المسألة السابعة:
اعلم! ان كتب السير والتاريخ قد ذكرت كثيراً من معجزاته المحسوسة، والخوارق الظاهرة المشهورة عند الجمهور، وقد فسرها المحققون. فلأن تعليم المعلوم ضائع، اَحَلْنا التفصيلَ على كتبهم فلنجمل بذكر الأنواع:
فاعلم! ان الخوارق الظاهرة وان كان كل فرد منها آحاديا غير متواتر لكن الجنس وكثيراً من الأنواع متواتر بالمعنى. ثم ان انواعها ثلاثة:
الأول: الارهاصات المتنوعة كانطفاء نار المجوس، ويبوسة بحر ساوة، وانشقاق ايوان كسرى، وبشارات الهواتف. حتى كأنه يتخيل للانسان ان العصر الذي ولد فيه النبيّ ﵊ صار حسّاساً ذا كرامةٍ فبشّر بقدومه بالحسّ قبل الوقوع.
النوع الثاني: الاخبارات الغيبية الكثيرة من فتح كنوز كسرى وقيصر، وغلبة الروم، وفتح مكة، وأمثالها. كأن روحه المجرّد الطيّار مزّق قيد الزمان المعيّن والمكان المشخّص، فجال في جوانب المستقبل فقال لنا كما شاهد.
النوع الثالث: الخوارق الحسيَّة التي أظهرها وقت التحدِّي والدعوى. كتكلم الحجر، وحركة الشجر وشق القمر، وخروج الماء. وقد قال الزمخشري: بلغ هذا النوع إلى الف. وأصناف من هذا النوع متواترة بالمعنى حتى ان (وانْشَقَّ الْقَمَرُ) لم يتصرف في معناه من أنكر القرآن الكريم أيضاً.
стр. 177
فإن قلت: مثل انشقاق القمر لابد أن يشتهر في العالم ويتعارف.
قيل لك: فلإختلاف المطالع، ووجود السحاب، وعدم الترصد للسماء كما في هذا الزمان، ولكونه في وقت الغفلة، ولوجوده في الليل، ولكون الانشقاق آنياً.. لايلزم ان يراه كل الناس أو أكثرهم. على انه قد ثبت في الروايات انه قد رآه كثير من القوافل الذين كان مطلعهم ذلك المطلع.
ثم أن رئيس هذه المعجزات هو القرآن المبين المبرهن اعجازه بجهات سبع أُشير اليها في هذه الآية.
واذ تفهمت هذه المسائل فاستمع لما يتلى عليك من نظم الآىة بوجوهها الثلاثة؛ من نظم المجموع بما قبله، ونظم الجمل بعضها مع بعض، ونظم هيئات وقيود جملة جملة.
أما النظم الأول فمن وجهين:
الأول: انه لما قال (يا ايها الناس) لإثبات التوحيد - على تفسير ابن عباس - اثبت بهذه نبّوة محمد ﵊ الذي هو من اظهر دلائل التوحيد. ثم ان اثبات النبوّة بالمعجزات. وأعظم المعجزات هو القرآن. وادقّ وجوه اعجاز القرآن ما في بلاغة نظمه. ثم انه اتفق الاسلام على ان القرآن معجِز.. الاّ ان المحققين اختلفوا في طرق الاعجاز، لكن لاتزاحم بين تلك الطرق، بل كلٌ اختار جهةً من جهاته. فعند بعض اعجازه: اخباره بالغيوب.. وعند بعض: جمعه للحقائق والعلوم.. وعند بعض: سلامته من التخالف والتناقض.. وعند بعض: غرابة اسلوبه وبديعيته في مقاطع ومبادئ الآيات والسور.. وعند بعض: ظهوره من امّي لم يقرأ ولم يكتب.. وعند بعض: بلوغ بلاغة نظمه الى درجة خارجة عن طوق البشر. وكذا وكذا.. الخ.
ثم اعلم! ان معرفة هذا النوع من الاعجاز تفصيلا انما تحصل بمطالعة أمثال هذا التفسير، واجمالاً يُعْرف بثلاث طرق. (كما حققها عبد القاهر الجرجاني شيخ البلاغة والزمخشري والسكاكي والجاحظ 1.)
стр. 178
الطريق الأول: هو ان قوم العرب كانوا بدويين امّيين ولهم محيط عجيب يناسبهم.. وقد انتبهوا بالانقلابات العظيمة في العالم.. وكان ديوانهم الشعر وعلمهم البلاغة، ومفاخرتهم بالفصاحة في أمثال سوق عكاظ.. وكانوا أذكى الأقوام.. وكانوا أحوج الناس لجولان الذهن اذاً.. ولقد كان لأذهانهم فصل الربيع، فطلع عليهم القرآن الكريم بحشمة بلاغته فمحا وبهر تماثيل بلاغتهم وهي "المعلقات السبعة" المكتوبة بذوب الذهب على جدار الكعبة. مع ان اولئك الفصحاء البلغاء - الذين هم أمراء البلاغة وحكام الفصاحة - ما عارضوا القرآن وما حاروا ببنت شفة، مع شدة تحدِّي النبيّ ﵇ لهم، ولومه لهم، وتقريعه اياهم، وتسفيهه لأحلامهم، وتحريكه لاعصابهم في زمان طويل، وترذيله لهم مع ان من بلغائهم من يحكّ بيافوخه ١ كتف السماء، ومنهم من يناطح السِّماكَيْن ٢ بكبره فلولا انهم ارادوا وجربوا أنفسهم فأحسوا بالعجز، لما سكتوا عن المعارضة البتة؛ فعجزهم دليل اعجاز القرآن.
والطريق الثاني: هو ان اهل العلم والتدقيق واهل التنقيد الذين يعرفون خواص الكلام ومزاياه ولطائفه تأملوا في القرآن سورةً سورةً، وعشراً عشراً، وآيةً آيةً، وكلمةً كلمةً؛ فشهدوا بانه جامع لمزايا ولطائف وحقائق لاتجتمع في كلام بشر. فهؤلاء الشهداء الوف الوف. والذي يدل على صدق شهادتهم هو ان القرآن أوقع في العالم الانساني تحوّلاً عظيما، واسس ديانة واسعة، وادام على وجه الزمان ما اشتمل عليه من العلوم. فكلما شاب الزمانُ شبّ، وكلما تكرر حلا. فاذاً (ان هو الا وحي يوحى) ٣.
والطريق الثالث: ٤ كما حققه الجاحظ: هو ان الفصحاء والبلغاء مع شدة احتياجهم الى إبطال دعوى النبيّ ﵇، ومع شدة حقدهم وعنادهم له تركوا المعارضة بالحروف الطريقَ الأسلمَ والأقربَ والأسهلَ، والتجأوا الى المقارعة بالسيوف الطريقِ الأصعبِ الأطولِ المشكوكة العاقبة الكثيرة المخاطر؛ وهم بدرجة من الذكاء
стр. 179
السياسي، لا يمكن ان يخفى عليهم التفاوت بين هذين الطريقين. فمن ترك الطريق الأول لو امكن - مع انه أشد إبطالا لدعواه - واختار طريقاً أوقع مالَه وروحَه في المهالك فهو إما سفيه، وهو بعيد ممن ساسوا العالم بعد ان اهتدوا.. وإما انه أحس من نفسه العجز عن السلوك في الطريق الأول فاضطر للطريق الثاني.
فان قلت: يمكن ان تكون المعارضة ممكنة؟
قيل لك: لو امكنتْ لطمع فيها ناسٌ لتحريك أعصابهم لها. ولو طمعوا لفعلوا لشدة احتياجهم. ولو عارضوا لتظاهرت للرغبة وكثرة الأسباب للظهور. ولو تظاهرت لوجد من يلتزمها ويدافع عنها ويقول: انه قد عورض لا سيما في ذلك الزمان. ولو كان لها ملتزمون ومدافعون ولو بالتعصب لاشتهرت لانها مسألة مهمة. ولو اشتهرت لنقلتها التواريخ كما نقلت هذيانات مسيلمة بقوله: (الفيل ما الفيل وماادراك ما الفيل صاحب ذَنَب قصير وخُرْطوم طويل) .
فان قلت: مسيلمة كان من الفصحاء فكيف صار كلامه مَسْخرة وأضحوكة بين الناس؟
قيل لك: لأنه قوبل بما فاقه بدرجات كثيرة. ألا ترى ان شخصا ولو كان حسناً اذا قوبل بيوسف ﵇ لصار قبيحاً ولو كان مليحا. فثبت ان المعارضة لايمكن؛ فالقرآن معجز.
فان قلت: للمرتابين كثير من الاعتراضات والشكوك على تراكيب القرآن وكلماته مثل (إن هذان) ١ و (الصابئون) ٢ و (الذي استوقد ناراً) وامثالها من الاعتراضات النحوية؟
قيل لك: عليك بخاتمة مفتاح السكاكي فانه ألقمهم الحجر بـ"أفلا يتفطنون ان من كرر كلامه في زمان مديد مع انه فصيح بالاتفاق كيف لايحس بالغلطات التي تظهر لنظر هؤلاء الحمقاء"؟.
стр. 180
أما الوجه الثاني:
لنظم الآية فاعلم! ان الآية السابقة لما امرت بالعبادة استفسر ذهنُ السامع بـ "على أية كيفية نعبد"؟ فكأنه أجاب: كما علمكم القرآن! فعاد سائلا: كيف نعرف انه كلام الله تعالى؟ فأجاب بقوله: (وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا..) الخ.
أما نظم الجمل بعضها مع بعض فهو:
ان جملة (وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) قد وقعت في موقعها المناسب؛ اذ لما أمر القرآن بالعبادة كأنه سُئل: كيف نعرف انه امر الله حتى يجب الامتثال؟ فقيل له: ان ارتبتَ فجرِّب نفسك لتتيقن انه امر الله..
ومن وجوه النظم ايضا ان القرآن لما اثنى على نفسه بجملة (ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين) ثم استتبع مدحه مدح المؤمنين، ثم استطرد مدح المؤمنين ذم الكافرين والمنافقين، ثم استعقب الأمر بالعبادة والتوحيد.. عاد القرآن الى الأول بالنظر الى (لاريب فيه) أي: أما القرآن فليس قابلا للشك والريب؛ فما ريوبكم الاّ من مرض قلوبكم وسقامة طبعكم. كما:
قَدْ يُنْكَرُ ضَوْءُ الشَّمْسِ مِنْ رَمَدٍ وَيُنْفَرُ طَعْمُ اْلماءِ مِنْ سَقَمٍ
وأما نظم (فأتوا بسورة من مثله) فاعلم! ان هذه جزاء الشرط، وجزاء الشرط يلزم ان يكون لازماً لفعل الشرط. ولما كان الأمر تعجيزيا استلزم تقدير "تشبثوا". ولما كان الأمر انشاء والانشاء لايصير لازما، يلزم اَن يكون لازم الأمر جزاء. وهو الوجوب الذي هو من أصول معاني الأمر، ثم وجوب التشبث أيضاً لايظهر لزومه للريب فاقتضى تقدير جمل مطوية تحت ايجاز الآية. فالتقدير "ان كنتم في ريب انه كلام الله يجب عليكم ان تتعلموا اعجازه، فان المعجز لايكون كلام البشر ومحمّد ﵇ بشر، وان أردتم ظهور اعجازه فجرِّبوا أنفسكم ليظهر عجزكم، فيجب عليكم التشبث باتيان سورة من مثله".
فلله در التنزيل ما أوجزَه وما أعجزه!.
وأما نظم (وادعوا شهداءَكم من دون الله) فبثلاثة اوجه:
стр. 181
أحدها: انهم يقولون عجزنا لا يدل على عجز البشر.. فافحمهم بقوله: (وادعوا شهداءكم) أي كبراءكم ورؤساءكم.
والثاني: انهم يزعمون: انّا لو عارضنا فمن يلتزمنا ويدافع عنا؟ فألقمهم الحجر بانه ما من مسلك الاّ وله متعصبون ولو عارضتم لظهر لكم شهداء يذبّون عنكم.
والثالث: ان القرآن كأنه يقول: لما استشهد النبيُّ ﵇ الله تعالى صدّقه الله وشَهِد له بوضع سكة الاعجاز على دعواه. فان كان في آلهتكم وشهدائكم فائدة لكم فادعوهم. وما هذا الا نهاية التهكم بهم.
وأما نظم (فان لم تفعلوا) فظاهر، اذ التقدير "فان جربتم فانظروا فان لم تقدروا ظهر عجزكم ولم تفعلوا".
وأما نظم (ولن تفعلوا) فكأنه لما قال لم تفعلوا.. قيل من جانبهم: عدم فعلنا فيما مضى لايدل على عجز البشر فيما سيأتي. فقال: ولن تفعلوا، فرمز الى الاعجاز بثلاثة اوجه.
احدها: الاخبار بالغيب وكان كما اخبر. ألا ترى ان الملايين من الكتب العربية مع التمايل الى تقليد اسلوب التنزيل وكثرة المعاندين لو فتشتها؛ لم يوافقه شئ منها. كأن نوعه منحصر في شخصه. فأما هو تحت الكل وهو باطل بالاتفاق. فما هو الا فوق الكل.
والوجه الثاني: ان القطع والجزم بعدم فعلهم مع التقريع عليهم وتحريك أعصابهم في هذا المقام المشكل وفي هذه الدعوى العظيمة علامة صادقة على انه واثق امين مطمئن بماله ومقاله.
والوجه الثالث: ان القرآن كأنه يقول: اذا كنتم امراء الفصاحة وأشد الناس احتياجاً اليها ولم تقتدروا لم يقتدر عليه البشر. وكذا فيه اشارة الى ان نتيجة القرآن التي هي الاسلامية كما لم يقتدر على نظيرها الزمان الماضي؛ كذا يعجز عن مثلها الزمان المستقبل.
стр. 182
وأما نظم (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة) فاعلم! ان تعقيب "ان لم تفعلوا" بـ"فاتقوا" يقتضي في ذوق البلاغة تقديراً هكذا: ان لم تفعلوا ولن.. ظهر انه معجز، فهو كلام الله، فوجب عليكم الايمان به وامتثال أوامره ... ومن الأوامر يا ايها الناس اعبدوا لتتقوا النار فاتقوا النار. فاوجز فاعجز.
وأما نظم (التي وقودها الناس والحجارة) فاعلم! ان المقصد من (فاتقوا) هو الترهيب، ومعنى الترهيب انما يؤكد بالتهويل والتشديد فهوّله بـ (وقودها الناس) اذ النار التي حطبها كان انسانا أخوف وأدهش.. ثم شدده بعطف الحجارة؛ اذ ما تحرق الحجرَ أشد تأثيراً.. ثم أشار الى الزجر عن عبادة الأصنام: أي لو لم تتمثلوا أمر الله، وعبدتم أحجاراً لدخلتم ناراً تأكل العُبّاد ومعبوداتهم.
وأما نظم (اعدت للكافرين) فهو انها توضيح وتقرير لزوم جزاء الشرط لفعله: أي هذه المصيبة ليست كالطوفان وسائر المصائب التي لاتصيب الظالمين خاصة بل تعم الأبرار والأخيار؛ فانما هذه تختص بالجانين يجرّها الكفرُ لاسبيل للنجاة الا امتثال القرآن.
ثم اعلم! ان (اُعدّت) اشارة الى ان جهنم مخلوقة موجودة الآن لا كما زعمت المعتزلة.. ثم ان مما يدلك ويفيد حدسا لك على أبدية جهنم انك اذا تفكرت في العالم بنظر الحكمة ترى النار مخلوقة عظيمة مستولية غالبة، كأنها عنصر أساس في العلويات والسفليات. وتفهمت وجود رأس عظيم وثمرة عجيبة تدلت الى الأبد. ألا ترى ان من رأى عرقا ممتداً تفطن لوجود بطيخ مثلا في رأسه؛ وكذلك من رأى الخلقة النارية تفطن لإِنتهائها الى حنظلة جهنم. وكذا من رأى النعم والمحاسن واللذائذ يحدس بأن مصبها ومخلصها وروضها الجنة.
فان قلت: اذا كانت جهنم موجودة الآن فاين موضعها؟
قيل لك: نحن معاشر أهل السنة والجماعة نعتقد وجودها الآن لكن لا نعيّن موضعها.
فان قلت: ان ظواهر الأحاديث تدل على انها تحت الأرض. وفي حديث: ان نارها أشد وأحرّ من نار الدنيا بمائتي دفعة. وان الشمس أيضا تدخل في جهنم؟
стр. 183
قيل لك: ان تحت الأرض عبارة عن مركزها، اذ تحت الكرة مركزها. وقد ثبت في نظريات الحكمة ان في مركزها ناراً بالغة في الشدة الى مقدار مائتي الف درجة. اذ كلما تحفر الأرض ثلاثة وثلاثين ذراعا بذراع التجار تتزايد تقريبا درجة حرارة. فإلى المركز تصير تقريبا مائتي الف درجة. فهذا النظريّ مطابق لمآل الحديث الذي يقول انها أشد من نار الدنيا بمائتي درجة. وأيضاً في الحديث ان قسماً من تلك النار زمهرير تحرق ببرودتها ١. وهذا الحديث مطابق لهذا النظري؛ اذ النار المركزية مشتملة على المراتب النارية كلها الى السطح. وقد تقرر في الحكمة الطبيعية ان للنار مرتبة تجذب دفعةً حرارة مجاورها فتحرقه بالبرودة وتصير الماء جَمَداً.
فان قلت: ما في جوف الأرض ومظروفها صغير فكيف تسع جهنم التي تسع السموات والارض؟
قيل لك: نعم باعتبار المِلك والمطويتية وان كانت مظروفة للأرض لكن بالنظر الى العالم الأُخروي بالغة في العظمة الى درجة تسع الُوفا من أمثال هذه الأرض. بل ان عالم الشهادة كحجاب مانعٍ لارتباط تلك النار بسائر أغصانها. فما في جوف الأرض الاّ مركزها وسرّها أو قلب عفريتها. وأيضاً لا تستلزم التحتية اتصالها بالأرض، اذ شجرةُ الخلقةِ اثمرتْ أغصانُها الشمسَ والقمرَ والنجومَ وأرضَنا وأرضينَ أخرى. فما تحت الثمرة يشمل ما بينَ الأغصان اين كان. فمُلك الله تعالى واسع، وشجرة الخلقة منتشرة فأينَ سافرتْ جهنمُ لا تُرَدُّ. وفي حديثٍ (اِنَّ جَهَنَّمَ مَطْوِيَّةٌ) فيمكن ان تكون بيضة لأرضنا الطيارة متى يمتزق حجاب الملك ينفتق تلك البيضة وتتظاهر هي كاشرةً أسنانَها لأهلِ العصيان. ويحتمل ان ماشبط ٢ أهل الاعتزال وأوقعهم في الغلط بعدم وجودها الآن انما هو هذه المطويتية.
стр. 184
وأما نظم هيئاتِ وقيودِ جملة جملة:
فاعلم! ان جملة (وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) الواو فيها بناء على المناسبة بين المتعاطفين تومئ الى: تقدير "كما علّمكم القرآن".. وايراد (اِنْ) الترددية في موضع "اذا" التي هي للقطع مع ان ريبهم مجزوم به اشارة الى انه لأجل ظهور أسباب زوال الريب شأنه ان يكون مشكوك الوجود بل من المحال يفرض فرضا. ثم ان الشك في (إنْ) بالنظر الى الاسلوب لا بالقياس الى المتكلم تعالى.. وايراد (كنتم في ريب) بدل ارتبتم مع انه اقصر اشارة الى ان منشأ الريب طبعهم المريض وكونهم. وظرفية الريب لهم مع انه مظروف لقلبهم ايماء الى ان ظلمة الريب انتشرت من القلب فاستولت على القالب، فاظلم عليه الطرق.. وتنكير (ريب) للتعميم أي: أيّ نوع من أنواع الريب ترتابونه فالجواب واحد وهو: ان هذا معجز وحق. فتخطئتكم بالنظر السطحيّ خطأ فلا يلزم لكل ريب جواب خاص. ألا ترى ان من رأى رأس عين وذاقه عذبا فراتا لا يحتاج الى ذوق كل جدول وفرع قد تشعب منه.. و"من" في (مما نزلنا) ايماء الى تقدير لفظ "في شئ مما" ولفظ (نزلنا) اشارة الى ان منشأ شبهتهم هو صفة النزول. فالجواب القاطع اثبات النزول فقط. وايثار (نزّلنا) الدال على النزول تدريجا على "انزلنا" الدال عليه دفعة اشارة الى ان ما يتحججون به قولهم: لولا انزل عليه دفعة. بل على مقتضى الواقعات تدريجاً نوبة نوبة نجماً نجماً سورة سورة.. وايثار العبد على "النبي" و "محمد" اشارة الى تعظيم النبي، وايماء الى علو وصف العبادة، وتأكيد لأمر "اعبدوا" ورمز الى دفع أوهامٍ بان النبيّ ﵇ أعبد الناس وأكثرهم تلاوة للقرآن الكريم. فتفكر!.
وان جملة (فأتوا بسورة من مثله) الأمر في (فأتوا) للتعجيز، وفيه التحدِّي والتقريع والدعوة الى المعارضة والتجربة ليظهر عجزهم.. ولفظ (بسورة) اشارة الى نهاية افحام، وشدة تبكيت، وغاية إلزام؛ إذ:
أول طبقات التحدِّي هو:
ان يقال: فأتوا بمثل تمام القرآن بحقائقه وعلومه واخباراته الغيبية مع نظمه العالي من شخص امّي!
стр. 185
وثانيتها: ان يقال:
ان لم تفعلوا كذا فأتوا بها مفتريات لكن بنظم بليغ مثله.
وثالثتها: ان يقال:
ان لم تفعلوا هكذا ايضاً فأتوا بمقدار عشر سور.
ورابعتها:
انه ان لم تقتدروا عليه أيضاً فلا أقلّ من أن تأتوا بقدر سورة طويلة.
وخامستها:
انه ان لم يتسير لكم هذا أيضاً فأتوا بمقدار سورة مطلقا ولو أقصر كـ انا اعطيناك من شخص اميّ مثله.
وسادستها:
انه ان لم يمكنكم الإِتيان من اميّ فأتوا من عالم ماهر وكاتب حاذق.
وسابعتها:
انه ان تعسر عليكم هذا أيضاً فليعاون بعضكم بعضا على الإتيان.
وثامنتها:
انه ان لم تفعلوا فاستعينوا بكافة الإِنس والجن واستمدوا من مجموع نتائج تلاحق افكارهم من آدم الى قيام الساعة، ونتائج افكارهم هي مابين ايديكم من هؤلاء الكتب على الاسلوب العربي مع شوق التقليد وعناد المعارضة؛ ففضلاً عن أهل التحقيق لو تصفحها مَنْ له ادنى مسكة ولو جاهل لقال: ليس فيها مثله، فإما هو تحت الكل وهو باطل بالاتفاق واما فوق الكل وهو المطلوب كما مر آنفاً. نعم، لم يعارض في ثلاثة عشر عصراً هكذا مرّ الزمان، وهكذا يمرّ الى يوم القيامة.
وتاسعتها:
ان يقال لا تتحججوا بان ليس لنا شهداء وانتم لا تشهدون لنا. ألا فادعوا شهداءَكم والمتعصبين لكم فليراجعوا وجدانهم هل يتجاسرون على تصديق دعواكم المعارضة.
стр. 186
واذا تفهمت هذه الطبقات فانظر الى القرآن كيف أعجز بان أوجز فأشار الى هذه المراتب، فألقمهم الحجر وأرخى لهم العنان. ثم اعلم ان عجز البشر عن معارضة أقصر سورة اِنِيّتُهُ بديهية. واما لمِيَّتُهُ فقيل هي: ان الله تعالى صرف القوى عن المعارضة. والمذهب الأصح في اللِّمِيَّة ما عليه عبد القاهر الجرجاني والزمخشري والسكاكي. وهو: ان قدرة البشر لا تصل الى درجة نظمه العالي. ثم ان السكاكي اختار ان الاعجاز ذوقي لايعبر عنه ولايشرح بل يذاق ذوقا. وأما صاحب دلائل الاعجاز فاختار انه يمكن التعبير عنه. ونحن على مذهبه في هذا البيان.
وايثار (سورة) على نجم أو طائفة أو نوبة اشارة الى الزامهم في منشأ شبهتهم وهي: لولا انزل عليه دفعة واحدة؟ أي فهاتوا انتم ولو بنوبة فذة.. وأيضاً ايماء الى تضمن تسوير التنزيل سورة سورة لفوائد جمة بيّنها الزمخشري، والى تضمن هذا الاسلوب الغريب للطائف.. ولفظ (من مثله) فيه معنيان أي بمثل المنزَل، أو من مثل المنزل عليه. اعلم! ان حق العبارة على الأول "مثل سورة منه" لكن عدل الى (من مثله) للايماء الى ملاحظة الاحتمال الثاني، أي انما تكون معارضتكم مبطلة لدعواه لو جاءت من مثله في عدم التعلم.. وكذا اشارة الى ان المعارضة انما تبطل الاعجاز لو كان المعارض به من مجموع مثل.. وكذا رمز الى توجيه الاذهان الى امثال القرآن في النزول من الكتب السماوية ليوازن ذهن السامع بينها فيتفطن لعلوه.
وان جملة (وادعوا شهداءكم من دون الله) ايثار "ادعوا" فيها على "استعينوا" او "استمدوا" ايماء الى ان من يلبيهم ويذبّ عنهم لايفقدهم بل حاضر لا يحتاجون الا الى ندائه.. ولفظ "شهداء" جامع لثلاثة معان: اي كبراءكم في الفصاحة.. ومن يشهد لكم.. وآلهتكم. فنظراً الى الأول إلزام لهم، يقطع تحججهم بان عدم قدرتنا لايدل على عدم قدرة كبرائنا. ونظراً إلى الثاني افحام لهم، يقطع تعللهم بأن ليس لنا شهداء بانه لا مسلك الاّ له ذابون وشهداء. ونظراً الى الثالث تبكيت لهم وتهكم بهم بان الآلهة التي ترجون منها النفع ودفع الضر كيف لاتعينكم في هذا الأمر الذي يهمّكم؟.. واضافة "شهداء" الى "كم" المفيدة للاختصاص تقوي عضد المعنى الأول: بان الكبراء حاضرون معكم، وبينكم اختصاص لو اقتدروا لعاونوكم البتة. وتصل جناح المعنى الثاني بانا نقبل شهادة من يلتزمكم ويتعصب لكم فانهم أيضا لا
стр. 187
يتجاسرون على الشهادة على بديهيّ البطلان. وتأخذ بساعد المعنى الثالث مع التقريع بأن الآلهة التي اتخذتموها معبودات كيف لاتمدكم.. ولفظ (من دون الله) نظراً الى الأول اشارة الى التعميم أي كل فصيح في الدنيا ما خلا الله تعالى. وكذا الى ان اعجازه ليس الاّ لأنه من الله.. ونظراً الى الثاني اشارة الى عجزهم ومبهوتيتهم بقولهم: "الله شاهد، الله عليم انا نقتدر". لأن ديدن العاجز المحجوج الحلف بالله والاستشهاد به على ما لا يقتدر على الاستدلال عليه.. ونظرا الى الثالث اشارة الى ان معارضتهم مع النبيّ ﵊ ليست الا مقابلة الشرك بالتوحيد والجمادات بخالق الأرض والسموات.
وان جملة (ان كنتم صادقين) اشارة الى قولهم: لو شئنا لقلنا مثل هذا.. وكذا تعريض بانكم لستم من أهل الصدق الا ان يفرض فرضا، بل من أهل السفسطة، ما وقعتم في الريب من طريق طلب الحق بل طلبتم فوقعتم فيه.. ثم ان جزاء هذا الشرط محصل ما قبله أي فافعلوا.
أما جملة (فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار) الى آخره. فاعلم! ان (ان كنتم صادقين) احتجاج القرآن عليهم بقياس استثنائي استثنى نقيض التالي لانتاج نقيض المقدم.
تلخيصه: ان كنتم صادقين تفعلوا المعارضة وتأتوا بسورةٍ لكن ما تفعلون ولن تفعلوا، فانتج فلم تكونوا صادقين فكان خصمكم وهو النبيّ ﵇ صادقا فالقرآن معجز، فوجب عليكم الايمان به لتتقوا من العذاب ... انظر كيف اوجز التنزيل فاعجز. ثم انه ذكر موضع استثناء نقيض التالي وهو "لكن ماتفعلون" لفظ (ان لم تفعلوا) مشيراً بتشكيك "ان" الى مجاراة ظنهم، وبالشرطية الى استلزام نقيض التالي لنقيض المقدم. ثم ذكر موضع النتيجة وهي نقيض المقدم أعني فلم تكونوا صادقين علة لازم لازم لازمها وهي قوله (فاتقوا النار) لتهويل الترهيب والتهديد ١.
стр. 188
أما (ان لم تفعلوا) الماضي بالنظر إلى "لم" والمستقبل بالقياس إلى "ان" فلتوجيه الذهن إلى ماضيهم كأنه يقول لهم: "أنظروا إلى خطبكم المزيّنة ومعلقاتكم المذهّبة أتساويه أو تدانيه أو تقع قريبا منه؟ ".
وإيثار (تفعلوا) على "تأتوا" لنكتتين:
احداهما: الايماء الى ان منشأ الاعجاز عجزُهم ومنشأ العجز الفعل لا الأثر.
والثانية: الايجاز، اذ "فعل" كما انه في الصرف ميزان الأفعال وجنسها؛ كذلك في الأساليب مصدر الأعمال وملخص القصص كأنه ضمير الجمل كناية عنها.
أما (ولن تفعلوا) فاعلم! ان التأكيد والتأبيد في (لن) ايماء الى القطعية وهي اشارة الى ان القائل مطمئن جدّي، لاريب له في الحكم. وهذا رمز الى ان لا حيلة.. أما (فاتقوا) بدل "تجنبوا" فللايماء الى ما ناب عنه الجزاء من آمنوا واتقوا الشرك الذي هو سبب دخول النار.. أما تعريف (النار) فللعهد أي النار التي عهدت واستقرت في أذهان البشر بالتسامع عن الأنبياء من آدم الى الآن.. وأما توصيفها بـ (التي) الموصولة مع ان من شأنها ان تكون معلومة اوّلاً، فلأجل نزول (ناراً وقودها الناس والحجارة) ١ قبل هذه الآية فالمخاطبون قد سمعوا تلك، فالموصولية في موقعها.. وأما وقودها الناس والحجارة فالغرض كما مر آنفاً الترهيب، والترهيب يؤكد بالتهويل والتشديد فهوّل بلفظ "الناس" كما قرع به، وشدد "بالحجارة" كما وبخ بها. أي ماترجون منه النفع والنجاة وهو الاصنام يصير آلة لتعذيبكم.
واما جملة (اعدت للكافرين) فاعلم! ان الموضع موضع "اعدت لكم" لكن القرآن يذكر الفذلكة والقاعدة الكلية في الأغلب في آخر الآيات ليشير الى كبرى دليل الحكم؛ اذ اصل الكلام: "اعدت لكم ان كفرتم لأنها اعدّت للكافرين". فلهذا اقيم المظهر مقام المضمر.. وأما ماضية (اعدّت) فاشارة كما مر الى وجود جهنم الآن.
стр. 189
وَبَشِّر الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ اَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الانْهَارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذاَ الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَاُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها اَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ ٢٥
فاعلم! ان نظم هذه الآية كأخواتها بثلاثة وجوه: نظم المجموع بما قبله، والجمل بعضها مع بعض، والهيئات.
أما الأول: فاعلم! ان لمآلها ارتباطات متفاوتة مع الآيات السابقة، وخطوطا ممتدة بالاختلاف الى الجمل السالفة. ألا ترى ان القرآن الكريم لما أثنى في رأس السورة على نفسه وعلى المؤمنين بالايمان والعمل الصالح كيف أشار بهذه الآية الى نتيجة الايمان وثمرة العمل الصالح.. وكذا لما ذم الكفار وشنع على المنافقين وبين طريقهم المنجر الى الشقاوة الأبدية لوّح بهذه الآية الى نور السعادة الأبدية، فأراهم ليزيدوا حسرة على حسرة بفوات هذه النعمة العظمى.. ثم لما كلف بـ (يا ايها الناس اعبدوا) - مع ان في التكليف مشقة وكلفة وترك اللذائذ العاجلة - فتح لهم ابواب الآجلة؛ فاراهم بهذه الآية تطمينا لنفوسهم وتأمينا لهم.. ثم لما اثبت التوحيد - الذي هو أول اركان الايمان الذي هو أساس التكليف - صرح في هذه الآية بثمرة التوحيد وعنوان الرحمة وديباجة الرضاء بإراءة الجنة والسعادة الأبدية.. ثم لما أثبت النبوّة - ثانية أركان الايمان - بالاعجاز بقوله (وان كنتم في ريب) ..الخ، أشار بهذه مع المطوي قبلها الى وظيفة النبوّة ومكلفية النبيّ وهي: الإِنذار والتبشير بلسان القرآن.. ثم لما اوعد وأرهب وانذر في سابقتها القريبة وعد ورغب وبشّر بهذه الآية بسر ان التضاد مناسبة.. وأيضاً ان الذي يُطيع ١ النفسَ، ويديم الاطاعة ويصيّر الوجدان مطيعا لحكم العقل؛ تهييجُ حسّ الخوف وحسّ الشوق معا بجمع الترغيب والترهيب؛ اذ حكم العقل وامره موقّت فلابد من وجود محرك آمر دائميّ في الوجدان.. وكذا لما أشار بالسابقة الى احد شقي الآخرة كمل بهذه الآية الشق الآخر وهو منبع السعادة الابدية.. وكذا لما لوح هناك بالنار الى جهنم صرح هنا بالجنة.
стр. 190
ثم اعلم! ان الجنة وجهنم ثمرتان تدلّتا الى الابد من شجرة الخلقة، ونتيجتان لسلسلة الكائنات، ومخزنان لانصباب الكائنات، وحوضان للكائنات الجارية الى الأبد. نعم! تتمخض الكائنات وتختلط بحركة عنيفة فتتظاهر الجنة وجهنم فتمتلئان.
وايضاحه: هو ان الله ﷻ لما اراد ان يبدع عالماً للابتلاء والامتحان لحكم كثيرة تدقّ عن العقول، واراد تغيير ذلك العالم وتحوّله لحِكَم؛ مزج الشر بالخير وادرج الضر في النفع، وادمج القبح في الحسن؛ فوصلها بجهنم وأمدها بها. وساق المحاسن والكمالات تتجلى في الجنة. وأيضاً لما اراد تجربة البشر ومسابقتهم، وأراد وجود اختلافات وتغيرات فيهم في دار الابتلاء خلط الأشرار بالأبرار. ثم لما انقضى وقت التجربة وتعلقت الارادة بأبديتهم جعل الأشرار مظهر خطاب (وَامْتَازُوا اْليَوْمَ اَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) ١. وصير الأبرار مظهر تلطيفِ وتشريف (فَادْخُلُوهَا خَالِدينَ) ٢ ولما امتاز النوعان تصفّت الكائنات فانسلّت مادة الضر والشر عن عنصر النفع والخير والكمال فاختارت جانبا.
والحاصل: انه لو امعن النظر في الكائنات صودف فيها عنصران أساسان وعرقان ممتدان اذا تحصلا وتأبدا صارا جنة وجهنم.
مقدمة
هذه الآية مع ما قبلها اشارة الى القيامة والحشر، فمدار النظر في هذه المسألة أربع نقط:
إحداها: إمكان خراب العالم وموته..
والثانية: وقوعه..
والثالثة: التعمير والإِحياء..
والرابعة: وقوعه..
أما امكان موت الكائنات:
стр. 191
فاعلم! ان الشئ الداخل تحت قانون التكامل ففيه نشوء ونماء.. فله عمر طبيعيّ.. فله أجَلٌ فطريّ؛ لايخلص من حكم الموت؛ بدليل استقراء أكثر أفراد الأنواع. فكما ان الانسان عالم صغير لا خلاص له من الخرابية؛ كذلك العالم انسان كبير لامناص له من الموت البتة. وكما ان الشجر نسخة من الكائنات يعقبها التخريب والانحلال؛ كذلك سلسلة الكائنات من شجرة الخلقة لامناص لها من يد التخريب للتعمير. ولئن لم يَعرضْ عاصفةٌ او مرض خارجيّ بالارادة الأزلية قبل العمر الفطريّ، ولم يخرّبها صانُعها قبلَه لَيَجئُ بالضرورة وعلى كل حال حتى بالحساب الفنّي يومٌ يتحقق فيه (اِذا الشّمْسُ كُوِّرَتْ _ واذا النجوم انكدرت) ١. و (اذا السماء انشقت) ٢. فيتظاهر في الفضاء سكرات الانسان الكبير بخرخرة ٣ عجيبة وصوت هائل.
أما وقوعه:
فباجماع كل الاديان السماوية، وبشهادة كل فطرة سليمة، وباشارة تغيّر وتبدّلِ وتحوّلِ الكائنات. وان شئت ان تتصور سكرات العالم وخرخرته فاعلم! ان الكائنات قد ارتبطت بنظام علويّ دقيق، واستمسكت بروابط عجيبة فاذا صار جسم من الاجرام العلوية مظهر خطاب "كُن" او "اُخْرُج عَنْ مِحْوركَ" ترى العالم يشرع في السكرات، وترى النجوم تتصادم، وتتلاطم الاجرام فترعد وتصيح في الفضاء الغير المتناهي، ويضرب بعض وجه بعض، وترمي بشرر كأرضنا هذه بل أكبر. فكيف انت بخرخرة موتٍ صوتُها محصَّلُ ملايين مَرامي مدافع رصاصتُها الصغرى أكبر من الأرض؟.. فبهذا الموت تتمخض الخِلقة وتتميز الكائنات فتمتاز جهنم بعشيرتها ومادتها، وتتجلى الجنة جامعة لطائفتها مستمدة من عناصرها.
- فان قلت: لِمَ كانت الكائنات مغيَّرة موقّتة تخرب ثم تصير يوم القيامة مؤبدة محكمة ثابتة؟
قيل لك: ان الحكمة والعناية الازليتين لما اقتضتا التجربة والابتلاء، والنشوء والنماء في الاستعدادات، وظهور القابليات، وظهورالحقائق النسبية التي تصير في الآخرة
стр. 192
حقائق حقيقية، ووجود مراتب نسبية، وحكم كثيرة لاتدركها العقول؛ جعل الصانع ﷻ الطبائعَ مختلطةً، والمضارّ ممزوجة بالمنافع، والشرور متداخلة بين الخير، والمقابح مجتمعة مع المحاسن، فخمّرت يدُ القدرة الاضداد تخميراً فصيرت الكائنات تابعة لقانون التبدل والتغير والتحول والتكامل. فلما انسد ميدان الامتحان وانقضى وقت الابتلاء وجاء وقت الحصاد؛ أراد الصانع ﷻ بعنايته تصفية الاضداد المختلطة للتأبيد، وتمييز أسباب التغير، وتفريق مواد الاختلاف؛ فتحصل جهنم بجسم محكم مظهراً لخطاب (وامتازوا) وتجلى الجنة بجسم مؤبد مشيد مع أساساتها.. بسر ان المناسبة شرط الانتظام، والنظام سبب الدوام. ثم انه تعالى اعطى بقدرته الكاملة لساكني هاتين الدارين الأبديتين وجوداً مشيداً لاسبيل للانحلال والتغير اليه، على ان التغير هنا المنجر الى الانقراض انما هو بتفاوت النسبة بين التركيب وما يتحلل. وأما هناك فلاستقرار النسبة يجوز التغير بلا انجرار الى الانحلال.
وأما النقطة الثالثة والرابعة: أعني امكان التعمير والحشر ووقوعه:
فاعلم! ان التوحيد والنبّوة لما لم يصح اثباتهما بالدليل النقليّ فقط للزوم الدور ١ أشار القرآن الى الدلائل العقلية عليهما. أما الحشر فيجوز اثباته بالعقل والنقل:
أما العقليّ فراجع الى ما بيّنا بقدر الطاقة في تفسير (وبالآخرة هم يوقنون) حاصله: ان النظام والرحمة والنعمة انما تكون نظاماً ورحمة ونعمة ان جاء الحشر..
واما النقليّ فقول كل الانسان مع حكم القرآن المعجز بوقوعه. وأما النقليّ مع الرمز للعقليّ فراجع هذا الموضع من تفسير فخر الدين الرازي ٢ فانه عدّد الآيات المثبتة للحشر.
والحاصل: انه ما من متأمل في نظائرِ وأشباهِ وأمثالِ الحشر في كثير من الانواع الاّ ويتحدس من تفاريق الامارات الى وجود الحشر الجسماني والسعادة الأبدية.
стр. 193
أما نظم جملها بعض مع بعض، فاعلم! ان السلك الذي نُظم فيه جواهر جمل هذه الآية وسلسلتها هي: ان السعادة الأبدية قسمان:
الأول اْلَاولى: رضاء الله تعالى وتلطيفه وتجلّيه وقربيته.
والثاني: السعادة الجسمانية وهي بالمسكن والمأكل والمنكح ومتممها ومكملها جميعاً هو الدوام والخلود.
ثم ان أقسام الاول مستغنية عن التفصيل أو غير قابلة. ١
وأما أقسام الثاني: فالمسكن، ألطفه ما يجري الماء بين نباتاته. ألا ترى ان ملهم الشعر ومفيض العشق في القلوب انما هو خشخشة ٢ الماء وخريره وكشكشة ٣ الانهار وصفيرها تحت القصور وبين البساتين..
والمأكل الرزق ولأنه تفكه يكون كمال لذته فيما حصل به الأُلفة والانسية، ولأنه تفكه يكون كمال لذته في التجدد من جهة؛ اذ بحكم المألوفية يُعرف درجة علوّ النعمة وتفوقها على نظيرها. وكذا من مكملات اللذة ان يُعرف انه جزاء عمله.. ومنها ان يكون منبعه ومخزنه حاضراً نصب العين لتحصل لذة الاطمئنان..
وأما المنكح، فاعلم! ان من اشدّ حاجات الانسان وجود قلب مقابلا لقلبه لمداولة المحبة ومبادلة العشق والمؤانسة والتشارك في اللذة، بل التعاون في أمثال الحيرة والتفكر. ألا ترى ان من رأى ما يتحير فيه أو يتفكر في أمر عجيب يدعو ولو ذهنا من يعينه في تحمل الحيرة. ثم انّ ألطف القلوب وأشفقها واحرّها قلب القسم الثاني. ثم ان متمم الامتزاج الروحيّ ومكمّل الاستيناس القلبيّ، ومصفى الاختلاط الصوريّ كون القسم الثاني مبرأة ومطهرة من الأخلاق السيئة والعوارض المنفرة.
فإن قلت: ان الأكل لبقاء الشخص؛ اذ به يحصل تعمير ما يتحلل، وان النكاح لبقاء النوع مع ان الأشخاص في الآخرة مؤبّدون لا يقع فيهم التحويل والانحلال وكذا لاتناسل في الآخرة؟
стр. 194
قيل لك: ان فوائد الأكل والنكاح ليست منحصرة في البقاء والتناسل بل فيهما لذة عظيمة في هذا العالم الألميّ. وكيف لايكون فيهما في عالم السعادة واللذة لذات عالية منزهة؟
فان قلت: ان اللذة هنا دفع الألم؟
قيل لك: ان دفع الالم سبب من أسباب اللذة.. وأيضاً قياس العالم الأبديّ على هذا العالم قياس مع الفارق، بل ان النسبة بين حديقة "خُورْخُورْ" ١ هذه وتلك الجنة العالية هي النسبة بين لذائذ الآخرة ونظائرها في هذا العالم. فكما تفوق تلك الجنة على الحديقة بدرجات غير محصورة؛ كذلك هذه.. والى هذا التفاوت العظيم اشار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بقوله: "ليس في الجنة الا اسماءها" ٢ أي ثمرات الدنيا.
أما الخلود ودوام اللذة، فاعلم! ان اللذة انما تكون لذة حقيقية ِان لم ينغّصها الزوالُ؛ اذ كما ان دفعَ الالم لذةٌ أو سببٌ لها، كذلك زوال اللذة ألم بل تصوّرُ زوالِ اللذةِ ألمٌ أيضاً. حتى ان مجموع اشعار العشاق المجازيين انما هي انين ونياح من هذا الألم. وان ديوان كل عاشق غير حقيقي انما هو بكاء وعويل من هذا الألم الناشئ من تصور زوال المحبوب.. نعم، ان كثيراً من اللذائذ الموقّتة اذا زالت اثمرت آلاما مستمرة كلما تذكرها ٣ يفور مِن فيه: "ايواه! " واأسفا! المترجمَيْنِ عن هذا الألم الروحانيّ. وان كثيراً من الآلام اذا انقضت اولدت لذّات مستمرة كلما تذكرها الشخص وهو قد نجا يتكلم بـ"الحمد لله" الملوِّح لنعمة معنوية.
أجل! ان الانسان مخلوق للأبد فانما تحصل له اللذة الحقيقية في الأمور الأبدية كالمعرفة الالهية والمحبة والكمال والعلم وأمثالها.
والحاصل: ان اللذة والنعمة انما تكونان لذة ونعمة ان كانتا خالدتين.
واذا رأيت هذا السلك فانظم فيه جمل الآية.
стр. 195
أما جملة (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فاعلم! انه تعالى لما كلف الناس، وأثبت النبوّة، وكلف النبيّ بالتبليغ أمره بالتبشير تأميناً لامتثال التكليف الذي فيه مشقة وترك للّذائذ الدنيوية. فكما انه مأمور بالانذار؛ كذلك مأمور بالتبشير برضاء الله تعالى وتلطيفه وقربيته وبالسعادة الأبدية.
وأما جملة (ان لهم جنات تجري) فاعلم! كما مر ان اوّل حاجات الانسان الضرورية - لأنه جسم - المكان والمسكن؛ وان أحسن المكان هو المشتمل على النباتات والأشجار، وان الطفه هو الذي يتسلل بين خضراواته الماء، وان اكمله هو الذي تجري بين أشجاره وتحت قصوره الأنهار بكثرة. فلهذا قال (تجري من تحتها الأنهار) .. ثم ان اشد الحاجات كما سمعت آنفاً بعد المكان واكمل اللذائذ الجسمانية هو الاكل والشرب اللذين يشير اليهما الجنة والنهر.. ثم ان اكمل الرزق هو ان يكون مألوفاً ومأنوساً ليعرف درجة تفوقه على نظيره.. وألذّ الفاكهة ان تكون متجددة.. وان اصفى اللذة هو أن يكون المقتطَف معلوماً وقريباً.. وان ألذّها ان يعرف انها ثمرة عمله. فلهذا قال: (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل) أي في الدنيا أو قبل هذا الآن.
وأما (وأتوا به متشابها) فاعلم! ان في الحديث: ان صورتها واحدة والطعم مختلف ١. فتشير الآية الى لذة التجدد في الفاكهة.. وان كمال اللذة ان يكون الشخص مخدوما يؤتى اليه. وأما جملة (ولهم فيها أزواج مطهرة) فاعلم! كما رأيت في السلك ان الانسان محتاج لرفيقة وقرينة يسكن اليها وينظر بعينها وتنظر بعينه ويستفيد من المحبة التي هي ألطف لمعات الرحمة. ألا ترى ان الأنسية التامة هنا بهن؟ وأما جملة (وهم فيها خالدون) فاعلم! ان الانسان اذا صادف نعمة او اصاب لذة فأول ما يتبادر لذهنه: أتدوم أم تُنَغَّص بزوال؟ فلهذا أشار الى تكميل النعمة بخلود الجنة ودوامهم وازواجهم فيها ودوام اللذائذ واستمرار الاستفادة بقوله: (وهم فيها خالدون) .
стр. 196
أما نظم هيئات جملة جملة:
فجملة (وبشّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات) الواو فيها - بسر المناسبة بين المتعاطفين - اشارة الى "انذر" الذي يتقطر من أنف السابقة.. وأما "بشّر" فرمز الى ان الجنة بفضله تعالى لا واجب عليه.. وكذا الى ان لابد ان لا يكون العمل لأجل الجنة.. وأما صورة الأمر في "بشّر" فايماء الى "بلّغ مبشراً" فانه مكلَّف بالتبليغ..
واما (الذين آمنوا) بدل "المؤمنين" الأقصر فتلويح الى "الذين" الذي مرّ في رأس السورة ليكون تفصيله هناك مبيِّنا لما اجمل هنا.. واما ايراد "آمنوا وعملوا" على صيغة الماضي هنا، مع ايراد "يؤمنون" و "ينفقون" هناك بصيغة المضارع فللإشارة الى ان مقام المدح والتشويق على الخدمة شأنه المضارع. وأما مقام المكافأة والجزاء فالمناسب الماضي، اذ الاجرة بعد الخدمة..
وأما واو (وعملوا) فاشارة بسر المغايرة الى ان العمل ليس داخلا في الايمان كما قالت المعتزلة. والى ان الايمان بغير عمل لا يكفي. ولفظ العمل رمز الى ان ما يبشر به كالاجرة..
أما (الصالحات) فمبهمة ومجملة. قال "شيخ محمد عبده المصريّ" ١ الاطلاق هنا حوالة على الاشتهار وتعارف الصالحات بين الناس. أقول: وكذا اطلقت اعتماداً على رأس السورة.
وأما جملة (ان لهم جنات تجري من تحتها الأنهار) فاعلم! ان هيئاتها - من تحقيق "انّ" وتخصيص "اللام" وتقديم "لهم" وجمع "الجنة" وتنكيرها وذكر الجريان وذكر "من" مع "تحت" وتخصيص "نهر" ٢ وتعريفه - تتعاون وتتجاوب على امداد الغرض الاساسيّ الذي هو السرور ولذة المكافأة كالأرض النشفة الرطبة ترشح بجوانبها الحوض المركزيّ. لأن (انّ) اشارة الى ان البشارة بما هو في هذه
стр. 197
الدرجة من العظمة يتردد فيها العقل فتحتاج الى التأكيد.. وأيضاً من شأن مقام السرور طرد الأوهام؛ اذ طَرَيان ادنى وهم يكسر الخيال ويطير السرور.. وكذا ايماء الى ان هذا ليس وعداً صرفا بل حقيقة من الحقائق. ولام (لهم) اشارة الى الاختصاص والتملك والاستحقاق الفضليّ لتكميل اللذة وزيادة السرور. والاّ فكثيراً ما يضيف مَلِكٌ مسكيناً.. وتقديم (لهم) اشارة الى اختصاصهم بين الناس بالجنة، اذ ملاحظة حال أهل النار سبب لظهور قيمة لذة الجنة.. وجمع (جنّات) اشارة الى تعدد الجنان وتنوع مراتبها على نسبة تنوع مراتب الأعمال.. وكذا رمز الى ان كل جزء من الجنة جنة.. وكذا ايماء الى ان ما يصيب حصة كل - لوسعته - كأنه كالجنة بتمامها لا كأنه يساق بجماعتهم الى موضع.. وتنكير (جنّات) يتلو على ذهن السامع: "فيها ما لا عين رأت، ولا اذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" ١. وكذا يحيل على أذهان السامعين حتى يتصورها كلٌ على الطرز الذي يستحسنه.. وكذا كأن التنوين بدل (وفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الَانْفُسُ) ٢. وأما (تجري) فاعلم! ان أحسن الرياض ما فيها ماء. ثم أحسنها ما يسيل ماؤها. ثم أحسنها ما استمر السيلان. فبلفظ (تجري) أشار الى تصوير دوام الجريان.. واما (من تحتها) فاعلم! ان أحسن الماء الجاري في الخضراوات ان ينبع صافيا من تلك الروضة، ويمر مُتَخَرْخِراً تحت قصورها، ويسيل منتشراً بين أشجارها فاشار بـ (من تحتها) الى هذه الثلاثة.. وأما (الأنهار) فاعلم! ان أحسن الماء الجاري في الجنان ان يكون كثيراً. ثم أحسنه ان تتلاحق الأمثال من جداوله. فان بتناظر الأمثال يتزايد الحسن على قيمة الأجزاء. ثم أحسنه ان يكون الماء عذباً فراتا لذيذاً كما قال (ماءٍ غَيْر آسِنٍ) ٣ فبلفظ "نهر" وجمعه وتعريفه أشار الى هذه.
أما جملة (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل) فاعلم! ان هيئاتها تتضمن كثيرة من الجمل الضمنية. فاستينافها جواب لسؤال مقدر.
стр. 198
وذلك السؤال ممزوج من ثمانية اسئلة متسلسلة؛ اذ لما بشروا بمسكن هكذا عال يتبادر لذهن السامع: أفيه رزق أم لا؟ واذا كان فيه رزق فمن اين يجئ ويحصل؟ واذا حصل من تلك الجنة فمن أي شئ منها؟ واذا كان من ثمرتها فهل هي تشبه ثمار الدنيا؟ واذا شابهتها فهل يشبه بعضها بعضا؟ واذا تشابهت فهل تختلف طعومها؟ واذا اختلفت وقد قطعت فهل تنقص ام يمتلء موضعها؟ واذا تبدلت بأخرى فهل يدوم الأكل منها؟ واذا دام فما حال الآكلين أفلا يستبشرون؟ واذا استبشروا فماذا يقولون؟ واذ تفطنت لهذه الأسئلة فانظر كيف أجاب القرآن الكريم عن هذه الأسئلة المتسلسلة بهيئات هذه الجملة..
أما لفظ كلما فاشارة الى الدوام والتحقيق.. وماضوية رزقوا اشارة الى تحقيق الوقوع.. وكذا ايماء الى
أما لفظ (كلما) فاشارة الى الدوام والتحقيق.. وماضوية (رزقوا) اشارة الى تحقيق الوقوع.. وكذا ايماء الى اخطار نظيره من رزق الدنيا الى ذهنهم.. وايراده على بناء المفعول اشارة الى عدم المشقة وانهم مخدومون يؤتى اليهم.. وايثار (منها من ثمرة) على "من ثمراتها" للتنصيص على جوابين عن سؤالين من الأسئلة المذكورة. وتنكير (ثمرة) المفيد للتعميم اشارة الى انه أية ثمرة كانت فهي رزق.. وتنكير (رزقا) اشارة الى انه ليس من الرزق الذي تعلمونه لدفع الجوع.. ولفظ (قالوا) أي يتقاولون بعضهم لبعض ايماء الى الاستبشار والاستغراب اللازمين للحكم.
أما جملة (هذا الذي رزقنا من قبل) فاعلم! ان هذا الاطلاق يتضمن أربعة معان:
أحدها: ان هذا ما رزقنا من العمل الصالح في الدنيا فبشدة الارتباط بين العمل والجزاء كأن العمل تجسم في الآخرة ثواباً. ومن هنا الاستبشار.
والثاني: ان هذا ما رزقنا من الأطعمة في الدنيا مع هذا التفاوت العظيم بين طعميهما. ومن هنا الاستغراب.
والثالث: ان هذا مثل ما أكلنا قبل هذا الآن مع اتحاد الصورة واختلاف المعنى لجمع لذّتَي الالفة والتجدد. ومن هنا الابتهاج.
والرابع: ان هذه التي على أغصان الشجرة هي التي أكلناها اذ ينبت بدلها دفعة فكأنها اياها. ومن هنا يعرف انها لا تنقص.
стр. 199
وأما جملة (وأتوا به متشابها) فاعلم! انها فذلكة وتذييل واعتراضية لتصديق الحكم السابق وتعليله.. وبناء المفعول في (اُتوا) اشارة الى ان لهم خَدَمَة.. وفي متشابها ما عرفت من الاشارة الى جمع اللذتين:
وأما جملة (ولهم فيها أزواج مطهرة) فاعلم! ان الواو بسر المناسبة العطفية اشارة الى انهم كما يحتاجون الى المسكن لأجسامهم يفتقرون الى السكن لأرواحهم.. (ولهم) اشارة الى الاختصاص والتملك، ورمز الى التخصيص والحصر، وايماء الى ان لهم غير النساء الدنيوية حوراً عيناً خلقن لأجلهم.. و (فيها) اشارة الى ان تلك الأزواج لائقة بتلك الجنة فعلى نسبة علوّ درجاتها يفوق حسنهن.. وكذا فيها ايماء خفي الى أن الجنة تزينت وتبرجت بهن ١.. و (مطهرة) اشارة الى أن مطهِّراً طهرهن، فما ظنك بمن طهّرهُن ونزههن يد القدرة؟.. وكذا ايماء بالتعدية ان نساء الدنيا يطهرن ويصفين فيصرن حساناً كالحور العين المتطهرات في أنفسهن.
وأما جملة (وهم فيها خالدون) فاشارة الى انهم، وكذا أزواجهم، وكذا لذائذ الجنة، وكذا الجنة كافةً؛ أبدية.
***
стр. 200
اِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيي اَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
فَاَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ اَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهمْ وَاَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ
ماذَا اَرَادَ الله بِهذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ اِلَاّ الْفَاسِقِينَ
٢٦ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ الله مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما اَمَرَ الله بِهِ اَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الاْرْضِ اُولئِك هُمُ الْخاسِرُونَ ٢٧
اعلم! ان في هذه الآية أيضاً الوجوه الثلاثة النظمية وان مآل المجموع ينظر الى سوابقه والى لواحقه والى مجموع القرآن الكريم.
وأما نظمها بالنظر الىلواحقها فاعلم! ان القرآن لما مثّل بالذباب والعنكبوت وبحث عن النمل والنحل انتهز الفرصةَ - للاعتراض- اليهودُ واَهلُ النفاق والشركِ فتحمقوا وقالوا: أيتنزل الله تعالى مع عظمته الى البحث عن هذه الأمور الخسيسة التي يستحي من بحثها أهل الكمال؟ فضرب القرآن بهذه الآية ضرباً على أفواههم.
وأما نظمها بالقياس الى سوابقها، فاعلم! أن القرآن لما أثبت النبوّة بالإعجاز والإعجاز بالتحدِّي والتحدِّي بسكوتهم.. وكذلك أثبت في رأس السورة ان القرآن مشتمل على صفات عالية ومزايا كاملة لا تجتمع في كلام؛ سكتوا في نقطة التحدي حتى لم ينبض لهم عرق عصبية لكن اعترضوا وغالطوا في نقطة كماله وقالوا ان التمثيل في امثال (كمثل الذي استوقد ناراً) و (كصِّيب من السماء) من الأمور العادية سبب لنزالة درجة الكلام فيشبه المحاورة العادية بين الناس؛ فالقرآن ألقمهم حجراً وأفحمهم بهذه الآية.
وايضاحه: ان لهم شبهات واهية منشؤها أوهام متسلسلة مبناها مغالطات:
احداها: القياس مع الفارق ومنشؤه انهم ينظرون الى كل شئ بمرآة مألوفهم. فحينما يرون الانسان ذهنه جزئي وفكره جزئي ولسانه جزئي وسمعه جزئي؛ لا يتعلق
стр. 201
كلٌ بأمرين معا بالذات، ويعرفون أن مقياس الهمة موضوع المشغلة والاهتمام، ويرون ان القيمة والعظمة بنسبة الهمة حتى انهم لا يسندون أمراً حقيراً نزيلاً الى شخص عال جليل؛ ظناً منهم انه لايتنزل للاشتغال بمثله ولايسع ذلك الأمر الحقير همته العظيمة، ينظرون بهذا النظر المشط الى الواجب تعالى ويقولون: كيف يتنزل بعظمته وجلاله للتكلم مع البشر بمثل محاورة الانسان وللبحث عن هذه الأمور الجزئية لاسيما هذه الأشياء المحقّرة؟ أفلا يعقل هؤلاء السفهاء ان ارادة الله تعالى وعلمه وقدرته كلية عمومية شاملة محيطة وليس مقياس عظمته تعالى الاّ مجموع آثاره، وما ميزان تجليه الاّ كافة كلماته التي لو كان البحر مداداً لها مانفدت. مثلاً (ولله المثل الأعلى) اذا القت الشمس - بعد فرض كونها مختارة عاقلة - ضياءها على ذرّة ملوّثة، أيُقال لها كيف تنزلت بعظمتها للاشتغال والاهتمام بمثل هذه الذرة؟
نعم! ان الله تعالى كما خلق العالم واتقنه صنعاً واهتم به؛ كذلك خلق الجوهرَ الفردَ وأتقن صنعه. ففي نظر القدرة الجواهر الفردة كالنجوم السيارة، لأن قدرته تعالى وعلمه وارادته وكلامه لازمة للذات، وذاتية، فليست متجددة ولا قابلة للزيادة والنقصان ولا متغيرة حتى يتداخل فيها المراتب؛ اذ العجز ضدٌ لها لا يمكن تداخله بينها. فلا فرق بين الذرة والشمس. اذ الممكنُ بتساوي طرفَيه كالميزان ذي الكفتين، لا فرق في صرف القوة التي ترفع كفة وتضع أخرى بين ان يكون في الكفتين شمسان أو ذرتان، وهكذا نسبة المقدورات بالنسبة الى القدرة الذاتية اللازمة. وأما بالنسبة الى قوة الممكنات العارضة المتغيرة المتداخل بينها العجز فلا موازنة.
والحاصل: ان الذرات والأمور الخسيسة لما كانت مخلوقة له تعالى كانت معلومة له بالضرورة، فلا مُشاحّة بالبداهة أن يبحث عنها. وعلى هذا السر قال (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) ١ فكيف لا يبحث عنها ولا يتكلم بها مَنْ عَلِم وهو العزيز الحكيم.
وثانية المغالطات: هي انهم يزعمون انهم يرون في اسلوب القرآن خلف المتكلم تمثال انسان، بدليل البحث عن هذه الأشياء الحقيرة والأمور العادية كأسلوب محاورة البشر. أفلا يتذكر هؤلاء المتجاهلون ان الكلام كما ينظر الى متكلمه بجهة؛ كذلك
стр. 202
ينظر الى المخاطب به بجهات، على ما تقتضيه البلاغة للتطبيق على مقتضى حال المخاطب. فلما كان المخاطب بشراً وكان البحث عن أحواله والمقصد تفهيمه، لبس القرآن اسلوبَ البشر الممزوج بحسيّاته المسمى بـ"التنزّلات الالهية الى عقول البشر" للتأنيس.. ألا تراك اذا حاورت مع صبيّ تتصبّى له؟
فان قلت: ان حقارة الأشياء وخساستها تنافي عظمة القدرة ونزاهة الكلام؟
قيل لك: ان الحقارة والخساسة والقبح وأمثالها انما هي بالنظر الى مُلك الأشياء وجهتها الناظرة الينا وبالنظر الى نظرنا السطحيّ. وقد وُضعت الأسباب الظاهرية للتوسط في هذه الجهة لتنزيه العظمة. وأما بالنظر الى ملكوتية الأشياء فكلها شفّافة عالية. وهذه الجهة هي محل تعلق القدرة، لايخرج من التعلق شئ؛ فكما اقتضت العظمة وضع الأسباب في الظاهر كذلك تستلزم الوحدة والعزة شمول القدرة لكلٍ واحاطة الكلام به؛ على ان القرآن المكتوب على ذرّة بالجواهر الفردة ليس بأقل جزالةً من القرآن المكتوب على صحيفة السماء بمداد النجوم، وان خلقة الذباب ليست بأدنى صنعا من خلقة الفيل. فالكلام كالقدرة.
فان قلت: الى أيّ شئ تعود الحقارة الظاهرية في هذه التمثيلات؟
قيل لك: انما تعود الى الممثَّل له دون الممثِّل، فكلما كانت مطابقته للممثَّل له أحسن، كانت درجة الكلام أعلى ونظام البلاغة أرفع. ألا ترى ان السلطان اذا أعطى راعيه ما يليق به من اللباس وألقى الى الكلب ما يشتهيه من العظم.. الخ. لايقال انه فعل بدعة، بل يقال انه أحسن بوضع كل شئ في موضعه. فاذاً كلما كان الممثل حقيراً كان مثاله حقيراً، وان كان عظيماً فعظيماً. ولما كانت الأصنام أدنى الامور سلط الله الذباب على رؤوسها. ولما كانت عبادتها أهون الأشياء جعل الله تعالى نسج العنكبوت عنوانها.
وثالثة المغالطات: انهم يقولون ما الحاجة الى امثال هذه التمثيلات المومئة الى العجز عن اظهار الحقيقة؟.
الجواب: لما كان المقصد من انزال التنزيل ارشاد الجمهور، والجمهور عوام، والعوام لايرون الحقائق المحضة والمجردات الصرفة عراة عن متخيلاتهم ـ ألبس الله تعالى بلطفه واحسانه الحقائق لباس مألوفاتهم لتحسن الُفتهم كما عرفت في سرّ المتشابهات.
стр. 203
أما نظم الجمل بعض مع بعض، فاعلم! أن (ان الله لا يستحيي ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها) ردٌّ وطرد لاعتراضات متسلسلة. كأنهم يقولون أية حكمة في مكالمة الله تعالى مع البشر، وعتابه عليهم، والتشكِّي منهم؛ فانها علامة ان للانسان أيضاً تصرفاً آخر في العالم؛ لاسيما كالمحاورة الجارية بين الناس فانها علامة انه كلام البشر.. ولاسيما يتراءى من خلف الكلام تمثال انسان.. ولاسيما بتصويرات وتمثيلات فانها علامة العجز عن اظهار الحقيقة.. ولاسيما اذا كانت التمثيلات عادية فانها علامة انحصار ذهن المتكلم.. ولا سيما بأمور حقيرة فانها علامة خفة المتكلم.. ولاسيما اذا كانت مما لا اضطرار اليه وكان تركه أولى.. ولاسيما اذا كان بعض تلك الأمور مما يستحي أهلُ العزّة عن البحث عنه.. ولاسيما اذا كان الباحث ذا العظمة والجلال.. فأجاب القرآن هدما لهذه السلسلة من المبدأ الى المنتهى بضربة واحدة فقال (ان الله لايستحيي ... ) الخ؛ لان جهة الملكوتية لا تنافي العظمة والجلال فلا يتركها ولا يهملها؛ اذ الالوهية تقتضي كذلك. فاذاً يمثَّل بالأمور المحقّرة للمعاني المحقّرة؛ اذ حكمته مع سر البلاغة هكذا تقتضي.. فاذاً يذكر التمثيلات العادية بناء على انها الموافقة للتربية والارشاد. . فاذاً يصوّر الحقائق بتمثيلات - بناء على ما تقتضيه العناية مع التنزلات الالهية.. فاذاً يختار اسلوب محاورة البشر بعض مع بعض بناء على ما تقتضيه الربوبية مع التربية.. فاذاً يتكلم مع الناس بناءً على ماتقتضيه الحكمة مع النظام.
والحاصل: ان الله تعالى لما أودع في الانسان جزءاً اختيارياً وجعله مصدراً لعالم الأفعال، أرسل كلامه لينظم ذلك العالم.
وان نظم جملة (فاما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم) هو: انه لما ذكر في الأولى المدعى، أشار بهذه الى طريق دليله. وكذا رمز وأومأ الى وجه دفع الأوهام، أي من نظر بنور الايمان ومن جانب الله تعالى ومن جهة قدرته جاعلا حكمته وعنايته وربوبيته نصب العين، علم انه حق وبلاغة. واما من نظر من جانب حضيض نفسه، ومن جهة الممكنات، فلا جرم ستهوي به الأوهام.. ومثلهما كمثل شخصين صعدا منحدراً رأيا جداول ماء. أما أحدهما فيصعد ويرى رأس العين ويذوق فيعلم ان الماء كله عذب؛ فكلما يصادف قطعة ماء من تفرعات الجداول
стр. 204
يتفطن - ولو بامارة ضعيفة - انه عذب، فلا تقدر الأوهام ولو قوية على تغليطه. وأما الآخر فيتسفل وينظر من جانب التفرعات ولا يرى منبع العين فيحتاج لمعرفة عذوبة كل قطعة ماء الى دليل قطعي. فأدنى وهمٍ يُورطه في الشبهة. أو كمثال شخصين بينهما مرآة ينظر أحدهما الى الوجه الشفّاف، والآخر الى الوجه الملوّن.
والحاصل: انه لابد في النظر الى صنعه تعالى ان ينظر اليه من جانبه تعالى مع ملاحظة عنايته وربوبيته وليس هذا النظر الا بنور الايمان ولاتكون الأوهام حينئذ - ولو قوية - إلا أوهن من بيت العنكبوت. ولو نظر اليه من جهة الممكنات بنظر المشتري وبفكره الجزئي لقويت في عينه الأوهامُ الضعيفة فيتستر عنه الحقيقةُ كما يمنع جناحُ بعوضةٍ رؤية العين لجبل الجوديّ.
وان نظم جملة: (وأما الذين كفروا..) الخ هو: انه لما ارى طريق فهم حكمة اسلوب التمثيلات - وهي النظر بنور الايمان من جانب الواجب الوجود - بيّن هنا الطريق المقابل الذي هو منشأ الأوهام والتعللات بأن ينظر من طرف نفسه بظلمة الكفر التي تصور كل شئ مظلما مع مرض القلب الذي يثقل به اخفّ وَهْم. ثم يضل طريق الحق ثم يتردد ثم يستفهم ثم ينكر. فالقرآن بالايجاز والكناية أورد - اشارةً الى استفهامهم الانكاري - قوله: (ماذا أراد الله بهذا مثلا) بدل "لايعلمون" مع انه المطابق للسابق ظاهراً.
وان نظم جملة: (يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً) هو: انها جواب عن صورة استفهامهم فلغاية الايجاز نزلت الغاية والعاقبةُ منزلة العلة الغائية كأنهم يسألون ويقولون: لأي شئ كان هكذا؟ ولِمَ لم يكن اعجازه بديهيا؟ ولِمَ لم يكن كونه كلام الله ضرورياً؟ ولِمَ صار معرض الأوهام بسبب هذه الأمثال؟ فأجاب القرآن بقوله: (يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً) أي: لأجل ان من تفكر فيه بنور الايمان ازداد نوراً. ومن تفكر بظلمة الكفر والتنقيد ازداد ظلمة.. وهذا لأجل انه نظريّ ليس بديهياً.. وهذا لأجل تفريق الأرواح الصافية العلوية عن الأرواح الكدرة السفلية.. وهذا لأجل تمييز الاستعدادات العالية بالنشوء والنماء عن الاستعدادات الخبيثة.. وهذا لأجل تمييز الفطرة الصحيحة بالتكمل والمجاهدة والاجتهاد عن الفطرة المتفسخة الفاسدة.. وهذا لأجل ان أمتحان البشر يستلزمه.. وهذا لأجل ان الابتلاء يقتضيه..
стр. 205
وهذا لأجل ان سر التكليف لتكميل البشر وسعادته يستلزمه. فأوجز التنزيل في الجواب.
ان قلت: قد قلت ان التكليف لتأمين سعادة البشر مع انه يكون سببا لوقوع الأكثر في الشقاوة، ولولاه لما صار التفاوت بهذه الدرجة؟.
قيل لك: ان الله تعالى كما كلّف الجزء الاختياريَّ بكسبه تشكيل عالم الأفعال الاختيارية؛ كذلك جعل التكليف سبب اسقاء وانبات البذور الغير المحصورة المودوعة في روح البشر. ولولاه لبقيت الحبوبات يابسة. واذا تأملت في أحوال النوع بنظر نافذ رأيت كل ترقيات الروح المعنوية، وكل تكملات الوجدان الالهية، وتكملات العقل، وترقيات الفكر المثمرة بدرجة تحير فيها العقول انما وجدت كافة بالتكليف.. وانما استيقظت ببعثة الأنبياء.. وانما تلقحت بالشرائع.. وانما ألهمت من الأديان. ولولاها لبقي الانسان حيوانا ولانعدمت هذه الكمالات الوجدانية وتلك المحاسن الاخلاقية. أما القسم القليل فقبلوا التكليف اختيارا ففازوا بالسعادة الشخصية وصاروا سببا للسعادة النوعية. وأما القسم الكثير كميةً فهم وان كفروا بقلوبهم وفيما هم فيه مختارون لكن لما لم يكن كل حال كل كافر كافراً وكل صفته كافرة يابسة كانوا بسبب ايقاظ البعثة للحسِّيات الوجدانية، وتنبيه النبوة للسجايا الاخلاقية، وبتسامع الشرائع، وتعارف آثارها بحيث قد قبلوا أنواعاً من التكليف اضطراراً.
فان قلت: سعادة القليل مع شقاوة الكثير كيف تكون مظهراً لسعادة النوع حتى تكون الشريعة رحمة، مع ان سعادة النوع انما تكون بالكل او الأكثر؟
قيل لك: اذا كان لك مائة بيضة ووضعتها تحت طير، فافرخت عشرين وأفسدت ثمانين؛ أفلا تقول قد تكمل هذا النوع؟ اذ حياة عشرين تساوي ألوف بيضةٍ. أو كان لك مائة نواة تمر فأسقيتها بالماء فصار عشرون منها نخلات باسقات وتفسخ ثمانون، أفلا تقول: الماء سعادة لهذا النوع؟ او كان لك معدن فسلطت عليه النار فأصفت خُمسه ذهبا وصيرت الباقي فحماً ورماداً، افلا تكون النار سبب كماله وسعادته؟ وقس على هذا!.. فاذاً نشوء الحسيات العالية ونموّ الأخلاق انما هو بالمجاهدة، وتكمل الأشياء انما هو بمقابلة الأضداد ومزاحمتها. ألاترى ان حكومة اذا جاهدت ينمو فيها الجسارة واذا تركت انطفأت.. تأمل!..
стр. 206
وان نظم جملة (وما يضل به الاّ الفاسقين) هو: انه لما ابهم في (يضل به كثيراَ) انتبه ذهن السامع وخاف فاستفسر قائلاً: من هم الضالون؟ وما السبب؟ وكيف تجئ الظلمة من نور القرآن؟.. فأجاب: بأنهم الفاسقون، وان الاضلال جزاء لفسقهم، وبالفسق ينقلب النور في حق الفاسق ناراً والضياء ظلمة. ألا ترى ان ضياء الشمس يعفن ما استقذرت مادته. وان وجه التوصيف بقوله (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض) هو انه شرحٌ وكشف للفسق اذ الفسق عدول عن الحق وتجاوز عن الحد وخروج من القشر الحصين. وان الفسق انما هو بالافراط أو التفريط في القوى الثلاث التي هي القوّة العقلية والغضبية والشهوية.. وان الافراط والتفريط سببان للعصيان في مقابلة الدلائل التي كالعهود الالهية في الفطرة.. وكذا وسيلتان لمرض الحياة النفسية وأشير الى هذا بالصفة الأولى.. وكذلك محرِّكان للعصيان في مقابلة الحياة الاجتماعية وتمزيق الروابط والقوانين الاجتماعية وأشير الى هذا بالصفة الثانية.. وأيضا هما سببان للفساد والاختلال المنجر الى فساد نظام الأرض وأشير الى هذا بالصفة الثالثة. نعم! ان الفاسق بتجاوز القوة العقلية عن حد الاعتدال يكسر رابطة العقائد ويمزق القشر الحصين اي الحياة الأبدية.. وبتجاوز القوة الغضبية يمزق قشر الحياة الاجتماعية.. وبتجاوز القوة البهيمية واتباع الهوى يزيل عن قلبه الشفقة الجنسية فيفسد ويورط الناس فيما تورط فيه فيكون سببا لضرر النوع وفساد نظام الأرض.
وان نظم جملة (أولئك هم الخاسرون) هو: انه لما ذكر جنايات الفاسق ورهب بها أكد التهديد بنتيجتها وجزائها ليؤثر الترهيب. فقال: هم الذين خسروا ببيع الآخرة بالدنيا واستبدال الهدى بالهوى.. ١
ولنشرع في نظم هيئات جملة جملة، فاعلم! ان الآيات وجملها وهيئاتها كأميال الساعة التي تعدّ الثواني والدقائقَ والساعاتِ، فكلما يثبت هذا شيئاً يؤيده ذاك بدرجته ويمده ذلك بنسبته، وكذا اذا اراد هذا شيئاً عاونه ذاك وساعده الآخر بحيث يُخطر الحال ما قيل:
عِبَارَاتُنا شَتّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ وَكُلٌ الى ذَاكَ الْجَمالِ يُشِيرُ
стр. 207
ولهذا السر قد بلغت سلاسة القرآن وعلوّ طبقته ودقة نقشه الى مرتبة الاعجاز.
أما هيئات جملة (ان الله لايستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها) فاعلم! ان (ان) للتحقيق وردّ التردد والانكار فهي اشارة الى الترددات المتسلسلة المذكورة.. وان لفظة "الله" لتنبيه الذهن على الخطأ في القياس المذكور.. وان ايثار (لايستحيي) على "لايترك" مع ان الحياء - وهو انقباض النفس - محال في حقه تعالى ونفى المحال لا فائدة فيه، اشارة الى ان الأسباب من الحكمة والبلاغة وغيرهما تقتضي حسن التمثيل فلا علة للترك الا الحياء، والحياء عليه تعالى محال فلا سبب للترك أصلا فألزمهم أشدّ إلزام وألطفه.. وكذا رمز بمشاكلة الصحبة الى كلمتهم الحمقاء من قولهم: "أما يستحي ربّ محمد من التمثيل بهذه المحقّرات".. وان ايثار (ان يضرب) على "من المثل الحقير" مع انه الأنسب، اشارة الى اسلوب لطيف وهو: ان التمثيل كضرب الخاتم للتصديق والاثبات، أو كضرب السكة للقيمة والاعتبار. وفي الاشارة رمز الى حسن التمثيل طرداً للأوهام، وكذا اشارة الى ان التمثيل منهاج مشهور مستحسن، لأن ضروب الأمثال من القواعد المعروفة.. وان ايثار (ان يضرب) على "ضرب" مع انه الأوجز للايماء الى أن منشأ الاعتراض ليس إلاّ الخساسة. لأن (ان يضرب) لعدم استقلاله كأنه لطيف يُمرّ القصدَ الى المفعول.. وأما "ضرب" فلاستقلاله كأنه كثيف يستوقف القصد.. وان (مثلا) ايماء الى خاصية التمثيل من تصوير المعقول بالمحسوس، والموهوم بالمحقق، والغائب بالشاهد. ومنه ايماء الى رد الوهم.. وتنكير (مثلا) رمز الى ان مدار النظر هو ذات التمثيل، وأما الصفات فمحمولة على طبيعة المقام وحال الممثَّل له.. وان التعميم في (ما) اشارة الى تعميم القاعدة لئلا يختص الجواب بما اعترضوا به فالممثَّل له أية صورة أقتضى استحسنتها البلاغة. وان تخصيص (بعوضة) اشارة الى كثرة استعمال البلغاء للتمثيل بها كقولهم "أضعف من البعوضة" ١ و"أشد عنادا من البعوضة" و "كلفتني مخ البعوضة" و "أعزّ من مخ البعوضة" ٢ و "قالت البعوضة للنخلة استمسكي انا أطير" و "الدنيا لا توزن عندالله جناج بعوضة" وقس.. وفي الاشارة رمز الى ضعف وهمهم.. وان المعنى بـ (ما فوقها) مادونها في الصغر وما
стр. 208
فوقها في قيمة البلاغة أو في الصغر أيضا فالتعبير بـ (مافوقها) اشارة الى ان الصغير اغرب بلاغة وأعجب خلقة.
واعلم! ان الهيئات كخيوط الحرير باجتماعها يظهر النقش الحسن.
وأما هيئات جملة (فأما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا) فاعلم! ان الفاء للتفريع، والتفريع اشارة الى دليل ضمني ينتج هذه الجملة ذات الشقين: أي لايترك التمثيل لأن البلاغة تقتضيه؛ فمن انصف يعرف انه بليغ وحق وكلام الله تعالى. ومن نظر بالعناد لايعلم الحكمة فيتردد.. فيسأل.. فينكر.. فيستحقر. فانتج: ان المؤمن - لأنه منصف - يصدق انه كلام الله، والكافر - لأنه معاند - يقول ما الفائدة فيه؟ وان "اما" فلانها شرطية لزومية في الوضع اشارة الى ان الخبر لازم للمبتدأ وضروريّ له، يعني من شأن المبتدأ هذا الخبر.. وان ايراد (الذين آمنوا) بدل "المؤمنين" اشارة الى التنصيص على ان الايمان هو سبب العلم بحقيته وان العلم بحقيته ايمان ١.. وان (انه الحق) بدل "انه البليغ" الأنسب بالمقام اشارة الى آخر نتيجة اعتراضهم اذ غرضهم نفى كونه كلام الله.. وان حصر "انه الحق" اشارة الى ان هذا هو المستحسن الذي لا يستقبح بخلاف ما يزعمون اذ السلامة من العيب لاتثبت الكمال.. وان (من ربهم) اشارة الى ان هدف غرضهم انكار النزول.. وان "اما" في "واما الذين كفروا" للتأكيد والتحقيق والتفصيل.. وان ايراد (الذين كفروا) بدل "الكافرين" الأوجز ايماء كما مر الى ان انكارهم يجئ من الكفر ويذهب الى الكفر.. وان ايثار (فيقولون) على "فلا يعلمون" مع انه الظاهر كما مر فلاختيار طريق الكناية للايجاز أي: من كفر لايعرف الحقيقة فينجر الى التردد.. فينجر الى الانكار.. فينجر الى الاستحقار بصورة الاستفهام.. وأيضاً في "يقولون" رمز الى أنهم كما كانوا ضالّين، كذلك كانوا مضلين بأقوالهم.
стр. 209
وأما هيئات جملة (يضل به كثيراً ويهدي به كثيراَ) فاعلم! ان الترتيب يقتضي تقديم الثانية لكن لما كان الغرض ردّ اعتراض المتردِّد المستفهِم المستنكِر المستقبح كان (يضل) أهمّ. أما العدول عن "الضلالة والهداية" المناسبتين للسؤال الى صورة الفعل المضارع فاشارة الى ان كفرهم يتكاثف ظلمة على ظلمة بنسبة تزايد النزول تجدداً؛ كما ان المؤمن يتزايد ايمانه بدرجات النزول نوراً على نور.. وكذا في الفعل - بناء على كونه جوابا - رمز الى بيان حال الفريقين وبيان السبب. وأما (كثيراً) ففي الأُولى كمية وعدداً، وفي الثانية قيمة وكيفية. نعم! ان كرام الناس كثيرون وان قلّوا. فالتعبير بالكثير في الثانية رمز الى سرّ كون القرآن رحمة للبشر ١. تأمل..
وأما جملة (وما يضل به الاّ الفاسقين) فاعلم! انه لما ذكر الكثير في الاولى دفع الوسوسة والخوف والتردد وتهمة النقص في القرآن ببيان: ان الضالين من هم؟ وان منشأ الضلالة فسقهم، وان سببها كسبهم، وان القصور منهم لا من القرآن، وان خلق الضلالة جزاء لفعلهم..
ثم اعلم! ان كل واحدة من هذه الجمل كما انها كشّافة لسابقتها؛ كذلك مفسَّرة بلاحقتها كأنها دليل للسابقة نتيجة للاحقة.
وايضاحه: ان فيها سلسلتين.
إحداها هكذا: انه لايستحي.. لأنه لايترك.. لأنه بليغ ... لأنه حق.. لأنه كلام الله.. لان المؤمن يعلمه.
والثانية هكذا: انه لايستحي كما يقول المنكر.. لأنهم يقولون يلزم تركه.. لأنهم لايعلمون حكمته.. لأنهم يقولون ما الفائدة فيه.. لأنهم ينكرونه.. لأنهم يستحقرونه.. لأنهم يقعون في الضلالة بسماعه.. لأنهم يضلهم القرآن.. لأنهم هم الذين فسقوا وخرجوا عن قشرهم.. لأنهم نقضوا عهد الله.. لأنهم مزقوا ما اتصل بأمر التكوين والتشريع.. لأنهم يفسدون النظام الالهيّ في الارض. فاذاً هم الخاسرون في الدنيا باضطراب الوجدان وبقلق القلب وبتوحش الروح، وفي الآخرة بالعذاب الأبديّ وبغضب الله، فتأمل في سلاسة السلسلتين!.. (٢)
стр. 210
وأما هيئات جملة (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به ان يوصل ويفسدون في الأرض) فاعلم! ان توصيف الفاسقين المشككين في اعجازه ونظمه بهذه الأوصاف في هذا المقام، انما هو لمناسبة لطيفة عالية. كأن القرآن يقول: ليس ببعيد من الفساق - الذين لم يروا اعجاز القدرة في نظام الكائنات التي هي القرآن الأكبر - ان يترددوا ويجهلوا اعجاز نظم القرآن؛ اذ كما يرون نظام الكائنات تصادفيا، والتحولات المثمرة عبثا اتفاقية فتستر عنهم - لفساد روحهم - حِكَمَه؛ كذلك بفطرتهم السقيمة وتهوسهم الفاسد رأوا النظم المعجز مشوشا ومقدماته عقيمة وثمراته مرّة.
اما جملة (ينقضون عهد الله) فلأن النقض لغةً تفريق خيوط الحبل وتمزيقها اشارة الى اسلوب عال، كأن عهده تعالى حبل نوراني فتل بالحكمة والعناية والمشيئة فامتد من الازل الى ان اتصل بالأبد. فتجلى في الكائنات بصورة النظام العمومي وأرسلت تلك السلسلة سلاسلها الى الأنواع وامتدّ أَعْجُبُها ١ الى نوع البشر فاورثت واثمرت في روح البشر بذور استعدادات وقابليات تسقى وتتزاهر بالجزء الاختياريّ المعدَّل بالأمر التشريعيّ، أي الدلائل النقلية. فوفاء العهد صرف الاستعدادات فيما وضعت له؛ ونقض العهد خلافه وتفريقه، كالايمان ببعض الأنبياء وتكذيب بعض.. وقبول بعض الأحكام ورد بعض.. واستحسان بعض الآيات واستنكار بعض.. فانه يخل بالنظام والنظم والانتظام.
وأما جملة (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل) فاعلم! ان هذا الأمر عام للأمر التشريعيِّ والأمر التكوينيِّ المندمج في القوانين الفطرية والعادات الالهية. فالقطع لما أمر بوصله شرعاً كقطع صلة الرحم وقطع قلوب المؤمنين بعض عن بعض. وعلى هذا القياس!.. وتكويناً كقطع العمل عن العلم.. وقطع العلم عن الذكاء.. وقطع الذكاء عن الاستعداد. وقطع معرفة الله عن العقل.. وقطع السعي عن القوة.. وقطع الجهاد عن الجسارة وهكذا!.. اذ إعطاء القوة أمر معنوي تكويني بالسعي، وإعطاء الذكاء أمر معنوي بالعلم.. الى آخره ...
وأما جملة (ويفسدون في الأرض) فاعلم! ان من فسد وتورط في الوحل يطلب أن يكون له رفقاء متورطون ليتخفف عنه دهشة الحال بسر "اذا عمّت البلية
стр. 211
طابت" وكذا اذا وقع في قلب أحد اختلالٌ، تخرب في قلبه الكمالاتُ وتتساقط الحسيات العالية، فيتولد فيه ميل التخريب فينتج له لذة في التخريب فيتحرى لذته في الافساد والاختلال.
- فان قلت: كيف يؤثر فساد فاسق في عموم الأرض المشار اليه بلفظ في الأرض؟
قيل لك: الذي فيه نظام ففيه موازنة، حتى ان النظام مبني على الموازنة فتداخل شئ حقير بين دواليب ماكينة تتأثر به، وان لم يُحس. والميزان الذي في كفتيه جبلان يتأثر بوضع جوزة على كفة..
وأما جملة (اولئك هم الخاسرون) فاعلم! ان حق العبارة "هم خاسرون في عدم الهداية به " فلفظ "اولئك" ولفظ "هم" والتعريفُ والاطلاقُ لنكت:
أما (اولئك) فلأن وضعه لإِحضار محسوسٍ، فالإِحضار المستفاد منه اشارة الى ان السامع اذا سمع حالهم الخبيثة من شأنه ان يحصل له حدّة عليهم ونفرة منهم. فلتطمين نفرته وتشفّي حدّته يطلب أن يستحضروا إلى خياله ليشاهدهم وقت اتصافهم بالعاقبة الوخيمة. . والمحسوسية اشارة الى أن أوصافهم الرذيلة تكثرت بدرجة تجسمهم محسوسين نصب نظر النفرة. فمن الإِشارة ايماء إلى علة الحكم بالخسارة. . والبعدية إشارة إلى أنهم قد بعدوا عن طريق الحق بدرجة لايرجعون فيستحقون الذم والتشنيع بخلاف من كان في معرض الندامة ومسافة الرجوع.. و (هم) اشارة الى ان الخسارة منحصرة عليهم حتى ان خسارات المؤمنين لبعض اللذائذ الدنيوية ليست خسارة. وكذا خسارات أهل الدنيا في تجاراتهم ليست خسارة بالنسبة إلى خساراتهم.. والألف واللام اشارة الى تصوير الحقيقة أي من أراد أن يرى حقيقة الخاسرين فلينظر اليهم. . وكذا ايماء الى أن مسلكهم محض خسارة لا كالخسارات الأخر التي فيها وجوه من النفع لكن الضر أكثر. فالتعريف اما للكمال أو للبداهة أو لتصوير الحقيقة.. واطلاق الخسارة اشارة باعانة المقام الخطابيّ الى عموم أنواع الخسارات. أي خسروا في وفاء العهد بالنقض، وفي صلة الرحم بالقطيعة، وفي الاصلاح بالإِفساد، وفي الايمان بالكفر، وبالشقاوة خسروا السعادة الأبدية..
* * *
стр. 212
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِالله وَكُنْتُمْ اَمْوَاتاً فَاَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٢٨
اعلم ان لهذه الآية أيضاً الوجوه الثلاثة النظمية:
أما نظم مآلها بسابقها، فاعلم! ان الله تعالى لما دعا الناس إلى عبادته والاعتقاد به، وذكر أصول العقائد والأحكام مشيراً إلى دلائلها إجمالاً؛ عاد في هذه الآية مع لواحقها الثلاث إلى سرد الدلائل عليها بتعداد النعم المتضمنة للدلائل. ثم إن أعظم النعم "الحياة" المشار اليها بهذه الآية، ثم "البقاء" أي كمال الحياة بتنظيم السموات والأرض المشار اليه بالآية الثانية، ثم تفضيل البشر وتكريمه على الكائنات بالآية الثالثة، ثم تعليمه العلم بالرابعة.. فهذه النعم نظراً الى "صورة النعمة" دليل العناية والغاية، وكذا دليل العبادة؛ اذ شكر المنعم واجب وكفران النعم حرام في العقول. ونظراً الى "الحقيقة" دليل اختراعيّ على وجود المبدأ والمعاد.. وكذا ان هذه الآية كما تنظر الى سابقتها كذلك تنظر إلى الأسبق من بحث الكافرين والمنافقين فأشار بهذا الاستفهام الانكاريّ التعجبيّ إلى تقريعهم وتشنيعهم وتهديدهم وترهيبهم.
وأما نظم الجمل، فاعلم! ان هنا إلتفاتاً من الغيبة الى الخطاب؛ اذ حكى عنهم اوّلاً ثم خاطبهم، لنكتة معلومة في البلاغة وهي:
انه اذا ذكر مساوئ شخص شيئاً فشيئاً تزيد الحدّة عليه، الى ان يلجئ المتكلم - لو كان انساناً - الى المشافهة والمخاطبة معه.. وكذا اذا ذكرت محاسن أحد درجة درجة يتقوى ميل المكالمة معه الى أن يلجئ إلى التوجه اليه والخطاب معه. فلنزول القرآن على أسلوب العرب التفت فقال: (كيف تكفرون) مخاطباً لهم.
ثم اعلم! انه لما كان المقصد هنا سرد البراهين على الأصول السابقة من الايمان والعبادة، ورد الكفر ومنع كفران النعمة. ثم ان أوضح الدلائل هو الدليل المستفاد من سلسلة أحوال البشر، وان أكمل النعم هي النعم المتدلّية في أنابيب تلك السلسلة
стр. 213
والمندمجة في عقدها؛ قال: (وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون) اشارة الى تلك السلسلة العجيبة المترتبة ذات العقد الخمس التي تدلت من أنابيبها عناقيد النعم. فلنمهّد خمس مسائل لحلّ تلك العقد.
المسألة الأولى: في (وكنتم أمواتا) .
اعلم! ان الانسان باعتبار جسده بينما كان ذرّاتٍ جامدةً منتشرةً في العالم، اذ تراها دخلت بقانون مخصوص ونظام معيّن تحت انتظام.. ثم بينما تراها متسترة ساكتة في عالم العناصر اذ تراها انتقلت متسلّلة بدستور معّين وانتظام يومئ إلى قصد وحكمة الى عالم المواليد.. ثم بينما تراها متفرقة ساكنة في ذلك العالم اذ تراها تحزبت بطرز عجيب وصارت نطفة.. ثم بانقلابات متسلسلة علقة فمضغة.. فلحماً وعظاماً وهلم جرا.. فكلٌّ من هذه الأطوار وان كان مكمَّلاً بالنسبة الى سابقه الا انه ميّت وموات. ١
- فان قلت: الموت عدم الحياة وزوالها ولا حياة فيها حتى تزول؟
قيل لك: اختار المجاز لاعداد الذهن لقبول العقدة الثالثة والرابعة.
المسألة الثانية: في (فأحياكم) .
اعلم! ان أعجبَ معجزات القدرة وادقّها الحياةُ.. وكذا هي أعظم كل النعم وأظهر كل البراهين على المبدأ والمعاد.
أما وجه أدقيتها وغموضها فهو:
ان ادنى أنواع الحياة حياة النبات، وان أوّل درجاتها تنبه العقدة الحياتية في الحبة. وهذا التنبه مع شدة ظهوره وعمومه والالفة به من زمان آدم الى الآن قد بقي مستوراً عن نظر حكمة البشر.
وأما وجه كونها أعظم النعم فهو:
ان الجسم الذي لاحياة فيه ليس له مناسبة إلاّ مع مكانه المشخص وما به يختلط فيكون يتيماً منفرداً ولو كان جبلا. لكن اذا رأيت جسما ولو صغيراً كالنحل مثلا وقع
стр. 214
فيه الحياة حصل له دفعةً مناسباتٌ مع عموم الكائنات وتجارة مع الأنواع حتى يحقّ له أن يقول: "مكاني الكائنات وهي كملكي". اذ اذا انتقل إلى الحياة الحيوانية تراه يجول بحواسه ويتصرّف بها في أطراف الكائنات فيحصل بينه وبين أنواعها اختصاص ومبادلة ومحبة.. ولا سيما اذا ترفع إلى طبقة الانسانية تراه بنور العقل يجول في عوالم. فكما يتصرّف في العالم الجسماني يجول في العالم الروحاني، ويطوف في العالم المثالي. وكما يسافر هو الى تلك العوالم؛ كذلك تسافر هي اليه بالتمثل في مرآة روحه حتى يستحق أن يقول: "ان العالم مخلوق لأجلي بفضل الله تعالى".. فتتنوع حياته وتنبسط الى الحياة المادية والمعنوية والجسمانية والروحانية التي يشتمل كل منها على طبقات. فحق أن يقال: كما ان الضياء سبب لظهور الألوان والأجسام؛ كذا ان الحياة كشافة لكافة الموجودات وسبب لظهورها، وان الحياة هي التي تصيّر ذرّة كعالم. وان الحياة هي الوسيلة لإِحسان مجموع العالم لذي حياة برأسه مع عدم المزاحمة والانقسام إلاّ في أقل قليل بين البشر.
وأما وجه كونها أظهر الدلائل على الصانع وكذا على الحشر:
فاعلم! ان انتقال بعض ذرات جامدة وانقلابها دفعة الى هيئة ووضعية تخالف الوضعية الأولى - بلا توسط سبب معقول - برهان أيّ برهان. حتى ان الحياة لكونها أشرف الحقائق وأنزهها، لا خسّة فيها بوجهٍ ولا رَيْن عليها، لا في جهة الملك ولا في جهة الملكوت، فكلا وجهيها لطيفان، حتى ان حياة أخس حيوان جزئي أيضاً عالية. ولهذا السر (١) لم يتوسط بينها وبين يد القدرة سبب ظاهريّ؛ اذ مباشرتها لا تنافي عزة القدرة، مع ان وضع الأسباب الظاهرية - كما مر - لمحافظة عزة القدرة في مباشرة الأمور الخسيسة في ظاهر النظر.
وأما وجه كونها أظهر الدلائل على المبدأ والمعاد فقد سمعت آنفا، فلنلخص لك وهو:
ان من نظر في هذه الحياة وتدرج بنظره الى الأطوار المترتبة إلى أبسط صور الجسم يرى أجزاء منتثرة في عالم الذرات. ثم يبصرها قد تلبس في عالم العناصر صوراً أخرى. ثم يصادفها في عالم المواليد في وضعية أخرى.. ثم يلاقيها في نطفة ثم في
(١) تدقيق حسن (بخط المؤلف على نسخة مطبوعة)
стр. 215
علقة ثم في مضغة. ثم يراها دفعة بانقلاب عجيب قد لبست صورة ويرى في هذه الانقلابات حركات منتظمة على دساتير معينة يتراءى منها: ان كل ذرة كانت معينة في أول الأطوار كأنها موظفة للذهاب إلى الموضع المناسب من جسد الحي، فيتفطن الذهن انها بقصد تُساق وبحكمة تُرسل، وكانت الحياة الثانية في نظره أهون وأسهل وأمكن بدرجات فيقنع بها قلبه بالطريق الأَولى. فهذه الجملة كالدليل للاحقتها والكل معا برهان على الانكار المستفاد من "كيف".
المسألة الثالثة: في (ثم يميتكم) .
اعلم! ان آية (خلق الموت والحياة) ١ تدل على ان الموت ليس إعداماً وعدماً صرفاً، بل تصرف، وتبديل موضع، واطلاق للروح من المحبس. وكذا ان ما وجد في نوع البشر الى الآن من امارات غير معدودة، ونَجَمَ من اشارات غير محدودة؛ القت الى الأذهان قناعة وحدسا بأن الإِنسان بعد الموت يبقى بجهة، وان الباقي منه هو الروح. فوجود هذه الخاصة الذاتية في فرد يكون دليلا على وجودها في تمام النوع للذاتية. ومن هنا تكون الموجبة الشخصية مستلزمة للموجبة الكلية، فحينئذ يكون الموت معجزة القدرة كالحياة. لا انه عدمٌ علتُه عدمُ شرائط الحياة.
فإن قلت: كيف يكون الموت نعمة حتى نُظِّم في سلك النِعَم؟
قيل لك: أما:
أوّلا: فلأنه مقدمة للسعادة الأبدية، ولمقدمة الشئ حكم الشئ حُسنا وقبحاً؛ اذ مايتوقف عليه الواجب واجب وما ينجر إلى الحرام حرام..
وثانيا: فلأن الموت عند أهل التحقيق من المتصوِّفين نجاة للشخص بخروجه عن نظير المحبس المشحون بالحيوانات المضرّة الى صحراء واسعة..
وثالثا: فلأنه باعتبار نوع البشر نعمة عظمى؛ اذ لولاها لوقع النوع في سفالات مدهشة..
ورابعا: فلأنه باعتبار بعض الأشخاص نعمة مطلوبة اذ بسبب العجز والضعف لا يتحمل تكاليف الحياة وضغط البليات وعدم شفقة العناصر، فالموت باب فوزه.