← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7849

إشارات الإعجاز

بديع الزمان النورسي

Полный текст (242 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أما (إنّ) فان من شأنها ان تثقب السطح نافذة الى الحقيقة، وتوصل الحكم اليها؛ كأنها عرق الدعوى اتصلت بالحق. مثلا: ان هذا كذا.. أي الحكمُ وهذه الدعوى ليست خيالية ولا مبتدعة ولا اعتبارية ولا مستحدثة؛ بل هي من الحقائق الجارية الثابتة. وما يقال من أن "إنّ" للتحقيق فعنوان لهذه الحقيقة والخاصية. والنكتة الخصوصية هنا هي أن "إنّ" الذي شأنه رد الشك والانكار مع عدمهما في المخاطب للاشارة الى شدة حرص النبي ﵇ على ايمانهم. واما (الذين) فاعلم! ان "الذي" من شأنه الاشارة الى الحقيقة الجديدة التي أحس بها العقل قبل العين، وأخذت في الانعقاد ولم تشتد، بل تتولد من امتزاج أشياء وتآخذ أسباب مع نوع غرابة. ولهذا ترى من بين وسائط الاشارة والتصوير في الانقلاب المجدد للحقائق لفظ "الذي" أسيرَ على الالسنة وأكثر دورانا. فلما ان تجلى مؤسس الحقائق وهو القرآن، اضمحل أنواعٌ ونقضت فصولُها وتشكلت انواع اُخر وتولدت حقائق اخرى. اما ترى زمان الجاهلية كيف تشكلت الانواع على الروابط الملّية وتولدت الحقائق الاجتماعية على العصبيات القومية؟ فلما ان جاء القرآن قطع تلك الروابط وخرب تلك الحقائق فأسس بدلَا عنها انواعاً، فصولها الروابط الدينية. فتأمل!.. فلما أشرق القرآن على نوع البشر تزاهر بضيائه واثمر بنوره قلوب فتحصلت حقيقة نورانية هي فصل نوع المؤمنين. ثم لخبث بعض النفوس تعفنت في مقابلة الضياء تلك النفوسُ فتولدت حقيقة سمّية هي خاصة نوع مَن كفر ١.. وايضا بين "الذين" و"الذين" تناسب. ٢ اعلم! ان الموصول كالالف واللام يستعمل في خمسة معان اشهرها العهد. فـ"الذين" هنا اشارة الى صناديد الكفر امثال ابي جهل وابي لهب وأُمية بن خلف وقد ماتوا على الكفر. فعلى هذا في الآية إخبار عن الغيب. وامثال هذا لمعاتٌ يتولد منها نوعٌ من الاعجاز من الانواع الاربعة للاعجاز المعنوي. واما لفظ (كفروا) فاعلم! ان الكفر ظلمة تحصل من انكار شئ مما عُلِمَ ضرورةً مجئ الرسول ﵇ به.

стр. 72

ان قلت: ان القرآن من الضروريات وقد اُختلف في معانيه؟ قيل لك: ان في كل كلام من القرآن ثلاث قضايا: احداها: "هذا كلام الله". والثانية: "معناه المراد حق"؛ وانكار كلٍّ من هاتين كفر. والثالثة: "معناه المراد هذا"؛ فان كان مُحْكَماً أو مفسراً فالايمان به واجب بعد الاطلاع، والانكار كفر. وان كان ظاهراً، او نصاً يحتمل معنى آخر، فالانكار بناء على التأويل - دون التشهّي - ليس بكفر ١. ومثل الآية الحديث المتواتر؛ الا ان في انكار القضية الاولى من الحديث تأملا. ٢ ان قلت: الكفر جهل وفي التنزيل (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ اَبْنَاءهُمْ) ٣ فما التوفيق؟ قيل لك: ان الكفر قسمان: جهليّ ينكِر لأنه لا يعلم. والثاني جحودي تمردي يعرف لكن لايقبل، يتيقّن لكن لايعتقد، يصدِّق لكن لايذعن وجدانُه. فتأمل!.. ان قلت: هل في قلب الشيطان معرفة؟ قيل لك: لا، اذ بحكم صنعته الفطرية يشتغل قلبُه دائما بالاضلال ويتصور عقلُه دائماً الكفر للتلقين فلا ينقطع هذا الشغل، ولا يزول ذلك التصور عن عقله حتى تتمكن فيه المعرفة. - ان قلت: الكفر صفة القلب فكيف كان شدّ الزُنّار - وقد قيس عليه "الشَّوْقَة" ٤ - كفراً؟ قيل لك: ان الشريعة تعتبر بالامارات على الامور الخفية حتى اقامت الاسباب الظاهرية ٥ مقام العلل. ففي شد الزُنَّار المانع بعضُ نوعه عن اتمام الركوع، وإلباس

стр. 73

"الشَوْقَة" المانعة عن تمام السجود علامة الاستغناء عن العبودية، والتشبه بالكفرة المومِئ باستحسان مسلكهم وملّيتهم. فما دام لم يُقطَع بانتفاء الامر الخفي يُحكَم بالامر الظاهر. ان قلت: اذا لم يُجدِ الانذار فلِمَ التكليف؟ قيل لك: لإلزام الحجة عليهم. ١ ان قلت: الاخبار عن تمردهم يستلزم امتناع ايمانهم فيكون التكليف بالمحال؟ قيل لك: ان الاخبار وكذا العلم والارادة لا تتعلق بكفرهم مستقلا مقطوعاً عن السبب، بل انما تتعلق بكفرهم باختيارهم. كما يأتيك تفصيله. ومن هنا يقال: "الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار". ان قلت: ايمانهم بعدم ايمانهم ٢ محال عقليّ يشبه "الجذر الاصم الكلاميّ".؟ ٣ قيل لك: انهم ليسوا مكلفين بالتفصيل حتى يلزم المحال. ثم في ايراد (كفروا) فعلاً ماضياً، اشارة الى انهم اختاروا الكفر بعد تبين الحق فلذا لايفيد الانذار. واما (سواء) فمجاز عن: "انذارك كعدم الانذار في عدم الفائدة او في صحة الوقوع" اي لاموجب للانذار ولا لعدمه. واما (عليهم) ففيه ايماء الى انهم اخلدوا الى الارض فلا يرفعون رؤوسهم ولا يصغون الى كلام آمرهم.. وفيه أيضا رمز الى انه ليس سواء عليك، لان لك الخير في التبليغ؛ اذ (مَا عَلَى الرَّسُولِ إلاّ البَلاغُ) ٤.

стр. 74

واما (ءَاَنذرتهم ام لم تنذرهم) فالهمزة واَمْ هنا في حكم "سواء حرفي"، تأكيد لسواء الاول. أو تأسيس نظراً الى اقتسامهما المعنيين المذكورين للمساواة. ان قلت: فلِمَ عبّر عن المساواة بصورة الاستفهام؟ قيل لك: اذا اردت ان تنبه المخاطب على عدم الفائدة في فعل نفسه بوجه لطيف مقنع لابد ان تستفهم ليتوجه ذهنُه الى فعله فينتقل منه الى النتيجة فيطمئن.. ثم العلاقة بين الاستفهام والمساواة تضمنه لها؛ اذ السائل يتساوى في علمه الوجود والعدم.. وايضا كثيرا مايكون الجواب هذه المساواة الضمنية. ان قلت: لِمَ عبّر عن الانذار في "أنذرتهم" بصورة الماضي؟ قيل لك: لينادي "يا محمد قد جرَّبْتَ" فقس! ان قلت: لِمَ ذكر (ام لم تنذرهم) مع ان عدم فائدة عدم الانذار ظاهر؟ قيل لك: كما قد ينتج الانذار اصراراً، كذلك قد يجدي السكوت انصاف المخاطب. ان قلت: لِمَ انذر بالترهيب فقط مع انه بشير نذير؟ قيل لك: اذ الترهيب هو المناسب للكفر، ولان دفع المضار أولى من جلب المنافع وأشد تأثيراً، ولأن الترهيب هنا يهز عِطف الخيال ويوقظه لان يتلقى ويجتني بعد قوله (لايؤمنون) "أبشّرتهم ام لم تبشرهم". ثم اعلم! كما ان لكل حكمٍ معنى حرفياً ومقصدا خفياً؛ كذلك لهذا الكلام معان طيارة ومقصد سيق له هو تخفيف الزحمة، وتهوين الشدة عن النبي ﵇، وتسليته بتأسّيه بالرسل السالفين. اذ خوطب اكثرهم بمثل هذا الخطاب، حتى قال نوح بعده (لا تَذَرْ عَلَى الَارْضِ مِنَ الْكَافِرينَ دَيَّاراً) ١.. ثم لأن آيات القرآن كالمرايا المتناظرة، وقصص الانبياء كالهالة للقمر تنظر الى حال النبي ﵇؛ كان كأن هذا الكلام يقول: هذا قانون فطريّ الهيّ يجب الانقياد له.

стр. 75

واعلم بعد هذا التحليل! ان مجموع هذه الآية الى (ولهم عذاب عظيم) سيقت: مشيرةً بعقودها الى تقبيح الكفر وترذيله، والتنفير منه والنهي الضمني عنه، وتذليل أهله، والتسجيل عليهم، والترهيب عنه، وتهديدهم.. منادية ١ بكلماتها بأن في الكفر مصائب عظيمة، وفوات نِعَم جسيمة، وتولد آلام شديدة، وزوال لذائذ عالية.. مصرحةً بجملها بأن الكفر أخبث الاشياء وأضرها. اذ أشار بلفظ (كفروا) بدل "لم يؤمنوا" الى انهم بعدم الايمان وقعوا في ظلمة الكفر الذي هو مصيبة تفسد جوهر الروح وايضا هو معدن الآلام. وبلفظ (لايؤمنون) بدل "لايتركون الكفر" الى انهم مع تلك الخسارة سقط من ايديهم الايمان الذي هو منبع جميع السعادات. وبلفظ (ختم الله على قلوبهم) الى ان القلب والوجدان - الذي حياته وفرحه وسروره وكمالاته بتجلي الحقائق الالهية بنور الايمان - بعدما كفروا صار كالبناء الموحش الغير المعمور المشحون بالمضرات والحشرات، فاُقْفِل واُمْهِر ٢ على بابه ليُجتَنب، وتُرك مفوضاً للعقارب والافاعي. وبلفظ (وعلى سمعهم) الى فوات نعمة عظيمة سمعية بسبب الكفر؛ اذ السمع من شأنه - اذا استقر خلف صماخه نورُ الايمان واستند اليه - الاحتساس بنداء كل العالم وفهم اذكارها، وسمع صياح الكائنات وتفهم تسبيحاتها.. حتى ان السمعَ ليسمعُ من ترنمات هبوب الريح، ومن نعرات رعد الغيم، ومن نغمات امواج البحر، ومن صرخات دقدقة الحجر، ومن هزجات نزول المطر، ومن سجعات غناء الطير كلاماً ربانياً، ويفهم تسبيحا علويا، كأن الكائنات موسيقية عظيمة له، تهيّج في قلبه حزناً علوياً وعشقاً روحانياً فيحزن بتذكر الأحباب والانيس فيكون الحزن لذة؛ لا بعدم الاحباب فيكون غماً.. واذا اظلم ذلك السمع بالكفر صار اصم من تلك الاصوات اللذيذة، ولايسمع من الكائنات إلا نياحات المأتم ونعيات الموت، فلا يلقي

стр. 76

في القلب الا غم اليتمة - اي عدم الاحباب - ووحشة الغربة - اي عدم المالك والمتعهد - فبناء على هذا السر أحل الشرع بعض الاصوات وهو ماهيّج عشقاً علوياً وحزناً عاشقياً، وحرّم بعضها وهو ما انتج اشتهاء نفسياً وحزناً يتمياً، ومالم يُرِكَ الشرع فمَيِّزْه بتأثيره في روحك ووجدانك. وبكلمة (وَعلى ابصارهم غشاوة) الى زوال نعمة جسيمة بسبب الكفر؛ اذ البصر من شأنه اذا استضاء نوره واتصل بنور الايمان الساكن خلف شُبيكته ممداً ومحركاً له كان كل الكائنات كجنة مزينة بالزهر والحور، ويصير نور العين نحلا تطير عليها فتجتنى من تلك الازاهير عصارة العبرة والفكرة والانسية والاستيناس والتحبب والتهنئة، فتأخذ حميلتها فتتخذ في الوجدان شهد الكمالات.. واذا أظلم - العياذ بالله - ذلك البصرُ بالكفر طمس، وصارت الدنيا في نظره سجناً، وتسترت عنه الحقائق وتوحشت عليه الكائنات وتلقى الى قلبه آلاماً تحيط بوجدانه من الرأس الى القدم.. وبلفظ (ولهم عذاب عظيم) الى ثمرة شجرة زقوم الكفر في العالم الاخروي من عذاب جهنم ومن نكال الغضب الالهي. هذا. واما "لايؤمنون" فتأكيد لـ "سواء" ينص على جهة المساواة. ***

стр. 77

خَتَمَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى اَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ٧ مقدمة اعلم! انه لزمنا ان نقف هنا حتى نستمع لما يتكلم به المتكلمون؛ اذ تحت هذه الآية حرب عظيمة بين اهل الاعتزال واهل الجبر واهل السنة والجماعة. ومثل هذه الحرب تستوقف النُظّار. فناسب ان نذكر اساسات لتستفيد منها: ان مذهب اهل السنة والجماعة هو الصراط المستقيم، وماعداه إما افراط او تفريط. منها: انه قد تحقق "اَنْ لا مُؤَثِّرَ فِي الْكَوْنِ اِلاّ الله" فإذاً لا تفويض. ١ ومنها: "ان الله حكيم" فلا يكون الثواب والعقاب عبثين فحينئذ لا اضطرار. فكما ان التوحيد يدفع في صدر الاعتزال؛ كذلك التنزيه يضرب على فم الجبر. ومنها: ان لكل شئ جهتين: جهة مُلكية هي قد تكون حسنة وقد تكون قبيحة تتوارد عليها الاشكال كظهر المرآة. وجهة ملكوتية تنظر الى الخالق. وتلك شفافة في كل شئ كوجه المرآة. فخلقُ القبيح ليس قبيحاً؛ اذ الخلق من جهة الملكوتية حسن، ولان خلقه لتكميل المحاسن فيحسن بالغير. فلا تصغ الى سفسطة الاعتزال! ومنها: ان الحاصل بالمصدر ٢ أمر قارٌ مخلوق جامد لا يشتق منه الصفات ٣. واما المصدر فمكسوب نسبيّ اعتباريّ يشتق منه الصفات. فلا يكون خالق القتل قاتلا.. فَذَرْ اهلَ الاعتزالِ في خوضهم يَلْعَبُون!.. ومنها: ان الفعل الظاهريّ في الاغلب نتيجة لافعال متسلسلة منتهية الى ميلان النفس الذي يسمّى "بالجزء الاختياري". فتدور المنازعات على هذا الاساس.

стр. 78

ومنها: ان الارادة الكلية الالهية ناظرة بعادته تعالى الى الارادة الجزئية للعبد، فلا اضطرار. ومنها: ان العلم تابع للمعلوم، فلا يتبعه المعلوم حتى يدور. فلا يُتعلل في العمل باحالة مقاييسه على القدر. ومنها: ان خلق الحاصل بالمصدر متوقف على كسب المصدر بجريان عادة الله تعالى باشتراطه به. والنواة في كسب المصدر والعقدة الحياتية فيه هي الميلان، فبحلّه تنحل عقدة المسألة. ومنها: ان الترجح بلا مرجح محال دون الترجيح بلا مرجح فلا تُعلّلُ أفعالُه تعالى بالاغراض؛ بل اختياره تعالى هو المرجح. ومنها: ان الامر الموجود لابد له من مؤثر وإلا لزم الترجح بلا مرجح وهو محال كما مر. واما الامر الاعتباري ١ فتخصصه بلا مخصص لا يلزم منه المحال. ومنها: ان الموجود يجب ان يجب ثم يوجد ٢. واما الامر الاعتباري فالترجح بلا انتهاء الى حد الوجوب كاف فلا يلزم ممكن بلا مؤثر. ومنها: ان العلم بوجود شئ لايستلزم العلم بماهيته، وعدم العلم بالماهية لايستلزم العدم. فعدم التعبير عن كُنهِ الاختيار لاينافي قطعية وجوده. واذا تفطنت لهذه الاساسات فاستمع لما يُتلى عليك: فنحن معاشر اهل السنة والجماعة نقول: يا اهل الاعتزال! ان العبد ليس خالقاً للحاصل بالمصدر كالحاصل من المصدر ٣، بل هو مصدر المصدر فقط ٤؛ اذ "لا مؤثر في الكون الا الله"، والتوحيد هكذا يقتضي. ثم نقول: يا اهل الجبر! ليس العبد مضطراً بل له جزء اختياري لان الله حكيم. وهكذا يقتضي التنزيه. فان قلتم: كلما يُشرّح الجزء الاختياري بالتحليل لايظهر منه الا الجبر. قيل لكم:

стр. 79

اولاً: ان الوجدان والفطرة يشهدان ان بين الامر الاختياري والاضطراري امرا خفيا فارقا، وجودُه قطعي. فلا علينا ان لانعبِّر عنه. وثانياً: نقول ان الميلان ان كان امراً موجوداً -كما عليه الاشاعرة - فالتصرف فيه امر اعتباري بيد العبد ١؛ وان كان الميلان امرا اعتباريا -كما عليه الماتريدية - فذلك الامر الاعتباري ثبوته وتخصصه لايستلزم العلة التامة الموجبة ٢ فيجوز التخلف ٣. فتأمل! والحاصل: ان الحاصل بالمصدر موقوف عادة على ٤ المصدر الذي اساسه الميلان الذي هو - او التصرف فيه - ليس موجوداً حتى يلزم ٥ من تخصصه مرة هذا ومرة ذاك ممكن بلا مؤثر، او ترجح بلا مرجح.. ولامعدوماً ايضاً حتى لايصلح ان يكون شرطا لخلق الحاصل بالمصدر او سبباً للثواب والعقاب. ان قلت: العلم الازلي والارادة الازلية ينحيان على الاختيار بالقلع؟ ٦ قيل لك: ان العلم بفعلٍ باختيارٍ لاينافي الاختيار ٧.. وايضا ان العلم الازلي محيط كالسماء لا مبدأ للسلسلة كرأس زمان الماضي حتى تسند اليه المسببات متغافلا عن الاسباب موهما خروجها.. وايضا ان العلم تابع للمعلوم، أي على أي كيفية يكون المعلوم، كذلك يحيط به العلم، فلا يستند مقاييس المعلوم الى اساسات القدر.. وايضا ان الارادة لاتتعلق بالمسبب فقط مرة وبالسبب مرة اخرى حتى لاتبقى فائدة في الاختيار والسبب؛ بل تتعلق تعلقاً واحداً بالمسبب وبسببه. وعلى هذا السر لو قتل شخص شخصاً بالبندقة مثلا، ثم فرضنا عدم السبب والرمي هل يموت ذلك الشخص في ذلك الآن ام لا؟ فاهل الجبر يقولون: لو لم يُقتل لمات ايضا لتعدد التعلق والانقطاع بين السبب والمسبب.. واهل الاعتزال يقولون: لم يمت، لجواز تخلف

стр. 80

المراد عن الارادة عندهم.. واما اهل السنة والجماعة فيقولون: نتوقف ونسكت؛ اذ فرض عدم السبب يستلزم فرض عدم تعلق الارادة والعلم بالمسبب ايضا، اذ التعلق واحد. فهذا الفرض المحال جاز ان يستلزم محالا. فتأمل! *** مقدمة اخرى اعلم! ان الطبيعيين يقولون: ان للاسباب تأثيراً حقيقياً. . والمجوس يقولون: ان للشر خالقاً آخر.. والمعتزلة يدّعون: ان الحيوان خالق لإفعاله الاختيارية. وأساس هذه الثلاثة مبنية على وهمٍ باطلٍ، وخطأ محض، وتجاوز عن الحد وقياس مع الفارق، خدعهم وشبطهم ١؛ اذ ذهبوا ظناً منهم الى التنزيه فوقعوا في شَرَك الشِرك. وان شئت التفصيل فاستمع لمسائل تطرد ذلك الوهم: منها: انه كما ان استماع الانسان وتكلمه وملاحظته وتفكره جزئية تتعلق بشئ فشئ على سبيل التعاقب؛ كذلك همتُه جزئية لاتشتغل بالاشياء إلا على سبيل التناوب. ومنها: ان قيمة الانسان بنسبة ماهيته.. وماهيته بدرجة همته.. وهمته بمقدار اهمية المقصد الذي يشتغل به. ومنها: ان الانسان الى اي شئ توجّه يفنى فيه وينحبس عليه. ومن هذه النقطة ترى الناس - في عرفهم - لايسندون شيئا خسيساً وأمراً جزئيا الى شخص عظيم وذاتٍ عال؛ بل الى الوسائل ظناًً منهم ان الاشتغال بالامر الخسيس لايناسب وقاره، وهو لايتنزل له ولا يسع الامر الحقير همته العظيمة، ولا يوازن الامر الخفيف مع همته العظيمة. ومنها: ان من شأن الانسان - اذا تفكر في شئ لمحاكمة احواله - ان يتحرى مقاييسه وروابطه واساساته، أولاً في نفسه، ثم في ابناء جنسه.. وان لم يجد ففي جوانبه من الممكنات. حتى ان واجب الوجود الذي لايشبه الممكنات بوجه من الوجوه اذا تفكر فيه الانسان تلجؤه القوة الواهمة لان يجعل هذا الوهم السئ المذكور دستوراً، والقياس الخادع منظاراً له. مع ان الصانع ﷻ لاينظر اليه من هذه النقطة؛ اذ لا انحصار لقدرته.

стр. 81

ومنها: ان قدرته وعلمه وارادته ﷻ كضياء الشمس - ولله الْمَثَلُ الاعْلى - شاملة لكل شئ، وعامة لكل امر. فلا تقع في الانحصار ولاتجئ في الموازنة. فكما تتعلق باعظم الاشياء كالعرش؛ تتعلق باصغرها كالجوهر الفرد.. وكما خلق الشمس والقمر؛ كذلك خلق عينَي البرغوث والبعوضة.. وكما اودع نظاماً عالياً في الكائنات؛ كذلك اوقع نظاماً دقيقاً في امعاء الحيوانات (الخردبينية) ١.. وكما ربط الاجرام العلوية والنجوم المعلَّقة بقانونه المسمى بالجاذب العمومي؛ كذلك نظّم الجواهر الفردة بنظير ذلك القانون كأنه مثال مصغر لها. اذ بتداخل العجز تتفاوت مراتب القدرة. فمن امتنع عليه العجزُ تتساوى في قدرته الاشياء، اذ العجز ضد القدرة الذاتية. فتأمل! ومنها: ان اول ماتتعلق به القدرة ملكوتية الاشياء وهي شفّافة حسنة في الكل كما مر. فكما انه ﷻ جعل وجه الشمس مجلىً ووجه القمر مستضيئا؛ كذلك صير ملكوتية الليل والغيم حسنة منيرة. ومنها: ان مقياس عظمته تعالى وميزان كمالاته وواسطة محاكمة اوصافه لايسعها ذهنُ البشر، ولا يمكن له الا بوجه ٢، بل انما هو بما يتحصل من جميع مصنوعاته.. وبما يتجلى من مجموع آثاره.. وبما يتلخص من كل افعاله. نعم الذرة تكون مرآةً ولا تكون مقياساً. واذا تفطنت لهذه المسائل فاعلم! ان الواجب تعالى لايقاس على الممكنات، اذ الفرق من الثرى الى الثريا. ألا ترى اهل الطبيعة والاعتزال والمجوس - بناء على تسلط القوة الواهمة بهذا القياس على عقولهم - كيف التجأوا الى اسناد التأثير الحقيقي الى الاسباب، وخلق الافعال للحيوان، وخلق الشر لغيره تعالى؟ يظنون ويتوهمون ان الله تعالى بعظمته وكبريائه وتنزّهه كيف يتنزل لهذه الامور الخسيسة والاشياء القبيحة؟ فسحقاً لهم! كيف صيروا العقل اسيراً لهذا الوهم الواهي هذا؟.. ياهذا! هذا الوهم قد يتسلط على المؤمن ايضا من جهة الوسوسة فتجنَّب!. ***

стр. 82

اما تحليل كلمات هذه الآية ونظمها: فاعلم! ان ربط (ختم) بـ "لايؤمنون" وتعقيبه به نظير ترتب العقاب على العمل. كأنه يقول لما افسدوا الجزء الاختياري ولم يؤمنوا عوقبوا بختم القلب وسدّه. ثم لفظ "الختم" يشير الى استعارة مركبة تومئ الى اسلوب تمثيلي يرمز الى ضربِ مَثَلٍ يصوِّر ضلالتهم؛ اذ المعنى فيه منع نفوذ الحق الى القلب. فالتعبير بالختم يصور القلب بيتاً بناه الله تعالى ليكون خزينة الجواهر، ثم بسوء الاختيار فسد وتعفن وصار ما فيه سموما فاُغلق واُمهر ليُجتنب. واما (الله) فاعلم! ان فيه التفاتاً من التكلم الى الغيبة. ومع نكتة الالتفات ففي مناسبة لفظ "الله" مع متعلق "لايؤمنون" في النية، أعني لفظ "بالله"، اشارة الى لطافة، هي انه لما جاء نور معرفة الله اليهم فلم يفتحوا باب قلبهم له تولى عنه مغضباً واغلق الباب عليهم. واما (على) فاعلم! ان فيه - بناء على كون الختم متعدياً بنفسه - اشارة الى تضمين ختم "وسم"، كأنه يقول: جعل الله الختم وسماً وعلامةً على القلب يتوسمه الملائكة.. وفي "على" أيضا ايماء الى ان المسدود الباب العلوي من القلب لا الباب السفلي الناظر الى الدنيا. واما (قلوبهم) قدّمه على السمع والبصر لانه هو محل الايمان.. ولان اول دلائل الصانع يتجلى من مشاورة القلب مع نفسه، ومراجعة الوجدان الى فطرته، لانه اذا راجع نفسه يحس بعجز شديد يلجؤه الى نقطة استناد، ويرى احتياجاً شديداً لتنمية آماله فيضطر الى نقطة استمداد، ولا استناد ولا استمداد الا بالايمان.. ثم ان المراد بالقلب اللطيفة الربانية التي مظهر حسيّاتها الوجدان، ومعكس افكارها الدماغ، لا الجسم الصنوبري. فاذاً في التعبير بالقلب رمز الى ان اللطيفة الربانية لمعنويات الانسان كالجسم الصنوبري لجسده. فكما ان ذلك الجسم ماكينة حياتية تنشر ماء الحياة لأقطار البدن، واذا انسد وسكن جمد الجسد؛ كذلك تلك اللطيفة تنشر نور الحياة الحقيقية لاقطار الهيئة المجسمة من معنوياته واحواله وآماله. واذا زال نور الايمان - العياذ بالله - صارت ماهيته التي يصارع بها الكائنات كشبحٍ لاحراك به واظلم عليه.

стр. 83

واما وعلى (سمعهم) كرر "على" للاشارة الى استقلال كلٍ بنوع من الدلائل. فالقلب بالدلائل العقلية والوجدانية. والسمع بالدلائل النقلية والخارجية، وللرمز الى ان ختم السمع ليس من جنس ختم القلب.. ثم ان في افراد السمع مع جمع جانبيه ايجازاً ورموزاً الى ان السمع مصدر، لعدم الجفن له.. والى ان المُسمِع فرد.. وان المسموع للكل فرد.. وانه يسمع فرداً فرداً.. ولاشتراك الكل كأن اسماعهم بالاتصال صارت فرداً.. ولاتحاد الجماعة وتشخصها يتخيل لها سمع فرد.. والى اغناء سمع الفرد عن استماع الكل فحق السمع في البلاغة الافراد.. لكن القلوب والابصار مختلفة متعلقاتهما، ومتباينة طرقهما، ومتفاوتة دلائلهما، ومعلمهما على انواع، وملقّنهما على اقسام. فلهذا توسط المفرد بين الجمعين. وعقّب القلب بالسمع لان السمع ابٌ لملكاته، واقرب اليه، ونظيره في تساوي الجهات الست عنده. واما (وعلى ابصارهم غشاوة) فاعلم! ان في تغيير الاسلوب باختيار الجملة الاسمية اشارة الى ان جنانَ البصر التي يجتني منها دلائله ثابتة دائمة بخلاف حدائق السمع والقلب؛ فانها متجددة.. وفي اسناد الختم الى الله تعالى دون الغشاوة اشارة الى ان الختم جزاء كسبهم، والغشاوة مكسوبة لهم، ورمز الى ان في مبدأ السمع والقلب اختياراً، وفي مبدأ البصر اضطراراً ومحل الاختيار غشاوة التعامي. وفي عنوان الغشاوة اشارة الى ان للعين جهة واحدة. وتنكيرها للتنكير، أي التعامي حجاب غير معروف حتى يُتَحفظ منه.. قدّم (على ابصارهم) ليوجه العيون الى عيونهم اذ العين مرآة سرائر القلب. وأما (ولهم عذاب عظيم) فاعلم! انه كما اشار بالكلمات السابقة الى حنظلات تلك الشجرة الملعونة الكفرية في الدنيا؛ كذلك اشار بهذه الى حنظلة جانبها الممتد الى الآخرة وهي زقّوم جهنّم.. ثم ان سجية الاسلوب تقتضي (وعليهم عقاب شديد) . ففي ابدال "على" باللام و"العقاب" بالعذاب و"الشديد" بالعظيم، مع ان كلا منها يليق بالنعمة رمز الى نوعِ تهكم توبيخيّ تعريضيّ؛ كأنه ينعي بهم: ما منفعتهم، ولا لذتهم، ولا نعمتهم العظيمة الا العقاب؛ نظير (تَحِيَّةُ بَيْنهمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ) . و (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ اَلِيمٍ)

стр. 84

اذ اللام لعاقبة العمل وفائدته. فكأنه يتلو عليهم"خذوا اجرة عملكم". وفي لفظ "العذاب" رمز خفي الى ان يذكرهم استعذابهم واستلذاذهم بالمعاصي في الدنيا فكأنه يقرأ عليهم "ذوقوا مرارة حلاوتكم". وفي لفظ الـ "عظيم" اشارة خفية الى تذكيرهم حال صاحب النعمة العظيمة في الجنة فكأنه يلقنهم: انظروا الى ماضيعتم على انفسكم من النعمة العظيمة، وكيف وقعتم في الالم الاليم. ثم ان "عظيم" تأكيد لتنوين "عذاب". ان قلت: ان معصية الكفر كانت في زمان قليل والجزاء أبديّ غير متناه فكيف ينطبق هذا الجزاء على العدالة الالهية؟ وإنْ سُلِّم، فكيف يوافق الحكمة الأزلية؟ وان سُلِّم، فكيف تساعده المرحمة الربانية؟ قيل لك: مع تسليم عدم تناهي الجزاء، ان الكفر في زمان متناهٍ جناية غير متناهية بست جهات: منها: ان من مات على الكفر لو بقي أبدا لكان كافراً أبداً لفساد جوهر روحه، فهذا القلب الفاسد استعد لجناية غير متناهية. ومنها: ان الكفر وان كان في زمان متناه لكنه جناية على غير المتناهي، وتكذيب لغير المتناهي أعني عموم الكائنات التي تشهد على الوحدانية. ومنها: ان الكفر كفرانٌ لنعمٍ غير متناهية. ومنها: ان الكفر جناية في مقابلة الغير المتناهي وهو الذات والصفات الالهية. ومنها: ان وجدان البشر - بسر حديث (لَا يَسَعُني اَرْضِي وَلا سَمائي) ١ - وان كان في الظاهر والملك محصوراً ومتناهياً لكن ملكوتيته بالحقيقة نشرت ومدت عروقها الى الأبد. فهو من هذه الجهة كغير المتناهي وبالكفر تلوث واضمحل.

стр. 85

ومنها: ان الضد وان كان معانداً لضده لكنه مماثل له في أكثر الأحكام. فكما ان الايمان يثمر اللذائذ الأبدية، كذلك من شأن الكفر ان يتولد منه الآلام الأبدية. فمن مزج هذه الجهات الست يستنتج ان الجزاء الغير المتناهي انما هو في مقابلة الجناية الغير المتناهية وما هو إلاّ عين العدالة. ان قلت: طابق العدالة ١ لكن اين الحكمة الغنية عن وجود الشرور المنتجة للعذاب؟ قيل لك: كما قد سمعت مرة أخرى انه لايُترك الخير الكثير لتخلل الشر القليل لأنه شر كثير. اذ لما اقتضت الحكمة الالهية تظاهر ثبوت الحقائق النسبية التي هي أزيد بدرجات من الحقائق الحقيقية - ولا يمكن هذا التظاهر الا بوجود الشر؛ ولا يمكن توقيف الشر على حدّه ومنع طغيانه الا بالترهيب؛ ولا يمكن تأثير الترهيب حقيقة في الوجدان الا بتصديق الترهيب وتحقيقه بوجود عذاب خارجي؛ اذ الوجدان لا يتأثر حق التأثر -كالعقل والوهم - بالترهيب الا بعد ان يتحدس بالحقيقة الخارجية الأبدية بتفاريق الامارات - فمن عين الحكمة بعد التخويف من النار في الدنيا وجود النار في الآخرة. ان قلت: قد وافق الحكمة فما جهة المرحمة فيه؟ قلت: لا يتصور في حقهم إلاّ العدم أو الوجود في العذاب، والوجود - ولو في جهنم - مرحمةٌ وخيرٌ بالنسبة الى العدم إن تأملت في وجدانك؛ اذ العدم شر محض، حتى ان العدم مرجع كل المصائب والمعاصي ان تفكرت في تحليلها. واما الوجود فخير محض فليكن في جهنم.. وكذا ان من شأن فطرة الروح - اذا علم ان العذاب جزاء مزيل لجنايته وعصيانه - ان يرضى به لتخفيف حمل خجالة الجناية ويقول: هو حق، وانا مستحق. بل حباً للعدالة قد يلتذ معنى! وكم من صاحب ناموس في الدنيا يشتاق الى اجراء الحد على نفسه ليزول عنه حجاب خجالة الجناية. وكذا ان الدخول وان كان الى خلود دائم وجهنم بيتهم أبدا، لكن بعد مرور جزاء العمل دون الاستحقاق يحصل لهم نوع اُلفة وتطبّع مع تخفيفات كثيرة مكافأةً لأعمالهم الخيرية. اشارت اليها الأحاديث. فهذا مرحمة لهم مع عدم لياقتهم. ***

стр. 86

وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ امَنَّا بِالله وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤمِنِينَ ٨ وجه النظم: انه كما يُعطف المفرد على المفرد للاشتراك في الحكم، والجملة على الجملة للاتحاد في المقصد؛ كذلك قد تُعطف القصة على القصة للتناسب في الغرض. ومن الأخير عطف قصة المنافقين على الكافرين. أي عطف ملخص اثنتي عشرة آية على مآل آيتين؛ اذ لما افتتح التنزيل بثناء ذلك الكتاب فاستتبع ثمرات ثنائه من مدح المؤمنين، فاستردف ذم اضدادهم بسر "انما تعرف الأشياء باضدادها" ولتتم حكمة الارشاد، ناسَبَ تعقيب المنافقين تكميلا للاقسام. ان قلت: لِمَ أوجز في حق الكافرين كفراً محضاً بآيتين واطنب في النفاق باثنتي عشرة آية؟ قيل لك: لنكات؛ منها: ان العدوّ اذا لم يُعْرَف كان اضرَّ. واذا كان مخنساً كان أخبث. واذا كان كذاباً كان أشد فساداً. واذا كان داخلياً كان أعظم ضرراً؛ اذ الداخلي يفتت الصلابة ويشتِّت القوة بخلاف الخارجي فانه يتسبب لتشدد الصلابة العصبية. فأسفاً! ان جناية النفاق على الاسلام عظيمة جداً. وما هذه المشوشية ١ الاّ منه. ولهذا أكثر القرآن من التشنيع عليهم. ومنها: ان المنافق لاختلاطه بالمؤمنين يستأنس شيئاً فشيئاً، ويألف بالايمان قليلا قليلا، ويستعد لأن يتنفر عن حال نفسه بسبب تقبيح أعماله وتشنيع حركاته؛ فتتقطر كلمة التوحيد من لسانه الى قلبه. ومنها: ان المنافق يزيد على الكفر جناياتٍ اُخَر كالاستهزاء والخداع والتدليس والحيلة والكذب والرياء.

стр. 87

ومنها: ان المنافق في الأغلب يكون من أهل الكتاب ومن أهل الجربزة الوهمية فيكون حيّالا دسّاساً ذا ذكاء شيطانيّ، فالاطناب في حقه أعرق في البلاغة. أما تحليل كلمات هذه الآية، فاعلم! ان (مِن الناس) خبر مقدم لـ (مَن) على وجه. ان قلت: كون المنافق انسانا بديهيٌّ....؟ قيل لك: اذا كان الحكم بديهياً يكون الغرض واحداً من لوازمه وهنا هو التعجيب. كأنه يقول كون المنافق الرذيل انساناً عجيب؛ اذ الانسان مكرّم، ليس من شأنه ان يتنزل الى هذه الدركة من الخسة. ان قلت: فَلِمَ قدّم؟ قيل لك: من شأن انشاء التعجب الصدارة وليتمركز النظر على صفة المبتدأ التي هي مناط الغرض وإلا لانتظر ومرّ الى الخبر. ثم ان عنوان (الناس) يترشح منه لطائف: منها: انه لم يفضحهم بالتعيين، بل سترهم تحت عنوان "الناس" إيماءً الى ان سترهم وعدم كشف الحجاب عن وجوههم القبيحة أنسب بسياسة النبيّ ﵇؛ اذ لو فضحهم بالتشخيص لتوسوس المؤمنون؛ اذ لايُؤْمَن من دسائس النفس. والوسوسة تنجر الى الخوف والخوف الى الرياء والرياء الى النفاق.. ولأنه لو شنّعهم بالتعيين لقيل ان النبي ﵇ متردد لايثق باتباعه.. ولان بعضا من الفساد لو بقي تحت الحجاب لانطفأ شيئاً فشيئاً واجتهد صاحبُه في اخفائه ولو رُفع الحجاب - فبناءً على ما قيل "اِذا لمْ تسْتَحِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ" ١ - لَيقول فليكن ما كان، ويأخذ في النشر ولا يبالي. ومنها: ان التعبير بـ (الناس) يشير الى انه مع قطع النظر عن سائر الصفات المنافية للنفاق فأعمّ الصفات أعني: الانسانية أيضاً منافية له؛ اذ الانسان مكرم ليس من شأنه هذه الرَذالة.

стр. 88

ومنها: انه رمز الى ان النفاق لا يختص بطائفة ولا طبقة بل يوجد في نوع الانسان أية طائفة كانت. ومنها: انه يُلَوِّح بان النفاق يخلّ بحيثية كل من كان انساناً فلابد ان يتحرك غضب الكل عليه، ويتوجه الكل الى تحديده، لئلا ينتشر ذلك السمّ؛ كما يخلّ بناموس طائفة ويهيِّج غضبهم شناعةُ فرد منهم. وأما (مَن يقول آمنا) فان قلت: لِمَ افرد "يقول" وجمع "آمنا" مع ان المرجع واحد؟ قيل لك: فيه اشارة الى لطافة ظريفة هي: اظهار ان المتكلم مع الغير متكلم وحده فـ "يقول": للتلفظ وحده و"آمنا" لأنه مع الغير في الحكم.. ثم ان هذا حكاية عن دعواهم ففي صورة الحكاية اشارة الى رد المحكيّ بوجهين، كما ان في المحكيّ اشارة الى قوته بجهتين؛ اذ "يقول" يرمز بمادته الى ان قولهم ليس عن اعتقاد وفعل، بل يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.. وبصيغته يومئ الى ان سبب استمرار مدافعتهم وادعائهم مراآة الناس لامحرك وجداني.. وفي الدعوى ايماء منهم بصيغة الماضي الى: "إنّا معاشر أهل الكتاب قد آمنا قبل فكيف لانؤمن الآن".. وفي لفظ "نا" رمز منهم الى: "انّا جماعة متحزبون لسنا كفرد يَكذِب أو يُكذَّب". وأما (بالله وباليوم الآخر) فاعلم! ان للتنزيل ان يأخذ المحكيّ بعينه، أو يتصرف فيه بأخذ مآله، أو تلخيص عبارته: فعلى الأول ذكروا الأول والآخر من أركان الايمان اظهاراً للقوي، ولما هو أقرب لأن يُقبَل منهم، وأشاروا الى سلسلة الأركان بتكرار الباء مع القرب. وعلى الثاني بأن يكون كلامه تعالى؛ ففي ذكر القطبين فقط اشارة الى ان أقوى ما يدّعونه أيضاً ليس بايمان؛ اذ ليس ايمانهم بهما على وجههما. وكرر الباء للتفاوت؛ اذ الايمان بالله ايمان بوجوده ووحدته، وباليوم الآخر بحقيته ومجيئه كما مرّ.

стр. 89

واما (وما هم بمؤمنين) فان قلت: لِمَ لم يقل "وما امنوا" الأشبه بـ "آمنا"؟ قيل لك: لئلا يُتوهم التناقض صورة ١، ولئلا يرجع التكذيب الى نفس "آمنا" الظاهر انشائيته المانعة من التكذيب. بل ليرجع النفي والتكذيب الى الجملة الضمنية المستفادة من "آمنا"، وهي "فنحن مؤمنون".. وأيضا ليدل باسمية الجملة على دوام نفي الايمان عنهم. ان قلت: لِمَ لا يدل على نفي الدوام مع ان "ما" مقدم؟ قيل لك: ان النفي معنى الحرف الكثيف، والدوام معنى الهيئة الخفيفة، فالنفي أغمس وأقرب الى الحكم. ان قلت: ما نكتة ٢ الباء على خبر ما؟ قيل لك: ليدل على انهم ليسوا ذواتاً أهلاً للايمان وإن آمنوا صورة، اذ فرقٌ بين "ما زيد سخيا" و"ما زيد بسخي"؛ اذ الأول: لهوائية الذات، معناه: زيد لايسخو بالفعل وان كان أهلا ومن نوع الكرماء. وأما الثاني: فمعناه زيد ليس بذاتٍ قابل للسماحة وليس من نوع الأسخياء وإن أحسن بالفعل. ***

стр. 90

يُخادِعُونَ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ اِلَاّ اَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ٩ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ بِمَا كانُوا يَكْذِبُونَ ١٠ اعلم! ان وجه النظم: اشارات جملها: الى التوبيخ على النفاق.. ثم تشنيعه.. ثم تقبيحهم.. ثم التهديد عليه.. ثم ترهيبهم.. ثم التعجب منهم.. ثم بيان مقصدهم من قولهم المذكور ... ثم بيان علة قولهم.. ثم بيان أول الجنايات الأربع الناشئة من النفاق وهي الخداع، والافساد، وتسفيه المؤمنين، والاستهزاء بهم.. ثم تمثيل جناياتهم وحيلهم باسلوب استعارة تمثيلية هكذا: بان صوّر معاملتهم مع احكام الله تعالى ومع النبي ﵇ والمؤمنين - باظهارهم الايمان لأغراض دنيوية مع تبطّن الكفر، ومعاملة الله والنبي والمؤمنين معهم باجراء أحكام المؤمنين عليهم استدراجا، مع انهم أخبث الكفرة عند الله - بصورة خداع شخصين، أو الصياد مع الصيد الذي يحس الصياد بالخروج عن القاصعاء ثم يفر من النافقاء. ١ أما نظم جمل الجناية الأولى من (يخادعون) الى (بما كانوا يكذبون) فانظر الى ما تضمنت من النتائج المتسلسلة المترتبة في الجمل السبع، وهي: تحميقهم بطلب المحال.. ثم تسفيههم باضرار أنفسهم بنية المنفعة.. ثم تجهيلهم بعدم التمييز بين الضر والنفع.. ثم ترذيلهم بخبث الطينة ومرض معدن الصحة وموت منبع الحياة.. ثم تذليلهم بتزييد المرض في طلب الشفاء.. ثم تهديدهم بألم محض يولد ألماً صرفاً.. ثم تشهيرهم بين الناس بأقبح العلامات أعني الكذب. وأما اتساقُ وانتظام تلك الجمل السبع وانصباب الحكم فيما بينها فهو: أنك كما اذا اردت زجر واحد عن شئ ونصحه تقول له اولاً: ياهذا! ان كان لك عقل فهذا محال.. ثم: ان كنت تحب نفسك فهذا يضرها.. ثم: ان كان لك حسّ فلِمَ لاتميز بين الضر والنفع؟. ثم: إن لم يكن لك اختيار فلا اقل من ان تعرف فساد سجيتك،

стр. 91

وفيها مرض يحرِّف الحقيقة، ويريك الحلو مراً.. ثم: ان تطلب الشفاء فهذا يزيد مرضك ولايشفي، مثلك كمثل من ابتلى بداء السهر فاجتهد في النوم فانتج له قلقا طيّر نعاسه أيضا، أو كمن أصيب قلبه بداء "المرق" ١ فاغتمّ لوجود المصيبة حتى صير المصيبة مصيبتين.. ثم: ان تتحرَّ اللذة فهذا فيه ألم شديد ينتج ألماً أشد ليس كأمثاله التي فيها لذة مزخرفة.. ثم: ان لم تنتبه ولم تنزجر لا يبقى الا ان يوسمَ على خرطومك بوسم قبيح، وتُعلَن بين الناس لمنع سراية فسادك الى الناس؛ كذلك ان الله تعالى قال لزجر المنافقين (يخادعون الله) بدل "يخادعون النبيّ" لتحميقهم، أي: كيف يخادعون النبيّ ﵇ والنبيّ مبلِّغ عن الله تعالى، فحيلتهم راجعة الى الله، والاحتيال مع الله تعالى محال، وطلب المحال حمق. ومثل هذا الحمق مما يُتعجب منه.. ثم اتبعه (وما يخدعون الا انفسهم) لتسفيههم، أي: ليس في فعلكم نفع بل فيه ضرر، وضرره يعود على أنفسكم، فكأنكم تخادعون أنفسكم.. ثم عقّبه (وما يشعرون) لتجهيلهم أي: ايّها الجهلاء! قد صرتم أضلّ من الحيوان، كالاحجار الجامدة لاتحسون بالفرق بين الضر والنفع.. ثم اردفه (في قلوبهم مرض) لترذيلهم بانفساد الجوهر، أي: ان لم يكن لكم اختيار فلا أقل من أن تعرفوا المرض مرضاًً، وان سجيتكم فسدت. وان النفاق والحسد مرض في الروح من شأنه تحريف الحقيقة وتغييرها حتى تظنون الحلو مراً والمرّ حلواً والسوداء بيضاء والأبيض أسود فلا تتبعوه.. ثم زاد (فزادهم الله مرضاً) لتذليلهم، أي: إن كنتم تطلبون بهذا الدواء والتشفي من غيظكم وحسدكم فهذا داء لا يزيدكم الا مرضا على مرض. فأنتم كمن كَسرَ احدٌ يدَه فأراد الانتقام فضرَبَه بتلك اليد المكسورة فازداد كسراً على كسر.. ثم قال (ولهم عذاب أليم) لتهديدهم، أي: ان تتحروا اللذة فما نفاقكم هذا الا فيه ألم شديد عاجل ينتج ألماً أشد آجلا، ليس كسائر المعاصي التي فيها نوع من اللذة السفلية العاجلة.. ثم أتمه بقول (بما كانوا يكذبون) لتوسيمهم بأشنع الوسم، أي: ان لم تنتبهوا ولم تنتهوا لم يبق الا ان تُشَهَّروا بين الناس بالكذب المانع للاعتماد لئلا يتعدى مرضكم.

стр. 92

أما وجه النظم بين أجزاء كل جملة: ففي الأُولى: أعني جملة (يخادعون الله والذين آمنوا) هو: ان في التعبير عن عملهم بالخداع مع المضارعية، لاسيما من باب المشاركة، خصوصاً مع اقامة لفظة "الله" مقام النبيّ واقامة "الذين آمنوا" مقام "المؤمنين" تنصيصاً وتصريحاً بمحالية غرضهم من حيلتهم، وجعل المحالية نصب العين بصورة تتنفر عنها النفوس وترتعد، اذ فيما في الخداع من الاستعارة التمثيلية ما يوقظ النفرة.. وفيما في المضارعية من التصوير مع الاستمرار ما يَشْمَئِزّ منه القلب.. وفيما في المشاركة من المشاكلة نظِير (وجَزَاؤا سيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) ١ ما ينتج عدم انتاج حيلتهم؛ اذ في باب المشاركة فعل الفاعل سبب لفعل المفعول، وهنا فعل المفعول صار سبباً لعقم خداع الفاعل وعدم تأثيره، بل جعل الخداع صورة واهية كانعكاس المقصد فيما اذا استهزيتَ بأحدٍ لجهله، مع أنه مستبطنٌ علماً ومستخفٍ استهزاءً بك.. وفيما في التصريح بلفظة "الله" من التنصيص على محالية الغرض - اذ خداع النبي ﵇ ينجر اليه تعالى - ما يشيط العقلَ عن الحيلةِ.. وما في "الذين آمنوا" من جعل الصلة مداراً، اشارة الى ان المنافقين يتحببون اليهم بصفة الايمان ويهيِّجون عرق ايمانهم للتحبب والتداخل فيهم.. وفيه ايماء أيضا الى ان جماعة المؤمنين المنورين عقولهم بنور الايمان لا تتستر عنهم الحيلة فينتج أيضا عقم حيلتهم.. وفي الثانية: أعني جملة (وما يخدعون الا أنفسهم) هو: ان في هذا الحصر اشارة الى كمال سفاهتهم بعكس العمل في معاملتهم كمن رمى حجراً الى جدار فانثنى لكسر رأسه؛ اذ رشوا النبال لضرر المؤمنين فاُصيبت أنفسهم فكأنهم يخادعون بالذات ذواتهم.. وفي تبديل "يضرون" بـ (يخدعون) اشارة الى نهاية سفاهتهم، اذ يوجد في أهل العقل من يضر نفسه قصداً ولا يوجد من يخادع نفسه عمداً الا ان يكون حماراً في صورة انسان. وفي عنوان "انفسهم" رمز خفي الى أن نفاقهم وحيلتهم لما كان لحظّ نفسانيّ وغرض نفسيّ انتج نقيض مطلوبهم لنفسهم.

стр. 93

ان قلت: هذا الحصر يومئ الى ان خداعهم ما ضر الاسلام والمسلمين مع ان الاسلام ما رأى من شئ ضرراً مثل ما رأى من أنواع النفاق وشعباته المنتشرة كالسّم في عناصر العالم الاسلاميّ؟ قيل لك: وما تراه من الضرر المتعدي والسمّ الساري انما هو من طبيعتهم المتفسدة وفطرتهم المتفسخة ووجدانهم المتعفن نظير سراية المرض؛ وليس نتيجة حيلتهم وخداعهم باختيارهم اذ يريدون خداع الله والنبي وجماعة المؤمنين، والله عالم بكل شئ والنبي ﵇ يوحى اليه، وجماعة المؤمنين لاتستطيع الحيلة ان تتستر عنهم مدة مديدة فهم لاينخدعون. فثبت انهم لا يخدعون الا أنفسهم فقط. وفي الثالثة: أعني جملة (وما يشعرون) أي لا يحسون، هو: ان في هذه الفذلكة تجهيلا أيّ تجهيل لهم، لأنها تشعر بأنهم إن كانوا عقلاء فهذا ليس من شأن العقل، وإن كانوا حيوانات يتحركون بميل نفسانيّ فشأنهم ان يحسوا ويشعروا بمثل هذا الضرر المحسوس. فثبت انهم صاروا مثل جمادات لا اختيار لها. وفي الرابعة: أعني جملة (في قلوبهم مرض) هو: ان سوقها يفيد انهم لما لم يعملوا بمقتضى المحاكمة العقلية والشعور الحسيّ ظهر أن في روحهم مرضاً فلا أقل من ان يعرفوا انه مرض ليجتنبوا عن القضايا ولايحكموا عليها؛ اذ من شأن المرض تغيير الحقيقة وتشويه المزين وتحلية المرّ كما مر.. وفي لفظ (في) رمز الى ان حسدهم وحقدهم مرض في ملكوت القلب وهي اللطيفة التي مر ذكرها.. وفي عنوان "القلب" اشارة الى انه كما ان جسم القلب اذا مرض اختل جميع أفعال البدن؛ كذلك اذا مرض معنى القلب بالخداع والنفاق انحرف كل أفعال الروح عن منهج الاستقامة اذ هو منبع الحياة ومَاكِنَتُها.. وفي تقديم (في قلوبهم) على (مرض) ايماء الى الحصر بجهتين، ومن الايماء اشارة بطريق التعريض الى ان الايمان نور، شأنه أن يعطي لجميع أفعال الانسان وآثاره صحة واستقامة.. وأيضاً في ايماء الحصر رمز الى ان الفساد في الأساس فلا يجدي تعمير الفروعات.. وفي لفظ "المرض" رمز الى قطع عذرهم وإلقامهم الحجر بان الفطرة مهيأة للحقيقة. وما الفساد والخراب الاّ مرض عارض.. وفي تنوين التنكير اشارة الى انه في مكمن عميق لا يرى حتى يداوى.

стр. 94

وفي الخامسة: أعني جملة (فزادهم الله مرضاً) هو: انهم حينما لم يعرفوا انه مرض حتى يتجنبوا منه بل طلبوه مستحسنين له زادهم الله تعالى؛ اذ "مَن طلب وَجَد".. وفي "الفاء" التي هي للتعقيب السببي - مع ان وجود المرض ليس سببا لزيادته - رمزٌ الى انهم لما لم يشخصوا المرض فلم يتحروا وسائل الشفاء بل توسلوا بأسباب الزيادة كمن يضارب خصماً غالباً بيده العليلةصاروا كأنهم طلبوا الزيادة فزادهم الله مرضاً بقلبِ أملهم يأساً مزعجا، بسبب ظفر المؤمنين، وقلب خصومتهم حقداً محرقاً للقلب بسبب غلبة المؤمنين، فتولد من مرضَي اليأس والحقد داء الخوف وعلة الضعف ومرض الذلة فاستولت على القلب. ثم ان الله تعالى لم يقل "فزاد الله مرضهم" بل جعل المفعول تمييزاً للإشارة الى ان المرض الباطنيّ القلبيّ سرى الى الظاهر أيضاً وتعدى الى جميع الأفعال، فكأن هذا الداء الخبيث استولى على وجودهم فكأن وجودهم نفس الداء فزيادة جراحات المرض ونفطاته ١ زيادة لنفس ذواتهم؛ اذ "اِشْتَعَلَ الْبَيْتُ ناراً" يفيد ان النار سرت الى تمام البيت حتى كأن تمام الْبَيْت نار تلتهب بخلاف "اِشْتَعَلتَ نَارُ الْبَيْتِ" فانه يصدق بتلهب النار من أيّ جانب كان. وفي السادسة: أعني جملة (ولهم عذاب اليم) هو: ان "اللام" التي هي للنفع، اشارة الى انه لو كان لهم منفعة لكانت البتة ألماً معذباً دنيوياً، أو عذاباً اخروياً مؤلماً، وكونه منفعة من المحال، فمحال لهم المنفعة.. وفي وصف العذاب بالأليم أي المتألم، مع ان الأليم هو الشخص رمز الى ان العذاب استولى على وجودهم وأحاط بذواتهم ونفذ في بواطنهم بحيث تحولوا بنفس العذاب، وصار العذاب عين ذواتهم، كانقلاب الفحم جمرة نار بنفوذ النار ٢. فاذا نظر الخيال الى صورة العذاب واستمع من جوانبه أنيناً وتألماً وعويلاً تتولد من الحياة المتجددة تحت العذاب يتخيل ان العذاب هو الذي يئنّ ويتألم. فما أشد التهديد لمن تأمل!. .

стр. 95

وفي السابعة: أعني جملة (بما كانوا يكذبون) هو: ان في تعليق العذاب من بين جناياتهم المذكورة بالكذب فقط اشارة الى شدة شناعة الكذب وقبحه وسماجته. وهذه الاشارة شاهد صدق على شدة تأثير سمّ الكذب؛ اذ الكذب أساس الكفر، بل الكفر كذب ورأس الكذب، وهو الأُولى من علامات النفاق. وما الكذب الا افتراء على القدرة الالهية، وضد للحكمة الربانية.. وهو الذي خرّب الأخلاق العالية.. وهو الذي صيّر التشبثات العظيمة كالشبحات المنتنة.. وبه انتشر السمّ في الاسلام.. وبه اختلت احوال نوع البشر.. وهو الذي قيّد العالم الانساني عن كمالاته، واوقفه عن ترقياته.. وبه وقع أمثال مسيلمة الكذاب في أسفل سافلي الخسة.. وهو الحمل الثقيل على ظهر الانسان فيعوقه عن مقصوده.. وهو الاب للرياء والأم للتصنع.. فلهذه الأسباب اُختص بالتلعين والتهديد والنعي النازل من فوق العرش.. فيا أيّها الناس! لاسيما ايّها المسلمون! ان هذه الآية تدعوكم الى الدّقة! فان قلتم: ان الكذب للمصلحة عفو؟ قيل لكم: اذا كانت المصلحة ضروريةً قطعية، مع انه عذر باطل؛ اذ تقرر في اصول الشريعة: ان الأمر الغير المضبوط (أي الذي لايتحصل بسبب كونه قابلا لسوء الاستعمال) لا يصير علة ومداراً للحكم، كما ان المشقة لعدم انضباطها ما صارت علة للقصر، بل العلةُ السفر. ولئن سلّمنا فغلبة الضرر على منفعة شئ تفتى بنَسخه وتكون المصلحةُ في عدمه. وما ترى من الهَرْج والمَرج في حال العالم شاهد على غلبة ضرر عذر المصلحة. الا ان التعريض والكناية ليسا من الكذب. فالسبيل مَثْنَى: إما السكوت؛ اذ "لايلزم من لزومِ صدقِ كلِّ قولٍ قولُ كلِّ صدق". وإما الصدق؛ اذ الصدق هو أساس الاسلامية، وهو خاصة الايمان، بل الايمان صدق ورأسه.. وهو الرابط لكل الكمالات.. وهو الحياة للأخلاق العالية.. وهو العرق الرابط للأشياء بالحقيقة.. وهو تجلّي الحق في اللسان.. وهو محور ترقي الانسان.. وهو نظام العالم الاسلامي.. وهو الذي يُسرع بنوع البشر في طريق الترقي - كالبرق - الى كعبة الكمالات.. وهو الذي يصيّر اخمد الناس وافقره أعزّ من السلاطين.. وبه تفوّق أصحابُ النبيّ ﵊ على جميع الناس.. وبه ارتفع "سَيّدنا محمد الهاشميّ" ﵊ الى أعلى عليي مراتب البشر.

стр. 96

وَاِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الارْض قالُوا انّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ١١ أَلا اِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُون ١٢ اعلم! ان وجه نظم هذه الآية بما قبلها هو: ان الله تعالى لما ذكر الأُولى من الجنايات الناشئة عن نفاقهم وهي ظلمهم أنفسهم وتجاوزهم على حقوق الله تعالى بنتائجها المتسلسلة المذكورة، عقّبها بثانية الجنايات؛ وهي تجاوزهم على حقوق العباد وايقاعهم الفساد بينهم مع تفرعاتها.. ثم ان (اذا قيل) كما انه مربوط باعتبار القصة بـ "يقول" في "ومن الناس من يقول" وباعتبار المآل بـ "يخادعون"؛ كذلك يرتبط باعتبار نفسه بـ "يكذبون". وتغير الأسلوب من الحِملية الى الشرطية امارة ورمز خفي الى مقدَّر بينهما كأنه يقول: "لهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون؛ إذ إذا كذبوا فتنوا، واذا فتنوا أفسدوا، واذا نوصحوا لم يقبلوا، واذا قيل لهم لاتفسدوا الخ". وأما وجه النظم بين الجمل الصريحة والضمنية في هذه الآية: فهو عين النظم والربط في ما أمثّل لك وهو: انك اذا رأيت أحداً يسلك في طريق تنجر الى هلاكه، فاولاً تنصحه قائلا له: مذهبك هذا ينهار بك في البوار فتجنَّب. وان لم ينته بنُهاه تعود عليه بالزجر والنهي والنعي وتؤيد نهيَك وتديمَه في ذهنه إما بتخويفه بنفرة العموم، واما بترقيق قلبه بالشفقة الجنسية كما سيأتيك بيانهما. فان كان ذلك الشخص متعنتا لجوجاً مصراً ألدَّ راكباً متن الجهل المركّب فهو لايسكت بل يدافع عن نفسه، كما هو شأن كل مفسد يرى فساده صلاحا؛ اذ الانسانية لا تخلى ان يرتكب الفساد من حيث هو فساد.. ثم يستدل ويدعي بأن طريقي هذا حق، ومعلوم انه كذلك؛ فلا حق لك في النصيحة فلا احتياج الى نصيحتك.. بل انت محتاج الى التعلم.. فما السبيل السويّ إلاّ سبيلنا، فلا تعرض بوجود طريق أصوب.. وان كان ذلك الشخص اللجوج ذا

стр. 97

الوجهين يكون كلامه ذا اللسانين؛ يداري الناصح لإلزامه بوجه، ويتحفظ على مسلكه بآخر فيقول: أنا مصلح أي ظاهراً كما تطلب وباطناً كما اعتقد.. ثم من شأنه تأييد وتأكيد دعواه بأن الصلاح من صفتي المستمرة، لا اني كنت صالحا الآن بعد فسادي قبل.. ثم اذا كان ذلك الشخص متمردا ًومتنمراً ١ ومصراً في نشر مذهبه، وترويج مسلكه، وتزييف ناصحه وتعريض أهل الحق بهذه الدرجة، ظهر انه لايجدي له دواء، ولم يبق إلا آخر الدواء، أعني: المعالجة لعدم السراية وما هذه المعالجة الا تنبيه الناس واعلامهم بانه مفسد لا صلاح فيه؛ اذ لا يستعمل عقله ولا يستخدم شعوره حتى يحس بهذا الشئ الظاهر المحسوس. فاذا تفهمت الحلقات المسردة في هذا المثال تفطنت ما بين الجمل المنصوصة والمرموزة اليها بالقيود في واذا قيل لهم الى آخره. فان فيما بينها نظما فطريا بايجاز يحمرّ ٢ من تحته الاعجاز. واما نظم هيئات كل جملة جملة: فاعلم! ان جملة (واذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض) القطعية في (اذا) اشارة الى لزوم النهي عن المنكر ووجوبه.. وبناء المفعول في (قيل) رمز الى ان النهي فرض كفاية على العموم.. وفي لام (لهم) ايماء الى ان النهي لابد ان يكون على وجه النصيحة دون التحكم، والنصيحة على وجه اللطف دون التقريع.. و (لاتفسدوا) فذلكة وخلاصة لصورة قياس استثنائي ٣ أي لا تفعلوا هكذا، والاّ نشأ منه الهَرْج والمَرْج، فينقطع خيط الاطاعة، فيتشوش نظام العدالة، فتنحلّ رابطة الاتفاق، فيتولد منه الفساد، فلا تفعلوا لئلا تفسدوا.. ولفظ (في الأرض) تأييد وتأكيد للنهي وادامة للزجر، اذ نهى الناصح موقت لابد من ادامته في ذهن المنصوح بتوكيل وجدانه ليزجره دائما من تحته. وهو اما

стр. 98

بتحريك عرق الشفقة الجنسية، واما بتهييج عرق التنفر من نفرة العموم.. و (في الأرض) هو الذي يوقظ العرقين وينعشهما؛ اذ لفظ (في الارض) يناجيهم بان فسادكم هذا يسري الى نوع البشر فأيّ حقد وغيظ لكم على جميع الناس الذين فيهم المعصومون والفقراء والذين لاتعرفونهم، أفلا تتوجعون لهم ولمَ لاتترحمون بهم؟ هب ان ليست لكم تلك الشفقة الجنسية فلا أقل من أن تلاحظوا ان حركتكم هذه تجلب عليكم معنى نفرة العموم. - فان قلت: أيّ غرض لهم بالعموم وكيف ينجر فسادهم الى الكل؟ قيل لك: كما ان من نظر بمرآة البصر السوداء رأى كل شئ اسود قبيحاً. كذلك من احتجبت بصيرتُه بالنفاق وفسد قلبُه بالكفر رأى كل شئ قبيحاً مبغوضاً، يحصل في قلبه عناد وحقد مع كل البشر بل كل الكائنات.. ثم كما ان انكسار سنّ من جرخ ١ من دولاب من ساعة يتأثر به الكل كلياً أو جزئياً؛ كذلك بنفاق الشخص يتأثر نظام هيئة البشر التي انتظمت بالعدالة والاسلامية والاطاعة. فأسفاً قد تظاهرت سمومهم المتسلسلة حتى انتجت هذه السفالة. وأما جملة (قالوا انما نحن مصلحون) ففي "قالوا" بدل "لايقبلون النصيحة" الظاهر من السياق اشارة الى انهم يدّعون ويدعون الى مسلكهم. وفي (انما) خاصيتان: الاولى: ان مدخوله لابد ان يكون معلوماً حقيقة أو ادعاء. ففيها رمز الى تزييف الناصح واظهار ثباتهم على جهلهم المركب. والثانية: الحصر ففيها اشارة الى ان صلاحهم لايشوبه فساد فليسوا كغيرهم؛ ففي الاشارة رمز الى التعريض بالمؤمنين. وفي اسمية (مصلحون) بدل "نصلح" اشارة الى ان الصلاح صفتنا الثابتة المستمرة فحالنا هذه عين الاصلاح بالاستصحاب.. ثم انهم ينافقون في هذا الكلام أيضا اذ يتبطنون خلاف مايظهرون فباطناً يدعون فسادهم صلاحاً وظاهراً يراؤن أن عملهم لصلاح المؤمنين ومنفعتهم.

стр. 99

وأما جملة (ألا انهم هم المفسدون ولكن لايشعرون) فاعلم! انهم لما ادرجوا في معاطف الجملة السابقة معاني: من ترويج مسلكهم ودعوى ثبوت الصلاح لهم، وان الصلاح صفتهم المستمرة.. وانهم منحصرون عليه.. وان الفساد لايشوب صلاحهم.. وان هذا الحكم ظاهر معلوم.. ومن تعريضهم بالمؤمنين ومنتجهيلهم للناصح؛ أجابهم القرآن الكريم بهذه الجملة المتضمنة لأحكامٍ من اثبات الفساد لهم، وانهم متحدون مع حقيقة المفسدين.. وان الفساد منحصر عليهم.. وان هذا الحكم حقيقة ثابتة.. ومن تنبيه الناس على شناعتهم.. ومن تجهيلهم بنفي الحس عنهم كأنهم جمادات. وان شئت فانظر: الى (ألا) التي للتنبيه كيف تزيِّف بتنبيهها ترويجَهم الناشئ من دعواهم المترشح من "قالوا".. والى "إنّ" التي للتحقيق كيف ترد دعواهم المعلومية بـ "انما"، كأن "إنّ" تقول حالهم في الحقيقة والباطن فساد، فلا يجديهم الصلاح ظاهراً. والى الحصر في "هم" كيف يقابل تعريضهم الضمنيّ في "انما" و"نحن" والى تعريف "المفسدون" - الذي معناه حقيقة المفسدين ترى في ذاتهم فهم هي - كيف يدافع حصرهم المستفاد من "انما" أيضا. والى ولكن (لايشعرون) كيف يدافع تزييفهم الناصح وانهم ليسوا مستحقين للنصيحة بدعوى المعلومية. فتأمل! ***

стр. 100

وَاِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا اِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لايَعْلَمُونَ ١٣ اعلم! ان وجه نظم هذا النوع بالنوع الأول: من حيث انهما نصيحة وارشاد؛ عطف الأمر بالمعروف والتحلية والترغيب، على النهي عن المنكر والتخلية والترهيب.. ومن حيث انهما من الجناية؛ عطف تسفيههم للمؤمنين وغرورهم على افسادهم، كما ربط افسادهم بفسادهم اللاتي كل منها غصن من شجرة زقّوم النفاق. واما وجه النظم بين جمل هذه الآية: فاعلم! انه لما قيل: (واذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس) وأشير بهيئاتها الى وجوب النصيحة على سبيل الكفاية بايمان خالص اتباعا للجمهور الذين هم الناس الكُمّل ليأمرهم الوجدان دائما بهذا الامر، حكى وقال: (قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء) اشارة الى تمردهم وغرورهم ودعواهم انهم على الحق كما هو شأن كل مبطل يرى باطله حقا ويعلم جهله علما؛ اذ بالنفاق تفسَّد قلبُهم، وبالفساد نشأ غرورٌ وميلُ افساد، وبحكم التفسّد تمردوا، وبحكم الافساد يقول بعضهم لبعض متناجيا بالاضلال، وبحكم الغرور يرون شدة الديانة وكمال الايمان المقتضيين للاستغناء والقناعة سفالة وسفاهة وفقراً. ثم بحكم النفاق ينافقون في كلامهم هذا أيضاً؛ اذ ظاهره: كيف نكون كالسفهاء ولسنا مجانين ونحن أخيار كما تطلبون؟ وباطنه كيف نكون كالمؤمنين الذين أكثرهم فقراء وهم في نظرنا سفهاء تحزبوا من اَوْباش ١ الاقوام؟ وعليك التطبيق بين دقائق الجزئين من الشرطية. ثم القمهم الحجر بقوله: (ألا انهم هم السفهاء) ؛ اذ من كان متمرداً بهذه الدرجة وجاهلا بجهله فحقهم الاعلان بين الخلق وتشهيرهم بانحصار السفاهة وانه من الحقائق الثابتة، وان تسفيههم لسفاهة أنفسهم.. ثم قال: (ولكن لايعلمون) اشارة الى انهم جاهلون بجهلهم

стр. 101

فيكون جهلا مركباً فلا يجديهم النصيحة، فلابد ان يعرض عنهم صفحاً؛ اذ لا يفهم النصيحة الا من يعلم جهلَه. وأما وجه النظم في هيئات كل جملة جملة: ففي جملة (واذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس) لفظ (اذا) بجزميته رمز الى لزوم الارشاد بالامر بالمعروف.. وبناء المفعول في (قيل) ايماء الى ان وجوب النصيحة على سبيل الكفاية كما مر.. ولفظ (آمنوا) بدل "اخلصوا في ايمانكم" اشارة الى ان الايمان بلا إخلاص ليس بايمان.. ولفظ (كما آمن) تلويح بالأسوة الحسنة وحسن المثال ليخلصوا على منواله.. وفي لفظ (الناس) نكتتان: وهما السبب في جعل الوجدان آمراً بالمعروف دائما؛ اذ (كما آمن السفهاء) يترشح بـ "فاتبعوا جمهور الناس اذ مخالفة الجمهور خطأ من شأن القلب ان لا يقدم عليه"، وأيضا يلوح بانهم هم الناس فقط كأن من عداهم ليسوا بانسان الا صورة، إما بترقى هؤلاء في الكمالات وانحصار حقيقة الانسانية عليهم وإما بتدني اولئك عن مرتبة الانسانية. اما جملة (قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء) التي مآلها: لا نقبل النصيحة كيف نكون كهؤلاء الأذلاّء؛ اذ هم في نظرنا سفهاء ولا نقاس نحن معاشر أهل الجاه عليهم.. ففي لفظ (قالوا) رمز الى تبرئة النفس وترويج المسلك والاستغناء عن النصيحة والغرور والدعوى.. وفي لفظ (أنؤمن) بالاستفهام الانكاريّ اشارة الى شدة تمردهم في جهلهم المركب، كأنهم بصورة الاستفهام يقولون: ايها الناصح راجع وجدانك هل ترى انصافك يقبل ردّنا.؟ ثم ان في متعلق "قالوا" وجوهاً ثلاثة مترتبة؛ أي: قالوا لأنفسهم، ثم لأبناء جنسهم، ثم لمرشدهم، كما هو شأن كل متنصح اذا نصحه الناصح، فاول الأمر يشاور مع نفسه، ثم يحاور مع ابناء جنسه، ثم يراجعك بنتيجة محاكمتهم. فعلى هذا لما قيل لهم ما قيل راجعوا قلوبهم المتفسدة ووجدانهم المتفسخ فاشارت عليهم بالانكار، فقالوا مترجمين عما في ضميرهم، ثم راجعوا بنظر الافساد الى اخوانهم، فاشاروا عليهم أيضاً بالانكار فأخذوا بنجواهم

стр. 102

ومحاورتهم، ثم رجعوا بطريق الاعتذار والسفسطة الى الناصح فشاغبوا وقالوا: "بيننا فرق لانقاس عليهم إذ هم فقراء مضطرون مجبورون فشدتهم في الديانة وتصوّفهم بالاضطرار. اما نحن فأهل عزة وجاه" فبحكم الغرور يحيلون الناصح على انصافه. وبحكم الخداع والحيلة يتكلمون بكلام ذي لسانين، أي ايها المرشد! لاتظننا سفهاء ولانكون كالسفهاء في نظركم، بل نفعل كما يفعل المؤمنون الخلص. مع ان مرادهم باطناً: لانكون كهؤلاء المؤمنين الفقراء؛ اذ لا اعتداد بهم في نظرنا. ففي هذا اللفظ رمز خفيّ الى فسادهم وافسادهم وغرورهم ونفاقهم.. (كما آمن السفهاء) أي الذين تظنونهم الناس الكاملين هم في نظرنا اذلاء فقراء مجبورون مع كثرتهم، كلٌ منهم سفيهُ قوم. ففي دعواهم الفرق في القياس اشارة الى ان الاسلامية كهف المساكين وملجأ الفقراء وحامية الحق وحافظة الحقيقة ومانعة الغرور وقامعة التكبّر، وما مقياس الكمال والمجد الاّ هي.. وأيضاً في الفرق اشارة الى ان سبب النفاق في الأغلب هو الغرض والغرور والتكبر كما يفسره: (وما نَريكَ اتَّبَعَكَ اِلَاّ الَّذيِنَ هُمْ اَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ) ١. وأيضاً في الفرق اشارة خفية الى ان الاسلامية لاتصير وسيلة التحكم والتغلب في أيدي أهل الدنيا والجاه؛ بل انما هي واسطة لإِحقاق الحق في أيادي أهل الفقر والضرورة خلاف سائر الأديان. ويشهد على هذه الحقيقة التأريخُ. أما جملة (ألا انهم هم السفهاء) فاعلم! ان القرآن الكريم انما أكثر من التشديد والتشنيع على النفاق لأجل ان أكثر بليات العالم الاسلامي من أنواع النفاق.. ثم ان لفظ (ألا) للتنبيه وتشهير سفاهتهم على رؤوس الأشهاد، ولاستشهاد فكر العموم على سفاهتهم. وأصل معنى (ألا) ألا تعلمون انهم سفهاء؟ أي: فاعلموا.. ثم ان "انّ" مرآة الحقيقة ووسيلة اليها كأنه يقول: راجعوا الحقيقة لتعلموا ان سفسطتهم الظاهرية لا أصل لها. ثم لفظ "هم" للحصر لرد تبرئة أنفسهم، ودفع تسفيههم للمؤمنين الذي اشاروا اليه بـ (كما آمن السفهاء) أي ان السفيه مَن ترك الآخرة بالغرور والغرض واللذة الفانية دون من أشترى الباقي بترك الهوسات ٢ الفانية. ثم ان

стр. 103

الألف واللام في "السفهاء" لتعريف الحكم أي معلوم انهم سفهاء. وللكمال أي كمال السفاهة فيهم. أما (ولكن لايعلمون) ففيه اشارات ثلاث: احداها: ان تمييز الحق عن الباطل وتفريق مسلك المؤمنين عن مسلكهم محتاج الى نظر وعلم، بخلاف افسادهم وفتنتهم، فانه ظاهر يحس به مَن له أدنى شعور. ولهذا ذيّل الآية الأولى بـ (ولكن لا يشعرون) . والثانية: ان (لايعلمون) وأمثالها من فواصل الآيات من (لايعقلون) و (لايتفكرون) و (لايتذكرون) وغيرها تشير الى ان الاسلامية مؤسسة على العقل والحكمة والعلم. فمن شأنها ان يقبلها كل عقل سليم لا كسائر الأديان المبنية على التقليد والتعصب. ففي هذه الاشارة بشارة كما ذكرت في موضع آخر. والثالثة: الإعراض عنهم وعدم الاهتمام بهم، اذ النصيحة لا تجديهم، اذ لايعلمون جهلَهم حتى يتحرّوا زوالَه. ***

стр. 104

واِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا امَنَّا وَاِذَا خَلَوْا اِلَى شَياطِينِهِمْ قَالُوا اِنَّا مَعكُمْْ اِنَّمَا نحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ١٤ اَلله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُون ١٥ اعلم! ان وجه نظم مآل هذه الآية بمآل سابقتها: عطف الجناية الرابعة، أعني الاستهزاء والاستخفاف على الجنايات السابقة من التسفيه والافساد والفساد. وان وجه النظم بين جملها هو انه: كما ان للايمان الذي هو نقطة استنادٍ عن الآلام ونقطة استمداد للآمال ثلاث خواص حقيقية: إحداها: عزة النفس الناشئة من "نقطة الاستناد"، ومن شأن عزة النفس عدم التنزّل للتذلّل. والثانية: الشفقة التي من شأنها عدم التذليل والتحقير. والثالثة: احترام الحقائق ومعرفة قيمتها، لأن صاحب غالي القيمة ذو حقيقة، وعنده الجوهر الفريد، وعدم الاستخفاف بالحقيقة لأنه أيضاً رزين؛ كذلك لضد الايمان، أعني النفاق اضدادُ خواصِه الثلاث، فخواص النفاق الناشئة منه: ذلة النفس، وميل الإِفساد، والغرور بتحقير الغير. اذا عرفت هذا، فاعلم! ان النفاق يولِّد ذلةَ النفس وهي تنتج التذللَ، وهو الرياءَ وهو المداهنةَ وهي الكذبَ. فأشار اليه بقوله: واذا لقوا الذين امنوا قالوا آمنا.. ثم لما كان النفاق مفسداً للقلب وفساده ينتج يُتْمَ الروحِ أي عدم الصاحب والحامي والمالك فيتولد الخوف وهو يلجؤه الى التستر، اشار اليه بلفظ واذا خلوا.. ثم لما كان النفاق قاطعا للرحم وقطعُه يزيل الشفقة، وزوالها ينتج الافسادَ وهو الفتنةَ وهي الخيانةَ وهي الضعفَ وهو يضطره الى الالتجاء الى ظهير ومستند، أشار اليه بلفظ الى (شياطينهم) ..

стр. 105

ثم لما كان النفاق جهلا تردديا انتج تذبذب الطبيعة وهو عدم الثبات وهو عدم المسلك وهو عدم الأمنية بهم وهو يجبرهم على تجديد عهدهم، أشار الى هذه السلسلة بلفظ (قالوا إنّا معكم) .. ثم لما احتاجوا الى الاعتذار استخفّوا بالحقيقة لخفتهم، ورخّصوا غالي القيمة لعدم قيمتهم، وأهانوا بالعالي لهون نفسهم وضعفها الذي ينشأ منه الغرور فقال: (قالوا انما نحن مستهزؤن) .. ثم بينما كان السامع منتظراً من انصباب الكلام مقابلةَ المؤمنين لهم رأى ان الله قابلهم بدلاً عن المؤمنين اشارة الى تشريفهم، ورمزاً الى ان استهزاءهم في مقابلة جزاء الله تعالى كالعدم، وايماءً الى حمقهم وزجرهم وردهم؛ اذ كيف يُستَهْزأُ بمن كان الله حاميه؟ فقال تعالى: (الله يستهزئُ بهم) أي يعاقبهم على استهزائهم أشد جزاء بصورة استخفاف وتهكمٍ بهم في الدنيا والآخرة مع الاستمرار التجدديّ.. وجملة (ويمدهم في طغيانهم يعمهون) كشف وتفصيل وتصوير لجزاء استهزائهم بطرز الاستهزاء. أما وجه نظم هيئات كل جملة جملة: فاعلم! ان جملة (اذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) التي سيقت في مداهنتهم؛ قطعية (اذا) فيها ايماءٌ الى الجزم والتعمد والقصد، أي عزموا بعمد وقصد ملاقاتهم.. ولفظ (لقوا) ايماء الى انهم تعمدوا مصادفتهم في الطرق بين ظهراني الناس.. ولفظ (الذين امنوا) بدل "المؤمنين" اشارة الى مباشرتهم معهم وتماسهم بهم، والى ان ارتباطهم معهم بصفة الايمان، والى ان مدار النظر بين أوصاف المؤمنين صفة الايمان فقط.. ولفظ (قالوا) تلويح الى انهم يقولون بأفواههم ماليس في قلوبهم، وان قولهم للتصنع والرياء والمداهنة ودفع التهمة والحرص على جلب منافع المؤمنين والاطلاع على أسرارهم.. ولفظ (آمنا) بلا تأكيد مع اقتضاء المقام اياه، وبايراده جملة فعلية، اشارة الى ان ليس في قلوبهم مشوق وعشق محرك ليتشددوا ويتجلدوا في كلامهم.. وأيضاً ان في ترك التأكيد ايماء الى تشددهم في دفع التهمة عنهم، كأنهم يقولون: انكاركم ليس في موقعه بل في منزلة العدم، اذ لسنا أهلاً

стр. 106

للتهمة.. وأيضاً فيه رمز الى ان التأكيد لايروج عنهم.. وأيضا فيه لمح الى ان هذا الحجاب الرقيق الضعيف على الكذب اذا شدد تمزق.. وأيضا في فعليته اشارة الى انه لايمكن لهم ان يدعوا الثبات والدوام، وانما غرضهم من هذا التصنع الاشتراك في منافع المؤمنين والاطلاع على اسرارهم بادعاء حدوث الايمان. وأما جملة (واذا خلوا الى شياطينهم قالوا انا معكم) فـ "الواو" الجامعة في (واذا) ايماء الى ان هذا الكلام سيق لبيان ان لامسلك لهم، ولبيان تذبذبهم المفصل بهاتين الشرطيتين.. والجزمية في (اذا) رمز الى انهم بحكم الفساد والافساد يرون الالتجاء وظيفةً ضرورية.. ولفظ (خلوا) اشارة الى انهم بحكم الخيانة يتخوفون، وبحكم الخوف يتسترون.. ولفظ (الى) بدل "مع" المناسب لِـ"خلوا" اشارة الى انهم بحكم العجز والضعف يلتجئون، وبحكم الفتنة والافساد يوصلون اسرار المؤمنين الى الكافرين.. ولفظ "الشياطين" اشارة الى ان رؤساءهم كالشياطين متسترون موسوسون، والى انهم كالشياطين يضرون، والى انهم على مذهب الشياطين لايتصورون الاّ الشر. وأما جملة (قالوا إنّا معكم) المسوقة لتبرئة ذمتهم وتجديد عهدهم وثباتهم في مسلكهم، فاعلم! انه أكد مع غير المنِكر هنا، وترك التأكيد مع المنِكر هناك ١ اشارةً ودلالةً على عدم الشوق المحرك في قلب المتكلم هناك ووجوده هنا. أما اسمية هذا وفعلية ذاك، فلأن المقصود اثبات الثبوت والدوام في ذا، والحدوث في ذلك. أما (انما نحن مستهزؤن) فاعلم! انه لم يعطف، اذ الوصل انما هو بالتوسط بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع. مع ان هذه الجملة بدلٌ بجهة وتأكيد بجهة وهما من كمال الاتصال، وجوابُ سؤالٍ مقدَّر بجهة أخرى، وهو من كمال الانقطاع لخبرية الجواب وانشائية السؤال في الأغلب.. أما وجه التأكيد ويقرب منه البدل فهو: ان مآلها اهانة الحق وأهله فيكون تعظيما للباطل وأهله وهو مآل (إنّا معكم) .. وأما وجه الجوابية للسؤال المقدر فكأن شياطينهم يقولون لهم: "ان كنتم معنا وفي مسلكنا فما بالكم توافقون المؤمنين؟ فإما انتم في مذهبهم او لامذهب لكم" فاعتذَروا مجيبين بـ (إنما نحن مستهزؤن) فصرحوا بانهم ليسوا من الاسلام في شئ، وأشاروا

стр. 107

بحصر (انما) الى انهم ليسوا مذبذبين بلا مذهب معلوم، وباسمية (مستهزؤن) الى ان الاستهزاء شأنهم وصفتهم. ففعلهم هذا ليس بالجد. وأما جملة (الله يستهزئ بهم) فاعلم! انها لم توصل بسوابقها بل فصلت فصلا؛ لأنها لو عطفت فإما على (نما نحن مستهزؤن) وهو يقتضي ان تكون هذه أيضاً تأكيداً لـ (انا معكم) .. وإما على (قالوا) وهو يقتضي ان تكون هذه أيضاً مقولا لهم.. وإما على (قالوا) وهو يقتضي ان تكون هذه أيضاً مقيدة بوقت الخلوة مع ان استهزاء الله بالدوام.. وإما على (اذا خلوا) وهو يقتضي ان تكون هذه من تتمة صفة تذبذبهم.. وإما على (اذا لقوا) وهو يستلزم ان يكون الغرض منهما واحداًً. مع ان الأول لبيان العمل، والثاني للجزاء، واللوازم باطلة، فالوصل لايصح. فلم يبق الا ان تكون مستأنفة جواباً لسؤال مقدّر. ثم ان في هذا الاستيناف ايماءً ورمزاً الى ان شناعتهم وخباثتهم بلغت درجة تجبر روح كل سامعٍ وراءٍ ان يسأل بـ"كيف جزاء مَن هذا عمله؟ ". ثم ان الافتتاح بلفظة (الله) مع ان ذهن السامع كان منتظراً لتلقي مقابلة المؤمنين معهم، اشارة الى تشريف المؤمنين وترحمه عليهم، اذ قد قابل بدلا عنهم.. وأيضاً رمز الى زجرهم؛ اذ لايُستهزأ بمن استناده بعلاّم الغيوب.. وأيضاً ايماء بالاقتطاع وعدم النظر الى تقرر استهزائهم الى ان استهزاءهم كالعدم بالنظر الى جزائه.. ثم ان التعبير عن نكايات الله تعالى معهم بالاستهزاء - الذي لايليق بشأنه تعالى - للمشاكلة في الصحبة، وللرمز الى ان النكاية جزاء للاستهزاء ونتيجة ولازمة له، مع أن المراد لازم الاستهزاء، أعني التحقير.. وأيضاً ايماء الى ان استهزاءهم الذي لا يفيد بل يضر عين استهزاء الله تعالى معهم؛ كمن يظن انه يستهزئ بك مع انك تراه كالمجنون تريد ان يتكلم ولو بشتمك لتضحك منه، فاستهزاؤه بعض استهزائك. ثم في (يستهزئ) مضارعا مع ان السابق (مستهزؤن) اسم فاعل اشارة الى ان نكايات الله تعالى وتحقيراته تتجدد عليهم ليحسوا بالألم ويتأثروا به؛ اذ ما استمر على نسق يقلّ تأثيره بل قد يعدم. ولذا قيل شرط الاحساس الاختلاف.

стр. 108

أما (ويمدهم في طغيانهم يعمهون) أي توسلوا بأسباب الضلالة وطلبوها فأعطاهم الله تعالى.. ففي لفظ "يمد" رمز الى رد الإعتزال، وفي تضمّن "يمد" للاستمداد ايماء الى ردّ الجبر، أي اختاروا بسوء اختيارهم واستمدوا، فأمدّهم الله تعالى وأرخى عنانهم.. وفي اضافة الطغيان الى "هم" أي ان لهم فيه اختياراً رمز الى رد عذرهم بالمجبورية.. وفي الطغيان اشارة الى ان ضررهم متعد استغرق المحاسن كالسيل وهدم أساس الكمالات فلم يبق الاّ غثاء أحوى. و (يعمهون) أي: يتحيرون ويترددون. وفيه اشارة الى انه لامسلك لهم وليس لهم مقصود معين. ***

стр. 109

اُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ١٦ اعلم! ان وجه نظمها بسابقتها هو: ان هذه الآية فذلكة واجمال للتفاصيل السابقة، وتصوير لها بصورة عالية مؤثرة. وتخصيص اسلوب التجارة للتمثيل، لأجل ان المخاطبين في الصف الأول قد ذاقوا حلو التجارة ومرّها برحلتي الصيف والشتاء. ووجه المناسبة هو أن نوع البشر اُرسل الى الدنيا لا للتوطن فيها، بل ليتّجروا في رأس مالهم من الاستعدادات والقابليات ليزرعوا ثم يتصرفوا في غلاّتها. ثم ان وجه النظم بين جمل هذه الآية هو: انها ترتبت ترتبا فطريّاً سلساً على نسق اسلوب التمثيل وهو هذا: ان تاجراً مغبونا مخذولاً أعطي له رأسُ مالٍ غالٍ فاشترى به السموم وما يضره، فتصرف فيه، فلم يربح ولم يفد؛ بل ألقاه في خسارة على خسارة، فأضاع رأس ماله، ثم أضل الطريق؛ بحيث لا يستطيع ان يرجع. أما نظم هيئات جملة جملة: فلفظ (اولئك) موضوع لاحضار المحسوس البعيد: أما الإحضار فإشارة الى أن من شأن كل سامع اذا سمع تلك الجنايات المذكورة ان يحصل شيئاً فشيئاً في قلبه نفرة وغيظ يتشدد تدريجاً بحيث يريد ان يراهم ليتشفّى الغيظ منهم، ويقابلهم بالنفرة والتحقير.. وأما المحسوسية فرمز الى أن الاتصاف بهذه الاوصاف العجيبة يجسّمهم في الذهن حتى صاروا محسوسين نصب الخيال. ومن المحسوسية رمز الى علة الحكم بسر إنجرار المعصية الى المعصية.. وأما البُعدية فاشارة الى شدة بُعدهم عن الطريق الحق، ذهبوا الى حيث لايرجعون، فالذهاب في أيديهم دون الإياب.

стр. 110

ولفظ (الذين) إشارة الى ان هذا نوع من التجارة عجيب خبيث تحدَّثَ وطَفِقَ ان يصير أساساً ومسلكا يمر عليه ناس؛ اذ قد مر ان الموصول اشارة الى الحقائق الجديدة التي اخذت في الانعقاد. ولفظ (اشتروا) اشارة الى رد اعتذارهم بـ "ان فطرتنا هكذا". فكأن القرآن الكريم يقول لهم: لا!. ولقد أعطاكم الله أنفاسَ العمر رأسَ مالٍ، وأودع في روحكم استعداد الكمال، وغرس في وجدانكم نواة الحقيقة وهي الهداية الفطرية لتشتروا السعادة فاشتريتم بدلها - بل بتركها - اللذائذ العاجلة والمنافع الدنيوية فاخترتم بسوء اختياركم مسلك الضلالة على منهج الهداية، فافسدتم الهداية الفطرية، وضيعتم رأس مالكم. ولفظ (الضلالة بالهدى) فيه اشارة الى انهم خسروا خسارة على خسارة. اذ كما خسروا بالضلالة؛ كذلك خسروا بترك النعمة العظيمة التي هي الهداية. أما جملة (فما ربحت تجارتهم) فاعلم! ان في تخصيص نفي الربح - مع انهم كما قد خسروا فقد أضاعوا رأس المال أيضاً - اشارة الى من شأن العاقل ان لايقدم على تجارة لاربح فيها، فضلاً عما فيها خسارة واضاعة رأس المال.. ثم في اسناد الفعل الى التجارة مع ان الأصل "فما ربحوا في تجارتهم" اشارة الى ان تجارتهم هذه بجميع أجزائها وكل أحوالها وقاطبة وسائطها لا فائدة فيها لا جزئياً ولا كليا؛ لا كبعض التجارات التي لايكون في محصلها وفذلكتها ربح، ولكن في أجزائها فوائد، ولوسائط خدمتها استفادات.. أما هذه فشرّ محض وضرر بحت. ونظير هذا الاسناد "نامَ لَيْلُهُ"بدل "نام في الليل"؛ اذ الأول يفيد ان ليله أيضا ساكن وساكت كالنائم لا يحرِّك ليلته شئ ولا يموِّجه طارق. وأما جملة (وما كانوا مهتدين) أي كما خسروا وأضاعوا المال؛ كذلك قد اضلوا الطريق، فترشيح وتزيين كسابقتها لأسلوب "اشتروا".. وأيضاً فيها رمز خفيّ الى "هدى للمتقين" في رأس السورة. كأنه يقول: اعطى القرآن الكريم الهداية فما قبل هؤلاء. ***
следующие страницы →