← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7849

إشارات الإعجاز

بديع الزمان النورسي

Полный текст (242 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

للتهمة.. وأيضاً فيه رمز الى ان التأكيد لايروج عنهم.. وأيضا فيه لمح الى ان هذا الحجاب الرقيق الضعيف على الكذب اذا شدد تمزق.. وأيضا في فعليته اشارة الى انه لايمكن لهم ان يدعوا الثبات والدوام، وانما غرضهم من هذا التصنع الاشتراك في منافع المؤمنين والاطلاع على اسرارهم بادعاء حدوث الايمان. وأما جملة (واذا خلوا الى شياطينهم قالوا انا معكم) فـ "الواو" الجامعة في (واذا) ايماء الى ان هذا الكلام سيق لبيان ان لامسلك لهم، ولبيان تذبذبهم المفصل بهاتين الشرطيتين.. والجزمية في (اذا) رمز الى انهم بحكم الفساد والافساد يرون الالتجاء وظيفةً ضرورية.. ولفظ (خلوا) اشارة الى انهم بحكم الخيانة يتخوفون، وبحكم الخوف يتسترون.. ولفظ (الى) بدل "مع" المناسب لِـ"خلوا" اشارة الى انهم بحكم العجز والضعف يلتجئون، وبحكم الفتنة والافساد يوصلون اسرار المؤمنين الى الكافرين.. ولفظ "الشياطين" اشارة الى ان رؤساءهم كالشياطين متسترون موسوسون، والى انهم كالشياطين يضرون، والى انهم على مذهب الشياطين لايتصورون الاّ الشر. وأما جملة (قالوا إنّا معكم) المسوقة لتبرئة ذمتهم وتجديد عهدهم وثباتهم في مسلكهم، فاعلم! انه أكد مع غير المنِكر هنا، وترك التأكيد مع المنِكر هناك ١ اشارةً ودلالةً على عدم الشوق المحرك في قلب المتكلم هناك ووجوده هنا. أما اسمية هذا وفعلية ذاك، فلأن المقصود اثبات الثبوت والدوام في ذا، والحدوث في ذلك. أما (انما نحن مستهزؤن) فاعلم! انه لم يعطف، اذ الوصل انما هو بالتوسط بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع. مع ان هذه الجملة بدلٌ بجهة وتأكيد بجهة وهما من كمال الاتصال، وجوابُ سؤالٍ مقدَّر بجهة أخرى، وهو من كمال الانقطاع لخبرية الجواب وانشائية السؤال في الأغلب.. أما وجه التأكيد ويقرب منه البدل فهو: ان مآلها اهانة الحق وأهله فيكون تعظيما للباطل وأهله وهو مآل (إنّا معكم) .. وأما وجه الجوابية للسؤال المقدر فكأن شياطينهم يقولون لهم: "ان كنتم معنا وفي مسلكنا فما بالكم توافقون المؤمنين؟ فإما انتم في مذهبهم او لامذهب لكم" فاعتذَروا مجيبين بـ (إنما نحن مستهزؤن) فصرحوا بانهم ليسوا من الاسلام في شئ، وأشاروا

стр. 107

بحصر (انما) الى انهم ليسوا مذبذبين بلا مذهب معلوم، وباسمية (مستهزؤن) الى ان الاستهزاء شأنهم وصفتهم. ففعلهم هذا ليس بالجد. وأما جملة (الله يستهزئ بهم) فاعلم! انها لم توصل بسوابقها بل فصلت فصلا؛ لأنها لو عطفت فإما على (نما نحن مستهزؤن) وهو يقتضي ان تكون هذه أيضاً تأكيداً لـ (انا معكم) .. وإما على (قالوا) وهو يقتضي ان تكون هذه أيضاً مقولا لهم.. وإما على (قالوا) وهو يقتضي ان تكون هذه أيضاً مقيدة بوقت الخلوة مع ان استهزاء الله بالدوام.. وإما على (اذا خلوا) وهو يقتضي ان تكون هذه من تتمة صفة تذبذبهم.. وإما على (اذا لقوا) وهو يستلزم ان يكون الغرض منهما واحداًً. مع ان الأول لبيان العمل، والثاني للجزاء، واللوازم باطلة، فالوصل لايصح. فلم يبق الا ان تكون مستأنفة جواباً لسؤال مقدّر. ثم ان في هذا الاستيناف ايماءً ورمزاً الى ان شناعتهم وخباثتهم بلغت درجة تجبر روح كل سامعٍ وراءٍ ان يسأل بـ"كيف جزاء مَن هذا عمله؟ ". ثم ان الافتتاح بلفظة (الله) مع ان ذهن السامع كان منتظراً لتلقي مقابلة المؤمنين معهم، اشارة الى تشريف المؤمنين وترحمه عليهم، اذ قد قابل بدلا عنهم.. وأيضاً رمز الى زجرهم؛ اذ لايُستهزأ بمن استناده بعلاّم الغيوب.. وأيضاً ايماء بالاقتطاع وعدم النظر الى تقرر استهزائهم الى ان استهزاءهم كالعدم بالنظر الى جزائه.. ثم ان التعبير عن نكايات الله تعالى معهم بالاستهزاء - الذي لايليق بشأنه تعالى - للمشاكلة في الصحبة، وللرمز الى ان النكاية جزاء للاستهزاء ونتيجة ولازمة له، مع أن المراد لازم الاستهزاء، أعني التحقير.. وأيضاً ايماء الى ان استهزاءهم الذي لا يفيد بل يضر عين استهزاء الله تعالى معهم؛ كمن يظن انه يستهزئ بك مع انك تراه كالمجنون تريد ان يتكلم ولو بشتمك لتضحك منه، فاستهزاؤه بعض استهزائك. ثم في (يستهزئ) مضارعا مع ان السابق (مستهزؤن) اسم فاعل اشارة الى ان نكايات الله تعالى وتحقيراته تتجدد عليهم ليحسوا بالألم ويتأثروا به؛ اذ ما استمر على نسق يقلّ تأثيره بل قد يعدم. ولذا قيل شرط الاحساس الاختلاف.

стр. 108

أما (ويمدهم في طغيانهم يعمهون) أي توسلوا بأسباب الضلالة وطلبوها فأعطاهم الله تعالى.. ففي لفظ "يمد" رمز الى رد الإعتزال، وفي تضمّن "يمد" للاستمداد ايماء الى ردّ الجبر، أي اختاروا بسوء اختيارهم واستمدوا، فأمدّهم الله تعالى وأرخى عنانهم.. وفي اضافة الطغيان الى "هم" أي ان لهم فيه اختياراً رمز الى رد عذرهم بالمجبورية.. وفي الطغيان اشارة الى ان ضررهم متعد استغرق المحاسن كالسيل وهدم أساس الكمالات فلم يبق الاّ غثاء أحوى. و (يعمهون) أي: يتحيرون ويترددون. وفيه اشارة الى انه لامسلك لهم وليس لهم مقصود معين. ***

стр. 109

اُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ١٦ اعلم! ان وجه نظمها بسابقتها هو: ان هذه الآية فذلكة واجمال للتفاصيل السابقة، وتصوير لها بصورة عالية مؤثرة. وتخصيص اسلوب التجارة للتمثيل، لأجل ان المخاطبين في الصف الأول قد ذاقوا حلو التجارة ومرّها برحلتي الصيف والشتاء. ووجه المناسبة هو أن نوع البشر اُرسل الى الدنيا لا للتوطن فيها، بل ليتّجروا في رأس مالهم من الاستعدادات والقابليات ليزرعوا ثم يتصرفوا في غلاّتها. ثم ان وجه النظم بين جمل هذه الآية هو: انها ترتبت ترتبا فطريّاً سلساً على نسق اسلوب التمثيل وهو هذا: ان تاجراً مغبونا مخذولاً أعطي له رأسُ مالٍ غالٍ فاشترى به السموم وما يضره، فتصرف فيه، فلم يربح ولم يفد؛ بل ألقاه في خسارة على خسارة، فأضاع رأس ماله، ثم أضل الطريق؛ بحيث لا يستطيع ان يرجع. أما نظم هيئات جملة جملة: فلفظ (اولئك) موضوع لاحضار المحسوس البعيد: أما الإحضار فإشارة الى أن من شأن كل سامع اذا سمع تلك الجنايات المذكورة ان يحصل شيئاً فشيئاً في قلبه نفرة وغيظ يتشدد تدريجاً بحيث يريد ان يراهم ليتشفّى الغيظ منهم، ويقابلهم بالنفرة والتحقير.. وأما المحسوسية فرمز الى أن الاتصاف بهذه الاوصاف العجيبة يجسّمهم في الذهن حتى صاروا محسوسين نصب الخيال. ومن المحسوسية رمز الى علة الحكم بسر إنجرار المعصية الى المعصية.. وأما البُعدية فاشارة الى شدة بُعدهم عن الطريق الحق، ذهبوا الى حيث لايرجعون، فالذهاب في أيديهم دون الإياب.

стр. 110

ولفظ (الذين) إشارة الى ان هذا نوع من التجارة عجيب خبيث تحدَّثَ وطَفِقَ ان يصير أساساً ومسلكا يمر عليه ناس؛ اذ قد مر ان الموصول اشارة الى الحقائق الجديدة التي اخذت في الانعقاد. ولفظ (اشتروا) اشارة الى رد اعتذارهم بـ "ان فطرتنا هكذا". فكأن القرآن الكريم يقول لهم: لا!. ولقد أعطاكم الله أنفاسَ العمر رأسَ مالٍ، وأودع في روحكم استعداد الكمال، وغرس في وجدانكم نواة الحقيقة وهي الهداية الفطرية لتشتروا السعادة فاشتريتم بدلها - بل بتركها - اللذائذ العاجلة والمنافع الدنيوية فاخترتم بسوء اختياركم مسلك الضلالة على منهج الهداية، فافسدتم الهداية الفطرية، وضيعتم رأس مالكم. ولفظ (الضلالة بالهدى) فيه اشارة الى انهم خسروا خسارة على خسارة. اذ كما خسروا بالضلالة؛ كذلك خسروا بترك النعمة العظيمة التي هي الهداية. أما جملة (فما ربحت تجارتهم) فاعلم! ان في تخصيص نفي الربح - مع انهم كما قد خسروا فقد أضاعوا رأس المال أيضاً - اشارة الى من شأن العاقل ان لايقدم على تجارة لاربح فيها، فضلاً عما فيها خسارة واضاعة رأس المال.. ثم في اسناد الفعل الى التجارة مع ان الأصل "فما ربحوا في تجارتهم" اشارة الى ان تجارتهم هذه بجميع أجزائها وكل أحوالها وقاطبة وسائطها لا فائدة فيها لا جزئياً ولا كليا؛ لا كبعض التجارات التي لايكون في محصلها وفذلكتها ربح، ولكن في أجزائها فوائد، ولوسائط خدمتها استفادات.. أما هذه فشرّ محض وضرر بحت. ونظير هذا الاسناد "نامَ لَيْلُهُ"بدل "نام في الليل"؛ اذ الأول يفيد ان ليله أيضا ساكن وساكت كالنائم لا يحرِّك ليلته شئ ولا يموِّجه طارق. وأما جملة (وما كانوا مهتدين) أي كما خسروا وأضاعوا المال؛ كذلك قد اضلوا الطريق، فترشيح وتزيين كسابقتها لأسلوب "اشتروا".. وأيضاً فيها رمز خفيّ الى "هدى للمتقين" في رأس السورة. كأنه يقول: اعطى القرآن الكريم الهداية فما قبل هؤلاء. ***

стр. 111

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا اَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لايُبْصِروُن ١٧ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ١٨ اَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ اَصَابِعَهُمْ فِي اذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوتِ وَالله مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ١٩ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ اَبْصَارَهُمْ كُلَّما اَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَاِذَا اَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَاَبْصَارِهِمْ اِنَّ الله عَلى كُلِّ شيْءٍ قَديرٌ ٢٠ إعلم! ان أساس اعجاز القرآن الكريم في بلاغة نظمه. وبلاغة النظم على قسمين: قسم كالحلية وقسم كالحلّة: فالأول: كاللآلئ المنثورة والزينة المنشورة والنقش المرصع. ومعدنه الذي يتحصل منه هو توخّي المعاني النحوية الحرفية فيما بين الكلم، كإذابة الذهب بين أحجار فضة. وثمرات هذا النوع هي اللطائف التي تعهد بيانها فن المعاني.. والقسم الثاني: هو كلباس عال وحلة فاخرة قدّت من اسلوب على مقدار قامات المعاني، وخيطت من قطعات خيطاً منتظماً فيلبس على قامة المعنى أو القصة أو الغرض دفعة. وصناع هذا القسم والمتكفل به فن البيان.. ومن أهم مسائل هذا القسم التمثيل. ولقد أكثر القرآن الكريم من التمثيلات الى ان بلغت الألف؛ لأن في التمثيل سراً لطيفاً وحكمة عالية؛ اذ به يصير الوهم مغلوباً للعقل، والخيال مجبوراً للانقياد للفكر، وبه يتحول الغائب حاضراً، والمعقول محسوساً، والمعنى مجسماً، وبه يجعل المتفرق مجموعاً، والمختلط ممتزجا، والمختلف متحداً، والمنقطع متصلا، والأعزل مسلّحا. وان شئت التفصيل فاستمع معي لما يترنم به صاحب دلائل الاعجاز في أسرار بلاغته ١؛ حيث قال:

стр. 112

فصل في مواقع التمثيل وتأثيره اعلم! ان مما اتفق العقلاء عليه: ان التمثيل اذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية الى صورته، كساها ابهةً، وكسبها منقبةً، ورفع من أقدارها، وشب من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب اليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفاً، وقسر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفاً. فان كان مدحاً كان أبهى وأفخمَ، وأنبلَ في النفوس وأعظمَ، وأهزَّ للعِطْف، وأسرعَ للإلف، وأجلبَ للفرح، وأغلبَ على الممتدح، وأوجَبَ شفاعة للمادح، واقضى له بغرّ المواهب والمنائح، وأسيرَ على الألسن واذكرَ، وأولى بان تعلقه القلوب وأجدرَ. وإن كان ذماًْ كان مَسُّه أوجعَ، ومِيسمه ألذَع، ووقعه أشدَّ، وحدُّه احدَّ. وإن كان حجاجاً كان برهانه انورَ، وسلطانه اقهرَ، وبيانه ابهَر. وإن كان افتخاراً كان شأوه ابعدَ، وشرفه اجدَّ، ولسانه ألدَّ. وإن كان اعتذاراً كان الى القلوب اقربَ، وللقلوب أخلبَ، وللسخائم اسلّ، ولغرب الغضب افلَّ، وفي عُقَد العقود انفثَ، وعلى حسن الرجوع أبعثَ. وإن كان وعظاً كان أشفى للصدر، وادعى الى الفكر، وأبلغ في التنبيه والزجر، وأجدر بأن يَجْلي الغياية (١) ، ويبصر الغاية، ويبرئ العليل، ويشفي الغليل ... وهكذا الحكم اذا استقريت فنون القول وضروبه، وتتبعت أبوابه وشعوبه. (انتهى) .. ثم ان في الآيات الآتية دلائل اعجاز واسرار بلاغة فذكرناها هنا لمناسبتها لمسائل المقدمة الآتية. فمثال التمثيل في مقام المدح ما ذكره القرآن الكريم في وصف الصحابة من: (١) الغياية: ضوء شعاع الشمس، قعر البئر، وكل ما أظل الإنسان كالسحابة والغبرة.

стр. 113

(وَمَثَلهُمْ فِي الاْنْجِيلِ كَزَرْعٍ اَخْرَجَ شَطْئَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاستَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ) (١) وقس نظائره.. وفي مقام الذم: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ ان تَحْمِل عَلَيه يَلْهَثْ أو تَتْركْه يَلْهَثْ) (٢) و (مَثَل الذين حُمّلوا التورية ثم لم يحملوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسفاراً) (٣) و (اِنَّا جَعَلْنَا في اَعْنَاقِهِمْ اَغْلَالاً فَهِيَ اِلَى الاْذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) (٤) وقس. وفي مقام الاحتجاج والاستدلال: (مَثَلهم كمثل الذي استَوقَدَ ناراً) و (او كَصَيِّبٍ مِن السماءِ فيه ظُلُماتٌ الى آخره وومَثَلُ الذين كفروا كَمَثلِ الذي يَنْعِق بما لا يسمع الاّ دعاءً ونداءً) (٥) و (مثل الذين اتخذوا مِن دون الله اولياءَ كمثلِ العنكبوتِ اتخذتْ بيتاً) (٦) و (أنزل من السماء ماءً فسالتْ أوديةٌ بقَدَرها فاحتملَ السيلُ زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار ابتغاءَ حليةٍ أو متاع زَبَدٌ مِثْلُه) (٧) و (ضَرَبَ الله مثلاً رجلاً فيه شركاءُ مُتَشاكِسون ورجُلاً سَلَما لِرَجُلٍ هل يستويان مثلا) (٨) وقس عليه. ونظير مثال الافتخار - وان لم يسمّ افتخاراً - بيان عظمته تعالى وكمالاته الإلهية قوله تعالى: (وما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِه والأرضُ جَميعاً قَبْضَتُه يومَ القيامةِ والسمواتُ مطويّاتٌ بِيَمِينِهِ سبحانه وتعالى عما يشركون) (٩) وقس عليه. ومثال التمثيل في مقام الاعتذار لايوجد الا حكايات أهل الأعذار الباطلة للاحتجاج عليهم كقوله: (وقالوا قُلُوبُنا في اكنّة مما تدعونا اليه وفي اذانِنا وَقْرٌ ومِنْ بَيننا وبينك حِجَابٌ) (١٠) وقس ... ومن الشعر: لاتَحْسَبُوا اَنَّ رَقْصِي بيْنَكُمْ طَرَبٌ فَالطّيْرُ يَرْقُصُ مَذبُوحاً مِنَ الاْلَمِ (١) سورة الفتح: ٢٩. (٢) سورة الاعراف: ١٧٦. (٣) سورة الجمعة: ٥. (٤) سورة يس: ٨. (٥) سورة البقرة: ١٧١. (٦) سورة العنكبوت: ٤١. (٧) سورة الرعد: ١٧. (٨) سورة الزمر: ٢٩. (٩) سورة الزمر: ٦٧. (١٠) سورة فصلت: ٥.

стр. 114

ومثاله من الوعظ في وصف نعيم الدنيا ما ذكره القرآن الكريم من: (كمثل غَيْثٍ أعْجَبَ الكفار نَبَاتُه ثم يَهيجُ فتريه مُصْفرّاً ثم يكون حُطاماً) (١) و (أَلَم تَرَ ان الله انزَل مِن السماءِ ماءً فَسَلكه ينابيعَ في الأرضِ ثم يُخرِجُ بهِ زَرْعا مُختلفاً ألوانُه) (٢) و (اِنّا عَرَضْنا الأمانةَ على السمواتِ والأرضِ والجبالِ فأَبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشفقنَ مِنها وحَمَلَها الإِنسانُ إِنه كانَ ظَلُوماً جَهُولاً) (٣) و (لو أنزلْنا هذا القرآنَ على جَبَلٍ لرأيتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِن خَشْيَةِ الله وتِلكَ الامثالُ نَضْرِبُها للناسِ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرونَ) (٤) و (فَمَالَهُمْ عَن التَذْكِرِةِ مُعْرِضِينَ _ كَأنهُم حَمُرٌ مُستَنْفِرةٌ _ فَرَّتْ مِن قَسْوَرة) (٥) و (مثل الذين يُنفِقونَ أَموالَهُمْ في سبيل الله كَمَثلِ حَبةٍ اَنْبَتَتْ سَبْعَ سنابلَ في كلِّ سُنْبلة مائةُ حَبَّة) (٦) و (كمثل جَنَّة بِرَبْوة اَصابها وابل) (٧) .. وفي احباط العمل الصالح بالايذاء والرياء: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُم أن تكون له جنةٌ مِن نَخيلٍ وأَعْنابٍ تجري من تحتها الأنهارُ له فيها مِن كلِّ الثَّمَراتِ وأَصابَه الكِبَرُ وله ذُريةٌ ضُعَفاء فأصابَها إعصارٌ فيه نارٌ فاحْتَرَقَتْ) (٨) و (مثلُ الذينَ كَفَروا بِرَبِّهِمْ اعمالُهم كَرَمادٍ اشتدتْ به الريحُ في يومٍ عاصفٍ لايَقدِرونَ مِما كَسَبوا عَلى شيءٍ ذلك هو الضلالُ البعيدُ) (٩) . ومثاله من طبقات الكلام في مقام الوصف: (ثمَّ استوى الى السماءِ وهي دخانٌ فقالَ لها وللأرض ائتيا طَوْعاً أو كرهاً قَالتا أَتَيْنا طائِعين) (١٠) و (قيلَ يا أرضُ ابلَعي ماءَك ويا سماءُ اقلعي وغيضَ الماء وقُضِيَ الأمر واستوتْ على الجُوديّ وقيلَ بُعداً للقومِ الظالِمين) (١١) و (اَلَمْ تَرَ كيفَ ضَرَبَ الله مَثَلاً كلمةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ اصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماء _ تُؤتي أُكُلَها كلَّ حِينٍ بإِذنِ رَبِّها) (١٢) و (ومثلُ كلمةٍ خبيثةٍ كشجرةٍ خبيثةٍ اجتُثَّتْ مِن فوقِ الأرضِ مَالَها مِن قَرارٍ) (١٣) .. (١) سورة الحديد: ٢٠. (٢) سورة الزمر: ٢١. (٣) سورة الاحزاب: ٧٢. (٤) سورة الحشر: ٢١. (٥) سورة المدثر: ٤٩، ٥٠، ٥١. (٦) سورة البقرة: ٢٦١. (٧) سورة البقرة: ٢٦٥. (٨) سورة البقرة: ٢٦٦. (٩) سورة ابراهيم: ١٨. (١٠) سورة فصلت: ١١. (١١) سورة هود: ٤٤. (١٢) سورة ابراهيم: ٢٤، ٢٥. (١٣) سورة ابراهيم: ٢٦.

стр. 115

ومن الشعر: والليل تجري الدراري في مجرته كالروض تطفو على نهر ازاهيره (١) اعلم! ان في كل آية من هذه الآيات التمثيلية طبقاتٍ ومراتبَ وصوراً وأساليبَ متنوعة. كلٌ منها - في كلٍ منها - كفيل وضامن لطائفة من الحقائق. وكما انك اذا أخذت قوارير من فضة وزيّنتها بذوب الذهب، ثم نقشتها بجواهرَ، ثم صيّرتها ذوات نور (٢) بإدراج "الكتريق" (٣) ترى فيها طبقات حسن وانواعَ زينة؛ كذلك في كل من تلك الآيات من المقصد الأصليّ الى الأسلوب التمثيليّ قد شرعت اشارات ومُدّت رموز الى مقامات كأن أصل المقصد تدحرج على المراتب وأخذ من كلٍ لوناً وحصة حتى صارت تلك الكلمات من جوامع الكلمات بل من جمع الجوامع. فصل ومقدمة اعلم! ان المتكلم كما يفيد المعنى ثم يُقْنِع العقل بواسطة الدليل؛ كذلك يلقي الى الوجدان حسِّياتٍ بواسطة صور التمثيل فيحرك في القلب الميل أو النفرة ويهيئُه للقبول. فالكلام البليغ ما استفاد منه العقل والوجدان معاً، فكما يتداخل الى العقل يتقطر الى الوجدان أيضا. والمتكفل لهذين الوجهين التمثيلُ؛ اذ هو يتضمن قياساً وينعكس به في مرآة الممثل القانون المندمج في الممثل به. فكأنه دعوى مدلَّل. كما تقول في رئيس يكابد البلايا لراحة رعيته: (الجبل العالي يتحمّل مشاقّ الثلج والبَرَد، وتخضرّ من تحته الأودية) . ثم ان أساس التمثيل هو التشبيه. ومن شأن التشبيه تحريك حسّ النفرة أو الرغبة أو الميلان أو الكراهية أو الحيرة أو الهيبة؛ فقد يكون للتعظيم أو التحقير أو الترغيب أو التنفير أو التشويه أو التزيين أو التلطيف الى آخره ... فبصورة الأسلوب يوقَظ الوجدان وينبَّه الحسُّ بميلٍ أو نفرة. (١) قائله ابن النبيه المصرى في مدح الايوبيين توفي سنة ٦١٩هـ. (٢) ذوات انوار (ش) . (٣) الكهرباء.

стр. 116

ثم ان مما يحوِّج الى التمثيل عمق المعنى ودقته ليتظاهر بالتمثيل، أو تفرّق المقصد وانتشاره ليرتبط به. ومن الأوّل متشابهات القرآن الكريم؛ اذ هي عند أهل التحقيق نوع من التمثيلات العالية وأساليب لحقائق محضة ومعقولات صرفة؛ ولأن العوام لايتلقون الحقائق في الأغلب الاّ بصورة متخيلة، ولا يفهمون المعقولات الصرفة الاّ بأساليب تمثيلية لم يكن بدّ من المتشابهات كـ (اِسْتوى عَلَى الْعَرْشِ) (١) لتأنيس اذهانهم ومراعاة أفهامهم. ثم اني استخرجت - فيما مضى من الزمان - من اسّ اَساس البلاغة مقدِّمة لبيان اعجاز القرآن الكريم ثنتي عشرة مسألة. كل منها خيط لحقائق (٢) . ولما ذكرت هذه الآيات التمثيلية هنا - دفعةً - ناسب تلخيص تلك المسائل فنقول وبالله التوفيق: المسألة الأولى: ان منشأ نقوش البلاغة انما هو نظم المعاني دون نظم اللفظ كما جرى عليه اللفظيون المتصلفون، وصار حب اللفظ فيهم مرضاً مزمناً الى ان رد عليهم عبد القاهر الجرجاني (٣) في دلائل الاعجاز واسرار البلاغة، وحصر على المناظرة معهم أكثر من مائة صحيفة. ونظمُ المعاني: عبارة عن توخي المعاني النحوية فيما بين الكلمات. اي اذابة المعاني الحرفية بين الكلم لتحصيل النقوش الغريبة. وان أمعنت النظر لرأيت ان المجرى الطبيعيّ للأفكار والحسيات انما هو نظم المعاني. ونظم المعاني هو الذي يشيّد بقوانين المنطق.. وأسلوب المنطق هو الذي يتسلسل به الفكر الى الحقائق.. والفكر الواصل الى الحقائق هو الذي ينفذ في دقائق الماهيات ونسبها.. ونسب الماهيات هي الروابط للنظام الأكمل.. والنظام الأكمل هو الصَدَف للحُسن المجرد الذي هو منبع كل حسن.. والحسن المجرد هو الروضة لأزاهير البلاغة التي تسمى لطائف ومزايا.. وتلك الجنة المزهرة هي التي يجول ويتنزّه فيها البلابل المسمّاة بالبلغاء وعشاق الفطرة.. واولئك البلابل نغماتهم الحلوة اللطيفة انما تتولد من تقطيع الصدى الروحاني المنتشر من أنابيب نظم المعاني. (١) سورة الاعراف: ٥٤. (٢) المقصود المقالة الثانية من كتاب (محاكمات "عقلية") - الصيقل الاسلامي. (٣) (ت ٤٧١هـ / ١٠٧٨م) اِمام في اللغة والبلاغة، له مصنفات منها: كتاب المغني (٣٠ مجلد) المقتصد (٣ مجلدات) اعجاز القرآن، المفتاح، دلائل الاعجاز، اسرار البلاغة.

стр. 117

والحاصل: ان الكائنات في غاية البلاغة قد أنشأها وأنشدها صانعُها فصيحةً بليغة، فكل صورة وكل نوع منها - بالنظام المندمج فيه - معجزة من معجزات القدرة. فالكلام اذا حذا حذو الواقع، وطابق نظمُه نظامَه حاز الجزالة بحذافيرها. والاّ فإن توجَّه الى نظم اللفظ وقعَ في التصنع والرياء كأنه يقع في أرض يابسة وسراب خادع. والسرّ في الانحراف عن طبيعة البلاغة انه: لما انجذب واستعرب العجم بجاذبة سلطنة العرب صارت صنعة اللفظ عندهم اهمّ، وفسد بالاختلاط مَلَكة الكلام المُضَريّ التي هي أساس بلاغة القرآن الكريم، وتلون معكس أساليب القرآن الكريم؛ وانما معدنها من حسّيات قوم "مُضَر" ومزاجهم. فاستهوى حب اللفظ كثير من المتأخرين. تذييل: تزيين اللفظ انما يكون زينة اذا اقتضته طبيعةُ المعاني. وشعشعة صورة المعنى انما تكون حشمةً له اذا أَذِن به المآل. وتنوير الاسلوب انما يكون جزالة اذا ساعده استعدادُ المقصود. ولطافة التشبيه انما تكون بلاغة اذا تأسّست على مناسبة المقصود وارتضى به المطلوب. وعظمةُ الخيال وجولانُه انما تكون من البلاغة اذا لم تؤلم الحقيقةَ ولم تثقل عليها ويكون الخيال مثالا للحقيقة متسنبلا عليها. وان شئت الأمثلة الجامعة لتلك الشرائط فعليك بتلك الآيات التمثيلية المذكورة. المسألة الثانية: ان السحر البياني اذا تجلى في الكلام صيّر الأعراض جواهرَ والمعانيَ أجساما والجمادات ذواتِ أرواح والنباتاتِ عقلاءَ، فيوقِع بينها محاورة قد تنجرّ الى المخاصمة، وقد تُوصل الى المطايبة فترقص الجمادات في نظر الخيال. وان شئت مثالا فادخل في هذا البيت. يُنَاجِيني الإِخْلَافُ مِنْ تَحْتِ مَطْلِهِ فَتَخْتَصِمُ الآمَالُ وَالْيَأْسُ في صَدْرِي (١) او استمع معاشقة الارض مع المطر في: (١) لإبن المعتز (دلائل الاعجاز ص٦١) وفي ديوان ابن المعتز: تجاذبنى الاطراف بالوصل والقلى ... ص٢٢٦.

стр. 118

تَشَكَّى الاْرْضُ غَيْبَتَهُ اِلَيْهِ وَتَرْشُفُ مَاءَهُ رَشْفَ الرُضاب (١) فهذه الصورة انما تسنبلت على تصوّت الأرض اليابسة بنزول المطر بعد تأخر. ولابد في كل خيال من نواة من الحقيقة نظير هذا المثال، ولابد في زجاجة كل مجاز من سراج الحقيقة، والاّ كانت بلاغته الخيالية خرافة بلا عرق لا تفيد الاّ حيرة. المسألة الثالثة: اعلم! ان كمال الكلام وجماله وحُلته البيانية باسلوبه. واسلوبه صورة الحقائق وقالب المعاني المتخذ من قطعات الاستعارة التمثيلية. وكأن تلك القطعات "سيِمُوطُوغْرَاف" (٢) خياليّ؛ كإراءة لفظ "الثمرة" جنتها وحديقتها. ولفظ "بارز" معركة الحرب. ثم ان التمثيلات مؤسسة على سرّ المناسبات بين الأشياء، والانعكاسات في نظام الكائنات، واخطار امور اموراً؛ كإخطار رؤية الهلال في الثريا في ذهن ابناء النخلة غصنَها الأبيض بالقدم المتقوس بتدلي العنقود (٣) . وفي التنزيل (حَتى عادَ كالعُرجُون القديم) (٤) . ثم ان فائدة اسلوب التمثيل كما في الآيات المذكورة هي: ان المتكلم بواسطة الاستعارة التمثيلية يُظهر العروق العميقة، ويوصل المعاني المتفرقة. واذا وضع بيد السامع طرفاً امكنَ له ان يجرّ الباقي الى نفسه، وينتقل اليه بواسطة الاتصال، فبرؤية بعضٍ يتدرج شيئاً فشيئاً - ولو مع ظلمة - الى تمامه. فمن سمِع من الجوهريِّ ما قال في وصف الكلام البليغ: "الكلام البليغ ما ثقبته الفكرةُ".. ومن الخمّار ما قال فيه: "ما طُبخ في مراجل العلم".. ومن الجمَّال ما قال فيه: "ما اخذتَ بخطامه واَنَخْتَهُ في مَبْرك المعنى" ينتقل الى تمام المقصد بملاحظة الصنعة. ثم ان الحكمة في تشكل الاسلوب هي: ان المتكلم بارادته ينادي ويوقظ المعانيَ الساكنة في زوايا القلب كأنها حفاة عراة. فيخرجون ويدخلون الخيال، فيلبسون ما (١) للمتنبي في ديوانه ١/٢٦٣. (٢) الكتابة المتحركة، اصلها: سينماطوغراف ثم اختصرت الى سينما. (٣) لعل الاستاذ يقصد قول قيس بن خطيم: وقد لاح في الصبح الثريا لمن رأى كعنقود ملاحيّه حين نوّرا او قول ابن المعتز: وارى الثريا في السماء كأنها قدم تبدت من ثياب حداد (٤) سورة يس: ٣٩.

стр. 119

يجدون من الصور الحاضرة بسبب الصنعة أو التوغل أو الألفة أو الأحتياج، ولا أقل من لفِّ منديلٍ من تلك الصنعة برأسه، أو الانصباغ بلون مّا. وما تجده في ديباجة الكتب من براعة الاستهلال من اظهر امثلة هذه المسألة. ثم ان اسلوب الكلام قد يكون باعتبار خيال المخاطَب كما في أساليب القرآن الكريم فلا تنسَ. ثم ان مراتب الاسلوب متفاوتة فبعضها ارقّ من النسيم اذا سرى يرمز اليه بهيئات الكلام. وبعضها اخفى من دسائس الحرب لايشمه الاّ ذو دهاء في الحرب؛ كاستشمام الزمخشري (١) من (مَنْ يُحْيي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) (٢) اسلوب "مَن يبرز الى الميدان". وان شئت فتأمل في الآيات المذكورة تر فيها مصداق هذه المسائل بألطف وجه. وان شئت زُرِ الامامَ البوصيريَّ (٣) وانظر كيف كتب "رَجَتَتَهُ" (٤) باسلوب الحكيم في قوله: وَاسْتَفْرغِ الدَّمْعَ مِنْ عَيْنٍ قَدِ امْتَلأَتْ مِنَ الْمَحَارِمِ وَالْزِمْ حِمْيَةَ النَّدَم ورمز الى الاسلوب بلفظ الحمية. او استمع هدهد سليمان كيف أومأ الى هندسته (٥) بقوله: (الاّ يَسْجُدُوا لله الَّذِي يُخْرِج الْخَبْءَ في السَّموَاتِ والارضِ) (٦) . المسألة الرابعة: اعلم! ان الكلام انما يكون ذا قوّة وقدرة اذا كان اجزاؤه مصداقا لما قيل: عِبَاراتُنا شَتى وَحسْنُكَ وَاحِدٌ وَكُلٌّ اِلَى ذَاكَ الْجَمَالِ يُشير (١) هو ابو القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشرى جار الله. ولد بزمخشر سنة ٤٦٧هـ، توفي بعد رجوعه من مكة المكرمة سنة ٥٣٨هـ. إمام عصره في اللغة والتفسير، له "الكشاف عن حقائق التنزيل " و "الفائق في غريب الحديث " و "المفصل في النحو " و "اساس البلاغة " وغيرها. (٢) سورة يس: ٧٨. (٣) (٦٠٨ - ٦٩٨هـ) محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله البوصيري المصري. شاعر، حسن الديباجة، مليح المعاني، له ديوان شعر مطبوع، واشهر شعره البردة المشهورة بـ "بردة المديح " (كشف الظنون ١/٢٨٨ الاعلام ٦/١٣٩) . (٤) وصفة طبية. (٥) ومعرفته الماء تحت الارض (الكشاف) . (٦) سورة النمل: ٢٥.

стр. 120

بان تتجاوب قيودات الكلام ونظمه وهيئته، ويأخذ كلٌ بيد الآخر ويظاهره، ويمد كلٌ بقَدَرِه الغرضَ الكليِّ مع ثمراته الخصوصية. كأن الغرض المشترك حوض يتشرب من جوانبه الرطبة، فيتولد من هذه المجاوبة المعاونةَ، ومنها الانتظام، ومنه التناسب، ومنه الحسن والجمال الذاتي. وهذا السر من البلاغة يتلألأ من مجموع القرآن لا سيما في (الم _ ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين) كما سمعتَه مع التنظير بقوله: (ولئن مسَّتهم نفحةٌ من عذاب ربك) (١) . المسألة الخامسة: اعلم! ان غناء الكلام وثروته ووسعته هو انه كما أن أصل الكلام يفيد أصل المقصد؛ كذلك كيفياته وهيئاته ومستتبعاته تشير وترمز وتلوحالى لوازم الغرض وتوابعه وفروعه، فكأنما تتراءى طبقة بعد طبقة ومقاما خلف مقام. وان شئت مثالا تأمل في (واذا قيل لهم لاتفسدوا في الارض) الى آخره. و (واذا لقوا الذين آمنوا) الى آخره، على الوجه المفسَّر سابقا. المسألة السادسة: اعلم! ان المعاني المجتناة من خريطة الكلام المأخوذة المنقوشة "بفُوطُغْراف" التلفظ على أنواع مختلفة ومراتب متفاوتة. فبعضها كالهواء يُحسّ به ولايُرى.. وبعضها كالبخار يُرى ولا يُؤْخذ.. وبعضها كالماء يُؤخذ ولاينضبط.. وبعضها كالسبيكة ينضبط ولايتعين.. وبعضها كالدّرّ المنتظم والذهب المضروب يتشخص، ثم بتأثير الغرض والمقام قد يتصلب الهوائي. وقد تعتور على المعنى الواحد الحالات الثلاث. ألا ترى انه اذا أثر أمر خارجي في وجدانك يتهيج قلبُك؟ فيثير الحسيات فيتطاير معانٍ هوائية فيتولد ميولٌ، ثم يتحصل بعضها، ثم يتشكل من ذلك البعض قسم، ثم ينعقد من ذلك القسم بعض. ففي كل من هذه الطبقات يتوضع وينعقد البعض، ويبقى البعض الآخر معلّقا كمعلقية بعض الصوت عند تشكل الحروف، والتبن عند انعقاد الحبوب. فمن شأن البليغ ان يفيد بصريح الكلام ما تعلق به الغرضُ واقتضاه المقام، وطلبه المخاطب. ثم يحيل الطبقات الأُخر - بمقدار نسبة درجة القرب من الغرض - على دلالة القيود، واشارة الفحوى، ورمز الكيفيات، وتلويح مستتبعات (١) سورة الانبياء: ٤٦.

стр. 121

التراكيب، وتلميح الأساليب، وإيماء أطوار المتكلم. ثم ان من تلك المعاني المعلقة معاني حرفية هوائية ليس لها ألفاظ مخصوصة، ولا لها وطن معين بل كالسيَّاح السيَّار؛ قد يستتر في كلمة وقد يتشربه كلام وقد يتداخل في قصة، فان عصرتَ تقطَّر. كالتحسر في (اِنِي وَضَعْتُها اُنْثى) (١) والتأسف في (لَيْتَ الشَّبَابَ.. الخ) . والاشتياق والتمدح والخطاب والاشارة والتألم والتحير والتعجب والتفاخر وغير ذلك. ثم ان شرط حسن المعاشرة بين تلك المعاني المتزاحمة تقسيم العناية والاهتمام على نسبة خدمتها للغرض الاساسيّ. وان شئت مثالاً لهذه المسألة فمن رأس السورة الى هنا مثال بيّن على الوجه المشروح سابقاً. المسألة السابعة: اعلم! ان الخيال المندمج في اسلوب لابد ان يتسنبل على نواة حقيقة، ويكون كالمرآة في ان ينعكس به - في المعنويات - القوانينُ والعلل المندرجة في سلسلة الخارجيات. وفلسفة النحو التي هي المناسبات المذكورة في كتبه أيضاً من هذا القبيل؛ كما يقال: الرفع للفاعل لأن القوي يأخذ القوي. وقس عليه.. المسألة الثامنة: اعلم! ان سيبويه (٢) نصّ على ان الحروف التي تعدد معانيها كـ "من" و "الى" و"الباء" وغيرها، أصل المعنى فيها واحد لايزول؛ لكن باعتبار المقام والغرض قد يتشرب معنى معلقاً، ويجذبه الى جوفه، فيصير المعنى الأصلي صورة واسلوباً لمسافره. وكذلك ان العارف بفقه اللغة اذا تأمل عَرف ان اللفظ المشترك في الأغلب معناه واحد، ثم بالمناسبات وقع تشبيهات.. ثم منها مجازات.. ثم منها حقائق عرفية.. ثم يتعدد. حتى ان اسم "العين" التى معناه الواحد البصر أو المنهل، يطلق على الشمس أيضاً (٣) بالرمز الى ان العالم العلويَّ ينظر الى العالم السفليِّ بها، او ان ماء الحياة الذي هو الضياء يسيل من ذلك المنبع في الجبل الأبيض المشرف وقس!.. (١) سورة آل عمران: ٣٦. (٢) هو عمر بن عثمان، امام نحاة البصرة، ولد بالبيضاء من مدن شيراز نشأ بالبصرة ودرس النحو على الخليل الفراهيدى، ورد بغداد فناظر امام نحاة الكوفة الكسائى فحكم بانتصاره عليه، فأسف وعاد الى موطنه، وألف كتابه الذى يعدّ اصل النحو، توفي سنة ٧٩٦هـ. (٣) والعين: عين الشمس، وعين الشمس: شعاعها الذى لا تثبت عليه العين. وقيل: العين الشمس نفسها، يقال: طلعت العين، وغابت العين. (لسان العرب لابن منظور) .

стр. 122

المسألة التاسعة: اعلم! ان أعلى مراتب البلاغة الذي يُعجِز الارادةَ الجزئية والفكر الشخصيّ والتصور البسيط: هو ان يحافظ ويراعي وينظر المتكلم دفعةً نسب قيود الكلام وروابط الكلمات وموازنة الجمل التي يُظهِر كلٌ مع الآخر نقشاً متسلسلاً الى النقش الأعظم. حتى كأن المتكلم استخدم عقولا الى عقله كالباني لقصر يضع الأحجار المتلونة بوضعية تحصل بها نقوشٌ غريبة من مناظرة وموازاة الكل مع الكل كـ"العين" (١) في الخط المشترك بين "الخلفاء الراشدين". ومن اظهر مسائل هذه المسألة قوله تعالى: (الم _ ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين) على ما سمعت سابقا.. وأيضاً من أسباب علوّ الكلام أن يكون كشجرة النسب يتسلسل متناسلا الى المقاصد التي تتدلى على المقام والغرض.. وأيضاً من أسباب رفعة طبقة الكلام أن يكون مستعداً لاستنباط كثير من الفروع والوجوه كقصة موسى على نبينا وعليه السلام. المسألة العاشرة: اعلم! ان سلاسة الكلام المنتجة للطافته وحُلْوه هو ان تكون المعاني والحسيات المندمجة فيه ممتزجة تتحد أو مختلفة تنتظم؛ لئلا تتشرب الجوانب قوّة الافادة والغرض، بل يجذب المركزُ القوّةَ من الأطراف.. وأيضاً من السلاسة ان يتعين المقصد.. وأيضاً منه ان يتظاهر ملتقى الأغراض. المسألة الحادية عشرة: اعلم! ان سلامة الكلام التي هي سبب صحته وقوّته هي: ان يكون الكلام بحيث يشير الى المبادئ والدلائل، ويرمز الى اللوازم والتوابع، وبقيود الموضوع والمحمول وكيفياتهما يومئ الى رد الاوهام ودفع الشبهات؛ كأن كل قيد جواب لسؤال مقدّر. وان شئت مثالا فعليك بفاتحة الكتاب. (١) من المعلوم ان اسماء الخلفاء الراشدين الاربعة تبدأ بحرف "العين" وقد استلهم بعض الخطاطين نقشاً بديعاً استعمل فيه حرف "العين" مشتركاً بين اسمائهم.

стр. 123

المسألة الثانية عشرة: اعلم! ان الأساليب على ثلاثة أنواع: أحدها: الاسلوب المجرد، الذي لونه واحد، وخاصته الاختصار والسليقية والسلامة والاستقامة فهو أملس سوي، ومحل استعماله المعاملات والمحاورات والعلوم الآلية. وان شئت مثالا سلساً منه فعليك بكتب السيّد الجرجاني. والثاني: الاسلوب المزين، وخاصته التزيين والتنوير، وتهييج القلب بالتشويق أو التنفير. والمقام المناسب له الخطابيات كالمدح والذم وغيرهما والاقناعيات ونظائرهما. واذا تحرّيت المثال المزيّن فادخل في دلائل الاعجاز واسرار البلاغة ترَ فيهما جناناً مزينة. والثالث: الاسلوب العالي، وخاصته الشدة والقوّة والهيبة والعلوية الروحانية. ومقامه المناسب الإلهيات والأصول والحكمة. وإن شئت مثلا بيناً وتمثالاً معجِزاً فعليك بـ "القرآن" فان فيه ما لا عين رأت ولا خطر على قلب بليغ.. (انتهى الفصل بتلخيص) . ***

стр. 124

ثم اعلم! ان مدار النظر في آيتنا هذه، وهي (مثلهم كمثل الذي استوقد) الخ..: أوّلاً: نظمها بسابقها.. وثانياً: النظم بين جملها.. وثالثاً: نظم كيفية جملة جملة؛ فمع استحضار مامضى: اعلم! ان القرآن الكريم لما صرّح بحقيقة حال المنافقين ونص على جنايتهم عقّبها بالتمثيل لثلاث نكت: - إحداها: تأنيس الخيال الذي هو أطوع للمتخيلات من المعقولات، وتأمين اطاعة الوهم الذي شأنه التشكيكات ومعارضة العقل وانقياده باظهار الوحشي بصورة المأنوس، وتصوير الغائب بصورة الشاهد. والثانية: تهييج الوجدان وتحريك نفرته ليتفق الحسُ والفكر بتمثيل المعقول بالمحسوس. والثالثة: ربط المعاني المتفرقة واراءة رابطة حقيقية بينها بواسطة التمثيل.. وأيضا الوضع نصب عين الخيال ليجتني بالنظر الدقائقَ التي أهملها اللسان. واعلم! ان مآل جمل هذه الآية كما يناسب مآل مجموع قصة المنافقين؛ كذلك يناسب آيةً آيةً منها. ألا ترى ان مآل القصة انهم آمنوا صورةً للمنافع الدنيوية.. ثم تبطنوا الكفر.. ثم تحيروا وترددوا.. ثم لم يتحرّوا الحق.. ثم لم يستطيعوا الرجوع فيعرفوا. وما أنسب هذا بحال من أوقدوا لهم ناراً أو مصباحاً.. ثم لم يحافظوا عليها.. ثم انطفأتْ.. ثم اُظلموا.. ثم لايتراءى لهم شئ حتى يكون كل شئ معدوماً في حقهم!. فلسكون الليل كأنهم صمّ، ولتعامي الليل وانطفاء أنواره كأنهم عُميٌ، ولعدم وجود المخاطَب والمغيث لايستغيثون كأنهم بُكم، ولعدم استطاعة الرجوع كأنهم أشباح جامدة لا أرواح لها. ثم ان في المشبَّه به نقطاً أساسية تناظر النقط الأساسية في المشبه. مثلا: الظلمة تنظر الى الكفر، والحيرة الى التذبذب، والنار الى الفتنة. وقس!..

стр. 125

ان قلت: ان في التمثيل نوراً فأين نور المنافق حتى يتم تطبيق التمثيل؟. قيل لك: ان لم يكن في الشخص نور ففي محيطه يمكن له الاستنارة.. وان لم، ففي قومه يمكن الاستضاءة.. وان لم، ففي نوعه يمكن له الاستفادة.. وان لم، ففي فطرته كان يمكن له الاستفاضة كما مر.. وان لم تقنع، ففي لسانه بالنظر الى نظر غيره أو بالنظر الى نفسه لترتب المنافع الدنيوية.. وان لم، فباعتبار البعض من الذين آمنوا ثم ارتدوا.. وان لم، فيجوز ان يكون النور اشارة الى ما استفادوا كما ان النار اشارة الى الفتنة.. وان لم ترض بهذا أيضاً، فبتنزيل امكان الهداية منزلة وجودها كما أشار اليه اشتروا الضلالة بالهدى فانه هو الجار الجنب للتمثيل. أما وجه النظم بين الجمل: فاعلم! ان نظم جملة (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً) مناسبتُها للموقع. نعم، حال هذا المستوقد على هذه الصورة تطابق مقتضى حال الصفّ الأول من مخاطبي القرآن الكريم وهم ساكنو جزيرة العرب؛ اذ ما منهم الا وقد عرف هذه الحالة بالذات أو بالتسامع ويحس (١) بدرجة تأثيرها ومشوشيتها؛ اذ بسبب ظلم الشمس يلتجئون الى ظلمة الليل فيسيرون فيها. وكثيراً مايغمى عليهم السماء فيصادفون حزن الطرق وقد ينجر بهم الطريق الى الورطة.. وأيضاً قد يجولون في معاطف الكهوف المشحونة بالمؤذيات فيضلون الطريق فيحتاجون لإيقاد النار أو اشتعال المصباح ليبصروا رفقاءهم حتى يستأنسوا ويروا أهبتهم وأشياءهم كي يحافظوا عليها، ويعرفوا طريقهم ليذهبوا فيها ويتراءى لهم الضواري والمهالك ليجتنبوا. فبينما هم استضاؤا بنورهم اذ اختطفتهم آفة سماوية.. وبينما هم في ذروة كمال الرجاء وآن الظفر بالمطلوب اذ سقطوا في حضيض اليأس المطلق. فنص على هذا الحال بقوله: (فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم) . اعلم! ان هذه "الفاء" تشير الى انهم أوقدوا النار ليستضيؤا فاضاءت فاطمأنوا بالاستضاءة فتعقبهم الخيبة وسقطوا في أيديهم. وما أشد تأثير العدم عليهم في آن انتظار الحصول!. ثم ان هذه الشرطية تستلزم استلزام الاضاءة لذهاب النور. وخفاء هذا الاستلزام يشير الى تقدير ما يظهر (١) وأحسّ (ش)

стр. 126

به اللزوم هكذا: فلما اضاءت استضاؤا بها فاشتغلوا.. فلم يحافظوا.. فلم يهتموا بها، ولم يعرفوا قدر النعمة فيها.. فلم يمدوها.. فلم يديموها؛ فانطفأت. لأنه لما كانت الغفلة عن الوسيلة للاشتغال بالنتيجة - بسر (اِنَّ الاِْنْسَانَ لَيَطْغَى _ اَن رَآهُ اِسْتَغْنَى) (١) - سبباً لعدم الإدامة المستلزم للانطفاء كان كأن نفسَ الاضاءة سبب لذهاب النور. أما جملة (وتركهم في ظلمات) فبعدما أشار الى خسرانهم بذهاب النعم بزوال النور عقبه بخذلانهم بنزول النقم بالسقوط في الظلمات. أما جملة (لا يبصرون) فاعلم! ان الانسان اذا اظلم عليه وأضل السبيل فقد يسكن ويتسلى برؤية رفقائه ومرافقه، واذا لم يبصرهما كان السكون مصيبة عليه كالحركة بل أوحش. أما (صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يرجعون) فاعلم! ان الانسان اذا وقع في مثل هذا البلاء قد يتسلى ويأمل ويرجو النجاة من جهات أربع مترتبة: فأولاً: يرجو أن يسمع تناجي الخلق من القرى أو أبناء السبيل؛ إن يستمِدْ يَمدّوه. ولما كانت الليلة ساكنة بكماءَ استوى هو والأصم، فقال: "صُم" لقطع هذا الرجاء. وثانياً: يأمل انه إن نادى أو استغاث يُحتمل أن يسمع أحدٌ فيغيثه، ولما كانت الليلة صماء كان ذو اللسان والأبكم سواء فقال: "بُكم" لإلقامهم الحجر بقطع هذا الرجاء أيضاً. وثالثاً: يأمل الخلاص برؤية علامة أو نار او نيّرٍ تشير له الى هدف المقصد. ولما كانت الليلة طامية رمداء عبوسة عمياء كان ذو البصر والأعمى واحداً فقال: "عُميٌ" لإِطفاء هذا الأمل أيضاً. ورابعاً: لايبقى له الاّ ان يجهد في الرجوع، ولما أحاط به الظلمة كان كمن دخل في وحْلٍ باختياره وامتنع عليه الخروج. نعم، كم من أمرٍ تذهب اليه باختيار ثم يُسلَب عنك الاختيار في الرجوع عنه تخلّيه انت ولا يخليك هو، فقال تعالى: فهم (١) سورة العلق: ٦، ٧

стр. 127

(لا يرجعون) لسد هذا الباب عليهم وقطع آخر الحبل الذي يتمسكون به، فسقطوا في ظلمات اليأس والتوحش والسكونة والخوف. أما الجهة الثالثة، أعني: نظم قيودات جملة جملة، فانظر الى (مثلهم كمثل الذيِ استوقد ناراً) كيف تتطاير شرارات النكت من قيوداتها. أما لفظ "المثل" فاشارة الى غرابة حال المنافقين وان قصتهم اعجوبة؛ اذ المَثَل هو الذي يجول على الألسنة ويتناقله الناس لتضمنه لغرابة؛ اذ أخصّ صفاته الغرابة. ثم لاندماج قاعدة أساسية في الأمثال يقال لها: "حكمة العوام" و "فلسفة العموم". فالمراد بالمثل هنا صفتهم الغريبة وقصتهم العجيبة وحالهم الشنيعة. ففي التعبير بالمَثَل مجازاً اشارة الى الغرابة، وفي الاشارة رمز الى ان من شأن صفتهم أن تدور على لسان النفرة والتلعين كضرب المثل. وأما "الكاف": فإن قلت: إن حُذف كان تشبيهاً بليغاً فهو أبلغ؟ قيل لك: الأبلغ في هذا المقام ذكره، اذ التصريح به يوقظ الذهن بان ينظر الى المثال تبعياً فينتقل عن كل نقطة مهمة منه الى نظيرها من المشبه. والا فقد يتوغل فيه قصداً فتفوت منه دقائق التطبيق. وأما "المَثَل" الثاني فاشارة الى ان حال المستوقد بغرابته ووجوده في حس العموم كان في حكم ضرب المثل. وأما "الذي": فان قلت: كيف افردَ مع انهم جماعة؟ قيل لك: اذا تساوى الجزء والكل والفرد والجماعة ولم يؤثر الاشتراك في صفة الفرد زيادة ونقصانا جاز الوجهان مثل (كمثل الحمار) ففي افراده اشارة الى استقلال كل فرد في تمثل الدهشة وتصوير شناعتهم، أوكان "الذي" "الذين" فاختُصر.

стр. 128

وأما (استوقد) فسينُه اشارة الى التكلف والتحري. وفي افراده مع جمع الضمير في "نورهم" رمز لطيف الى أن فرداً يوقدُ لجماعةٍ. ولقد ألطف في الإفراد إيقاداً والجمع استنارة. وأما (ناراً) بدل "المصباح" أو غيره فاشارة الى المشقة في نور التكليف، ورمز الى انهم يوقدون تحت النور الظاهري نارَ فتنة. وأما تنكيره فايماء الى شدة احتياجهم حتى انهم يرضون بأية نار كانت. ثم اَجِلِ النظرَ فيما حول جملة (فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم) لترى كيف تضئ قيوداتُها على ظلمات الدهشة التي هي الغرض الأساسي. ولقد سمعت في المسألة الرابعة ان قوة الكلام بتجاوب القيود: أما "الفاء" فإيماء الى ان هجوم اليأس المطلق تعقب كمال الرجاء. وأما (لما) فلتضمنه قياساً استثنائياً مستقيماً مع دلالته على تحقق المقدم ينتج تحقق التالي وقطع التسلي. وأما (أضاءت) فاشارة الى ان الايقاد للاستنارة لا للاصطلاء. وفيه رمز الى شدة الدهشة اذ ما أفاد لهم الاضاءة إلا رؤية المهالك والعلم بوجودها. ولولاها لأمكن مغالطة النفس وتسكينها. وأما (ما حوله) فاشارة الى احاطة الدهشة من الجهات الأربع، والى لزوم التحفظ بالاضاءة عن هجوم الضرر عن الجهات الست. وأما (ذهب) فلأنه جزاء الشرط، لا بد ان يكون لازماً. ولخفاء اللزوم - كما مر - يرمز الى انهم لم يتعهدوها ولم يعرفوا قَدْرَ النعمة فيها فبنفس الاضاءة اُخذوا عن أنفسهم وأنساهم البطر والفرح تعهّدها فأخذها الله عنهم.. وأما اسناد "ذهب" الى (الله) فاشارة الى قطع رجاءين: رجاء التعمير ورجاء الرحمة؛ لأنه يشير الى ان الآفة سماوية لاتقبل التعمير، ويرمز الى انه جزاءٌ لقصور المرء، ولهذا يأخذه الله تعالى. فينقطع المتمسك به عند انقطاع الأسباب وهو أمل الرحمة، اذ لايستعان من الحق على ابطال الحق.

стр. 129

وأما "الباء" فاشارة الى اليأس عن العَود؛ اذ لا راد لما أخذه الله للفرق البيّن بين ذهب به أي استصحبه، وبين اذهبه أي ارسله، وذهب أي انطلق؛ لإمكان العود في الآخِرَين دون الأول. وأما "النور" ففيه ايماء لطيف الى تذكر حالهم على الصراط. وأما الاضافة في (هم) المفيدة للاختصاص فاشارة الى شدة تأثرهم؛ اذ مَن انطفأت نارُه فقط مع ان نار الناس تلتهب أشد تألما. ولله درّ التنزيل ما ألطفه في فنون البلاغة! ألم تر كيف توجهت هيئاتها الى الغرض الكليّ، أعني الدهشة مع اليأس، كالحوض في ملتقى الأودية؟. ثم امعن النظر في (وتركهم في ظلمات لايبصرون) : أما "الواو" فاشارة الى انهم جمعوا بين الخسارتين؛ سُلبوا ضياءً وأُلبسوا ظلمةً. أما "تَرَك" بدل "أبقى" أو غيره فاشارة الى انهم صاروا كجسد بلا روح وقشر بلا لبّ. فمن شأنهم ان يُتركوا سدى ويُلقوا ظهريا. وأما (في) فرمز الى انه انعدم في نظرهم كل شئ ولم يبق الاّ عنوان العدم وهو الظلمة فصارت ظرفاً وقبراً لهم. وأما جمع (ظلمات) فايماء الى ان سَواد الليل وظلمة السحاب أولَدتا في روحهم ظلمة اليأس والخوف، وفي مكانهم ظلمة التوحش والدهشة، وفي زمانهم ظلمة السكون والسكوت، فأحاطت بهم ظلمات متنوعة.. وأما تنكيرها فايماء الى انها مجهولة لهم لم يسبق لهم الُفْة بمثلها فتكون أشد وقعا. وأما (لايبصرون) فتنصيص على اساس المصائب، اذ مَن لم ير كان ارأى للبلايا، وبفقد البصر يبصر أخفى المصائب. وأما المضارعية فلتصوير وتمثيل حالهم نصب عين الخيال ليرى السامع دهشتهم فيتحسس بوجدانه أيضاً. وأما ترك المفعول فللتعميم، أي لايرون منافعهم ليحافظوها، ولا يبصرون المهالك كي يجتنبوا عنها. ولا يتراءى الرفقاء ليستأنسوا بهم، فكأن كل واحد فرد برأسه.

стр. 130

ثم انظر الى جمل (صم بكم عمي فهم لايرجعون) لتسمع ما تتناجى به؛ اذ هذه الأربعة حدٌّ مشترك بين الممثل والممثل به، وبرزخ بينهما ومتوجهة اليهما؛ تتكلم عن حال الطرفين. ومرآة لهما تريك شأنهما. ونتيجة لهما تسمعك قصتهما. أما الجهة الناظرة الى الممثل به: فاعلم! ان من سقط في مثل هذه المصيبة يبقى له رجاء النجاة باستماع نجوى منجٍ، فاستلزمت ابكمية الليلة اصميته.. ثم اسماع مغيث فاقتضت اصمية الليل ابكميته.. ثم الهدى برؤية نار أو نيّر فانتج تعامي الليل عميه.. ثم العود الى بدءٍ فانسد عليه الباب كمن سقط في وحل كلما تحرك انغمس.. وأما الجهة الناظرة الى الممثل: فاعلم! انهم لما وقعوا في ظلمات الكفر والنفاق امكن لهم النجاة عن تلك الظلمات بطرق أربعة مترتبة: فاوّلاً: كان عليهم ان يرفعوا رؤسهم ويستمعوا الى الحق ويصغوا الى ارشاد القرآن، لكن لما صارت غلغلة (١) الهوى مانعة لأن يخلُص صدى القرآن الى صماخهم، وأخذ التهوس بآذانهم جاراً لهم عن تلك الطريق، نعى عليهم القرآن بقوله: (صم) اشارة الى انسداد هذا الباب ورمزاً الى ان آذانهم كأنها قطعت وبقيت ثقبات مشوهة أو قطعات متدلية في جوانب رؤسهم. وثانياً: لابد لهم ان يخفضوا رؤسهم ويشاوروا وجدانهم فيسألوا عن الحق والصراط، لكن لما اخذ العناد على يد لسانهم وجره الحقد من خلف الى الجوف، ألقمهم القرآن الحجر بقوله: (بكم) اشارةً الى انسداد هذا الباب أيضا في وجوههم ورمزاً الى انهم بالسكوت عن الاقرار بالحق كانوا كمن قلع لسانه فبقي الفم ككهف خلا عن ساكنه مشوهاً للوجه. (١) في الشئ: دخل فيه على تعب وشدة.

стр. 131

وثالثاً: لزمهم ان يُرسلوا انظار العبرة لتجتني لهم الدلائل الآفاقية، لكن وضعَ التغافلُ يدَه على عيونهم وردّ - وطرد - التعامي الأنظار الى أجفانهم. فقال القرآن: (عميٌ) اشارة الى انهم عمهوا (١) عن هذا الطريق أيضاً. ورمزَ بحذف أداة التشبيه الى ان عيونهم التي هي أنوار الرأس كأنها قلعت فبقيت نُقرات مشوّهة في جباههم. ورابعاً: لابد من ان يعرفوا قبح حالهم القبيح ليتنفروا فيندموا فيتوبوا فيرجعوا. لكن لما زيّنت لهم أنفسُهم - لأجل فساد الفطرة بالاصرار وغلبة الهوى والشيطان - تلك القبائحَ، قال القرآن: (فهم لايرجعون) اشارة الى انسداد آخر الطرق عنهم، ورمزاً الى انهم وقعوا باختيارهم فيما لا اختيار لهم في الخروج كالمضطرب في بحر الرمل. *** (١) تحيروا في طريقهم او امرهم.

стр. 132

اَوْ كَصَيِّب مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ اَصَابِعَهُمْ فِي اذانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ المَوْتِ وَالله مُحِيطٌ بِالْكَافِرِين َ ١٩ يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ اَبْصَارَهُمْ كُلَّما اَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَاِذَا اَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَاَبْصَارِهِمْ اِنّ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٢٠ اعلم! ان مدار النظر في هذه الآية ايضا من ثلاثة وجوه، نظمها بسابقتها، والنظم بين جملها، ثم النظر بين هيئات جملة جملة. مثلها في الارتباط كمثل الامْيال العادّة للساعات والدقائق والثواني. أما وجه النظم بينها وبين سابقتها فهو: انه كرر التمثيل واطنب في التصوير اشارةً الى احتياج تصوير حال المنافقين في دهشتهم وحيرتهم الى نوعين منه، إذ: خلاصة التمثيل الأول هي: ان المنافق يرى نفسَه في صحراء الوجود منفردةً عن الأصحاب مطرودةً عن جمعية الكائنات خارجةً عن حكم شمس الحقيقة. يصير كلُ شئ في نظره معدوماً ويرى المخلوقات اجنبية كلها، ساكنة وساكتة استولى عليها الوحشة والخمود. وأين هذا من حال المؤمن الذي يرى بنور الايمان كل الموجودات احبّاءه ويستأنس بكل الكائنات؟. وخلاصة التمثيل الثاني هي: ان المنافق يظن ان العالَم بأجزائه ينعي عليه بمصائبه ويهدده ببلاياه ويصيح عليه بحادثاته ويحيط به بنوازله كأن الأنواع اتفقوا على عداوته فانقلب النافع ضاراً. وما هذه الحالة الا لعدم نقطتي الاستمداد والاستناد كما مر. واين هذا من حال المؤمن الذي يسمع بالايمان تسبيحات الكائنات وتبشيراتها؟.. وأيضاً تكرار التمثيل ايماء الى انقسام المنافقين الى الطبقة السفلية العامية المناسبة للتمثيل الاول والى الطبقة المتكبرة المغرورة الموافقة للتمثيل الثاني.

стр. 133

وأما مناسبة هذا التمثيل لمقامه بالنظر الى السامع فهي: ان الصف الأول من مخاطبي القرآن ابناء الفيافي يفترشون الصحارى ويتخيّمون بفسطاط السماء. وما منهم الا وقد رأى بنفسه أو سمع من أبناء جنسه مثل هذه الحادثة حتى استأنس بها حسُّ العموم؛ بحيث تؤثّر فيه كضرب المثل. وأما مناسبته للتمثيل الأول فأظهر من ان يخفى، اذ هو كالتكملة والتتمة له مع الاتحاد في كثير من النقط. وأما مناسبة التمثيل للممثل له فبخمسة وجوه: منها: وقوعهما كليهما في شدة الحيرة بانسداد كل طرق النجاة عليهم، وبان ضلت جميعُ أسباب الخلاص عنهم. ومنها: وقوعهما في شدة الخوف حتى يتخيل كل من المشبه والمشبه به، ان الموجودات اتفقت على عداوته ولا يأمن من بقائه في كل دقيقة. ومنها: وقوعهما في شدة الدهشة المنتجة لاختبال العقل حتى ان كلاً منهما يتبلّه. كمثل من يرى برق السيوف فيتحفظ بغمض بصره أو يسمع تقتقة البنادق فيتجنب عن الجرح بسد سمعه. أو كمثل من لا يحب غروب الشمس فيمسك دولاب ساعته لئلا يدور جرخ الفلك الدوّار، فما أخبلهم!.. اذ الصاعقةُ لا تنثني بسد الاسماع، والبرقُ المحرق لايترحم عليهم بغضِّ الأبصار. ومن هنا يُرى ان لم يبق لهم ممسك. ومنها: ان الشمس والمطر والضياء والماء كما إنها منابع حياة الأزاهير وتربية النباتات، وسبب تعفن الميتات ونتن القاذورات؛ كذلك ان الرحمة والنعمة اذا لم تصادفا موقعَهما المنتظر لهما والعارف بقيمتهما، تنقلبان زحمة ونقمة. ومنها: انه كما يوجد التناسب بين المآلين الذي هو الأصل في انعقاد الاستعارة التمثيلية بلا نظر الى تطبيق الأجزاء؛ كذلك يوجد مناسبات هنا بين أجزائهما؛ اذ الصيِّب حياة النباتات كما ان الاسلامية حياة الأرواح، والبرق والرعد يشيران الى الوعد والوعيد، والظلمات تريك شبهات الكفر وشكوك النفاق.

стр. 134

وأما وجه النظم بين الجمل: فاعلم! ان التنزيل لما قال (أو كصيب من السماء) مشيراً الى انهم كالذين اضطروا الى السفر في صحراء موحشة في ليلة مظلمة تحت مطر شديد، كأن قطراتِه مصائبُ تصيب مرماها بصَوبها وقد ملأت الجوّ بكثرتها؛ استيقظ ذهن السامع منتظراً لبيان السبب في ان صار الصيّبُ الذي هو في الأصل رحمة مرغوبة مصيبةً هائلة فقال مصوراً لدهشته: (فيه ظلمات) مشيراً الى ان المطر كما هو ظرف لظلمة السحاب ولكثافته؛ كذلك لأجل عمومه وكثرته واحاطته كأنه ظرف للّيلة المُتَفَتِتَة قطراتٍ مسودةً بين قطراته.. ثم ما من سامع يسمع (فيه ظلمات) الا وينتظر لبيان. كأن المتكلم سمع صدى الرعد من ذهن السامع فقال: (ورعد) مشيراً الى تهويل الحال وتشديدها بان السماء أميرة الموجودات عزمت على اهلاكهم، وتصيح عليهم برعدها؛ اذ المصاب المدهوش يتخيل من الكائنات المتعاونة على اضراره حركة مزعجة تحت سكونها، ونطقاً مهيباً تحت سكوتها. فاذا سمع الرعد توهَّم انها تتكلم بما يهدده وتصيح عليه؛ اذ بالخوف يحسب كل صيحة عليه.. ثم ان السامع لايسمع الرعد الاّ ويستهل فيبرق في ذهنه رفيقه الدائميّ، ولذلك قال: (وبرق) مشيراً بالتنكير الى انه غريب عجيب. نعم! هو في نفسه عجيب؛ اذ بتولده يموت عالمٌ من الظلمات فتطوى وتلقى الى العدم، وبموته فجأة يحيى ويحشر عالم من الظلمات. كأنه نار حينما تنطفئ تورث ملء الدنيا دخاناً. ومن شأن المصاب بها ان يمعن النظر ولا يمر بنظر سطحي بناء على الالفة والمناسبة حتى يتكشف عن دقائق صنع القدرة.. ثم بعد هذا التصوير كأن ذهن السامع يتحرك سائلا: كيف يعملون؟ وبِمَ يتشبثون؟ فقال: (يجعلون أصابعهم في اذانهم من الصواعق حذر الموت) مشيراً الى ان لامناص ولا ملجأ ولا منجى لهم حتى انهم كالغريق يتمسكون بما لايُتَمَسك به. فمن التدهش يستعملون الأصابع موضع الأنامل كأن الدهشة تضرب على أيديهم فيدخلون الأصابع من الوجع في الآذان ومن التبله انهم يسدون الآذان لئلا تصيبهم الصواعق.. ثم بعد هذا يتحرى ذهنُ السامع سائلا: أعمّت المصيبة أم خصّت فيُرجى؟ فقال: (والله محيط بالكافرين) مشيراً الى ان هذه المصيبة جزاءٌ لكفرانهم النعمة. يؤاخذهم الله تعالى به لشذوذهم عن القانون الالهي المودع في الجمهور. ثم لما سمع شدة الرعد يحدّث نفسه بـ "ألا يفيدهم البرق بأراءة الطريق"؟ فقال:

стр. 135

(يكاد البرق يخطف أبصارهم) مشيراً الى انه كما ان الرعد يعاديهم فلا يستطيعون السمع؛ كذلك البرق يخاصمهم باضاءته فيظلم أبصارهم.. ثم بعد سماع تجاوب الكائنات على عداوتهم ينادي ذهن السامع بـ "فما مصير حالهم وما يفعلون؟ وبمه يشتغلون؟ " فقال: (كلما أضاء لهم مشوا فيه واذا اظلم عليهم قاموا) مشيراً الى انهم مشوشون مترددون متحيرون مترقبون لأدنى فرصة ولأدنى رؤية للطريق. فكلما تراءت لهم يتحركون لكن كحركة المذبوح لاضطراب أرواحهم، ويتخطون خطى يسيرة مع علمهم بان لافائدة، وكلما غشيتهم الظلمة فجأة ينجمدون في مقامهم.. ثم يستعد ذهنُ السامع للاستفسار بـ "لِمَ لايموتون أو يعمون أو يصمون بالمرّة فيخلصون عن الاضطراب؟ " فقال: (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) أي ليسوا مستحقين للخلاص من الاضطراب ولهذا لاتتعلق المشيئة باماتتهم ولو تعلقت لتعلقت بذهاب سمعهم وبصرهم. ولكن بقاء السمع لاستماع العقاب ووجود البصر لرؤية العذاب أجدر بمن شذ ونشز عن قانونه تعالى.. ثم ان هذه القصة لما احتوت على نقاط يتلوح من معاطفها استطراداً: العظمة والقدرة الالهية وتصرفه تعالى في الكائنات، ولا سيما يتذكر السامع تبعا في تلافيفها عجائب الرعد والبرق والسحاب، كان من حق السامع المتيقظ وجدانُه ان يعلن ويقول: سبحانه ما أعظم قدرةَ مَنْ هذه الكائنات تجلِّي هيبته وهذه المصيبات تجلِّي غضبه. فقال: (ان الله على كل شيء قدير) . وأما نظم هيئات جملة جملة: فاعلم! ان "أو" في (او كصيب) اشارة الى انقسام حال الممثل الى قسمين، ورمز الى تحقيق المناسبة بين التمثيلين وبينهما وبين الممثل له وايماء الى مسلّمية المشابهة.. وأيضا متضمن لـ "بل" الترقية؛ اذ التمثيل الثاني اشدّ هَوْلاً. وان "كصيب" لعدم مطابقته للمثل يقتضي تقدير لازم، والسكوت عن اظهار المقدر للايجاز، والايجاز في اللفظ لاطناب المعنى باحالته على خيال السامع بالاستمداد من المقام. فبعدم المطابقة كأنه يقول: أو كالذين سافروا في صحراء خالية وليلة مظلمة فاصابتهم مصائب بصيب. وان العدول عن لفظ المطر المأنوس المألوف الى الصيب رمز الى أن قطرات ذلك المطر كمصائب ترمى اليهم بقصد فتصيبهم مع فقد الساتر عليهم.

стр. 136

وان ذكر (من السماء) مع بداهة ان المطر لا يجئ الاّ من جهتها ايماء بالتخصيص الى التعميم وبالتقييد الى الاطلاق نظير التقييد في (ومَا مِنْ دابّةٍ في الأرضِ ولا طائر يطير بجناحيه) (١) أي مطبق آخذ بآفاق السماء. وما استدل بعض المفسرين بلفظ من السماء هنا وفي آية (ويُنَزِّلُ من السماءِ من جبالٍ فيها مِن بَرَدٍ) (٢) على نزول المطر من جرم السماء حتى تخيل "بعض" وجود بحر تحت السماء، فنظرُ البلاغة لايرى عليه سكةَ الحقيقة. بل المعنى: من جهة السماء. والتقييد لما عرفت. وقد قيل السماء ما علاك، فالسحاب كالهواء سماء. وتحقيق المقام: هو انك ان نظرت الى القدرة تتساوى الجهاتُ أي يمكن النزول من أية جهة كانت. وان نظرت الى الحكمة الالهية المؤسِّسة للنظام الأحسن في الأشياء المستلزِم لمحافظة الموازنة العمومية المرجِّحة لأقرب الوسائل فالمطر انما هو من تكاثف البخار المائي المنتشر في كرة الهواء التي احد أجزائها العشرة ذلك البخار المائيّ المنتشر في أعماقها. وتوضيحه: ان ذراته اذا امرتها الارادة الالهية، يتمثل كلٌ، ويتسللن من الأطراف ومن كل فج عميق. فيتحزَّبن سحاباً هامراً. ثم بارادة آمرها يشتدّ تكاثفُ بعضٍ فتصير قطراتٍ تأخذها بأيديهم الملائكةُ الذين هم ممثلو القوانين ومعكس النظامات لئلا يزاحم ويصادم بعضٌ بعضاً فيضعونها على الأرض. ولأجل محافظة الموازنة في الجوّ لابد من بدلِ ما يتحلل بالتقطر، فيُبخَّر البحر والأرض فيملأ منازلها. وأما تخيل بعضٍ وجود بحر سماويّ فمَحْمله انه تصور المجاز حقيقةً؛ اذ لاراءة خضرة الجوّ لون البحر، ولاحتواء الجو على ماء أكثر من البحر المحيط ما استبعد تشبيهه بالبحر. أما (وينزّل من السماء من جبال فيها من برد) فاعلم! ان الجمود على الظاهر مع التوقد في استعارتها جمود بارد وخمود ظاهر. اذ كما تضمن (قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ) (٣) استعارة بديعة؛ كذلك يحتوي (مِنْ جِبَالٍ فيها مِنْ بَرَدٍ) على استعارة بديعة عجيبة مستملحة. فكما ان ظروف الجنة لم تكن من الزجاجة ولامن الفضة بل في شفافية الزجاج وبياض الفضة ومن حيث ان الزجاجة لاتكون من الفضة لتخالف (١) سورة الانعام: ٣٨. (٢) سورة النور: ٤٣. (٣) سورة الانسان: ١٦.

стр. 137

النوعين اشار الى الاستعارة بالاضافة بذكر "مِن"، كذلك (من جبال فيها من برد) متضمنة لاستعارتين مؤسستين على خيال شعريّ بالنظر الى السامع. وذلك الخيال مبني على ملاحظة المشابهة والمماثلة بين تمثل العالم العلويّ وتشكل العالم السفليّ. وتلك الملاحظة مبنية على تصور المسابقة والرقابة بين الأرض والجوّ في لبس الصور من يد القدرة كأن الأرض لما برزت بجبالها اللابسة للبيض من حلل الثلج والبَرَد في الشتاء، والمتعممة بها في الربيع. ثم تزينت في الصيف ببساتينها المتلونة فأظهرت في نظر الحكمة بانقلاباتها معجزة القدرة الالهية، قابلَها جوُّ السماء محاكياً لها مسابقاً معها لإظهار معجزة العظمة الالهية فبرز متبرقعاً ومتقمصاً بالسحاب المتقطع جبالا وأطواداً وأودية، والمتلون بألوان مختلفة مصورة لبساتين الأرض، ملوحا ذلك الجو بأجلى دلائل العظمة وأجلها. فبناء على هذه الرؤية والمشابهة والتوهم الخياليّ استحسن اسلوب العرب تشبيه السحاب لاسيما الصيفيّ بالجبال والسفن والبساتين والأودية وقافلة الإبل كما تسمع من العرب في خطبهم. فيخيل الى نظر البلاغة ان قطعات السحاب الصيفي سيارة وسبّاحة في الجو، كأن الرعد راعيها وحاديها كلما هزّ عصا بَرقه على رؤسهم في البحر المحيط الهوائي اهتزت تلك القطعات وارتجت، وتراءت جبالا صادفت الحشر، أو سفنا يلعب بها يد العاصفة، أو بساتين ترججها من تحتها الزلزلة، أو قافلة شردت من هجوم قطاع الطريق. ومع ذلك يسيرون ويجرون بأمر خالقهم حتى كأن كل ذرة من ذرات ذلك البخار تكمَّنتْ في مكانها اوّلا ساكتة ساكنة منتظرة لأمر خالقها. ولما ناداها الرعدُ - كالآلة المعروفة في العسكر - بـ"حَيَّ على الاجتماع والاتحاد! " تسارعوا من منازلهم مهطعين الى داعيهم فيحشرون سحابا. ثم بعد ايفاء الوظيفة وأمرهم بالاستراحة يطير كل الى وكره.. فبناء على هذه المناسبة الخيالية، وعلى المجاورة بين السحاب والجبال - إذ الجبل لجذب الرطوبة يتظاهر ويتشكل السحاب عليه بمقداره ويلبس لباسه - وعلى تلون السحاب بنظير بياض الثلج والبرد وتكيفه برطوبتهما وبرودتهما، وعلى وجود الأخوة بينهما ومبادلة الصورة واللباس لهما في كثير من مواضع القرآن ومصافحتهما في منازل التنزيل كمحاورتهما ومعانقتهما في كثير من سطور صحيفة الأرض من كتاب

стр. 138

العالم فترى السحاب متوضعا على الجبل ويصير الجبل كأنه مرسى لسفن السحاب ترسى عليه، أو مجلس تتشاور عليه، أو وكر تطير اليه - استحق بحكم المجاورة في نظر البلاغة ان يتبادلا ويستعيرا لوازمهما فيعبّر عن السحاب بالجبل - مع تناسي التشبيه. فاذا قد عرفت ما سمعت من المناسبات فـ (يُنزّل من السماء) أيْ من جهة السماء. "من جبال" أي من سحاب كالجبال. "من برد" أي في لونه ورطوبته وبرودته. فيا هذا! ما أجبرك مع وجود هذا التأويل الذي تقبله البلاغة على اعتقاد نزول المطر بدقيقتين من مسافة خمس مائة سنة المخالف لحكمة الله الذي اتقن كل شئ صنعاً. أما هيئات جملة: (فيه ظلمات) المسوقة للتهويل؛ فتقديم (فيه) اشارة الى ان خيال المصاب المدهوش والسامع المستحضر خياله لتلك الحال يتوهم ان ظلمات الليالي الكثيرة افرغت بتمامها في تلك الليلة. وأما الظرفية مع ان الصيب مظروف فرمز الى ان المتدهش بتلك المصيبة يظن فضاء العالم حوضا قد ملئ من المطر، فما الليل الا مظروف مفتت بين أجزائه. وأما جمع "الظلمات" فايماء الى تنوعها من ظلمة سواد السحاب وكثافته وانطباقه، ومن تقارب دفعات المطر وتكاثف قطره، ومن تضاعف ظلمة الليل. وأما تنكير (ظلمات) فللاستنكار، ولجهل المخاطب فهو تأكيد (ظلمات) . وأما جملة (ورعد وبرق) فاعلم! ان المقصد تصوير حيرتهم ودهشتهم، وان المصاب المتحير يجمع تمام دقته ونظره الى أدنى حادث. فلإمعان النظر يتفطنون لما في الرعد والبرق من الانقلابات العجيبة والتحول الغريب. اذ بينما يرى المصابون ظلمة استولت على الكائنات وابتلعت الموجودات - نظير العدم - فتنقلب حيرتُهم بالغمِّ اليتميّ والسكوت الميتيّ؛ اذ يرون اظهر دلائل الوجود، وهو تكلم العلويات، ثم ظهورها بكشف الحجاب فينقلب نظرهم الى نظر المدهوش المتحير الخائف؛ اذ كما انهم اذا رأوا ظلمات غير محصورة في فضاء غير متناه، لا ضعفَ فيه بجانبٍ يُبقي لهم أملاً، ينظرون نظر اليأس؛ كذلك اذا فاجأهم بغتة انعدام الظلمات بان افرغت من الفضاء، وملئ بدلها نوراً ينقلب يأسهُم المطلق الى رجاء.

стр. 139

اعلم! ان الرعد والبرق آيتان ظاهرتان من جهة العالم الغيبيّ في أيدي الملائكة الموكلين على عالم السحاب لتنظيم قوانينه. ثم ان الحكمة الالهية ربطت الأسباب بالمسَّببَات فاذا تشكل السحاب من بخار الماء المنتشر في الهواء؛ صار قسم حاملاً "للالكتريك" المنفي وقسم حاملاً "للالكتريك" المثبت؛ فحينما يتقاربان يتصادمان دفعة فيتولد البرق. ثم بالهجوم والانقلاع دفعة وامتلاء موضعه بآخر لعدم الخلو، يهتز وتتموج الطبقات فيتولد صدى الرعد. ولا تجري هذه الحالات الا تحت نظام وقانون يتمثلهما مَلَك الرعد والبرق. وأما ظرفية الصيّب لهما مع ان الظرف هو السحاب فلأن المدهوش والسامع المتدهش بدهشته يرى الصيب محيطا بكل شئ لإحاطته بنفسه. وأما إفراد الرعد والبرق مع جمع الظلمات، فاشارة الى ان منشأ الدهشة تخيل المصاب تكلمَ السماء وتهديدَها بالإرعاد، وكشفَ الحجاب بالابراق، وهما معنى مصدريّ للكلام واليد البيضاء. وأيضا كل منهما نوع واحد وان تعددت أفراده. وأما تنوين (رعدٌ وبرقٌ) فبدل من الصفة، أي: رعد قاصف وبرق خاطف، ودالة على عدم الالفة بهما بسبب التفطن بالدقة لما فيهما من العجائب.. وأيضاً فيها ايماء الى انهم لايعرفون ذلك الرعد والبرق لسد السمع وغض البصر. وأما هيئات جملة (يجعلون أصابعهم في اذانهم من الصواعق حذر الموت) فاعلم! انها جواب لسؤال مقدر واستيناف حسن؛ اذ السامع لما توجه الى هذه القصة الحسية التمثيلية حصل له ميلان شديد لكشف حال المصيبة. ثم بعد ان كمّل التصوير التصويرَ وقضى منه الوطر انثنى مجرى الميلان الى كشف حال المصاب. فكأنه يقول السائل: كيف حال المصاب حينئذ وبم يتشبث للنجاة؟ فأجاب القرآن بقوله: (يجعلون اصابعهم) .. الخ. أي لامناص لهم، انما هم كالغرقى يتمسكون بغير متمسك فيريدون التحفظ من مجانيق (١) السماويين بسد الأسماع. وكونه سبباً محالٌ، فلا سبب. وأما لفظ (يجعلون) بدل "يدخلون" فايماء الى انهم تحروا الأسباب فما صادفوا الا ماسببيته بجعلهم وظنهم فقط.. وصورة المضارع المستحضرة للحال فرمز (١) جمع منجنيق: آلة حربية ترمى" بها القذائف.

стр. 140

الى ان السامع في مثل هذا المقام المهيج للحيرة يحضر بخياله زمان الواقعة ومكان الحادثة. ثم في المضارع استمرار تجددي. وفي استمراره ايماء الى تواتر تقتقة السحاب. وأما (أصابعهم) بدل "أناملهم" فاشارة الى شدة الحيرة باستعمال الأصابع موضع الأنامل. وأما في (اذانهم) فايماء الى شدة الخوف من صدى الرعد حتى يخيل اليهم انه لو دخل الرعد في شبكة الآذان لطيّر الأرواح من أبواب الأفواه. وفيه رمز لطيف الى انهم لما لم يفتحوا آذانهم لنداء الحق والنصيحة عوقبوا من تلك الجهة بنعرات الرعد، فسدوا هنا ما سدوا هناك، كمن اخرج كلاما شنيعا مِن ِفيهِ يُضْرَب على فمه فيدخُل يمين الندامة في فيه ويضع يسار الخجالة على عينه. وأما (من الصواعق) فاشارة الى اتحاد الرعد والبرق على اضراره؛ اذ الصاعقة صوت شديد معه نار محرقة تصرع من صادف. وأما (حذر الموت) فاشارة الى ان البلاء جذّ (١) اللحم الى العظم، وجاز الأحوال الى الحياة، فما يعنيهم الاّ غم الموت وحفظ الحياة. وأما هيئات جملة (والله محيط بالكافرين) فاعلم! ان "الواو" تقتضي المناسبة، وما المناسبة الا بين هذه وبين التابع لمآل السابقة. فكأن هذه "الواو" تقرأ عليهم: "هم قوم فروا من العمارة ونفروا من الحضارة وعصوا قانون كون الليل سباتا ولم يطيعوا نصيحة الناصح فظنوا النجاة بالخروج الى الصحراء فخابوا وأحاط بهم بلاء الله". وأما لفظ (الله) فرمز الى قطع آخر رجائهم؛ اذ المصاب انما يلتجئ ويتسلى اولاً وآخراً الى رحمة الله، فحين استحقوا غضب الله تعالى انطفأ ذلك الرجاء. وأما لفظ (محيط) فايماء الى ان هذه المصائب المحيطة آثار غضبه تعالى، فكما ان السماء والسحاب والصيّب والليل تهجُم عليهم من الجهات الست؛ كذلك غضبه تعالى وبلياته محيطة بهم.. وأيضاً علمه تعالى وقدرته محيطان بكل الكائنات، وأمره (١) جذّه وجزّّه: قطعه. جذّه وجزّّه: قطعه.

стр. 141

شامل لكل الذرات. فكأن (محيط) يتلو عليهم: لاتنفذون من أقطار السموات والأرض، (فأينما تولوا فثمَّ وجه الله) . (١) وأما تعلق "الباء" فرمز الى انهم وقعوا فيما هربوا عنه فصاروا هدفا للسهام. وأما التعبير بالكافرين فاشارة الى اراءة تمثال الممثل - أعني المنافقين - في مرآة التمثيل، لئلا يتوغل فيه ذهن السامع فينسى المقصد.. ورمز الى ان المشابهة وصلت الى درجة، وتضايق المسافة بينهما الى حدّ يتراءيان معا، فتمتزج الحقيقة بالخيال.. وأيضاً ايماء الى ظلمة قلوبهم اذ وجدانهم أيضاً يعذبهم لقصورهم وجنايتهم؛ اذ من رأى جزاء جنايته لايستريح وجدانه. وأما هيئات جملة: (يكاد البرق يخطف أبصارهم) فاستينافها يشير الى ان السامع يقول: ألا ينتفعون بالبرق المخفف لبلاء الظلمة عنهم؟ فأُجيبَ بأنهم يخافون من الضرر فضلاً عن الفائدة. وأما (يكاد) (٢) فيشير باعتبار خاصته المشهورة الى وجود سبب زوال البصر لكن لم يزل لوجود مانع. وأما (يخطف) باعتبار استعماله كاختطفته الغُول والعُقاب ففيه بلاغة لطيفة تبرق للذهن وتشير الى ان البرق يسابق شعاع العين من قبل ان يصل الى الأشياء ليأخذ صورها يمرّ هو عليه فيقطعه ويضرب على جفنه فيذهب بنوره. كأن نور العين لما خرج من بيته مسرعاً لأجتناء صور الأشياء يسارع البرق الذي هو شعاع عين الليل، فيأخذ من يد شعاع العين صورته قبل ايصاله الى المخزن، أي يختلس البرق صورته من يده. وأما (أبصارهم) فرمز - بناء على كونها مرآة للقلوب - الى عمل بصائر المنافقين المتعامية عن البراهين القاطعة القرآنية. وأما هيئات جملة (كلما أضاء لهم مشوا فيه واذا اظلم عليهم قاموا) فاستينافها يشير الى ان السامع حينما رأى اختلاف المصيبة وتغيرها سأل عن شأنهم في الحالتين فأجيب بذلك. (١) سورة البقرة: ١١٥. (٢) كاد من افعال المقاربة وضعت لمقاربة الخبر من الوجود لعروض سببه، لكنه لم يوجد إما لفقد شرط او لعروض مانع (ب) .

стр. 142

وأما (كلما) في الاضاءة و "اذا" في الاظلام فاشارة الى شدة حرصهم على الضياء ينتهزون ادنى الضياء فرصة. وأيضا "كلما" متضمن لقياس مستقيم استثنائي. وأما (اضاء لهم) بلام الَاجْلية والنفع فرمز الى ان المصاب المدهوش يستغرق في حاجة نفسه حتى يظن الضياء الذي تنشره يد القدرة في العالم لآلاف حِكمٍ كلية أنه المراد به خاصة، ويد القدرة انما ارسلته لأجله. واما (مشوا) مع اقتضاء الفرصة السير السريع فاشارة الى ان المصيبة اقعدتهم فما سيرهم السريع الاّ مشي وحركة على مهل. واما (فيه) فاشارة الى ان مسافة حركتهم الضياءُ الذي هو لون الزمان فكأنه يحدد لهم المكان. واما (واذا) فـ "الواو" رمز الى تجديد المصيبة لتشديد التأثير. واما الاهمال والجزئية في "اذا" عكس "كلما" فاشارة الى شدة نفرتهم وتعاميهم، فتأخذهم وهم منغمسون في آن الفرصة. وأما (اظلم) بالاسناد الى البرق فاشارة الى ان الظلمة بعد الضياء اشد. وايماء الى ان خيال المصاب لما رأى البرق طرد الظلمة ثم ذهب وامتلأ موضعه بالظلمات يتخيل انه انطفأ واورث دخاناً. وأما (عليهم) الملوِّح بالضرر فاشارة الى ان الاظلام ليس تصادفيا بل جزاء لعملهم. ورمز الى ان المدهوش يتخيل الظلمةَ المالئة للفضاء كأنها تقصد - من بين الأشياء - ذلك الانسان الصغير الذليل وتجعله خاصة هدفَ هجومها وإضرارها. واما (قاموا) بدل "سكنوا" فاشارة الى انهم بالمصيبة وشدة التشبث تقوّسوا كالراكعين كما هو شأن المجدِّين في العمل. وأما هيئات جملة (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) فالـ "واو" بسر الربط تلوّح الى ان يد القدرة تتصرف تحت حجاب الأسباب، وان نظر الحكمة يراقب من فوق جميع العلل.

стр. 143

وأما (لو) فمتضمنة لقياس استثنائيّ غير مستقيم. أي عدم المشيئة علة لعدم ذهابهما؛ كما ان عدم الذهاب دليل على العلم بعدم المشيئة بذهابهما. وأيضاً رمز الى ان السبب بلغ النهاية. وأما (شاء) فاشارة الى ان الرابط بين السبب والمسبَّب انما هي المشيئة والارادة الإلهية. فالتأثير للقدرة، وما الاسباب إلا حجاب العزة والعظمة لئلا تباشر يد القدرة بالأمور الخسيسة في ظاهر نظر العقل. وأما التصريح بلفظة (الله) فاشارة الى زجر الناس عن الإِبتلاء بالأسباب والانغماس فيها. وأيضا لدعوة الأذهان الى رؤية يد القدرة خلف كل الأسباب.. وأما حذف مفعول "شاء" وان كان واجبا بالقاعدة المطردة فيجوز بقرينة اخواته ان يكون ايماء الى عدم تأثر المشيئة والارادة الالهية بأحوال الكائنات وعدم تأثير الأشياء في الصفات الالهية كما تتأثر ارادة البشر بحسن الأشياء وقبحها وعظمتها وصغرها. واما (لذهب) فاشارة الى ان الأسباب ليست مسلطة ومستولية على المسببات حتى اذا رُفعت بقيت المسببات في جوف العدم تلعب بها يد التصادف وتشتّتها بالاتفاق، بل يد القدرة حاضرة خلف الأسباب. اذا أخرجت الأشياءَ تأخذها يدُ الحكمة الالهية بقانون الموازنة والانتظام، ترسلها الى مواقع اُخر ولاتهملها. كما ان الحرارة اذا خرّبت بُنية الماء، فبالنظام المندمج في الهواء يذهب البخار في مجرى معين ويسوقه صانعه الى موقع معين.. وكذا في "ذهب" رمز الى ان الحواس الخمس الظاهرة ليست متولدة عن الطبيعة ولا لازمة لتجاويف السمع والبصر، بل انما هي هداياه تعالى وعطاياه. وما التجاويف والأسباب الاّ شرائط عادية. وأما التعدية بالباء بدل الهمزة فايماء الى ان يد القدرة لا تطلق الأشياء عن حبل الأسباب، غَاربُها على عنقها (١) بل تضع ازمّتها بيد نظام. واما افراد "السمع" مع جمع "البصر" فاشارة الى افراد المسموع وتعدد المبصر، اذ الف رجل يسمعون شيئاً واحداً مع تخالف المبصرات. (١) اصل المثل: حبلكِ على غاربك. ِ والغارب: اعلى السنام. وهذا كناية عن الطلاق، اى: اذهبى حيث شئتِ (مجمع الامثال) .

стр. 144

وأما هيئات جملة (ان الله على كل شيء قدير) فاعلم! انها فذلكة لتحقيق الدهشة في التمثيل والممثل له تشير الى انه كما لا تهمل دقائق أحوال المصابين المتمثلة لجزئيات أحوال المنافقين؛ كذلك يُرى في كل ذرة تصرف القدرة الالهية. واما (ان) فمع اشارتها الى ان هذا الحكم من الحقائق الراسخة، رمز الى عظمة المسألة ووسعتها ودقتها، وعجز البشر وضعفه وقصوره عنها المولِّدة للأوهام المنتجة للتردّد في اليقينيات. واما التصريح بلفظة (الله) فايماء الى دليل الحكم، اذ القدرة التامة الشاملة لازمة للالوهية. وأما (على) فايماء الى ان القدرة المخرجة للاشياء من العدم لا تتركها سُدىً هَملاً، بل ترقب عليها الحكمة وتربيها. وأما (كل) فاشارة الى ان آثار الأسباب، والحاصل بالمصدر من الأفعال الاختيارية أيضا بقدرته تعالى. وأما لفظ (شيء) بمعنى مشئ أي ما تعلقت به المشيئة، فاشارة الى ان الموجودات بعد وجودها لاتستغني عن الصانع بل تفتقر في كل آن لبقائها - الذي هو تكرر الوجود - الى تأثير الصانع. وأما لفظ (قدير) بدل "قادر" فرمز الى ان القدرة ليست على مقدار المقدورات فقط، وانها ذاتية لا تغير فيها، ولازمة لاتقبل الزيادة والنقصان لعدم امكان تخلل ضدها حتى تترتب شدة ونقصانا.. وتلويح الى ان القدرة كالجنس وكميزان الصرف، أعني: (فَعَلَ) لجميع الأوصاف الفعلية من الرزاق والغفار والمحيي والمميت وغيرها. تفكر فيما سمعت حق التفكر!.

стр. 145

يَا اَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٢١ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَاَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَاَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا ِلله اَنْدَاداً وَاَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٢ مقدمة اعلم! ان العبادة هي التي ترسِّخ العقائد وتُصيِّرها حالا ومَلَكة؛ اذ الأمور الوجدانية والعقلية إن لم تنمِّها وتربِّها العبادة - التي هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي - تكن آثارُها وتأثيراتها ضعيفة. وحال الاسلام ١ الحاضرة شاهدة. واعلم أيضاً! ان العبادة سبب لسعادة الدارين.. وسبب لتنظيم المعاش والمعاد.. وسبب للكمال الشخصيّ والنوعيّ.. وهي النسبة الشريفة العالية بين العبد وخالقه. أما وجه سببيتها لسعادة الدنيا التي هي مزرعة الآخرة فمن وجوه: منها: ان الانسان خُلق ممتازاً ومستثنى من جميع الحيوانات بمزاج لطيف عجيب، انتج ذلك المزاج فيه ميلَ الانتخاب وميلَ الأحسن وميلَ الزينة، وميَلاناً فطرياً الى ان يعيش ويحيى بمعيشة وكمال لائقين بالانسانية.. ثم لأجل تلك الميول احتاج الانسان في تحصيل حاجاته في مأكله وملبسه ومسكنه الى تلطيفها واتقانها بصنائع جمة لا يقتدر هو بانفراده على كلها. ولهذا احتاج الى الامتزاج مع أبناء جنسه ليتشاركوا، فيتعاونوا، ثم يتبادلوا ثمرات سعيهم. لكن لما لم يحدد الصانعُ الحكيم قوى البشر الشهوية والغضبية والعقلية بحدٍّ فطريّ لتأمين ترقّيهم بزَمْبَرَكِ ٢ الجزء الاختياريّ - لا كالحيوانات التي حُددت قواها - حصل انهماك وتجاوز.. ثم لانهماك القوى وتجاوزها - بسر عدم التحديد - تحتاج الجماعة الى العدالة في تبادل ثمرات السعي.. ثم لأن عقل كل احد لايكفي في درك العدالة احتاج النوع الى عقل كلي للعدالة يستفيد منه عقل العموم. وما ذلك العقل الاّ قانون كليّ، وما هو إلاّ
следующие страницы →