← Адаб

Адаб · id 7853

نثر الدر في المحاضرات

الآبي

Полный текст (1 737 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

مَرَاتِب ذَوي أخطارهم، وَلم يبتل الْمُلُوك قطّ ببلاء هُوَ أعظم عَلَيْهِم، وأشدتوهيناً لسلطانهم من غَلَبَة السفلة وذل الْوُجُوه، فاحذر الحذر كُله أَن تمكن تِلْكَ الطَّبَقَة من الْغَلَبَة وَالْحَرَكَة، وَإِن نجم مِنْهُم بعد الْيَوْم على جندك وَأهل بلدك ناجم دهمهم مِنْهُ مَالا روية فِيهِ وَلَا بَقِيَّة مَعَه. فَانْصَرف عَن هَذَا الرَّأْي إِلَى غَيره، واعمد إِلَى من قبلك من أُولَئِكَ العظماء والأحرار فوزع بَينهم مملكتهم، وألزم اسْم الْملك كل من وليته مِنْهُم نَاحيَة، واعقد التَّاج على رَأسه، وَإِن صغر ملكه، فَإِن المتسمي بِالْملكِ لَازم لاسمه، والمعتقد التَّاج لَا يخضع لغيره، وَلَا ينشب ذَلِك أَن يُوقع بَين كل ملك مِنْهُم وَبَين صَاحبه تدابراً وتقاطعاً وتغالباً على المُلك، وتفاخراً بِالْمَالِ حَتَّى ينسوا بذلك أضغانهم عَلَيْك، وأوتارهم قبلك، وتعود حربهم لَك حَربًا بَينهم، وحنقهم عَلَيْك حنقا مِنْهُم على أنفسهم، ثمَّ لَا يزدادون فِي ذَلِك بَصِيرَة إِلَّا أَحْدَثُوا بهَا لَك استقامة، فَإِن دَنَوْت مِنْهُم دانوا لَك، وَإِن نأيت عَنْهُم تعززوا بك، حَتَّى يثبت كل ملك مِنْهُم على جَاره بِاسْمِك، ويسترهبه بجندك، وَفِي ذَلِك شاغل لَهُم عَنْك، وأمان لأحداثهم بعْدك، وَلَا أَمَان للدهر، وَلَا ثِقَة بِالْأَيَّامِ. قد أدّيت إِلَى الْملك مَا رَأَيْته لي حظاً، وعليّ حَقًا من إجَابَتِي إِيَّاه إِلَى مَا سَأَلَني عَنهُ، مَعَ أدائي النَّصِيحَة إِلَيْهِ فِيهِ، وَالْملك أَعلَى عينا، وأنفذ رويةً، وَاصل رَأيا، وَأبْعد همة فِيمَا اسْتَعَانَ بِي عَلَيْهِ، وكلفني تبيينه لَهُ، والمشورة بِهِ، فَلَا زَالَ الْملك متغرفاً من فَوَائِد النعم، وعواقب الصنع، وتوطد الْملك، وتنقل الْأَجَل، ودرك الأمل، مَا تَأتي فِيهِ مقدرته على غَايَة قصوى مَا ينَال الْبشر، وَالسَّلَام الَّذِي لَا انْقِضَاء لَهُ وَلَا انْتِهَاء وَلَا مُدَّة فَلْيَكُن على المُلك والمَلك.

стр. 1542

الْبَاب الثَّالِث حكم ونوادر للْفرس فِي رِسَالَة كسْرَى إِلَى الهرمزان: اما بعد: فَإِنَّهُ لَو كَانَ الْمُلُوك يعْرفُونَ من حَاجتهم إِلَى ذَوي الرَّأْي مثل الَّذِي يعرف أهل الرَّأْي من حَاجتهم إِلَى الْمُلُوك لم يكن عجبا أَن ترى مواكب الْمُلُوك على أَبْوَاب الْعلمَاء، كَمَا ترى مواكب الْعلمَاء على أَبْوَاب الْمُلُوك، وَلذَلِك قَالَ الْأَولونَ: " إِذا أَرَادَ الله بِأمة خيرا جعل المُلك فِي عُلَمَائهمْ وَالْعلم فِي مُلُوكهمْ ". قَالَ كسْرَى: أَنا على مَا لم أقل أقدر مني على رد مَا قد قلته. وَقَالَ: اجْتِمَاع المَال عِنْد الأسخياء أحد الحصبين واجتماعه عِنْد البخلاء أحد الجدبين. وَقَالَ: من عمل عمل أَبِيه كفي نصف التَّعَب. قَالَ بزرجمهر: التذلل للغلبة فِي حينها خير من الظفر فِي غير حِينه. نظر ملك مِنْهُم يَوْمًا إِلَى مُلكه فأعجبه فَقَالَ: إِن هَذَا لمُلك إِن لم يكن بعده هلك! وَإنَّهُ لسرور لَوْلَا أَنه غرور، وَإنَّهُ يَوْم لَو كَانَ يوثق لَهُ بغد. قيل لبزرجمهر: هَل تعرف نعْمَة لَا يحْسد صَاحبهَا عَلَيْهَا؟ قَالَ: نعم، التَّوَاضُع. قيل: فَهَل تعرف بلَاء لَا يرحم صَاحبه؟ قَالَ: نعم، العُجب. وَقَالَ: مَا أحسن الصَّبْر لَوْلَا أَن النَّفَقَة عَلَيْهِ من الْعُمر. قَالَ لَهُ أنوشروان: مَتى يكون العي فصيحاً؟ قَالَ: إِذا وصف حبيباً. قَالَ بَعضهم: الصدْق زين إِلَّا أَن يكون سِعَايَة، فَإِن السَّاعِي أَخبث مَا يكون إِذا صدق.

стр. 1543

وَقَالَ بَعضهم: من زعم أَنه لَا يحب المَال فَهُوَ عِنْدِي كَاذِب حَتَّى يثبت صدقه، فَإِذا ثَبت صدقه فَهُوَ عِنْدِي أَحمَق. سُئِلَ بزرجمهر عَن الرزق قَالَ: إِن كَانَ قد قسم فَلَا تعجله، وَإِن كَانَ لم يقسم فَلَا تتعبه. وَقَالَ: المصطنع إِلَى اللَّئِيم كمن طوق الْخِنْزِير ثبرا، وقرّط الْكَلْب دُرّا، وألبس الْحمار وشيا، وألقم الْحَيَّة شَهدا. وَقَالَ: من قوي فليقو على طَاعَة الله، وَمن ضعف فليضعف عَن محارم الله. وَكَانَ يَقُول: السعيد يتبع الرزق، والشقي يتبع مسْقط الرَّأْس. وَقيل لَهُ: أَي الْعُيُوب أقبح؟ قَالَ: قلَّة معرفَة الرجل بِنَفسِهِ. كتب رجل من الْخَاصَّة إِلَى أنوشروان: إِن رجلا من الْعَامَّة دَعَاهُ إِلَى منزله فأطعمه من طَعَام الْخَاصَّة وسقاه من شرابها، وَقد كَانَ الْملك نهى عَن ذَلِك وأوعد فِيهِ، فَأَحْبَبْت أَلا أطوي عَنهُ خَبرا. فوقّع فِي كِتَابه: أحمدنا نصيحتك، وذممنا صَاحبك لسوء اخْتِيَاره الإخوان. قَالَ بزرجمهر لكسرى، وَعِنْده أَوْلَاده: أَي أولادك أحب إِلَيْك؟ قَالَ: أرغبهم فِي الْأَدَب، وأجزعهم من الْعَار، وأنظرهم إِلَى الطَّبَقَة الَّتِي فَوْقه. وَقَالَ: من عيب الدُّنْيَا أَنَّهَا لَا تُعْطِي أحدا اسْتِحْقَاقه، إِمَّا أَن تزيده وَإِمَّا أَن تنقصه. وَقَالَ بزرجمهر: الحازم إِذا أشكل عَلَيْهِ الرَّأْي بِمَنْزِلَة من أضلّ لؤلؤة فَجمع مَا حول مسقطها من التُّرَاب ثمَّ التمسها حَتَّى وجدهَا، فَكَذَلِك الحازم يجمع وُجُوه الرَّأْي فِي الْأَمر الْمُشكل ثمَّ يضْرب بعضه بِبَعْض حَتَّى يخلص الرَّأْي. رفع إِلَى أنوشروان إِن عَامل الأهواز قد جبى من المَال مَا يزِيد على الْوَاجِب فِي وقته، وَأَن ذَلِك أجحف بالرعية، فوقّع: رد هَذَا المَال إِلَى هَؤُلَاءِ الضُّعَفَاء؛ فَإِن تَكْثِير الْملك لمَاله بظُلْم رَعيته بِمَنْزِلَة من حصّن سطوحه بِمَا اقتلعه من قَوَاعِد بُنْيَانه.

стр. 1544

قَالَ بزرجمهر: " الْمُلُوك تعاقب بالهجران وَلَا تعاقب بالحرمان ". قَالَ أردشير: " الدّين أس، وَالْملك حارس، وَمَا لم يكن لَهُ أس فمهدوم، وَمَا لم يكن لَهُ حارس فضائع ". كَانَ على عهد كسْرَى رجل يَقُول: من يَشْتَرِي ثَلَاث كَلِمَات بِأَلف دِينَار؟ فيُطنز مِنْهُ، إِلَى أَن اتَّصل الْبَرِيد فأنهى خَبره إِلَى كسْرَى، فَأحْضرهُ وَسَأَلَهُ عَنْهَا. فالتمس إِحْضَار المَال فأحضر، فَقَالَ الرجل: لَيْسَ فِي النَّاس كلهم خير، فَقَالَ كسْرَى: هَذَا صَحِيح، ثمَّ قَالَ: وَلَا بُد مِنْهُم، فَقَالَ: صدقت، وَالثَّالِث أَي شَيْء؟ قَالَ: فالبسهم على قدر ذَلِك، فَقَالَ لَهُ كسْرَى: قد اسْتَوْجَبت المَال فَخذه، قَالَ: لَا حَاجَة لي بِهِ، قَالَ: فَلم طلبته؟ قَالَ: لِأَنِّي أردْت أَن أرى من يَشْتَرِي الْحِكْمَة بِالْمَالِ، فاجتهد بِهِ كسْرَى فِي قبُوله، فَأبى أَن يقبل. قَالَ كسْرَى لبَعض عماله: كَيفَ نومك بِاللَّيْلِ؟ قَالَ: أنامه كُله، قَالَ: أَحْسَنت لَو سُرقت مَا نمت هَذَا النّوم! . وَقَالَ لأَصْحَابه: أَي شَيْء أضرّ على الْإِنْسَان؟ قَالُوا: الْفقر، فَقَالَ كسْرَى: الشُّح أضرّ مِنْهُ؛ لِأَن الْفَقِير إِذا وجد اتَّسع، والشحيح لَا يَتَّسِع وَإِن وجد. وَكَانَ مُلُوك الْفرس إِذا بَلغهُمْ أَن كَلْبا مَاتَ فِي قَرْيَة لَا يعرف لمَوْته سَبَب أمروا بِأخذ أهل الْقرْيَة بِالْبَيِّنَةِ بِأَن الْكَلْب مَاتَ حتف أَنفه لم يمت جوعا. قَالَ بزرجمهر: لَا شرف إِلَّا شرف الْعقل، وَلَا غنى إِلَّا غنى النَّفس. قَالَ أنوشروان: العطلة تهيج الفكرة، والفكرة تهيج الْفِتْنَة. وَكَانَ على خَاتمه " لَا يكون عمرَان بِحَيْثُ بجور السُّلْطَان ". قَالَ بزرجمهر: أخيب النَّاس سعياً من أَقَامَ فِي دُنْيَاهُ على غير سداد، وارتحل إِلَى آخرته بِغَيْر زَاد. وَرَأى فَقِيرا جَاهِلا فَقَالَ: بئْسَمَا اجْتمع على هَذَا: فقر ينغص دُنْيَاهُ، وَجَهل يفْسد آخرته.

стр. 1545

قَالَ أبرويز لِابْنِهِ شيرويه: لَا توسعن على جندك فيستغنوا عَنْك، وَلَا تضيقنّ عَلَيْهِم فِي الْعَطاء فيضجوا مِنْك، أعطهم عَطاء قصدا، وامنعهم منعا جميلاً، ووسع عَلَيْهِم فِي الرَّجَاء، وَلَا توسع عَلَيْهِم فِي الْعَطاء. قَالَ بزرجمهر: الإخوان كالسلاح فَمنهمْ كالرمح تطعن بِهِ من بعيد، وَمِنْهُم كالسهم الَّذِي ترمي بِهِ وَلَا يعود إِلَيْك، وَمِنْهُم كالسيف الَّذِي لَا يفارقك. قَالَ كسْرَى: لَا تظهر إِنْكَار مَالا عدَّة مَعَك أَن تَدْفَعهُ. وَقَالَ لبزرجمهر: مَا بَال معاداة الصّديق أقرب مأخذاً من مصادقة الْعَدو؟ فَقَالَ: لِأَن إِنْفَاق المَال أَهْون من كَسبه، وَهدم الْبناء أَهْون من رَفعه، وَكسر الْإِنَاء أَهْون من إِصْلَاحه. وَقَالَ بزرجمهر: يسْتَحبّ من الخريف الخصب، وَمن الرّبيع الزهر، وَمن الْجَارِيَة الملاحة، وَمن الْغُلَام الْكيس، وَمن الْغَرِيب الانقباض. قيل لكسرى: أَي النَّاس أحب إِلَيْك أَن يكون عَاقِلا؟ قَالَ: عدوي، قيل: وَكَيف ذَلِك؟ قَالَ: لِأَنَّهُ إِذا كَانَ عَاقِلا فَأَنا مِنْهُ فِي عَافِيَة. سُئِلَ بزرجمهر فِي نكبته عَن حَاله، فَقَالَ: عولت على أَرْبَعَة أَشْيَاء قد هونت على مَا أَنا فِيهِ: أَولهَا، أَنِّي قلت: الْقَضَاء وَالْقدر لَا بُد من جريانهما. وَالثَّانِي، أَنِّي قلت: إِن لم أَصْبِر فَمَا أصنع؟ وَالثَّالِث، أَنِّي قلت: قد كَانَ يجوز أَن يكون أَشد من هَذَا، وَالرَّابِع، قلت: لَعَلَّ الْفرج قريب وَأَنت لَا تَدْرِي. قَالَ أنوشروان: جَمِيع أَمر الدُّنْيَا منقسم إِلَى ضَرْبَيْنِ لَا ثَالِث لَهما، وَاحِد فِي دَفعه حِيلَة فالاصطبار دواؤه، وَالْآخر لَا حِيلَة فِي دَفعه فالاضطرار شفاؤه. وَكَانَ إِذا ولى رجلا وقّع فِي كِتَابه: " سس خِيَار النَّاس بالمحبة، وامزج للعامة الرَّغْبَة بالرهبة، وسس سفلَة النَّاس بالإخافة ". وَسمع الموبذ فِي مَجْلِسه ضحك الخدم فَقَالَ: أما يمْنَع جلالة الْملك وهيبته هَؤُلَاءِ الغلمان من الضحك؟ فَقَالَ أنوشروان: إِنَّمَا يهابنا أعداؤنا.

стр. 1546

وَلما قُتل بزرجمهر بعث إِلَى ابْنَته فَجَاءَتْهُ مكشوفة الرَّأْس، فَلَمَّا رَأَتْهُ غطت رَأسهَا، فَقَالَ أنوشروان: سلوها عَن ذَلِك فَقَالَت: مَا رَأَيْت أحدا حَتَّى رَأَيْته. قَالَ سَابُور: " لم أهزل فِي أَمر وَلَا نهى قطّ، وَلم أخلف وَعدا وَلَا وعيداً قطّ، وولّيت للغناء لَا للهوى، وَضربت للأدب لَا للغضب، وأودعت فِي قُلُوب الرّعية الْمحبَّة من غير جرْأَة، والهيبة من غير ضغينة، وعممت بالقوت، ومنعت الفضول ". سُئِلَ أنوشروان أَي الْأَشْيَاء أَحَق بالتقاء؟ قَالَ: أعظمها مضرَّة، قيل: فَإِن جُهل قدر الْمضرَّة؟ قَالَ: أعظمها من الْهوى نَصِيبا. وَقَالَ: " لَا تنزلن بِبَلَد لَيْسَ فِيهِ خَمْسَة أَشْيَاء: سُلْطَان قاهر، وقاض عَادل، وسوق قَائِمَة، وطبيب عَالم، ونهر جَار ". وَسَأَلَ كسْرَى موبذه: أَيّمَا أَكثر الشَّيَاطِين أَو النَّاس؟ فَقَالَ: إِن حسبت الأكراد والرعاة والعامة وَأهل الْأَسْوَاق من النَّاس فَإِن النَّاس لَهُ كثير. وَيُقَال: إِن كسْرَى أنزل الكتّاب كلواذي، وَكَانُوا يأْتونَ فِي كل يَوْم فيعملون عَمَلهم ثمَّ يَنْصَرِفُونَ إِلَى مَنَازِلهمْ، وفرّق إذْنهمْ، فَكَانَ يَأْذَن لَهُم فِي أَوْقَات مُخْتَلفَة؛ ليشغلهم ببعد الْمسَافَة، وَلِئَلَّا يجتمعوا فيدبّروا على الْملك. وَكَانُوا يَقُولُونَ: " كل عَزِيز دخل تَحت الْقُدْرَة فَهُوَ ذليل، وكل مَقْدُور عَلَيْهِ مَمْلُوك محقور ". قَالَ بزرجمهر: " من أحبك نهاك وَمن أبغضك أغراك ". وَقيل لَهُ: هَل من أحد لَا عيب فِيهِ؟ قَالَ: الَّذِي لَا عيب فِيهِ الَّذِي لَا يَمُوت. وَقَالَ كسْرَى: أَي شَيْء أضرّ؟ فَأَجْمعُوا على الْفقر، فَقَالَ: الشُّح أضرّ مِنْهُ؛ لِأَن الْفَقِير قد يُصِيب الفرجة. وَسُئِلَ أنوشروان عَن مَنْفَعَة الْوَلَد الصَّالح قَالَ: يستلذ بِهِ الْعَيْش، ويهون بِهِ الْمَوْت.

стр. 1547

سَأَلت امْرَأَة بزرجمهر عَن مَسْأَلَة فَقَالَ: لَا أعرف جوابها، فَقَالَت: أَنْت تَأْخُذ من الْملك مَا تَأْخُذ وَلَا تعرف جَوَاب مَسْأَلَة لي؟ فَقَالَ: إِن الْملك يعطيني على مَا أعلمهُ وَلَو أَعْطَانِي على مَا لَا أعلمهُ لم يسعني بَيت مَاله ليَوْم وَاحِد. وَقَالُوا: من قدر أَن يحترس من أَربع خِصَال لم يكن فِي تَدْبيره خلل: الْحِرْص، والعُجب وَاتِّبَاع الْهوى، والتواني. قيل لأنوشروان: اصطنعت فلَانا وَلَا نسب لَهُ، فَقَالَ: اصطناعنا إِيَّاه نسبه. دخل دهقان على الْمُهلب فَقَالَ: أصلح الله الْأَمِير: مَا أشخصتني إِلَيْك الْحَاجة، وَلَا قنعت بالْمقَام على الْغنى، وَلَا أرْضى إِذْ قُمْت هَذَا الْمقَام بالنصفة مِنْك، فَقَالَ: وَيحك مَا تَقول؟ قَالَ: أصلحك الله، النَّاس ثَلَاثَة: فَقير، وغني ومستزيد، فالفقير من مُنع حَقه، والغني من أعطي مَا يسْتَحقّهُ، والمستزيد من طلب الْفضل بعد دَرك الْغنى، وَإنَّك - أعزّك الله - لما أنصفتني بإدائك لي حَقي، تطلعت نَفسِي إِلَى استزادتك فَوق حَقي، فَإِن منعتني فقد أنصفتني، وَإِن زدتني زَادَت منتك عظما عليّ، فَأحْسن جائزته، وَأمره بلزومه، وَأَعْجَبهُ مَا رأى من ظرفه. قَالَ كسْرَى: النَّبِيذ صابون الْغم. حكى المعلّى بن أَيُّوب عَن بعض حكماء فَارس أَنه قَالَ: تعجب الْجَاهِل من الْعَاقِل أَكثر من تعجب الْعَاقِل مِنْهُ. من وَصِيَّة كسْرَى: " لَا تستشعروا الحقد فيدهمكم الْعَدو وَلَا تحبوا الاحتكار فيشملكم الْقَحْط، وَكُونُوا لأبناء السَّبِيل مأوى تؤووا غَدا فِي الْمعَاد، وَتَزَوَّجُوا فِي الْأَقَارِب، فَإِنَّهُ أثبت للنسب، وَأقرب للسبب، وَلَا تركنوا إِلَى الدُّنْيَا. فَإِنَّهَا لَا تدوم، وَلَا ترفضوها مَعَ ذَلِك؛ فَإِن الْآخِرَة لَا تنَال إِلَّا بهَا ".

стр. 1548

وَقَالَ: " الْحَرْب سوق، وتجارتها الْغَلَبَة، فَمن لم يكن لَهُ بضَاعَة لم يكن لَهُ تِجَارَة ". وَقَالَ: من حَارب بِأُجْرَة فَهُوَ يعرض هزيمَة؛ لِأَن حربه بِلَا غضب وَلَا نِيَّة وَلَا أَنَفَة وَلَا حمية. قَالَ بزرجمهر: " أدنى الْأَنْفس نفس تكرى للحرب ". قَالَ اسفنديار: أفره مَا يكون من الدَّوَابّ لَا يَسْتَغْنِي عَن السَّوْط، وأعف من تكون من النِّسَاء لَا تَسْتَغْنِي عَن الزَّوْج، وأعقل من يكون من الرِّجَال لَا يَسْتَغْنِي عَن مُشَاورَة ذَوي الْأَلْبَاب. وَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ لدهقان نهر تيري: بِمَ ينبل الرجل عنْدكُمْ؟ فَقَالَ: بترك الْكَذِب؛ فَإِنَّهُ لَا يشرف إِلَّا من يوثق بقوله، وبقيامه بِأَمْر أَهله، فَإِنَّهُ لَا ينبل من يحْتَاج أَهله إِلَى غَيره، وبمجانية الريب؛ فَإِنَّهُ لَا يعز من لَا يُؤمن أَن يُصَادف على سوأة، وبالقيام بحاجات النَّاس؛ فَإِنَّهُ من رُجي الْفرج لَدَيْهِ كثرت غاشيته. وَقَالَ بزرجمهر: من كثر ادبه كثر شرفه وَإِن كَانَ قبل وضيعا، وبعُد صَوته وَإِن كَانَ خاملاً، وساد وَإِن كَانَ غَرِيبا، وَكَثُرت الْحَاجَات إِلَيْهِ وَإِن كَانَ مقتراً، وَقَالَ بعض مُلُوكهمْ لوزيره، وَأَرَادَ محنته: مَا خير مَا يرزقه العَبْد؟ قَالَ: عقل يعِيش بِهِ، قَالَ: فَإِن عَدمه؟ قَالَ: فَمَال يستره، قَالَ: فَإِن عَدمه؟ قَالَ: فأدب يتحلى بِهِ، قَالَ: فَإِن عَدمه؟ قَالَ: فصاعقة تحرقه. وَقَالَ أردشير: " من لم يكن عقله أغلب خِصَال الْخَيْر عَلَيْهِ كَانَ حتفه فِي أغلب خلال الْخَيْر عَلَيْهِ ". لما مَاتَ قُباذ قَالَ المُوبذ: كَانَ الْملك أمس أنطق مِنْهُ الْيَوْم، وَهُوَ الْيَوْم أوعظ مِنْهُ أمس. وَقيل لبَعض أَشْرَافهم فِي علته الَّتِي مَاتَ فِيهَا: مَا بك؟ فَقَالَ: فكر عَجِيب، وحسرة طَوِيلَة. فَقيل لَهُ: مِم ذَاك؟ فَقَالَ: مَا ظنكم بِمن يقطع سفرا قفراً بِلَا زَاد، ويسكن قبراً موحشاً بِلَا مؤنس، وَيقدم على حكم عدل بِلَا حجَّة؟ .

стр. 1549

وَقَالَ أردشير: إِن للآذان مجةً، وللقلوب مللاً، ففرقوا بَين الحكمتين بلهو يكن ذَلِك استجماما. وَكَانَ أنوشروان يَقُول: الْقُلُوب تحْتَاج إِلَى أقواتها من الْحِكْمَة كاحتياج الْأَبدَان إِلَى أقواتها من الْغذَاء. وَقَالَ أردشير: " الدَّاء فِي كل مَكْتُوم ". قَالَ سَابُور: لما رَأَيْت تأتّي الْأَشْيَاء لِذَوي الْجَهْل على جهلهم وانصرافها عَن ذَوي الْأَلْبَاب والعقول، علمت أَن المدبّر غَيرهمَا، وَأَنَّهَا جَارِيَة بِغَيْر تَدْبِير الْعَاقِل والأحمق. قَالَ أردشير: اشغل النَّفس بِمَا يحسن قطعا لَهَا عَمَّا لَا يحسن. كَانَ كسْرَى إِذا غضب على بعض حَاشِيَته هجره وَلم يقطع عَنهُ خَيره، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: " نَحن نعاقب بالهجران لَا بالحرمان ". وَقَالَ أنوشروان: إياك وَمَا يعْتَذر أَو يستحيا مِنْهُ؛ فَإِنَّمَا يعْتَذر من الذَّنب، ويستحيا من الْقَبِيح. قَالَ أردشير: " الِابْتِدَاء بِالْمَعْرُوفِ، نَافِلَة وربه فَرِيضَة ". قَالَ بزرجمهر: إِذا اشْتبهَ عَلَيْك أَمْرَانِ فَانْظُر أحبهما إِلَى نَفسك فاجتنبه، وَإِذا أعياك فَشَاور امْرَأَة وخالفها. قيل لأردشير: هَل نَدِمت على شَيْء قطّ؟ قَالَ: نعم، على مَعْرُوف أمكنني فأخرته. قيل لأنوشروان: أَي شَيْء أَحَق أَن نجتهد فِيهِ فِي الصِّبَا وَفِي الشَّبَاب وَفِي كل حِين؟ قَالَ: أما فِي الصِّبَا فالتأدب، وَأما فِي الشَّبَاب فَالْعَمَل، وَأما فِي كل حِين فاجتناب الذُّنُوب. قيل لمزدك: مَا الْفرق بَين الْحزن وَالْغَضَب؟ قَالَ: إِذا كَانَ الْأَمر مِمَّن فَوْقك أحزنك، وَأما إِذا كَانَ مِمَّن دُونك أغضبك.

стр. 1550

جلس كسْرَى للمظالم فَتقدم إِلَيْهِ رجل قصير وَجعل يَصِيح أَنا مظلوم، وَهُوَ لَا يلْتَفت إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الموبَذ: انْظُر فِي أمره، قَالَ كسْرَى: الْقصير لَا يَظْلمه أحد، فَقَالَ الرجل: أَيهَا الْملك، الَّذِي ظَلَمَنِي هُوَ أقصر مني، فَضَحِك وَنظر فِي أمره. وَقَالَ بزرجمهر: الْفَرَاغ يهيّج الفكرة، والفكرة تهيّج الْفِتْنَة. قَالَ أنوشروان: النَّاس ثَلَاث طَبَقَات، تسوسهم ثَلَاث سياسات: طبقَة من خَاصَّة الْأَبْرَار، يسوسهم الْعَطف واللين وَالْإِحْسَان، وطبقة من خَاصَّة الأشرار تسوسهم الغلظة والشدة والعنف، وطبقة هم الْعَامَّة، يسوسهم اللين والشدة، لِئَلَّا تحرجهم الشدَّة، وَلَا يبطرهم اللين. وَقَالُوا: الْتِقَاط الرشى وَضبط الْملك لَا يَلْتَقِيَانِ. كَانَت الْفرس تَقول: نَحن لَا نملك من يحْتَاج أَن يشاور، فَقَالَ بَعضهم: نَحن لَا نملك من يَسْتَغْنِي عَن المشورة. قيل لأنوشروان: مَا وثائق الحزم؟ قَالَ: أَن يخْتل الْأَعْدَاء من المَال، فَإِن النَّاس أَتْبَاعه. قَالَ بعض مُلُوكهمْ: يكَاد الْملك أَن يكون مستغنياً عَن كل شَيْء إِذا كَانَ حكيماً إِلَّا عَن شَيْء وَاحِد وَهُوَ المشورة. قَالَت أم بزرجمهر: يَا بني ركُوب الْأَهْوَال يَأْتِي بالغنى، وَهُوَ أوثق أَسبَاب الفناء. وَأوصى بعض مُلُوكهمْ ابْنه فَقَالَ: أطلق من النَّاس عقد كل حقد، واقطع عَنْهُم سَبَب كل وتر، وتغاب عَن كل دنية، وَلَا تركبن شُبْهَة، وَلَا تعجل إِلَى تَصْدِيق ساع، فَإِن السَّاعِي غاش، وَإِن قَالَ قَول النصيح.

стр. 1551

قَالَ بزرجمهر: إِذا كَانَ الْقدر حَقًا فالحرص بَاطِل، وَإِذا كَانَ الْغدر فِي النَّاس طباجاً فالثقة بِكُل أحد عجز، وَإِذا كَانَ الْمَوْت لكل أحد راصداً فالطمأنينة إِلَى الدُّنْيَا حمق. قَالَ أردشير: " إصْلَاح الشيم بالقناعة، ونمو الْعقل بِالْعلمِ ". كتب أنوشروان إِلَى مرازبة خُرَاسَان: عَلَيْكُم بِأَهْل الشجَاعَة والسخاء فَإِنَّهُم أهل حسن الظَّن بِاللَّه. وَقَالَ بعض حكمائهم: لَو كَانَ الإفراط مَحْمُودًا فِي شَيْء مَا كَانَ إِلَّا فِي الْحلم والجود، وَلَو تلاحى فيهمَا الإفراط والاعتدال لَكَانَ الِاعْتِدَال أولاهما بالذم؛ لِسَلَامَةِ الْجُود من جَمِيع الْعُيُوب. كتب أبرويز من حَبسه إِلَى ابْنه: إِن كلمة مِنْك تسفك دَمًا، وَإِن أُخْرَى مِنْك تحقن دَمًا، وَإِن سخطك سيوف مسلولة على من سخطت عَلَيْهِ، وَإِن رضاك بركَة مستفيضة على من رضيت عَنهُ، وَإِن نَفاذ أَمرك مَعَ ظُهُور كلامك، فاحترس فِي غضبك من قَوْلك أَن يُخطئ، وَمن لونك أَن يتَغَيَّر، وَمن جسدك أَن يخف؛ فَإِن الْمُلُوك تعاقب قدرَة، وَتَعْفُو حلماً، وَمَا يَنْبَغِي للقادر أَن يستخف وَلَا للحليم أَن يزدهى، فَإِذا رضيت فابلغ بِمن رضيت عَنهُ يحرض سواهُ على رضاك، وَإِذا سخطت فضع من سخطت عَلَيْهِ يهرب من سواهُ من سخطك، وَإِذا عَاقَبت فانهك لِئَلَّا يتَعَرَّض لعقوبتك، وَاعْلَم أَنَّك تجل عَن الْغَضَب، وَأَن الْغَضَب يصغر عَن ملكك، وقدّر لسخطك من الْعقَاب كَمَا تقدّر لرضاك من الثَّوَاب. وَكتب إِلَيْهِ رِسَالَة: لَا زَالَت النِّعْمَة عِنْد الأجواد، وَالسُّلْطَان فِي أهل الْعلم، وَالْعدْل فِي الحكّام؛ لِأَن بِنِعْمَة الأجواد يعم الدُّنْيَا الخصب، وبعلم الْملك يَشْمَل النَّاس الْأَمْن، وبعدل الحكّام تَخْلُو الدُّنْيَا من الظُّلم.

стр. 1552

وَفِي عهد سَابُور إِلَى ابْنه: وزيرك فَلْيَكُن مَقْبُول القَوْل عنْدك، رفيع الْمنزلَة لديك، يمنعهُ مَكَانَهُ مِنْك، وَمَا يَثِق بِهِ من لطافة مَنْزِلَته عنْدك، من الخنوع لأحد والضراعة إِلَى أحد، والمداهنة لأحد فِي شَيْء مِمَّا تَحت يَدَيْهِ؛ لتبعثه الثِّقَة بك على مَحْض النَّصِيحَة لَك، والمنابذة لمن أَرَادَ غشك وانتقاصك حَقك، وَإِذا أورد عَلَيْك رَأيا يخالفك وَلَا يُوَافق الصَّوَاب عنْدك، فَلَا تجتهد جهد الظنين، وَلَا ترده عَلَيْهِ بالتجهم، فيفتّ فِي عضده ذَلِك، ويقبضه إثباتك كل رَأْي يلوح لَهُ صَوَابه، با اقبل مَا رضيت من رَأْيه وَقَوله، وعرفه مَا تخوفت من ضَرَر الرَّأْي الَّذِي انصرفت عَنهُ، لينْتَفع بأدبك فِيمَا يسْتَقْبل النّظر فِيهِ، وَاحْذَرْ كل الحذر من أَن تنزل بِهَذِهِ الْمنزلَة سوى وزيرك مِمَّن يطِيف بك من خاصتك وخدمك، أَو أَن تسهّل لأحد مِنْهُم السَّبِيل إِلَى الانبساط بالنطق عنْدك، والإفاضة فِي أَمر رعيتك وعملتك، فَإِنَّهُ لَا يوثق بِصِحَّة رَأْيهمْ، وَلَا يُؤمن الانتشار فِيمَا ائتمنوا عَلَيْهِ من السِّرّ المكتوم من سواهُم. وَفِي هَذَا الْعَهْد: وَاعْلَم أَن قوام أَمرك بدرور الْخراج، ودرور الْخراج بعمارة الْبِلَاد، وبلوغ الْغَايَة فِي ذَلِك باستصلاح أَهله بِالْعَدْلِ عَلَيْهِم، والمعاونة لَهُم؛ فَإِن بعض ذَلِك لبَعض سَبَب، وعوّام النَّاس لخواصهم عدَّة، وَبِكُل صنف مِنْهُم إِلَى الآخر حَاجَة، فاختر لذَلِك أفضل من تقدر عَلَيْهِ من كتّابك، وليكونوا من أهل الْبَصَر والعفافا والكفاية، وَأسْندَ إِلَى كل امْرِئ مِنْهُم شِقْصا يضطلع بِهِ، ويمكنه تَعْجِيل الْفَرَاغ مِنْهُ، فَإِن اطَّلَعت على أَن أحدا مِنْهُم خَان أَو تعدى فنكّل بِهِ، وَبَالغ فِي عُقُوبَته، وَاحْذَرْ أَن تسْتَعْمل على الأَرْض الْكثير خراجها إِلَّا الْبعيد الصَّوْت، الْعَظِيم شرف الْمنزلَة، وَلَا توايّنّ أحدا من قواد جندك الَّذين هم عدَّة للحروب، وجنة من الْأَعْدَاء خراجاً؛ فلعلك تهجم من بَعضهم على خِيَانَة الْأَمْوَال، وتضييع للْعَمَل، فَإِن سوّغته المَال وأغضبت لَهُ عَن التضييع كَانَ ذَلِك إهلاكاً وإضراراً بالرعية وداعية إِلَى فَسَاد غَيره، وَإِن أَنْت كافأته فقد استفدته وأضغنت صَدره، وَهَذَا أَمر توقّيه حزم، والإقدام عَلَيْهِ خرق، وَالتَّقْصِير فِيهِ عجز. وَفِيه: وَاعْلَم أَن من أهل الْخراج من يلجئ بعض أرضه وضياعه إِلَى خَاصَّة الْملك وبطانته لأحد أَمريْن، أَنْت حري بكراهتهما: إِمَّا للامتناع من جور

стр. 1553

الْعمَّال وظلم الْوُلَاة، فَتلك منزلَة يظْهر بهَا سوء أثر الْعمَّال وَضعف الْملك وإخلاله بِمَا تَحت يَده، وَإِمَّا للدَّفْع بِمَا يلْزمهُم من الْحق، وَالْكَسْر لَهُ، فَهَذِهِ خلة يفْسد بهَا أدب الرّعية، وتنتقص بهَا الْأَمْوَال، فاحذر ذَلِك، وعاقب الملجئين والملجأ إِلَيْهِم. وَفِي كتاب للموبذ إِلَى هُرْمُز بن سَابُور: فَأَما وزراء الْملك فَيجب أَن يختارهم من أهل بَيت الوزارة والحسب وَالْعقل وَالصَّلَاح والتجربة والأناة ومحض الطَّاعَة وَشدَّة الاهتمام بصلاح الْخَاصَّة والعامة، وَقلة الشره والحرص على الدُّنْيَا. وَلَا يُؤثر على الْملك قَرِيبا وَلَا بَعيدا، وَلَا يمالئ عَلَيْهِ لرغبة وَلَا رهبة، وَلَا يلتمسه شَيْئا يَرْجُو بِهِ نفعا، أَو يخَاف بِهِ ضراً، وَأَن يُطِيع آراءهم، ويتهم بَعضهم على بعض، وَألا يُطمع أحدا فِي أَعْمَالهم، وَلَا فِي الإصغاء إِلَيْهِ، فَإِن الْوَزير: الناصح أَكثر النَّاس لَهُ عَامَّة وبطانة الْملك قرَابَته خَاصَّة، وَمَا شَيْء أزين للْملك وَلَا أَنْفَع وَلَا أَعُود عَلَيْهِ من الْوَزير الناصح. وَقَالَ أبرويز لوزيره: اكتم السِّرّ، واصدق فِي الحَدِيث، واجتهد فِي النَّصِيحَة، واحترس بالحذر، فعلي أَلا أعجل عَلَيْك حَتَّى أستأني، وَلَا أقدم عَلَيْك حَتَّى أستيقن وَلَا أطمع فِيك فأغتالك. وَقَالَ لكَاتبه: إِنَّمَا الْكَلَام أَرْبَعَة أَقسَام: سؤالك الشَّيْء، وسؤالك عَن الشَّيْء، وامرك بالشَّيْء، وخبرك عَن الشَّيْء، فَهَذِهِ دعائم المقالات، إِن التمس إِلَيْهَا خَامِس لم يُوجد، وَإِن نقص مِنْهَا وَاحِد لم تتيم، فَإِذا طلبت فَأَسْجِحْ، وَإِذا سَأَلت فأوضح، وَإِذا أمرت فاحتم، وَإِذا خبّرت فحقق. وصف رجل أنوشروان فَقَالَ: كَانَ وَالله من أَصْبِر النَّاس، قيل: وَمَا بلغ من صبره؟ فَقَالَ: كَانَ لَهُ كَاتب بليد فَكَانَ يكْتب لَهُ تذكرة بحوائجه فينسى التَّذْكِرَة. يَقُولُونَ: للوزير على الْملك، وللكاتب على الصاحب ثَلَاث خِصَال: رفع الْحجاب عَنهُ، واتهام الوشاة عَلَيْهِ، وإفشاء السِّرّ إِلَيْهِ. وحُكي أَن سَابُور اسْتَشَارَ وزيرين كَانَا لَهُ، فَقَالَ أَحدهمَا: " لَا يَنْبَغِي للْملك أَن يستشير منا أحدا إِلَّا خَالِيا بِهِ، فَإِنَّهُ أصون للسر، وأحزم فِي الرَّأْي، وأدعى

стр. 1554

إِلَى السَّلامَة، وأعفى لبعضنا من غائلة بعض؛ لِأَن الْوَاحِد رهن بِمَا أفشي إِلَيْهِ، وَهُوَ أَحْرَى أَلا يظهره رهبة للْملك، ورغبة إِلَيْهِ، وَإِذا كَانَ عِنْد اثْنَيْنِ فَظهر، دخلت على الْملك الشُّبْهَة، واتسعت على الرجلَيْن المعاريض، فَإِن عاقبهما عاقب اثْنَيْنِ بذنب وَاحِد، وَإِن اتَّهَمَهُمَا اتهمَ بَرِيئًا بِجِنَايَة مجرم، وَإِن عَفا عَنْهُمَا عَفا عَن وَاحِد لَا ذَنْب لَهُ، وَعَن الآخر وَلَا حجَّة عَلَيْهِ ". نُسْخَة عهد أردشير بن بابك إِلَى من يخلفه من بعده من ملك الْمُلُوك أردشير بن بابك إِلَى من يخلفه بعقبه من مُلُوك فَارس السَّلَام والعافية. أما بعد: فَإِن صَنِيع الْمُلُوك على غير صَنِيع الرّعية، فالملك يطيعه الْعِزّ والأمن وَالسُّرُور وَالْقُدْرَة على طباع الأنفة والجرأة والعبث والبطر. ثمَّ لَهُ، كلما ازْدَادَ فِي الْعُمر تنفساً وَفِي الْملك سَلامَة، زِيَادَة فِي هَذِه الطبائع الْأَرْبَعَة حَتَّى تسلمه إِلَى " سُكر السُّلْطَان الَّذِي هُوَ أَشد من سكر الشَّرَاب " فينسى النكبات والعثرات والغِير والدوائر. ويحين تسلط الْأَيَّام ولؤم غلية الدَّهْر، فَيُرْسل يَده بِالْفِعْلِ وَلسَانه بالْقَوْل. وَقد قَالَ الْأَولونَ منا: " عِنْد حسن الظَّن بِالْأَيَّامِ تحدث الْغَيْر ". وَقد كَانَ من الْمُلُوك من يذكرهُ عزه الذل، وأمنه الْخَوْف، وسروره الكآبة، وَقدرته الْعَجز، فَإِذا هُوَ قد جمع بهجة الْمُلُوك، وفكرة السوقة، وَلَا حزم إِلَّا فِي جَمعهمَا. اعلموا أَن الَّذِي أَنْتُم لاقوه بعدِي هُوَ الَّذِي لَقِيَنِي من الْأُمُور، وَهِي بعدِي وَارِدَة عَلَيْكُم بِمثل الَّذِي وَردت بِهِ عليّ، فيأتيكم السرُور والأذى فِي الْملك من حَيْثُ أتياني، وَأَن مِنْكُم من سيركب الْملك صعباً فيُمنى من شماسه وجماحه وخبطه واعتراضه بِمثل الَّذِي منيت بِهِ، وَأَن مِنْكُم من سيرث الْملك عَن الكفاة المذللين لَهُ مركبه، وسيجري على لِسَانه ويلقى فِي قلبه أَن قد فرّغ لَهُ وكفي وَاكْتفى وفرّغ للسعي فِي الْعَبَث والملاهي، وَأَن من قبله من الْمُلُوك إِلَى التوطيد لَهُ أجروا، وَفِي التَّمْكِين لَهُ سعوا، وَأَن قد خص بِمَا حرمُوا، وأُعطي مَا مُنعوا، فيكثر أَن يَقُول مسرّاً ومعلناً، خصوا بِالْعَمَلِ وخصصت بالدعه، وقدّموا قبلي إِلَى الْغرَر وخُلّفت فِي الثِّقَة.

стр. 1555

وَهَذَا الْبَاب من الْأَبْوَاب الَّتِي يكسر بهَا سكور الْفساد، ويهاج بهَا دواهم الْبلَاء، ويعمى الْبَصِير عَن لطيف مَا يُنتهك من الْأُمُور فِي ذَلِك. فَإنَّا قد رَأينَا الْملك الرشيد السعيد الْمَنْصُور المكفي المظفر الحازم فِي الفرضة، الْبَصِير بالعورة، اللَّطِيف للشُّبْهَة، الْمَبْسُوط لَهُ الْعلم والعمر، يجْتَهد فَلَا يعدو إصْلَاح ملكه حَيَاته إِلَّا أَن يتشبه بِهِ متشبه. ورأينا الْملك الْقصير عمره، الْقَرِيبَة مدَّته، إِذا كَانَ سَعْيه بإرسال اللِّسَان بِمَا قَالَ، وَالْيَد بِمَا عملت، بِغَيْر تَدْبِير يدْرك، أفسد جَمِيع مَا قُدم لَهُ من الصّلاح قبله، ويُخلّف المملكة خراباً على من بعده. وَقد علمت أَنكُمْ ستبلون مَعَ الْملك بالأزواج وَالْأَوْلَاد والقرناء والوزراء والأخدان وَالْأَنْصَار وَالْأَصْحَاب والأعوان والمتنصحين والمتقربين والمضحكين والمزينين، وكل هَؤُلَاءِ، إِلَّا قَلِيلا، أَن يَأْخُذ لنَفسِهِ أحب إِلَيْهِ من أَن يعْطى مِنْهَا، وَإِنَّمَا عمله لسوق يَوْمه وحياة غده، فنصيحته الْمُلُوك نصيحة لنَفسِهِ، وَغَايَة الصّلاح عِنْده صَلَاح نَفسه، وَغَايَة الْفساد عِنْده فَسَاد من يَجْعَل نَفسه هِيَ الْعَامَّة، والعامة هِيَ الْخَاصَّة، فَإِن خُص بِنِعْمَة دون النَّاس فَهِيَ عِنْده نعْمَة عَامَّة، وَإِذا عُم النَّاس بالنصر على الْعَدو وَالْعدْل فِي الْبَيْضَة والأمن على الْحَرِيم وَالْحِفْظ للأطراف والرأفة من الْملك والاستقامة من الْملك وَلم يخصص من ذَلِك بِمَا يُرضيه سمى تِلْكَ النِّعْمَة نعْمَة خَاصَّة، ثمَّ أَكثر شكيته الدَّهْر ومذمته الْأُمُور، بقيم للسُّلْطَان سوق الْمَوَدَّة مَا أَقَامَ لَهُ سوق الأرباح، وَلَا يعلم ذَلِك الْوَزير القرين أَن فِي التمَاس الرّيح على السُّلْطَان فَسَاد جَمِيع الْأُمُور. وَقد قَالَ الْأَولونَ منا: " رشاد الْوَالِي خير للرعية من خصب الزَّمَان ". وَاعْلَمُوا أَن الْملك والدّين توأمان، لَا قوام لأَحَدهمَا إِلَّا بِصَاحِبِهِ لِأَن الدّين أس الْملك وعماده، ثمَّ صَار الْملك بعد حارس الدّين، فَلَا بُد للْملك من أسه وَلَا بُد للدّين من حارسه، فَإِن مَا لَا حارس لَهُ ضائع، وَإِن مَا لَا أس لَهُ مهدوم، وَأَن رَأس مَا أَخَاف عَلَيْكُم مبادرة السفلة إيَّاكُمْ إِلَى دراسة الدّين وتأويله والتفقه فِيهِ فتحملكم الثِّقَة بِقُوَّة الْملك على التهاون بهم فَتحدث فِي الدّين رياسات مستسرات فِيمَن قد وترتم وجفوتم وحرمتم وأخفتم وصغّرتم

стр. 1556

من سفلَة النَّاس والرعية وحشو الْعَامَّة. وَلم يجْتَمع رَئِيس فِي الدّين مسر وَرَئِيس فِي الْملك معلن فِي مملكة وَاحِدَة إِلَّا انتزع الرئيس فِي الدّين مَا فِي يَد الرئيس فِي الْملك، لِأَن الدّين أس، والمُلك عماد، وَصَاحب الأس أولى بِجَمِيعِ الْبُنيان من صَاحب الْعِمَاد. وَقد مضى قبلنَا مُلُوك كَانَ الْملك مِنْهُم يتعهد الْجُمْلَة بالتفتيش، وَالْجَمَاعَات بالتفصيل، والفراغ وَكَانُوا بالأشغال، كتعهده جسده بقص فضول الشّعْر وَالظفر، وَغسل الدَّرن والغمر ومداواة مَا ظهر من الأدواء وَمَا بطن. وَقد كَانَ من أُولَئِكَ الْمُلُوك من صِحَة ملكه أحب إِلَيْهِ من صِحَة جسده، وَكَانَ بِمَا يخلّفه من الذّكر الْجَمِيل الْمَحْمُود أفرح وأبهج مِنْهُ بِمَا يسمعهُ بأذنه فِي حَيَاته، فتتابعت تِلْكَ الْأَمْلَاك بذلك كَأَنَّهُمْ ملك وَاحِد، وَكَأن أَرْوَاحهم روح وَاحِدَة، يمكّن أَوَّلهمْ لآخرهم، ويصدّق آخِرهم أَوَّلهمْ، تَجْتَمِع أنباء أسلافهم ومواريث آرائهم وصياغات عُقُولهمْ عِنْد الْبَاقِي مِنْهُم بعدهمْ، فكأنهم جُلُوس مَعَهم يحدثونه، ويشاورونه، حَتَّى كَانَ على رَأس دَارا بن دَارا مَا كَانَ من غَلَبَة الْإِسْكَنْدَر على مَا غلب عَلَيْهِ من مُلكنا، فَكَانَ إفساده أمرّنا، وتفريقه جماعتنا، وتخريبه عمرَان مملكتنا أبلغ لَهُ فِيمَا أَرَادَ من سفك دمائنا، فَلَمَّا أذن الله فِي جمع مملكتنا ودولة أحسابنا كَانَ من ابتعاثة إيانا مَا كَانَ " بِالِاعْتِبَارِ يتّقى العثار " وَمن يخلفنا أوجد للاعتبار منا، لما استدبروا من أَعَاجِيب مَا مرّ علينا. اعلموا أَن سلطانكم إِنَّمَا هُوَ على أجساد الرّعية، وَأَنه لَا سُلْطَان للملوك على الْقُلُوب. وَاعْلَمُوا أَنكُمْ إِن غلبتم النَّاس على مَا فِي أَيْديهم فَلَنْ تغلبوهم على عُقُولهمْ. وَاعْلَمُوا أَن الْعَاقِل المحروم سَالَ عَلَيْكُم لِسَانه، وَهُوَ أقطع سيفيه، وَإِن أَشد مَا يضر بكم من لِسَانه مَا صرف الْحِيلَة فِيهِ إِلَى الدّين، فَكَانَ بِالدّينِ يحْتَج، وللدين فِيمَا يظْهر، يغْضب فَيكون للدّين بكاؤه، وَإِلَيْهِ دعاؤه، ثمَّ هُوَ أوجد للتابعين والمصدقين والمناصحين والموالين والمؤازرين مِنْكُم، لِأَن بغضة النَّاس موكلة بالملوك، ومحبتهم ورحمتهم موكلة بالضعفاء والمغلوبين.

стр. 1557

وَقد كَانَ من قبلنَا من الْمُلُوك يحتالون لعقول من يحذرون، بتخريبها، فَإِن الْعَاقِل لَا تَنْفَعهُ جودة تجربة إِذا صير عقله خرابا، وَكَانُوا يحتالون للطاعنين بِالدّينِ على الْمُلُوك فيسمونهم بالمبتدعين، فَيكون الدّين هُوَ الَّذِي يقتلهُمْ ويربح الْمُلُوك مِنْهُم. وَلَا يَنْبَغِي للْملك أَن يعْتَرف للعبّاد والنسّاك والمتبتلين أَن يَكُونُوا أولى بِالدّينِ وَلَا أحدب عَلَيْهِ وَلَا أغضب لَهُ مِنْهُ. وَلَا يَنْبَغِي للْملك أَن يدع النسّاك بِغَيْر الْأَمر وَالنَّهْي لَهُم فِي نسكهم وَدينهمْ، فَإِن خُرُوج النساك وَغير النساك من الْأَمر وَالنَّهْي عيب على الْمُلُوك وعيب على المملكة، وثلمة يستبينها النَّاس بَيِّنَة الضَّرَر للْملك وَلمن بعده. وَاعْلَمُوا أَن تصبر الْوَالِي على غير أخدانه وتقريبه غير وزرائه فتح لأبواب مَحْجُوب عَنهُ علمهَا. وَقد قيل: " إِذا استوحش الْوَالِي مِمَّن لم يوطن نَفسه عَلَيْهِ أطبقت عَلَيْهِ ظلم الْجَهَالَة ". وَقيل: " إِن أخوف مَا يكون الْعَامَّة آمن مَا يكون الوزراء ". اعلموا أَن دولتكم تُؤْتى من مكانين: أَحدهمَا، غَلَبَة بعض الْأُمَم الْمُخَالفَة لكم، وَالْآخر فَسَاد دينكُمْ، وَلنْ يزَال حريمكم من الْأُمَم محروساً ودينكم من غَلَبَة الْأَدْيَان مَحْفُوظًا مَا عظّمت فِيكُم الْوُلَاة، وَلَيْسَ تعظيمهم بترك كَلَامهم، وَلَا إجلالهم بالتنحي عَنْهُم وَلَا الْمحبَّة لَهُم بالمحبة لكل مَا يحبونَ، وَلَكِن تعظيمهم تَعْظِيم أديانهم وعقولهم، وإجلالهم إجلال مَنْزِلَتهمْ من الله جلّ وَعز، ومحبتهم محبَّة إصابتهم وحكاية الصَّوَاب عَنْهُم. وَاعْلَمُوا أَنه لَا سَبِيل إِلَى أَن يعظّم الْوَالِي إِلَّا بالإصابة فِي السياسة، وَرَأس إِصَابَة السياسة أَن يفتح الْوَالِي لمن قبله من الرّعية بَابَيْنِ: احدهما، بَاب رقة وَرَحْمَة ورأفة وبذل وتحنن وإلطاف ومواتاة ومواساة وَبشر وتهال وانبساط وانشراح، وَالْآخر، بَاب غلظة وخشونة وتعنت وَشدَّة وإمساك ومباعدة وإقصاء، وَمُخَالفَة وَمنع وقطوب وانقباض ومحقرة إِلَى أَن يبلغ الْقَتْل.

стр. 1558

وَاعْلَمُوا أَنِّي لم أسم هذَيْن الْبَابَيْنِ بَاب رفق وَبَاب عنف، وَلَكِنِّي سميتهما جَمِيعًا بَابي رفق؛ لِأَن فتح بَاب الْمَكْرُوه مَعَ بَاب السرُور هُوَ أوشك لإغلاقه حَتَّى لَا يبتلى بِهِ أحد. وَاعْلَمُوا أَن فِي الرّعية من الْأَهْوَاء الغالية للرأي، والفجور المستثقل للدّين، والسفلة الحنقة على الْوُجُوه بالنفاسة والحسد مَا لَا بُد مَعَه أَن يقرن بِبَاب الرأفة بَاب الغلظة، وبباب الاستبقاء بَاب الْقَتْل. وَاعْلَمُوا أَن الْوَالِي قد يفْسد بعض الرّعية من حرصه على صَلَاحهَا، أَو قد يغلظ عَلَيْهَا من شدَّة رقته لَهَا، وَقد يقتل مِنْهَا من حرصه على حَيَاتهَا. وَاعْلَمُوا أَن قتالكم الْأَعْدَاء من الْأُمَم قبل قتالكم الْأَدَب من أنفس رعيتكم لَيْسَ بِحِفْظ وَلكنه إِضَاعَة، وَكَيف يُجَاهد الْعَدو بقلوب مُخْتَلفَة وأيد متعادية؟ وَقد علمْتُم أَن الَّذِي بني عَلَيْهِ النَّاس وجبلت عَلَيْهِ الطباع حب الْحَيَاة وبغض الْمَوْت، وَإِن الْحَرْب تبَاعد من الْحَيَاة، وتدني من الْمَوْت، فَلَا دفع وَلَا منع وَلَا صَبر وَلَا محاماة مَعَ هَذَا إِلَّا بِأحد وَجْهَيْن: إِمَّا بنية، وَالنِّيَّة مَا لَا يقدر عَلَيْهِ الْوَالِي عِنْد النَّاس بعد النِّيَّة الَّتِي تكون فِي أول الدولة، وَإِمَّا بِحسن الْأَدَب وإصابة السياسة. وَاعْلَمُوا أَن بَدْء ذهَاب الدولة إِنَّمَا يبْدَأ من قبل إهمال الرّعية بِغَيْر أشغال مَعْرُوفَة وَلَا أَعمال مَعْلُومَة، فَإِذا فَشَا الْفَرَاغ تولّد مِنْهُ النّظر فِي الْأُمُور والفكر فِي الْأُصُول، فَإِذا نظرُوا فِي ذَلِك نظرُوا فِيهِ بطبائع مُخْتَلفَة، فتختلف بهم الْمذَاهب، ويتولد من اخْتِلَاف مذاهبهم تعاديهم وتضاغنهم، وهم فِي ذَلِك مجتمعون فِي اخْتلَافهمْ على بغض الْمُلُوك؛ لِأَن كل صنف مِنْهُم إِنَّمَا يجْرِي إِلَى فجيعة الْملك الَّذِي يملكهُ، وَلَكنهُمْ لَا يَجدونَ سلما إِلَى ذَلِك أوثق من الدّين، وَلَا أَكثر أتباعاً، وأعز امتناعا، وَلَا أَشد على النَّاس صبرا، ثمَّ يتَوَلَّد من تعاديهم أَن الْملك لَا يَسْتَطِيع جمعهم على هوى وَاحِد، فَإِذا انْفَرد ببعضهم فَهُوَ عَدو لبَعض. ثمَّ يتَوَلَّد من تعاديهم وعداوتهم للْملك كثرتهم، فَإِن من شَأْن الْعَامَّة الِاجْتِمَاع على الاستثقال للولاة والنفاسة عَلَيْهِم، لِأَن فِي الرّعية المحروم

стр. 1559

والمضروب وَالْمقَام عَلَيْهِ وَفِيه وَفِي حميمه الْحُدُود، والداخل عَلَيْهِ بعز الْملك الذل فِي نَفسه وخاصته، فَكل هَؤُلَاءِ يجْرِي إِلَى مُتَابعَة أَعدَاء الْملك، ثمَّ يتَوَلَّد من كثرتهم أَن يجبن الْملك على الْإِقْدَام عَلَيْهِم؛ فَإِن إقدام الْملك على جَمِيع الرّعية تغرير بِملكه وَنَفسه، ويتولد من جبن الْوُلَاة عَن تَأْدِيب الْعَامَّة تَضْييع الثغور الَّتِي فِيهَا الأهم من ذَوي الدّين وَذَوي الْبَأْس؛ لِأَن الْملك إِذا سد الثغور بِخَاصَّة المناصحين لَهُ وخلت بِهِ الْعَامَّة الحاسدة والمعادية، لم يعد بذلك تدريبهم فِي الْحَرْب وتقويتهم فِي السِّلَاح، وتعليمهم المكيدة مَعَ البغضة، فهم عِنْد ذَلِك أقوى عَدو وأخفره وأخلفه للظفر، وَلَا بُد من استطراد هَذَا كُله إِذا ضيّع أَوله. فَمن ألغى مِنْكُم الرّعية بعدِي وَهِي على حَال أقسامها الْأَرْبَعَة - الَّتِي هِيَ: أَصْحَاب الدّين وَالْحَرب وَالتَّدْبِير والخدمة. من ذَلِك: الأساورة صنف، والعبّاد والنسّاك وسدنة النيرَان صنف، والكتّاب والمنجمون صنف والأطباء صنف، والزرّاع والمهّان والتجار صنف. فَلَا يكونن بإصلاح جسده أَشد اهتماماً مِنْهُ بإحياء تِلْكَ الْحَال، وتفتيش مَا يحدث فِيهَا من الدخلات؛ فَلَا يكونن لانتقاله عَن الْملك بأجزع مِنْهُ لانتقال صنف من هَذِه الْأَصْنَاف إِلَى غير مرتبته؛ لِأَن تنقل النَّاس عَن مَرَاتِبهمْ سريع فِي نقل الْملك عَن ملكه، إِمَّا إِلَى خلع وَإِمَّا إِلَى قتل؛ فَلَا يكونن من شَيْء من هَذِه الْأَشْيَاء بأوحش مِنْهُ من رَأس صَار ذَنبا، وذنب صَار رَأْسا، أَو يَد مَشْغُولَة أُحدثت فراغاً، أَو كهيم صَار ضريرا، أَو لئيم مرج. فَإِنَّهُ يتَوَلَّد من تنقل النَّاس عَن حالاتهم أَن يلْتَمس كل امْرِئ مِنْهُم فَوق مرتبته، فَإِذا انْتقل عَنْهَا أوشك أَن يرى أَشْيَاء أرفع مِمَّا انْتقل إِلَيْهِ فيغبط أَو ينافس فِيهِ. وَقد علمْتُم أَن من الرّعية أَقْوَامًا هم أقرب النَّاس إِلَى الْمُلُوك حَالا، وَفِي تنقل النَّاس عَن حالاتهم مطمعة للَّذين يلون الْمُلُوك فِي الْملك، ومطمعة للَّذين دون الَّذين يلون الْمُلُوك فِي تِلْكَ الْحَال، وَهَذَا لقاح بوار الْملك.

стр. 1560

وَمن ألْقى مِنْكُم الرّعية وَقد أضيع أول أمرهَا فألفاها فِي اخْتِلَاف من الدّين، وَاخْتِلَاف من الْمَرَاتِب وضياع من الْعَامَّة، وَكَانَت بِهِ على المكاثرة قُوَّة فليكاثر بقوته ضعفهم، وليبادر بِالْأَخْذِ بأكظامهم قبل أَن يبادروا بِالْأَخْذِ بكظمه، وَلَا يَقُولَن أَخَاف العسف، فَإِنَّمَا يخَاف العسف - من يخَاف جريرة العسف - على نَفسه، وَأما إِذا كَانَ العسف لبَعض الرّعية صلاحاً لبقيتها، وراحة لَهُ وَلمن بَقِي مَعَه من الرّعية من النغل والدغل وَالْفساد فَلَا يكونن إِلَى شَيْء بأسرع مِنْهُ إِلَى ذَلِك، فَإِنَّهُ لَيْسَ نَفسه يعسف، وَلَا أهل مُوَافَقَته يعسف ولكنما يعسف عدوه. وَمن ألغى مِنْكُم الرّعية فِي حَال فَسَادهَا، وَلم ير بِنَفسِهِ عَلَيْهَا قُوَّة فِي صَلَاحهَا، فَلَا يكونن لقميص قمل بأسرع خلعاً مِنْهُ لما لبس من ذَلِك الْملك، وليأته الْبَوَار، إِذا أَتَاهُ، وَهُوَ غير مَذْكُور بشؤم وَلَا منوّه بِهِ فِي دناءة، وَلَا مهتوك بِهِ ستر مَا فِي يَدَيْهِ. وَاعْلَمُوا أَن فِيكُم من يستريح إِلَى اللَّهْو والدعة ثمَّ يديم من ذَلِك مَا يورّثه خلقا وَعَادَة فَيكون ذَلِك لقاح جد لَا لَهو فِيهِ، وتعب لَا خفض مَعَه، مَعَ الهجنة فِي الرَّأْي، والفضيحة فِي الذّكر، وَقد قَالَ الْأَولونَ منا: " لَهو رعية الصدْق بتقريظ الْمُلُوك وَلَهو مُلُوك الصدْق بالتودد إِلَى الرّعية ". وَاعْلَمُوا أَنه من شَاءَ مِنْكُم أَلا يسير بسيرة إِلَّا قُرّظت عَلَيْهِ فعل، وَمن شَاءَ مِنْكُم بعث الْعُيُون على نَفسه فأزكاها فَلم يكن النَّاس بِعَيْب نُفُوسهم بِأَعْلَم مِنْهُم بِعَيْبِهِ فعل. ثمَّ أَنه لَيْسَ مِنْكُم ملك إِلَّا كثير الذّكر لمن يَلِي الْأَمر بعده. وَمن فَسَاد الرّعية نشر أُمُور وُلَاة العهود، فَإِن فِي ذَلِك من الْفساد أَن أولّه دُخُول عَدَاوَة ممضة بَين الْملك ووليّ عَهده، وَلَيْسَ يتعادى متعاديان بأشد من أَن يسْعَى كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي قطع سؤل صَاحبه، وَهَكَذَا الْملك ووليّ عَهده، لَا يسر الأرفع أَن يُعْطي الأوضع سؤله فِي فنائه، وَلَا يسر هَذَا الأوضع أَن يُعْطي الآخر سؤله فِي الْبَقَاء، وَمَتى كَانَ فَرح أَحدهمَا فِي الرَّاحَة من صَاحبه تدخل فِي كل وَاحِد وَحْشَة من صَاحبه فِي طَعَامه وَشَرَابه، وَمَتى تباينا بالتهمة يتَّخذ كل

стр. 1561

وَاحِد أحباء وأخداناً وَأهلا، ثمَّ يدْخل كل وَاحِد مِنْهُمَا وغر على أحباء صَاحبه، ثمَّ تنساق الْأُمُور إِلَى إهلاك أَحدهمَا لما لَا بُد لَهُ من الفناء، فتفضي الْأُمُور إِلَى الآخر وَهُوَ حنق على جيل من النَّاس يرى أَنه موتور إِن لم يحرمّهم ويضعهم وَينزل بهم الَّتِي كَانُوا يريدونها بِهِ، لَو ولوّا، فَإِذا وضع بعض الرّعية وأسخط بَعْضًا على هَذِه الْجِهَة تولّد من ذَلِك ضغن وَسخط من الرّعية، ثمَّ ترامى ذَلِك إِلَى بعض مَا أحذر عَلَيْكُم بعدِي. وَلَكِن لينْظر الْوَالِي مِنْكُم لله تَعَالَى ثمَّ للرعية ثمَّ لنَفسِهِ، ثمَّ لينتخب وليا للْعهد من بعده، ثك يكْتب اسْمه فِي أَربع صَحَائِف فيختمها بِخَاتمِهِ فَيَضَعهَا عِنْد أربعو نفر من خِيَار أهل المملكة، ثمَّ لَا يكون مِنْهُم فِي سر وَلَا عَلَانيَة أَمر يسْتَدلّ بِهِ على وليّ ذَلِك الْعَهْد، لَا فِي إدناء وتقريب يعرف بِهِ، وَلَا فِي إقصاء وتنكب يستراب لَهُ، وليتق ذَلِك فِي اللحظة والكلمة، فَإِذا هلك جُمعت تِلْكَ الْكتب الَّتِي عِنْد الرَّهْط الْأَرْبَعَة إِلَى النُّسْخَة الَّتِي عِنْد الْملك، ففضضن جَمِيعًا ثمَّ نوّه بِالَّذِي وضح اسْمه فِي جَمِيعهنَّ. يلقى الْملك، إِذا لقِيه، بحداثة عَهده بِحَال السوقة، فيلبس ذَلِك الْملك، إِذا لبسه، على بصر السوقة وسمعها ورأيها - أُذُنه -، فَإِن فِي سكر السُّلْطَان الَّذِي يَنَالهُ مَا يُكتفى بِهِ لَهُ من سكر ولَايَة الْعَهْد مَعَ سكر الْملك، فيصم ويعمى قبل لِقَاء الْملك كصم الْمُلُوك وعماهم، ثمَّ يلقى الْملك فيزيده صمًّا وعمى مَعَ مَا يلقى فِي ولَايَة الْعَهْد من بطر السُّلْطَان وحيلة العتاة وبغي الْكَذَّابين وترقية النمامين، وتحميل الوشاة بَينه وَبَين من فَوْقه. ثمَّ اعلموا أَنه لَيْسَ للْملك أَن يكذب؛ لِأَنَّهُ لَا يقدر أحد على استكراهه. وَلَيْسَ لَهُ أَن يلْعَب وَلَا يعبث، لِأَن الْعَبَث واللعب من عمل الْفَرَاغ، وَلَيْسَ لَهُ أَن يفرغ، لِأَن الْفَرَاغ من عمل السوقة، وَلَيْسَ لَهُ أَن يحْسد؛ لِأَن الْحَسَد لَا يجب أَن يكون إِلَّا على مُلُوك الْأُمَم على حسن التَّدْبِير، وَلَيْسَ لَهُ أَن يخَاف، لِأَن الْخَوْف من المعوز. وَلَيْسَ لَهُ أَن يتسلط إِن هُوَ أعوز. وَاعْلَمُوا أَن زين الْملك فِي استقامة الْحَال أَلا تخْتَلف مِنْهُ سَاعَات الْعَمَل والمباشرة وساعات الْفَرَاغ والدعة وساعات الرّكُوب والنزهة، فَإِن اختلافها مِنْهُ خفَّة، وَلَيْسَ للْملك أَن يخف.

стр. 1562

وَاعْلَمُوا انكم لن تقدروا على ختم أَفْوَاه النَّاس من الطعْن والإزراء عَلَيْكُم، وَلَا قدرَة بكم على أَن تجْعَلُوا الْقَبِيح حسنا. وَاعْلَمُوا أَن لِبَاس الْملك ومطعمه مقارب للباس السوقة ومطعمهم، وبالحري أَن يكون فرحهما بِمَا نالا من ذَلِك وَاحِدًا، وَلبس فضل الْملك على السوقة إِلَّا بقدرته على اقتناء المحامد واستفادة المكارم، فَإِن الْملك إِذا شَاءَ أحسن وَلَيْسَ السوقة كَذَلِك. وَاعْلَمُوا انه يحِق على الْملك مِنْكُم أَن يكون ألطف مَا يكون نظرا، أعظم مَا يكون خطراً، وَألا يذهب حسن أَثَره فِي الرّعية خَوفه لَهَا، وَألا يَسْتَغْنِي بتدبيره الْيَوْم عَن تَدْبِير غَد، وَأَن يكون حذره للملاقين أَشد من حذره للمباعدين وَأَن يَتَّقِي بطانة السوء أَشد من اتقائه عَامَّة السوء. " وَلَا يطمعنّ ملك فِي إصْلَاح الْعَامَّة إِذا لم يبْدَأ بتقويم الْخَاصَّة ". وَاعْلَمُوا أَن لكل ملك بطانة، وَأَن لكل رجل من بطانته بطانة، ثمَّ لكل امْرِئ من بطانة البطانة بطانة، - حَتَّى يجْتَمع فِي ذَلِك جَمِيع أهل المملكة، فَإِذا أَقَامَ الْملك بطانته - على حَال الصَّوَاب أَقَامَ كل امْرِئ مِنْهُم بطانته على مثل ذَلِك، حَتَّى تَجْتَمِع على الصّلاح عَامَّة الرّعية. وَاعْلَمُوا أَن الْملك مِنْكُم قد تهون عَلَيْهِ الْعُيُوب؛ لِأَنَّهُ لَا يُستقبلُ بهَا، وَإِن عَملهَا، حَتَّى يرى أَن النَّاس يتكاتمونها بَينهم كتكاتمهم إِيَّاه تِلْكَ الْعُيُوب، وَهَذَا من الْأَبْوَاب الداعية إِلَى طَاعَة الْهوى، وَطَاعَة الْهوى دَاعِيَة إِلَى غلبته " فَإِذا غلب الْهوى اشْتَدَّ علاجه من السوقة المغلوبة فضلا عَن الْملك الْغَالِب ". اتَّقوا بَابا وَاحِدًا طالما أمنته فضرني، وحذرته فنفعني، احْذَرُوا إفشاء السِّرّ عِنْد الصغار من أهليكم وخدمكم؛ فَإِنَّهُ لَا يصغر أحد مِنْهُم عَن حمل ذَلِك السِّرّ إِلَّا ضيّع مِنْهُ شَيْئا يَضَعهُ حَيْثُ تَكْرَهُونَ، إِمَّا سقطا وَإِمَّا عَبَثا، والسقط أَكثر ذَلِك. اجعلوا حديثكم لأهل الْمَرَاتِب، وحباءكم لأهل الْجِهَاد، وبشركم لأهل الدّين، وسركم عِنْد من يلْزمه خير ذَلِك وشره، وزينة وشينة.

стр. 1563

وَاعْلَمُوا أَن " صِحَة الظنون مَفَاتِيح الْيَقِين " وأنكم ستستيقنون من بعض رعيتكم بِخَير وَشر، وستظنون ببعضهم خيرا وشراً، فَمن استيقنتم مِنْهُ الْخَيْر وَالشَّر فليستيقن مِنْكُم بهما. وَمن ظننتموهما بِهِ فليظنهما بكم فِي أمره، فَعِنْدَ ذَلِك يَبْدُو من المحسن إحسانه، فيخالف الظَّن بِهِ فيغتبط وَمن الْمُسِيء إساءته فيصدّق الظَّن بِهِ فيندم. وَاعْلَمُوا أَن للشَّيْطَان فِي سَاعَات من الدَّهْر طَمَعا فِي السُّلْطَان عَلَيْكُم: مِنْهَا سَاعَة الْغَضَب والحرص والزهو، فَلَا تَكُونُوا لَهُ فِي شَيْء من سَاعَات الدَّهْر أَشد قتالاً مِنْكُم عِنْدهن حَتَّى تنقشعن. وَكَانَ يُقَال: " اتَّقِ مقارفة الْحَرِيص الْقَادِر؛ فَإِنَّهُ إِن رآك فِي الْقُوت رأى مِنْك أَخبث حالاتك، وَإِن رآك فِي الفضول لم يدعك وفضولك ". اسْتَعِينُوا بِالرَّأْيِ على الْهوى فَإِن ذَلِك تمْلِيك للرأي على الْهوى. وَاعْلَمُوا أَن من شَأْن الرَّأْي الاستخذاء للهوى، إِذا جرى الْهوى على عَادَته، وَقد عرفنَا رجَالًا كَانَ الرجل مِنْهُم يؤنس من قُوَّة طباعه ونبالة رَأْيه مَا تريه نَفسه أَنه على إزاحة الْهوى عَنهُ - وَإِن جرى على عَادَته، ومعاودته الرَّأْي وَإِن طَال بِهِ عَهده - قَادر، لثقة يجدهَا بِقُوَّة الرَّأْي، فَإِذا تمكن الْهوى مِنْهُ فسخ عزم رَأْيه، حَتَّى يُسَمِّيه كثير من النَّاس نَاقِصا فِي الْعقل، فَأَما البصراء فبستبينون من عقله عِنْد غَايَة الْهوى عَلَيْهِ مَا يستبان من الأَرْض الطّيبَة الْموَات. وَاعْلَمُوا أَن فِي الرّعية صنفا من النَّاس هم بإساءة الْوَالِي أفرح مِنْهُم بإحسانه وَإِن كَانَ الْوَالِي لم يترهم، وَكَانَ الزَّمَان لم ينكبهم، وَذَلِكَ لاستطراف حادثات الْأَخْبَار فَإِن استطراف الْأَخْبَار مَعْرُوف من أَخْلَاق حَشْو النَّاس، ثمَّ لَا طرفَة عِنْدهم إِلَّا فِيمَا اشْتهر؛ فَجمعُوا فِي ذَلِك سرُور كل عَدو لَهُم ولعامتهم مَعَ مَا وتروا بِهِ أنفسهم وولاتهم. فَلَا دَوَاء لأولئك إِلَّا بالأشغال.

стр. 1564

وَفِي الرّعية صنف وتروا النَّاس كلهم، وهم الَّذين قووا على جفوة الْوُلَاة، وَمن قوي على جفونهم فَهُوَ غير سَاد ثغرا، وَلَا مناصح إِمَامًا، وَمن غش الإِمَام فقد غش النَّاس طرا وَإِن ظن أَنه للعامة مناصح. وَكَانَ يُقَال: " من لم ينصح عملا من غش عَامله ". وَفِي الرّعية صنف تركُوا إتْيَان الْمُلُوك من قبل أَبْوَابهم وأتوهم من قبل وزرائهم، فَليعلم الْملك مِنْكُم أَنه من أَتَاهُ من قبل بَابه فقد آثره بنصيحة إِن كَانَت عِنْده، وَمن اتاه من قبل وزرائه فَهُوَ مُؤثر للوزير على الْملك فِي جَمِيع مَا يَقُول وَيفْعل. وَفِي الرّعية صنف دعوا إِلَى أنفسهم الجاه بالأياء وَالرَّدّ لَهُ ووجدوا ذَلِك عِنْد المغفلين نافقاً، وَرُبمَا قرّب الْملك الرجل من أُولَئِكَ لغير نبل فِي رَأْي، وَلَا إِجْزَاء فِي الْعَمَل، وَلَكِن الأياء وَالرَّدّ أغرباه. وَفِي الرّعية صنف أظهرُوا التَّوَاضُع واستشعروا الْكبر، فالرجل مِنْهُم يعظ الْمُلُوك زارياً عَلَيْهِم بِالْمَوْعِظَةِ، يعْتد ذَلِك تقربّاً إِلَيْهِم، ويتخذ ذَلِك أسهل طريقي طعنه عَلَيْهِم: ويسمّى ذَلِك هُوَ وَكثير مِمَّن مَعَه تحرياً للدّين؛ فَإِذا أَرَادَ الْملك هوانهم لم يعرف لَهُم ذَنبا يهانون عَلَيْهِ، وَإِذا أَرَادَ إكرامهم فَهِيَ منزلَة حبوا بهَا أنفسهم على رغم الْمُلُوك، وَإِن أَرَادَ إسكاتهم كَانَ السماع فِي ذَلِك أَنه استثقل مَا عِنْدهم من حفظ الدّين، وَإِن أمروا بالْكلَام قَالُوا: إِنَّمَا نفسد وَلَا نصلح، فَأُولَئِك أَعدَاء الدول وآفات الْمُلُوك: فَالرَّأْي للملوك تقريبهم من الدُّنْيَا، فَإِنَّهُم إِلَيْهَا أجروا، وفيهَا عمِلُوا، وَلها سعوا، وَإِيَّاهَا أَرَادوا، فَإِذا تلوثوا بهَا بَدَت فضائحهم، وَإِن امْتَنعُوا مِمَّا فِي أَيدي الْمُلُوك فَإِن فِيمَا يحدثُونَ مَا يَجْعَل للملوك سلّماً إِلَى سفك دِمَائِهِمْ. وَكَانَ بعض الْمُلُوك يَقُول: " الْقَتْل أقل للْقَتْل ". وَفِي الرّعية صنف أَتَوا الْمُلُوك من قبل النصائح لَهُم، والتمسوا إصْلَاح مَنَازِلهمْ بإفساد منَازِل النَّاس، فَأُولَئِك أَعدَاء النَّاس، وأعداء الْمُلُوك " وَمن عادى الْمُلُوك وَجَمِيع النَّاس والرعية فقد عادى نَفسه ".

стр. 1565

وَاعْلَمُوا أَن الدَّهْر حاملكم على طَبَقَات: مِنْهُنَّ حَال السخاء حَتَّى تَدْنُو من السَّرف، ومنهن حَال التَّقْدِير حَتَّى تقرب من الْبُخْل، ومنهن حَال الأناة حَتَّى تصير إِلَى البلادة، ومنهن حَال المناهزة للفرصة حَتَّى تدنوا من الخفة، ومنهن حَال الطلاقة فِي اللِّسَان حَتَّى تَدْنُو من الهذر، ومنهن حَال الْأَخْذ بِحكم الصمت حَتَّى تَدْنُو من العي. فالملك مِنْكُم جدير أَن يبلغ من كل طبقَة من محاسنها حَدهَا، فَإِذا وقف على الْحُدُود الَّتِي وَرَاءَهَا سرف ألْجم نَفسه عَمَّا وَرَاءَهَا. وَاعْلَمُوا أَن الْملك مِنْكُم ستعرض لَهُ شهوات فِي غير ساعاتها، وَالْملك إِذا قدّر سَاعَة الْعَمَل، وَسَاعَة الْفَرَاغ وَسَاعَة المشرب، وَسَاعَة الْمطعم، وَسَاعَة الفضلة، وَسَاعَة اللَّهْو، كَانَ جَدِيرًا أَلا يعرف مِنْهُ الاستقدام بالأمور وَلَا الاستئخار بهَا عَن ساعاتها، فَإِن اخْتِلَاف ذَلِك يُورث مضرتين: إِحْدَاهمَا، السخف، وَهِي أَشد الْأَمريْنِ، وَالْأُخْرَى، نقض الْجَسَد بِنَقْض أقواته وحركاته. وَاعْلَمُوا أَن من ملوككم من سَيَقُولُ: لي الْفضل على من كَانَ من قبلي من آبَائِي وعمومتي وَمن ورثت عَنهُ هَذَا الْأَمر؛ لبَعض الْإِحْسَان يكون مِنْهُ، فَإِذا قَالَ ذَلِك سوعد عَلَيْهِ بالمتابعة لَهُ، فَليعلم ذَلِك الْملك أَنه والمتابعين لَهُ إِنَّمَا وضعُوا أَيْديهم وألسنتهم فِي قصب آبَائِهِ من الْمُلُوك وهم لَا يَشْعُرُونَ، وبالحري أَن يشْعر بعض المتابعين لَهُ فيغمض على مَا لَا يحزنهُ من ذَلِك. وَاعْلَمُوا أَن ابْن الْملك وأخاه وَابْن أَخِيه وَعَمه وَابْن عَمه يَقُول: كدت أكون ملكا، وبالحري أَلا أَمُوت حَتَّى أكون ملكا، فَإِذا قَالَ ذَلِك قَالَ مَا لَا يسر الْملك، فَإِن كتمه " فالداء فِي كل مَكْتُوم " وَإِن أظهره كلم ذَلِك فِي قلب الْملك كلما يكون لقاحاً للتباين والتعادي، وسيجد ذَلِك الْقَائِل، من المتابعين والمحتملين والمنمنمين مَا تمنى لنَفسِهِ مَا يزِيدهُ إِلَى مَا اشتاق إِلَيْهِ شوقاً، فَإِذا تمكن فِي صَدره الأمل لم يرج النّيل إِلَّا فِي اضْطِرَاب من الْحِيَل وزعزة تدخل على الْملك وَأهل المملكة، فَإِذا تمنى ذَلِك فقد جعل الْفساد سلّماً إِلَى الصّلاح، وَلم يكن الْفساد سلّماً إِلَى صَلَاح قطّ: وَقد رسمت لكم فِي ذَلِك مِثَالا لَا مخرج لكم من هَذَا إِلَّا بِهِ.

стр. 1566

اجعلوا الْملك لَا يَنْبَغِي إِلَّا لأبناء الْمُلُوك من بَنَات عمومتهم، وَلَا يصلح من أَوْلَاد بَنَات الْعم إِلَّا كَامِل غير سخيف الْعقل، وَلَا عَازِب الرَّأْي، وَلَا نَاقص الْجَوَارِح، وَلَا معتوب عَلَيْهِ فِي الدّين؛ فَإِنَّكُم إِذا فَعلْتُمْ ذَلِك قلّ طلاب الْملك، وَإِذا قلّ طلابه استراح كل امْرِئ إِلَى مَا يَلِيهِ، وَنزع إِلَى جديلته، وَعرف حَاله، وغض بَصَره، وَرَضي بمعيشته، واستطاب زَمَانه. وَاعْلَمُوا أَنه سَيَقُولُ قَائِل من عرض رعيتكم أَو من ذَوي قرابتكم: مَا لأحد عليّ فضل لَو كَانَ لي ملك، فَإِذا قَالَ ذَلِك فقد تمنى الْملك وَهُوَ لَا يشْعر، ويوشك أَن يتمناه بعد ذَلِك وَهُوَ يشْعر، فَلَا يرى ذَلِك من رَأْيه خطلاً، وَلَا من فعله زللا، وَإِنَّمَا يسْتَخْرج ذَلِك فرَاغ الْقلب وَاللِّسَان مِمَّا يُكَلف أهل الدّين والكتّاب والحسّاب، أَو فرَاغ الْيَد مِمَّا يُكَلف الأساورة، أَو فرَاغ الْبدن مِمَّا يكلّف التُّجَّار والمهنة والخدم. وَاعْلَمُوا أَنا على فضل قوتنا، وَإجَابَة الْأُمُور إياناً، وَجدّة دولتنا، وَشدَّة بَأْس أنصارنا، وَحسن نِيَّة وزرائنا لم نستطع إحكام تفتيش النَّاس حَتَّى بلغنَا من الرّعية مَكْرُوها، وَمن أَنْفُسنَا مجهودها. وَاعْلَمُوا أَن الْملك ورعيته جَمِيعًا يحِق عَلَيْهِم أَلا يكون للفراغ عِنْدهم مَوضِع " فَإِن التضييع فِي فرَاغ الْملك، وَفَسَاد المملكة فِي فرَاغ الرّعية ". وَاعْلَمُوا أَنه لَا بُد من سخط سيحدث مِنْكُم على بعض إخْوَانكُمْ المعروفين بِالنَّصِيحَةِ لكم، وَلَا بُد من رضى سيحدث لكم على بعض أعدائكم المعروفين بالغش لكم، فَلَا تُحدثوا، عِنْدَمَا يكون من ذَلِك، انقباضاً عَن الْمَعْرُوف بِالنَّصِيحَةِ، وَلَا استرسالاً إِلَى الْمَعْرُوف بالغش. وَقد خلّفت لكم رَأْيِي إِذْ لم أستطع تخليف بدني، وَقد حبوتكم بِمَا حبوت بِهِ نَفسِي، وقضيت حقكم فِيمَا آسيتكم بِهِ من رَأْيِي، فاقضوا حَقي بالتشفيع لي فِي صَلَاح أَنفسكُم والتمسك بعهدي إِلَيْكُم، فَإِنِّي قد عهِدت إِلَيْكُم عهدي وَفِيه صَلَاح جَمِيع ملوككم وعامتكم وخاصتكم، وَلنْ تضيعوا مَا احتفظتم بِمَا رسمت لكم مَا لم تضعوا غَيره، فَإِذا تمسكتم بِهِ كَانَ عَلامَة فِي بقائكم مَا بَقِي الدَّهْر.

стр. 1567

وَلَوْلَا الْيَقِين بالبوار النَّازِل على رَأس الْألف من السنين لظَنَنْت أَنْت قد خلّفت فِيكُم مَا إِن تمسكتم بِهِ كَانَ عَلامَة فِي بقائكم مَا بَقِي الدَّهْر، وَلَكِن الفناء إِذا جَاءَت أَيَّامه أطعتم أهواءكم، واستثقلتم ولاتكم، وأمنتم، وتنقلتم عَن مراتبكم، وعصيتم خياركم، وَكَانَ أَصْغَر مَا تخطئون فِيهِ سلّماً إِلَى أكبر مِنْهُ حَتَّى تفتقوا مَا رتقنا، وتُضيعوا مَا حفظنا. وَالْحق علينا وَعَلَيْكُم أَلا تَكُونُوا للبوار أغراضاً، وَفِي الشؤم أعلاما، فَإِن الدَّهْر إِذا أَتَى بِالَّذِي تنتظرون اكْتفى بوحدته. وَنحن نَدْعُو الله تَعَالَى لكم بنماء الْمنزلَة، وَبَقَاء الدولة، دَعْوَة لَا يفنيها فنَاء قَائِلهَا، وَلَا يُميتها موت داعيها حَتَّى المُنقلب، ونسأل الله الَّذِي عجّل بِنَا وأخّركم، وقدّمنا وخلّفكم، أَن يرعاكم رِعَايَة يرْعَى بهَا من تَحت أَيْدِيكُم، وَأَن يرفعكم رفْعَة يضع بهَا من عاداكم، وَأَن يكرمكم كَرَامَة يُهين بهَا من ناوأكم، ونستودعكم الله الْعَظِيم وَدِيعَة يكفيكم بهَا الدَّهْر الَّذِي يُسلمكم وباله وَغَيره وعثراته وغدراته وَالسَّلَام على أهل الْمُوَافقَة مِمَّن يَأْتِي عَلَيْهِ الْعَهْد من الْأُمَم الكائنة بعدِي.

стр. 1568

الْبَاب الرَّابِع مواعظ ونكت للزهاد قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز لبَعْضهِم: " إِنِّي أَخَاف الله مِمَّا دخلت فِيهِ " قَالَ: لست أَخَاف عَلَيْك أَن تخَاف، إِنَّمَا أَخَاف عَلَيْك أَلا تخَاف. قَالَ بَعضهم: لَا تجْعَل بَيْنك وَبَين الله منعماً، وعد النعم مِنْهُ عَلَيْك مغرماً. دخل سَالم بن عبد الله على هِشَام فِي الْبَيْت فَقَالَ لَهُ هِشَام: سل حَاجَتك، قَالَ: " أكره أَن أسأَل فِي بَيت الله غير الله ". وَقيل لرابعة القيسية: لَو كلّمت أهلك أَن يشتروا لَك خَادِمًا يَكْفِيك مؤونة بَيْتك! فَقَالَت: " إِنِّي أستحي أَن أسأَل الدُّنْيَا من يملكهَا، فَكيف أسألها من لَا يملكهَا؟ ". قَالَ بكر بن عبد الله: " أطفئوا نَار الْغَضَب بِذكر نَار جَهَنَّم ". وَلما خبّر أَبُو حَازِم سُلَيْمَان بن عبد الْملك أَبُو عبد الله للمذنبين، قَالَ: فَأَيْنَ رَحْمَة الله؟ قَالَ: " قريب من الْمُحْسِنِينَ ". كَانَ بِلَال بن سعد يَقُول: " زاهدكم رَاغِب، ومجتهدكم مقصر، وعالمكم جَاهِل، وجاهلكم مغتر ". وَقَالَ عَامر بن عبد قيس: " الدُّنْيَا وَالِدَة للْمَوْت، ناقضة للمبرم، مرتجعة للعطية، وكل من فِيهَا يجْرِي إِلَى مَا لَا يدْرِي، وكل مُسْتَقر فِيهَا غير رَاض بهَا، وَذَلِكَ شَهِيد على أَنَّهَا لَيست بدار قَرَار ".

стр. 1569

بَاعَ عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود أَرضًا لَهُ بِثَمَانِينَ ألفا فَقيل لَهُ: لَو اتَّخذت لولدك ذُخراً من هَذَا المَال! قَالَ: أَنا أجعَل هَذَا المَال ذخْرا لي، وَأَجْعَل الله ذخْرا لوَلَدي. رأى إِيَاس بن قَتَادَة العبشمي شيبَة فِي لحيته فَقَالَ: " أرى الْمَوْت يطلبني، وَأرَانِي لَا أفوته، أعوذ بك من فُجاءة الْأُمُور. يَا بني سعد قد وهبت لكم شَبَابِي فهبوا لي شيبتي " وَلزِمَ بَيته فَقَالَ لَهُ أَهله: تَمُوت هُزلاً، قَالَ: " لِأَن أَمُوت مُؤمنا مهزولاً أحب إليّ من أَن أَمُوت منافقاً سميناً ". قَالَ بكر بن عبد الله: وَمَا الدُّنْيَا؟ أما مَا مضى مِنْهَا فحلم، وَمَا بَقِي مِنْهَا فأماني. قَالَ مُوّرق: خير من الْعجب بِالطَّاعَةِ أَلا تَأتي بِطَاعَة. وَقَالَ: ضَاحِك معترف بِذَنبِهِ خير من باك مدلّ على ربه. وَقَالَ بكر بن عبد الله: اجتهدوا فِي الْعَمَل فَإِن قصر بكم ضعف فكفوا عَن الْمعاصِي. قَالَ: أوحى الله إِلَى الدُّنْيَا من خدمني فاخدميه، وَمن خدمك فاستخدميه. قيل لرابعة: هَل عملن عملا تَرين أَنه يُقبل مِنْك؟ قَالَت: إِن كَانَ شَيْء فخوفي أَن يُرد عليّ. قيل لرجل مَرِيض: كَيفَ تجدك؟ قَالَ: لم أَرض حَياتِي لموتي. نظر حبيب يَوْمًا إِلَى مَالك بن دِينَار وَهُوَ يقسم صَدَقَة لَهُ عَلَانيَة فَقَالَ لَهُ: يَا أخي إِذا ركزت كنزاً فاستره. دخل الْأَوْزَاعِيّ على الْمهْدي فَقَالَ لَهُ: إِن الله قد أَتَاك فَضِيلَة الدُّنْيَا، وَكَفاك طلبَهَا؛ فاطلب فَضِيلَة الْآخِرَة فقد فرّغك لَهَا. قَالَ عَمْرو بن عبيد للمنصور: إِن الله أَعْطَاك الدُّنْيَا بأسرها؛ فاشتر نَفسك مِنْهُ بِبَعْضِهَا، وَإِن هَذَا الَّذِي أصبح بِيَدِك لَو بَقِي فِي يَد من كَانَ قبلك لم يصر إِلَيْك، فاحذر لَيْلَة تمخّض بِيَوْم هُوَ آخر عُمرك، قَالَ: فَبكى الْمَنْصُور، وَقَالَ

стр. 1570

لَهُ: سل حَاجَة، قَالَ: نعم، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لَا تعطني حَتَّى أَسأَلك، وَلَا تدعُني حَتَّى أجيئك. قيل: لَيْسَ من قدر الدُّنْيَا أَن تُعطي أحدا مَا يسْتَحقّهُ، إِمَّا أَن تزيده وَإِمَّا أَن تنقصه. قيل لخَالِد بن صَفْوَان: من أبلغ النَّاس؟ قَالَ: الْحسن، لقَوْله: فَضَح الْمَوْت الدُّنْيَا. وَقيل لزاهد: كَيفَ سخت نَفسك عَن الدُّنْيَا؟ قَالَ: أيقنت أَنِّي خَارج مِنْهَا كَارِهًا فَأَحْبَبْت أَن أخرج مِنْهَا طَوْعًا. سمع بَعضهم سَائِلًا يَقُول: أَيْن الزاهدون فِي الدُّنْيَا الراغبون فِيمَا عِنْد الله فَقَالَ: اقلب وضع يدك على من شِئْت. قيل لأبي حَازِم: كَيفَ النَّاس يَوْم الْقِيَامَة؟ فَقَالَ: أما العَاصِي فآبق قدم بِهِ على مَوْلَاهُ، وَأما الْمُطِيع فغائب قدم على أَهله. وَمر إِبْرَاهِيم بن أدهم بِبَاب الْمَنْصُور فَنظر إِلَى السِّلَاح والحرس فَقَالَ: الْمُرِيب خَائِف. قيل لراهب: مَا أصبرك على الْوحدَة؟ قَالَ: أَنا جليس رَبِّي إِذا شِئْت أَن يناجيني قَرَأت كِتَابه، وَإِن شِئْت أَن أناجيه صلّيت. كَانَ يُقَال: " خف الله لقدرته عَلَيْك، واستحي مِنْهُ لقُرْبه مِنْك ". قَالُوا: " احذر أَن يصيبك مَا أصَاب من ظلمك ". قَالَ الرشيد للفضيل بن عِيَاض: مَا أزهدك! قَالَ الفضيل: أَنْت أزهد مني؛ لِأَنِّي زهدت فِي الدُّنْيَا وَهِي فانية، وزهدت أَنْت فِي الْآخِرَة وَهِي بَاقِيَة. قَالَ الفضيل: يَا رب إِنِّي لأَسْتَحي أَن أَقُول: توكلت عَلَيْك، لَو توكلت عَلَيْك لما خفت وَلَا رَجَوْت غَيْرك.

стр. 1571

قَالَ بَعضهم: من اكْتسب غير قوته فَهُوَ خَازِن غَيره. عوتب بَعضهم على كَثْرَة الصَّدَقَة فَقَالَ: لَو أَرَادَ رجل أَن ينْتَقل من دَار إِلَى دَار مَا ترك فِي الأولى شَيْئا. بعث ملك إِلَى عَابِد: مَالك لَا تخدمني وَأَنت عَبدِي. فَقَالَ: لَو اعْتبرت لعَلِمت أَنَّك عبد لعبدي؛ لِأَنِّي أملك الْهوى، فَهُوَ عَبدِي، وَأَنت تتبع الْهوى فَأَنت عَبده. حَكِيم: أمسك مَاض، ويومك منتقل، وغدك مُتَّهم. قَالَ أَبُو حَازِم: إِنَّمَا بيني وَبَين الْمُلُوك يَوْم وَاحِد؛ أما أمس فَلَا يَجدونَ لذته، وَلَا أجد شدته، وَأما غَد فَإِنِّي وإياهم مِنْهُ على خطر، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْم فَمَا عَسى أَن يكون؟ . دخل متظلم على سُلَيْمَان بن عبد الْملك فَقَالَ: اذكر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يَوْم الْأَذَان، فَقَالَ: وَمَا يَوْم الْأَذَان؟ قَالَ: الْيَوْم الَّذِي قَالَ الله فِيهِ: " فَأذن مُؤذن بَينهم أَن لعنة الله على الظَّالِمين ". فَبكى سُلَيْمَان، وأزال ظلامته. سُئِلَ الْفضل عَن الزّهْد قَالَ: هُوَ رفان فِي كتاب الله " لكيلا تأسوا على مَا فاتكم وَلَا تفرحوا بِمَا آتَاكُم ". كتب مَحْبُوس إِلَى الرشيد إِنَّه مَا مر يَوْم من نعيمك إِلَّا مر يَوْم من بؤسي وَالْأَمر قريب وَالسَّلَام. قيل لبَعْضهِم: مَا الْخَبَر؟ قَالَ: طَابَ الْخَبَر " كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة ". وَقيل: المحسن فِي معاده كالغائب يقدم على أَهله مَسْرُورا، والمسيء: كالآبق يُرّد إِلَى أَهله مأسورا. وقف أَعْرَابِي على قبر هِشَام، وخادم لَهُ يَقُول: مَا لَقينَا بعْدك! فَقَالَ: إيهاً عَلَيْك، أما إِنَّه لَو نشر لأخبرك أَنه لَقِي أَشد مِمَّا لَقِيتُم.

стр. 1572

كتب طَاوس إِلَى مَكْحُول: أما بعد، فَإنَّك قد أصبت بِمَا ظهر من علمك عِنْد النَّاس منزلَة وشرفا، فالتمس بِمَا بطن من عَمَلك عِنْد الله منزلَة وزلفى، وَاعْلَم أَن إِحْدَى المنزلتين ستزيد الْأُخْرَى وَالسَّلَام. قَالَ ابْن الْمُعْتَمِر: النَّاس ثَلَاثَة أَصْنَاف: أَغْنِيَاء، وفقراء، وأوساط، فالفقراء موتى إِلَّا من أغناه الله بعز القناعة، والأغنياء سكارى إِلَّا من عصمه الله بتوقع الْغَيْر، وَأكْثر الْخَيْر مَعَ أَكثر الأوساط، وَأكْثر الرَّاحَة مَعَ الْفُقَرَاء، والأغنياء تستخف بالفقر من بطر الْغنى. قيل لحاتم: علام بنيت أَمرك؟ قَالَ: على أَربع خِصَال: علمت أَن رِزْقِي لَا يَأْكُلهُ غَيْرِي فَلم أهتم بِهِ، وَعلمت أَن عَمَلي لَا يعمله غَيْرِي فَأَنا مَشْغُول بِهِ، وَعلمت أَن الْمَوْت يأتيني بَغْتَة فَأَنا مبادره، وَعلمت أَنِّي بِعَين الله فِي كل حَال فَاسْتَحْيَيْت مِنْهُ. قَالَ بعض السّلف: أَنْت فِي طلب الدُّنْيَا مَعَ الْحَاجة إِلَيْهَا مَعْذُور، وَأَنت فِي طلبَهَا مَعَ الِاسْتِغْنَاء عَنْهَا مغرور. دخل سُفْيَان الثَّوْريّ على الْمهْدي وَهُوَ بِمَكَّة فَقَالَ لَهُ: حَدثنَا أَبُو عمرَان أَيمن بن نابل عَن قدامَة بن عبد الله الْكلابِي قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر: " لَا ضرب، وَلَا طرد، وَلَا إِلَيْك إِلَيْك " فقد رَأَيْت النَّاس يضْربُونَ بَين يَديك. وَجَاء عَن عمر بن الْخطاب أَنه أنْفق فِي حجَّة حَجهَا بضعَة عشر دِينَارا وَقَالَ: مَا أَحسب هَذَا إِلَّا سَرفًا فِي أَمْوَال الْمُسلمين، وَمَا أَرَاك

стр. 1573

تَدْرِي كم أنفقت؟ فَقَالَ لَهُ الْمهْدي: لَو كَانَ الْمَنْصُور حَيا مَا احْتمل هَذَا الْكَلَام مِنْك، فَقَالَ سُفْيَان: لَو كَانَ الْمَنْصُور حَيا ثمَّ أخْبرك بِمَا لَقِي مَا تقاربك مجلسك. نظر بَعضهم إِلَى رجل يُفحش فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا إِنَّك إِنَّمَا تُملي على حافظيك كتابا إِلَى رَبك، فَانْظُر مَا تَقول. قيل لبَعْضهِم: ولي فلَان ولَايَة، فَلَو أَتَيْته! فَقَالَ: وَالله مَا فرحت لَهُ فأهنيه، وَلَا ساءته فأعزّيه. قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: كم بَيْنكُم وَبَين أَقوام أَقبلت الدُّنْيَا عَلَيْهِم فَهَرَبُوا مِنْهَا، وأدبرت عَنْكُم فتبعتموها؟ . قَالَ أَبُو حَازِم: إِذا تَتَابَعَت عَلَيْك نِعمُ رَبك وَأَنت تعصيه فاحذره. وَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان بن عبد الْملك: عظني، قَالَ: عظّم رَبك أَن يراك حَيْثُ نهاك، أَو يفقدك حَيْثُ أَمرك. قَالَ مطرّف: لِأَن يسألني رَبِّي أَلا فعلت؟ أحب إِلَيّ من أَن يسألني لمَ فعلت؟ . قيل لحكيم: صف الدُّنْيَا وأوجز، قَالَ: ضحكة مستعبر. قَالَ آخر لبَعض الصَّالِحين بِالْبَصْرَةِ: أَنا خَارج إِلَى بَغْدَاد فَهَل لَك من حَاجَة؟ قَالَ: مَا أحب أَن أبسط أملي حَتَّى تذْهب إِلَى بَغْدَاد وتجيء. قيل للعتابيّ: إِن فلَانا بعيد الهمة، قَالَ: إِذن لَا يقنع بِدُونِ الْجنَّة. وَقيل لَهُ: إِن فلَانا بعيد الهمة عَالم، قَالَ إِذن لَا يفرح بالدنيا.

стр. 1574

كَانَ وهب بن منبّه يَقُول: " مثل الدُّنْيَا وَالْآخِرَة كَمثل رجل لَهُ ضرّتان إِن أرْضى أَحدهمَا أَسخط الْأُخْرَى ". وقف رجل على قبر بعض الْجَبَابِرَة فَقَالَ: أَيهَا الْجَبَّار، كم من نفس قتلتها طلبا للراحة مِنْهَا أَصبَحت الْيَوْم وَهِي أَكثر شغلك. قَالَ الْفضل الرقاشِي: إِنَّا وَالله مَا نعلّمكم مَا تجهلون وَلَكنَّا نذكركم مَا تعلمُونَ. كَانَ الفضيل، وَهُوَ يعظ ابْنه عليا، كثير الزّهْد وَيَقُول: يَا بني ارْفُقْ بِنَفْسِك. وَكَانَ يَوْمًا خلف الإِمَام يُصَلِّي، وَقَرَأَ سُورَة الرَّحْمَن، فَجعل يَتْلُو إِلَى قَوْله تَعَالَى: " حور مقصورات فِي الْخيام " فَلَمَّا سلّم الإِمَام سمع أَبَاهُ يُنَادي: يَا عَليّ، أما سَمِعت مَا قَرَأَ الإِمَام؟ فَيَقُول ابْنه: يَا أَبَة شغلني مَا كَانَ قبلهَا: " يُعرف المجرمون بسماهم فَيُؤْخَذ بالنواصي والأقدام ". قيل لِابْنِ عُيَيْنَة: إِن فلَانا ينتقصك: فَقَالَ: نطيع الله فِيهِ على قدر مَا عصى الله فِينَا. قيل لبَعْضهِم: مَا مثل الدُّنْيَا؟ قَالَ: هِيَ أقل من أَن يكون لَهَا مثل. عوتب سهل بن عبد الله على كَثْرَة الصَّدَقَة فَقَالَ: لَو أَرَادَ الرجل أَن ينْتَقل من دَار إِلَى دَار أَكَانَ يتْرك فِي الأولى شَيْئا؟ لَا وَالله. دخل لص على بعض الزهاد فَلم ير فِي دَاره شَيْئا: فَقَالَ: يَا هَذَا أَيْن متاعك؟ قَالَ حوّلته إِلَى دَار أُخْرَى. قيل للربيع بن خثيم: يَا ربيع، أَنا مَا رَأَيْتُك تذم أحدا، قَالَ: وَيلك! مَا أَنا عَن نَفسِي رَاض فأتحول من ذمِّي إِلَى ذمّ النَّاس؛ إِن النَّاس خَافُوا الله على ذنُوب الْعباد؛ وأمنوه على ذنوبهم.

стр. 1575

قَالَ عِيسَى بن مُوسَى، وَهُوَ أَمِير الْكُوفَة لأبي شيبَة قَاضِي الرّيّ: لم لَا تغشانا فِيمَن يغشانا؟ قَالَ: لِأَنِّي إِن جئْتُك فقربتني فتنتني، وَإِن أقصيتني حزنتني؛ وَلَيْسَ عِنْدِي مَا أخافك عَلَيْهِ، وَلَا عنْدك مَا أرجوك لَهُ. قَالَ بعض الزهاد: تَأمل ذَا الْغنى، مَا أدوم نَصبه، وَأَقل رَاحَته، وأخس من مَاله حَظه، وَأَشد من الْأَيَّام حذره، ثمَّ هُوَ بَين سُلْطَان يهتضمه، وعدو يَبْغِي عَلَيْهِ، وَحُقُوق تلْزمهُ، وأكفاء يسوءونه، وَولد يود فِرَاقه، قد بعث عَلَيْهِ الْغنى من سُلْطَانه الْعَنَت، وَمن أكفائه الْحَسَد، وَمن أعدائه الْبَغي، وَمن ذَوي الْحُقُوق الذَّم، وَمن الْوَلَد الْمَلَامَة ﴿﴾ . قَالَ سُفْيَان: يَا ابْن آدم، إِن جوارحك سلَاح الله عَلَيْك بأيها شَاءَ قَتلك. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت صوفياً فِي الْبَادِيَة فَقلت لَهُ: أَيْن الزَّاد؟ قَالَ: قدّمته إِلَى الْمعَاد. قَالَ بَعضهم: مَا تبالي حسّنت جوراً أَو دخلت فِيهِ، وقبّحت عدلا أَو خرجت مِنْهُ؟ . قَالَ مَيْمُون بن هَارُون: فِي قَوْله تَعَالَى: " وَلَا تحسبن الله غافلاً عَمَّا يعْمل الظَّالِمُونَ " تَعْزِيَة للمظلوم ووعيد للظالم. دخل عبد الْوَارِث بن سعيد على رجل يعودهُ فَقَالَ: كَيفَ أَنْت؟ قَالَ: مَا نمت مُنْذُ أَرْبَعِينَ لَيْلَة، فَقَالَ: يَا هَذَا، أحصيت أَيَّام الْبلَاء، فَهَل أحصيت أَيَّام الرخَاء؟ . قَالَ آخر: الْعجب لمن يغتر بالدنيا، وَإِنَّمَا هِيَ عُقُوبَة ذَنْب. قَالَ ابْن السماك: " خف الله حَتَّى كَأَنَّك لم تطعه، وارج الله كَأَنَّك لم تعصه ". قَالَ آخر: الْعَالم طَبِيب هَذِه الْأمة وَالدُّنْيَا داؤها، فَإِذا كَانَ الطَّبِيب يطْلب الدَّاء فَمَتَى يُبرئ غَيره؟ . دخل قوم منزل عَابِد فَلم يَجدوا شَيْئا يَقْعُدُونَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا خَرجُوا قَالَ: لَو كَانَت الدُّنْيَا دَار مقَام لاتخذنا لَهُم أثاثا.

стр. 1576

قَالَ بعض الزهاد: قد أعياني أَن أنزل على رجل يعلم أَنِّي لست آكل من رزقه شَيْئا، قَالَ آخر: يَا ابْن آدم، مَالك تأسف على مَفْقُود لَا يردهُ عَلَيْك الْفَوْت، وتفرح بموجود لَا يتْركهُ فِي يدك الْمَوْت. قَالَ إِبْرَاهِيم بن ادهم: نَحن نسل من نسل الْجنَّة سبانا إِبْلِيس مِنْهَا بالمعصية، وحقيق على المسبي أَلا يهنأ بعيشه حَتَّى يرجع إِلَى وَطنه. قيل لمُحَمد بن وَاسع: فلَان زاهد فَقَالَ: وَمَا قدر الدُّنْيَا حَتَّى يحمد من يزهد فِيهَا؟ . كتب زاهد إِلَى آخر: صف لي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. فَكتب إِلَيْهِ: " الدُّنْيَا حلم، وَالْآخِرَة يقظة، والمتوسط بَينهمَا الوت، وَنحن فِي أضغاث ننقل إِلَى أجداث ". قيل لآخر: مَالك تدمن الْمَشْي على الْعَصَا، وَلست بكبير وَلَا مَرِيض؟ قَالَ: لأعْلم أَنِّي مُسَافر، وَأَنَّهَا دَار قُلعة، فَإِن الْعَصَا من آلَة السّفر. قيل لآخر: أَتعبت نَفسك، قَالَ: راحتها أطلب. كتب آخر إِلَى عَابِد: بَلغنِي تفرغك لِلْعِبَادَةِ فَمَا سَبَب المعاش؟ فَكتب إِلَيْهِ: يَا بطال يبلغك عني أَنِّي مُنْقَطع إِلَى الله وتسألني عَن المعاش؟ . قَالَ الرشيد لِابْنِ السمّاك: عظني وأوجز. فَقَالَ: اعْلَم أَنَّك أول خَليفَة يَمُوت. قيل لأبي حَازِم: مَا مَالك؟ قَالَ: شَيْئَانِ لَا عدم لي مَعَهُمَا: الرضى عَن الله، والغنى عَن النَّاس. شتم رجل زاهداً، فَقَالَ لَهُ: هِيَ صحيفتك أمل فِيهَا مَا شِئْت. قَالَ سُفْيَان: إِذا أردْت أَن تعرف الدُّنْيَا فَانْظُر عِنْد من هِيَ. وَقَالَ غَيره: " كل شَيْء فاتك من الدُّنْيَا فَهُوَ غنيمَة ". وَقَالَ معدان: اعْمَلْ للدنيا على قدر مكثك فِيهَا، وللآخرة كَذَاك.

стр. 1577

مر عبد الله بن الْمُبَارك بِرَجُل وَاقِف بَين مَقْبرَة ومزبلة فَقَالَ: يَا رجل، إِنَّك بَين كنَزين: كنزِ الْأَمْوَال، وكنز الرِّجَال. دخل الْإِسْكَنْدَر مَدِينَة فتحهَا، فَسَأَلَ عَن أَوْلَاد الْمُلُوك بهَا، فَقَالَ أَهلهَا: بَقِي رجل مِنْهُم يسكن الْمَقَابِر، فَدَعَا بِهِ فَأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا دعَاك إِلَى لُزُوم الْمَقَابِر؟ قَالَ: أَحْبَبْت أَن أميز بَين عِظَام مُلُوكهمْ وَعِظَام عبيدهم، فوجدتهما سَوَاء، فَقَالَ لَهُ الْإِسْكَنْدَر: هَل لَك أَن تتبعني فأحيي شرفك وَشرف آبَائِك إِن كَانَت لَك همة؟ فَقَالَ: همتي عَظِيمَة، فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: حَيَاة لَا موت مَعهَا وشباب لَا هرم مَعَه، وغنىً لَا فقر مَعَه، وسرور لَا مَكْرُوه فِيهِ، قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي هَذَا، قَالَ: فَدَعْنِي أَلْتَمِسهُ مِمَّن هُوَ عِنْده. قَالَ مطرف: إِنِّي لأستلقي بِاللَّيْلِ على فِرَاشِي فأتدبر الْقُرْآن كُله، فَأَعْرض نَفسِي على أَعمال أهل الْجنَّة فَأرى أَعْمَالهم شَدِيدَة " كَانُوا قَلِيلا من اللَّيْل مَا يهجعون ". " يبيتُونَ لرَبهم سجدا وقياما ". " أمّن هُوَ قَانِت آنَاء اللَّيْل سَاجِدا وَقَائِمًا ". " تَتَجَافَى جنُوبهم عَن الْمضَاجِع ". فَلَا أرى صِفَتي فيهم. ثمَّ أعرض نَفسِي على أَعمال أهل النَّار " مَا سلككم فِي سقر ". " وَأما إِن كَانَ من المكذبين الضَّالّين " فَلَا أَرَانِي فيهم. ثمَّ أمرّ بِهَذِهِ الْآيَة " وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ " فأرجو أَن أكون أَنا وَأَنْتُم يَا إِخْوَاننَا مِنْهُم. قَالَ يحيى بن معَاذ: الْوَعْد حق الْخلق على الله، فَهُوَ أَحَق من وفى، والوعيد حَقه على الْخلق، فَهُوَ أَحَق من عَفا.

стр. 1578

مَاتَ ابْن لعمر بن ذَر فَقَالَ: أَي بني شغلني الْحزن لَك عَن الْحزن عَلَيْك. وَقَالُوا: من هوان الدُّنْيَا على الله أَلا يُعصى إِلَّا فِيهَا، وَلَا يُنال مَا عِنْده إِلَّا بِتَرْكِهَا. قَالَ عبد الله بن شَدَّاد: أرى دواعي الْمَوْت لَا تُقلع، وَأرى من مضى لَا يرجع، لَا تزهدوا فِي مَعْرُوف؛ فَإِن الدَّهْر ذُو صروف، كم رَاغِب قد كَانَ مرغوباً إِلَيْهِ، وطالب أصبح مَطْلُوبا إِلَيْهِ، وَالزَّمَان ذُو ألوان، من يصحب الزَّمَان ير الهوان، وَإِن غلبت يَوْمًا على المَال، فَلَا تغلبنّ على الْحِيلَة على حَال، وَكن أحسن مَا تكون فِي الظَّاهِر حَالا أقل مَا تكون فِي الْبَاطِن مَالا. قَالَ شبيب بن شيبَة لأبي جَعْفَر: إِن الله لم يَجْعَل فَوْقك أحدا، فَلَا تجعلن فَوق شكرك شكرا. وَقَالَ عَمْرو بن عبيد للمنصور: إِن الله قد وهب لَك الدُّنْيَا بأسرها، فاشتر نَفسك من الله بِبَعْضِهَا. قَالَ خَالِد الربعِي: كُنَّا نحدّث " إِن مِمَّا يُعجّل الله عُقُوبَته، أَو قَالَ: لَا نؤخر عُقُوبَته: الْأَمَانَة تخان، وَالْإِحْسَان يُكفر، وَالرحم تُقطع، وَالْبَغي على النَّاس ". كَانَ بعض الزهاد يَقُول: ابْن آدم تكلأ بحفظه وتُصبح عَازِمًا على مَعْصِيَته؟ . دخل الْمُبَارك بن فضَالة على الْمَنْصُور وَهُوَ بالجسر فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، حَدثنِي فلَان أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة نَادَى مُنَاد من تَحت الْعَرْش من كَانَ لَهُ على الله دَالَّة فَليقمْ، فَلَا يقوم إِلَّا أهل الْعَفو " فَقَالَ أَبُو جَعْفَر: قد عَفَوْت، وَرجع من الجسر وَلم يدْخل الْبَصْرَة.

стр. 1579

نسب مُحَمَّد بن كَعْب نَفسه إِلَى القُرظي فَقيل لَهُ: ولمَ لم تقل: الْأنْصَارِيّ؟ قَالَ: " أكره أَن أَمن على الله بِمَا لم أَفعلهُ ". مر مُحَمَّد بن وَاسع بِقوم فَقيل لَهُ: هَؤُلَاءِ زهاد، فَقَالَ وَمَا قدر الدُّنْيَا خحتى يحمد الزَّاهِد فِيهَا؟ . كَانَ شُعْبَة يَقُول لأَصْحَابه: " لَو أردْت الله مَا خرجت إِلَيْكُم، وَلَو أردتم الله مَا جئتموني ". كَانَ الرّبيع بن خثيم يَقُول: " لَو كَانَت الذُّنُوب تفوح مَا جلس أحد إِلَى أحد ". قيل لبَعْضهِم: كَيفَ أَصبَحت؟ قَالَ: آسفاً على أمسي كَارِهًا ليومي: مُتَّهمًا لغدي ". وَقيل لآخر: لَك تركت الدُّنْيَا؟ قَالَ: لِأَنِّي أُمنع من صافيها وأمتنع من كدرها. وَقيل لآخر: مَا الَّذِي تطلب؟ فَقَالَ الرَّاحَة، قيل: فَهَل وَجدتهَا؟ قَالَ: قد وجدت أَنِّي لَا أَجدهَا فِي الدُّنْيَا. وَقيل لآخر: لم تركت الدُّنْيَا؟ قَالَ: أنفت من قليلها، وأنف مني كثيرها. قَالَ أَبُو هفان: كَانَ مزين يخْدم رَئِيسا وَكَانَ الرئيس قد خالطه بَيَاض، فَكَانَ يَأْمر المزين بلقطه، فَلَمَّا انْتَشَر الْبيَاض قَالَ المزيّن: يَا سَيِّدي قد ذهب وَقت اللقّاط وَجَاء وَقت الصرام، قَالَ: فَبكى الرئيس من قَوْله. دخل سُفْيَان بن عُيَيْنَة على الرشيد وَهُوَ يَأْكُل بملعقة فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، حَدثنِي عبيد الله بن يزِيد عَن جدك ابْن عَبَّاس فِي قَوْله جلّ وَعز: " وَلَقَد كرمنا بني آدم " قَالَ: جعلنَا لَهُم أيدياً يَأْكُلُون بهَا، فَكسر الملعقة.

стр. 1580

قيل لميمون بن مهْرَان: إِن رقيّة امْرَأَة هِشَام مَاتَت فأعتقت كل مَمْلُوك لَهَا، فَقَالَ مَيْمُون: يعصون الله مرَّتَيْنِ: يتجملون بِهِ وَهُوَ فِي أَيْديهم بِغَيْر حق. فَإِذا صَار لغَيرهم أَسْرفُوا فِيهِ. عزّى رجل الرشيد فَقَالَ: آجرك الله فِي الْبَاقِي، ومتّعك بالفاني: فَقَالَ: وَيحك، مَا تَقول؟ وَظن أَنه غلط، فَقَالَ: ألم تسمع الله يَقُول: " مَا عنْدكُمْ ينْفد وَمَا عِنْد الله بَاقٍ " فسرّي عَنهُ. دخل عمر بن ذَر على ابْنه وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ فَقَالَ: يَا بني إِنَّه مَا علينا من موتك غَضَاضَة، وَلَا بِنَا إِلَى أحد سوى الله حَاجَة، فَلَمَّا قضى نحبه، وَصلى عَلَيْهِ، وواراه، وقف على قَبره فَقَالَ: يَا ذَر، إِنَّه قد شغلنا الْحزن لَك عَن الْحزن عَلَيْك؛ لأَنا لَا نَدْرِي مَا قلت وَمَا قيل لَك، اللَّهُمَّ إِنِّي قد وهبت لَهُ مَا قصّر فِيهِ مِمَّا افترضت عَلَيْهِ من حَقي، فَهَب لي مَا قصّر فِيهِ من حَقك، وَاجعَل ثوابي عَلَيْهِ لَهُ، وزدني من فضلك إِنِّي إِلَيْك من الراغبين. قَالَ بعض الصَّالِحين: لَو أنزل الله كتابا أَنه معذّب رجلا وَاحِدًا لخفت أَن أكونه، وَأَنه رَاحِم رجلا وَاحِدًا لرجوت أَن أكونه، وَأَنه معذبي لَا محَالة مَا ازددت إِلَّا اجْتِهَادًا. لِئَلَّا أرجع على نَفسِي بلائمة. وَقَالَ مطرّف بن عبد الله لِابْنِهِ: " يَا عبد الله، الْعلم أفضل من الْعَمَل، والحسنة بَين السيئتين كَقَوْل الْحق بَين فعل المقصر والغالي ". وَمن كَلَامه: " خير الْأُمُور أوساطها، وَشر السّير الْحَقْحَقَةُ، وَشر الْقِرَاءَة الْهَذْرَمَةُ ". وَكَانَ ابْن السمّاك يَقُول: إِذا فعلت الْحَسَنَة فافرح بهَا واستقللها؛ فَإنَّك إِذا استقللتها زِدْت عَلَيْهَا، وَإِذا فرحت بهَا عدت إِلَيْهَا. ويروى عَن أويس الْقَرنِي أَنه قَالَ: " حُقُوق الله لم تدع عِنْد مُسلم درهما ".
следующие страницы →