الدليل المغني لشيوخ الإمام أبي الحسن الدارقطني
تأليف
أبي الطيب نايف بن صلاح بن علي المنصوري
راجعه وقدم له ولخص أحكامه
فضيلة الشّيخ المحدث
أبو الحسن السليماني
تقديم فضيلة الدكتور المحدث ... تقديم فضيلة الأستاذ الدكتور
سعد بن عبد الله الحميد ... حسن مقبولي الأهدل
دار الكيان
لِلطباعة والنشر والتوزيع
لِصاحبها/طلال حامد الأمير
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم فضيلة الشّيخ سعد بن عبد الله الحميد
- حفظه الله -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمّا بعد:
فقط اطّلعت علي الكتاب الّذي صنَّفه أخبرنا الفاضل/ نايف بن صلاح المنصوري بعنوان: "الدّليل المغني لشيوخ الإمام أبي الحسن الدارقطني"، الّذي جمع فيه شيوخ الإمام أبي الحسن الدراقطني، ثمّ قام بالترجمة لمن استطاع منهم. وقد وُفِّق بحمد الله تعالى، وقد زان عمله هذا بعرضه على الشّيخ الفاضل أبي الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني المأربي، الّذي قام بالحكم على هؤلاء الشيوخ جميعهم، معلِّلًا حكمه عليهم، وهو لذلك أهل، وكتابه: "شفاء العليل في الجرح والتعديل" شاهد على ذلك.
ومما لا شك فيه أنّ طلبة العلم بحاجة ماسَّة لمثل هذا العمل الّذي لا يدرك أهميته إِلَّا من عانى صنعة الأسانيد، ودراسة أحوال الرجال، والحكم على
стр. 4
الأحاديث، فإنّه يقف حائرًا في أحايين كثيرة في العثور على ترجمة لشيوخ الإمام الدراقطني وأهل تلك الطبقة، ولربما كان الحكم على الحديث متوقِّفًا على معرفة حال ذلك الراوي.
ومما يدلُّك على هذا أنّ شيخنا ناصر الدِّين الألباني ﵀ وحسبك به في معرفة أحوال الرجال- كثيرًا ما يتوقف عن معرفة أحوال بعض هؤلاء الشيوخ، لأنّه لم يقف على من ترجم لهم.
فنسأل الله تعالى أنّ يجزئ أخانا نايف بن صلاح خير الجزاء على هذا الجهد المبارك إنَّ شاء الله، ونحن نترقَّب منه أنّ يتحفنا بأمثاله من الأعمال الّتي تذلل الصِّعاب على طلبة العلم، ويبقى له ذخرها إنَّ شاء الله، وصلّى الله وسلم على نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه
سعد بن عبد الله الحميد
стр. 5
الدّليل المغني لشيوخ الإمام الحسن الدارقطني
стр. 6
حُقوق الطبع محفُوظة
دَارُ الكيان
للطباعة والنشر والتوزيع
لصاحبها /طلال حامد الأمير
المملكة العربيّة السعودية -الرياض
ص. ب:٥٧٦٨٤ - ١١٥٨٤
هاتف وفاكس:٢٠٦٧٠٦٧ - جوال٠٥٠٤١٩٧٢٤٨
البريد الإلكتروني: Dar_alkayan@hotmail.com
التوزيع داخل دوله الإمارات
تليفون: ٠٠٩٧١٦٥٦٣٩٣٩٦ - جوال: ٠٠٩٧١٥٠٦٣٣٩٣٠٣
التوزيع داخل جمهورية مصر العربيّة
محمول: ٠١٠١١١٠٠٦٧
رقم الإيداع: ١١٩٢٦/ ٢٠٠٧
الطبعة الأولى: ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
стр. 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة فضيلة الشّيخ المحدث/ أبي الحسن السليماني
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أمّا بعد:
فإنَّ من رحمة الله بالنَّاسِ بقاء العلماء وطلاب العلم، وما من بلد يشتهر فيها علم الحديث والرجال؛ إِلَّا قُمِعَت فيها البدعة، واستوى عود السُّنَّة، وشُيِّد عرشها، وعكسه عكسه، ومن نوابغ طلاب العلم الحديثي في اليمن أخبرنا الفاضل، والطالب الماثل/ أبو الطيب نايف بن صلاح المنصوري -حفظه الله من فتنة المحيا والممات- فقد أتحف طلاب العلم والمكتبة الإسلامية الحديثة بكتابه النافع الماتع: "إرشاد القاصي والداني إلى تراجم شيوخ الطبراني" ذلكم الكتاب الّذي يُعَدُّ مفخرةً لطلاب علم الحديث النبوي باليمن -ولا أزكي على الله مؤلفه- وها هو يتحفنا بسِفْرٍ آخر، وبكنز جديد- ضمن سلسلته المباركة: "تقريب رواة السُّنَّة بين يدي الأمَّة"- ألا وهو الكتاب الخاص بتراجم شيوخ الإمام أبي الحسن الدارقطني- رحمة الله عليه-.
وقد سلك فيه المؤلِّف مسلكه السابق في الكتاب المشار إليه، وحاول في هذا الكتاب كسابقه أنّ يستوعب -ما استطاع- شيوخ الدارقطني، فوقف على أكثر من عشرين مصنفًا من كتب الدارقطني المطبوعة، ومع ذلك فقد وقف على مشايخ آخرين للدارقطني في غير كتبه بما يقارب خمسين ومائة شيخ لم يذكروا في كتب الدارقطني المطبوعة، وهذا إن دل فإنّما يدلُّ على علو الهمة، وسموَّ المقصد، وشرف الغاية،- ولا أزكي على الله أحدًا-.
стр. 8
ومعلوم أنّ هذا الجهد لا يقدره إِلَّا من كابَدَ البحث في المشايخ النازلين، وقديمًا قيل:
لا يعرف الشوق إِلَّا من يكابده ... ولا الصبابة إِلَّا من يعانيها
وإن بعض الباحثين يكتب في مثل هذا الباب، ولا يؤدِّيه حقه، ولا يغلق الباب -في الجملة- على من بعده، بل يترك ثغرات، ويتعجَّل في دعوى عدم الوقوف على المترجم له، ونحو ذلك، ومع دعائي لهم بأن يوفقهم الله إلى إكمال ما نقص، واستدراك ما فات، وأن يجزي لهم العطاء على صالح قصدهم، وعلى ما بذلوه، إِلَّا أنّ البون شاسع، والفارق واسع بين هذا العمل وغيره، وحُقَّ لي أنّ أتمثل بقول القائل:
وما كُلَّ مخضوب البنان بثينة ... ولا كلّ مصقول السلاح يماني
وقد يسر الله لي فرصة التلخيص لأقوال الأئمة في المترجم لهم، وذكرت حكمًا ينبؤ عن أقوال الأئمة في الراوي، وكثيرًا ما أعلل حكمي على الراوي؛ ليكون عذرًا لي، ومنهجًا يستفيده طلبة العلم في كيفية الترجيح بين أقوال الأئمة الّتي ظاهرها التعارض، وقد ذكرتُ في مقدمة الكتاب الأوّل بعض التفاصيل في هذا الصدد، فأسأل الله أنّ يجعل هذا الكتاب نورًا وسراجًا لمؤلفه وقارئه صلّي ولجميع المسلمين، وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى-آله وصحبه وسلم.
كتبه
أبو الحسن السليماني
دار الحديث بمأرب ٢١/ ٦/ ١٤٢٧هـ
стр. 9
مقدمة الأستاذ الدكتود/ حسن مقبولي الأهدل
نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية
عميد كلية الشّريعة والقانون سابقًا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمّد وآله وصحبه أجمعين وبعد:
لقد اطلعت على ما كتبه الأخ الفاضل العلّامة أبو الطيب نايف بن صلاح المنصوري عن شيوخ الإمام الدارقطني والموسوم بـ "الدّليل المغني لشيوخ الإمام أبي الحسن الدارقطني " فقد أجاد الكاتب -فيما كتبه وحرره؛ تسهيلا للوقوف على رجال كتب الحديث المتأخرة في القرن الرّابع، وقد أفاد في هذا الموضوع إفادة عظيمة، حيث كان الكثير من الباحثين يصعب عليهم البحث والتحقيق في معرفة رجال القرن الرّابع من شيوخ الدارقطني والحاكم ومن كان في عصرهما، وقد سهل الباحث هذا الأمر وأصبح في متناول الباحثين من طلاب العلم بالحديث، وهو أهل لهذا البحث وغيره ممّا يخدم السُّنَّة تحقيقًا للرواية والدراية، وزاده الله خيرًا وعلما على ما قدم من جهد في هذا المضمار، ونسأل الله له التوفيق والسداد في جميع أعماله الّتي يرومها في مجال العلم وخدمة السُّنّة المطهرة.
وصلّى الله وسلم على سيدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه
أ. د./ حسن محمد مقبولي الأهدل
كلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
стр. 10
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إنَّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنّ لا إله إِلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النِّساء: ١]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠،٧١].
أمّا بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمّد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
وبعد: فإن ممّا يسرني ويسعدني أنّ أتقدم إلى إخواني الكرام، من محبي هذا العلم الشريف، والباحثين عن رواة الحديث، بهذه الرسالة الثّانية من "سلسلة تقريب رواة السُّنَّة بين يدي الأُمَّة" وهذه السلسلة أرجو الله أنّ يجعلها مباركة لي ولإخواني طلاب العلم، ولكل من له شغف برواة الحديث، وما قيل في كلّ منهم من مدح أو تجريح، وعنوان هذه الرسالة: "الدّليل المغني لشيوخ الدارقطني" وهي رسالة ترشد الطالب والباحث إلى معرفة ثلة مباركة من رواة السُّنَّة الغراء على صاحبها أفضل الصّلاة وأتم التسليم، ولا شك أنّ معرفة الإنسان بأحوال العلماء، رفعة وزين، وإن جهل طلبة العلم وأهله بهم لوصمة وشين، ولقد علمت الأيقاظ أنّ العلم بذلك جم المصالح والمراشد، وأن الجهل به إحدى جوانب المناقص والمفاسد، من حيث كونهم
стр. 11
حفظة الدِّين الّذي هو أس السعادة الباقية، ونقلة العلم الّذي هو المرقاة إلى المراتب العالية، فكمال أحدهم يكسب مؤدَّاه من العلم كمالًا، واختلالها يورث خللًا وخبالًا، وفي المعرفة لهم معرفة من هو أحق بالاقتداء، وأحرى بالاقتفاء، والجاهل بهم من مقتبسة العلم مسوٍّ لا محالة عند اختلافهم بين الغث والسمين، غير مميز بين الرَّث والوزين، وقد روي عن الإمام مسلم بن الحجاج أنّه قال: إنَّ أول ما يجب على مبتغي العلم وطلابه أنّ يعرف مراتب العلماء في العلم، ورجحان بعضهم على بعض؛ ولأن المعرفة بالخواص آصرة ونسب، وهي يوم القيامة وصلة إلى شفاعتهم وسبب؛ ولأن العالم بالنسبة إلى مقتبس علمه بمنزلة الوالد بل أفضل، فإذا كان جاهلًا به فهو كالجاهل بوالده بل أضل (١). وقد قيض الله من الحفاظ والوعاة ويسَّر من النقَلَة والرواة طائفة أذهبوا في تقييدهم أعمارهم، وأجالوا في نظم قلائدهم وأفكارهم، فجزاهم الله عنا وعن سنة نبيّنا ﷺ خير الجزاء، وثقَّل بها موازينهم عند اللِّقاء، وبيَّض بها وجوههم يوم الجزاء، فهم القوم حقًّا لا يشقى جليسهم، وهم الرجال، وسائر من أنّ بعدهم عيال، وما نحن إِلَّا متشبهون، ومحبون، ومؤتسون.
وصدق من قال:
وتشبهوا إنَّ لم تكونوا مثلهم ... إنَّ التَّشَبه بالكرام فلاح
أمّا إدراك شأوهم، وبلوغ فضلهم، وقيل منازلهم، فهيهات هيهات، فالمغرور من ظن أنّه صار بين عشية وضحاها كأحدهم، فقال: هم رجال، ونحن رجال. فضلًا عن أنّ يظن أنّه خير من أدناهم، وما أوتي هذا المغرور إِلَّا من ترك التأدب بآداب المتعلمين، وغفل عن أنّ التخلية قبل التحلية؛ كما قيل (٢). وتشبهًا بطريقة هؤلاء الأخيار في جمع رواة الأخبار، من الأجزاء والمشيخات، وبطون كتب الأحبار، فقد جمعتُ في هذه الرسالة شيوخ أحد الأئمة الأعلام، الذَّابين عن سنة خير الأنام، عليه أفضل الصّلاة
стр. 12
والسلام، وهو ذاك العَلَمُ الهمام، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الدارقطني الإمام، قمت بجمع ذلك من جميع كتبه المطبوعة الّتي وقفت عليها، والتي بلغت أربعة وعشرين كتابًا، وكذا من كان منهم في "تاريخ بغداد" أو"لسان الميزان" ممّا نقله الحافظ عن الدارقطني من "غرائب مالك" أو"الأفراد" وكذا ما كان من ذلك في كتاب أبي الفضل بن طاهر المقدسي "أطراف الغرائب والأفراد" وغير ذلك ممّا هو مبثوث في بطون كتب الرجال، ممّا سيقف عليه الناظر -إنَّ شاء الله تعالى- في ثنايا هذا الكتاب.
وقد ذكرت بين يدي هذه الرسالة ترجمة للدارقطني، تكلمت فيها عن:
اسمه، ونسبه، وكنيته، وبلده، ومولده، وصفاته الخَلقِيَّة الخُلُقِيَّة، وطلبه للعلم، ونشأته فيه، ورحلاته، وبعض الفوائد المتعلِّقة بشيوخه وتلاميذه، وعقيدته، وتدليسه، ومذهبه الفقهي، وثناء أهل العلم عليه، والاتهامات الموجهة إليه، ومؤلفاته، ومرضه، ووفاته، ومكأنّها، والمنامات الّتي رويت له بعد موته.
وأمّا ما يتعلّق بالطريقة الّتي سلكتها في هذه الرسالة، فإني قد رتبتها على حروف المعجم، وسلكت في ذلك ما سلكته في الرسالة الأولى المتعلّقة بشيوخ الطبراني، إِلَّا أني هاهنا أنبه على أمور:
١ - الأصل أني في ذكر ما قيل في الراوي أبدأ بكلام تلميذه الدارقطني، مقدمًا في ذلك توثيقه الصريح.
٢ - أذكر ما ظفرت به من عبارات المحققين والباحثين في عدم العثور على هذا الراوي وليس ما ذكرمن ذلك عن العلماء والمحققين من باب التنقص لهم، ولاهو بمزحزح لهم عن مُنيف مقامهم؛ لأنّ السَّيِّد من عُدَّت سقطاته، ولله در القائل:
شخص الأنام إلى كمالك فاستعذ ... من شر أعينهم بعيبٍ واحد
٣ - أرتب المصادر على الوفيات، إِلَّا إذا كان للكتاب مختصرات أو تهذيبات، فإني -والحالة هذه- أقدم ما يتعلّق بهذا الكتاب وإن كان مختصره أو مهذبه متأخر الوفاة.
٤ - إذا أطلقت "المؤتلف" فالمراد به كتاب الدارقطني.
стр. 13
٥ - إذا كان الشّيخ مترجم في الكتاب الآخر "شيوخ الطبراني" فإني أكتفي بالإحالة إليه مع نقل حكم شيخنا المحدث أبي الحسن السليماني حفظه الله.
هذا ما أردت بيانه في هذه المقدِّمة، وأرجو أنّ لا يبور ما جمعته، ولا يضيع ما كتبته، وأثبته من ذلك، وصنفنه، وأسأل الله التوفيق في المقال، والتسديد في جميع الأفعال، إنّه بذلك ولي، والمرجو فيه ملي، وهو حسبي، وإليه في كلّ أمر مرجعي، وعليه توكلي، ولا حول ولا قوة إِلَّا به، إنّه نعم المولى ونعم الوكيل.
جزى الله خيرًا كلّ من كان ناظرًا ... لمجموعتي هذي بستر القبائح
وأصلح ما فيها من العيب كله ... فهذا الّذي أرجوه من كلِّ ناصح (١)
وصلّى الله على سيدنا محمّد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرا.
كتبه الفقير إلى عفو ربه
أبو الطيب
نايف بن صلاح بن علي المنصوري
بدار الحديث الخيرية بمأرب حرسها الله
والقائمين عليها من كلّ سوء ومكروه
ليلة الأحد ١١/ ٢/ ١٤٢٧هـ.
стр. 14
ترجمة أبي الحسن الدَّارقطني
* اسمه ونسبه وكنيته وبلده:
هو علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار بن عبد الله، أبو الحسن، البغدادي، الدارقطني (١).
* مولده:
ولد سنة ستّ وثلاثمائة، وقيل: كان مولده لخمس خلون من ذي القعدة سنة خمس وثلاثمائة، ونقل الخطيب القولين، وصدر كلامه بالقول الأوّل (٢)، ويرجحه ما جاء في "سؤالات السلمي (٣) " عن الدارقطني نفسه حيث قال: ولدت في سنة ستّ وثلاثمائة.
* صفاته الخَلْقية:
قال أبو القاسم بكر بن علي بن بكر بن علي بن حماد البندار: كان طويلًا أبيضًا (٤).
* صفاته الخُلُقِيَّة:
قال الخطيب: كان فريد عصره ... مع الصدق والأمانة، والفقه، والعدالة، وقبول الشّهادة، وصحة الاعتقاد، وسلامة المذهب (٥). وقال الحاكم: صار أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع (٦). ومع صدقه وأمانته وورعه، فقد جمع فصاحة اللسان، فقد
стр. 15
ذكر الأزهري أنّ أبا الحسن الدارقطني لما دخل مصر، وأراد قراءة كتاب "النسب" للزبير بن بكار؛ على شيخ علوي يقال له: مُسَلَّم بن عبيد الله وكان أحد الموصوفين بالفصاحة، المطبوعين علي العربيّة اجتمع إليه من كان فيها من أهل العلم والأدب والفضل، فحرصوا على أنّ يحفظوا على أبي الحسن لحنه، أو يظفروا منه بسقطة، فلم يقدروا على ذلك، حتّى جعل مسَلَّم يعجب، ويقول له: وعربيّة أيضًا (١). وقال المُعيطي الأديب: يا أبا الحسن أنت أجرًا من خاصي الأسد، تقرأ مثل هذا الكتاب مع ما فيه من الشعر والأدب، فلا يؤخذ عليك فيه لحنة (٢).
وكان ﵀ -أيضًا- موصوفًا بشدة الذكاء، فقد قال الأزهري: كان الدارقطني ذكيًّا، إذا ذوكر شيئًا من العلم -أيَّ نوع كان- وُجِدَ عنده منه نصيب وافر (٣).
وموصوفًا كذلك بشدة الحافظة، فقد روي أنّه حضر في حداثته مجلس الصفَّار، فجلس ينسخ جزءًا كان معه، وإسماعيل الصفار يملي، فقال له بعض الحاضرين: لا يصح سماعك وأنت تنسخ، فقال له الدارقطني: فهمي للإملاء خلاف فهمك، ثمّ قال: تحفظ كما أملى الشّيخ من حديث إلى الآن؟ فقال: لا. فقال الدارقطني: أملى ثمانية عشر حديثًا فعُدَّت الأحاديث، فوجدت كما قال. ثمّ قال أبو الحسن: الحديث الأوّل منها عن فلان، عن فلان، ومتنه كذا، والحديث الثّاني عن فلان عن فلان ومتنه كذا، ولم يزل يذكر أسانيد الأحاديث ومتونها على ترتيبها في الإملاء حتّى أنّ على آخرها، فتعجب النَّاس منه (٤).
стр. 16
وقال محمّد بن طلحة النعالي: حضرت مع أبي الحسن في دعوة عند بعض النَّاس ليلة، فجرى شيءٍ من ذكر الأكلة، فاندفع أبو الحسن يورد أخبار الأكلة وحكاياتهم ونوادرهم حتّى قطع ليلته أو أكثرها بذلك (١).
وقال العتيقي: حضرت أبا الحسن وقد جاءه أبو الحسين البيضاوي ببعض الغرباء وسأله أنّ يقرأ له شيئًا، فامتنع واعتلَّ ببعض العلّل، فقال: هذا غريب، وسأله أنّ يُملي عليه أحاديث، فأملى عليه أبو الحسن من حفظه مجلسًا يزيد عدد أحاديثه على العشرة متون، جميعها: "نعم الشيء الهدية أمام الحاجة" وانصرف الرَّجل ثمّ جاء بعد وقد أهدى له شيئًا، فقربه وأملى عليه من حفظه بضعة عشر حديثًا، متونها جميعًا: "إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه (٢) " قال الذهبي: هذه حكايات صحيحة، وهي دالة على سعة حفظ هذا الإمام (٣).
قال مقيده -عفا الله عنه -: ومما يدلُّ على سعة حفظه وقوته، ما ذكره الخطيب عن شيخه البرقاني قال: قلت له: هل أبو الحسن يملي عليك "العلّل" من حفظه؟ فقال: نعم. ثمّ شرح لي قصة جمع العلّل (٤). قال الذهبي: قلت: إن كان كتاب "العلل" الموجود قد أملاه الدارقطني من حفظه، كما دلت عليه هذه الحكاية فهذا أمر عظيم، يقضى به للدارقطني أنّه أحفظ أهل الدنيا، وإن كان قد أملى بعضه من حفظه فهذا ممكن (٥). وقال في "التاريخ (٦)،: قلت: وهذا شيءٍ مدهش؛ كونه يملي "العلّل" من حفظه، فمن أراد أنّ يعرف قدر ذلك فليطالع كتاب "العلّل" للدارقطني ليعرف كيف كان الحفاظ.
وكان ﵀ جيد الخط، وقد أكثر الخطيب من النقل عنه، ومن الكتب الّتي
стр. 17
كتبها بخطه، ونقلت إلينا كتاب "الكنى والأسماء" للإمام مسلم (١).
* طلبه للعلّم ونشأته فيه:
نشأ الدارقطني - رحمه الله تعالى- في بيت علم، فقد كان والده ﵀ من أهل العلم بالحديث، وقد روى عنه ولده أبو الحسن (٢) وبدأ الكتابة في سن التّاسعة، حيث يقول عن نفسه: كتبت في أول سنة خمس عشر وثلاثمائة (٣). ويبدو أنّه حفظ القرآن أيضًا في هذه المرحلة، وكان جميل الصوت، فقد قال عن نفسه: كنت أنا والكتاني نسمع الحديث، فكانوا يقولون: يخرج الكتاني محدث البلد، ويخرج الدارقطني مقرئ البلد - يعني لحسن صوته- فخرجت أنا محدثًا والكتاني مقرئًا (٤)، ولم يكن محدثًا فحسب بل كان إمامًا أيضًا في القراءات، وقد تصدر في أواخر عمره للإقراء، وألف في ذلك كتابًا جليلًا لم يؤلَّف مثله، وهو أول من وضع أبواب الأصول قبل الفرش، ولم يعرف مقدار هذا الكتاب إِلَّا من وقف عليه (٥). قال الذهبي: لكن لم يبلغنا ذكر من قرأ عليه وسأفحص عن ذلك إنَّ شاء الله تعالى (٦). قلت: قال ابن الجزري في "غاية النهاية (٧) ": روى عنه الحروف من كتابه محمّد بن إبراهيم بن أحمد.
وكان ممّن بكَّرَ في حضور مجالس العلماء والسماع منهم، فسمع من أبي القاسم البغوي، وابن صاعد، وابن أبي داود، وغيرهم، وهو صبي؛ كما قال الذهبي (٨). وقال ابن القوَّاس: كنا نمر إلى ابن منيع، والدارقطني صبي يمشي خلفنا بيده رغيف كامخ،
стр. 18
فدخلنا إلى ابن منيع ومنعناه، فقعد على الباب يبكي (١)، ولذا وقع له أحاديث رباعيات. قال الذهبي: وعنده رباعيات قليلة لينة الإسناد (٢)، وقد جمعها الدارقطني في مصنف (٣).
* رحلاته:
بعد أنّ سمع الإمام الدارقطني - رحمه الله تعالى- من شيوخ بلدته "بغداد" وأمعن في الأخذ عنهم، وعن القادمين إليها جريا على سنة السلف في ذلك، رحل إلى بعض الأقطار الإسلامية، ويظهر أنّه بدأ بالمدن المجاورة.
فرحل إلى البصرة في حدود العشرين وثلاثمائة (٤)، وسمع بها من شيوخ عدة؛ كمحمد بن سليمان المالكي (٥)، وأحمد بن محمّد العطَّار (٦)، ويعقوب بن يوسف الخلال (٧)، وغيرهم.
ودخل الكوفة، وسمع بها من محمّد بن القاسم بن زكريا المحاربي السوداني (٨)، وعبد الله بن يحيى الطلحي (٩)، وغيرهما.
وواسط، وسمع بها من أحمد بن عمرو بن عثمان المعدل (١٠)، وأحمد بن محمّد بن سعدان (١١)، ومحمد بن محمود بن محمّد السراج (١٢)، وغيرهم.
стр. 19
والمَفْتَح، وسمع بها من الحسن بن علي بن قومي (١)، ومحمد بن الحسن بن أبي الشوارب (٢).
والمباركة، وسمع بها من إسحاق بن إدريس المباركي (٣).
والأُبلة، وسمع بها من يحيى بن موسى بن إسحاق بن وهب (٤).
وذكر ابن نقطة أنّه ارتحل أيضًا إلى الأهواز (٥)، وخوزستان (٦).
ثمّ ارتحل إلى الحجاز للحج (٧)، وسمع بمكة من الحسن بن الخضر المعدَّل (٨).
ثمّ رحل إلى الشّام، ومصر. قال الحاكم: ثمّ دخل الشّام ومصر على كبر السنن (٩). وقال ابن عساكر: قدم دمشق مجتازًا إلى مصر (١٠)، لكن هذا لم يمنع من سماعه من بعض مشايخها، إذ مرَّ على بعض مدنها كالرملة؛ فسمع بها من أبي العباس عبيد الله بن محمّد الشّافعيّ (١١)، ومحمد بن عمر بن أيوب المعدَّل (١٢).
ودخل طبرية، وكتب بها تاريخ محمّد بن خُزَز الطبراني، كما صرح هو نفسه بذلك (١٣).
стр. 20
وأمّا رحلته إلى مصر فكانت سنة سبع وخمسن وثلاثمائة (١)، وسمع بها من علي بن عبد الله بن الفضل (٢)، ومحمد بن عبد الله مُسَلَّم (٣)، وعلي بن أحمد بن الأزرق (٤)، وغيرهم. وقد انتفع به أهل مصر كثيرًا، ولما أراد الخروج منها خرجوا يودعونه وهم يبكون لفراقه، فقال لهم: تبكون وعندكم عبد الغني بن سعيد، وفيه الخلف (٥)، وكان من أشهر تلامذته، وارتحل منها إلى جزيرة تِنِّيس ليسمع بها من شيخه محمّد بن علي بن الحسن النقاش، ويحدث عنه (٦).
* شيوخه:
أمّا شيوخه فهم موضوع هذه الرسالة، ولكن يمكنني أنّ أذكر في هذا المقام بعض الفوائد المتعلِّقة بهم، وبالله التوفيق.
الفائدةُ الأولي: فيما يتعلّق بذكر ما قيل في عددهم.
قال الدكتور الرحيلي: لم يُذكر أنّه صنف معجمًا لشيوخه ﵀ فإذا أردتُ أنّ أقدر عددهم، فأرى أنّهم لا يقلون عن ألف شيخ (٧).
وقال الدكتور موفق بن عبد الله بن عبد القادر: لدي قائمة بأسماء شيوخه الذين روى عنهم في "السنن" و"المؤتلف والمختلف" و"العلل" أو ذكرهم الخطيب في "تاريخ بغداد" مرتبة على حروف المعجم، وفي النية إخراجها في "مشيخة الدارقطني، إنَّ شاء الله تعالى (٨).
стр. 21
وقال الدكتور محفوظ الرّحمن السلفي: سمع أبو الحسن الدارقطني من خلق كثير لا يحصون، والمشايخ الّذي روى عنهم في كتاب "العلل" يربو عددهم على مائتن (١).
وقال الدكتور عبد الله بن محمّد بن حسن دَمْفُو: وقد أحسن الدكتور محفوظ الرّحمن السلفي فأحصى شيوخ الدارقطني الذين روى عنهم في "كتاب العلل" ووضع فهرسًا لهم، مع ذكر عدد النصوص الّتي رواها كلّ واحدٍ منهم، وأرقام الأسئلة، أو الأجزاء والأوراق، وبلغ عددهم ثلاثة عشر ومائتي راوٍ، وجعل هذا الفهرس في آخر رسالته للدكتوراه (٢).
وقال الدكتور دَمْفُو أيضًا: وقد أورد له الخطيب البغدادي في "تاريخه" تسعة عشر شيخًا، وأجمل الآخرين بقوله: وخلقًا كثيرًا من هذه الطبقة ومن بعدهم.
وكذلك فعل الذهبي في "سير أعلام النبلاء" لكنه زاد عليهم ثمانية عشر راويًا (٣).
وقال الدكتور الرحيلي: وقد تتبعت شيوخ الذين روى عنهم في كتاب "السنن" ورتبتهم على حروف المعجم سأذكرهم قريبًا (٤).
وقال أيضًا: وحصرت شيوخه في "السنن" وفهرست أسمائهم على حروف المعجم، فبلغوا واحدًا وتسعين ومائتي شخص (٥).
قال مقيده - عفا الله عنه -: وقد ذكرهم فبلغوا حسب ترقيمه لهم تسعين ومائتي راوٍ. ولي على ما ذكر عدَّة ملاحظات من أهمها ما يلي:
أولها: أنّه جعل إبراهيم بنيزيد الخوزي، المتوفى سنة إحدى وخمسن ومائة؛ كما في "التقريب" شيخًا للدارقطني وبين وفاته وولادة الدارقطني (١٥٥) سنة، وكذا أحمد بن
стр. 22
سنان، المتوفى سنة تسع وخمسين ومائتين كما في "التقريب" فبين وفاته وولادة الدارقطني تسعة وأربعون، هذا مع أنّ الدارقطني إنّما يروي عنه بواسطة، انظر "السنن" (١/ ١٠٥، ٢١٧) وكذا الحارث بن مسكين، المتوفى سنة خمسين ومائتين كما في "التقريب" فبين وفاته وولادة الدارقطني ستٍّ وخمسين سنة، وكذا حسين بن عبد الله بن ضُمير، المتوفى سنة ثمانون ومائة تقريبًا كما في "تاريخ الإسلام " (٨٣/ ١١) فبين وفاته وولادة الدارقطني ستٍ وعشرين ومائة، أضف إلى هذا أنّ الدارقطني إنّما يروي عنه بواسطة ثلاثة من الرواة، انظر "السنن" (٢/ ٢١٨) وكذا محمّد بن عبد الله الخَلَنْجي، ترجمه الحافظ في "التقريب" وقال: من كبار العاشرة، وكبار العاشرة كما في مقدمة "التقريب" هم من مات بعد المائتين، وتقدم أنّ الدارقطني إنّما ولد بعد الثلاثمائة، أضف إلى هذا أنّ الدارقطني إنّما روى عنه بواسطة رجلين. انظر "السنن" (٤/ ١٩٣)، و"إتحاف المهرة" (٩/ ١٨٣/ ١/ ٨٤/ ١٠) والله الموفق.
ثانيًا: أنّه وقع له تكرار لتسعة عشر راويًا وإليك أرقامهم حسب ترقيمه (٢٦، ٥٠، ٥١، ٦٦، ٩٦، ٩٩، ١١٣، ١٥٥، ١٥٨، ١٧١، ١٧٨، ١٨٦، ١٩٤، ٢١٦، ٢٢٣، ٥٢٥، ٢٣١، ٢٣٨، ٢٦٧).
ثالثًا: أنّه قد فاته أربعة وثلاثون راويًا فلم يذكرهم في ثبته هذا الّذي بلغ عددهم على حد قوله: واحدًا وتسعين ومائتي شخص، وإليك أسماءهم ومواضعها من "السنن":
١ - أحمد بن إبراهيم بن أبي قتادة المقرئ (٤/ ٢٣٢).
٢ - أحمد بن إسحاق بن محمّد بن الفضل الزَّيَّات (٤/ ٢٨٥).
٣ - أحمد بن الحسن أبو حامد الهمداني (٣/ ٣١١).
٤ - أحمد بن علي بن حبيش الرازي (٢/ ٢١٦).
٥ - أحمد بن عمرو بن جابر الرملي (١/ ٢٦٩).
٦ - أحمد بن محمّد بن بحر العطار (٣/ ٦٤، ٧٨)، (٤/ ٢٦٣).
стр. 23
٧ - أحمد بن محمّد بن عثمان القطان (٣/ ٢٨٧).
٨ - أحمد بن محمّد بن علي الديباجي (٢/ ١٤٣).
٩ - أحمد بن محمّد بن موسى بن أبي حامد، أبو بكر (١/ ٣١٠)، (٢/ ١٧١).
١٠ - أسامة بن محمّد بن مسعود (٣/ ٢٠٨).
١١ - سهل بن إسماعيل القاضي (١/ ٣٠٨).
١٢ - عبد الرّحمن بن الحسن الهمذاني، القاضي (٣/ ٢٢٠).
١٣ - عبد الرّحمن بن سمانا (٢/ ٢١٨).
١٤ - عبد الله بن إبراهيم الجرجاني (٣/ ٢٧٩).
١٥ - عبد الله بن أحمد بن إسحاق المصري (٤/ ١٧٠).
١٦ - عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغوي (٤/ ١٣١).
١٧ - عبد الله بن محمّد بن إسحاق بن يزيد بن نصر بن مهران المروزي. (٢/ ١٤١).
١٨ - عبد الله بن محمّد بن سعيد المقرئ (٣/ ١٩٥)، (٤/ ٧٤).
١٩ - عثمان بن علي الصَّيدلُّاني (٤/ ٢٢٠).
٢٠ - علي بن الحسن السواق (٢/ ١٥٣).
٢١ - علي بن عبد الرّحمن بن عيسى أبو الحسن الكاتب (١/ ٣٥٥).
٢٢ - عمر بن أحمد بن محمّد المعدل (١/ ٣٥٤).
٢٣ - عمر بن محمّد بن علي الصيرفي (٣/ ٣١٥).
٢٤ - محمّد بن إبراهيم أبو أحمد الجرجاني (٤/ ١٧).
٢٥ - محمّد بن أحمد بن هارون العسكري (٤/ ٢٩٤).
٢٦ - محمّد بن أحمد بن يوسف بن يزيد، أبو بكر الكوفي (٤/ ٧).
٢٧ - محمّد بن العباس بن نجيح، أبو بكر البزاز (٣/ ١١٨).
стр. 24
٢٨ - محمّد بن عبد الله بن الحسن، أبو بكر العلّاَّف (٣/ ٢٢٥).
٢٩ - محمّد بن عبد الله بن موسى البزاز (٣/ ١١٩).
٣٠ - محمّد بن عبيد الله بن طاهر بن يحيى بن الحسن العلّوي، مسَلَّم (١/ ٣٠٨).
٣١ - محمّد بن علي بن جعفر العطَّار (٣/ ١٣٧).
٣٢ - هبة الله بن جعفر المقرئ (٤/ ٢٢٠).
٣٣ - يحيى بن عبد الله العطار (٢/ ١٤٣)، (٤/ ١٢١).
٣٤ - يعقوب بن محمّد بن عبد الوهّاب، أبو عيسى الدوري (٣/ ٢٧٧).
الفائدةُ الثّانية: فيما يتعلَّق بالمترجِمِين لهم.
سبق أنّ الإمام الدارقطني - رحمه الله تعالى- لم يذكر أنّه صنف معجمًا لشيوخه، ولكن قد اهتم بجمعهم طائفة من العلماء والباحثين، فمنهم من ذكرهم ضمن دراسة علمية تتعلّق بالدارقطني، أو ببعض كتبه، ومنهم من أفردهم بالتصنيف، فمن هؤلاء:
(١) الحافظ أبي الحسن علي بن محمّد بن عبد الملك بن القطان الفاسي، ت ٦٢٨ هـ.
فقد ذكر العلّامة ابن عبد الملك المراكشي في كتابه "الذيل والتكملة" (١/ ٨/ ١٦٧) قائمة طويلة بكتب ابن القطان، وذكر منها "شيوخ الدارقطني" مجلد وسط (١).
(٢) الحافظ أبو عبد الله محمّد بن يحيى بن الموَّاق القرطبي المراكشي، ت ٦٤٢ هـ فقد ذكر ابن عبد الملك -أيضًا - في ترجمته من كتابه "الذيل والتكملة" (١/ ٨/ ٢٧٣) طائفة من كتبه، ومنها "شيوخ الدارقطني" انظر "تراث المغاربة" (ص ١٩٩)
ومن القسم الأوّل:
(أ) الحافظ زين الدِّين العراقي، ت ٨٠٦ هـ فقد ذكر السخاوي في "الإعلان ... (٢) "
стр. 25
أنّه أفرد رجال الدارقطني بتأليف.
(ب) الحافظ شهاب الدِّين ابن حجر العسقلاني ت ٨٥٢ هـ فقد ذكر السخاوي في كتابه "الجواهر والدرر" (٢/ ٦٨٣) أنّ شيخه الحافظ كان قد شرع في كتابة تراجم الرجال كتب "إتحاف المهرة " ممّن لم يذكر في "تهذيب الكمال" وكتب منه جملة، ثمّ فتر عزمه عنه. قال السخاوي: ولو كَمُل لجاء في خمسة مجلدات.
(ج) ومنهم شيخنا علامة اليمن أبو عبد الرّحمن مقبل بن هادي الوادعي - رحمه الله تعالى- ت ١٤٢٢هـ. فقد كان - رحمه الله تعالى- يحز في صدره ما يواجهه الكثير من الباحثين من صعوبة وتعسر في البحث عن رجال الكتب النازلة ككتب الحاكم، والدارقطني وغيرهما، أو رجال الكتب العالية الذين ليسوا في "تهذيب التهذيب" فقام ﵀ بحل بعض هذه المشكلات الّتي تواجه الكثير من طلاب العلم، فترجم تراجم مختصرة لرجال الحاكم ث مبيِّنًا بذلك ومقربًا للباحثين أنّ هذا الشّيخ أو الراوي مترجم فيتوسع حينذاك الباحث في ترجمة هذا الراوي، ثمّ يحكم عليه بما يستحق، ومن فضل الله عليَّ ومنَّته أني كنت ممّن شارك في هذا الكتاب وقد استفدت من شيخنا كثيرًا.
ثمّ قام هو وبعض إخواننا الباحثين من طلابه بتراجم مختصرة أيضًا لرجال الدارقطني الذين ليسوا من رجال "التهذيب" ولا من "رجال الحاكم" ومكانة شيخنا في هذا الميدان مكانة سامية، أصلها ثابت وفرعها في السَّماء، فقد حارٍّ في هذا الفن قصب السبق، وفاز فيه بالقدح المعلى، وجاوز الأقران، وأشارت إليه أكف المعالي بالبنان، وتبوَّأ فيه مكانًا عليًّا، وقد كان آية باقية ناطقة بأنّه أعجوبة في سعة حفظه لهم، ووفرة معرفته بأحوالهم، ونفاذ الهمة في البحث عنهم والتحقيق، وليس هذا الكلام مبنيًّا على حسن الظن والتخرصات والحدس والتخمين والرجم بالغيب، ولكنها الحقيقة والواقع الحق (١)، ولقد صدق الشاعر في مرثيته الجميلة حين قال معبرًا عن مدى إعجابه في هذا الشأن:
стр. 26
يغربل أقوال الرسول بحنكة ... وحزمٍ حصيفٍ تتقيه الرواسب
إذا قال ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ في بحث مسند ... تنحت عن الإسناد تلك الشوائب
يعدد أسماء الرجال كأنّهم ... بنو عمه أو هم إليه الأقارب
فرحمه الله رحمة الأبرار، وأنزله منازل الشهداء الأخيار.
وكتاب "رجال الدارقطني" لا يخفى على اللَّبيب أنّه أجود ما كتب في بابه، إِلَّا أنّ الدكتور الرحيلي -حفظه الله- قال في كتابه (١): وعلى الكتاب بعض المآخذ - كما سبقت الإشارة إليه في مقدمة هذا البحث - وأهمها: أنّه يعزو جميع الأخطاء الواقعة في السنن المطبوعة الّتي استدركها إلى الإمام الدارقطني وهذا ليس بصحيح، وماذا على الإمام الدارقطني من أخطاء النُّسَّاخ. اهـ.
قال مقيده- عفا الله عنه -: وفيما ذكر الدكتور- وفَّقه الله- نظر بين فإن عبارة شيخنا ﵀ لا تدل على ما ذكره البتَّة، وهاك نصّ عبارة الشّيخ من آخر كتابه "تصويب أخطاء الجزء الأوّل من السنن"، و"تصويب أخطاء الجزء الثّاني من السنن"، و"تصويب أخطاء الجزء الثّالث من السنن"، و"تصويب أخطاء الجزء الرّابع من السنن (٢) ". وهذه عبارات واضحات في رد ما فهمه الدكتور- وفَّقه الله- فالشيخ لم ينسب في هذه العبارات إلى الدارقطني أي خطأ وإنّما قال: تصويب أخطاء الجزء كذا وكذا ... إلخ أي تصويب الأخطاء الواقعة من الطباعة، أو من النُّسَّاخ، وفي مقدمة الكتاب (٣) ما يرشد إلى ذلك فإن فيها ما نصه: ... إذا ذكر الرَّجل في "السنن" بغير ما هو مترجم به أو مصَحَّفًا فتتضمن الإحالة إصلاح التصحيف قدر الإمكان ... إلخ والله المستعان.
وكما سبق أنّه لا يخفى على ذي لب قدر ومكانة شيخنا وكتابه، وأنّه من المفيد جدًّا
стр. 27
للباحثين عن تراجم من ليس في "تهذيب التهذيب" فلقد استفدنا كثيرًا من علوم هذا الشّيخ الهمام، ومن هذا السير الّذي سار عليه من تقريب رواة السُّنَّة، وخاصة من ليس منهم في "تهذيب التهذيب" الّذي تتقاعس العزائم وتضعف الهمم، وبالذات في مثل هذه الأزمان عن البحث عن أمثال هؤلاء الرواة، لا سيما من كان منهم من رجال الكتب النازلة، فكم من راوٍ قال في عدد من الباحثين والدكاترة: لم أجد له ترجمة، أو: لم أعرفه، أو: يُبحث عنه، ونحو ذلك من العبارات، فجزى الله شيخنا خيرًا على ما قام به وبذله من جهدٍ عظيم في هذا المضمار، وعنه - رحمه الله تعالى - تعلمنا شطرًا من هذه المسيرة المباركة -إنَّ شاء الله تعالى- فجزاه المولى عنا الخير ولقَّاه الحسنى، وجميع مشايخنا وأئمتنا، إِلَّا أنّ الكمال والتمام والعصمة من الزلل والخطأ والنِّسيان، لا يدعيها لنفسه أو لكتابه أحد من الإنس والجان، وقد قال الإمام الشّافعيّ - رحمه الله تعالى-: لقد ألَّفت هذه الكتب، ولم آل جهدًا فيها، ولا بد أنّ يوجد فيها الخطأ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١) [النِّساء: ٨٢]، وفي هذه العجالة أنبه - بمشيئة الله تعالى- على بعض ما قد يكون تتميمًا لكتاب شيخنا، أو تبيينًا لما قد يكون مغلقًا أو غامضًا فيه، وليس هذا تزهيدًا وتنقُّصًا من قدر الكتاب ولا كاتبه، قال الشّيخ حماد الأنصاري - رحمه الله تعالى-: كون العالم يُتعقب في علمه من أهل العلم، لا يدلُّ على أنّه ليس بعالم (٢). فأقول مستعينًا بالله :
إنَّ لي مع هذا الكتاب الفذ عدَّة وقفات منها:
الوقفة الأولى: في ذكر تراجم سقطت من الكتاب وهي قليلة وليست كثيرة، وإليكها:
(١) عبد الله بن أحمد بن بكر. السنن (٤/ ٣٠٤).
(٢) عثمان بن علي الصَّيدلاني. السنن (٤/ ٢٢٠).
стр. 28
(٣) علي بن عبد الله بن الفضل، أبو الحسن البغدادي. السنن (٤/ ٢٩٥).
(٤) هبة الله بن جعفر بن محمّد البغدادي. السنن (٤/ ٢٢٠).
الوقفة الثّانية: في ذكر تراجم فات الوقوف عليها، وقد وفقني الله في الوقوف عليها:
(١) أحمد بن محمّد بن بحر العطار، البصري.
(٢) أحمد بن محمّد بن عثمان القطان.
(٣) إسحاق بن إدريس بن عبد الرحيم المباركي.
(٤) الحسن بن حمزة بن الحسين بن حفص الأشناني، الخثعمي.
(٥) سهل بن إسماعيل القاضي.
(٦) علي بن الحسين السواق. يراجع قسم التراجم.
(٧) عمر بن الحسن بن عمر، القراطيسي.
(٨) محمّد بن إبراهيم، أبو أحمد الجرجاني.
(٩) محمّد بن أحمد بن الصلت، الأطروش. يراجع قسم التراجم.
(١٠) محمّد بن عمر بن أيوب، المعدَّل.
(١١) يحيى بن موسى بن إسحاق الأبُلي يراجع قسم التراجم.
(١٢) يعقوب بن يوسف، الخلال.
الوقفة الثّالثة: في ذكر ما وقع في الكتاب، وحقه أنّ يحول إلى الكتاب الآخر "رجال الحاكم" أو ظُن أنّه أحد رجال كتاب الحاكم وليس كذلك فحقه أنّ يحول إلى "تراجم رجال الدارقطني":
(١) علي بن سالم بن مهران، أبو الحسن، الوزان.
(٢) عمر بن أحمد بن علي بن عبد الرّحمن الجوهري.
стр. 29
الوقفة الرّابعة:
في ذكر ما وقع في الكتاب من عَدِّ بعض الرواة شيوخًا للدارقطني وليسوا كذلك، وإنّما منشأ ذلك التصحيف والتحريف الواقعين في النسخة المطبوعة من "السنن" فإنها مليئة بذلك، ولم يكن كتاب الحافظ "إتحاف المهرة" الّذي عالج كثيرًا من هذه التصحيفات موجودًا لدى شيخنا حين كتابة "تراجم رجال الدارقطني" وإن كان بعضه قد يكون مطبوعًا إِلَّا أنّه لم يصل إلى الشّيخ حتّى يتسنى له النظر فيه، لإصلاح ما تقدّم، والله أعلم.
(١) أحمد بن محمّد بن عثمان، القطان.
(٢) محمّد بن جعفر بن إلياس بن صدقة.
الفائدةُ الثّالثة: في ذكر الشيوخ الذين روى عنهم الطبراني والدارقطني معًا:
سبق وأن ذكرنا أنّ الدارقطني ممّن بكر في حضور مجالس العلماء والسماع منهم، وأنّه بدأ كتابة الحديث وهو في سن التّاسعة من عمره؛ فلأجل هذه الهمة العالية فقد شارك الطبراني المتوفى ٣٦٠ هـ والذي روى عنه بالإجازة كما سيأتي في عدة شيوخ، وهم:
(١) إبراهيم بن حماد بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد، الأزدي، المتوفى سنة ٣٢٣ هـ.
(٢) أحمد بن إسحاق بن بهلول الأنباري، المتوفى سنة ٣١٨ هـ
(٣) أحمد بن عمير بن يوسف بن جوصا الدمشقي، المتوفى سنة ٣٢٠ هـ
(٤) أحمد بن محمّد بن زياد بن بشر البصري ابن الأعرابي، المتوفى سنة ٣٤٠ هـ
(٥) أحمد بن محمّد بن سعيد بن عبد الرّحمن، أبو العباس ابن عقدة، المتوفى سنة ٣٣٢ هـ.
(٦) إسماعيل بن العباس بن عمر بن مهران بن فيروز، الوراق، البغدادي، المتوفى سنة ٣٢٣ هـ.
стр. 30
(٧) بدر بن الهيثم بن خلف، اللخمي، المتوفى سنة ٣١٧ هـ
(٨) الحسين بن إسماعيل بن محمّد، المحاملي، المتوفى سنة ٣٣٠ هـ
(٩) عبد الغافر بن سلامة بن أحمد، الحضرمي، المتوفى سنة ٣٣٠ هـ
(١٠) عبد الله بن سليمان بن الأشعث، السجستاني، المتوفى سنة ٣١٦ هـ (١).
(١١) عبد الله بن محمّد بن عبد العزيز، البغوي، المتوفى سنة ٣١٧ هـ (٢).
(١٢) علي بن محمّد بن الحسن بن محمّد النخعي، ابن كاس، المتوفى سنة ٣٢٤ هـ.
(١٣) القاسم بن إسماعيل بن محمّد، المحاملي، المتوفى سنة ٣٤٨ هـ.
(١٤) محمّد بن نوح، الجُنديسأبوري، المتوفى سنة ٣٢١ هـ.
(١٥) محمّد بن يوسف بن يعقوب بن إسماعيل، القاضي، الأزدي، المتوفى سنة ٣٢٠ هـ.
(١٦) يحيى بن محمّد بن صاعد، البغدادي، المتوفى سنة ٣١٨ هـ.
الفائدةُ الرّابعة: في ذكر من روى عنهم الدارقطني وهم من "رجال التهذيب".
معلوم أنّ آخر أصحاب السنن موتًا هو الإمام النسائي - رحمه الله تعالى- فقد توفي سنة ٣٠٣ هـ أي قبل مولد الإمام الدارقطني بثلاث سنوات، وبهذا يعلم أنّ الدارقطني لم يدرك أحدًا من أصحاب الكتب الستة، فضلًا عن شيوخهم، إِلَّا أنّ هناك راويين روى عنهما الدارقطني وهما مترجمان في "التهذيب" تمييزًا.
أحدهما: محمّد بن علي بن حمزة بن صابح، أبو بكر الأنطاكي، الملقَّب بأبي هريرة. ت ٣٢٣هـ.
ثانيهما: هنَّاد بن السَّري بن يحيى بن السَّري، التميمي. ت٣٣١ هـ.
стр. 31
* تلاميذه:
لما كانت بغداد محطة عظيمة للعلّم والعلّماء في العالم الإسلامي، رحل إليها الراحلون من شتى الأقطار، والبقاع، والأمصار، والأصقاع، وكان الدارقطني أحد علمائها المبرزين، وحفاظها المتقنين، أخذ عنه خلق من البغاددة، والدَّماشقة، والمصريين، والرَّحالين (١)، فمن أشهرهم من أصحاب المصنفات: الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، وعبد الغني بن سعيد الأزدي المصري، وتمام الرازي، وأبو نعيم الأصبهاني، وأبو بكر البرقاني راوي "العلل"، وصاحب "السوالات عنه" وأبو عبد الرّحمن السلمي، وحمزة بن يوسف السهمي، وكلاهما من أصحاب السؤالات عنه أيضًا. وخلق لا يحصون كثرة، آخرهم محمّد بن علي، أبو الحسين ابن المُهتدي بالله، المعروف بابن الغريق (٢).
* عقيدته:
قال الخطيب: " انتهى إليه علم الأثر، والمعرفة بعلل الأحاديث ... مع صحة الاعتقاد، وسلامة المذهب (٣) ".
وقال الذهبي: "كان إليه المنتهى في السُّنَّة ومذاهب السلف (٤) ". وقال مرّة: "كان سُنِّيًّا محضًا (٥) ". وقال السُّلَمي: سمعت الشّيخ أبالحسن يعني - الدارقطني - يقول: "ما في الدنيا شيءٍ أبغض إلىَّ من علم الكلام (٦) ". قال الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى- معلِّقًا على كلمة الدارقطني، قلت: "لم يدخل الرَّجل أبدًا في علم الكلام ولا الجدال، ولا خاضى في ذلك، بل كان سلفيًّا" (٧).
стр. 32
* تدليسه:
قال ابن طاهر المقدسي: "كان له ﵀ مذهبًا في التدليس، سليم عما يسقط العدالة، ويخفى على كثير من المحدثين، كان يقول فيما جمعه من البغوي: حدّثنا أبو القاسم إملاءً وقراءة، وقرئ عليه وأنا أسمع، ويقول فيما لم يسمع: قرئ على أبي القاسم البغوي حدثكم فلان، ولا ينسب إلى نفسه من ذلك شيئًا" (١)، ولقول ابن طاهر هذا، ذكره الحافظ في المرتبة الأولى من مراتب المدلِّسِن (٢).
* مذهبه الفقهي:
قال الخطيب عن العلّوم الّتي أتقنها الدَّارقطني وأصبح فيها إمامًا: " ... ومنها المعرفة بمذاهب الفقهاء، فإن كتاب "السنن" الّذي صنفه يدلُّ على أنّه كان ممّن اعتنى بالفقه؛ لأنّه لا يقدر على جمع ما تضمن ذلك الكتاب إِلَّا من تقدمت معرفته بالاختلاف في "الأحكام" وبلغني أنّه درس فقه الشّافعيّ على أبي سعيد الإصطخري، وقيل: بل درس الفقه على صاحب لأبي سعيد، وكتب الحديث عن أبي سعيد نفسه" (٣).
وقال ابن خَلِّكان: كان عالمًا حافظًا فقيهًا على مذهب الإمام الشّافعيّ ﵁ أخذ الفقه عن أبي سعيد الإصطخري الفقيه الشّافعيّ، وقيل: بل أخذه عن صاحب لأبي سعيد، وكان عارفًا باختلاف الفقهاء (٤) وذُكر أنّ الدارقطني كان له اهتمامٌ بالإمام الشّافعيّ، حتّى إنّه أفرد من روى الحديث عن الإمام الشّافعيّ، قال الشيرازي في "طبقات الشّافعيّة،: "وأمّا من روى عنه -يعني الشّافعيّ- الحديث فخلق كثير ذكرهم الدارقطني في جزأين (٥) ". وقد عده غير واحد في فقهاء الشّافعيّة كابن
стр. 33
الصلاح (١)، والسبكي (٢)، والإسنوي (٣)، وغيرهم.
وحين سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- عن الأئمة من أهل الحديث ومذاهبهم واجتهادهم أجاب بقوله:
" ... وأمّا البيهقي فكان على مذهب الشّافعيّ منتصرًا له في عامة أقواله، والدارقطني هو أيضًا يميل إلى مذهب الشّافعيّ، وأئمة السنَّة والحديث، لكن ليسيه هو في تقليد الشافعه كالبيهقي، مع أنّ البيهقي له اجتهاد في كثير من المسائل، واجتهاد الدارقطني أقوى منه، فإنّه كان أعلم وأفقه منه" (٤).
* ثناء أهل العلم عليه:
إنَّ كلام الأئمة في بيان إمامته، وحفظه، وعلو كعبه، ورسوخ قدمه في هذا العلم كثير، وقد أقر له بة الفضل والتقدم في العلم شيخه الحافظ الكبير أبو العباس بن عقدة، فقد انقطع الدارقطني عنه يومًا لحُمَّى نالته، فجاءه ابن عقدة يزوره، وقال له: "ما عرفناك إِلَّا بعد انصرافك، وجعل يعتذر له".
وهاك طرفًا من ذلك مبتدئًا فيه بالأول فالأول.
(١) حمزة بن محمّد الدَّقَّاق (ت ٣٢٤ هـ):
قال ﵀ فيه أبياتًا:
جعلناك فيما بيننا ورسولنا ... وسيطًا فلم تظلم ولم تتحَوَّبِ
فأنت الّذي لولاك لم يعرف الورى ... ولو جهدوا ما صادق من مكذب (٥)
стр. 34
(٢) أبو عبد الله الحاكم النيسابوري ت ٤٠٥ هـ:
قال - رحمه الله تعالى-: أبو الحسن الدارقطني ﵁ صار واحد عصره في الحفظ والفهم والورع، وإمامًا في القراء، والنحويين، أول ما دخلت بغداد كان يحضر المجالس وسنُّه دون النَّاس، وكان أحد الحفاظ، ثمّ صحبنا في رحلتي الثّانية، وقد زاد على ما كنت شاهدته، وحجَّ شيخنا أبو عبد الله بن أبي ذهل سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وانصرف فكان يصف حفظه وتفرده بالتقدم حتّى استنكرت وصفه إلى أنّ حججت سنة سبع وستين، فلما انصرفت إلى بغداد أقمت بها زيادة على أربعة أشهر، وكثر اجتماعنا بالليالي والنهار، فصادفته فوق ما كان وصفه الشّيخ أبو عبد الله، وسألته عن العلّل والشيوخ، ودوَّنت أجوبته عن سؤالاتي، وقد سمعها مني أصحابي، وله مصنفات كثيرة مفيدة يطول ذكرها، وأشهد أنّه لم يُخلِّف على أديم الأرض مثله (١).
وقال أبو ذر الهروي: سمعت الحاكم أبا عبد الله، وسئل عن الدارقطني فقال: ما رأى مثل نفسه (٢). وقال أيضًا: حدّثنا إمام الحديث في عصره أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني الحافظ، المقرئ، ﵁ وأرضاه، وذكر حديثًا، وقال عقبه: وأنا أشهد أنّه لم يخلف على أديم الأرض مثله في معرفة الحديث (٣).
(٣) عبد الغني الأزدي ت ٤٠٩هـ:
قال البرقاني: كنت أسمع عبد الغني بن سعيد الحافظ كثيرًا إذا حكى عن أبي الحسن الدارقطني شيئًا يقول: قال أستاذي: فقلت له في ذلك، فقال: وهل تعلمنا هذين الحرفين من العلم إِلَّا من أبي الحسن الدارقطني (٤). وكان يقول أيضًا: أحسن النَّاس
стр. 35
كلامًا على حديث رسول الله ﷺ ثلاثة: علي بن المديني في زمانه، وموسى بن هارون في زمانه، وعلي بن عمر في زمانه (١).
(٤) أبو عبد الرّحمن السلمي ت ٤١٢ هـ:
قال ﵀ فيما نقله عنه الحاكم: شهدت بالله إنَّ شيخنا الدارقطني لم يخلف على أديم الأرض مثله في معرفة الحديث (٢).
(٥) أبو الفتح بن أبي الفوارس ت ٤١٢ هـ:
قال - رحمه الله تعالى-: كان قد انتهى إليه علم هذا الشأن، وما رأينا في الحفظ في جميع علوم الحديث، والقراءات والأدب مثله، وكان متفننًا (٣).
(٦) أبو بكر البرقاني ت ٤٢٥ هـ:
قال الخطيب: قال لنا البرقاني: ما رأيت بعد الدارقطني أحفظ من عبد الغني بن سعيد (٤).
(٧) أبو القاسم الأزهري ت ٤٣٥ هـ:
قال الخطيب: قال لي الأزهري: كان الدارقطني ذكيًّا، إذا ذوكر شيئًا من العلم - أي: نوع كان - وجد عنده منه نصيب وافر (٥).
(٨) أبو ذر الهروي ت ٤٣٥ هـ:
قال - رحمه الله تعالى-: كان الدارقطني يعلم جميع علوم الحديث، والقراءات والعربيّة (٦).
стр. 36
(٩) أبو محمّد الخلال ت ٤٣٩هـ:
قال - رحمه الله تعالى-: كنت في مجلس بعض شيوخ الحديث، وقد حضره ابن المظفر، وأبو الحسن الجراحي، وأبو الحسن الدارقطني، وغيرهم من أهل العلم، فحلت الصّلاة، فكان الدارقطني إمام الجماعة، وهناك شيوخ أكبر أسنانًا منه، فلم يقدم أحد غيره (١).
(١٠) أبو يعلى الخليلي ت ٤٤٦ هـ:
قال - رحمه الله تعالى-: أبو الحسن الدارقطني عالم متقن، غاية في الحفظ، وفيٌّ، رضيه العلماء كلهم، اختتم به الشيوخ في هذا الشأن ببغداد (٢).
(١١) أبو الطَّيِّب الطّبريّ ت ٤٥٠:
قال الخطيب: سمعته يقول: كان الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث، وما رأيت حافظًا ورد بغداد إِلَّا مضى إليه، وتسَّلم له، يعني تسلَّم له المتقدم في الحفظ، وعلو المنزلة في العلم (٣).
(١٢) أبو بكر الخطيب البغدادي ت ٤٦٣:
قال - رحمه الله تعالى- كان فريد عصره، وقريع دهره، ونسيج وحده، وإمام وقته، انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بعلل الحديث، وأسماء الرجال، وأحوال الرواة، مع الصدق والأمانة، والفقه والعدالة، وقبول الشّهادة، وصحة الاعتقاد، وسلامة المذهب، والاضطلاع بعلوم سوى علم الحديث، منها القراءات فإن له فيها كتابًا مختصرًا موجزًا جمع الأصول في أبواب عقدها أول الكتاب، وسمعت بعض من يعتني بعلوم القرآن يقول: لم يُسبق أبو الحسن إلى طريقته القياسلكها في عقد الأبواب المقدِّمة في أول القراءات، وصار القراء بعده يسلكون طريقته في تصانيفهم، ويحذون حذوه، ومنها
стр. 37
المعرفة بمذاهب الفقهاء ... ومنها المعرفة بالأدب والشعر، وقيل إنّه كان يحفظ دواوين جماعة من الشعراء (١). وقيل له يومًا: أنت الشّيخ الحافظ أبو بكرالخطيب؟ فقال: انتهى الحفظ إلى الدارقطني (٢).
(١٣) أبو إسحاق الحَبَّال ت ٤٨٢:
قرئ عليه جزء فقال القارئ: رضي الله عن الشّيخ الحافظ، فقال أبو إسحاق: لا تقل الحافظ، إنّما الحافظ الدارقطني، وعبد الغني (٣).
(١٤) أبو نصر ابن ماكولا. ت ٤٧٥:
قال - رحمه الله تعالى-: إنَّ أبا الحسن الدارقطني بالاتفاق إمام المعرفة بالحديث؛ متونه، وأسانيده، وعلله، وسائر فنونه (٤).
(١٥) أبو الفضل بن طاهر المقدسي. ت ٥٠٧:
قال - رحمه الله تعالى-: كان الدارقطني ﵀ في زمانه بمنزلة يحيى بن معين في زمانه (٥).
(١٦) أبو سعيد السَّمْعاني ت ٥٦٢:
قال - رحمه الله تعالى-: كان أحد الحفاظ المتقنين المكثرين، وكان يضرب به المثل في الحفظ (٦).
(١٧) أبو القاسم ابن عساكر. ت ٥٧١:
قال - رحمه الله تعالى-: أوحد وقته في الحفظ (٧).
стр. 38
(١٨) أبو عمر وابن الصلاح. ت ٥٧٧:
قال في"طبقات الشّافعيّة (١) ": شيخ المحدثين ببغداد في عصره.
(١٩) أبو الفرج ابن الجوزي. ت ٥٩٧:
ذكره في رسالته "كبار الحفاظ" (٢) وقال: كان فريد وقته في الحفظ، والإتقان، ومعرفة النقل.
(٢٠) أبو الحسن ابن القطان. ت٦٢٨:
قال - رحمه الله تعالى-: الدارقطني هو الإمام بلا مدافعة (٣).
(٢١) أبو الحسن الرشيد العطار. ت ٦٦٢:
قال - رحمه الله تعالى- في "نزهة الناظر (٤) ": أحد الأئمة المشهورين، وأعيان الحفاظ المذكورين، والمعتمد على قوله في التعديل والتجريح، والمرجوع إليه في التسقيم والصّحيح.
(٢٢) أبو العباس ابن خلِّكان. ت ٦٨١:
قال - رحمه الله تعالى-: أبو الحسن الدارقطني، انفرد بالإمامة في علم الحديث في دهره، ولم ينازعه في ذلك أحد من نظرائه، وتصدر في آخر أيامه للإقراء ببغداد (٥).
(٢٣) أبو عبد الله الذهبي. ت٧٤٨:
قال رحمه الله تعالى في "تذكرته (٦) ": الإمام شيخ الإسلام حافظ الزّمان.
وقال في "النبلاء (٧) ": الإمام الحافظ المجود، شيخ الإسلام، علم الجهابذة، كان من
стр. 39
بحور العلم، ومن أئمة الدنيا، انتهى إليه الحفظ، ومعرفة علل الحديث ورجاله، مع المتقدم في القراءات وطرقها، وقوة المشاركة في الفقه، والاختلاف، والمغازي، وأيام النَّاس، وغير ذلك، صنف التصانيف، وسار ذكره في الدنيا، وهو أول من صنف القراءات، وعقد لها أبوابًا قبل فرش الحروف.
وقال في "العلّو (١) ": العلّامة الحافظ، نادرة العصر، وفرد الجهابذة، ختم به هذا الشأن. وقال في "تاريخه (٢) ": لم يأت بعد النسائي مثله. وقال "الميزان (٣) ": حافظ العصر، الّذي لم يأت بعد النسائي مثله. وقال في "النبلاء (٤) ": أمير المؤمنين في الحديث. وقال في كتاب "العرش (٥) ": شهرة الدارقطني تغني عن التعريف، ألَّفَ كتاب "السنن" فانتفع به الموافق والمخالف، كان من نظراء البخاريّ وذويه في الإتقان، وإن تأخر في الزّمان، وطاف البلاد، وحصَّل ما لم يحصل غيره.
(٢٤) أبو نصر ابن السُّبكي. ت ٧٧١:
قال - رحمه الله تعالى-: المشهور الاسم، صاحب المصنفات، إمام زمانه، وسيد أهل عصره، وشيخ أهل الحديث (٦).
(٢٥) أبو الفداء ابن كثير. ت ٧٧٤:
قال - رحمه الله تعالى-: الحافظ الكبير، أستاذ هذه الصناعة في زمانه، وقبلها بمدَّة، وبعدها إلى زماننا هذا، سمع الكثير، وجمع وصنف، وألف وأجاد وأفاد، وأحسن النظر والتعليل، والانتقاء، والانتقاد، والاعتقاد، وكان فريد عصره، ونسيج وحده، وإمام أهل دهره في أسماء الرجال، وصناعة التعليل، و"الجرح والتعديل" وحسن التصنيف،
стр. 40
والتأليف، واتِّساع الرِّواية والاطِّلاع التام في الدِّارية (١).
(٢٦) أبو الخير ابن الجزري. ت ٨٣٣:
قال - رحمه الله تعالى-: صاحب التصانيف، واحد الأعلام الثقات (٢).
قال مقيده - عفا الله عنه -: وذكر ثناء الأئمة عليه في إمامته وحفظه يطول نقله، ولكن أكتفي في هذا المقام بهذا الفيض من هذه الثلة المباركة، والجمهرة العظيمة، وأختم ذلك بما جاء في "تاريخ بغداد (٣) " عن رجاء بن محمّد، قال: سألت الدارقطني فقلت له: رأي الشّيخ مثل نفسه؟ فقال لي: قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]. فقلت له: لم أرد هذا، وإنّما أردت أنّ أعلمه لأقول: رأيت شيخنا لم ير مثله، فقال لي: إن كان في فن واحد، فقد رأيت من هو أفضل مني، وأمّا من اجتمع فيه ما اجتمع فيَّ فلا. وقال الأزهري: رأيت الدارقطني أجاب ابن أبي الفوارس من علة حديث أو اسم، ثمّ قال له: يا أبا الفتح: ليس بين المشرق والمغرب من يعرف هذا غيري (٤).
وقال الطّبريّ: حضرت أبا الحسن الدارقطني، وقد قُرئت عليه الأحاديث الّتي جمعها في الوضوء من مسِّ الذكر، فقال: لو كان أحمد بن حنبل حاضرًا لاستفاد هذه الأحاديث (٥).
وقولة الدارقطني المشهورة: يا أهل بغداد: لا تظُنُّوا أنّ أحدًا يقدر أنّ يكذب على رسول الله ﷺ وأنا حي (٦).