← Фикх малики

Фикх малики · id 784

مواهب الجليل من أدلة خليل

أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 647 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَنُدِبَ غَسْل فَمٍ مِنْ لَحْمٍ وَلَبَنِ (١)، وتَجْدِيدُ وُضوء إِنْ صُلِّيَ بِه (٢)، ولو شَكَّ في صلَاتِه ثُمَّ بَانَ الطُّهْر لَمْ يُعِدْ (٣). وَمَنَعَ حَدَثٌ صَلَاةً وطَوَافًا وَمَسَّ مُصْحَفٍ (٤) وإن بِقَضِيبٍ، وَحَمْلُهُ وَإِنْ بِعِلَاقَةٍ أَوْ وِسَادَةٍ، إلَّا لِأمْتِعَةٍ قُصِدَتْ، وَإنْ عَلَى كَافِرٍ لَادِرْهَمٍ وتَفْسِيرٍ وَلَوْحٍ لِمُعَلِّمْ وَمُتَعَلِّمٍ وَإِنْ حَائضًا، وَجُزْءٍ لمُتَعَلِّمٍ (٥) وَإِنْ بَلَغَ، وَحِرْزٍ بِسَاتِرٍ وَإِنْ لِحَائضٍ (٦). (١) دليله: ما أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس أن رسول اللهُ ﷺ شرب لبنًا فدعا بماء فتمضمض ثم قال: "إنَّ لَهُ دَسَمًا". ا. هـ. ودل على أن هذا الفعل للفضيلة، حديث أنس عند أبي داود أيضًا أن رسول اللهُ ﷺ شرب لبنًا فلم يتمضمض ولم يتوضأ وصلى. ا. هـ. ودليل المضمضة من اللحم حديث الموطإ: وحدثني عن مالك عن ضمرة بن سعيد المازني عن أبان بن عثمان أن عثمان بن عفان أكل خبزًا ولحمًا، ثم تمضمض وغسل يديه ومسح بهما وجهه، ثم صلى ولم يتوضأ. ا. هـ. (٢) دليله حديث أنس ﵁ عند أبي داود قال: كان النبي ﷺ يتوضأ لكل صلاة، وكنا نصلي الصلوات بوضوء واحد، وهذا الحديث أخرجه البخاري والنسائي والبيهقي وابن ماجه والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. وهو دليل على أنه يستحب الوضوء لكل صلاة، بدليل أنه ﷺ عنه الجمع بين صلاتين فأكثر بوضوء واحد؛ ألا ترى إلى حديث البخاري الذي يرويه من حديث سويد بن النعمان ﵁، ولفظه: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام خيبر، حتى إذا كنا بالصهباء صلى لنارسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاة العصر، فلما صلى دعا بالأطعمة فلم يؤت إلا بالسويق، فأكلنا وشربنا ثم قام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المغرب، فمضمض ثم صلى لنا المغرب ولم يتوضأ. (٣) قد تقدم في هذا التعليق أن الشك في الحدث بعد تيقن الطهارة لا يرفعها، وأن الواجب استصحاب الحال، سواءٌ شك في حدثه قبل الصلاة أو في الصلاة، وسبحان من يستحيل عليه الخطا. وصدق الله العظيم: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١). =

стр. 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = (٤) أما منع الحدث للصلاة؛ فلحديث مصعب بن سعد، وحديث أبي هريرة كلاهما عند ابن خزيمة، لفظ الأول: "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ". ولفظ الثاني"لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ إِلَّا بِطُهُورٍ وَلَا صَدَقَة مِنْ غلُولٍ". وأما الطواف فاشتراط الطهارة له لحديث عائشة، حين حاضت بسرف، فقال لها النبي ﷺ "اسْتَذْفِرِي وَافْعَلِي كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الطَّوَافَ" أو كما قال ﷺ . ودعاؤه ﷺ ليلة نزوله من منى صفية بنت حُيَي ﵂ فقيل: إنها حائض. فقال"حَلْقَى عَقْرَى أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ ". قالت عائشة: إنها أفاضت مع الناس يوم طواف الإِفاضة. قال: "لَا إِذًا". يدل أيضًا على أن عدم الطهارة مانع للطواف. والله الموفق. وأما منع الحدث لمس المصحف ولو بقضيب؛ فإن دليل ذلك قوله تعالى ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). الآية، فإن قوله تعالى. ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يجعل الضمير في يَمَسهُ ظاهرًا في القرآن، لا يجوز صرفه عنه إلى اللوح المحفوظ إلا لدليل صريح صحيح ولا دليل كذلك، فتعين حمله عليه، وعلى ذلك الجمهور. وأيضًا فقد روى الدَّارقُطْنِي عن سليمان بن موسى قال: سمعت سالمًا يحدث عن أبيه فقال: قال رسول اللّه ﷺ : "لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ". وأخرج أيضًا عن حسان بن بلال عن حكيم بن حزام أن النبي ﷺ قال: "لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا وَأَنْتَ عَلَى طُهْرٍ". ا. هـ. والله الموفق. أنظر المبحث النفيس في المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود للشيخ محمود محمد خطاب السبكي. (٥) أما ما استثناه من جواز اللوح والجزء للمعلم والمتعلم والحائض المتعلمة دون الجنب؛ فإنما هو للقاعدة الشرعية العظيمة: [المشقة تجلب التيسير] ودليلها القرآن كما تقدم: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٢). وإنما جاز للحائض دون الجنب لتعذر الغسل عليها دونه، ولأنها ربما يطول عليها الدم فتنسى ما حصلت من القرآن. والله تعالى أعلم. (٦) نقل الشيخ محمود محمد خطاب السبكي في شرح أبي داود ما نصه: ونقل ابن جرير الطبري =

стр. 73

فصل يجب غَسْلُ ظَاهِرِ الْجَسَدِ بِمَنِيٍّ (١) وَإِنْ بِنَوْمٍ (٢) أَوْ بَعْدَ ذَهَابِ لَذَّةٍ بِلَا جِمَاعٍ (٣) ولَمْ يَغْتَسِلْ. لَا بِلَا لَذَّةٍ. أوْ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ (٤) وَيَتَوضَّأْ كَمَنْ جَامَعَ فاغْتَسَلَ ثُمَّ أمْنىَ (٥) وَلَا يُعِيدُ الصَّلَاة، وَبِمَغِيبِ حَشَفَةِ بَالِغٍ لَا مُرَاهِقٍ أوْ قَدْرِهَا فِىِ فَرْجٍ (٦) وَإِنْ مِن بَهِيمَةٍ وَمَيْتٍ (٧)، ونُدِبَ لِمُرَاهِقٍ كَصَغِيرَةٍ وَطِئها بَالِغٌ (٨). لَا بِمَنِيٍّ وَصَلَ لِلْفَرْجِ وَلو التَذَّتْ (٩). = عن مالك قال مالك: لا بأس بما يعلق على النساء الحيض والصبيان من القرآن إذا جعل في كن كقصبة حديد أو جلد يخرز عليه، قال: وقد يستدل للإباحة بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم من الفزع كلمات: "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ أَنْ يَحْضُرُونَ"، قال: وكان عبد الله عمرو يعلمهن من عقل من بنيه، ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه. رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. ا. هـ. (١) لحديث أبي سعيد الخدري عند الجيهقي أن رسول الله ﷺ قال: "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ". رواه مسلم في الصحيح عن هارون بن سعيد عن ابن وهب. ا. هـ. ولحديث حصين بن قبيصة الفزاري عن عليٍّ ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن المذي فقال: "إِذَا رَأَيْتَ الْمذِيَّ فَتوَضَّأ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ وَإِذَا رَأَيْتَ نَضْحَ الْمَاءِ فَاغْتَسِلْ"، رواه البيهقي. وأخرج أيضًا عن عليِّ ﵁ قال: كنت رجلًا مذَّاءً، فلما رأى رسول الله الماء قد آذاني قال: "إنَّمَا الْغُسْلُ مِن الْمَاءِ. الدَّافِقِ". ا. هـ. (٢) لما أخرجه البيهقي من حديث عائشة ﵂ قالت: سئل رسول اله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الرجل يرى في المنام البلل ولا يذكر احتلامًا، قال: "يَغْتَسِلُ، وَإِنْ رَأَى أَنَّهُ احْتَلَمَ وَلَمْ يَرَ بَلَلًا فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ". ا. هـ. ولحديث أنس ﵁ عند بلوغ المرام، قال: قال رسول الله ﷺ في المرأة ترى في منامها ما يراه الرجل قال: "تَغْتَسِلُ" متفق عليه. زاد مسلم: فقالت أم سلمة: وهل يكون هذا؟ قال: =

стр. 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = " نَعَمْ، فَمنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟.". (٣) لحديث هشام بن عروة عن أبيه عن زيد بن الصَّلْت أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب إلى الجرف، فنظر فإذا هو قد احتلم وصلى ولم يغتسل، فقال: والله ما أراني إلا قد احتلمت وما شعرت، وصليت وما اغتسلت. فاغتسل وغسل ما رأى في ثوبه من الاحتلام ونضح ما لم ير، وأذن وأقام ثم صلَّى بعد ارتفاع الضحى متمكنًا. ا. هـ. البيهقي. وأخرج البيهقي أيضًا عن سليمان بن يسار أن عمر بن الخطاب صلى الصبح بالناس، ثم غدا إلى أرضه بالجرف فوجد في ثوبه احتلامًا فقال: إنا لما أصبنا الودك لانت العروق. فاغتسل وغسل ما رأى في ثوبه من الاحتلام وأعاد الصلاة. ا. هـ. وهما في الموطإ. قلت: وفي غسله لما رأى من الاحتلام في ثوبه دليل لمن يقول إن المني نجس وهو مذهبنا، وبالله تعالى التوفيق. (٤) قال ابن قدامة في المغني: فإن خرج شبيه المنيِّ لمرض أو برد لا عن شهوة فلا غسل فيه. وهذا قول أبي حنيفة ومالك. وقال الشافعي: يجب به الغسل ويحتمله كلام الخرقي. ا. هـ. منه. وفي منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأبرار ما نصه: ولأحمد فقال: "إِذَا حَذَفْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَإذَا لَمْ تَكنْ حَاذِفًا فَلَا تَغْتَسِلْ". قال الشوكاني في الكلام على هذا الحديث بعد ما أنهى الكلام على صنده، ما نصه: قوله: حذفت، يروى بالحاء المهملة والخاء المعجمة بعدها ذال معجمة مفتوحة ثم فاء وهو الرمي، وهولا يكون بهذه الصفة إلا لشهوة، ولهذا قال المُصَنِّف: وفيه تنبيه على أن ما يخرج لغير شهوة إما لمرض أو لبرد لا يوجب الغسل. قلت: ومذهب الشافعي هنا أجرى على الدليل؛ حيث إن الشارع ﷺ جعل مناط الغسل خروج الماء ولم يقيد بشيء، فتقييده هنا بخروجه بلذة معتادة يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه، وليس بالإمكان تقييده بمفهوم قوله في حديث أحمد المتقدم: "فَإذَا لَمْ تَكُنْ حَاذِفًا فَلَا تَغْتَسِلْ" لأن الدلالة فيها لم تبلغ درجة مفهوم المخالفة، نعم في قوله ﷺ "إذَا حَذَفْتَ المَاءَ فَاغْتَسِلْ مِنَ الْجَنَابَةِ" مفهوم صفة، غير أن المذهب عندنا عدم التخصيص والتقييد به، ألا ترى إلى لزوم زكاة المعلوفة عندنا أخذًا.

стр. 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = من قوله ﷺ في الغنم مثلًا: "فِي كُلِّ أرْبَعِينَ شَاةٌ شَاةٌ" فقد قيدها من لا يرى الزكاة في المعلوفة بقوله ﷺ : "فِي الغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاة" وامتنع الإمام مالك عن تخصيص العموم في قوله"فِي كُلِّ أَرْبَعِين شَاةً شَاةً" بمفهوم المخالفة في قوله: "فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زكَاةٌ" لأن المنطوق لا يخصص عنده بالمخالفة، وهكذا يلزم هنا جريًا على أصول الإمام مالك أن لا يخصص قوله ﷺ : "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" بمفهوم مخالفة "إِذَا حَذَفْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ مِنَ الْجَنَابَةِ". فقد أناط النبي ﷺ وجوب الغسل برؤية الماء بقوله "نَعَمْ، إذَا رَأَتِ الْمَاءَ" لذلك يجب الغسل بخروج المني على كل حال. والله تعالى أعلم. وهو ولي التوفيق. (٥) ذكر ابن قدامة في المغني: قال أحمد ﵀ في الرجل يجامع ولم ينزل فيغتسل ثم يخرج منه المني: عليه الغسل. لكنه ذكر بعد ذلك أن الرِّواية المشهورة عن أحمد أنه لا غسل عليه، قال الخلال: تواترت الروايات عن أبي عبد الله أنه ليس عليه إلا الوضوء. ا. هـ. منه. ويؤيد ما درج عليه المُصَنِّف عندنا ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه وابن أبي شيبة من طريق الأوزاعي عن الزهري في المرأة والرجل يخرج منهما الشيء بعدما يغتسلان، قال: يغسلان فرجيهما ويتوضآن. ا. هـ. قلت: والذي هو أجرى على الدليل أنه إن جامع فأكسل فاغتسل ثم أمنى بعد ذلك، أنه يغتسل مرة أخرى لاختلاف سببي الغسل هنا، لأن الغسل الأول كان بسبب الإيلاج، والغسل الثاني بسبب خروج المني، وكل منهما سبب مستقل أناط به الشارع وجوب الغسل. والله أعلم وهو الموفق. (٦) اتفق جميع الفقهاء على وجوب الغسل بمغيب الحشفة من البالغ في الفرج إلَّا ما روي عن داود بن علي من التعلق بحديث: "الْمَاءُ مِن الْمَاءَ" الذي كان رخصة رخص فيها رسول الله ﷺ ثم أمر بالغسل، قال سهل بن سعد: حدثني أبي بن كعب أن: "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءَ" كان رخصة أرخص فيها رسول الله ﷺ ثم نهى عنها، متفق عليه، ودليل ما ذهب إليه عامة فقهاء الأمصار من الخلفاء الراشدين فمن بعدهم؛ هو ما أخرجه الشيخان والموطأ عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلَّا من الماء الدافق، أو من الماء. وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل. فقال أبو موسى: أنا أشفيكم من ذلك. فقمت فاستأذنت على عائشة، فقلت: يا أماه أويا أم المؤمنين، إنِّي أريد أن أسألك عن شيء وأنا =

стр. 76

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أستحييك. فقالت: لا تستحي عن شيء كنت سائلًا عنه أمك التي ولدتك: فإنما أنا أمُّك. قلت: فما يوجب الغسل؟. قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذَا جَلَسَ بَيْن شُعَبِهَا الْأرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ". ا. هـ. وفي حديث عن عمر ﵁: من خالف في ذلك جعلته نكالًا. وروي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأرْبَعِ وَجَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ" متفق عليه: زاد مسلم "وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ" ا. هـ. من مغني ابن قدامة بتصرف طفيف. وقوله: لا مراهق؛ لأنه ليس من أهل التكليف، والمنفي هنا عنه الوجوب لا الاستحباب؛ لأن الصبي عندنا مكلف بالمستحب دون الواجب أخذًا من حديث الخثعمية، التي أخذت بضبعي ولدها في حجة الوداع وقالت: ألهذا حج يا رسول الله؛. قال: "نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ". قال شيخ مشائخنا سيدي عبد الله بن ابراهيم العلوي في مراقي السعود: قد كُلِّف الصبي على الذي اعتمي … بغير ما وجب والمحرم إلى أن قال: والأمر للصبيان ندبه نُمي … لما رووه من حديث خثعم (٧) وقوله من بهيمة وميت، طريقه القياس بجامع أن الكل إيلاج في فرج، فوجب الغسل به كوطء الآدمية في حياتها، مع أن وطء الآدمية الميتة داخل في منطوق الأحاديث الواردة. (٨) قوله وندب لمراهق كصغيرة. ألخ. تقدم توجيه الخطاب إليه على الرغم من أنه ليس من أهل التكليف، بدليل قوله ﷺ : "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ": وذكر من بينهم الصبي حتى يبلغ، غير أن إتباع الصغيرة المطيقة للوطء له في عدم وجوب الغسل فيه نظر، والذي هو أقرب للدليل وجوب الغسل عليها إن أطاقت ووطئت، ألا ترى إلى حديث عائشة ﵂: "إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ" أتراها كان يطؤها رسول الله ﷺ ولم تكن تغتسل؟ ". ولا خلاف أنه دخل بها وهي ابنة تسع سنين، فلله در الإمام أحمد حيث أوجب عليها الغسل، انظر المغني. (٩) ونص المدونة في ذلك، قال: وسألت مالكًا عن الرجل يجامع امرأته فيما دون الفرج، =

стр. 77

وَبِحَيْضٍ (١) وَنفاسٍ بِدَمٍ (٢) وَاسْتُحْسِنَ وبِغَيْرهِ لَا باسْتِحَاضَةٍ ونُدِبَ لانْقِطَاعِهِ (٣)، وبَجِبُ غَسْلُ كَافِرٍ بَعْدَ الشَّهَادَةِ بِمَا ذُكِرَ (٤) وَصَحَّ قَبْلَهَا، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلى الإِسْلَامِ (٥) لَا الإِسْلَامُ إِلَّا لِعَجْزٍ (٦)، وِانْ شَكَّ أَمَذِيٌّ أوْ = فيقضي خارجًا من فرجها فيصل الماء إلى داخل الفرج، أترى عليها الغسل؟. قال: لا، إلا أن تكون التذَّت. يريد بذلك أنزلت. ا. هـ. منه. وقال في موضع آخر بعد هذا: ابن وهب عن سعيد بن أبي أيوب قال: كان يزيد بن أبي حبيب وعطاء بن دينار ومشائخ من أهل العلم يقولون: إذا دخل من ماء الرجل شيء في قبل المرأة فعليها الغسل وإن لم يلتق الختانان، وقاله الليث. ا. هـ. منه قال: الباجي في المنتقى: وجه قول ابن القاسم، أن غسل الجنابة إنما يجب بالتقاء الختانين أو بالإنزال، وقد عدما في حق المرأة فلا غسل عليها. ووجه الرِّواية الثانية أنه إذا وصل ماء الرجل قُبُلَها والْتذَّت، أشكل عليها أمرها فلم تدر أنزلت أم لا؟. ولما كان غالب حالها الإِنزال، عند وجودها اللذة، حمل أمرها على الغالب. ا. هـ. فبان لك بإذن الله رجحان المذهب الأول. والله الموفق. (١) لحديث عائشة ﵂ أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فسألت النبي ﷺ فقال: "ذلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ فَإِذا أَقَبَلَتِ الْحَيْضَة فَدَعِي الصَّلَاةَ وَإذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي" رواه البخاري. قال في المغني: وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (١). يعني إذا اغتسلن؛ منع الزوج وطأها قبل الغسل فدل على وجوبه عليها. (٢) والنفاس كالحيض سواء؛ فإن دم النفاس هو دم الحيض، وإنما كان في مدة الحمل ينصرف إلى غذاء الولد، فحين خرج الولد خرج الدم لعدم مصرفه وسمي نفاسًا. انتهى من المغنى لابن قدامة. (٣) مذهب الجمهور إلى أنه لا يجب على المستحاضة الاغتسال لشيء من الصلوات، ولا في وقت من الأوقات إلا مرة واحدة في وقت انقطاع حيضها. قال النووي: وهو مروي عن علي ﵁ وابن مسعود وابن عباس وعائشة، وهو قول عروة بن الزبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن ومالك وأبي =

стр. 78

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . = حنيفة وأحمد؛ ودليل الجمهور أن الأصل عدم الوجوب، فلا وجوب إلا بورود الشرع بالوجوب، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه أمرها بالغسل إلا مرة واحدة عند انقطاع حيضها، وهو قوله ﷺ : "إذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي" وأصح شيء في الباب ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت، فقال لها رسول الله ﷺ : "فَاغْتَسِلِي ثُمَّ صَلِّي". فكانت تغتسل عند كل صلاة ولا يخفى أن اغتسالها ذلك ﵂ لكل صلاة كان تطوعًا منها، إذ لم يرد أنه أمرها ﷺ بذلك. أنظر نيل الأوطار. وسوف يأتي مزيد بيان لهذا المبحث في محله إنشاء الله. (٤) المذهب أن الكافر إذا أسلم وجب عليه الغسل، سواء كان أصليًا أو مرتدًا، اغتسل قبل إسلامه أو لم يغتسل، وجد منه قبل إسلامه ما يوجب الغسل أو لم يوجد. وبه قال أبو ثور وابن المنذر. وقول المختصر هنا: [بما ذكر] ينزع به إلى ما نسبه ابن قدامة للشافعي؛ أي أنه إذا كان أجنب قبل الإصلام وجب عليه الغسل سواء أكان اغتسل قبل الإسلام أو لم يغتسل. أما أبو حنيفة فلا غسل عنده على من أسلم بحال، قال: لأن الجم الغفير أسلموا، فلو أمر كل من أسلم بالغسل لنقل إلينا تواترًا، غير أن قصة إسلام كل من ثمامة بن أثال وقيس بن عاصم ﵄، وأمر كل واحد منهما بالاغتسال فيه الدليل على وجوب الغسل على من أسلم. وبالله تعالى التوفيق. (٥) دليله أن بعض روايات حديث إسلام ثمامة بن أثال أنه ذهب فاغتسل ثم رجع فأسلم، وأيضًا قد روي أن أسيد بن حضير وسعد بن معاذ الأشهليين حين أرادا الإسلام سألا مصعب بن عمير وأسعد بن زرارة: كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الدين؟. قالا: نغتسل ونشهد شهادة الحق. (٦) أما صحة الإسلام وإجراء أحكامه الظاهرة لابد فيها من النطق باللسان لكلمة الإِخلاص، مع الجزم بها اعتقادًا، إلا إذا كان المرء عاجزًا عن النطق لخرس مثلًا، والمبحث معلوم في محله. والله الموفق. قال الشيخ محمد العاقب بن مايابي في نوازله: إن جاهل بأرض كفر خلقا … بكلمة الإخلاص جهرًا نطقا أحكام الإسلام عليه الظاهرة … تجرى ولا تنفعه في الآخرة =

стр. 79

مَنِيٌّ؟. اغْتَسَلَ وأَعَادَ مِنْ آخِر نَوْمَةٍ، كَتَحَقُّقِهِ (١). وَوَاجِبُه: نِيَّةٌ وَمُوَالَاةٌ كَالْوُضُوءِ (٢)، وَإِنْ نَوَتِ الْحَيْضَ وَالْجَنَابَةَ أَوْ أَحَدَهُمَا ناسِيَةً لِلآخَرِ، أَوْ نَوَى الجنابة والجُمُعَةَ، أوْ نِيابَةً عَنِ الجُمُعَةِ حَصَلَا (٣). وَإنْ نَسِيَ = وإن يكن ذا النطق منه ما اتفق … فإن يكن عجزًا يكن كمن نطق وإن يكن ذلك عن إباء … فحكمه الكفر بلا امتراء الخ (١) دليله قول مالك ﵀ في الموطإ ونصه: قال مالك في رجل وجد في ثوب أثر احتلام، ولا يدري متى كان؟. ولا يذكر شيئًا رأى في منامه، قال: ليغتسل من أحدث نوم نامه، فإن كان صلى بعد ذلك النوم، فليعد ما كان صلى بعد ذلك النوم؛ من أجل أن الرجل ربما احتلم ولا يرى شيئًا ويرى ولا يحتلم، فإذا وجد في ثوبه ماء فعليه الغسل، وذلك أن عمر أعاد ما كان صلى لآخر نوم نامه، ولم يعد ما كان قيل ذلك. ا. هـ. منه بلفظه. (٢) قد تقدم دليل وجوب النية في الطهارة والموالاة فيها، في الكلام عليهما في فرائض الوضوء، وقد بينت هناك حسب الإمكان أدلة ذلك، والقائل به من الأئمة. وعليه فلا فائدة في إعادته هنا، ولقد أكتفي بالإحالة إليه كما اكتفى سلفي بذلك. والله الموفق. (٣) القاعدة: هل يندرج الأصغر في الأكبر؟. والذي عليه العمل اندراجه فيه في الغسل والقران والزكاة والذكاة والحدود. قال الشيخ علي الزقاق المغربي في المنهج المنتخب: ......... هَل أَصْغَرُ … مندرج في أكبر قد قرَّرُوا عليه غُسلًا وقرانًا وزكاة … شفع إقامة حدودًا وذكاة وشبهها ....... الخ فقوله: عليه غسلًا؛ أي في اندراج غسل الجمعة في غسل الجنابة، وغسل الرأس يندرج فى مسحه. وقوله: قرانًا أي في اندراج أعمال العمرة في أعمال الحج للقارن. وقوله زكاة أي في إجزاء بعير =

стр. 80

الجنابَةَ أوْ قَصَدَ نيابَةً عَنْهَا انتفَيا؛ وتَخْلِيلُ شَعَرٍ (١)، وضَغْثُ مَضْفُورِهِ لا نَقْضُهُ (٢)، وَدَلْكٌ ولو بَعْدَ الْمَاءِ أَوْ بِخِرْقَةٍ أَوْ اسْتِنَابَةٍ (٣)، وإِنْ تَعَذَّرَ سَقَطَ (٤). = عن شاة في زكاة خمسة من الإبل. وقوله ذكاة في إجزاء إبانة الرأس يندرج فيه الذبح إلى غير ذلك. وأما قوله: وإن نوت الحيض والجنابة أو أحدهما ناسية للآخر، أي لأن القاعدة أنه إذا تعدد السبب واتحد الموجب، كفى موجب واحد لها، وذلك على نحوما عقده ميارة في تكميله: إن يتعدد سببٌ والموجبُ … متحد كفَى لهن مُوجَبُ وقوله: وإن نسي الجنابة، أو قصد نيابة عنها انتفيا، أي لعدم اندراج الأكبر في الأصغر، لأن غسل الجنابة فريضة إجماعًا، وغسك الجمعة مستحب على التحقيق. والله تعالى أعلم. (١) لحديث علي ﵁ عند أبي داود وأحمد، ولفظه كما في منتقى الأخبار عن علي ﵁ قال: سمعت رسول ﷺ يقول: "مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَعَلَ اللَّهُ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ"، قال علي: فمن ثم عاديت شعري. زاد أبو داود: وكان يجز شعره ﵁. قال الشوكاني: والحديث يدل على مشروعية تخليل الشعر في الغسل، ولا أحفظ فيه خلافًا. ا. هـ. منه. وفي الموطإ: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة، بدأ بغسل يديه ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول الشعر، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله. ا. هـ. (٢) لحديث أم سلمة عند المنتقى وقال: رواه الجماعة إلا البخاري ولفظه: وعن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله، إِنيِّ امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟. قال: "لَا إنَّمَا يَكْفِيكِ أنْ تحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ". ا. هـ. وفي الموطأ عن مالك أنه بلغه أن عائشة سئلت عن غسل المرأة من الجنابة فقالت: لتحفن على رأسها ثلاث حفنات من الماء، ولتضغث رأسها بيديها. ا. هـ. قال الباجي في المنتقى: وضغثها بيديها ليداخله الماء ويصل إلى بشرة الرأس؛ لأن الفرض في الغسل استيعاب البشرة بالغسل. ا. هـ. منه. =

стр. 81

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وفي الباب أيضًا حديث عبيد بن عمر عند منتقى الأخبار وقال: رواه أحمد ومسلم ونصه: وعن عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يامر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، فقالت: يا عجبا لابن عمرو، هو يأمر النساء إذا اغتسلن بنقض رؤوسهن؟. أو ما يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟! ". لقد كنت اغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات. ا. هـ. أما الحائض فإن الواجب عليها في ذلك نقض شعرها، لما رواه الدَّارقُطْنِي والبيهقي في السنن الكبرى من حديث مسلم بن صبيح عن أنى قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا اغْتَسَلَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ حَيْضها نَقَضَتْ شَعْرَهَا نَقْضًا وَغَسَلْتُهُ بِخُطْمِيٍّ وأَشْنَانَ، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الْجَنَابَةِ صَبَّتْ عَلَى رَأْسِهَا الْمَاءَ وَعَصَرَتْ". ا. هـ. ولابن ماجه بسند صحيح عن عروة عن عائشة: أن النبي ﷺ قال لها وكانت حائضًا "انْقُضِي شَعْرَكِ وَاغْتَسِلِي". انظر نيل الأوطار. قال الباجي في المنتقى في الكلام على بلاغ مالك آنف الذكر: سؤالها عن غسل المرأة من الجنابة خاصة؛ لأنه أمر متكرر وليس عليها نقض رأسها، وأما الحيض فقليل ولابد من نقض رأسها إلى تلك المدة في الأغلب. ا. هـ. منه. (٣) قوله: ودلك الخ. قال الباجي في المنتقى في قول عائشة ﵂ في صفة غسل رسول الله ﷺ : ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ. قال: ثم يفيض الماء على جسمه كله؛ إفاضة المات على الجلد يكون بإرسال الماء باليد على الجسم، وتد يكون امرار اليد مع الماء معينًا في الإفاضة، ويجوز خلو الإفاضة من ذلك، إلا أنه لما أجمع على أن الجلد لابد من استيعابه بالإفاضة، وعلمنا أن من الجسد مغابن ومواضع لا يصل اليها الماء بإرساله من أعلى الجسد حتى يوصل إليها باليد، دلنا ذلك على أن امرار اليد معتبر مع الإفاضة في جميع الجسد، للإجماع على أن حكم الجسد متساو في الغسل. ا. هـ. منه. قال في المدونة: وقال مالك في الجنب يأتي النهر فينغمس فيه انغماسًا، وهو ينوي الغسل من الجنابة ثم يخرج، قال: لا يجزئه إلا أن يتدلك، وإن نوى الغسل لم يجزه إلَّا أن يتدلك، قال: وكذلك الوضوء بماء، قلت: أرأيت إن مر بيديه على بعض جسده ولم يمرَّهما على جميع الجسد =

стр. 82

وَسُنَنُهُ: غَسْل يَدَيْهِ أَوَّلًا (١) وَصِمَاخُ أُذُنَيْهِ (٢)، ومضمضة واسْتِنْشَاقٌ (٣) واسْتِنْثَارٌ، وَنُدِبَ بَدَءٌ بإِزَالَةِ الأَذَى (٤)، ثُمَّ أعْضَاءِ وُضُوئِه كَامِلَة مَرَّةً (٥)، وأعْلَاهُ (٦) ومَيَامِينُهُ، وتَثْلِيثُ رَأْسِهِ (٨)، وقلَّةُ المَاءِ بِلَا حَدٍّ (٩). = كله؟. قال مالك: لا يجزئه حتى يمر يديه على جميع جسده كله، ويتدلك. ا. هـ. منه. وفي المغني لابن قدامة: وقال عطاء في الجنب يفيض عليه الماء؟. قال: لا، بل يغتسل غسلًا، لأن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (١). ولا يقال اغتسل إلا لمن دلك نفسه، ولأن الغسل طهارة من حدث فوجب إمرار اليد فيها كالتيمم. ا. هـ. منه. وأيضًا في الباب حديث عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ أتي بثلثي مدّ من ماء فتوضأ؛ فجعل يدلك ذراعيه. ا. هـ. البيهقي. (٤) قوله: وإن تعذر سقط، لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢). وقوله نعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣). وتوله نعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤). ولقوله ﷺ : "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ". وقد تقدم التنويه عن الاستدلال بهذه الأدلة، للقاعدة العظيمة التي هي أصل من أصول التشريع الإسلامي وهي تولهم: المشقة تجلب التيسير. والله الموفق. وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) لحديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه من الإناء قبل أن يدخل يده في الإناء. الحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى، وقال: رواه مسلم في الصحيح عن عمرو الناقد عن معاوية بن عمرو. ا. هـ. (٢) لحديث المقدام بن معد يكرب عند البيهقي قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ قال: ومسح بأذنيه باطنهما وظاهرهما. زاد هشام: أدخل إصبعيه في صماخ أذنيه. ا. هـ. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، قلت: هذا الخبر وارد في الوضوء، فكان دليلًا على أنه أولى بإدخالهما في صماخ الأذنين في =

стр. 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الغسل. والله الموفق. (٣) لحديث ميمونة ﵂ قالت: وضعت لرسول الله ﷺ غسلًا فاغتسل من الجنابة؛ فأكفأ الإناء بشماله على يمينه، فغسل كفيه ثلانًا ثم أفاض على فرجه فغسله، ثم قال بيده على الحائط أو على الأرض فدلكها، ثم مضمض واستنشق. الحديث أخرجه البيهقي في السنن الكبرى وقال: أخرجه البخاري ومسلم. والدليل على عدم وجوب المضمضة والاستنشاق هو ما أخرجه في المدونة قال: وقال مالك فيمن ترك المضمضة والاستنشاق وداخل أذنيه في الغسل من الجنابة حتى صلى، قال: يتمضمض ويستنشق لما يستقبل، وصلاته التي صلى تامة. ا. هـ. منه. (٤) لحديث أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل بدأ بيمينه فصب عليها من الماء فغسلها، ثم صب الماء على الأذى به بيمينه وغسل عنه بشماله، حتى إذا فرغ من ذلك أظنه زاد صب الماء على رأسه. رواه البيهقي في السنن الكبرى وقال: رواه مسلم في الصحيح عن هارون الايلي عن ابن وهب. هـ. منه. (٥) لحديث هشام بن عروة عن أبيه، أن عائشة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ يبدأ فيغسل يديه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يدخل كفيه في الماء فيخلل بهما أصول شعره. الحديث، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ثم قال: مخرج في الصحيحين من حديث هشام بن عروة. وأما التقييد فلعله لأنه أقل ما يجزئُ في ذلك، لأنه تقدم أن الفرض في الوضوء المرة الواحدة. والله تعالى أعلم. (٦) دليل البدء بالأعلى حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ وفيه تقول: ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر حتى إذا رأى أنه استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات. الحديث، رواه البيهقي وقال: غريب صحيح رواه مسلم في الصحيح عن يحيى ابن يحيى. ا. هـ منه. =

стр. 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = (٧) لحديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه. أخرجه في منتقى الأخبار وقال: أخرجاه، قال الشوكاني في الكلام على هذا الحديث: يدل على استجاب البداءة بالميامن ولا خلاف فيه. ا. هـ. منه. (٨) لحديث ميمونة ﵂ قالت: أدنيت لرسول الله ﷺ غسله من الجنابة؛ فغسل كفيه مرتين أو ثلاثًا، ثم أدخل كفه اليمنى في الإناء، فأفرغ بها على فرجه فغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكًا شديدًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات. الحديث، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى وقال: رواه مسلم في الصحيح عن علي بن حجر. ا. هـ. ولحديث هشام بن عروة عن أبيه أن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يبدأ فيغسل يديه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يدخل كفيه في الماء فيخلل بهما أصول شعره، حتى إذا خيل إليه أنه استبرأ البشرة غرف بيده ثلاث غرفات فصبها على رأسه ثم اغتسل. رواه البيهقي وقال: مخرج في الصحيحين من حديث هشام بن عروة. ا. هـ. (٩) قال الباجي في المنتقى: وروي عن النبي ﷺ أنه كان يتوضأ بالمد ويتطهر بالصاع. وهذا ليس فيه تحديد لأقل ما يستعمل في الوضوء والغسل، ومن توضأ أو اغتسل بأقل من ذلك أجزأه. ا. هـ. منه. وفي البيهقي من حديث عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد الأنصاري أن النبي ﷺ أتي مد ماء فتوضأ، فجعل يدلك ذراعيه. وروي عن الصَّلْت بن دينار عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة أن النبي ﷺ توضأ بنصف مد، رواه البيهقي، غير أنه ذكر أن الصَّلْت بن دينار متروك. وعلى كل حال فالمشهور عن مالك عدم تحديد شيء في ذلك. والله الموفق.

стр. 85

كَغَسْلِ فَرْج جُنُبٍ لِعَوْدهِ لِجِمَاعٍ (١)، وَوُضُوئِهِ لِنَوْمٍ (٢) لا تيمم، وَلَمْ يَبْطُلْ إلَّا بجِماعٍ. وَتَمْنَعُ الْجَنَابَةُ مَوَانِعَ الأَصْغَرِ والْقِرآءَةَ (٣) إِلَّا كَآيَةٍ لِتَعَوُّذٍ ونَحْوِهِ، ودُخُولَ (١) دليل استحباب غسل فرج الجنب لعوده لجماع، حديث منتقى الأخبار عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأ". رواه الجماعة إلا البخاري. قال الشوكاني: ورواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وزادوا: "فَإِنَّهُ أَنْشَط لِلْعَوْدِ"، إِلى أن قال: وجعلوا - يعني من حمل الأمر هنا على الندب- ما ثبت في رواية الحاكم بلفظ: إِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ، صارفًا للأمر إلى الندب. ويؤيده ما رواه الطحاوي من حديث عائشة قالت: كان النبي ﷺ يجامع ثم يعود ولا يتوضأ. ا. هـ. نيل الأوطار. قلت: ولم أقف على فضيلة غسل الفرج فقط دون الوضوء لمن يريد العودة، لكن البيهقي قال: باب الجنب يريد أن يعود. ثم ساق سندًا إلى أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَتَى أحَدُكُمْ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ أرَادَ أنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا". ثم قال: رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر ابن أبي شيبة. ا. هـ. (٢) أما الوضوء للنوم، ففي المدونة ما نصه: قلت: هل كان مالك يامر من أراد أن يطعم أوينام إذا كان جنبًا بالوضوء؛. قال: أما النوم فكان يأمر أن لا ينام حتى يتوضأ بجميع وضوء الصلاة؛ غسل رجليه وغيره من ليل كان أو نهار. وفيها: وقال مالك: لا ينام الجنب حتى يتوضأ، ولا بأس أن يعاود أهله قبل التوضؤ أو بعده، ثم قال: ابن وهب عن الليث بن سعد ويونس بن يزيد عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام. ا. هـ. وأخرج البيهقي عن عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا أجنب فأراد أن ينام توظأ أو تيمم. ا. هـ. تأمل إذًا قول المصنف: لا تيمم. والله الموفق. (٣) لحديث عليّ ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقضي حاجته ثم يخرج فيقرأ القرآن، ويأكل معنا اللحم ولا يحجبه، وربما قال: ولا يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة. خرجه في منتقى الأخبار وقال: رواه الخمسة، لكن لفظ الترمذي مختصر. كان يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنبًا. وقال: حديث حسن صحيح. ا. هـ. =

стр. 86

مَسْجِدٍ (١) وَلَوْ مُجْتَازًا كَكَافِرٍ وَإِنْ أَذِنَ مُسْلِمٌ (٢)، ولِلْمَنِيِّ تَدَفُّقٌ وَرَائِحَةُ طَلْعٍ أَوْ = قال البغوي: وروي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "لَا تَقَرأْ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ". وهذا الحديث رواه أيضًا الترمذي وابن ماجه. قال البغوي: وجوّز مالك للجنب ان يقرأ بعض آية، وجوز للحائض قراءة القرآن لأن زمان حيضها قد يطول فتنسى. ا. هـ. وروي عن ابن المسيب وعكرمة أنهما كانا لا يريان بأسًا في قراءة الجنب للقرآن. وروي مثل ذلك عن ابن المنذر والطبري وابن عباس وداود الظاهري، وأكثر العُلماء على تحريمه. انظر شرح أبي داود لمحمود محمد خطاب السبكي. ا. هـ. أما المحدث حدثًا أصغر فقد اتفقوا على جواز قراءته للقرآن عن ظهر قلب، غير أنه لا سجود عليه للتلاوة. ففي الموطإ أن عمر بن الخطاب كان في قوم وهو يقرأ، فقام لحاجة ثم رجع وهو يقرأ فقال رجل: لم تتوضأ يا أمير المؤمنين وأنت تقرأ. فقال عمر: من أفتاك بهذا؟. أمسيلمة؟. ا. هـ. أنظر شرح السنة للبغوي. (١) لحديث عائشة عند أبي داود أن رسول الله ﷺ قال: "وَجِّهُوا هذِهِ البُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ فَإنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائضٍ وَلَا جُنُبٍ". غير أن قول المؤلف: ولو مجتازًا، يرد عليه أن البغوي قال: وجوّز مالك والشافعي المرور فيه، وهو قول الحسن وتَأولوا قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (١). ويروى ذلك عن أنس وجابر. ا. هـ. ولعل المصنف اعتمد ما في المدونة قال: وقال مالك: لا يعجبني بأن يدخل المسجد الجنب عابر سبيل ولا غير ذلك. ا. هـ. منه. (٢) قوله: ككافر … الخ. المذهب عندنا منع الكافر من دخول المسجد مطلقًا؛ أخذًا من قوله ﵎: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢). وأيضًا نقد ثبت عن النبي ﷺ : "إنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ". فلأن يمنع الكافر من دخوله أولى؛ والذي يجيز دخول الكافر المسجد يقول إن نجاسته معنوية، ويستدل في جواز دخوله المسجد بأن رسول الله ﷺ ربط ثمامة بن أثال في المسجد وهو على دين قومه وبأنه -بأبي وأمي هو- كان يتلقى الوفود في المسجد. والعلم عند الله تعالى.

стр. 87

عَجِينِ (١)، وُيجْزِئُ عَنِ الوُضوءِ وَإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمُ جَنَابَتِهِ (٢)، وَغَسْلُ الوُضُوءِ عَنْ غَسْلِ مَحَلِّهِ وَلَوْ نَاسِيًا لِجَنَابَتِهِ، كَلُمْعَةٍ وإِنْ عَن جَبِيرَةٍ. (١) قوله: وللمنيِّ تدفق الخ. يريد به ليميز بينه وبين المذي الذي ليسر فيه إلا غسل الذكر والوضوء، ومن أكبر ما يتميز به المنيُّ خروجه بتدفق، وفي حديث حصين بن قبيصة عن عليٍّ ﵁: "إِذَا رَأَيْتَ الْمَذِيَّ فَاغْسِلْ ذَكَرَكَ وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلْصَّلَاة فَإِذا نَضَحْتَ الْمَاءَ فاغْتسِلْ". رواه البيهقي، وفي حديث أنس بن مالك أن أم سليم حدثت أنها سألت رسول الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل في منامه فقال رسول الله ﷺ : "إِذَا رَأَتْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ فَلْتغْتَسِلْ" فقالت أم سلمة: واستحييت من ذلك. قالت: وهل يكون هذا؟. فقال رسول الله ﷺ : "فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ إِنَّ مَاءَ الرجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضٌ وَمَاءُ الْمَرْأَة رَقِيقٌ أَصْفَرُ فَأَيُّهُمَا عَلَا أَوْ سَبَق يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ"، رواه البيهقي وقال: لفظ حديث العباس، رواه مسلم عن العباس بن الوليد النرسي. ا. هـ. قلت: ولم أقف على أثر يصف المني برائحة الطلع والعجين، ولعل المصنف أخذ ذلك من الاستقراء. والله الموفق. (٢) قوله ويجزئ عن الوضوء الخ. لحديث أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة قالت: كان رسول اللهُ ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة. رواه البيهقي. وأيضًا فإن القاعدة العامة: هل يندرج الأصغر في الأكبر؟ والعمل جار على أنه يندرج فيه قطعًا في الغسل والقران، وبعض فروع ذكرنا بعضًا منها في الكلام على قول المختصر: وإن نوت الحيض والجنابة أو أحدهما ناسية للآخر، أو نوى الجنابة والجمعة أو نيابة عن الجمعة حصلا، وقد أغنى ذلك عن إعادته هنا فليراجع هناك. وبالله تعالى التوفيق. أما ما ذكره المصنف بقوله: ولو ناسيًا لجنابته الخ. ليس جار على أصول مذهبنا فيما أرى؛ لأن نية رفع الحدث الأكبر لا تجزئ عنها نية الحدث الأصغر، وإذًا، فكيف يتصور رفع الحدث عن أعضاء وضوئه وعن موضع لمعته، إذا غسلهما بنية الحدث الأصغر؟. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 88

فصل رُخِّصَ لِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ -وإنْ مُسْتَحَاضَةً- بِحَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ مَسْحُ جَوْرَبٍ جُلِّدَ ظَاهِرهُ وبَاطِنُهُ، وَخُفٍّ وَلَوْ على خُفٍّ بِلَا حَائِلٍ (١) كَطِينٍ إلَّا المهمازَ، ولا حَدَّ (٢) بِشَرْطِ جِلْدٍ طَاهِرٍ خُرِزَ وسَتَر مَحَلَّ الْفَرْضِ، وَأَمْكَنَ تَتَابُعُ المشْيِ (٣) بِهِ بِطَهَارَة مَاءٍ (١) لحديث جرير بن عبد الله ﵁: أنه ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل له: تفعل هكذا؟. قال: نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه. قال ابراهيم فكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول سورة المائدة. أخرجه في منتقى الأخبار وقال: متفق عليه. قال الشوكاني: ورواه أبو داود وزاد: فقال جرير لما سئل: هل كان ذلك قبل المائدة أو بعدها؟. ما أسلمت إلَّا بعد المائدة. وكذلك رواه الترمذي من طريق شهر بن حوشب. قال: فقلت له: أقبل المائدة أم بعدها؟. فقال جرير: ما أسلمت إلَّا بعد المائدة. وقول المصنف: وامرأة، أي لما روي عن مالك في المدونة ونصه: وقال مالك: والمرأة في المسح على الخفين والرأس بمنزلة الرجل، وسواءٌ في جميع ذلك، إلا أنها إذا مسحت على رأسها لم تنقض شعرها. ا. هـ. منه بلفظه. وقوله: وإن مستحاضة، أي لما في المدونة عن ابن القاسم، ولفظه: قلت لابن القاسم: أرأيت المستحاضة تصح على خفيها؟. قال: عليها أن تمسح. ا. هـ. منه. وقوله: جورب، أي لحديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين. قال في منتقى الأخبار: رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي. وفسر العيني الجورب قال: هو الذي يلبسه أهل البلاد الشامية الشديدة البرد؛ وهو يتخذ من غزل الصوف المفتول، يلبس في القدم إلى ما فوق الكعب. نسب ذلك إليه المنهل العذب المورود شرح أبي داود، وقال الشوكاني: وهو لفافة الرِّجل. قاله في الضياء والقاموس. قلت: أما اشتراط تجليد ظاهره وباطنه فإنما هو بمحض الاجتهاد وقد قال بالمسح على الجوربين -سواء أكانا مجلدين أو منعلين أو ثخينين- الحنفية وأحمد =

стр. 89

. . . . . . . . . . . . . . . . . . = واسحاق بن راهويه والثوري وابن المبارك، واختلف قول الشافعية في ذلك. انظر شرح أبي داود لمحمود خطاب السبكي. وقوله: وخف ولو على خف، أي لما في المدونة ونصه: وقال مالك في رجل لبس خفيه على طهر، ثم أحدث فمسح على خفيه، ثم لبس خفين آخرين فوق خفيه أيضًا فأحدث، قال: يمسح عليهما عند مالك. قال ابن القاسم: لأن الرجل إذا توضأ فغسل رجليه ولبس خفيه ثم أحدث، مسح على خفيه ولم ينزعهما، فيغسل رجليه. قال: فإذا لبس خفين على خفين، وقد مسح على الداخلين، فهو قياس القدين والخفين. ا. هـ. منه بلفظه. وقوله: بلا حائل من طين، أي لقول المدونة: وقال مالك: وسألت ابن شهاب فقال لنا: هكذا المسح. قلت: فإن كان في أسفل الكعبين طين. أيمسح ذلك الطين من الخفين، حتى يصل الماء إلى الخفين؛. قال: هذا قوله. ا. هـ. منه. وقوله: إلا المهماز، لاضطرار المسافر إليه وحاجته له ولعله يخصه، واذًا فإنه جاز لقاعدة: [المشقة تجلب التيسير]. والله تعالى أعلم. (٢) وقول المصنف: ولا حدَّ، أي لما في المدونة عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث وابن لهيعة والليث عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن الحكم البلوي، أنه سمع علي بن رباح اللخمي يخبر عن عقبة بن عامر الجهني قال: قدمت على عمر بن الخطاب بفتح من الشام، وعليَّ خفان لي فنظرهما عمر فقال: كم لك منذ لم تنزعهما؟. قال: قلت: لبستهما يوم الجمعة واليوم الجمعة ثمان. قال: أصبت، قال ابن وهب: وسمعت زيد بن الحباب يذكر عن عمر بن الخطاب قال: لو لبست الخفان ورجلاي طاهرتان وأنا على وضوء، لم أبال أن لا أنزعهما حتى أبلغ العراق أو أقضي سفري. ا. هـ. بلفظه. قلت: روى زر بن حبيش عن صفوان بن عسال المرادي: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرًا أو مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلَّا من الجنابة، ولكن من الغائط والبول أو النوم. ورواية أي الغريف عن صفوان بن عسال فيها: "فَلْيَمْسَحْ أَحَدُكمْ عَلَى خُفَّيْهِ إذَا كنَ مُسَافِرًا ثَلَاَثةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ، وَإِذَا كَان مُقِيمًا فَيَوْمٌ وَلَيْلَةٌ". قال البيهقي في السنن الكبرى: قال أبو عيسى الترمذي: =

стр. 90

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = سألت محمدًا -يعني البخاري- قلت: وأي حديث أصح عندك في التوقيت في المسح على الخفين؟. قال: حديث صفوان ابن عسال وحديث ابن أبي بكرة حسن. ا. هـ. منه. وحديث صفوان بن عسال أخرجه في منتقى الأخبار وقال: رواه أحمد وابن خزيمة. وقال الخطابي: هو صحيح الإسناد. قال الشوكاني: ورواه النسائي والترمذي وصححاه، ورواه الشافعي وابن ماجة وابن حبان والدارقطني والبيهقي، إلى أن قال: قال أبو عمر بن عبد البر: وأكثر التابعين والفقهاء على ذلك، وهو الأحوط عندي لأن المسح ثبت بالتواتر، واتفق عليه أهل السنة والجماعة واطمأنت النفس إلى اتفاقهم، فلما قال أكثرهم: لا يجوز المسح للمقيم أكثر من خمس صلوات - يوم وليلة - ولا يجوز للمسافر أكثر من خمس عشرة صلاة ثلاثة أيام بلياليها، فالواجب على العالم أن يؤدي صلاته بيقين، واليقين الغسل حتى يجمعوا على المسح، ولم يجمعوا فوق الثلاث للمسافر ولا فوق اليوم للمقيم. ا. هـ. منه. فلينتبه طاب العلم وليأخذ الحيطة لدبنه. والله تعالى الموفق. (٣) قول المصنف: بشرط جلد طاهر خرز وستر محل الفرض، وأمكن تتابع المشي فيه، هي شروط جواز المسح على الخف، فاشتراط طهارة الجلد في غنىً عنه لأنه معلوم أن غير الطاهر لا يصلح للصلاة فيه مع الذكر والقدرة، وأما بقية الشروط فالظاهر أن مأخذها الاستقراء. والله تعالى أعلم. وقول المصنف: بطهارة ماءٍ كملت، أي لابد أن يكون لبسهما وهو طاهر طهارة مائية؛ بغسل من جنابة أو وضوء من حدث أصغر لا بطهارة ترابية؛ وذلك لما في المدونة ونصه: قال ابن القاسم فيمن تيمم وهولا يجد الماء، فصلى ثم وجد الماء في الوقت فتوضأ به: إنه لا يجزئه أن يمسح على خفيه، وينزعهما ويغسل قدميه إذا كان أدخلهما غير طاهرتين. وأيضًا فقد روي عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ ذات ليلة في مسير، فأفرغت عليه من الإداوة فغسل وجهه وغسل فراعيه ومح برأسه ثم أهويت لأنزع خفيه فقال: "دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ". فمسح عليهما. أخرجه في منتقى الأخبار وقال: متفق عليه. قال الشوكاني: وهو يدل على اشتراط الطهارة في اللبس لتعليله عدم النزع بإدخالهما طاهرتين، وهو مقتضى أن إدخالهما غير طاهرتين يقتضي النزع، وقد ذهب إلى ذلك الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق. ا. هـ. منه.

стр. 91

كَمُلَتْ، بِلَا تَرَفُّهٍ وَعِصْيَانٍ بِلُبْسِهِ أوْسفره (١)، فَلَا يُمْسَحُ وَاسِعٌ وَمُخَرَّقٌ قَدْرَ ثُلُثِ الْقَدَمَ (٢) وَإِنْ بِشَكٍّ، بَلْ دُونَهُ إِن الْتَصَقَ كَمُنفَتِحٍ صَغُرَ، أَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ فَلَبِسَهُمَا ثُمَّ كَمَّلَ رِجْلًا فَأَدْخَلَهَا حتَّى يخْلَعَ الملبوسَ قبْلَ الكمَال (٣) وَلَا مُحْرِمٌ (٤) لَمْ (١) قوله: بلا ترفه وعصيان بلبسه أو سفره؛ أما الترفه بلبسه فإن كان مما يجوز لبسه، فلا أرى وجهًا لمنعه من مسحه عليه، وقد استعمل جائزًا، جاءت السنة بالترخيص على المسح عليه، وفي الأثر: "إنَّ اللَّهُ يُحِبُّ أَنْ تُوْخَذَ رُخَصُهُ". وأمَّا إن كان عاصيًا بلبسه؛ أي بأن كان جوربًا من حرير مثلًا، وهو ممن يرى المسح على الجورب غير المجلد، أو كان عاصيًا بسفره؛ مثل العاق بسفره أو الآبق، فإن المسألة فيهما تجري على القاعدتين المشهورتين؛ أَمَّا في الأولى: هل الرخصة تبطلها المعصية أولا؟. وأمَّا الثانية: هل تتعدى الرخصة محلها أولا تتعداه؟. وقد عقدهما في المنهج المنتخب بقوله: وَهَلْ تَعَدَّى رُخْصَةٌ مَحَلَّهَا … عليه كالنَّجَسِ هَلْ أَبْطَلَها مَعْصِيَّةٌ كَسَفَرٍ لُبْسٍ وهل … كَذَا كَرَاهَة ترددٌ نُقل (٢) وقوله: فلا يمسح واسعٌ الخ. ليس فيه حسب اطلاعي إلا الاجتهاد. والله أعلم بمستنده فيه. (٣) وقوله: أو غسل رجليه فلبسهما ثم كمل ألخ. أي لأن شرط جواز المسح عليهما أن يكونا ملبوسين على طهارة كاملة، وإذًا يتخرج هذا الحكم على الخلاف المبني على القاعدة الخلافية، التي عقدها في المنهج المنتخب بقوله: وهَلْ يغسل العضو عنه يرتفع … حدثه أم بالفراغ ...... ولذا جرى الخلاف في إجزائه، والمشهور من المذهب عدم الإجزاء، وقال مطرف من أصحابنا: يجزئُ. وهو مذهب أبي حنيفة. أنظر الباجي على الموطإ. (٤) قوله: ولا محرم لم يضطر الخ. هذان الفرعان يجريان على القاعدة التي نوهنا عنها آنفًا وهي: الرخصة هل تبطلها المعصية أولا؟.

стр. 92

يَضْطَرَّ، وَفِي خُفٍّ غُصِبَ تَرَدُّدٌ، وَلَا لَابسٌ لِمُجَرَّدِ الْمَسْحِ (١) أَوْ لِيَنَامَ. وَفِيهَا يُكْرَهُ (٢)، وَكُرِهَ غَسْلُهُ وتكراره وتَتَبع غُضُونهِ (٣)، وبِطَلَ بِغُسْلٍ وَجَبَ (٤) وبخَرقهِ كثيرًا، وبِنَزْعِ أَكثَر رِجْلٍ لِسَاقِ خُفِّهِ لَا الْعَقِبِ (٥)، وإِنْ نَزَعهما أَو أَعْلَيَيْهِ أَو أحدهما بادر لِلأَسْفَلِ كالْمُوَالَاةِ (٦)، وإِن نَزَعَ رِجْلًا وَعَسُرَتِ الأُخْرَى وضَاقَ (١) وقوله: ولا لابس لمجرد المسح أو لينام، تصوره: رجل على طهارة وأحس بحرقان بول، فأراد لبس الخفين ليمسح عليهما إذا توضأ، أو أحس نومًا كذلك، وقد رد على نفسه. (٢) بقوله: وفيها يكره، ونص ما فيها: قلت لابن القاسم: فإن كان رجل على وضوء فأراد أن ينام أو يبول فقال: ألبس خفيّ كيما إذا أحدثت مسحت عليهما. قال: سألت مالكًا عن هذا في النوم فقال: لا خير فيه. والبول عندي مثله. ا. هـ. منه بلفظه. (٣) قوله: وكره غسله ألخ. أي لما في ذلك من الغلو في الدين، ولأنه مفسدة للخف. (٤) قوله: وبطل بغسل وجب، أي لحديث صفوان بن عسال وفيه: كان ﷺ يأمرنا سفرًا أو مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من الجنابة، قال البيهقي: وهو أصح ما روي في هذا الباب عند مسلم بن الحجاج. (٥) قوله: وبخرقه كثيرًا، أي لما في المدونة وهو: وقال مالك في الخرق يكون في الخف، قال: إن كان قليلًا لا يظهر منه القدم فليمسح عليه، وإن كان كثيرًا فاحشًا يظهر منه القدم فلا يمسح عليه. وقوله: وبنزع أكثر رجل لساق خفه لا العقب؛ أي لما في المدونة ونصه: وقال مالك فيمن نزع خفيه من موضع قدميه إلى الساقين، وقد كان مسح عليهما حين توضأ: إنه ينزعهما ويغسل رجليه بحضرة ذلك، وإن أخر استأنف الوضوء. وقال: وإن أخرج العقب إلى الساق قليلًا، والقدم كما هىِ في الخف، فلا أرى عليه شيئًا. ا. هـ. (٦) وقوله: وإن نزعهما أو أعلييه أو أحدهما بادر للأسفل كالموالاة؛ هو لما في المدونة ونصه: قال ابن القاسم وإن نزع الخفين الأعليين اللذين مسح عليهما، ثم مسح على الأسفل فيهما مكانه أجزأه ذلك وكان على وضوئه، وإن أخر ذلك استأنف الوضوء؛ مثل الذي ينزع خفيه؛ يعني وقد مسح عليهما، فإن غسل رجليه مكانه أجزأه ذلك. وكان على وضوئه، وإن أخر ذلك استأنف. ا. هـ. منه.

стр. 93

الوقْتُ، فَفِي تَيَمُّمِهِ أَو مَسْحِهِ عَلَيْهِ، أَو إِنْ كثرت قيمتُه وإِلَّا مُزِّقَ أَقْوَالٌ (١). وَنُدِبَ نَزْعُهُ كُلَّ جُمُعَةٍ (٢)، وَوَضْعُ يُمْنَاهُ عَلَى أَطراف أَصَابِعِهِ ويُسْرَاهُ تَحْتَهَا ويُمِرُّهُمَا لِكَعْبَيْهِ، وهلِ اليُسْرى كذلك أوْ الْيُسْرَى فَوْقَهَا؛ تأْوِيلان. ومَسْحُ أعْلَاه وأَسْفَلَه (٣) وَبَطَلَتْ إِنْ تَركَ أَعْلَاهُ لا أسْفَلُه فَفِي الوقت (٤). (١) وقوله: وإن نزع رجلًا إلى قوله أقوال؛ هي مسائل مجراها الاجتهاد البحت. فالله تعالى أعلم. وهو الموفق. (٢) قوله: وندب نزعه كل جمعة، صوابه: والأحوط نزعه كل ثلاثة أيام في السفر، وكل خمس صلوات في الحضر؛ لما علمت في الكلام على قوله ﵀: ولا حد. فراجع هناك ما نقلته عن الشوكاني، وهو عن النووي فتمسك به واحتط لدينك، واحذر من التعصب. وبالله تعالى التوفيق. (٣) قوله: ووضع يمناه إلى قوله ومسح أعلاه وأسفله، دليله في المدونة؛ قال ابن القاسم: وأرانا مالك المسح على الخفين؛ فوضع يده اليمنى على أطراف أصابعه من ظاهر قدمه، ووضع يده اليسرى من تحت أطراف أصابعه من باطن خفه، فأمرّهما وبلغ باليسرى حتى بلغ بهما إلى عقبه، ثم أمرَّهما على عقبه إلى موضع الوضوء، وذلك أصل الساق حذو الكعبين. قال: وقال مالك: سألت ابن شهاب فقال لنا: هكذا المسح. وليت شعري لم هذا التحرج في مسح اليسرى والاستفسار؟. أكان لزومًا أن تكون اليمنى على ظهرها واليسرى أسفل منها؟. أو تكون اليسرى هي العليا؟. ومعلوم أن ديننا يسر، وأنه ما خير نبينا بين مسألتين إلا اختار أيسرهما، ولا يخفى ما في جعل اليمنى من أعلى الرجل اليسرى من المشقة، والقصد المسح، وقد قال الشاعر: خذا بطن هرشا أو قفاها فإنه … كلا جانبي هرشا لهن طريق فأيهما فعلت أجزأتك. وبالله تعالى التوفيق. (٤) وقول المصنف: وبطلت إن ترك أعلاه لا أسفله ففي الوقت؛ يرمي به إلى ما في المدونة، ونصه: قلت وهل يجزئُ عند مالك باطن الخف عن ظاهره وظاهر الخف عن باطنه؟. قال: لا، ولكن لو مسح رجل ظاهره ثم صلى، لم أر عليه الإعادة إلَّا في الوقت، لأن عروة بن الزبير كان يمسح ظهورهما ولا يسمح بطونهما. أخبرنا بذلك مالك بن أنس، أما في الوقت فأحب الي أن يعيد ما دام في =

стр. 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . = الوقت. ا. هـ. منه. قلت: حديث علي ﵁: لو كان الدين بالرأي لكان اسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، لقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه. رواه أبو داود والدارقطني، وهو في بلوغ المرام. وقال ابن حجر في التلخيص: إسناده صحيح، وهو دليل على أن مسح ظاهر الخف دون باطنه مشروع، وبه أخذ أبو حنيفة والأوزاعي وأحمد والثوري، وإذًا فإن إلْزام الإِعادة لمن اقتصر عليه في الوقت فيه ما فيه، فإن الأولى في نظري والأسلم من التعصب أن يقال: كل منهما سنة صحيحة ثابتة عن رسول الله ﷺ وأي منهما فعلت أصبت. وبالله تعالى التوفيق. وهو حسبنا ونعم الوكيل. * * *

стр. 95

فصل يَتَيَمَّمُ (١) ذو مَرَضٍ وسَفَرٍ أُبِيحَ لِفَرْضٍ وَنَفْلٍ (٢)، وَحَاضِرٌ صَحَّ لِجَنَازَةٍ إِنْ تَعَيَّنَتْ، وَفَرْضٍ غَيْرِ جُمُعَةٍ ولَا يُعِيدُ (٣)، لَا سُنَّةٍ، إِن عَدِمُوا مَاءً كَافِيًا أَوْ خَافُوا باسْتِعْمَالِهِ مَرَضًا أَوْ زِيَادَتَهُ أَو تأَخُرَ بُرْءٍ، أَوْ عَطشَ مُحْتَرَمٍ مَعَهُ (٤)، أَوْ بِطَلَبِهِ تَلَفَ مَالٍ أَوْ خُروجَ وَقْتٍ كَعَدَمِ مُنَاوِلٍ أَوْ آلَةٍ (٥)، وَهَلْ إِنْ خَافَ فَوَاتَهُ باسْتِعْمَالِهِ؟. خِلَافٌ (٦) وَجَازَ جَنَازَةٌ وسُنَّةٌ ومَسُّ مُصْحَفٍ وَقراءَةٌ وطَوَافُ ورَكْعَتَاهُ بتَيمُّمِ فَرْضٍ أَو (١) التيمم في اللغة القصد، قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١). وقال امرؤ القيس: تيممَت العينَ التي عند ضارج … يَفيئُ عليها الظِّلُّ عِرْمِضُها طَامي ثم نقله الثرع فصار حقيقة شرعية في مسح الوجه واليدين بالصعيد الطيب، وحكمه أنه مشروع بدليل الكتاب والسنة وإجماع المسلمين. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢) الآية. وأما السنة؛ فحديث عمار المتفق عليه، وفيه فقال: "إِنَّمَا يكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا". ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه. وسوف يأتي مزيد إيضاح لهذا الحديث فيما بعد إن شاء الله. وأما الإجماع؛ فقد أجمعت الأمة على شرعية التيمم في الجملة وهو من خصائص هذه الأمة. ا. هـ. (٢) قول المصنف: يتيمم ذو مرض وسفر أبيح لفرض ونفل؛ دليله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ الآية. غير أن تقييده السفر هنا بالمباح، =

стр. 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أي السفر الذي يباح لصاحبه التيمم هو السفر المباح. مأخوذ عليه وعليه رحمة الله فإن التيمم في السفر عزيمة لا رخصة؛ علمًا بأن الرخصة المشهور فيها على القاعدة الخلافية أن المعصية لا تبطلها، وإيضاح كون التيمم في السفر عزيمة لا رخصة، هوأن الرخصة عرفوها بأنها حكم غيرَ من صعوبة إلى سهولة، مع بقاء علة الحكم الأصلي، فإن اختل شرط من هذه الشروط كان الحكم عزيمة لا يجوز تركها، كالتيمم فإنه لا يجوز مع الصحة ووجود الماء، فإذا علمت ذلك فاعلم أنه لا فرق بين سفر الطاعة وسفر المعصية في جواز التيمم لأن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ - إلى قوله تعالى - ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ يدل بإطلاقه على إباحة التيمم لكل مريض وكل مسافر عدم الماء. والله الموفق. (٣) قوله ﵀: وحاضر صحَّ لجنازة إن تعينت، وفرض غير جمعة ولا يعيده أي لما في المدونة، وهو: قلت: أيتيمم من في الحضر إذا لم يجد الماء في قول مالك؛. قال: نعم. وسألنا عمن كان في القبائل وأطراف الفسطاط. فخشي إن ذهب إلى الماء يتوضأ أن تطلع عليه الشمس قبل أن يبلغ الماء؟. قال: يتيمم ويصلي. ا. هـ وقوله: ولا يعيد، أي لقول المدونة: فقلت لابن القاسم أفيعيد الصلاة بعد ذلك إذا توضأ؟. قال: لا. قلت: فإن كان هذا الرجل في حضر أتراه في قول مالك بهذه المنزلة في التيمم؟. قال: نعم. قلت أرأيت من كان في السجن فلم يجد الماء أفيتيمم؟. قال: نعم. قلت: وهو قول مالك؟. قال: نعم. ا. هـ. منه. وقوله: لا سنة، أي لقول المدونة: وقال ابن القاسم من قول مالك: من أحدث خلف الإمام في صلاة العيدين لا يتيمم. ا. هـ. وقوله: إن عدموا ماءًا كافيًا، هو شرط في جواز تيمم المسافر والحاضر الصحيح. وقوله: أو خافو باستعماله ضررًا، أما المريض فخوفه من زيادة مرضه أو تأخر برئه ظاهر. وأما الصحيح فدليل جواز التيمم ليلة إن خاف ضررًا باستعمال الماء، هو ما أخرجه في المدونة من حديث ابن وهب عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب وغيره؛ أن رسول الله ﷺ أمَّر عمرو بن العاص على جيش فسار، وإنه احتلم في ليلة باردة فخاف على نفسه إن هو اغتسل بالماء البارد أن يموت، فتيمم وصلى بهم ولم يغتسل، وأنه ذكر لرسول الله ﷺ ذلك، فقال له رسول الله ﷺ : "مَا أُحِبُّ أَنَّكَ تَرَكْتَ =

стр. 97

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = شَيْئًا مِمَّا فَعَلْتَ وَلَا فَعَلْتَ شَيْئًا مِمَّا تَرَكْتَ" ا. هـ. وحديث جابر ﵁ في الرجل الذي شجَّ فاغتسل فمات: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَده". رواه بلوغ المرام. وقال: رواه أبو داود بسند فيه ضعف، وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (١). قال إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله والقروح، فيجنب فيخاف أن يموت ان اغتسل تيمم. رواه بلوغ المرام وقال: رواه الدارقطني موقوفًا ورفعه البزار وصححه ابن خزيمة والحاكم. هذان الحديثان وغيرهما يستأنس بهما لقوله: أو زيادة بر أوتأخره. أما اشتراطه التعين في الصلاة على الجنازة لمن فرضه التيمم، أراه مما يؤخذ عليه ﵀ لقوله ﷺ "وَجُعِلَتْ تُرْبَتهَا لَنا طَهُورًا إذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ". رواه بلوغ المرام من حديث حذيفة ﵁. (٤) وقوله ﵀: أوعطش محترم معه؛ أي والحال أنه معه ماء إن توضأ به عطش المحترم معه، وهذا عادم للماء شرعًا لأن الشرع يطالبه بإنقاذ حياة ذلك المحترم، فأصبح بمزلة عادم الماء حسًا، فيتخرج على القاعدة: هل المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا أو لا؟. وقد عقدها فى المنهج المنتخب مشيرًا إلى بعض فروعها بقوله: هل غالب أو ما بشرع قد عدم … أو ضد كما بتحقيق علم كالسؤر والصيد وكالوطء رعاف … تيمم وكإمام واصطراف وأيضًا في المدونة وقال مالك فيمن معه الماء وهو يخاف العطش إن توضأ به، قال: يتيمم ويبقى ماؤه. ا. هـ. (٥) وقوله: أو خروج وقت، أي لما في المدونة، وهو قال: وسألت مالكًا عن الرجل تغيب الشمس، وقد خرج من قريته يريد قرية أخرى، وهو فيما بين القريتين على غير وضوء، وهو غير مسافر، قال: إن طمع أن يدرك الماء قبل مغيب الشفق مضى إلى الماء، وإن كان لا بطمع بذلك تيمم وصلى. ا. هـ. منه. (٦) قوله: وهل إن خاف فواته الخ. أي وقال ابن القاسم: سألت مالكًا عن الرجل يجد الماء وهو =

стр. 98

نَفْلٍ إِن تأخَّرتْ (١)، لَا فَرْضٌ آخَرُ وإنْ قُصِدَا، وَبَطَلَ الثَّانِي وَلَوْ مُشْتَرَكَةً (٢)، لَا لِمُسْتَحَبٍّ، وَلَزِمَ مُوَالَاتُه (٣) وَقَبُولُ هِبَةِ مَاءٍ لَا ثَمَن أَوْ قَرْضُهُ، وأخْذُهُ بِثَمَنِ اعْتِيدَ لَمْ = على غير وضوء ولا يقدر على الماء؛ وهو في بئر أو في موضع لا يقدر عليه، قال: يعالجه ما لم يخف فوات الوقت، فإذا خاف فوات الوقت تيمم وصلى. ا. هـ. منه. (١) قوله: وجاز جنازة ألخ، أي تجوز هذه المتعاطفات بتيمم الفرض إن كان فعلها بعد الفرض، وذلك لما في المدونة: وقال مالك: لا يصلي مكتوبتين بتيمم واحد، ولا نافلة ومكتوبة بتيمم واحد إلا أن تكون نافلة بعد مكتوبة فلا بأس بذلك. ا. هـ. وقال في المدونة قبل هذا الموضع بقليل بخصوص مس المصحف وقراءة الحزب بالتيمم ما نصه: قال وقد كان لا يرى بأسًا أن يتيمم من لا يجد الماء في السفر، فيمس المصحف ويقرأ حزبه قال: وقال مالك في المسافر لا يكون معه الماء: يتيمم ويقرأ حزبه. قلت لابن القاسم: أرأيت إذا مر بالسجدة أيسجدها؟. قال: نعم يسجدها. ا. هـ. منه. قلت: والذي هو أظهر عندي أنه إن نوى الفرض بتيممه استباح كل ما يباح بالتيمم؛ من نفل قبل الفرض وبعده وقراءة وطواف وسى مصحف، وذلك جريًا على القاعدة في اندراج نية الأصغر في نية الأكبر؛ وجواز ذلك له هو مذهب الجمهور. والله الموفق. (٢) قوله: لا فرض آخر الخ. أي لما في المدونة ونصه: ابن وهب وأخبرني جرير بن حازم عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال: لا يصلى بالتيمم إلا صلاة واحدة. وقال الحكم وابراهيم النخعي مثله. وأخبرني رجال من أهل العلم عن ابن المسيب ويحيى بن سعيد وربيعة وعطاء بن أبي رباح وابن أبي سلمة والليث مثله. ا. هـ. منه. بلفظه. (٣) وقوله: ولزم موالاته؛ أي لما في المدونة ونصه: أرأيت إن تيمم رجل فحمم وجهه في موضع ويمم يديه في موضع آخر؟. قال: إن تباعد ذلك فليبتدئ التيمم، وإن لم يتطاول ذلك وإنما ضرب بوجهه في موضع، ثم قام إلى موضع آخر قريب من ذلك فضرب بيديه أيضًا فأتم تيممه فإنه يجزئه. قلت: هذا قول مالك؟. قال: هو عندي مثل الوضوء. ا. هـ. منه. بلفظه.

стр. 99

يَحْتَجْ لَهُ وإِن بِذِمَّتِهِ (١)، وَطَلَبُهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وإنْ تَوَهَمَّهُ لَا تَحَقَّقَ عَدَمَهُ، طَلَبًا لَا يَشُقُّ بِهِ كَرُفْقَةٍ قَلِيلة أَوْ حَوْلَهُ مِنْ كثِيرَةٍ، إِن جَهِلَ بُخْلَهُمْ بِهِ (٢)، وَنِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ (٣)، ونِيَّةُ أكْبَرَ إنْ كَانَ وَلَوْ تَكَرَّرَتْ. وَلَا يرْفعُ الْحَدَثَ (٤). وتعميمُ وجهه (١) وقوله: وأخذه بثمن اعتيد لم يحتج له؛ أي لما في المدونة ونصه: قال وسألنا مالكًا عن الجنب لا يجد الماء إلَّا بالثمن. قال: إن كان قليل الدراهم رأيت أن يتيمم، وإن كان واسع المال رأيت أن يشتري، ما لم يكثروا عليه في الثمن، فإن رفعوا عليه في الثمن يتيمم ويصلي. ا. هـ. منه. (٢) قوله: وطلبه لكل صلاة الخ؛ أي لأن إباحة التيمم مشروطة بعدم وجود الماء بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١) الآية، ولقوله ﷺ "إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيَبَ طَهُورُ الْمُسْلِم وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنينَ، فَإذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشرَته فَإنَّ ذلِكَ خَيْرَ لَهُ". رواه الترمذي من حديث أبي ذر وقال: حديث حسن صحيح. فلما كانت إباحة التيمم مشروطة بعدم وجود الماء تعين طلبه لكل صلاة. وقول المصنف: طلبًا لا يشق به؛ أي لقوله ﷺ : "إِذَا أمَرتكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا منْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ". وبالله تعالى التوفيق. (٣) قوله عليه رحمة الله: ونية استباحة الصلاة ونية أكبر إن كان ولو تكررت؛ أي بدليل ما في المدونة، قلت: أرأيت من تيمم وهو جنب من نوم لا ينوي به تيمم الصلاة ولا تيممًا للمس المصحف، أيجوز له أن يتنفَّل بهذا التيمم أو يمس المصحف به؟. قال: لا. ا. هـ. وقال في موضح آخر منها: وسألت مالكًا عن الرجل يكون في السفر فتصيبه الجنابة ولا يعلم بجنابته، وليس معه ماءٌ فتيمم يريد بتيممه الوضوء فيصلي الصبح، ثم يعلم بعد ذلك أنه قد كان أجنب قبل صلاة الصبح؛ أتجزئه صلاته بذلك التيمم؟. قال: لا. وعليه أن يتيمم ويعيد الصبح؛ لأن تيممه ذلك كان للوضوء لا للغسل. ا. هـ. منه. وأيضًا فإن حديث عمر بن الخطاب الصحيح: "إِنَّمَا الْأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكُل امْرئٍ مَا نَوَى". خير دليل على وجوب النية في كل عبادة. وقد تقدم الكلام على النية. والله الموفق. (٤) قوله عليه رحمة الله: ولا يرفع الحدث، فيه بحث في نظري فإن سياق آية المائدة دليل على =

стр. 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أن التيمم مطهر، ولا يكون مطهرًا إلا وهورافع للحدث؛ قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (١) أي من الحدث والجنابة، أو لتستحقوا الوصف بالطهارة التي يوصف بها أهل الطاعة. ذكره القرطبي. وأيضًا فقد بينت ذلك السنة، ففي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، الذي أصله في الصحيحين قال: قال رسول الله ﷺ : "جُعِلَتْ لِيَ الْأرْضُ مسْجِدًا وَطَهُورًا أَيْنَمَا أَدْرَكْتَنِي الصَّلَاةُ تَمَسَّحْتُ وَصَلَّيْتُ". أخرجه في منتقى الأخبار وقال: رواه أحمد. وقال الشوكاني في الكلام على هذا الحديث: قوله وطهورًا -بفتح الطاء- أي مطهرة. وفيه دليل على أن التراب يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما في الطهورية. ا. هـ. منه. وقال الصنعاني في الكلام على نفس الحديث مثله. ا. هـ. وحديث أبي ذر عند أبي داود، وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي والدار قطني والبيهقي وابن حبان. ولفظ أبي داود: قال أبو ذر: كُنت أعزب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة فأصلي بغير طهور، فأتيت رسول الله ﷺ بنصف النهار وهو في رهط من أصحابه، وهو في ظل المسجد، فقال ﷺ : "أَبُو ذَرٍّ". فقلت: نَعَمْ. هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قال: "وَمَا أَهْلَكَكَ"؟. قُلْتُ: إِنِّي كُنْتُ أَعْزُبُ عَنِ الْمَاءِ وَمَعِي أهْلِي فتصيبني الجنابة فأصلي بغير طهور. فأمر لي ﷺ بماءٍ. فجاءت به جارية سوداء بعُسً يتخضخض وما هو بملآن، فتسترتُ إلى بعيري فاغتسلتُ ثم جئت. فقال رسول الله ﷺ : "يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورٌ وَإِنْ لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ". ا. هـ. ألا ترى إلى قوله ﷺ في هذا الحديث: "إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيَّبَ طَهُورٌ وَإِنْ لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ". وقد علمت أن لفظة طهور كصبور وشكور، وأن هذا البناء يأتي في العربية لما يكثر منه الفعل، وبنفس البناء استنبط مالك طهارة الماء المستعمل في حدث إذا لم يتغير أحد أوصافه، فقد شارك الصعيد الطيب الماء في هذا الوصف، فاشتركا في الوظيفة في حالة نيابته عنه. والله الموفق. نعم قد يتقيد رفعه للحدث بالتوقيت فيقال: هو رافع للحدث حتى يوجد الماء، فإذا وجد الماء رجع المانع حتى يمس الماء البشرة. هكذا يبدو لي على قصوري. علمًا بان ما مشى عليه المصنف هنا هو مذهب الجمهور. والعلم عند الله تعالى.

стр. 101

وكفيه لكوعيه (١) ونزع خاتمه. وَصَعِيدٌ طَهُرَ كَتُرَابٍ، وهُوَ الَأفْضَلُ ولَوْ نُقِلَ، وَثَلْجٌ وخَضْخَاضٌ، وَفيها خفَّفَ يَدَيْهِ -رُويت بِجِيمٍ وَخَاءٍ- وجِصٍّ لَمْ يُطْبَخْ وَمَنْقُولٍ (١) قوله: وتعميم وجهه وكفيه لكوعيه ونزع خاتمه، يريد أن مسح الوجه والكفين للكوعين هوحد الفرض في التيمم، غير أن كيفية التيمم عندنا؛ ضربتان، الأولى منهما لتعميم الوجه والكفين للكوعين، والثانية لليدين إلى المرفقين، وسوف يذكرها المصنف في السنن بقوله: وإلى المرفقين وتجديد ضربة ليديه. ودليل ذلك أولًا: ما في المدونة ونصه: والتيمم ضربة للوجه وضربة لليدين؛ يضرب الأرض بيديه جميعًا ضربة واحدة، فإن يعلق بهما شيء نفضهما نفضًا خفيفًا، ثم يمسح بهما وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى بيديه، فيبدأ باليسرى عيى اليمنى، فيمرها من فوق الكف إلى المرفق، ويمرها أيضًا من باطن المرفق إلى الكف، ويمر أيضًا اليمنى على اليسرى كذلك، وأرانا ابن القاسم بيديه فقال: هكذا أرانا مالك. ووصف لنا. ابن وهب عن محمد بن عمرو عن رجل حدثه عن جعفر بن الزبير عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله ﷺ قال في التيمم: ضربة للوجه وأخرى للذراعين. وفي مصنف عبد الرزاق عن معمر بن الزهري عن سالم عن ابن عمر أنه كان إذا تيمم ضرب بيديه ضربة على التراب ثم مسح وجهه ثم ضرب ضربة أخرى ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين، ولا ينفض يديه من التراب. قال عبد الرزاق: وبه نأخذ. ا. هـ. منه. وفي شرح السنة للبغوي عن الأعرج عن ابن الصمة قال: مررت على النبي ﷺ وهو يبول، فسلمت عليه، فلم يرد عليَّ، حتى قام إلى جدارفحته بعصًا كانت معه، ثم وضع يده على الجدار، فمسح وجهه وذراعيه ثم ردَّ عليَّ السلام. ا. هـ. وقال البغوي: هذا حديث حسن. وأخرج البغوي أيضًا في شرح السنة عن نافع قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس، فقضى ابن عمر حاجته، وكان من حديثه يومئذ أن قال: مر رجل على رسول الله ﷺ في سكة من السكك وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة، ضرب بيديه على الحائط ومسح بهم وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح فراعيه ثم رد على الرجل السلام. وقال: "إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ إِلاَّ أَنَّي لَمْ أَكُنْ عَلَى طُهْرٍ". ا. هـ. =

стр. 102

كَشَبٍّ وَمِلْحٍ (١) ولمريض حَائِطُ لَبِنٍ وحَجَرٍ (٢). لَا حَصيرٍ وَخَشَبٍ، وَفِعْلُهُ فِي = والحديث أخرجه أبو داود والطحاوي والدارقطني والطيالسي والبيهقي، وهو. وإن كان في سنده محمد بن ثابت العبدي الذي ضعفه غير واحد، فإن طرقه الأخرى تعضده، وقد أخذ به عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، ومن التابعين سالم بن عبد الله بن عمر، والحسن، وابراهيم النخعي، وبه قال مالك وسفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأصحاب الرأي. وذهب الإِمام أحمد واسحاق إلى الأخذ بحديث عمار بن ياسر عند البخاري: تمعَّكت فأتيت النبي ﷺ فقال: "يَكْفِيكَ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ". هكذا نقله في شرح السنة. قلت: والذي يتضح في الموضوع أن الاقتصار على الوجه والكفين بالضربة الواحدة مجز، وأن الأفضل أن يؤتى بالضربة الثانية للذراعين إلى المرفقين، وهو مشهور المذهب عندنا، فالضربة الأولى وتعميم الوجه والكفين بها إلى الكوعين واجب، والضربة الثانية ليديه سنة. وبالله التوفيق. (١) حول المصنف: وصعيدٌ طَهُرَ كتراب وهو الأفضل، أي ولزم صعيد، أي لزم استعمال صعيد طاهر، أي متصف بالطهارة. وذلك معنى الطيب في الآية، وأفضل أنواع الصعيد التراب. قال البغوي في شرح السنة: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١). الآية. الصعيد هو التراب. والصعيد وجه الأرض. والطيب: الطاهر. ا. هـ. منه. قال المعلق عليه: قال عياض في مشارق الأنوار ٢/ ٤٧: الصعيد: وجه الأرض ومنه ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أي طاهرًا. وهو معنى قوله في الموطإ: وكل ما كان صعيدًا فهويتيمم به، سباخًا كان أو غيره؛ أي مما يسمى صعيدًا مما على وجه الأرض. والصعيد: التراب أيضًا. وقال الزجاج: الصعيد وجه الأرض؛ وعلى الإنسان أن يضرب وجه الأرض ولا يبالي أكان في الموضع تراب أو لم يكن، لأن الصعيد ليس هو التراب، إنما هو وجه الأرض، ترابًا كان أوغيره، ولا أعلم بين أهل اللغة خلافًا أن الصعيد وجه الأرض. وانظر لسان العرب. ا. هـ. منه. بلفظه. وفي المدونة: وسئل مالك عن الحصباء يتيمم عليه وهو لا يجد المدر؟ قال: نعم. قيل له: فالجبل يكون عليه الرجل وهولا يجد المدر، يتيمم عليه؟. قال: نعم. وقال مالك في الطين يكون=

стр. 103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ولا يقدر على التراب يتيمم عليه وكيف يصنع؟. قال: يضع يديه على الطين ويخفف ما استطاع ثم يتيمم. وسئل عن اللبد يتيمم عليه إذا كان الثلج ونحوه؟. فأنكر ذلك وقال: لا يتيمم عليه. قلت لابن القاسم: فإن تيمم إذا كان الثلج، وقد كره له أن يتيمم على لبد وما أشبه ذلك من النبات، قال: بلغني عن مالك أنه وسع له في أن يتيمم على الثلج. وقال علي بن زياد عن مالك أنه يتيمم على الثلج. قال: وسألت ابن القاسم عن الطين كيف يتيمم عليه في قول مالك؟. قال: إن لم يكن ماءًا يتيمم ويخفف يديه عليه. قال: لم أسأله عن الطين الخضخاض، ولكني أرى ما لم يكن ماءًا وهو طين. قال مالك: يضع يديه وضعًا خفيفًا ويتيمم. وروى ابن وهب عن معاوية بن صالح قال سمعت يحيى بن سعيد قال: لا بأس بالصلاة على الصفا والسبخة، ولا بأس بالتيمم بهما إذا لم يجد ترابًا وهو بمنزلة التراب، وقال يحيى: ما حال بينك وبين الأرض فهو منها. ا. هـ. منه. بلفظه. قلت: وقوله ﷺ المتفق عليه: "وَجُعِلَتْ لِيَ الْأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا". دليل واضح على أن الصعيد هو الأرض وما اتصل بها، ألا ترى إلى من وجبت عليه الصلاة على شاهق ولا ماء معه، أفترى الصلاة ساقطة عنه؟. وأيضًا قوله ﷺ لعمار بن ياسر في الصحيح: "إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَديكَ الْأرْضَ فكَذَا". لم يخصص فيه بتربة ولا بغيرها، بل أطلق فيه لفظ الأرض، وهو دال على وجه البسيطة سهولها وجبالها وسباخها ومعادنها. وبالله التوفيق. (٢) وقول المصنف: ولمريض حائط لبن وحجر، لم أدر من أين اشترط في جواز التيمم على الحائط للمريض، وقد روي أنه ﷺ تيمم على حائط في سكة من السكك؛ فقد روى الأعرج عن ابن الصمة قال: مررت على النبي وهو يبول، فسلمت عليه فلم يرد علي السلام حتى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه، ثم وضع يده على الجدار فمسح وجهه وذراعيه ثم رد عليَّ. ا. هـ. وقد ورد من حديث نافع عن ابن عمر ولم يذكر فيه [فحته بعصا كانت معه]. أنظر شرح السنة للبغوي. وعليه فإني لا أرى تقييد جواز التيمم بحائط اللبن والحجر بالمرض، لدليل السنة الصالحة الاحتجاج بها، وقد ذكر البغوي أن حديث ابن الصمة حسن. وبالله تعالى التوفيق. وقوله: لا حصير وخشب، أي لا يصح التيمم على شيء من ذلك لأنه ليس من الصعيد.

стр. 104

الْوَقْتِ (١)، فالْآئِسُ أَوَّلَ الْمُخْتَارِ والمُتَرَدَّدُ في لُحُوقِهِ أَوْ وُجُودِهِ وسَطَهُ والرَّاجِي آخِرَهُ (٢). وَفِيهَا تَأْخِيرُهُ المَغْرِبَ للشَّفَقِ، وسُنَّ ترتيبُه (٣) وَإِلى المرفقَيْنِ، وتَجْديدُ ضَرْبَةٍ ليَدَيْهِ (٤). (١) وقوله: وفعله في الوقت ألخ. أي للحديث المتفق عليه: "فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أَمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي مَحَلٍّ فَلْيُصَلِّ". لأن إدراك الصلاة لا يكون إلا بعد دخول الوقت قطعًا، وبذلك يقول مالك وأحمد بن حنبل وداود، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ (١) الآية. ولا قيام قبل دخول الوقت، إلا أن الوضوء خصصه الإِجماع والسنة. انظر نيل الأوطار. وفي البيهقي من حديث سليمان بن يسار التيمي، عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ فَضَّلَنِي عَلَى الْأنْبِيَاءِ -أو قال: أْمَّتِي عَلَى الْأمَمِ- بِأَرْبَعٍ؛ أَرْسَلَنِي إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَجَعَلَ الْأرْضَ كُلَّهَا لِي وَلأمَّتِي طَهُورًا وَمَسْجِدًا؛ فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتِ الرَّجُلَ مِنْ أمَّتِي الصَّلَاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَعِنْدَهُ طَهُورهُ" .. الحديث. وقد ذكره وذكر حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ -عام غزوة تبوك- قام من الليل فصلى فذكر الحديث فقال: "أُعْطِيتُ خَمْسًا مَا أْعْطِيَهُنَّ أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي". الحديث، وذلك تحت عنوان: باب التيمم بعد دخول وقت الصلاة. ا. هـ. (٢) وقول المصنف: فالآئس أول المختار الخ. أي لما في المدونة ونصه: وقال مالك لا يتيمم في أول الوقت مسافر ولا مريض ولا خائف إلا أن يكون المسافر على إياس من الماء، فإن كان على إياس من الماء تيمم وصلى في أول الوقت، وكان ذلك له جائزًا، ولا إعادة عليه وإن قدر على الماء، والمريض والخائف يتيممان في وسط الوقت، وإن وجد المريض أو الخائف الماء في ذلك الوقت فعليهما الوضوء والإِعادة، وإن وجد المسافر الماء بعد ذلك فلا إعادة عليه. وفي البيهقي عن علي ﵁ قال: إذا أجنب الرجل في السفر تلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن لم يجد الماء تيمم وصلى. ا. هـ. إلا أن في سنده الحارث الأعور وقال: لا يحتج به. وفي البيهقي أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيدًا طيبًا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت فاعاد أحدهما الوضوء والصلاة =

стр. 105

ونُدِبَ تَسْمِيَةٌ (١) وبَدْءٌ بظاهر يُمْنَاهُ بِيُسْرَاهُ إِلى المِرْفَقِ، ثم مَسْحُ الْبَاطِنِ لآخر الْأصَابعِ، ثم يُسْراهُ كذلك (٢)، وَبَطَلَ بِمُبْطِلِ الْوُضُوءِ، وَبِوُجُودِ الماءِ قبل الصَّلَاةِ لَافِيهَا إِلَّا نَاسِيَهُ (٣)، وَيُعِيدُ المُقَصِّرُ في الْوَقْتِ، وَصَحَّتْ إِن لَّمْ = ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا له ذلك، فقال للذي لم يعد: "أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ" وقال للذي توضأ وأعاد، "لَكَ الْأجْرُ مَرَّتَيْنِ. ا. هـ. منه. (٣) قوله: وسن ترتيبه؛ أي لما في المدونة: قلت فإن نكس التيمم فيمم يديه قبل وجهه ثم وجهه بعد يديه؟. قال: إن صلى أجزأه ويعيد التيمم لما يستقبل. قلت: هذا قول مالك؟ قال: هذا مثل الوضوءِ. (٤) قوله: وإلى المرفقين وتجديد ضربة ليديه، قد تقدم الكلام عليه عند قول المصنف: وتعميم وجهه وكفيه لكوعيه، فأغنى عن إعادة الكلام عليه هنا. والحمد لله. (١) قوله: وندب تسمية، تقدم الكلام على شرعيتها في مستحبات الوضوء. (٢) قوله: وبدء بظاهر يمناه بيسراه .. ألخ. تقدم تبيينه في الكلام على قول المصنف: وتعميم وجهه وكفيه لكوعيه، وهو يريد هنا تبيين أن هذه الكيفية مستحبة. (٣) قوله: وبطل بمبطل الوضوء؛ توجيهه ظاهر لأنه طهارة فينتقض بكل ما ينقض الطهارة. وقوله: وبوجود الماء قبل الصلاة لا فيها إلا لناسيه؛ أما وجود الماء قبل الصلاة فظاهر فإن التيمم إنما شرع لفقد الماء بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾. فإن وجد الماء توضأ وبطل التيمم إن كان تيمم لعدم شرعيته إذًا. وأما قوله: لا فيها؛ أي لما في المدونة: وقال مالك في رجل تيمم فدخل في الصلاة، ثم طلع عليه رجل معه ماء، قال: يمضي في صلاته ولا يقطعها. قلت: ولعل فتواه هذه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (١). وقوله: إلَّا لناسيه، يدل له أيضًا ما في المدونة: قال: وإن كان الماء في رحله؟. قال: يقطع صلاته ويتوضأ ويعيد الصلاة. قال: وإن فرغ من صلاته ثم ذكر أن الماء كان في رحله فنسيه أوجهله، أعاد الصلاة في الوقت. ا. هـ. منه. =

стр. 106

يُعِدْ كَوَاجِدِهِ بِقُرْبِهِ أَوْرَحْلِه، لَا إِنْ ذهب رَحْلُهُ، وَخَائفِ لِصٍّ أَوْ سَبُع، ومَرِيضٍ عَدِمَ مُنَاوِلًا، وَرَاجٍ قَدَّمَ وَمُتَردَّدٍ فِي لُحُوقِهِ، ونَاسٍ ذَكَرَ بَعْدَهَا كمُقْتَصِرٍ عَلَى كوْعَيْهِ لا على ضربة، وكمُتَيَمَّمٍ عَلَى مُصَابِ بَوْلٍ وَأُوَّلَ بالمَشْكُوكِ وَبِالمُحَقَّقِ واقْتَصَر على الوقْتِ لِلْقَائلِ بِطَهارَةِ الأَرْضِ بالجَفافِ (١). وَمُنِعَ مَعَ عَدَمِ مَاءٍ تَقَبِيلُ مُتَوَضٍّ وَجِمَاعُ فغْتَسِلٍ إِلَّا لِطُولٍ (٢)، وإِنْ نَسِيَ إِحْدَى الخَمْسِ تيمَّمَ = وقوله: ويعيد المقصر ألخ. كلها مسائل أمر فيها بالإِعادة للاحتياط اجتهادًا. والله أعلم. (١) وقوله: كمتيمم على مصاب بول ألخ. يريد أنه يعيد في الوقت مراعاة لقول القائل إن الأرض تطهر بالجفاف. قلت: هو قول لا يؤيده الدليل، لأن الأعرابي الذي بال في المسجد أمر الرسول ﷺ بذنوب من ماء صبت على بوله، ولو كانت الأرض تطهر بالجفاف لما أمر ﷺ بصب الماء على البول، وهو المشرع وبه الأسوة، فإذا تقرر ذلك، فاعلم أن من تيمم على مصاب بول، لم يتيمم على صعيد طيب أي طاهر، والله نعالى يقول: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. والله الموفق. (٢) قوله: ومنع مع عدم ماء تقبيل متوضٍّ وجماع مغتسل إلا لطول؛ قد اتبع فيه المصنف ﵀ مذهب المدونة ففيها: قلت أرأيت المسافر يكون على وضوء أو لا يكون على وضوء، فأراد أن يطأ أهله أوجاريته وليس معه ماء؟. قال مالك: لا يطأ المسافر جاريته أو امرأته إلا ومعه ما يكفيهما جميعًا من الماء. قال ابن القاسم: وهما سواء. قال ابن القاسم: قلت لمالك: أرأيت امرأة طهرت من حيضتها في وقت صلاة، فتيممت وصلت، فأراد زوجها أن يطأها. قال: لا يفعل حتى يكون معهما من الماء ما يغتسلان به جميعًا. الخ البحث. قلت: وهذا تضييق في الدين يأباه منطوق قوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢). اللهم إلا إذا كان يريد بنهيه عن التقبيل أو الجماع بعد دخول الحاضرة وقبل أدائها، فإن ذلك يتجه لما فيه من التفريط، أما إن كان غير ذلك فلا حرج ولا كراهة، لحديث أبي ذر ﵁: إني أعزب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة فأصلي بغير طهور. فقال النبى ﷺ : "الصَّعِيدُ الطَّيَّبُ طَهُورٌ". رواه أبو داود والنسائي. فهو=

стр. 107

خَمْسًا (١)، وَقُدَّمَ ذُو مَاءٍ مَاتَ ومَعَهُ جُنُبٌ إِلَّا لِخَوْفِ عَطَشٍ كَكَوْنِهِ لَهُمَا وضَمِنَ قِيمَتَهُ (٢)، وَتَسْقُطُ صَلَاةٌ وَقَضَاؤُهَا بِعَدَم مَاءٍ وَصَعِيدٍ (٣). = إقرار منه ﷺ على ذلك. ولا يقر على باطل. ولو كان جواز ذلك مقيدًا بالطول -كما ذكره المصنف- لبينه ﷺ لامتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة عليه؛ وأيضًا فقد ذكر ابن قدامة في المغني أن ابن عباس ﵁ أصاب من جارية له رومية وهو عادم للماء، وصلى بأصحابه وفيهم عمار فلم ينكروه عليه. قال اسحاق بن راهويه: هو سنة مسنونة عن النبي ﷺ في أبي ذر وعمار وغيرهما. قال ابن قدامة: فإذا فعلا ووجدا من الماء ما يغسلان به فرجيهما غسلاهما ثم تيمما، وإن لم يجدا تيمما للجنابة والحدث الأصغر والنجاسة وصليا. ا. هـ. منه. بلفظ. (١) قوله: وإن نسي إحدى الخمس تيمم خمسًا، توجيهه أن المرء إن نسي إحدى الصلوات الخمس وجهلها بعينها، لزمه أن يصلي جميع الصلوات الخمس لبراءة ذمته من تلك الصلاة المنسية، وحيث أن التيمم لا يصلى به إلا فرض واحد، وجب عليه إذًا أن يتيمم خمس مرات لكل صلاة تيمم. قلت: وهذا لا يتجه مع كون الصعيد طهورًا، لأن طهورًا يأتي لما يكثر منه الفعل كصبور وشكور، ولا يستقيم إثبات ذلك للماء أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (١). مع الامتناع منه للصعيد، وقد ثبت وصفه بذلك بقوله ﷺ المتفق عليه: "وَجُعِلَتْ لِيَ الْأرْضُ مَسْجدًا وَطَهُورًا". وقوله ﷺ "الصَّعِيدُ طَهُورٌ". وبسوق آية المائدة للامتنان بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ (٢). بعد ذكر حكم التيمم، لذلك فإن التفريق بين الوضوء بجواز صلاة فروض به قيل أن ينتقض، ومنع التيمم من أن يصلى به أكثر من فرض، حتى ولو كان فوائت تصلَّى في وقت واحد، يحتاج إلى دليل قوليٍّ أو عمليٍّ من سنته ﷺ . والله تعالى الموفق. (٢) وقوله: وقدم ذو ماءٍ مات ومعه جنب إلا لخوف عطش ككونه لهما وضمن قيمته؛ توجيهه ظاهر فإن تقديم الميت لمزية الملك، وتقديم الحي الخائف من العطش للحفاظ على النفس، وتضمينه قيمة الماء لورثة الميت ظاهر أيضًا لا إشكال فيه.

стр. 108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٣) وقول المصنف: وتسقط الصلاة وقضاؤها بعدم ماء وصعيد؛ يتوجه في نظري على أحد أمرين: أولًا: يتخرج على الخلاف في الطهارة؛ هل هي شرط وجوب أوهي شرط أداء؟. فعلى القول الأول بأنها شرط وجوب، يتجه سقوط أدائها لعدم وجود الماء والصعيد، وسقوط قضائها لعدم توجه الخطاب بها أصلًا بناءً على أن الطهارة شرط وجوب. الثاني: أنه إن قلنا بأن الطهارة شرط أداءٍ، قيل: هل القضاءُ بالأمر الأول، أو هو لا يجب إلا بأمر جديد؟. فإن قلنا: هو بالأمر الأول، لزم قضاءُ الصلاة التي لم يتمكن من أدائها لعدم الماء والصعيد. وإن قلنا: القضاءُ بالأمر الجديد، سقط قضاؤها لعدم ورود أمر جديد بذلك. والله الموفق. * * *

стр. 109

مسح الجرح والجبيرة فصل: إِنْ خِيفَ غَسْلُ جُرْحٍ كَالْتَّيَمُّمِ مُسِحَ، ثُمَّ جَبِيرَتُهُ ثُمَ عِصَابَتُهُ كَفَصْدٍ وَمَرَارَةٍ وَقِرْطَاسِ صِدْغٍ وَعِمَامَةٍ خِيفَ بِنَزْعِهَا ضَرَرٌ، وَإِنْ بِغُسْلٍ أَوْ بلَا طُهْرٍ وَانْتَشَرَتْ إِنْ صَحَّ جُلُّ جَسَدِهِ أَوْ أَقَلُهُ وَلَمْ يَضُرَّ غَسْلُهُ، وإِلاَّ فَفَرْضُه التَّيَمُّمُ (١)؛ كأَنْ قَلّ كَيَدٍ وَإِنْ (١) هذا مذهب ابن عمر وعبيد بن عمير وعطاء، وبه أخذ الحسن والنَّخعي ومالك واسحاق والمزني وأبو ثور وأصحاب الرأي، واستدلوا بحديث علي ﵁ قال: قد انكسرت إحدى زندَيَّ فسألت رسول الله ﷺ فأمرني أن أمسح على الجبائر. رواه ابن ماجه بسند واه جدًا. ا. هـ. بلوغ المرام. واحتجوا أيضًا بحديث جابر ﵁ في الرجل الذي شج فاغتسل فمات: "إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةُ ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ". رواه أبو داود بسند فيه ضعف وفيه اختلاف على رواته. ا. هـ. بلوغ المرام. قال ابن قدامة: وبأنه قول ابن عمر ولم يعرف له في الصحابة مخالف. روى الأثرم بإسناده عن ابن عمر أنه خرجت بإبهامه قرحة، فألقمها مرارة فكان يتوضأ عليها. ا. هـ. قال: وقال مالك في الظفر يسقط: يكسوه مصطكا ويمسح عليه. وهو قول أصحاب الرأي - انظر المغني - وفيه: ويفارق مسح الجبيرة مسح الخف من خمسة أوجه: أولًا: إنه لا يجوز المسح عليها إلا عند التضرر بنزعها، والخف بخلاف ذلك. ثانيًا: إنه يجب استيعاب الجبيرة بالمسح لأنه لا ضرر في تعيممها بخلاف الخف. ثالثًا: إنه يمسح على الجبيرة من غير توقيت، فالضرورة تدعو لمسحها إلى حلها بخلاف الخف. رابعًا: إنه يمسح على الجبيرة في الطهارة الكبرى للحوق الضرر بنزعها بخلاف الخف. خامسًا: إنه لا يشترط لبسها على طهارة على خلاف فيه، ولا كذلك الخف. ا. هـ. بتصرف. =

стр. 110

غَسَلَ أَجْزَأَ، وإِنْ تَعذَّر مَسُّهَا، وَهِيَ بأَعْضَاءِ تَيَمُّمِهِ، تَرَكَهَا وتَوَضَّأَ وإِلَّا فثالِثُها يَتَيَمَّمُ إِنْ كثرَ ورَابِعُهَا يَجْمَعُهُمَا، وإِن نَزَعَهَا لِدَواءٍ أَو سَقَطَتْ وإِنْ بِصَلَاةٍ قَطَعَ وَرَدَّهَا وَمَسَحَ، وإِن صَحَّ غَسَلَ، ومسح مُتَوضٍ رأْسه (١). = وقال الصنعاني في سبل السلام في الكلام على حديث جابر المتقدم: وهذا الحديث وحديث علي الأول قد تعاضدا على وجوب المسح على الجبائر بالماء، وفيه خلاف بين العلماء؛ منهم من قال يمسح. لهذين الحديثين، وإن كان فيهما ضعفَ فقد تعاضدا، ولأنه عضو تعذر غسله بالماء فمسح ما فوقه كشعر الرأس، وقياسًا على مسح أعلى الخفين وعلى العمامة، وهذا القياس يقوي النص. قال: ومن قال بالمسح عليهما قوي عنده المسح على الجبائر وهو الظاهر. ا. هـ. منه. وأما المسح على العمامة فقد ثبت من حديث حمزة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه، وهو عند البيهقي، قال: تخلف رسول الله ﷺ فتخلفت معه، فلما قضى حاجته قال: "أَمَعَكَ مَاءٌ"؟. فأتيت بمطهرة فغسل يديه وغسل وجهه، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه فضاق كم الجبة، فأخرج يديه من تحت الجبة وألقى الجبة على منكبيه فغسل ذراعيه، ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه ثم ركب. قال البيهقي: أخرجه مسلم في الصحيح. كما تقدم ذكري له. ا. هـ. منه. (١) كل هذه الأمور المذكورة الطريق إليها الاجتهاد ليس إلَّا، وجزى الله عنا أئمة الاجتهاد خيرًا. إنه سميع مجيب.
следующие страницы →