← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7849

إشارات الإعجاز

بديع الزمان النورسي

Полный текст (242 стр.). Показаны 211–242 · переход к 216.

стр. 211

طابت" وكذا اذا وقع في قلب أحد اختلالٌ، تخرب في قلبه الكمالاتُ وتتساقط الحسيات العالية، فيتولد فيه ميل التخريب فينتج له لذة في التخريب فيتحرى لذته في الافساد والاختلال. - فان قلت: كيف يؤثر فساد فاسق في عموم الأرض المشار اليه بلفظ في الأرض؟ قيل لك: الذي فيه نظام ففيه موازنة، حتى ان النظام مبني على الموازنة فتداخل شئ حقير بين دواليب ماكينة تتأثر به، وان لم يُحس. والميزان الذي في كفتيه جبلان يتأثر بوضع جوزة على كفة.. وأما جملة (اولئك هم الخاسرون) فاعلم! ان حق العبارة "هم خاسرون في عدم الهداية به " فلفظ "اولئك" ولفظ "هم" والتعريفُ والاطلاقُ لنكت: أما (اولئك) فلأن وضعه لإِحضار محسوسٍ، فالإِحضار المستفاد منه اشارة الى ان السامع اذا سمع حالهم الخبيثة من شأنه ان يحصل له حدّة عليهم ونفرة منهم. فلتطمين نفرته وتشفّي حدّته يطلب أن يستحضروا إلى خياله ليشاهدهم وقت اتصافهم بالعاقبة الوخيمة. . والمحسوسية اشارة الى أن أوصافهم الرذيلة تكثرت بدرجة تجسمهم محسوسين نصب نظر النفرة. فمن الإِشارة ايماء إلى علة الحكم بالخسارة. . والبعدية إشارة إلى أنهم قد بعدوا عن طريق الحق بدرجة لايرجعون فيستحقون الذم والتشنيع بخلاف من كان في معرض الندامة ومسافة الرجوع.. و (هم) اشارة الى ان الخسارة منحصرة عليهم حتى ان خسارات المؤمنين لبعض اللذائذ الدنيوية ليست خسارة. وكذا خسارات أهل الدنيا في تجاراتهم ليست خسارة بالنسبة إلى خساراتهم.. والألف واللام اشارة الى تصوير الحقيقة أي من أراد أن يرى حقيقة الخاسرين فلينظر اليهم. . وكذا ايماء الى أن مسلكهم محض خسارة لا كالخسارات الأخر التي فيها وجوه من النفع لكن الضر أكثر. فالتعريف اما للكمال أو للبداهة أو لتصوير الحقيقة.. واطلاق الخسارة اشارة باعانة المقام الخطابيّ الى عموم أنواع الخسارات. أي خسروا في وفاء العهد بالنقض، وفي صلة الرحم بالقطيعة، وفي الاصلاح بالإِفساد، وفي الايمان بالكفر، وبالشقاوة خسروا السعادة الأبدية.. * * *

стр. 212

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِالله وَكُنْتُمْ اَمْوَاتاً فَاَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢٨ اعلم ان لهذه الآية أيضاً الوجوه الثلاثة النظمية: أما نظم مآلها بسابقها، فاعلم! ان الله تعالى لما دعا الناس إلى عبادته والاعتقاد به، وذكر أصول العقائد والأحكام مشيراً إلى دلائلها إجمالاً؛ عاد في هذه الآية مع لواحقها الثلاث إلى سرد الدلائل عليها بتعداد النعم المتضمنة للدلائل. ثم إن أعظم النعم "الحياة" المشار اليها بهذه الآية، ثم "البقاء" أي كمال الحياة بتنظيم السموات والأرض المشار اليه بالآية الثانية، ثم تفضيل البشر وتكريمه على الكائنات بالآية الثالثة، ثم تعليمه العلم بالرابعة.. فهذه النعم نظراً الى "صورة النعمة" دليل العناية والغاية، وكذا دليل العبادة؛ اذ شكر المنعم واجب وكفران النعم حرام في العقول. ونظراً الى "الحقيقة" دليل اختراعيّ على وجود المبدأ والمعاد.. وكذا ان هذه الآية كما تنظر الى سابقتها كذلك تنظر إلى الأسبق من بحث الكافرين والمنافقين فأشار بهذا الاستفهام الانكاريّ التعجبيّ إلى تقريعهم وتشنيعهم وتهديدهم وترهيبهم. وأما نظم الجمل، فاعلم! ان هنا إلتفاتاً من الغيبة الى الخطاب؛ اذ حكى عنهم اوّلاً ثم خاطبهم، لنكتة معلومة في البلاغة وهي: انه اذا ذكر مساوئ شخص شيئاً فشيئاً تزيد الحدّة عليه، الى ان يلجئ المتكلم - لو كان انساناً - الى المشافهة والمخاطبة معه.. وكذا اذا ذكرت محاسن أحد درجة درجة يتقوى ميل المكالمة معه الى أن يلجئ إلى التوجه اليه والخطاب معه. فلنزول القرآن على أسلوب العرب التفت فقال: (كيف تكفرون) مخاطباً لهم. ثم اعلم! انه لما كان المقصد هنا سرد البراهين على الأصول السابقة من الايمان والعبادة، ورد الكفر ومنع كفران النعمة. ثم ان أوضح الدلائل هو الدليل المستفاد من سلسلة أحوال البشر، وان أكمل النعم هي النعم المتدلّية في أنابيب تلك السلسلة

стр. 213

والمندمجة في عقدها؛ قال: (وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون) اشارة الى تلك السلسلة العجيبة المترتبة ذات العقد الخمس التي تدلت من أنابيبها عناقيد النعم. فلنمهّد خمس مسائل لحلّ تلك العقد. المسألة الأولى: في (وكنتم أمواتا) . اعلم! ان الانسان باعتبار جسده بينما كان ذرّاتٍ جامدةً منتشرةً في العالم، اذ تراها دخلت بقانون مخصوص ونظام معيّن تحت انتظام.. ثم بينما تراها متسترة ساكتة في عالم العناصر اذ تراها انتقلت متسلّلة بدستور معّين وانتظام يومئ إلى قصد وحكمة الى عالم المواليد.. ثم بينما تراها متفرقة ساكنة في ذلك العالم اذ تراها تحزبت بطرز عجيب وصارت نطفة.. ثم بانقلابات متسلسلة علقة فمضغة.. فلحماً وعظاماً وهلم جرا.. فكلٌّ من هذه الأطوار وان كان مكمَّلاً بالنسبة الى سابقه الا انه ميّت وموات. ١ - فان قلت: الموت عدم الحياة وزوالها ولا حياة فيها حتى تزول؟ قيل لك: اختار المجاز لاعداد الذهن لقبول العقدة الثالثة والرابعة. المسألة الثانية: في (فأحياكم) . اعلم! ان أعجبَ معجزات القدرة وادقّها الحياةُ.. وكذا هي أعظم كل النعم وأظهر كل البراهين على المبدأ والمعاد. أما وجه أدقيتها وغموضها فهو: ان ادنى أنواع الحياة حياة النبات، وان أوّل درجاتها تنبه العقدة الحياتية في الحبة. وهذا التنبه مع شدة ظهوره وعمومه والالفة به من زمان آدم الى الآن قد بقي مستوراً عن نظر حكمة البشر. وأما وجه كونها أعظم النعم فهو: ان الجسم الذي لاحياة فيه ليس له مناسبة إلاّ مع مكانه المشخص وما به يختلط فيكون يتيماً منفرداً ولو كان جبلا. لكن اذا رأيت جسما ولو صغيراً كالنحل مثلا وقع

стр. 214

فيه الحياة حصل له دفعةً مناسباتٌ مع عموم الكائنات وتجارة مع الأنواع حتى يحقّ له أن يقول: "مكاني الكائنات وهي كملكي". اذ اذا انتقل إلى الحياة الحيوانية تراه يجول بحواسه ويتصرّف بها في أطراف الكائنات فيحصل بينه وبين أنواعها اختصاص ومبادلة ومحبة.. ولا سيما اذا ترفع إلى طبقة الانسانية تراه بنور العقل يجول في عوالم. فكما يتصرّف في العالم الجسماني يجول في العالم الروحاني، ويطوف في العالم المثالي. وكما يسافر هو الى تلك العوالم؛ كذلك تسافر هي اليه بالتمثل في مرآة روحه حتى يستحق أن يقول: "ان العالم مخلوق لأجلي بفضل الله تعالى".. فتتنوع حياته وتنبسط الى الحياة المادية والمعنوية والجسمانية والروحانية التي يشتمل كل منها على طبقات. فحق أن يقال: كما ان الضياء سبب لظهور الألوان والأجسام؛ كذا ان الحياة كشافة لكافة الموجودات وسبب لظهورها، وان الحياة هي التي تصيّر ذرّة كعالم. وان الحياة هي الوسيلة لإِحسان مجموع العالم لذي حياة برأسه مع عدم المزاحمة والانقسام إلاّ في أقل قليل بين البشر. وأما وجه كونها أظهر الدلائل على الصانع وكذا على الحشر: فاعلم! ان انتقال بعض ذرات جامدة وانقلابها دفعة الى هيئة ووضعية تخالف الوضعية الأولى - بلا توسط سبب معقول - برهان أيّ برهان. حتى ان الحياة لكونها أشرف الحقائق وأنزهها، لا خسّة فيها بوجهٍ ولا رَيْن عليها، لا في جهة الملك ولا في جهة الملكوت، فكلا وجهيها لطيفان، حتى ان حياة أخس حيوان جزئي أيضاً عالية. ولهذا السر (١) لم يتوسط بينها وبين يد القدرة سبب ظاهريّ؛ اذ مباشرتها لا تنافي عزة القدرة، مع ان وضع الأسباب الظاهرية - كما مر - لمحافظة عزة القدرة في مباشرة الأمور الخسيسة في ظاهر النظر. وأما وجه كونها أظهر الدلائل على المبدأ والمعاد فقد سمعت آنفا، فلنلخص لك وهو: ان من نظر في هذه الحياة وتدرج بنظره الى الأطوار المترتبة إلى أبسط صور الجسم يرى أجزاء منتثرة في عالم الذرات. ثم يبصرها قد تلبس في عالم العناصر صوراً أخرى. ثم يصادفها في عالم المواليد في وضعية أخرى.. ثم يلاقيها في نطفة ثم في (١) تدقيق حسن (بخط المؤلف على نسخة مطبوعة)

стр. 215

علقة ثم في مضغة. ثم يراها دفعة بانقلاب عجيب قد لبست صورة ويرى في هذه الانقلابات حركات منتظمة على دساتير معينة يتراءى منها: ان كل ذرة كانت معينة في أول الأطوار كأنها موظفة للذهاب إلى الموضع المناسب من جسد الحي، فيتفطن الذهن انها بقصد تُساق وبحكمة تُرسل، وكانت الحياة الثانية في نظره أهون وأسهل وأمكن بدرجات فيقنع بها قلبه بالطريق الأَولى. فهذه الجملة كالدليل للاحقتها والكل معا برهان على الانكار المستفاد من "كيف". المسألة الثالثة: في (ثم يميتكم) . اعلم! ان آية (خلق الموت والحياة) ١ تدل على ان الموت ليس إعداماً وعدماً صرفاً، بل تصرف، وتبديل موضع، واطلاق للروح من المحبس. وكذا ان ما وجد في نوع البشر الى الآن من امارات غير معدودة، ونَجَمَ من اشارات غير محدودة؛ القت الى الأذهان قناعة وحدسا بأن الإِنسان بعد الموت يبقى بجهة، وان الباقي منه هو الروح. فوجود هذه الخاصة الذاتية في فرد يكون دليلا على وجودها في تمام النوع للذاتية. ومن هنا تكون الموجبة الشخصية مستلزمة للموجبة الكلية، فحينئذ يكون الموت معجزة القدرة كالحياة. لا انه عدمٌ علتُه عدمُ شرائط الحياة. فإن قلت: كيف يكون الموت نعمة حتى نُظِّم في سلك النِعَم؟ قيل لك: أما: أوّلا: فلأنه مقدمة للسعادة الأبدية، ولمقدمة الشئ حكم الشئ حُسنا وقبحاً؛ اذ مايتوقف عليه الواجب واجب وما ينجر إلى الحرام حرام.. وثانيا: فلأن الموت عند أهل التحقيق من المتصوِّفين نجاة للشخص بخروجه عن نظير المحبس المشحون بالحيوانات المضرّة الى صحراء واسعة.. وثالثا: فلأنه باعتبار نوع البشر نعمة عظمى؛ اذ لولاها لوقع النوع في سفالات مدهشة.. ورابعا: فلأنه باعتبار بعض الأشخاص نعمة مطلوبة اذ بسبب العجز والضعف لا يتحمل تكاليف الحياة وضغط البليات وعدم شفقة العناصر، فالموت باب فوزه.

стр. 216

المسألة الرابعة: في (ثم يحييكم) . اعلم! ان باشارة آية (اَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَاَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) ١ وكذا برمز تعقيب هذه بـ ثم اليه ترجعون مع النظر إلى ايجاز القرآن، ايماء الى حياة القبركما تدل على حياة الحشر. - فإن قلت: اذا اُحرق انسان واُعطي رماده للهواء كيف يتصور فيه الحياة القبرية؟ قيل لك: ان البنية ليست شرطا للحياة عند أهل السنة والجماعة فيمكن تعلق الروح ببعض الذرات. - فإن قلت: كيف يتصور عذاب القبر مع انه لو وضعت بيضة على صدر جنازة بأيام لا يحس فيها أدنى حركة فكيف الحياة والعذاب؟ قيل لك: ان العالم المثاليّ قد بُرهن عليه في موقعه، حتى ان وجوده قطعي عند المحققين الإلهيين. وخاصةُ ذلك العالم تحويلُ المعاني أجساماً والأعراضُ جواهرَ والمتغيرات ثابتةً. والعيون الناظرة من عالم الشهادة اليه، الرؤيا الصادقة والكشف الصادق والأجسام الشفافة فانها تلوِّح بوجوده. ثم ان عالم البرزخ اثبتُ حقيقةً من عالم المثال الذي هو تمثاله. وظل هذا العالم عالم الرؤيا، وظل هذا عالم الخيال، ونظير هذا الاجسام الشفافة كالمرآة. فاذ تفهمت هذا فانظر في عالم الرؤيا وتأمل في شخص نام عندك وهو ساكن وساكت مع انه في عالمه يقاتل ويضارب فيصير مجروحا أو تلدغه الحية فيتألم. ولو أمكن لك أن تدخل في رؤياه وتقول له: يا هذا! لا تعجز ولا تغضب فإن هذا ليس حقيقة وحلفتَ له ألف يمين لما يصدقك. ويقول لك: هذا ألمي يوجعني وهذا جرحي! أما ترى هذا وبيده السيف، واما ترى الحية تهجم عليّ؛ اذ تجسم معنى وجع الكتف أو نزلة الرأس ٢ في صورة سيف جارح، اذ النتيجة واحدة. أو تصوَّر معنى الخيانة الموجعة لقلبه في لباس الحية اذ الألم واحد. فيا هذا! اذ ترى ذاك في ظل عالم المثال أفلا تصدقه في عالم البرزخ الذي هو أثبت حقيقة بدرجات وأبعد منا؟ أما (يحييكم) بالنظر الى الحياة الأخروية. فاعلم! ان تلك

стр. 217

الحياة نتيجة لكل العالم. ولولاها لم تكن الحقيقة ثابتة ولانقلبت الحقائقُ - كالنعمة - نقمةً. وقس!.. ولقد لخصنا دلائلها في تفسير (وبالآخرة هم يوقنون) .. المسألة الخامسة: في (ثم اليه ترجعون) آخر العقد من تلك السلسلة. اعلم! ان الخالق جلّت قدرته مزج الاضداد في عالم الكون والفساد لِحِكَم دقيقة ووضع أسبابا ظاهرية ووسائط اظهاراً لعزته فترتبت سلسلة العلل والمعلولات. ثم لما تصفّت الكائنات وتميزت وتحزبت في الحشر ارتفعت الأسباب واُسقطت الوسائط فارتفع الحجاب وكُشف الغطاء فيرى كلٌّ صانعَه ويعرف مالكه الحقيقي. تذييل لخلاصة نظم الجمل: اعلم! انه تعالى لما أنكر كفرهم الواقع بطريق الاستفهام الاستخباريّ في "كيف" ودعا الناس الى التعجب منه؛ برهن عليه بما بعد الواو الحالية أي باراءة أربعة انقلابات عظيمة كلها وكل منها شاهد على وجوب الايمان. ثم ان كل انقلاب منها مشتمل على أطوار ومراتب، ومقدمة ومُعدّة للانقلاب الذي يليه فمن الطور الاول من الانقلاب الأول إلى الطور الآخر من الانقلاب الآخر يتجدد أصلُ جسد الحي دائما فيلقى قشراً ويلبس الأكمل ثم يخلعه ويلبس صورة أعلى ثم يلقيها أيضاً فيلبس صورة أحسن وهلم جرا!.. فهو دائماً في استبدال صورة بأخرى كاملة إلى أن يصل إلى أعلى الأعالي فيستقر بتقرر السعادة الأبدية، وكلها بنظام معيّن وقانون منتظم. فأشار إلى أول الانقلابات بقوله (وكنتم أمواتا) وهذا مشتمل على أطوار آخر الأطوار ينتج مآل (فأحياكم) الدال على الانقلاب الثاني الذي هو أعجب حقائق العالم المشتمل على أطوار آخرها تنتهي بانقلاب (ثم يميتكم) المشتمل أيضاً على أطواره البرزخي التي تتم بانقلاب (ثم يحييكم) المشتمل على أطواره القبرية ثم الحشرية المختومة بقوله (ثم اليه ترجعون) . فمن أمعن في هذه الانقلابات كيف يتجاسر على الانكار؟ ولنشرع في نظم هيئات جملة جملة: أما الجملة الأولى أعني (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا) فالاستفهام فيها لتوجيه ذهنهم الى قباحتهم ليروا بأنفسهم فينصفوا فيقرّوا. و (كيف) اشارة الى الاستدلال على عدم الكفر بانكار الحال اللازم. والخطاب في (تكفرون) ايماء كما

стр. 218

مر الى شدة الغضب ولم يقل "لاتؤمنون" اشارة الى شدّة تمردهم اذ يتركون الايمان الذي عليه الدلائل ويقبلون الكفر الذي على بطلانه البراهين. وواو الحالية في (وكنتم) تشير إلى مقدر، اذ الجملتان ماضيتان. والأُخريان مستقبلتان كلاهما لايوافق قاعدة مقارنة الحال لعامل ذي الحال، فاذاً التقدير "والحال انكم تعلمون". ١ فإن قلت: انهم وان علموا بالموت والحياة الأُولى لكنهم لايعلمون انهما من الله، وكذلك لايقرون بالحياة الثانية ولايصدقون بالرجوع اليه تعالى؟ قيل لك: من البلاغة تنزيل الجاهل منزلة العالم عند ظهور دلائل ازالة الجهل. فلما كان التفكر في أطوار الموت الأول والحياة الأُولى ملجأ الى الاقرار بالصانع وكان العلم بها مقنعا للذهن بوقوع الحياة الثانية؛ كانوا كأنهم عالمون بهذه السلسلة. والخطاب في (كنتم) اشارة الى ان لهم في عالم الذرات أيضاً وجوداً وتعينا. لا ان الذرات كيفما اتفقت صارت أجسادَهم المعينة بالتصادف. وإيثار (أمواتا) على جماد ٢ أو ذرات ايماء الى مآل (لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً) ٣. وأما جملة (فأحياكم) : فان قلت: الفاء للتعقيب والاتصال مع تخلل تلك الأطوار وتوسط مسافة طويلة الى الحياة؟ قيل لك: الفاء للإشارة إلى منشأ دليل الصانع وهو ان انقلابها من الجمادية الى الحيوانية دفعةً من غير توسط سبب معقول يُلجئ الذهن الى الاقرار بالصانع. وكذا ان الأطوار في حالة الموات ناقصة غير ثابتة شأنها التعقيب. وإيثار (أحياكم) على "صرتم أحياء" للتصريح، أي صرتم أحياء ولايمكن ذلك بغير قدرة الصانع. فانتج ان الله تعالى هو الذي أحيا. وأما جملة (ثم يميتكم) بدل "تموتون" فإشارة كما مر الى أن الموت تصرف عظيم للقدرة بمقياس القدر. ألا ترى ان من استوفى عمره الطبيعيّ ثم انتهى إلى

стр. 219

الأجل اقلُّ قليل. فيتيقظ الذهن الى ان الموت ليس نتيجة طبيعية. فالموت انحلال الجسد لا فناء الروح بل اطلاقه. وأما جملة (ثم يحييكم) فـ "ثم" اشارة الى توسط عالم البرزخ ذي العجائب. وأما جملة (ثم اليه ترجعون) فـ "ثم" اشارة الى توسط الغطاء العظيم. و"ترجعون" اشارة الى كشف الغطاء وطرد الأسباب واسقاط الوسائط. فإن قلت: الرجوع الى الله تعالى يقتضي ان يكون المجئ منه اوّلا، ومن هنا توهمَ بعضٌ الاتصالَ واشتبه بعض أهل التصوف. قيل لك: ان في الدنيا وجوداً وبقاء وكذا في الآخرة وجود وبقاء. فالوجود في الدنيا يصدر من يد القدرة بلا واسطة وأما البقاء المحفوف بالتحليل والتركيب والتصرف والتحول في عالم الكون والفساد فيتداخل بينه العلل وتتوسط الأسباب للحكمة المذكورة سابقا. وأما في الآخرة فالوجود وكذا البقاء بلوازمه وتركيباته يظهر بالذات من يد القدرة ويعرف كلُّ شئ مالكَه الحقيقي. فاذا تأملت في هذا علمت معنى الرجوع. ***

стр. 220

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى اِلَى السَّماءِ فَسَوّيهُنَّ سَبْعَ سَموَاتٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٢٩ اعلم! ان لهذه الآية ايضاً الوجوه الثلاثة العظيمة: ١ أما نظم المجموع بالسابق فهو: ان في الآية الأولى انكار الكفر والكفران بالدلائل الانفسية وهي أطوار البشر، وفي هذه الآية اشارة الى الدلائل الآفاقية.. وكذا في الأولى اشارة الى نعمة الوجود والحياة، وفي هذه الآية الى نعمة البقاء.. وكذا في تلك دليل على الصانع ومقدمة للحشر، وفي هذه اشارة الى تحقيق المعاد وازالة الشبه كأنهم يقولون: اين للإنسان هذه القيمة؟ وكيف له تلك الأهمية؟ وما موقعه عند الله حتى يقيم القيامة لأجله؟ فقال القرآن باشارات هذه الآية: ان للإنسان قيمة عالية بدليل ان السموات والأرض مسخرة لاستفادته، وكذا ان له أهمية عظيمة بدليل ان الله لم يخلق الانسان للخلق بل خلق الخلق له، وان له عند خالقه لموقعا بدليل ان الله تعالى لم يوجد العالم لذاته بل اوجده للبشر وأوجد البشر لعبادته. فانتج ان الانسان مستثنى وممتاز لا كالحيوانات فيليق أن يكون مظهراً لجوهرةِ (ثم اليه ترجعون) . وأما نظم جملة جملة، فاعلم! ان لفظ "جميعا" في الجملة الأولى ولفظ "ثم" في الثانية ولفظ "سبع" في الثالثة تقتضي تحقيقاً. فلنتكلم عليها في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: ان قلت: ان هذه الآية تدل على أن جميع ما في الأرض لاستفادة البشر فكيف يتصور استفادة (زيد) مثلا من كل جزء من أجزاء الأرض؟ و (حبيب وعلي) ٢ كيف يستفيدان من حجر في قعر جبل في وسط جزيرة في البحر المحيط الكبير؟ وكيف يكون مال (زيد) لاستفادة عمرو؟ مع ان الآية باشارات أخواتها تشير أن لكل فردٍ الجميعَ لا التوزيع. وكذا كيف تكون الشمس والقمر وغيرهما مع

стр. 221

تلك العظمة لزيد وعمرو والعلة الغائية فيها الفائدة الجزئية لهما؟ وكيف تكون المضرات لاستفادة البشر مع انه لا مجازفة في القرآن ولاتليق المبالغة ببلاغته الحقيقية؟ قيل لك: تأمل في ست نقاط يتطاير عنك الأوهام: الأولى: ان خاصية الحياة كما مر تصيّر الجزء كلا والجزئي كليا والمنفرد جماعة والمقيد مطلقا والفرد عالماً، فيصير الأنواع كقوم ذي حياة والدنيا بيته ويكون له مناسبة مع كل شئ. والثانية: ان في العالم كما علمت نظاما ثابتا واتساقا محكما ودساتير عالية وقوانين أساسية مستمرة فيكون العالم كساعة أو ماكينة منتظمة. فكما ان كل دولاب منها بل كل سنّ من كل دولاب بل كل جزء من كل سنّ له دخلٌ ولو جزئيا في نظام الماكينة، وكذا له تأثير في فائدة الماكينة ونتيجتها بواسطة نظامها؟ كذلك لوجوده دخل في فائدة أهل الحياة الذين سيّدهم ورئيسهم البشر. والثالثة: انه - كما قرع سمعك فيما مضى - لا مزاحمة في وجوه الاستفادة، فكما ان الشمس بتمامها لزيد وان ضياءها روضة وميدان لنظره؛ كذلك بتمامها مُلك لعمرو وجنة له. فزيد مثلا لو كان في العالم وحده كيف تكون استفادته؛ كذلك اذا كان مع كل الناس لا ينقص منها شئ الا فيما يعود الى الغارين. ١ والرابعة: ان الكائنات ليس لها وجه رقيق فقط، بل فيها وجوه عمومية مختلفة طبقا على طبق، ولفوائدها جهات كثيرة عمومية متداخلة، وطرق الاستفادة متعددة متنوعة. مثلاً: اذا كان لك روضة تستفيد منها بجهة ويستفيد الناس بجهة أخرى، كالاستلذاذ بالقوة الباصرة. ولاجرم ان استفادة الانسان تحصل بحواسه الخمس الظاهرة وبحواسه الباطنة وبجسمه وبروحه وكذا بعقله وقلبه وكذا في دنياه وفي آخرته وكذا من جهة العبرة وقس عليها.. فلا مانع من استفادته بوجه من هذه الوجوه من كل ما في الأرض بل العالم. والخامسة: انه:

стр. 222

ان قلت: هذه الآيات مع آيات اُخر تشير الى ان هذه الدنيا العظيمة مخلوقة لأجل البشر وجعل استفادته علة غائية لها. والحال ان زحل الأكبر من الأرض ليست فائدتها بالنسبة الى البشر الاّ نوع زينة وضياء ضعيف فكيف يكون علة غائية؟ قيل لك: ان المستفيد يفنى في جهة استفادته وينحصر ذهنُه في طريقها وينسى ما عداها وينظر الى كل شئ لنفسه ويحصر العلة الغائية على ما يتعلق به. فاذاً لا مجازفة في الكلام الموجَّه الى ذلك الشخص في مقام الامتنان بأن يقال: ان زحل الذي أبدعه خالقه لألوفِ حِكَمٍ، وفي كل حكمة ألوفُ جهاتٍ، وفي كل جهة ألوفُ مستفيدٍ العلة الغائية في إبداعه جهة استفادة ذلك الشخص. والسادسة: - وقد نبهت عليه - ان الانسان وان كان صغيراً فهو كبير، فنفعه الجزئيّ كليّ فلا عبثية. المسألة الثانية: في (ثم) : اعلم! ان هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل السماء، وان آية (والأرضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحيهَا) ١ تدل على ان خلق السماء قبل الارض، وان آية (كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْناهُمَا) ٢ تدل على انهما خلقتا معا وانشقتا من مادة.. واعلم ثانيا: ان نقليات الشرع تدل على ان الله تعالى خلق اوّلا جوهرةً - أي مادة - ثم تجلى عليها فجعل قسما منها بخارا وقسما مائعا. ثم تكاثف المائع بتجلِّيه فأزبد. ثم خلق الأرض أوسبع كرات من الأرضين من ذلك الزبد فحصل لكل أرض منها سماء من الهواء النسيميّ. ثم بسط المادة البخارية فسوّى منها سموات زرع فيها النجوم فانعقدت السموات مشتملة على نويات النجوم. وان فرضيات الحكمة الجديدة ونظرياتها تحكم بأن المنظومة الشمسية أي مع سمائها التي تسبح فيها كانت جوهراً بسيطاً ثم انقلب إلى نوع بخار ثم تحصل من البخار مائع ناريّ ثم تصلب بالتبرد منه قسم ثم ترامى ذلك المائع الناري بالتحرك شرارات وقطعات انفصلت فتكاثفت فصارت سيّارات منها أرضنا هذه.

стр. 223

فإذا سمعت هذا يجوز لك التطبيق بين هذين المسلكين لأنه يمكن أن يكون آية (كانتا رتقا ففتقناهما) اشارة الى ان الأرض مع المنظومة الشمسية كانت كعجين عجنته يد القدرة من جوهر بسيط أعني "مادّة الَاثِير" التي هي كالماء السيّال بالنسبة الى الموجودات فتنفذ جارية بينها. وآية (وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ) ١ اشارة الى هذه المادة التي هي كالماء. و"الاثير" بعد خلقه، هو المركز لأوّل تجلِّي الصانع بالايجاد، اي فخلق "الأثير" ثم صيّره جواهرَ فردةً ثم جعل البعض كثيفاً، ثم خلق من الكثيف سبع كرات مسكونة منها ارضنا. ثم ان الأرض بالنظر الى كثافتها وتصلبها قبل الكل وتعجيلها في لبس القشر وصيرورتها من زمان مديد منشأ الحياة مع بقاء كثير من الاجرام السماوية الى الآن مائعة نارية تكون خلقتها وتشكلها من هذه الجهة قبل خلق السموات. ولما كان تكمل منافعها ودحوها - أي بسطها وتمهيدها لتعيّش نوع البشر - بعد تسوية السموات وتنظيمها تكون السموات اسبقَ من هذه الجهة مع الاجتماع في المبدأ. فالآيات الثلاث تنظر الى النقاط الثلاث. الجواب الثاني: ان المقصد من القرآن الكريم ليس درس تاريخ الخلقة، بل نزل لتدريس معرفة الصانع. ففيه مقامان: ففي مقام بيان النعمة واللطف والمرحمة وظهور الدليل تكون الأرض اقدمَ، وفي مقام دلائل العظمة والعزة والقدرة تكون السموات اسبق.. ثم ان "ثم" كما تكون للتراخي الذاتيّ تجئ للتراخي الرتبي فـ (ثم استوى) أي ثم اعلموا وتفكروا انه استوى. ٢ المسألة الثالثة: في (سبع) : اعلم! ان الحكمة العتيقة قائلة بأن السمواتِ تسعة، وتصورها أهلُها بصورة عجيبة، واستولى فكرُهم على نوع البشر في اعصار. حتى اضطر كثير من المفسرين الى إمالة ظواهر الآيات الى مذهبهم. وأما الحكمة الجديدة فقائلة بأن النجوم معلَّقة في الفضاء والخلو كأنها منكِرة لوجود السماء. فكما أفرطت إحداهما فرّطت الأخرى. وأما الشّريعة فحاكمة بأن الصانع ﷻ خلق سبع سموات وجعل النجوم فيها

стр. 224

كالسَّماك تسبح. والحديث يدل على ان "السماء موج مكفوف" ١ وتحقيق هذا المذهب الحق في ست مقدمات. الأولى: انه قد ثبت فنّا وحكمة ان الفضاء الوسيع مملوء من الأثير. والثانية: ان رابطة قوانين الأجرام العلوية وناشر قوى أمثال الضياء والحرارة وناقلها مادة موجودة في الفضاء مالئة له. والثالثة: ان مادة الأثير مع بقائها اثيراً لها كسائر المواد تشكلات مختلفة وتنوعات متغايرة كتشكل البخار والماء والجمد. والرابعة: انه لو أمعن النظر في الاجرام العلوية يُرى في طبقاتها تخالف. ألا ترى ان نهر السماء المسمى بـ "كَهْكَشان" ٢ المرئيّ في صورة لطخة سحابية انما هو ملايينَ نجومٍ أخذت في الانعقاد. فصورةُ الأثير التي تنعقد تلك النجوم فيها تخالف طبقة الثوابت البتة، وهي أيضاً تخالف طبقات المنظومة الشمسية بالحدس الصادق وهكذا الى سبع منظومات. والخامسة: انه قد ثبت حدسا واستقراء انه اذا وقع التشكيل والتنظيم والتسوية في مادة تتولد منها طبقات مختلفة كالمعدن يتولد منه الرماد والفحم والألماس.. وكالنار تتميز جمراً ولهبا ودخانا، وكمزج مولّد الماء مع مولّد الحموضة ٣ يتشكل منه ماء وجمد وبخار. والسادسة: ان هذه الامارات تدل على تعدد السموات. والشارع الصادق قال هي سبعة، فهي سبعة على ان السبع والسبعين والسبع مائة في أساليب العرب لمعنى الكثرة. والحاصل: ان الصانع ﷻ خلق من "مادة الأثير" سبع سموات فسوّاها ونظّمها بنظام عجيب دقيق وزرع فيها النجوم وخالف بين طبقاتها.

стр. 225

اعلم! انك اذا تفكرت في وُسْعة خطابات القرآن الكريم ومعانيه ومراعاته لافهام عامة الطبقات من أدنى العوام الى أخص الخواص ترى أمراً عجيباً. مثلاً: من الناس من يفهم من (سبع سموات) طبقات الهواء النسيمية.. ومنهم من يفهم منه الكرات النسيمية المحيطة بأرضنا هذه وأخواتها ذوات ذوي الحياة.. ومنهم من يفهم منه السيّارات السبع المرئية للجمهور.. ومنهم من يفهم منه طبقات سبعة اثيرية في المنظومة الشمسية.. ومنهم من يفهم منه سبع منظومات شموسية أولاها منظومة شمسنا هذه.. ومنهم من يفهم منه انقسام الأثير في التشكل الى طبقات سبعة كما مر آنفا.. ومنهم من يرى جميع ما يُرى مما زُيّن بمصابيح الشموس والنجوم الثوابت سماء واحدة. هي السماء الدنيا وفوقها ست سموات اُخر لاترى.. ومنهم من لايرى انحصار سبع سموات في عالم الشهادة فقط بل يتصورها في طبقات الخلقة في العوالم الدنيوية والأٌخروية والغيبية.. فكل يستفيض بقدر استعداده من فيض القرآن ويأخذ حصته من مائدته فيشتمل على كل هذه المفاهيم. واعلم! ان الجملة الأولى: أعني (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) نظمها بخمسة أوجه: الأول: ان الآية الأولى اشارة الى نعمة الحياة والوجود، وهذه تشير الى نعمة البقاء وأسبابه. والثاني: انه لما اثبتت الأولى للبشر أعلى المراتب أعني الرجوع اليه تعالى تنبه ذهن السامع للسؤال بـ "اين لهذا الانسان الذليل استعداد لهذه المرتبة العالية إلاّ ان يكون بفضله تعالى وجذبه؟ ". فكأن هذه الجملة تقول مجيبة عن ذلك السؤال ان للإِنسان عند خالقه الذي سخر له جميع الدنيا لموقعا عظيما. والثالث: انه لما أشارت الأولى الى وجود الحشر والقيامة للبشر ذهب السامع الى سؤال: ما أهمية البشر حتى تقوم القيامة لأجله ويخرب العالم لسعادته؟ فكأن هذه الجملة تجيبه بـ "ان من هُيّئَ جميع ما في الأرض لاستفادته وسُخّر له الأنواع له أهمية عظيمة تشير الى انه هو النتيجة للخلقة".

стр. 226

والرابع: ان الأولى اشارت بـ (اليه ترجعون) الى رفع الوسائط وانحصار المرجعية فيه تعالى. والحال ان للبشر في الدنيا مراجع كثيرة، فهذه الجملة تقول أيضاً ان الأسباب والوسائط تشفّ عن يد القدرة، وان المرجع الحقيقي في الدنيا انما هو الله تعالى وانما توسطت الأسبابُ لحِكَم فانه تعالى هو الذي خلق للإِنسان كل ما يحتاج اليه. والخامس: ان الأولى لما اشارت الى السعادة الأبدية أشارت هذه الى سابقةِ فضلٍ يستلزم تلك السعادة ذلك الفضلُ أي من اُحسن اليه جميع ما في الأرض لحقيقٌ بأن يعطى له السعادة الأبدية. وجملة (ثم استوى الى السماء) نظمها بأربعة أوجه. الأول: ان السماء رفيقة الأرض لا يَتصورُ الأرضَ أحدٌ إلاّ ويخطر في ذهنه السماء. والثاني: ان تنظيم السماء هو المكمِّل لوجه استفادة البشر مما في الأرض. والثالث: ان الجملة الأُولى اشارت الى دلائل الاحسان والفضل وهذه تشير الى دلائل العظمة والقدرة. والرابع: ان هذه الجملة تشير الى ان فائدة البشر لا تنحصر على الأرض بل السماء أيضاً مسخرة لاستفادته. ونظم جملة: (فسوّيهن سبع سموات) بثلاثة أوجه. الأول: ان ربطها بالأُولى كربط "فيكون" مع "كن". والثاني: انه كربط تعلق القدرة بتعلق الارادة. والثالث: انه كربط النتيجة بالمقدمة. ونظم جملة (وهو بكل شيء عليم) بوجهين: أحدهما: انها دليل لِمّي على التنظيم السابق كما ان التنظيم السابق دليل اِنّيّ عليها؛ اذ الاتساق والانتظام يدلان على وجود العلم الكامل كما ان العلم يفيد الانتظام.

стр. 227

والآخر: ان الجملة الأولى تدل على القدرة الكاملة وهذه على العلم الشامل. أما نظم هيئآت جملة جملة: ففي الجملة الأولى الاستيناف وتعريف الجزئين وتعريف الخبر ولام "لكم" وتقديم "لكم" ولفظ "في" ولفظ "جميعا": أما الاستيناف فإشارة إلى أسئلة مقدرة وأجوبة قد نبهت عليها في الاوجه الخمسة لنظم الجملة الأولى.. وأما تعريف الجزئين ١ فاشارة الى التوحيد والحصر الذي هو دليل على الحصر في تقديم "اليه" في (ثم اليه ترجعون) .. وأما تعريف الخبر فاشارة الى ظهور الحكم ٢.. وأما لام النفع في (لكم) فاشارة الى أن الأصل في الأشياء الاباحة وانما تعرض الحرمة للعصمة: كمال الغير. أو للحرمة: كلحم الآدميّ. أو للضرر: كالسم. أو للاستقذار: كبلغم الغير. أو للنجاسة: كالميتة.. وكذا رمز الى وجود النفع في كل شئ، وان للبشر ولو بجهة من الجهات استفادة ولو بنوع من الأنواع ولو في أحقر الأشياء ولا أقل من نظر العبرة، وكذا ايماء الى انه كم من خزائن للرحمة مكنوزة في جوف الأرض تنتظر أبناء المستقبل.. وأما تقديم (ولكم) فاشارة الى أن جهة استفادة البشر أقدم الغايات وأولاها وأولها.. وأما (ما) المفيدة للعموم فللحث على تحرِّي النفع في كل شئ.. وأما (في الأرض) بدل "على الأرض" مثلا، فاشارة الى وجود أكثر المنافع في بطن الأرض، وكذا تشجيع على تحرِّي ما في جوفها.. ويدل تدرج البشر في الاستفادة من معادن الأرض وموادها على انه يمكن أن يكون في ضمنها مواد وعناصر تخفف عن كاهل أبناء الاستقبال ضغطَ تكاليف الحياة من الغذاء وغيره.. واما (جميعا) فلرد الأوهام في عبثية بعض الأشياء. وأما (ثم) في الجملة الثانية فاشارة الى سلسلة من أفعاله تعالى وشؤونه بعد خلق الأرض إلى تنظيم السماء.. وكذا رمز الى تراخي رتبة التنظيم في نفع البشر عن خلقة الأرض.. وكذا ايماء الى تأخره عنها. واما (استوى) ففيه ايجاز، أي: أراد أن يسوّي.. وكذا فيه مجاز أي كمن يسدد قصده الى شئ لا ينثني يمنةً ويسرةً. و (الى السماء) أي الى مادتها وجهتها. واما فاء (فسويهن) فبالنظر الى جهة

стр. 228

التفريع نظير ترتب "فيكون" على "كن"، وتعلق القدرة على تعلق الارادة والقضاء على القدر. واما بالقياس الى جهة التعقيب فايماء الى تقدير "ونوّعها ونظّمها ودبّر الأمر بينها فسوّيهن" الخ. واما "سوّى" أي خلقها منتظمة مستوية متساوية في أن أعطى كلاّ ما يناسب استعداده ويساوي قابليته. واما "هن" فايماء الى تنوع مواد السموات. وأما (سبع) فيتضمن الكثرة والمناسبة مع الصفات السبع ومع الأدوار السبعة في تشكلات الأرض. و (سموات) أي اللاتي هن رياض لأزاهير الدراري وبحار لسِماك السّيارات ومزرعة لحبّات النجوم. أما جملة (وهو بكل شيء عليم) فواو العطف المقتضية للمناسبة اشارة الى "وهو على كل شئ قدير فهو الخالق لهذه الاجرام العظيمة، وهو بكل شئ عليم فهو النظّام المتقن للصنعة فيها". وباء الالصاق اشارة الى عدم انفكاك العلم عن المعلوم. واما "كل" فهو العام الذي لم يخص منه البعض. وقد خص قاعدة "وما من عام الاّ وقد خُصَّ منه البعض" والاّ لكانت هذه القاعدة بحيث اذا صدقت كذّبت نفسها نظير "الجذر الأصم الكلاميّ" ولفظ "شيء" يعم الشائيّ والمشيءَ وما ليس بهذا ولا بذاك كالممتنع. و "عليم" أي ذات ثبت له لازماً منه العلم. ***

стр. 229

وَاذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلئِكَةِ اِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا اَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ اِنِّي اَعْلَمُ ما لاتَعْلَمُونَ ٣٠ مقدمة اعلم! ان التصديق بوجود الملائكة أحد أركان الايمان. ولنا هنا مقامات.. المقام الأول: ان من نظر الى الأرض وقد امتُلئت بذوي الأرواح مع حقارتها، وتأمل في انتظام العالم واتقانه، تحدس بوجود سكان في هذه البروج العالية. فَمَثَلُ مَنْ لم يصدّق بوجود الملائكة كَمَثَل رجل ذهب الى بلدة عظيمة وصادف دارا صغيرة عتيقة ملوّثة بالمزخرفات مشحونة بالناس. ورأى عرصاتها مملوءة من ذوي الأرواح ولحياتهم شرائط مخصوصة كالنباتات والسِّماك. ثم رأى اُلوفا من القصور العالية الجديدة قد تخلّلت بينها ميادين النزهة فيعتقد خلوها عن السكان لعدم جريان شرائط حياة هذه الدار في تلك القصور. ومثل المعتقد بوجودهم كَمَثَل مَنْ اذا رأى هذا البيت الصغير وقد امتلأ من ذوي الأرواح ورأى انتظام البلدة، جزم بأن لتلك القصور المزيَّنة أيضاً سكانا يناسبونها وتوافقهم ولهم شرائط حياة مخصوصة فعدم مشاهدتهم - لبعدهم وترفعهم - لا يدل على عدمهم. فامتلاء الأرض من ذوي الحياة ينتج بالطريق الاْولى وبالقياس الاْولَويّ المؤسس على القياس الخفيّ المبني على الانتظام المطرد - امتلاء هذه الفضاء الوسيعة ببروجها ونجومها وسماواتها من ذوي الأرواح الذي يدعوهم الشرع بالملائكة المنطوية على أجناس مختلفة فتأمل!.. المقام الثاني: اعلم - كما مر - ان الحياة هي الكشافة للموجودات بل هي النتيجة لها، فاذاً كيف تخلو هذه الفضاء الوسيعة من ساكنيها وتلك السموات من عامريها. ولقد

стр. 230

أجمع العقلاء إجماعا معنويا - وان اختلفوا في طرق التعبير - على وجود معنى الملائكة وحقيقتهم، حتى ان المشّائيين عبّروا عنهم بالماهيات المجرَّدة الروحانية للأنواع، والاِشْراقِيّين عبّروا عنها بالعقول وأرباب الأنواع، وأهل الأديان بملَك الجبال وملَك البحار وملك الامطار مثلا. حتى ان الماديين الذين عقولهم في عيونهم لم يتيسر لهم انكار معنى الملائكة بل نظروا اليهم في القوات السارية في نواميس الفطرة. فان قلت: أفلا يكفي لارتباط الكائنات وحيويتها هذه النواميس وتلك القوانين الجارية في الخلقة؟ قيل لك: ما تلك النواميس الجارية والقوانين السارية الا أمور اعتبارية بل وهمية لا يتعين لها وجود ولا يتشخص لها هُويّة الا بممثِّلاتها ومعاكسها ومَنْ هو آخذ برأس خيوطها وان هي إلاّ الملائكة.. وأيضاً قد اتفق الحكماء والعقل والنقل على عدم انحصار الوجود في عالم الشهادة الظاهر الجامد الغير الموافق لتشكل الأرواح. فعالم الغيب المشتمل على عوالم - الموافق للأرواح كالماء للسِماك - مشحون بها ١، مظهرٌ لحياة عالم الشهادة.. فاذا شهدت لك هذه الأمور الأربعة على وجود معنى الملائكة فأحسن صور وجودهم التي ترضى بها العقول السليمة ماهو إلاّ ماشرحه الشرع من انّهم عباد مكرمون لا يخالفون مايؤمرون، وكذا انهم أجسام لطيفة نورانية ينقسمون إلى أنواع مختلفة. المقام الثالث: اعلم ان مسألة الملائكة من المسائل التي يتحقق الكل بثبوت جزء واحد، ويُعلم النوع برؤية أحد الأشخاص، اذ من أنكر أنكر الكلَّ. ثم كما انه محال عندك - ايقظك الله - أن يجمع أهل كل الأديان في كل الأَعصار من آدم الى الآن على وجود الملائكة وثبوت المحاورة معهم وثبوت مشاهدتهم والرواية عنهم كمباحثة الناس طائفة عن طائفة، بدون رؤية فرد بل أفراد منهم وبدون ضرورة وجود شخص بل أشخاص منهم، وبدون الاحساس بالضرورة بوجودهم؛ كذلك محال أن يقوم وَهْم كذلك في عقائد البشر ويستمر هكذا ويبقى في الانقلابات بدون حقيقة يتسنبل عليها وبدون مبادئ ضرورية مولِّدة لذلك الاعتقاد العموميّ. فإذاً ليس سند هذا

стр. 231

الاجماع الاّ حدس تولَّد من تفاريق امارات حصلت من واقعات مشاهدات نشأت من مبادئ ضرورية. وليس سبب هذا الاعتقاد العمومي الا مبادئ ضرورية تولدت من رؤيتهم ومشاهدتهم في كرّات تفيد قوة التواتر المعنوي. والاّ رفع الأمن من يقينيات معلومات البشر. فاذا تحقق وجود واحد من الروحانية في زمان مّا تحقق وجود هذا النوع. واذا تحقق هذا النوع، كان كما ذكره الشرع وبيّنه القرآن الكريم. ثم ان نظم مآل هذه الآية بسابقها من أربعة وجوه: الأول: انه لما كانت هذه الآيات في تعداد النعم العظام، واشارت الأولى إلى أعظمها - من كون البشر نتيجة للخلقة وكون جميع ما في الأرض مسخراً له يتصرف فيها على ما يشاء - اشارت هذه الى ان البشر خليفة الأرض وحاكمها. والثاني: ان هذه الآية بيان وتفصيل وايضاح وتحقيق وبرهان وتأكيد لما في الآية الأولى من أن أزمة سلاسل ما في الأرض في يد البشر. والثالث: ان تلك لما بيّنت بناء المسكنين من الأرض والسماء اشارت هذه الى ساكنيهما من البشر والملَك، وانها رمزت الى سلسلة الخلقة، وأومأت هذه الى سلسلة ذوي الأرواح. والرابع: انها لما صرحت بأن البشر هو المقصود من الخلقة وان له عند خالقه لموقعاً عظيما، اختلج في ذهن السامع انه كيف يكون للبشر هذه القيمة مع كثرة شروره وفساده؟ وهل تستلزم الحكمة وجوده للعبادة والتقديس له تعالى؟ فأشارت هذه الى ان تلك الشرور والمفاسد تُغتفر في جنب السرّ المُودع فيه، وان الله غني عن عبادته اذ له تعالى من الملائكة المسبِّحين والمقدِّسين ما لا يحصر بل لحكمة في علم علاّم الغيوب. وأما نظم الجمل بعضها مع بعض فهو: ان الآية تنصبُّ بناء على اقتضاء "اذ" رديفا لها، وعطفه على (وهو بكل شيء عليم) - إلى تقدير ١ إذ خلق ما خلق منتظما متقنا هكذا واذ قال ربك للملئكة الخ، وانه تعالى لما خاطب مع الملائكة - ليستفسروا سرّ الحكمة ولتعليم

стр. 232

طريق المشاورة قائلا (اني جاعل في الأرض خليفة) - توجه ذهن السامع بسرّ المقاولة الى ما "قالوا"؟ وبسرّ الاستفسار عن حكمته مع التعجب الى (أتجعل فيها) ؟ وبسر استخلافهم عن الجن المفسدين مع توديع القوة الغضبية والشهوية فيهم أيضا الى (من يفسد فيها) بتجاوز القوة الثانية (ويسفك الدماء) بتجاوز القوة الأولى. ثم بعد تمام السؤال والاستفسار والتعجب ينتظر ذهن السامع لجوابه تعالى. فقال: (قال اني اعلم مالا تعلمون) أي فالأشياء ليست منحصرة في معلوماتكم. فعدم علمكم ليس امارة على العدم، واني حكيم، لي فيهم حكمة يغتفر في جنبها فسادهم وسفكهم. أما نظم هيئات جملة جملة، فاعلم! ان الواو في (واذ قال ربك للملئكة اني جاعل في الأرض خليفة) وكذا في (واذ قال ربك للملئكة اني خالق بشراً من صلصال) ١ في آية أخرى بسر المناسبة العطفية اشارة الى "اذ واذ" كما مر. وكذا - بسر ان الوحي يتضمن "ذَكِّرهُمْ بِذَلِكَ" اشارة الى "واذكر لهم اذ" الخ.. وان (اذ) المفيد للزمان الماضي لتسيير الأذهان في الأزمنة المتسلسلة الماضوية ورفع وجلب واحضار لها الى ذلك الزمان لتنظره فتجتني ما وقع فيه.. وان (ربك) اشارة الى الحجة على الملائكة أي ربّاك وكمّلك وجعلك مرشداً للبشر لإزالة فسادهم أي "انت الحسنة الكبرى التي ترجحت وغطت على تلك المفاسد".. وان (للملئكة) اشارة في هذه المقاولة الكائنة على صورة المشاورة الى ان لسكان السموات أعني الملائكة مزيد ارتباط وعلاقة وزيادة مناسبة مع سكان الأرض أعني البشر. فان من اولئك موُكلين وحَفَظة وكَتَبَة على هؤلاء فحقّهم الاهتمام بشأنهم. وان "ان" بناء على كونها لرد التردد المستفاد من "أتجعل" اشارة الى عظمة المسألة وأهميتها. وان ياء المتكلم وحده هنا مع "نا" للمتكلم مع الغير في "قلنا" في الآيات الآتية اشارة الى ان لا واسطة في ايجاده وخلقه كما توجد في خطابه وكلامه. ومما يدل على هذه النكت آية (انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اريك الله) ٢ فقال "انزلنا" بنون العظمة لوجود الواسطة في الوحي وقال "أريك الله"

стр. 233

مفرداً لعدم الواسطة في إلهام المعنى. وان ايثار (جاعل) على "خالق" اشارة الى ان مدار الشبهة والاستفسار الجعل (١) . والتخصيص لعمارة الأرض لا الخلق والايجاد، لأن الوجود خير محض والخلق فعله الذاتيّ لا يُسأل عنه. وان ايثار "في" في (في الأرض) على "على" مع ان البشر على الأرض لايخلو من الايماء الى ان البشر كالروح المنفوخ في جسد الأرض، فمتى خرج البشر خربت الأرضُ وماتت. وان (خليفة) اشارة الى انه قد وجد قبل تَهئ الأرض لشرائط حياة الإنسان مخلوقٌ مُدْرِك ساعدت شرائطَ حياته الادوارُ الأوّليةُ للأرض وهذا هو الأوفق لقضية الحكمة. والمشهور ان ذلك المخلوق المُدْرِك كان نوعا من الجن فأفسدوا فاستُخلفوا بالإِنسان. اما هيئات جملة (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) فاعلم! ان استيناف (قالوا) اشارة الى ان توجيه خطابه تعالى الى الملائكة يلجئ السامع الى السؤال بـ "كيف يتلقّون جيرانهم بيتَ بيتَ وأيرضون بهم قرناء وما رأيهم فيهم؟ " فقال: "قالوا". وان وجه كونه جزاء لـ "اذ" هو: ان حكم الله تعالى بجعل البشر خليفة في الأرض - التي وكّل عليها الملائكة - مع انه لا مشير له تعالى ولا وزير يستلزم اظهار كيفية تلقيهم لهم. وان صورة القول اشارة الى اسلوب المقاولة على صورة المشاورة لتعليم الناس مع تنزهه تعالى عنها. وان استفهام (أتجعل) فلتحقق الجعل باخباره تعالى تمتنع حقيقتُه فيتولد منه التعجب الناشئ عن خفاء السبب فيتولد منه الاستفسار - أي ما حكمة الجعل؟ فاستفهم عن المسبب بدلا عن السبب وليس للإِنكار لعصمتهم ٢. وان الجعل رمز الى ان شؤون البشر ونسبه الاعتبارية ووضعياته ليست من لوازم الطبيعة ولا من ضروريات الفطرة بل كل منها بجعل الجاعل. وان (فيها) مع "فيها" مع قصر المسافة فللتنصيص والايماء الى معنى: ما حكمة جعل البشر روحا منفوخا في جسد الأرض لحياتها مع وجود الفساد والاماتة من حيث الأحياء؟. وان التعبير بـ (مَنْ) اشارة الى انه لا يعنيهم شخصية البشر وانما يثقل عليهم عصيان مخلوق لله تعالى. وان ايراد (يفسد) بدل "يعصي" اشارة الى ان العصيان ينجر الى فساد نظام العالم. وان صورة المضارع اشارة الى ان

стр. 234

المستنكر تجدد العصيان واستمراره. وقد علموا ذلك اما باعلامه تعالى أو بمطالعة اللوح أو بمعرفة فطرتهم من عدم تحديد القوى المودعة فيهم. فبتجاوز الشهوية يحصل الفساد وبتعدي الغضبية ينشأ السفك والظلم. و (فيها) أي مع أنها كانت مسجداً اُسس على التقوى. وان موقع "الواو" الجمع بين الرذيلتين بمناسبة انجرار الفساد الى سفك الدم. وان ايثار (يسفك) على "يقتل" لأن السفك هو القتل بظلم. ومن القتل ما هو جهاد في سبيل الله وكذا قتل الفرد لسلامة الجماعة كقتل الذئب لسلامة الغنم. واما الدماء فتأكيد لما في السفك من الدم لتشديد شناعة القتل. وأما هيئات (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) فواو الحال اشارة الى استشعارهم الاعتراض عليهم بـ "اما يكفيكم حكمة عبادة البشر وتقديسه له تعالى؟ " (ونحن) أي معاشر الملائكة المعصومين من المعاصي.. واسمية الجملة اشارة الى ان التسبيح كالسجية لهم واللازم لفطرتهم وهم له. أما (نسبح بحمدك) فكلمة جامعة أي نعلنك في الكائنات بأنواع العبادات.. ونعتقد تنزهك عما لا يليق بجنابك بتوصيفك بأوصاف الجلال وما هو الا من نعمك المحمود عليها. ونقول "سبحان الله وبحمده". ونحمدك ونصفك بأوصاف الجلال والجمال. ونقدس لك أي نقدسك، أو نطهر أنفسنا وأفعالنا من الذنوب وقلوبنا من الالتفات الى غيرك. فالواو للجمع بين الفضيلتين أي امتثال الأوامر واجتناب النواهي، فيكون حذاء الواو الأول. واما هيئات (قال اني اعلم ما لاتعلمون) فاستينافها اشارة الى السؤال بـ "ماذا قال الله تعالى مجيبا لاستفسارهم، وكيف بينّ السبب مزيلا لتعجبهم، وما الحكمة في ترجيح البشر عليهم؟ " فقال "قال" مشيراً إلى جواب اجمالي ثم فصل بعض التفصيل بالآية التالية. و" ان" في (اني اعلم) للتحقيق ورد التردد والشبهة وهو انما يكون في حكم نظري ليس بمسلّم مع بداهة ومسلّمية علم الله تعالى بما لا يعلم الخلق وحاشاهم عن التردد في هذا. فحينئذ يكون "ان" مناراً على سلسلة جمل لخصها القرآن الكريم وأجملها وأوجزها بطريق بيانيّ مسلوك. أي: ان في البشر مصالحَ وخيراً كثيرا تغمر في جنبها معاصيه التي هي شر قليل، فالحكمة تنافي ترك ذلك لهذا. وان في البشر لسراً اهّله للخلافة غفلت عنه الملائكة وقد علمه خالقه.. وان فيه

стр. 235

حكمة رجحته عليهم لايعلمونها ويعلمها من خلق. وأيضاً قد يتوجه معنى "ان" الى الحكم الضمني المستفاد من واحد من قيود مدخولها أي لا تعلمون بالتحقيق.. وأيضاً (اعلم ما لا تعلمون) من قبيل ذكر اللازم وارادة الملزوم أي يوجد ما لا تعلمون، اذ علمه تعالى لازم لكل شئ فنفى العلم دليل على عدم المعلوم كما قال تعالى (بما لا يعلم) أي لا يمكن ولايوجد، ووجود العلم دليل على وجود المعلوم.. ثم انه قد ذكر في تحقيق هذا الجواب الاجمالي ان الله عليم حكيم. لاتخلو أفعاله تعالى عن حكم ومصالح، فالموجودات ليست محصورة في معلومات الخلق فعدم العلم لا يدل على العدم، وان الله تعالى لما خلق الخير المحض أعني الملائكة، والشر المحض أعني الشياطين، وما لاخير عليه ولا شر أعني البهائم، اقتضت حكمة الفيّاض المطلق وجود القسم الرابع الجامع بين الخير والشر. إن انقادت القوة الشهوية والغضبية للقوة العقلية فاق البشر على الملائكة بسبب المجاهدة، وان انعكست القضية صار انزلَ من البهائم لعدم العذر. ***

стр. 236

وَعَلَّمَ ادَمَ الاْسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلئِكَةِ فَقالَ اََنْبِؤُنِي بِأَسْماءِ هَؤُلاءِ اِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ ٣١ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا اِلَاّ مَا عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتََ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ٣٢ قَالَ يا ادَمُ اَنْبِئْهُمْ بِاَسْمائِهِمْ فَلَمَّا اَنْبَاَهُمْ بِاَسْمائِهِمْ قَالَ اَلَمْ اَقُلْ لَكُمْ اِنِّي اَعْلَمُ غَيْبَ السَّموَاتِ وَالاْرْضِ وَاَعْلَمُ مَا تَبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ٣٣ مقدمة اعلم! ان هذه معجزة آدم تحدِّيت بها الملائكة بل معجزة نوع البشر في دعوى الخلافة. ان في القصَصَ لعبراً. ثم اني نظراً الى ان (ولا رطب ولايابس الا في كتاب مبين) ١ ومستنداً الى ان التنزيل كما يفيدك بدلالاته ونصوصه؛ كذلك يعلّمك باشارته ورموزه، لأفهمُ من اشارات ٢ استاذية اعجاز القرآن الكريم في قَصَص الأنبياء ومعجزاتهم التشويقَ والتشجيعَ للبشر على التوسل للوصول إلى أشباهها. كأن القرآن بتلك القصص يضع اصبعه على الخطوط الأساسية ونظائر نتايج نهايات مساعي البشر للترقي في الاستقبال الذي يُبنى على مؤسسات الماضي الذي هو مرآة المستقبل. وكأن القرآن يمسح ظهر البشر بيد التشويق والتشجيع قائلا له: اسع واجتهد في الوسائل التي توصلك الى بعض تلك الخوارق! أفلا ترى ان الساعة والسفينة أول ما أهدتهما للبشر يد المعجزة. وان شئت فانظر الى (وعلّم آدم الاسماء كلها) والى (ولقد اتينا داودَ منّا فضلا يا جبالُ أوّبي معه والطير وألنّا له الحديد) ٣ والى (ولسليمن الريح غُدوّها شهر ورواحها شهر وأسَلْنا له عَينَ

стр. 237

القطر) ١ "أي النحاس" والى (اضرب بعصاكَ الحجَرَ فانفجرتْ منه اثنتا عشرة عينا) ٢ والى (وتبرئُ الاكمهَ والأبرصََ بإذني) ٣!. ثم تأمل فيما مخّضه تلاحق أفكار البشر واستنبطه من ألوف فنونٍ ناطقٍ. كل منها - بخواص وصفات وأسماء - نوع من أنواع الكائنات حتى صار البشر مظهر (وعلّم آدم الأسماء كلها) ثم فيما استخرجه فكر البشر من عجائب الصنعة من السكّة الحديدية والآلة البرقية وغيرهما بواسطة تليين الحديد وإذابة النحاس حتى صار مظهر (وألنّا له الحديدَ) الذي هو امّ صنائعه، وفيما أفرخه أذهان البشر من الطيّارات التي تسير في يوم شهراً حتى كاد ان يصير مظهر (غُدُوها شهرٌ ورَواحُها شهر) ، وفيما ترقى اليه سعى البشر من اختراع الآلات والعصي التي تضرب في الأرض الرملة اليابسة فتفور منها عين نضّاخة وتصير الرملة روضة حتى أوشك ان يصير مظهر (اضرب بعصاك الحجر) ، وفيما انتجه تجارب البشر من خوارق الطب التي طفق ان تبرئ الأكمه والأبرص والمزمن باذن الله.. تر مناسبة تامة تصح لك أن تقول تلك مقائسها، وذكرها يشير اليها ويشجع عليها.. وكذا انظر الى قوله تعالى (يا نارُ كوني برداً وسلاما) ٤ والى (لولا ان رَا برهانَ ربه) ٥ أي صورة يعقوب عاضا على اصبعه في رواية، والى (اني لأَجِد ريحَ يوسف) ٦ والى (ياجبالُ أوّبي معه) والى (عُلِّمنا منطق الطير) ٧ والى (أنا اتيك به قبل ان يرتدّ اليك طرفُك) ٨ وأمثالها، ثم تأمل فيما كشفه البشر من مرتبة النار التي لاتحرق ومن الوسائط التي تمنع الإِحراق، وفيما اخترعه من الوسائل التي تجلب الصور والأصوات من مسافات بعيدة وتحضرها اليك قبل ان يرتد اليك طرفك، وفيما أبدعه فكر البشر من الآلات الناطقة بما تتكلم، وفي استخدامه لأنواع الطيور والحمامات وقس عليها، لترى بين هذين القسمين ملاءمة يحق بها ان يقال في هذه رموز الى تلك.

стр. 238

وكذا تأمل في خاصية المعجزة الكبرى التي هي خاصية الناطقية التي هي خاصية الانسانية وهي الأدب والبلاغة، ثم تدبر في ان أعلى ما يربِّي روح البشر وألطف ما يصفِّي وجدانه وأحسن ما يزيِّن فكره وأبسط ما يوسِع قلبه انما هو نوع من الأدبيات. ولأمر مّا ترى هذا النوع أبسط الفنون وأوسعها مجالا وأنفذها وأشدها تأثيراً وألصقها بقلوب البشر حتى كأنه سلطانها. فتأمل!.. ثم ان لهذه الآية أيضا الوجوه الثلاثة النظمية: أما نظم مآلها بسابقتها فمن وجوه أربعة: الأول: ان التنزيل لما ذكر في الآية الأولى في بيان حكمة خلقة الانسان ما هو اوّل الاجوبة وأولاها وأعمها للكل وأيسرها وأسهلها اقناعاً وأجملها اجمالا وأوجزها، بيّن بهذه الآية جوابا تفصيليا يطمئن به العوام والخواص. والثاني: انه لما صرح في تلك بمسألة الخلافة للبشر برهن بهذه على تلك الدعوى بمعجزة ذلك النوع في مقابلة الملائكة. والثالث: انه لما أشار بتلك الى ترجح البشر على الملَك رمز بهذه الى لِميّة الرجحان. والرابع: انه لما لوّح بها الى مظهرية هذا النوع للخلافة الكبرى في الأرض لمح بهذه احتجاجا عليها الى ان الانسان هو النسخة الجامعة والمظهر الاتمّ لكل التجليات لتنوع استعداداته وتكثر طرف استفاداته وعلمه فيحيط بالكائنات بحواسه الخمس الظاهرة والباطنة لا سيما بوجدانه الذي لا قعر له. أفلا تراه يعلم أمثال حلاوة العسل بوجهين بل بوجوه خلاف الملَك فتأمل! أما نظم الجمل بعضها مع بعض ففطريّ في غاية السلاسة: فالأولى: تحقيق لمضمون (اني أعلم ما لا تعلمون) وتفصيل لما أجمل فيها وتفسير لما أبهم.. وكذا ان خلافة الله تعالى في أرضه لإجراء أحكامه وتطبيق قوانينه تتوقف على علم تام.. وكذا ان انصباب الكلام في الآية الأولى ينجر الى "فخلقه وسوّاه ونفخ فيه من روحه وربّاه ثم علّم الأسماء وأعده للخلافة". ثم لما اصطفاه على الملائكة وميّزه بعلم الأسماء في مسألة الرجحان واستحقاق الخلافة اقتضى مقام التحدِّي عرض الأشياء

стр. 239

عليهم وطلب المعارضة منهم. ثم لما أحسوا بالعجز من أنفسهم اقرّوا بحكمته تعالى واطمأنوا. ولهذا قال: (ثم عرضهم على الملئكة فقال انبؤني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين) . "قالوا" أي متبرئين مما دسّه في استفسارهم انانيةُ ابليس (سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم) ١ ثم لما ظهر عجزهم لعدم جامعية استعدادهم اقتضى المقام بيان اقتدار آدم حتى يتم التحدِّي فقال: (يا آدم أنبئهم باسمائهم) ثم لما امتثل وظهر سر الحكمة فيه اقتضى المقام استحضار الجواب الاجمالي السابق وجعله كالنتيجة لهذا التفصيل فقال: (ألم أقل لكم اني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) واعلم! انه قد تشفّ وتحسّ صورة المقاولة عن تولّد انانية ابليس فيما بين الملائكة وتشعر بتداخل اعتراض طائفة بين استفسارهم. أما نظم هيئات جملة جملة: فجملة (وعلم آدم الأسماء كلها) أي صوّره بفطرة تضمنت مبادئ أنواع الكمالات، وخلقه باستعداد زرع فيه أنواع المعالي، وجهزه بالحواس العشر وبوجدان تتمثل فيه الموجودات، واعدّه بهذه الثلاث لتعلّم حقائق الأشياء بأنواعها، ثم علّمه الأسماء كلها. الواو فيها اشارة الى الجمل المطوية تحت إيجازه كما مر. و (علم) فيه اشارة الى تنويه العلم ورفعة درجته وانه هو المحور للخلافة.. وكذا رمز الى أن الأسماء توقيفية. ويؤيده وجود المناسبة المرجحة للوضع - في الأغلب - بين الأسماء والمسميات.. وكذا ايماء الى ان المعجزة فعل الله بلا واسطة خلافاً للفلاسفة الذين يقولون ان الخوارق أفعال للأرواح الخارقة. و (آدم) أي الشخص الأرضي الذي أراد الله تعالى خلافته وسماه آدم فالتصريح بالعلم لتنويهه وتشهيره واحضاره بصورته.. و (الأسماء) سمات الأشياء من الصفات والخواص والأسماء، أو اللغات

стр. 240

التي اقتسمها بنو آدم. وفيه ايماء بدليل (عرضهم) الى ان الاسم عين المسمى ١ كما عليه أهل السنة و (كلها) تنصيص على منشأ التميز ومدار الاعجاز.. وجملة (ثم عرضهم على الملئكة فقال انبؤني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين) فـ (ثم) اشارة بسر التراخي واقتضاء المقام الى "وقال هو أكرم منكم وأحق بالخلافة". واما (عرضهم) أي اظهر أنواع الأشياء مبسوطة للبيع لانظارهم كعرض المتاع على المشتري وعرض الصفوف على الأمير ففيه اشارة الى ان الموجودات مال للمُدْرِك يشتريها بالعلم، ويأخذها بالاسم، ويتملكها بتمثل الصورة. وأما "هم" الدال على الذكور العقلاء فسر ما فيه من التغليبين والمجاز ما يرمز اليه لفظ العرض ٢. اذ يتخيل من ارساله صور طوائف الموجودات مارة صفاً صفاً على الأنظار - كونها قبائل من العقلاء يجيئون اليهم. واما (على) فايماء الى ان ما يعرض عليهم هي الصور المرتسمة في اللوح الأعلى.

стр. 241

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي كلمة ثناء الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق محمد وعلى آله وصحبه اجمعين. وبعد فقد كان رائدنا العظيم الاستاذ المناضل العلامة "بديع الزمان النورسي" منذ ان تفتحت امام عينيه آفاق شاسعة من دنيا العلم والعرفان وخاض عباب الكتاب العزيز يتطلع دائما (كما كتبه الاستاذ في افادة المرام) الى انتهاض لجنة مؤلفة من كبار العلماء المتخصصين، كل في ناحية من نواحي العلم، تقوم تلك اللجنة بدراسات طويلة في شتى نواحي الكتاب الكريم حتى يتحصل ويتولد من محهوداتهم الكثيرة ودراساتهم الطويلة تفسيرٌ جامع للقرآن المبين، يستجيب لحاجات القرن العشرين، واستمر لديه ذلك التطلع والترقب الى بداية زمن الحرب العالمية الاولى. فلما انفلقت قنبلة الحرب بين شعبنا التركي وبين الشعب الروسي أيسَ الاستاذ من تحقق ذلك الامل بعض الاياس فاضطر ان يكتب ما يلوح له من اشارات اعجاز القرآن. فأخذ يقيد ويصنف ويرتب ما يسنح له في شرح آي الذكر الحكيم. فجاء منه هذا القسم من التفسير، وهو رغم انه وليد فكرٍ واحد الا انه فريد في بابه لم ينسج للآن على منواله اي تفسير لانه يستجلي ويكشف الاعجاز المكنون في نظم الكتاب المجيد بطريقة عجيبة مخترعة لم نرها ولم نصادفها فيما عثرنا عليه من مشهور التفاسير المتداولة كتفسير "ابي السعود" و"الفخر الرازي" و"البيضاوي" وتفسير الاستاذ المرحوم "الشيح طنطاوي جوهري" الذي افاض واسهب فيه وبين كثيرا من العلوم المختلفة التي تشير اليها الايات الكونية. وان كنت في ريب مما نقول فردّد الطرف اولا في تحليله المنوط بآية (ومن الناس من يقول امنا بالله وباليوم الاخر وما هم بمؤمنين) او المنوط بآية (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) الخ او بآية (ومما رزقناهم ينفقون)

стр. 242

او بأي آية اخرى من الايات المشروحة في ذلك التفسير وبعد ذلك طالع في عين هاتيك الآيات السالفة الذكر سائر التفاسير، ثم ليتكلم ضميرُك الحر المطلق من قيد التعصب. خلاصة القول: ان في عباراته عذوبة وحلاوة وطلاوة بديعة وتدقيقاً خارقاً جداً في تحليل آي الوحي المنزّل. انه بين جهة مناسبة الآيات بعضها ببعض، وتناسب الجمل وتناسقها، وكيفية تجاوب هيآت الجمل وحروفها حول المعني لمراد معتمداً في ذلك على أدق قواعد علم البلاغة وعلى اصول النحو والصرف وقوانين المنطق ودسابير علم اصول الدين وسائر ما له علاقة بذلك من مختلف العلوم. حتى انه ليبحث عن اخفى مناسبات البلاغة الذي لا يكشف عادة بالمجهر المعنوي المركز في الدماغ البشري. واعجب من الكل انه وجد ذلك التدقيق البالغ والبحث العميق حينما كان ينصب ويتقاطر على المؤلف من جهاته الاربع شابيب رصاص بنادق الجيوش السوفيتية، فكان الاستاذ يناضل ويطلق بندقيته في صدور الاعداء من جهة ويضع في مصنع دماغه قنبلة اعجاز القرآن الذرية ليحطم بها بنيان الكفر والضلال من جهة اخرى فيا سبحان الله من ذكاء الهي خارق، مجهز ببطولة عجيبة وثبات قلب زائد. ان ذلك الوقت العصيب والموقف الرهيب لم يُدهش المؤلف ولم يُذهِل فكره الثاقب عن الجولان في مناحي اعجاز القرآن المبين. وها نحن تلامذة رسائل النور يسرنا ان نضع هذا الكتاب بين يدي الانسانيين من البشر ليدرس دراسة مجردة عن الاغراض بعيدة عن الاهواء والتعصب الذميم. ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد. والله أسأل ان ينفع به الناس ويهديهم سواء السبيل. الشيخ صدر الدين يوكسل البدليسي ١٣٧٨هـ