لا على المجاز. ثانيًا: أقسام السحر، باعتبار أهله وطرائق حصوله . إن تقسيم أعمال السحر من حيث طرقه وأهله القائمون به، هو التقسيم الأكثر تشعبًا، الذي يكاد لا يخلو منه مصنف معتبر من المصنفات التي تعرضت لبيان أنواع السحر، بغرض التحذير منه، لكنْ يبقى أن تقسيم الإمام الفخر الرازي (٦٠٤هـ) ، في تفسيره (١) ، هو الأشهر من بينها حيث نقل عنه ذلك التقسيم جمّ غفير من أهل العلم من بعده، ومن هؤلاء مَنْ أثبت تعقيبًا على تقسيماته، كالحافظ ابن كثير في تفسيره (٢) ، والعلاّمة التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون (٣) ، والعلاّمة الشنقيطي في أضواء البيان (٤) ، وغيرهم، في حين اكتفى كثير من المصنفين قديمًا وحديثًا - حين التعرض لذكر أقسام السحر - إلى الاقتصار على ذكر تقسيم الرازي ﵀. وإتمامًا للفائدة - إن شاء الله - سأعمد إلى ذكر هذا التقسيم مشفوعًا بتعليقات الإمام ابن كثير ﵀ عليه، كما سأورد - بعون الله - بعض تقسيمات لمن سبق الرازي، ومن لحق به؛ من أجل استخراج مجمل أنواع السحر، ومن ثم معرفة ما يدخل منها في سحر الحقيقة أو سحر التخييل، - بحسب إيراد ابن

стр. 106

خلدون ﵀ لمراتب السحر الثلاث. تأسيسًا على ما سبق، فإن مطالب هذا المبحث تكون كالآتي: أ- ذكر تقسيمات لأنواع السحر سابقة لتقسيم الإمام الرازي ﵀. ب- ... إيراد تقسيم الرازي وتعليق ابن كثير عليه. ج- ... ذكر تقسيمات للسحر بعد تقسيم الرازي ﵀. د- ... ذكر مجمل الأنواع، مع بيان إمكان انضباطها تحت مراتب السحر؛ حقيقة ومجازًا. أ- ذكر تقسيمات لأنواع السحر سابقة لتقسيم الإمام الرازي ﵀. * تقسيم الإمام أبي بكرٍ الجصّاص (١) المتوفى (٣٧٠هـ) ﵀: قسّم الإمام ﵀ ضروب السحر إلى خمسة أقسام (٢) : ١ - ... سحر أهل بابل؛ الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: [البَقَرَة: ١٠٢] ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ ، وكانوا قومًا صابئين يعبدون الكواكب السبعة، ويسمّونها آلهة، ويعتقدون أن حوادث العالم كلها من أفعالها. ٢ - ... سحر (الشعوذة) أو التخييلات التي مظهرها على خلاف حقائقها، فمنها ما يعرفه الناس بجَريان العادة بها وظهورها، ومنها ما يخفى ويَلْطُف، ولا يعرف حقيقته ومعنى باطنه إلا من تعاطى معرفة ذلك، وتكلّف فعله والبحثَ عنه. ٣- ... ما يدّعيه السحرة من حديث الجن وطاعاتهم لهم بالرقى والعزائم

стр. 107

ومنه سحر النِّيرنْجِيّات (١) . ويتوصّلون إلى ما يريدون من ذلك بتقدمة أمورٍ ومواطأة قومٍ قد أعدّوهم لذلك. وضرر أصحاب العزائم وفتنتهم على الناس غير يسير، وذلك أنهم يدخلون على الناس من باب أن الجن إنما تطيعهم بالرقى التي هي من أسماء الله تعالى. ٤- ... السعي بالنميمة والوشاية بها والبلاغات، والإفساد والتضريب من وجوه خفية لطيفة، وذلك عام شائع في كثير من الناس، وقد يتم التفريق بين الزوجين بمثل ذلك من إفساد ذات البين. ٥- ... الاحتيال في إطعام المسحور بعض الأدوية المبلّدة المؤثرة في العقل، والدُّخن (التدخينات) المُسدِرة (٢) المسكرة، نحو دماغ الحمار أو غير ذلك مما يُذهِب فطنته، فيقول الناس: إنه مسحور. * تقسيم الراغب الأصفهاني المتوفى (٥٠٢هـ) ﵀. قسمّ الراغب السحر إلى ثلاثة معان (٣) : ١- ... سحر الخداع والتخييلات التي لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعبذ بصرف الأبصار عما يفعله لخفة يدٍ، وما يفعله النمّام بقولٍ مُزخرَف عائقٍ للأسماع (٤) ، وعلى ذلك قوله تعالى:

стр. 108

[الأعرَاف: ١١٦] ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ . ٢- ... السحر باستجلاب معاونة الشيطان بضربٍ من التقرب إليه، كقوله تعالى: [البَقَرَة: ١٠٢] ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ . ٣- ... السحر بما يذهب إليه الأغتام (١) ، وهم يزعمون أنه من قوته يغيّر الصور والطبائع، فيجعل الإنسان حمارًا، ولا حقيقة لذلك عند المحصِّلين، أي: أهل تحصيل العلم. * تقسيم الإمام ابن حزم الظاهري (المتوفى ٤٥٦هـ) ، ﵀: ذكر الإمام أربعة أقسام للسحر، هي (٢) : ١- ... سحر يكون من قِبل الكواكب، كالطابع المنقوش فيه صورة عقرب في وقت كون القمر في العقرب (أي في برج العقرب) ، فينفع إمساكه من لدغة العقرب، ومن هذا الباب كانت الطلسمات. ٢- ... سحر يكون بالرقى - أي: الضارة - وهي: كلام مجموع من حروف مقطعة في طوالع معروفة، يحدث لذلك التركيب قوة تستثار بها الطبائع وتُدافِع قوىً أخرى. ٣- ... سحر يكون بالخاصّة، أي: بالصفة الملازمة لبعض الأشياء؛ كالحجر الجاذب للحديد، وهو المغناطيس، وما أشبه ذلك. ٤- ... سحر يكون بلطفِ يدٍ، وهي أعمال لطيفة لا تُحيل طبعًا أصلاً، أي:

стр. 109

لا تغير طبيعة شيء إلى طبيعة أخرى؛ وذلك كما يفعل العجائبي الذي يضرب بسكينة في جسم إنسان فيظن من رآه ممن لا يدرك حيلته أن السكين غاصت في جسد المضروب، وليس كذلك، بل كان نِصاب السكين مثقوبًا فقط، فغاصت السكين في النصاب. ب- تقسيم الإمام الرازي (المتوفى ٦٠٦هـ) ، ﵀، وتعليق الإمام ابن كثير عليه: يعتبر تقسيم الرازي للسحر هو الأشهر في ذلك، وقد عوّل عليه أكثر من لحقه؛ وقد قسّم ﵀ السحر ثمانية أقسام (١) ، هي: ١- سحر الكِلْدانيين والكَسْدانيين، وهم قوم يعبدون الكواكب - السبعة السيّارة - ويزعمون أنها هي المدبّرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات والشرور والسعادة والنُّحُوسة، وهم الذين بعث الله تعالى إبراهيم ﵇ مُبطِلاً لمقالتهم ورادًّا عليهم في مذهبهم. وقد ذكر الإمام ابن كثير، أن الإمام الرازي قد استقصى - في كتاب: «السر المكتوم في مخاطبة الشمس والنجوم» المنسوب للرازي، وقد صنّفه على وجه إظهار الفضيلة لا على سبيل الاعتقاد - طرائقَ هؤلاء في مخاطبة كلٍّ من هذه الكواكب السبعة، وكيفية ما يفعلون، وما يلبسونه، وما يتنسّكون به (٢) . ٢- سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، ذلك أن النفوس خُلقِت مطيعة للأوهام، وأن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية، ويكون تأثير النفوس بالأوهام بقدر قوة هذه النفوس، وكلما فارقت هذه النفوس ملذاتها، كلما عظمت قوة تأثيرها. وهذا الذي ذكره الرازي قد تعقبه ابن كثير

стр. 110

ببيان أن ذلك - أي: ترك النفوس ملذاتها - هو التصرف بالحال، وهو على قسمين: تارة يكون حالاً صحيحةً شرعية، وهذه مواهب من الله تعالى وكرامات للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحرًا في الشرع. وتارة تكون الحال فاسدة، فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله إياهم - أي: السحرة بقوة النفس - هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن للدجّال لعنه الله من الخوارق للعادات ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، لكنه مذموم شرعًا، وكذلك كل من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام (١) . ٣- سحر الاستعانة بالأرواح الأرضية أو السُّفْلية، وهم الجن: مؤمنهم وكافرُهم، والاتصال بهم عامة أسهل شأنًا من الاتصال بالأرواح السماوية، فهو يحصل بأعمال سهلة من الرقى والدخن والتجريد، وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل تسخير الجن. ٤- سحر التخيّلات والأخذ بالعيون: وكيفيته أن المشعبذ الحاذق يعلم أن أغلاط البصر كثيرة، وأن القوة الباصرة إنما تدرك المحسوسات إذا تسنى لها زمنًا كافيًا لذلك، وأنها قد تختلط عليها المُبْصَرات إذا توالى عرضها بأزمان صغيرة غير كافية لإدراك كل منها على حدة، ويدرك المشعوذ كذلك أن انشغال النفس بما تهتم به قد يذهلها عن إدراك شيء آخر يقل في أهميته عن الأول باعتقاد الناظر، كما أن السرعة بعمل شيء ما - حال انشغال الناظر بغيره - يُظهر للناظر شيئًا لم يكن يتوقع ظهوره، فيتعجب منه جدًّا، والحال أن مبنى خفاء أعمال الشعوذة على شيئين: أحدهما إشغال الناظر والأخذ بعينيه إلى أمر غير مراد، من صورة أو حركة أو كلام، والثاني: الإسراع بالإتيان بعمل ثانٍ، مع التركيز على مؤثرات خارجية كشدة الإضاءة أو العمد إلى ألوان مظلمة، مما
следующие страницы →