← Адаб

Адаб · id 7853

نثر الدر في المحاضرات

الآبي

Полный текст (1 737 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

قَالَ بعض الزهاد: قد أعياني أَن أنزل على رجل يعلم أَنِّي لست آكل من رزقه شَيْئا، قَالَ آخر: يَا ابْن آدم، مَالك تأسف على مَفْقُود لَا يردهُ عَلَيْك الْفَوْت، وتفرح بموجود لَا يتْركهُ فِي يدك الْمَوْت. قَالَ إِبْرَاهِيم بن ادهم: نَحن نسل من نسل الْجنَّة سبانا إِبْلِيس مِنْهَا بالمعصية، وحقيق على المسبي أَلا يهنأ بعيشه حَتَّى يرجع إِلَى وَطنه. قيل لمُحَمد بن وَاسع: فلَان زاهد فَقَالَ: وَمَا قدر الدُّنْيَا حَتَّى يحمد من يزهد فِيهَا؟ . كتب زاهد إِلَى آخر: صف لي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. فَكتب إِلَيْهِ: " الدُّنْيَا حلم، وَالْآخِرَة يقظة، والمتوسط بَينهمَا الوت، وَنحن فِي أضغاث ننقل إِلَى أجداث ". قيل لآخر: مَالك تدمن الْمَشْي على الْعَصَا، وَلست بكبير وَلَا مَرِيض؟ قَالَ: لأعْلم أَنِّي مُسَافر، وَأَنَّهَا دَار قُلعة، فَإِن الْعَصَا من آلَة السّفر. قيل لآخر: أَتعبت نَفسك، قَالَ: راحتها أطلب. كتب آخر إِلَى عَابِد: بَلغنِي تفرغك لِلْعِبَادَةِ فَمَا سَبَب المعاش؟ فَكتب إِلَيْهِ: يَا بطال يبلغك عني أَنِّي مُنْقَطع إِلَى الله وتسألني عَن المعاش؟ . قَالَ الرشيد لِابْنِ السمّاك: عظني وأوجز. فَقَالَ: اعْلَم أَنَّك أول خَليفَة يَمُوت. قيل لأبي حَازِم: مَا مَالك؟ قَالَ: شَيْئَانِ لَا عدم لي مَعَهُمَا: الرضى عَن الله، والغنى عَن النَّاس. شتم رجل زاهداً، فَقَالَ لَهُ: هِيَ صحيفتك أمل فِيهَا مَا شِئْت. قَالَ سُفْيَان: إِذا أردْت أَن تعرف الدُّنْيَا فَانْظُر عِنْد من هِيَ. وَقَالَ غَيره: " كل شَيْء فاتك من الدُّنْيَا فَهُوَ غنيمَة ". وَقَالَ معدان: اعْمَلْ للدنيا على قدر مكثك فِيهَا، وللآخرة كَذَاك.

стр. 1577

مر عبد الله بن الْمُبَارك بِرَجُل وَاقِف بَين مَقْبرَة ومزبلة فَقَالَ: يَا رجل، إِنَّك بَين كنَزين: كنزِ الْأَمْوَال، وكنز الرِّجَال. دخل الْإِسْكَنْدَر مَدِينَة فتحهَا، فَسَأَلَ عَن أَوْلَاد الْمُلُوك بهَا، فَقَالَ أَهلهَا: بَقِي رجل مِنْهُم يسكن الْمَقَابِر، فَدَعَا بِهِ فَأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا دعَاك إِلَى لُزُوم الْمَقَابِر؟ قَالَ: أَحْبَبْت أَن أميز بَين عِظَام مُلُوكهمْ وَعِظَام عبيدهم، فوجدتهما سَوَاء، فَقَالَ لَهُ الْإِسْكَنْدَر: هَل لَك أَن تتبعني فأحيي شرفك وَشرف آبَائِك إِن كَانَت لَك همة؟ فَقَالَ: همتي عَظِيمَة، فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: حَيَاة لَا موت مَعهَا وشباب لَا هرم مَعَه، وغنىً لَا فقر مَعَه، وسرور لَا مَكْرُوه فِيهِ، قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي هَذَا، قَالَ: فَدَعْنِي أَلْتَمِسهُ مِمَّن هُوَ عِنْده. قَالَ مطرف: إِنِّي لأستلقي بِاللَّيْلِ على فِرَاشِي فأتدبر الْقُرْآن كُله، فَأَعْرض نَفسِي على أَعمال أهل الْجنَّة فَأرى أَعْمَالهم شَدِيدَة " كَانُوا قَلِيلا من اللَّيْل مَا يهجعون ". " يبيتُونَ لرَبهم سجدا وقياما ". " أمّن هُوَ قَانِت آنَاء اللَّيْل سَاجِدا وَقَائِمًا ". " تَتَجَافَى جنُوبهم عَن الْمضَاجِع ". فَلَا أرى صِفَتي فيهم. ثمَّ أعرض نَفسِي على أَعمال أهل النَّار " مَا سلككم فِي سقر ". " وَأما إِن كَانَ من المكذبين الضَّالّين " فَلَا أَرَانِي فيهم. ثمَّ أمرّ بِهَذِهِ الْآيَة " وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ " فأرجو أَن أكون أَنا وَأَنْتُم يَا إِخْوَاننَا مِنْهُم. قَالَ يحيى بن معَاذ: الْوَعْد حق الْخلق على الله، فَهُوَ أَحَق من وفى، والوعيد حَقه على الْخلق، فَهُوَ أَحَق من عَفا.

стр. 1578

مَاتَ ابْن لعمر بن ذَر فَقَالَ: أَي بني شغلني الْحزن لَك عَن الْحزن عَلَيْك. وَقَالُوا: من هوان الدُّنْيَا على الله أَلا يُعصى إِلَّا فِيهَا، وَلَا يُنال مَا عِنْده إِلَّا بِتَرْكِهَا. قَالَ عبد الله بن شَدَّاد: أرى دواعي الْمَوْت لَا تُقلع، وَأرى من مضى لَا يرجع، لَا تزهدوا فِي مَعْرُوف؛ فَإِن الدَّهْر ذُو صروف، كم رَاغِب قد كَانَ مرغوباً إِلَيْهِ، وطالب أصبح مَطْلُوبا إِلَيْهِ، وَالزَّمَان ذُو ألوان، من يصحب الزَّمَان ير الهوان، وَإِن غلبت يَوْمًا على المَال، فَلَا تغلبنّ على الْحِيلَة على حَال، وَكن أحسن مَا تكون فِي الظَّاهِر حَالا أقل مَا تكون فِي الْبَاطِن مَالا. قَالَ شبيب بن شيبَة لأبي جَعْفَر: إِن الله لم يَجْعَل فَوْقك أحدا، فَلَا تجعلن فَوق شكرك شكرا. وَقَالَ عَمْرو بن عبيد للمنصور: إِن الله قد وهب لَك الدُّنْيَا بأسرها، فاشتر نَفسك من الله بِبَعْضِهَا. قَالَ خَالِد الربعِي: كُنَّا نحدّث " إِن مِمَّا يُعجّل الله عُقُوبَته، أَو قَالَ: لَا نؤخر عُقُوبَته: الْأَمَانَة تخان، وَالْإِحْسَان يُكفر، وَالرحم تُقطع، وَالْبَغي على النَّاس ". كَانَ بعض الزهاد يَقُول: ابْن آدم تكلأ بحفظه وتُصبح عَازِمًا على مَعْصِيَته؟ . دخل الْمُبَارك بن فضَالة على الْمَنْصُور وَهُوَ بالجسر فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، حَدثنِي فلَان أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة نَادَى مُنَاد من تَحت الْعَرْش من كَانَ لَهُ على الله دَالَّة فَليقمْ، فَلَا يقوم إِلَّا أهل الْعَفو " فَقَالَ أَبُو جَعْفَر: قد عَفَوْت، وَرجع من الجسر وَلم يدْخل الْبَصْرَة.

стр. 1579

نسب مُحَمَّد بن كَعْب نَفسه إِلَى القُرظي فَقيل لَهُ: ولمَ لم تقل: الْأنْصَارِيّ؟ قَالَ: " أكره أَن أَمن على الله بِمَا لم أَفعلهُ ". مر مُحَمَّد بن وَاسع بِقوم فَقيل لَهُ: هَؤُلَاءِ زهاد، فَقَالَ وَمَا قدر الدُّنْيَا خحتى يحمد الزَّاهِد فِيهَا؟ . كَانَ شُعْبَة يَقُول لأَصْحَابه: " لَو أردْت الله مَا خرجت إِلَيْكُم، وَلَو أردتم الله مَا جئتموني ". كَانَ الرّبيع بن خثيم يَقُول: " لَو كَانَت الذُّنُوب تفوح مَا جلس أحد إِلَى أحد ". قيل لبَعْضهِم: كَيفَ أَصبَحت؟ قَالَ: آسفاً على أمسي كَارِهًا ليومي: مُتَّهمًا لغدي ". وَقيل لآخر: لَك تركت الدُّنْيَا؟ قَالَ: لِأَنِّي أُمنع من صافيها وأمتنع من كدرها. وَقيل لآخر: مَا الَّذِي تطلب؟ فَقَالَ الرَّاحَة، قيل: فَهَل وَجدتهَا؟ قَالَ: قد وجدت أَنِّي لَا أَجدهَا فِي الدُّنْيَا. وَقيل لآخر: لم تركت الدُّنْيَا؟ قَالَ: أنفت من قليلها، وأنف مني كثيرها. قَالَ أَبُو هفان: كَانَ مزين يخْدم رَئِيسا وَكَانَ الرئيس قد خالطه بَيَاض، فَكَانَ يَأْمر المزين بلقطه، فَلَمَّا انْتَشَر الْبيَاض قَالَ المزيّن: يَا سَيِّدي قد ذهب وَقت اللقّاط وَجَاء وَقت الصرام، قَالَ: فَبكى الرئيس من قَوْله. دخل سُفْيَان بن عُيَيْنَة على الرشيد وَهُوَ يَأْكُل بملعقة فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، حَدثنِي عبيد الله بن يزِيد عَن جدك ابْن عَبَّاس فِي قَوْله جلّ وَعز: " وَلَقَد كرمنا بني آدم " قَالَ: جعلنَا لَهُم أيدياً يَأْكُلُون بهَا، فَكسر الملعقة.

стр. 1580

قيل لميمون بن مهْرَان: إِن رقيّة امْرَأَة هِشَام مَاتَت فأعتقت كل مَمْلُوك لَهَا، فَقَالَ مَيْمُون: يعصون الله مرَّتَيْنِ: يتجملون بِهِ وَهُوَ فِي أَيْديهم بِغَيْر حق. فَإِذا صَار لغَيرهم أَسْرفُوا فِيهِ. عزّى رجل الرشيد فَقَالَ: آجرك الله فِي الْبَاقِي، ومتّعك بالفاني: فَقَالَ: وَيحك، مَا تَقول؟ وَظن أَنه غلط، فَقَالَ: ألم تسمع الله يَقُول: " مَا عنْدكُمْ ينْفد وَمَا عِنْد الله بَاقٍ " فسرّي عَنهُ. دخل عمر بن ذَر على ابْنه وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ فَقَالَ: يَا بني إِنَّه مَا علينا من موتك غَضَاضَة، وَلَا بِنَا إِلَى أحد سوى الله حَاجَة، فَلَمَّا قضى نحبه، وَصلى عَلَيْهِ، وواراه، وقف على قَبره فَقَالَ: يَا ذَر، إِنَّه قد شغلنا الْحزن لَك عَن الْحزن عَلَيْك؛ لأَنا لَا نَدْرِي مَا قلت وَمَا قيل لَك، اللَّهُمَّ إِنِّي قد وهبت لَهُ مَا قصّر فِيهِ مِمَّا افترضت عَلَيْهِ من حَقي، فَهَب لي مَا قصّر فِيهِ من حَقك، وَاجعَل ثوابي عَلَيْهِ لَهُ، وزدني من فضلك إِنِّي إِلَيْك من الراغبين. قَالَ بعض الصَّالِحين: لَو أنزل الله كتابا أَنه معذّب رجلا وَاحِدًا لخفت أَن أكونه، وَأَنه رَاحِم رجلا وَاحِدًا لرجوت أَن أكونه، وَأَنه معذبي لَا محَالة مَا ازددت إِلَّا اجْتِهَادًا. لِئَلَّا أرجع على نَفسِي بلائمة. وَقَالَ مطرّف بن عبد الله لِابْنِهِ: " يَا عبد الله، الْعلم أفضل من الْعَمَل، والحسنة بَين السيئتين كَقَوْل الْحق بَين فعل المقصر والغالي ". وَمن كَلَامه: " خير الْأُمُور أوساطها، وَشر السّير الْحَقْحَقَةُ، وَشر الْقِرَاءَة الْهَذْرَمَةُ ". وَكَانَ ابْن السمّاك يَقُول: إِذا فعلت الْحَسَنَة فافرح بهَا واستقللها؛ فَإنَّك إِذا استقللتها زِدْت عَلَيْهَا، وَإِذا فرحت بهَا عدت إِلَيْهَا. ويروى عَن أويس الْقَرنِي أَنه قَالَ: " حُقُوق الله لم تدع عِنْد مُسلم درهما ".

стр. 1581

قَالَ يحيى بن معَاذ الرَّازِيّ: إِن لله عَلَيْك نعمتين: السَّرَّاء للتذكير، وَالضَّرَّاء للتطهير، فَكُن فِي السَّرَّاء عبدا شكُورًا، وَفِي الضراء حرا صبورا ". دخل ابْن السمّاك يَوْمًا على الرشيد فَدَعَا الرشيد بِمَاء ليشربه فَقَالَ: مَاء! ناشدتك الله، أَرَأَيْت لَو مُنعت من شربه مَا الَّذِي كنت فَاعله؟ فَقَالَ: كنت أفتديه بِنصْف ملكي، فَقَالَ: اشرب هَنِيئًا لَك، فَلَمَّا فرغ من شربه قَالَ: ناشدتك الله، أَرَأَيْت لَو منعت من خُرُوجه ماك نت تفعل؟ قَالَ: كنت أفتديه بِنصْف ملكي، فَقَالَ: إِن ملكا يفتدى بِشَربَة مَاء لخليق بألا ينافس عَلَيْهِ. كَانَ يحيى بن معَاذ يَقُول للنَّاس: لَا تَكُونُوا مِمَّن يفضحهم يَوْم مَوْتهمْ مِيرَاثه، وَيَوْم الْقِيَامَة ميزانهز قَالَ الْمَنْصُور لعَمْرو بن عبيد: عظني، فَقَالَ: أعمّا رَأَيْت أَو مَا سَمِعت؟ فَقَالَ: بل عظني بِمَا رَأَيْت، فَقَالَ لَهُ: مَاتَ عمر بن عبد الْعَزِيز فخلّف أحد عشر ابْنا وَبَلغت تركَتُه سَبْعَة عشر دِينَارا، كُفّن مِنْهَا بِخَمْسَة دَنَانِير، وَاشْترى مَوضِع قَبره بدينارين، وَأصَاب كل وَاحِد من وَلَده ثَمَانِيَة عشر قيراطا، وَمَات هِشَام فخلّف أحد عشر ابْنا وَأصَاب كل وَاحِد من وَلَده ألف ألف دِينَار، فَرَأَيْت رجلا من ولد عمر بن عبد الْعَزِيز قد حمل فِي يَوْم وَاحِد على مائَة فرس فِي سَبِيل الله، وَرَأَيْت رجلا من ولد هِشَام يسْأَل النَّاس ليتصدق عَلَيْهِ. قَالَ بَعضهم: الدُّنْيَا دَار تِجَارَة، فويل لمن تزوّد مِنْهَا الخسارة. قَالَ بَعضهم: اصْبِرُوا عباد الله على عمل لَا غنى بكم عَن ثَوَابه، واصبروا عَن عمل لَا صَبر لكم على عِقَابه.

стр. 1582

قَالَ أَبُو حَازِم: مَا كرهت أَن يكون مَعَك غَدا فَاتْرُكْهُ الْيَوْم، وَمَا أَحْبَبْت أَن يكون مَعَك غَدا فقدمه الْيَوْم. قَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ: مثّلت فِي نَفسِي الْجنَّة آكل من ثمارها وأعانق أزواجها، وألبس حللها: ومثلت فِي نَفسِي النَّار أعالج أغلالها، وآكل من زقومها، فَقلت: يَا نفس، أَي شَيْء تريدين الْآن؟ قَالَت: أُرِيد أَن أرد إِلَى الدُّنْيَا فأعمل، فَقلت: الْآن أَنْت فِي الأمنية فافعل. كَانَ بعض التَّابِعين إِذا قيل لَهُ: كَيفَ أَصبَحت؟ يَقُول: فِي أجل مَنْقُوص، وَعمل مَحْفُوظ، وَالْمَوْت فِي رقابنا، وَالنَّار من وَرَائِنَا، وَلَا نَدْرِي مَا الله يفعل بِنَا. وَكَانَ روح بن مدرك يَقُول فِي موعظته: الْآن قبل أَن تسقم فتضنى، وتهرم فتفنى ثمَّ تَمُوت فتُنسى، ثمَّ تُقبر فتُبلى، ثمَّ تُنشر فتحيا، ثمَّ تُبعث فتشقى، ثمَّ تُحضر فَتُدْعَى، ثمَّ توقف فتُجزى بِمَا قدمت فأمضيت، وأذهبت فأفنيت، من موبقات سيئاتك، وسالفات شهواتك، وملفقات فعلاتك، الْآن سَالِمُونَ، الْآن وَأَنْتُم مستعتبون. قَالَ أَبُو حَازِم: عجبا لقوم يعْملُونَ لدار يرحلون عَنْهَا كل يَوْم مرحلة، ويتركون أَن يعملوا لدار يرحلون إِلَيْهَا كل يَوْم مرحلة. قيل لمُحَمد بن وَاسع: كَيفَ حالك؟ فَقَالَ: كَيفَ حَال من لَا يدْرِي كَيفَ حَاله؟ . أَرَادَ رجل الْحَج فَقَالَ لامْرَأَته: إِنِّي عازم على الْحَج، فَقَالَت: بِسم الله، قَالَ: فكم أخلّف عَلَيْك من النَّفَقَة؟ قَالَت: بِقدر مَا تُخلّف عليّ من الْحَيَاة. يُروى عَن خَالِد بن صَفْوَان أَنه قَالَ: مَلَأت الْبَحْر الْأَخْضَر بِالذَّهَب الْأَحْمَر، فَإِذا الَّذِي يَكْفِينِي من ذَاك رغيفان وكوزان وطمران. دخل مَالك بن دِينَار على بِلَال بن أبي بردة - وَهُوَ أَمِير الْبَصْرَة - فَقَالَ: إِنِّي قَرَأت فِي بعض الْكتب: " من أَحمَق من السُّلْطَان؟ وَمن أَجْهَل مِمَّن عَصَانِي؟ وَمن أغرّ مِمَّن اغترّ بِي؟ أيا راعي السوء دفعت إِلَيْك غنما سماناً

стр. 1583

سحاحا، فَأكلت اللَّحْم وشربت اللَّبن، وائتدمت بالسمن، ولبست الصُّوف، وتركتها عظاماً، مَا تقَعْقع ". قيل: طَاف الرشيد بِالْبَيْتِ فوطئ جَرَادَة، فَلم يدر مَا عَلَيْهِ فِيهَا، فَبعث الْمَأْمُون إِلَى الفضيل بن عِيَاض، فسلّم عَلَيْهِ وَقَالَ: أَمِير الْمُؤمنِينَ يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام وَيَقُول: لنا إِلَيْك حَاجَة فَأحب أَن تصير إِلَيْنَا، فَلم يُجب الفضيل بِشَيْء، فَرجع الْمَأْمُون وَقَالَ: رَأَيْت رجلا لَيست بِهِ إِلَيْك حَاجَة، فَقَامَ الرشيد مغضباً حَتَّى تخوّفنا على الفضيل مِنْهُ، قَالَ: فَوقف عَلَيْهِ وسلّم، فوسّع الفُضيل، أورد السَّلَام عَلَيْهِ، فَلَمَّا جلس أقبل على الفضيل فَقَالَ: رَحِمك الله، قد كَانَ الْوَاجِب أَن تَأْتِينَا، وتعرف حقّنا؛ إِذْ ولاّنا الله أُمُوركُم، وصيرنا الحكُام فِي دمائكم، والذابين عَن حريمكم، وَإِذ لم تأتنا فقد أَتَيْنَاك، إِنِّي وطِئت الْآن فِي الطّواف على جندبة فَمَا دِيَتهَا؟ قَالَ: فَبكى الفضيل بكاء شَدِيدا حَتَّى علا صَوته، وَقَالَ: إِذا كَانَ الرَّاعِي يسْأَل الْغنم هَلَكت الْغنم، وَإِنَّمَا يجب على الرَّاعِي أَن يرتاد لغنمه الرعى وجيد الْكلأ وعذب المَاء، فَإِذا كنت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ غافلاً عَن معالم الدّين فَبِأَي شَيْء تسوس رعيتك؟ قَالَ: فَخَجِلَ الرشيد حَتَّى عرق وَانْصَرف. اخْتلفُوا بِحَضْرَة الزُّهْرِيّ فِي معنى قَول الْقَائِل: فلَان زاهد، فَقَالَ الزُّهْرِيّ: الَّذِي لَا يغلب الْحَرَام صبره وَلَا الْحَلَال شكره. قَالَ عمر بن ذَر: الْحَمد لله الَّذِي جعلنَا من أمة تُغفر لَهُم السَّيِّئَات وَلَا تُقبل من غَيرهم الْحَسَنَات. قَالَ يُونُس بن عبيد: سَمِعت ثَلَاث كَلِمَات لم أسمع بِأَعْجَب مِنْهُنَّ: قَول حسان ابْن أبي سِنَان: مَا شَيْء أَهْون من ورع، إِذا رَابَك شَيْء فَدَعْهُ. وَقَول ابْن

стр. 1584

سِيرِين: مَا حسدت أحدا على شَيْء قطّ. وَقَول موّرق الْعجلِيّ: لقد سَأَلت الله حَاجَة أَرْبَعِينَ سنة مَا قَضَاهَا وَلَا يئست مِنْهَا، قيل: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: ترك مَا لَا يعنيني. قَالَ أَبُو حَازِم الْأَعْرَج: إِن عوفينا من شَرّ مَا أُعطينا لم يضرنا فقد مَا زوي عَنَّا. وَقَالَ: الدُّنْيَا غرّت أَقْوَامًا فعملوا فِيهَا بِغَيْر الْحق ففاجأهم الْمَوْت فخلّفوا مَا لَهُم لمن لَا يحمدهم، وصاروا إِلَى من لَا يعذرهم، وَقد خلفنا بعدهمْ فَيَنْبَغِي لنا أَن نَنْظُر إِلَى الَّذِي كرهنا مِنْهُم فنجتنبه، وَالَّذِي غبطناهم بِهِ فنستعمله. قَالَ قَتَادَة: يُعطي الله العَبْد على نِيَّة الْآخِرَة مَا شَاءَ من الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَلَا يُعْطِيهِ على نِيَّة الدُّنْيَا إِلَّا الدُّنْيَا. قَالَ مطرّف بن عبد الله: لَا تنظروا إِلَى خفض عيشهم، ولين لباسهم، وَلَكِن انْظُرُوا إِلَى سرعَة ظعنهم، وَسُوء منقلبهم. لقى ناسك ناسكاً وَمَعَهُ خف، فَقَالَ لَهُ: مَا تصنع بِهَذَا؟ قَالَ: عدَّة للشتاء، قَالَ: كَانُوا يستحيون من هَذَا. رأى ناسك ناسكاً فِي الْمَنَام فَقَالَ: كَيفَ وجدت الْأَمر يَا أخي؟ قَالَ: وجدنَا مَا قدّمنا، وغرمنا مَا أنفقنا، وَخَسِرْنَا مَا خلّفنا. قَالَ أَبُو حَازِم: نَحن لَا نُرِيد أَن نموت حَتَّى نتوب، وَنحن لَا نتوب حتة نموت. قَالُوا: لَيْسَ فِي النَّار عَذَاب أَشد على أَهلهَا من علمهمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ لكربهم تَنْفِيس، وَلَا لضيقهم ترفيه، وَلَا لعذابهم غَايَة، وَلَيْسَ فِي الْجنَّة نعيم أبلغ من علمهمْ بِأَن ذَلِك الْملك لَا يَزُول. سمع مطرّف رجلا يَقُول: أسْتَغْفر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ، فَأخذ بذراعه وَقَالَ: لَعَلَّك لَا تفعل! من وعد فقد أوجب. قَالَ رجل من الزهاد: إِذا ابْتليت أَن تدخل مَعَ النَّاس إِلَى سُلْطَان فَإِذا أخذُوا فِي الثَّنَاء فَخذ فِي الدُّعَاء.

стр. 1585

رُوِيَ أَن عبد الْملك قَالَ حِين ثقل وَرَأى غسالاً يلوي ثوبا بِيَدِهِ: وددت أَنِّي كنت غسالاً لَا أعيش إِلَّا بِمَا أكسب يَوْمًا فيوماً فَذكر ذَلِك لأبي حَازِم فَقَالَ: " الْحَمد لله الَّذِي جعلهم عِنْد الْمَوْت يتمنون مَا نَحن فِيهِ، وَلَا نتمنى عِنْد الْمَوْت مَا هم فِيهِ ". كَانَ الرّبيع بن خشيم إِذا قيل لَهُ: كَيفَ أَصبَحت أَبَا يزِيد؟ قَالَ: مذنبين نَأْكُل أرزاقنا وَنَنْظُر آجالنا. قَالَ بعض الْمُلُوك لبَعض الزهاد: اذمم الدُّنْيَا، فَقَالَ: أَيهَا الْملك، هِيَ الآخذة لما تُعطي، الموّرثة بعد ذَلِك النَّدَم، السالبة مَا تكسو، الوارثة بعد ذَلِك الفضوح، تسد بالأراذل مَكَان الأفاضل، والعجزة مَكَان الحزمة، تَجِد فِي كل من كل خلفا، وترضى بِكُل من كل بَدَلا، تُسكن دَار كل قرن قرنا، وتُطعم سُؤْر كل قوم قوما. ذكر أَنه كَانَ للنعمان بن الْمُنْذر إخْوَة ثَلَاثَة يُقَال لأَحَدهم: مَالك، وَللْآخر عَمْرو، هُوَ محرّق، وَالثَّالِث عَلْقَمَة، وَكَانَ مَالك ذَا فضل بيّن، وَرَأى جزل، فَهَلَك مَالك فأعظم ذَلِك عَمْرو وكربه - وَكَانَ عَمْرو مرجوّاً عِنْد عَامَّة مَمْلَكَته لبوائق الدَّهْر، وحوادث الْأَيَّام - فَلَمَّا رأى الْمُنْذر بن النُّعْمَان بن الْمُنْذر مَا بِعَمِّهِ عَمْرو من الوجد على مَالك أفظعه ذَلِك وكربه، وكسف باله وَغير حَاله، وَدخل عَلَيْهِ من ذَلِك مَا كَاد أَن يكون شبيهاًَ بِمَوْت مَالك فَسَأَلَ الْمُنْذر بن النُّعْمَان أَبَاهُ أَن يجمع لَهُ رُؤَسَاء أهل مَمْلَكَته وعلماءهم وخطباءهم وحلماءهم وَذَوي الشّرف مِنْهُم، ثمَّ يَأْذَن لَهُ فِي الْكَلَام وَالْقِيَام فِي أَمر مَالك، والتعزية بِعَمِّهِ. فَأَجَابَهُ أَبوهُ النُّعْمَان إِلَى ذَلِك، وَأَعْجَبهُ مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا توافت الرِّجَال احتفل النُّعْمَان - يَعْنِي حفّل الْمجْلس، وحشدهم، وأنزلهم على قدر مَنَازِلهمْ - فَلَمَّا أخذُوا مجَالِسهمْ قَامَ الْمُنْذر ابْن النُّعْمَان فثنيت لَهُ نمرقة الشّرف على مِنْبَر الْكَرَامَة عَن يَمِين النُّعْمَان - وَهُوَ كَبِير الْمُتَكَلِّمين فِي جسيم الْأُمُور - فَرفع صَوته فَقَالَ: يَا عَمْرو، يَا ابْن ثَمَرَة الرَّأْي ومعدن الْملك، إِنَّمَا الْخلق للخالق، وَالشُّكْر للمنعم، وَالتَّسْلِيم للقادر، وَلَا بُد مِمَّا هُوَ كَائِن.

стр. 1586

يَا عَمْرو، إِنَّه لَا أَضْعَف من مَخْلُوق، وَلَا أقوى من خَالق، وَلَا أقوى مِمَّن طلبته فِي يَدَيْهِ، وَلَا أعجز مِمَّن هُوَ فِي يَد طَالبه. يَا عَمْرو، إِن التفكر نور، والغفلة ظلمَة والجهالة ضَلَالَة، وَقد ورد الأول، وَالْآخر مسوق متعبد، وَفِي الأسى عزاء، والسعيد من وعظ بِغَيْرِهِ. يَا عَمْرو، إِنَّه قد جَاءَك مَا لَا يرد، وَذهب عَنْك مَا لَيْسَ براجع، فَمَا الْحِيلَة لبَقَاء مَا سيذهب؟ . يَا عَمْرو، إِنَّمَا الشَّيْء من مثله، وَقد مَضَت قبلنَا أصُول نَحن فروعها، فَمَا بَقَاء فرع بعد أَصله. يَا عَمْرو، انْظُر إِلَى طَبَقَات حالاتك من لدن فِي صلب أَبِيك إِلَى أَن بلغت منزلَة الشّرف، وحد الْعقل، وَغَايَة الْكَرَامَة، فَهَل قدرت - أَو قدرُوا - على أَن ينقلوك أَو تنْتَقل عَن طبقَة قبل انْقِضَائِهَا، أَو بتعجيل نعْمَة قبل أَوَان تحيّنها؟ وَانْظُر إِلَى آبَائِك الَّذين كَانُوا أهل الْملك والأخلاق المحمودة، هَل وجدوا سَبِيلا - أَو وجدت لَهُم - إِلَى بَقَاء مَا أحبّوا أَو بقوا بعده؟ . يَا عَمْرو، فلأي أَيَّام الدَّهْر ترتجي؟ أيوم لَا يَجِيء بِمَا فِي غَيره، أَو يَوْم لَا يسْتَأْخر مَا فِيهِ عَن أَوَان مَجِيئه؟ وَانْظُر إِلَى الدَّهْر تَجدهُ أَيَّامًا ثَلَاثَة: يَوْمًا مضى لَا ترجوه، وَيَوْما بَقِي لَا بُد مِنْهُ، وَيَوْما يَأْتِي لَا تأمنه. يَا عَمْرو أمس موعظة، وَالْيَوْم غنيمَة، وَغدا لَا تَدْرِي من أَهله: فأمس شَاهد مَقْبُول شَهَادَته، وَحَكِيم مؤدب، قد فجعك بِنَفسِهِ، وخلّف فِي يَديك حكمته؛ وَالْيَوْم صديق مودّع، كَانَ طَوِيل الْغَيْبَة، وَهُوَ سريع الظعن، أَتَاك وَلم تأته، وَقد مضى قبله شَاهد عدل، فَإِن كَانَ مَا فِيهِ لَك فَأتبعهُ بِمثلِهِ، وَاتَّقِ اجْتِمَاع شَهَادَتهمَا عَلَيْك؛ وَغدا يَجِيء بِمَا فِيهِ. يَا عَمْرو، إِن أكمل الأداة الصَّبْر عِنْد المصائب، وَالْيَقِين، فَأَيْنَ الْمَهْرَب مِمَّا هُوَ كَائِن؟ إِنَّمَا تنْقَلب فِي كف الطَّالِب. يَا عَمْرو، إِن أهل هَذِه الدَّار سفر لَا يحلّون عقد الرّحال إِلَّا فِي غَيرهَا، وَإِنَّمَا يتبلغون فِيهَا بالعواري، فَمَا أحسن الشُّكْر للمنعم، وَالتَّسْلِيم للمُعير! .

стр. 1587

يَا عَمْرو، من أَحَق بِالتَّسْلِيمِ مِمَّن لَا يجد مهربا من طالبها إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا معينا لَهُ إِلَّا عوناً إِلَيْهِ؟ . يَا عَمْرو، انْظُر مِمَّا جزعت، وَمَا استنكرت، وَمَا تحاول؟ فَإِن كَانَ الْجزع ردك إِلَى ثِقَة من دَرك الطّلبَة، وَكنت قَوِيا على رد مَا كرهت، فَكيف تعجز من الْغَلَبَة على مَا أحبهت؟ فَإِن كنت حاولت - مَغْلُوبًا - فَمن أفنى الْقُرُون الأولى قبلك؟ . يَا عَمْرو، إِنَّه من يتَنَاوَل ثَمَرَة مَا لَا يكون اسْتَقَرَّتْ فِي يَدَيْهِ الخيبة. أَفَمَن هَذَا الْمَعْدن ترجو دَرك الْغَنِيمَة؟ . با عَمْرو، " إِن أعظم الْمُصِيبَة سوء الْخلف مِنْهَا ". يَا عَمْرو، " إِن الْعلم لَا ينَال إِلَّا بالتعلم " فَمن رَأَيْت تعلم مَا لَا يعلم، وَأدْركَ مَا لَا يكون فِيمَن كَانَ قبلك؟ . يَا عَمْرو، فَمَا غناؤك فِي طلب من فِي طَلَبك أم كَيفَ رَجَوْت رَجْعَة مَالك إِلَيْك وَأَنت تساق إِلَيْهِ؟ وَمَا جزعك على الظاعن عَنْك الْيَوْم وَأَنت مرتحل فِي طلبه غَدا؟ وَمَا طمعك فِي رد مَا هُوَ كَائِن بِمَا لَا يكون، فأفق فَإِن الْمرجع قريب، وَلَا تمعن فَيضر بك الْعَمى، وتنوهك الْجَهَالَة، وَأَنت ذُو الْحَظ الْكثير من الدُّنْيَا فِي قسمك، وأخو ذِي الْملك فِي قرابتك، وَابْن الْمُلُوك المتبعن فِي نسبك، قد أَتَاك الْخَبَر فِي كل مَا قَالُوا، وَأَنت غافل، فَلَا تكونن فِي الشُّكْر دون الْحق عَلَيْك. يَا عَمْرو، إِنَّمَا ابتلاك بالمصيبة الْمُنعم، وَأخذ مِنْك الْعَطِيَّة الْمُعْطِي، وَمَا يُرِيد أَكثر، فَإِن نسيت الصَّبْر فَلَا تغفل الشُّكْر، وكلا فَلَا تدع. يَا عَمْرو، إِنَّه لَا أغْنى من منعم، وَلَا أحْوج من منعم عَلَيْهِ وَاحْذَرْ من الْغَفْلَة استلاب النعم وَطول الندامة. وَاعْلَم أَنه لَا أضيع مِمَّن غفل عَن نَفسه وَلَا يغْفل عَنهُ طَالبه. يَا عَمْرو، إِن أَخَاك قد برز لعَظيم صلتك، ولاستكمال كرامتك ولطف بِمَا ترَاهُ لموعظتك.

стр. 1588

يَا عَمْرو، فَهَذَا يَوْم ثَنَاؤُهُ عَظِيم، وَبَقَاء مَا فِيهِ بَعدنَا طَوِيل، وسيحظى بِهِ الْيَوْم السعيد، ويتذكر من مَنَافِعه اللبيب. يَا عَمْرو، إِنَّمَا جمعت مَنَافِع هَذَا الْيَوْم وَجُنُوده لدفع ضرّ الْجَهَالَة عَنْك، وَإِنَّمَا أوقدت مصابيح الْهدى لتيه تحيرك وسهلت سبل الْخَيْر لرجاء رجعتك، فَلم أر كَالْيَوْمِ ضل مَعَ نوره متحير، وَلَا أعيا مداويه سقيم. يَا عَمْرو، مَا أَصْغَر الْمُصِيبَة مَعَ فَائِدَة أهل الْغَنِيمَة غَدا، وَكثر فِيهِ خيبة الخائب. يَا عَمْرو، إِن أَبَت نَفسك إِلَّا علم رأى من جَمِيع التجارب فقد كفيت فاسمع جوابهم: زعم فرسَان الحروب وقادة الْجنُود أَنه غلب على مَالك غَالب آبَائِك أهل التتويج وَالْملك الْكَبِير، وَزعم حفظَة الخزائن أَنَّهَا عوار عِنْد كم أهل الْبَيْت، وانها لَا تقبل فِي فكاك الْأُسَارَى، وَزعم رُؤَسَاء الْأَطِبَّاء أَن مَالِكًا هلك بداء معلميهم الَّذين مَاتُوا بِهِ، وَلَا دَوَاء لدائهم ذَلِك، وَزعم أهل التجارب وَالْحِيلَة الْكُبْرَى أَن صَاحب مَالك قد شغلهمْ بِأَنْفسِهِم عَنْك، فَإِن فرغوا أتوك. يَا عَمْرو، وَقد أسْرع فِيك الدَّاعِي، وأعذر فِيك الطَّالِب، وانْتهى الْأَمر بك إِلَى حد الرَّجَاء، وَلَا أحد أعظم رزية فِي عقله مِمَّن ضيع الْيَقِين واعطى الأمل قياده. قَالَ: ثمَّ أقبل الْمُنْذر على الْملك أَبِيه النُّعْمَان فَقَالَ: أَيهَا الْملك الْمُنعم، إِن أعظم العظة الْيَوْم مَا أعطيتهَا بجمعك إيانا وإذنك لنا فِي الْكَلَام، وَخير الْهَدِيَّة للْغَائِب مَا حملتنا، وَإِنَّا أَيهَا الْملك الرفيع جده - مَعَ معرفتنا بِفَضْلِك - لن نرفعك فَوق منزلتك، وَبِحَسْبِكَ أَلا يكون فَوْقك إِلَّا الْخَالِق، وَنعم الْمَخْلُوق أَنْت، ترد الْمُدبر إِلَى حَظه وتكف المتتايع عَن حمقه، وتدل مبتغي الْخَيْر على هَيئته، وَمثل دوائك شِفَاء السقيم. قَالَ: ثمَّ أقبل الْمُنْذر على النَّاس بِالْمَوْعِظَةِ فَقَالَ: أَيهَا النَّاس، إِنَّمَا الْبَقَاء بعد الفناء، وَقد خلقنَا وَلم نك شَيْئا ثمَّ نعود، أَلا إِنَّمَا العوارى الْيَوْم، والهبات غَدا، وَقد رزئنا من قبلنَا، وَلنَا وارثون، قد حَان الرحيل عَن مَحل النَّازِل، أَلا

стр. 1589

وَقد تقَارب تسلب فَاحش، أَو عَطاء زل، فاستصلحوا مَا تقدمون عَلَيْهِ بِمَا تظعنون عَنهُ، واسلكوا سبل الْخَيْر، وَلَا تستوحشوا فِيهَا لقلَّة أَهلهَا، واذْكُرُوا حسن صحابة الله إيَّاكُمْ. أَيهَا النَّاس، إِنِّي أعظكم وأبدأ بنفسي، فاستبدلوا العوارى بالهبات، وارضوا بِالْبَاقِي خلفا، من الفاني تلفاً، وَاحْتَملُوا المصائب بالحسبة تستجلبوا بهَا النعماء واستديموا الْكَرَامَة بالشكر تستوجبوا الزياجة، واعرفوا الْفضل فِي الْبَقَاء فِي النِّعْمَة، والغنى فِي السَّلامَة قبل الْمثلَة الْفَاحِشَة، أَو المثلات السَّيئَة، وَقبل انْتِقَال النعم، ودول الْأَيَّام، وَتصرف الخطوب. أَيهَا النَّاس، إِنَّمَا أَنْتُم فِي هَذِه الدُّنْيَا أغراض تنضل فِيكُم المنايا، وَمَا أَنْتُم فِيهِ نهب للمصيبات: مَعَ كل جرعة لكم شَرق، وَفِي كل أَكلَة لكم غصص، لَا تنالون نعْمَة إِلَّا بِفِرَاق أُخْرَى، وَلَا يسْتَقْبل معمر مِنْكُم يَوْمًا من عمره إِلَّا بهدم آخر من أَجله، وَلَا تجدّد لَهُ زِيَادَة فِي أكله إِلَّا بإنفاد مَا قبله من رزقه، وَلَا يحيا لَهُ أثر إِلَّا مَاتَ لَهُ أثر، فَأنْتم أعوان الحتوف على أَنفسكُم، وَفِي معايشكم أَسبَاب مناياكم، لَا يمنعكم شَيْء مِنْهَا، وَلَا يغيبكم شَيْء عَنْهَا، لَهَا بِكُل سَبَب مِنْكُم صريع يحتزز، ومقرب ينْتَظر، لَا ينجو من حبائلها الحذر، وَلَا يدْفع عَن مقاتله الأريب، وَهَذِه أَنفسكُم تسوقكم إِلَى الفناء، فَلِمَنْ تطلبون الْبَقَاء؟ وَهَذَا اللَّيْل وَالنَّهَار لم يرفعا شَيْئا شرفاً إِلَّا أَسْرعَا الكرة على هدم مَا شرفا بتفريق مَا جمعا. أَيهَا النَّاس، اطْلُبُوا الْخَيْر ووليه، واحذروا الشَّرّ ووليه. وَاعْلَمُوا " أَن خيرا من الْخَيْر معطيه، وشراً من الشَّرّ فَاعله ". ذكر أَن قس بن سَاعِدَة كَانَ يخْطب متوكئاً على عَصا فَيَقُول: مطر ونبات، وآباء وَأُمَّهَات، وذاهب وَآت، وآيات فِي إِثْر آيَات، وأموات بعد أموات، وضوء وظلام، وليال وَأَيَّام، وفقير وغني، وَسَعِيد وشقي، ومحسن

стр. 1590

ومسيء. أَيْن الأرباب الفعلة، ليصلح كل عَامل عمله، كلا بل هُوَ الله إِلَه وَاحِد، لَيْسَ بمولود وَلَا وَالِد، اعاد وَأبْدى، وَإِلَيْهِ المآب غَدا. أما بعد: يَا معشر إياد، أَيْن ثَمُود وَعَاد، وَأَيْنَ الْآبَاء والأجداد، أَيْن الْحسن الَّذِي لم يشْكر، وَالظُّلم الَّذِي لم ينقم؟ كلا وَرب الْكَعْبَة ليعودن مَا بدا، وَلَئِن ذهب يَوْمًا ليعودن يَوْمًا مَا، افهموا مَا سَمِعْتُمْ، واحفظوا وعوا. تمنى قوم عِنْد يزِيد الرقاشِي فَقَالَ: أَتَمَنَّى أَنا كَمَا تمنيتم، فَقَالُوا: تمن، فَقَالَ: ليتنا لم نخلق، وليتنا إِذْ خلقنَا لم نعص، وليتنا إِذْ عصينا لم نمت، وليتنا إِذْ متْنا لم نبعث، وليتنا إِذْ بعثنَا لم نحاسب، وليتنا إِذْ حوسبنا لم نعذب، وليتنا إِذْ عذبنا لم نخلد. قَالُوا إِن رَأس مَال أبي خُزَيْمَة كَانَ درهما وَاحِدًا سِتِّينَ سنة، كَانَ يشترى صُوفًا فيغزله ويبيعه. قَالَ مُحَمَّد بن سَلام: قَالَ لنا يُونُس ذَا صباح: إِنِّي فَكرت فِي أَمر فَاسْمَعُوا، قُلْنَا: هَات، قَالَ: كل من أصبح على وَجه الأَرْض فِي النَّار، فَقُلْنَا مَا تزيد؟ قَالَ: إِلَّا أمتنَا هَذِه، فَإِذا صرت إِلَى أمتنَا فالسلطان وَمن يطِيف بِهِ هلكي إِلَّا الْقَلِيل، وَإِذا قطعت هَذِه الطَّبَقَة حَتَّى تبلغ الشاش والبطائح، فَأَكلَة رَبًّا وباعته وشربة خمر وباعتها إِلَّا الْقَلِيل، وَإِذا خلفت هَذَا الخَنْدَق حَتَّى تَأتي رمل يبرين وأعلام الرّوم، فَلَا غسل من جَنَابَة وَلَا إسباغ وضوء، وَلَا إتْمَام صَلَاة وَلَا علم بحدود مَا أنزل الله على رَسُوله إِلَّا قَلِيل، فَإِذا صرت إِلَى الْأَمْصَار فأصحاب هَذِه الكراسي من أهل السُّوق والكلأ فَلَيْسَ إِلَّا ذِئْب مُستد فر بذئبة، يختلك عَن دينارك ودرهمك، يكذب فِي الْمُرَابَحَة، ويطفف فِي الْمِكْيَال، ويخسر فِي الْمِيزَان، إِلَّا قَلِيل، فَإِذا صرت إِلَى أَصْحَاب هَذِه الغلات الَّذين كفوا المؤونة وأنعم الله عَلَيْهِم، فيُمسى أحدهم سَكرَان، وَيُصْبِح مخموراً إِلَّا قَلِيل، وَالله الرَّحْمَن إِن فِي هَذِه الدَّار معب لقطيعاً، فَإِذا صرت إِلَى قوم دون هَؤُلَاءِ لم يُنعم

стр. 1591

عَلَيْهِم بِمَا أُنعم على هَؤُلَاءِ فواحد طرّار وَآخر يستقفي، فَإِذا صرت إِلَى أَصْحَاب هَذِه السَّوَارِي فَهَذَا يشْهد على هَذَا بالْكفْر، وَهَذِه على هَذَا بِالْبَرَاءَةِ، فوَاللَّه لَئِن لم يعمنا الله بالمغفرة إِنَّهَا للفضيحة. دخل عَمْرو بن عبيد على بعض الْأُمَرَاء وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ فَقَالَ لَهُ: إِن الله تعبّدك فِي حَال الصِّحَّة بِالْعَمَلِ، وَوضع عَنْك فِي هَذِه الْحَال عمل الْجَوَارِح، وَلم يُكلّفك إِلَّا عملا بقلبك، فأعطه بقلبك مَا يجب لَهُ عَلَيْك. كتب ناسك إِلَى آخر يستوصفه الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، فَكتب إِلَيْهِ: الدُّنْيَا حلم، وَالْآخِرَة يقظة، والمتوسط بَينهمَا الْمَوْت، وَنحن فِي أضغاث ننقل إِلَى أجداث. رأى دهثم وَهُوَ أحد العبّاد، رجلا يضْرب غُلَامه، فوعظه وَنَهَاهُ، فَقلب السَّوْط وَأخذ يضْرب دهثما، وتسارع النَّاس، فَقَالَ دهثم دَعوه فقد أمرت بِالْمَعْرُوفِ ونهيت عَن الْمُنكر وأحتاج الْآن أَن أَصْبِر على مَا أصابني، فبذلك نطق الْكتاب. وَكَانَ مَعْرُوف الْكَرْخِي يَقُول: ليكن الله جليسك وأنيسك وَمَوْضِع شكواك، فَإِن النَّاس لَا ينفعون وَلَا يضرون، وَلَا يُعْطون وَلَا يحرمُونَ، و " إِن شِفَاء مَا ينزل بك من المصائب كتمامه ".

стр. 1592

الْبَاب الْخَامِس نكت من كَلَام الْعلمَاء والأدباء حكى الصاحب ﵀ عَن الإيجي عَن ابْن دُرَيْد قَالَ: سَمِعت أَبَا حَاتِم يَقُول: فَاتَنِي نصف الْعلم، فَقلت: وَكَيف ذَاك؟ قَالَ: تصدرت وَلم أكن للتصدر أَهلا، وَاسْتَحْيَيْت أَن أسأَل من دوني، وَاخْتلف إِلَى من فَوقِي، فَذَلِك الْجَهْل إِلَى الْيَوْم فِي نَفسِي. وَحكى عَن ابْن المنجم قَالَ: كنت أحضر وَأَنا صَغِير مجْلِس ثَعْلَب فَأرَاهُ رُبمَا سُئِلَ عَن خمسين مَسْأَلَة وَهُوَ يَقُول: لَا أَدْرِي، لَا أعلم، لم أسمع. وَحكي عَن ابْن كَامِل عَن أبي العيناء قَالَ: سَمِعت أَبَا زيد يَقُول: يَا أهل الْبَصْرَة، جِئتُكُمْ بِالْقَلِيلِ الصَّحِيح. مد الشّعبِيّ يَده على مائدة قُتَيْبَة بن مُسلم يلْتَمس الشَّرَاب، فَلم يدر صَاحب الشَّرَاب أأللبن يُرِيد أمِ الْعَسَل أم المَاء، فَقَالَ لَهُ: أَي الْأَشْرِبَة أحب إِلَيْك؟ قَالَ: أعزها مفقوداً، وأهونها مَوْجُودا، قَالَ قُتَيْبَة: اسْقِهِ مَاء. قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: لَو كَانَت ربيعَة فرسا لكَانَتْ شَيبَان غرتها.

стр. 1593

قيل لأبي عُبَيْدَة: إِن الْأَصْمَعِي قَالَ: بَينا أبي يُسَايِر سلم بن قُتَيْبَة على فرس لَهُ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: سُبْحَانَ الله! " المتشبع بِمَا لم يُؤْت كلابس ثوبي زور " وَالله مَا كَانَ يملك أَبوهُ دَابَّة إِلَّا فِي ثِيَابه. وَقَالَ رجل بَين يَدي أبي عُبَيْدَة: إِن الْأَصْمَعِي دعيٌّ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كذبت، لَا يدّعي أحد إِلَى أصمع. قَالَ أَبُو عَمْرو: غَايَة الْمَدْح أَن يمدحك من لَا يُرِيد مدحك، وَغَايَة الذَّم أَن يذمك من لَا يُرِيد أَن يذمك. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: لَا يزَال الْإِنْسَان بِخَير مَا اشْتَدَّ ضرسه وأيره. قَالَ بَعضهم: كنت أَمْشِي مَعَ الْخَلِيل فَانْقَطع شسع نَعْلي، فَخلع نَعله، فَقلت: مَا تصنع؟ فَقَالَ: " أواسيك فِي الحفاء ". قيل للمفضل: لم لَا تَقول الشّعْر وَأَنت من الْعلمَاء بِهِ؟ قَالَ: علمي بِهِ يَمْنعنِي مِنْهُ. قَالَ الْخَلِيل: أشتهي أَن أكون عِنْد الله من أرفع النَّاس، وَعند النَّاس من أَوسط النَّاس، وَعند نَفسِي من أَسْفَل النَّاس. قَالَ رجل للمبرّد: أسمعني فلَان فِي نَفسِي فاحتملته، ثمَّ أسمعني فِيك فجعلتك أسوتي واحتملته، فَقَالَ لَهُ: ليسَا سَوَاء، احتمالك فِي نَفسك حلم، وَفِي صديقك غدر. قَالَ الْخَلِيل: أخرج من منزلي فَألْقى رجلا من أَرْبَعَة: رجلا أعلم مني فَهُوَ يَوْم فائدتي، أَو رجلا مثلي فَهُوَ يَوْم مذاكراتي، أَو تعلماً مني فَهُوَ يَوْم ثوابي، أَو رجلا دوني فِي الْحَقِيقَة، وَهُوَ يرى أَنه فَوقِي، يحاول أَن يتَعَلَّم مني وَكَأَنَّهُ يعلّمني، فَذَاك لَا أهتم بِهِ وَلَا أنظر إِلَيْهِ. قَالَ مُحَمَّد بن مناذر: كنت مَعَ الْخَلِيل فلقي صديقا لَهُ قد ولي عملا، فعذله وَقَالَ لَهُ: أمكنت هَؤُلَاءِ من خلاقك يرتكضون فِيهِ، وَمن دينك يترامون بِهِ، فَاعْتَذر إِلَيْهِ الرجل، فَمَا مَضَت الْأَيَّام حَتَّى ولي الْخَلِيل ضيَاع يزِيد بن حَاتِم

стр. 1594

فَلَقِيَهُ الرجل فَقَالَ: نهيتني عَن شَيْء وأوتيته! فَقَالَ الْخَلِيل: اعْمَلْ بعلمي وَإِن قصّرت فِي عَمَلي ... ينفعك علمي وَلَا يضررك تقصيري لما عزم الرشيد على الْحَج قَالَ لجلسائه، وَفِيهِمْ الْأَصْمَعِي، من يُعادلني على أَلا يسكت؟ فصكتوا إِلَّا الْأَصْمَعِي، فَإِنَّهُ ضمن معادلته على الْوَفَاء بِهَذِهِ الشريطة، فَلَمَّا اسْتَويَا فِي الْقبَّة أَخذ فِي كتاب الْمُبْتَدَأ، فَلم يزل يَسُوقهُ حَتَّى استتمه فِي آخر معادلته إِيَّاه. قَالَ الْخَلِيل: من اسْتعْمل الْجَزْم فِي وَقت الِاسْتِغْنَاء عَنهُ اسْتغنى عَن الاحتيال فِي وَقت الْحَاجة إِلَيْهِ. كَانَ يُونُس يَقُول: " إِذا شهر لَك الأحمق سَيْفا فتوقه بجنة الرِّفْق ". قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: الْغبن غبنان: الغلاء والرداءة، فَإِن استجدت الشرى ذهب أحد الغبنين. قَالَ جحظة: قَالَ لي ثَعْلَب: " الْمَرْأَة الصَّالِحَة كالغراب الأعصم "، وَهُوَ الْأَبْيَض الرجلَيْن، وَلَا يكَاد يُوجد. قَالَ الصولي: كُنَّا عِنْد ثَعْلَب فَغَضب على وَاحِد، ثمَّ سكن بعد إفراط فَقَالَ: حَدثنَا من رأى العتابي يُخَاصم - وَقد زَاد فِي القَوْل فعوتب - فَقَالَ: " إِذا تشاجرت الْخُصُوم طاشت الحلوم، ونُسيت الْعُلُوم ". قَالَ أَبُو مُوسَى الحامض قرئَ على ثَعْلَب من كتاب بِخَط ابْن الْأَعرَابِي خطأ، فَقيل: أفنغير؟ قَالَ: دَعوه ليَكُون عذرا لمن أَخطَأ ".

стр. 1595

وقف رجل حسن الشارة، جميل البزة حُلْو الْإِشَارَة، على الْمبرد فَسَأَلَهُ عَن مَسْأَلَة، فأحال ولحن وتسكع، فَقَالَ لَهُ الْمبرد: يَا هَذَا أنصفنا من نَفسك إِمَّا أَن تلبس على قدر كلامك، وَإِمَّا أَن تَتَكَلَّم على قدر بزتك. قَالَ الْمبرد: كَانَت فِي أَخْلَاق الْحسن بن رَجَاء شراسة، وَفِي كَفه ضيق، فَكتبت إِلَيْهِ: النَّاس - أعز الله الْأَمِير - رجلَانِ: حر وَعبد، فثمن الْحر الْإِكْرَام، وَثمن العَبْد الإنعام، فأصلحه هَذَا القَوْل - لي ولغيري - مُدَّة ثمَّ رَجَعَ إِلَى طبعه. وَقَالَ الْمبرد: إِذا عمل الرجل كتابا أَو قَالَ شعرًا فقد استهدف، فَإِن أحسن فقد استشرف، وَإِن أَسَاءَ فقد استقذف. قَالَ أَبُو العيناء: مَا رَأَيْت مثل الْأَصْمَعِي قطّ، أنْشد بَيْتا من الشّعْر فاختلس الْإِعْرَاب ثمَّ قَالَ: سَمِعت أَبَا عَمْرو بن الْعَلَاء يَقُول: كَلَام الْعَرَب الدرج. وحَدثني عبد الله بن سوار أَن أَبَاهُ قَالَ: الْعَرَب تجتاز بالإعراب اجتيازاً. وحَدثني عِيسَى بن عمرَان أَن أبي إِسْحَاق قَالَ: الْعَرَب ترفرف على الْإِعْرَاب وَلَا تتفيهق فِيهِ. وَسمعت يُونُس يَقُول: الْعَرَب تشام الْإِعْرَاب وَلَا تحَققه. وَسمعت الخشخاش بن جناب يَقُول: الْعَرَب تقع بالإعراب وَكَأَنَّهَا لم ترده. وَسمعت أَبَا الْخطاب يَقُول: إِعْرَاب الْعَرَب الخطف والحذف، قَالَ: فتعجب كل من حضر مِنْهُ. قَالَ أَحْمد بن المعذل: لما جَاءَنَا الْأَخْفَش ليؤدبنا قَالَ: جنبوني ثَلَاثَة أَشْيَاء: أَن تَقولُوا: بس، وَأَن تَقولُوا: هم، وَلَيْسَ لفُلَان بخت. قَالَ الصولي: قَالَ لي مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِسْحَاق وَقد تَذَاكرنَا فضل الْمبرد فَقَالَ: مَا رأى مثل نَفسه؛ دخل إِلَى عِيسَى بن فرخانشاه - وَقد رَضِي لَهُ بعد أَن غضب عَلَيْهِ - فَقَالَ لَهُ: أعزّك الله، لَوْلَا تجرع مرَارَة الْغَضَب مَا التذت حلاوة الرضى، وَلَا يحس مدح الصفو إِلَّا عِنْد ذمّ الكدر، وَلَقَد أحسن هَذَا

стр. 1596

البحتري فِي قَوْله: مَا كَانَ إِلَّا مُكَافَأَة وتكرمةً ... هَذَا الرضى، وامتحاناً ذَلِك الْغَضَب وَرُبمَا كَانَ مَكْرُوه الْأُمُور إِلَى ... محبوبها سَببا مَا مثله سَبَب فَقَالَ لَهُ عِيسَى: أَطَالَ الله بَقَاءَك، وَأحسن عَنَّا جزاءك، قَائِل كَمَا قَالَ أَبُو نواس: من لَا يعد الْعلم إِلَّا مَا عرف ... كُنَّا مَتى نشَاء مِنْهُ نغترف ... رِوَايَة لَا تُجتنى من الصُّحُف ... وَأَنا أصل البحتري لتمتلك بِشعرِهِ، وَوَصله بِنَحْوِ صلته. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: ألأم النَّاس الأغفال الَّذين لم يهجوا وَلم يمدحوا. قَالَ أَبُو حَاتِم: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لَا تردن على أحد خطأ فِي حفل؛ فَإِنَّهُ يَسْتَفِيد مِنْك: ويتخذك عدوا. قَالَ الْخَلِيل: قَوْلهم: " أرسل حكيماً وَلَا توصه " هُوَ الدِّرْهَم. صَار أَبُو العيناء إِلَى الْأَصْمَعِي فَقَالَ لَهُ: مَا مَعَك؟ قَالَ: شعر الْمَجْنُون، قَالَ: لَيْسَ لَهُ عِنْدِي إِسْنَاد، فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّانِي أَتَاهُ فَقَالَ: مَا مَعَك؟ قَالَ: شعر المخبلّ، قَالَ: أمس مَعَك الْمَجْنُون، وَالْيَوْم المخبل، إِذا كَانَ غَدا تعال أَنْت وَحدك. سُئِلَ أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد لما سميت الْمبرد؟ قَالَ: كَانَ سَبَب ذَلِك أَن صَاحب الشرطة طلبني للمنادمة والمذاكرة، فَكرِهت ذَلِك، فَدخلت يَوْمًا إِلَى أبي حَاتِم السجسْتانِي، فجَاء رَسُول الْوَالِي يطلبني، فَقَالَ لي أَبُو حَاتِم: ادخل فِي

стр. 1597

هَذَا، يَعْنِي غلاف مزملة فَارغًا، فَدخلت فِيهِ، وغطى رَأسه، ثمَّ خرج إِلَى الرَّسُول، فَقَالَ: لَيْسَ هُوَ عِنْدِي، فَقَالَ: أُخبرت أَنه دخل إِلَيْك، قَالَ: فَادْخُلْ الدَّار وفتشّها، فَدخل وَطَاف فِي كل مَوضِع من الدَّار، وَلَك يفْطن للغلاف ثمَّ خرج، فَجعل أَبُو حَاتِم يصفق وَيَقُول: الْمبرد الْمبرد، وتسامع النَّاس بذلك فلهجوا بِهِ. قَالَ اليوسفي الْكَاتِب كنت يَوْمًا عِنْد أبي حَاتِم السجسْتانِي إِذا أَتَاهُ شَاب من أهل نيسابور فَقَالَ: يَا أَبَا حَاتِم، إِنِّي قدمت بلدكم، وَهُوَ بلد الْعلم وَالْعُلَمَاء، وَأَنت شيخ أهل الْمَدِينَة، وَقد أَحْبَبْت أَن أَقرَأ عَلَيْك كتاب سِيبَوَيْهٍ، فَقَالَ لَهُ: الدّين النَّصِيحَة، إِذا أردْت أَن تنْتَفع بِمَا تَقْرَأهُ فاقرأ على هَذَا الْغُلَام - مُحَمَّد بن يزِيد - فتعجبت من ذَلِك. قَالَ الْمبرد: الْغَيْبَة جهد الْعَاجِز. وَكتب يَوْمًا كتابا إِلَى الطَّائِي يعْتَذر فِيهِ ثمَّ أَخّرهُ وَقَالَ: الْكتاب إِلَى الطَّائِي بِمَنْزِلَة الديكبريكة إِن أقللت خلّها صَارَت قلبّة، وَإِن زِدْت فِيهَا صَارَت سكباجاً، وأكره أَن أعرب فَلَا يفهم أَو أقصّر فيستخف بِالْكتاب. قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: الْغبن فِي شَيْئَيْنِ الغلاء والرداءة، فَإِن استجدت الشّرى أحرزت أحد الغبنين. قَالَ الْأَصْمَعِي: رَأَيْت فرس أبي النَّجْم الَّذِي قَالَ فِيهِ: فَجَاءَت الْخَيل وَنحن نشكله ... فقومته أَرْبَعِينَ درهما.

стр. 1598

ورؤي بعض الْعلمَاء، وَهُوَ يكْتب - من فَتى - حَدِيثا، فَقيل لَهُ، مثلك يكْتب عَن هَذَا؟ فَقَالَ: أما إِنِّي أحفظ لَهُ مِنْهُ، لكني أردْت أَن أذيقه كأس الرياسة لِيَدْعُوهُ ذَلِك إِلَى الازدياد من الْعلم. سَأَلَ كيسَان خلفا فَقَالَ: يَا أَبَا مُحرز، عَلْقَمَة بن عُبَيْدَة جاهلي أَو من بني ضبة؟ فَقَالَ: يَا مَجْنُون، صحّح الْمَسْأَلَة حَتَّى يَصح الْجَواب. قَالَ بَعضهم: التَّعْلِيق فِي حَوَاشِي الْكتب كالشنوف فِي آذان الْأَبْكَار. قَالَ أَبُو إِسْحَاق الكلابزي: تخرّق كتاب سِيبَوَيْهٍ فِي كم الْمَازِني نيفاً وَعشْرين مرّة. ذكر شُعْبَة بن الْحجَّاج عِنْد أبي زيد الْأنْصَارِيّ فَقَالَ: هَل الْعلمَاء إِلَّا شُعْبَة من سعبة؟ أخبرنَا بذلك الصاحب ﵀ قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن خلف قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن الْقَاسِم أَبُو العيناء عَن أبي زيد. قَالَ الْخَلِيل: كن على مدارسة مَا فِي قَلْبك أحرص مِنْك على حفظ مَا فِي كتبك. وَقَالَ أَيْضا: اجْعَل مَا فِي كتبك رَأس مَال، وَمَا فِي صدرك للنَّفَقَة. قَالَ الْأَصْمَعِي: كَانَ يُقَال: ثَلَاثَة يحكم لَهُم بِالنَّبلِ حَتَّى يُدرى من هم، وهم: رجل رَأَيْته رَاكِبًا، أَو سمعته يعرب، أَو شممت مِنْهُ طيبا، وَثَلَاثَة يحكم عَلَيْهِم بالاستصغار حَتَّى يدرى من هم، وهم: رجل شممت من رَائِحَة نَبِيذ فِي محفل، أَو سمعته فِي مصر عَرَبِيّ يتَكَلَّم بِالْفَارِسِيَّةِ، أَو رجل رَأَيْته على ظهر طَرِيق يُنازع فِي الْقدر. قَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد: الْأَيَّام ثَلَاثَة: مَعْهُود ومشهود وموعود، فالمعهود أمس، والمشهود الْيَوْم، والموعود غَدا، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كُنَّا نكتب عَن أَعْرَابِي فصيح أرجوزةً ومعنا كيسَان، فطالت حَتَّى نفدت أَلْوَاح كيسَان فَجعل يمحو مَا كتب فِي أول ألواحه مِنْهَا، فَقلت: وَيحك لم تفعل هَذَا؟ فَقَالَ: حَتَّى تكون الأرجوزة عِنْدِي بِتَمَامِهَا.

стр. 1599

قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أدخلني الْفضل بن يحيى على الرشيد، فَقَالَ لي: يَا معمر، بَلغنِي أَنَّك وضعت كتابا فِي الْخَيل حسنا، وَأَنا أشتهي أَن أسمعهُ، قَالَ: وَكَانَ عِنْده الْأَصْمَعِي فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَمَا تصنع بِكِتَاب؟ نجيء بفرس السَّاعَة فنصفه، فَقَالَ الرشيد: هاتوا فرسا، فَمَا كَانَ أسْرع أَن جِيءَ بِهِ، فَقَالَ الْأَصْمَعِي فَأخذ بأذنه ثمَّ قَالَ: هَذَا كَذَا وَقَالَ فِيهِ الشَّاعِر: كَذَا، وَهَذَا كَذَا وَقَالَ فِيهِ الشَّاعِر: كَذَا، قَالَ: فَأقبل عليّ الرشيد فَقَالَ: مَا تَقول يَا معمر فِيمَا قَالَ؟ قَالَ: قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أصَاب فِي بعض، وَأَخْطَأ فِي بعض، فَأَما مَا أصَاب فِيهِ فمني تعلّمه، وَأما مَا أَخطَأ فِيهِ فَلَا أَدْرِي من أَيْن جَاءَ بِهِ، والرشيد يضْحك. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الْعَارِضَة كِنَايَة عَن البزا. قَالَ يُونُس: المفحم يَأْتِيهِ دون مَا يرضى، وَيطْلب فَوق مَا يقوى. قَالَ الْأَصْمَعِي: قَالَ لي أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: من عرف فضل من فَوْقه عرف فَضله فَإِن جَحد جُحد. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: لَا تأت إِلَّا من ترجو نائله، أَو تخَاف سطوته، أَو ترجو بركَة دُعَائِهِ أَو تقتبس من عمله.

стр. 1600

الْبَاب السَّادِس الْكبر المستحسن والمستقبح قَالَ أَبُو عُثْمَان: من الْكبر المستحسن قَول وَكِيع بن أبي سود لعدي بن أَرْطَاة حِين قَالَ: سو عليّ ثوبي فَقَالَ لَهُ: أذكرتني ضيق خفّي، أَيهَا الْأَمِير، خُذ خفّي، فَضَحِك عدي وَقَالَ: يَا أَبَا مطرف، إِن الجليس ليلِي من جليسه أَكثر من هَذَا. فَقَالَ: إِذا عُزلت فكلفنا مَا أَحْبَبْت، ثمَّ ركب الْحسن الْبَصْرِيّ فَأخذ وَكِيع - مُتَبَرعا - بركابه حَتَّى ركب، فَاسْتحْسن ذَلِك الْكبر مَعَ هَذَا التَّوَاضُع. دخل عمَارَة بن حَمْزَة على الْمَنْصُور فَقعدَ فِي مَجْلِسه، وَقَامَ رجل فَقَالَ: مظلوم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: من ظلمك؟ قَالَ: عمَارَة غصبني ضيعتي، فَقَالَ الْمَنْصُور: يَا عمَارَة قُم فَاقْعُدْ مَعَ خصمك، فَقَالَ: مَا هُوَ لي بخصيم؛ إِن كَانَت الضَّيْعَة لَهُ فلست أنازعه فِيهَا، وَإِن كَانَت لي فَهِيَ لَهُ، وَلَا أقوم من مجْلِس قد شرفني أَمِير الْمُؤمنِينَ بالرفعة إِلَيْهِ لأقعد فِي ادنى مِنْهُ بِسَبَب ضَيْعَة. لما عزل الْحجَّاج أُميَّة بن عبد الله عَن خُرَاسَان أَمر رجلا من بني تَمِيم فعابه بخراسان وشنّع عَلَيْهِ، فَلَمَّا قفل لقِيه التَّمِيمِي فَقَالَ: أصلح الله الْأَمِير لَا تلمني فَإِنِّي كنت مَأْمُورا فَقَالَ: يَا أَخا بني تَمِيم، وحدثتك نَفسك أَنِّي وجدت عَلَيْك؟ قَالَ: قد ظَنَنْت ذَلِك، قَالَ: إِن لنَفسك عنْدك قدرا. جرى بَين الرشيد وزبيدة نزاهة نفس عمَارَة بن حَمْزَة وَكبره، فَقَالَت لَهُ: ادْع بِهِ وهب لَهُ سبحتى هَذِه، فَإِن شراءها خَمْسُونَ ألف دِينَار، فَإِن ردهَا عرفنَا نزاهته، فوجّه إِلَيْهِ فَحَضَرَ، فحادثه وَأَعْطَاهُ السبحة، فَجَعلهَا عمَارَة بَين يَدَيْهِ،

стр. 1601

فَلَمَّا قَامَ تَركهَا، فَقَالَت: أنسيها؟ فأتبعوه خَادِمًا بالسبحة، فَقَالَ للخادم: هِيَ لَك، فَرجع وَقَالَ: وَهبهَا لي عمَارَة، فأعطت زبيدة بهَا الْخَادِم ألف دِينَار وأخذتها. وَقد رُوِيَ أَن هَذَا الْخَبَر كَانَ مَعَ أبي الْعَبَّاس السفاح وَزَوجته أم سَلمَة. كَانَ مَالك بن مسمع بن شَيبَان بن شهَاب، أحد بني قيس بن ثَعْلَبَة، وَإِلَيْهِ تنْسب المسامعة، سيد بكر بن وَائِل فِي الْإِسْلَام، وَهُوَ الَّذِي قَالَ - لِعبيد الله بن زِيَاد بن ظبْيَان، أحد بني تيم اللات بن ثَعْلَبَة، وَكَانَ حَدثهُ أَمر مَسْعُود بن عَمْرو من الأزد وَلم يُعلمهُ فَقَالَ لَهُ عبيد الله، وَهُوَ أحد فتاك الْعَرَب، وَقَاتل مُصعب بن الزبير -: أَيكُون مثل هَذَا الحَدِيث وَلَا تعلمني؟ لقد هَمَمْت أَن أضرمها عَلَيْك نَارا، فَقَالَ مَالك: اسْكُتْ أَبَا مطر، فوَاللَّه إِنَّك فِي كِنَانَتِي سهم أَنا أوثق بِهِ مِنْك، فَقَالَ لَهُ عبيد الله: أَنا فِي كنانتك ﴿فوَاللَّه لَو قُمْت فِيهَا لطلتها، وَلَو قعدت فِيهَا لخرقتها، فَقَالَ مَالك - وَأَعْجَبهُ -: أَكثر الله فِي الْعَشِيرَة مثلك، فَقَالَ: سَأَلت رَبك شططاً. خطب عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَى عقيل بن علّفة ابْنَته على أحد بنيه - وَكَانَت لعقيل إِلَيْهِ حاجات - فَقَالَ: أما إِذْ كنت فَاعِلا فجنبني هجناءك. وَحدث الجاحظ قَالَ: أتيت أَبَا الرّبيع الغنوي، وَكَانَ من أفْصح النَّاس وأبلغهم، وَمَعِي رجل من بني هَاشم فناديت: أَبُو الرّبيع هَا هُنَا؟ فَخرج إِلَيّ وَهُوَ يَقُول: خرد إِلَيْك رجل كريم، فَلَمَّا رأى الْهَاشِمِي استحيا من الْفَخر بِحَضْرَتِهِ فَقَالَ: أكْرم النَّاس رديفاً، وأشرفهم حليفا﴾ فَتحدث مَلِيًّا، ونهض الْهَاشِمِي، فَقلت: يَا أَبَا الرّبيع من خير الْخلق؟ قَالَ: النَّاس وَالله، قلت فَمن خير النَّاس؟ قَالَ: الْعَرَب وَالله، قلت فَمن خير الْعَرَب؟ قَالَ: مُضر وَالله، قلت: فَمن خير مُضر؟ قَالَ: قيس وَالله، قلت: فَمن خير قيس؟ قَالَ: يعصر وَالله، فَقلت: فَمن خير يعصر؟ قَالَ: غَنِي وَالله، قلت: فَمن خير غَنِي؟ قَالَ: الْمُخَاطب لَك وَالله، قلت: فَأَنت خير الْخلق؟ قَالَ: إِي وَالله، قلت: أيسرّك أَن تكون ابْنة يزِيد بن الْمُهلب تَحْتك؟ قَالَ: لَا وَالله، قلت: وَلَك ألف دِينَار، قَالَ: لَا وَالله، قلت: فألفا دِينَار، قَالَ: لَا وَالله، قلت: وَلَك الْجنَّة، فَأَطْرَقَ مَلِيًّا ثمَّ قَالَ: على أَلا تَلد مني.

стр. 1602

قَوْله: أكْرم النَّاس رديفاً وأشرفهم حليفا، فَإِن أَبَا مرئد الغنوي كَانَ رَدِيف رَسُول الله ﷺ ، وحليف حَمْزَة بن عبد الْمطلب ﵀. يرْوى عَن الْأَصْمَعِي أَنه رأى رجلا يختال فِي أزيرة فِي يَوْم قر فَقَالَ لَهُ: مِمَّن أَنْت يَا مقرور؟ قَالَ: أَنا ابْن الوحيد، أَمْشِي الْخَيْر لي، ويدفئني حسبي. وَقيل لآخر فِي مثل هَذِه الْحَال: أما يوجعك الْبرد؟ قَالَ: بلَى، ولكنني أذكر حسبي فأدفأ. كَانَ عَوْف ابْن الْقَعْقَاع بن معبد بن زراة من أتيه النَّاس وأشدهم وأجفاهم، قَالَ لَهُ رجل مرّة: الطَّرِيق يَا عبد الله، فَقَالَ: أعبد الله أَنا؟ فَكَانَ الْحجَّاج يَقُول: لَو أَدْرَكته لقتلته تقرباً إِلَى الله . كَانَ جذيمة الأبرش لَا ينادمه أحد تَعَظُّمًا وَيَقُول: إِنَّمَا ينادمني الفرقدان ونظن أَن قَول الشَّاعِر: وَكُنَّا كندماني جذيمة حقبةً ... أَرَادَ بِهِ الفرقدين، وَلَيْسَ كَمَا ذكرته الروَاة من حَدِيث مَالك وَعقيل، فَإِنَّهُمَا كَانَ يجوز عَلَيْهِمَا الِافْتِرَاق وَلَا يجوز ذَلِك لفرقين. حكى ابْن ثوابة أَنه قَالَ لغلامه: اسْقِنِي مَاء فَقَالَ: نعم، إِنَّمَا تقوا: من يقدر أَن يَقُول: لَا، وَأمر بصفعه. ودعا يَوْمًا أكارا وَكَلمه، فَلَمَّا فرغ دَعَا بِمَاء وتمضمض استقذاراً لمخاطبته.

стр. 1603

الْبَاب السَّابِع نَوَادِر فِي الْجُود والسخاء ومحاسن الْأَخْلَاق كَانَ هرم بن سِنَان آلي على نَفسه أَلا يسلّم عَلَيْهِ زُهَيْر إِلَّا أعطَاهُ، فقلّ مَال هرم فأبقى عَلَيْهِ زُهَيْر، فَكَانَ يمر بالنادي، وَفِيه هرم، فَيَقُول: أنعموا صباحاً مَا خلا هرماً وَخير الْقَوْم تركت. آتى الْحسن بن شهريار الْحسن بن سهل فكلّمه فِي رجل فَقَالَ لَهُ: الْعِيَال متوافرون، والضياع متحيّفة، والوظائف قَائِمَة، وَذُو الْعَادة لَا يرضيه دون عَادَته، وَقد أمرت لَهُ بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، فَقَالَ لَهُ الْحسن بن شهريار: إِنَّمَا مِقْدَار الرجل الَّذِي سَأَلتك أَن يُعطى ألفا وألفين، فَقَالَ: يَا حسن، إِن لكل شَيْء زَكَاة، وَزَكَاة الجاه بذله، فَإِذا أجْرى الله لإِنْسَان على يدك خيرا فَلَا تعترض فِيهِ. كَانَ طَلْحَة بن عبد الله بن عَوْف الزُّهْرِيّ أَجود قُرَيْش فِي زَمَانه، فَقَالَت لَهُ امْرَأَته: مَا رَأَيْت قوما الْأُم من إخوانك، قَالَ لَهَا، لمه وَأَنِّي قلت؟ قَالَت: أَرَاهُم إِذا أَيسَرت أتوك، وَإِن أعسرت تركوك، قَالَ: هَذَا وَالله من كرمهم، يأتوننا فِي حَال الْقُوَّة عَلَيْهِم، ويتركوننا فِي حَال الْعَجز عَنْهُم. بعث روح بن حَاتِم بن الْمُهلب إِلَى رجل بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، وَكتب إِلَيْهِ: قد وجّهت إِلَيْك بِمَا لَا أقلله تكبراً، وَلَا أَكْثَره تمنناً، وَلَا أستثيبك عَلَيْهِ ثَنَاء، وَلَا أقطع لَك بِهِ رَجَاء. وصف رجل خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي بالشجاعة، ورد عَلَيْهِ بعض من حضر وَقَالَ: إِن خَالِدا لم يشْهد حَربًا قطّ، فَقَالَ لَهُ صَاحبه: اسْكُتْ فَإِن الصَّبْر عِنْد الْجُود أعظم من الصَّبْر عِنْد الْبَأْس. لما قُتل جَعْفَر بن يحيى قَالَ أَبُو النواس: مضى وَالله الْكَرم والجود وَالْأَدب وَالْعقل، فَقيل لَهُ: وَيحك! تهجوه فِي حَيَاته وتمدحه فِي مماته؟ فَقَالَ:

стр. 1604

ذَاك وَالله لجهلي، وشقاء جدي. وركوبي هواي، أَيكُون فِي الدُّنْيَا أكْرم من جَعْفَر، وَلَقَد رفع إِلَيْهِ صَاحب الْخَبَر أَنِّي هجوته. وَقلت: لقد غرني من جَعْفَر حسن بَابه ... وَلم أدر أَن اللؤم حَشْو إهابه وَلست وَإِن أطنبت فِي مدح جَعْفَر ... بِأول إِنْسَان خرى فِي ثِيَابه فَوَقع فِي رقعته: يُدفع إِلَيْهِ عشرَة آلَاف دِرْهَم يغسل بهَا ثِيَابه؟ حُدّث أَن رجلا شَيخا أَتَى سعيد بن سلم وكلّمه فِي حَاجَة وَمَا شاه، فَوضع زج عَصَاهُ الَّتِي يتَوَكَّأ عَلَيْهَا على رجل سعيد حَتَّى أدماها، فَمَا تأوّه لذَلِك، وَمَا نَهَاهُ، فَلَمَّا فَارقه قيل لَهُ: كَيفَ صبرت مِنْهُ على هَذَا؟ قَالَ: خفت أَن يعلم جِنَايَته فَيَنْقَطِع عَن ذكر حَاجته. مر عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بِمصْر فَسمع امْرَأَة تصيح بابنها يَا عبد الْعَزِيز، فَوقف فَقَالَ: من المسنى باسمنا؟ ادفعوا إِلَيْهِ خَمْسمِائَة دِينَار، قَالَ: فَمَا ولد فِي أَيَّامه مَوْلُود بِمصْر إِلَّا سمي عبد الْعَزِيز. مرض قيس بن سعد بن عبَادَة، فاستبطأ عواده، فَقَالَ لمولى لَهُ: مَا بَال النَّاس لَا يعودونني؟ قَالَ: للدّين عَلَيْهِم، قَالَ: بَادر فيهم: من كَانَ عَلَيْهِ شَيْء فَهُوَ لَهُ، فكسروا دَرَجَته من تهافتهم عَلَيْهِ. كَانَ عبد الله بن جدعَان حِين كبر أخذت بَنو تيم على يَده ومنعوه أَن يُعطى شَيْئا من مَاله، فَكَانَ الرجل إِذا أَتَاهُ يطْلب مِنْهُ قَالَ لَهُ: ادن مني، فَإِذا دنا مِنْهُ لطمه، ثمَّ قَالَ: اذْهَبْ فاطلب بلطمتك أَو تُرضى فترضيه بَنو تيم من مَاله، وَفِيه يَقُول الشَّاعِر: وَالَّذِي إِن أَشَارَ نَحْوك لطما ... تبع اللَّطْم نائل وَعَطَاء وَكَانَ سعيد بن الْعَاصِ إِذا سَأَلَهُ سَائل فَلم يكن عِنْده مَا يُعْطِيهِ قَالَ: اكْتُبْ عَليّ سجلاً إِلَى أَيَّام يسرى.

стр. 1605

اشْترى عبد الله بن أبي بكر جَارِيَة بستين ألف دِرْهَم فطلبت دَابَّة تحمل عَلَيْهَا، فَلم تُوجد، فجَاء رجل بدابته فحملها، فَقَالَ لَهُ عبد الله: اذْهَبْ إِلَى مَنْزِلك ووهبها لَهُ. أرتج على عبد الله بن عَامر بِالْبَصْرَةِ يَوْم أضحى، فَمَكثَ سَاعَة ثمَّ قَالَ: لَا أجمع عَلَيْكُم عياً وبخلاً، من أَخذ شَاة من السُّوق فَهِيَ لَهُ، وعليّ ثمنهَا. أهْدى رجل إِلَى مَالك هَدِيَّة، فأظهر الْغم بهَا، فَقَالَ لَهُ جُلَسَاؤُهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: فَكيف وَهِي لَا تَخْلُو من أَن تكون من مبتد أَي من رجل أتقلد لَهُ يدا، أَو من رجل قلّدته نعْمَة، فَأَكُون قد أخذت على نعمتي ثمنا. قصد رجل طَلْحَة الطلحات بسجستان وَاسْتَأْذَنَ الْحَاجِب فَقَالَ هَل: بِمَ تمت؟ قَالَ: إِن لي عِنْد الْأَمِير يدا، قَالَ: فخبرني أرفع إِلَيْهِ، قَالَ: لَا أَقُول إِلَّا لَهُ، فَدخل الْحَاجِب وعرفه، فَأذن لَهُ، فَمثل بَين يَدَيْهِ فَقَالَ: مَا هَذِه الْيَد الَّتِي لَك عندنَا؟ قَالَ: كنت يَوْمًا مَعَ الْأَمِير جَالِسا فأماط عَن لحيتي أَذَى، قَالَ: فَهَذِهِ يَدي لَا يدك، قَالَ: صدقت أَيهَا الْأَمِير جِئْت لتربها، قَالَ: حبا ونعمةً، وَأحسن إِلَيْهِ. استحمل رجل معن بن زَائِدَة فَقَالَ معن: يَا غُلَام أعْطه بَعِيرًا وبغلاً وبرذونا وفرساً وَجَارِيَة، وَلَو وجدنَا مركوباً غير هَذَا لأعطيناه. طلب رجل من أبي الْعَبَّاس خطراً فَلم يُعْطه، فَبلغ ذَلِك معن بن زَائِدَة - وَهُوَ بِالْيمن - فَأرْسل إِلَيْهِ بجراب خطر فِيهِ ألف دِينَار وَكتب إِلَيْهِ: اختضب بالخطر وانتفع بالنخالة. بَاعَ أَبُو الجهم دَاره، فَلَمَّا أَرَادوا الْإِشْهَاد عَلَيْهِ قَالَ: بكم تشترون من جوَار سعيد ابْن الْعَاصِ؟ قَالُوا: سُبْحَانَ الله! وَهل رَأَيْت أحدا يَشْتَرِي جوارأحد أَو يَبِيعهُ؟ قَالَ: لَا تشترون مني جوَار إِنْسَان إِن أَسَأْت إِلَيْهِ أحسن؟ لَا أُرِيد أَن أبيعكم شَيْئا، ردوا عليّ دَاري، فَبلغ ذَلِك سعيداً فَبعث إِلَيْهِ بِأَلف دِينَار.

стр. 1606

قَالَ رجل لآخر: اثت فلَانا فَإِنَّهُ لم ينظر إِلَى قفا محروم قطّ. أَرَادَ الرشيد أَن يخرج إِلَى القاطول فَقَالَ يحيى بن خَالِد لرجاء بن عبد الْعَزِيز - وَكَانَ على نفقاته -: مَا عِنْد وكلائنا من المَال؟ قَالَ: سَبْعمِائة ألف دِرْهَم، قَالَ: فاقبضها إِلَيْك يَا رَجَاء، فَلَمَّا كَانَ من الْغَد غَدا غليه رَجَاء فقبّل يَده - وَعِنْده مَنْصُور بن زِيَاد - فَلَمَّا خرج قَالَ الْمَنْصُور: قد ظَنَنْت أَن الرجل قد توهم أَنا وهبنا المَال لَهُ وَإِنَّمَا أمرناه بِقَبْضِهِ من الوكلاء ليحفظها علينا؛ لحاجتنا إِلَيْهَا فِي وجهنا هَذَا، قَالَ مَنْصُور: فَأَنا أُعلمه ذَلِك، قَالَ: إِذن يَقُول لَك قل لَهُ: يُقبّل يَدي كَمَا قبلت يَده فَلَا تقل شَيْئا فقد تركتهَا لَهُ. اسْتَلَبَ رجل رِدَاء طَلْحَة بن عبيد اللهفذهب رجل يتبعهُ فَقَالَ لَهُ طَلْحَة: دَعه، فَمَا فعل هَذَا إِلَّا من حَاجَة. كَانَ خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي يُكثر الْجُلُوس ثمَّ يَدْعُو بالبدر وَيَقُول: إِنَّمَا هَذِه الْأَمْوَال ودائع لابد من تفريقها، فَقَالَ ذَلِك مرّة، وَقد وَفد عَلَيْهِ أَخُوهُ أَسد بن عبد الله من خُرَاسَان، فَقَامَ فَقَالَ: هدأت أَيهَا الْأَمِير، إِن الودائع تجمع لَا تفرق، قَالَ: وَيحك! إِنَّهَا ودائع للمكارم وأيدينا وكلاؤها، فَإِذا أَتَانَا المملق فأغنيناه، والظمآن فأرويناه، فقد أدينا فِيهِ الْأَمَانَة. وَكَانَ طَلْحَة الطلحات يَقُول: من كَانَ جواداً فليعط مَاله أخول أخول، إِن المَال إِذا كثر زيّن وَأحب صَاحبه صحبته. قَالُوا: حد السخي أَن يُعطى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْوَقْت الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ. وَسُئِلَ عَمْرو بن عبيد عَن السخاء فَقَالَ: أَن تكون بِمَالك مُتَبَرعا، وَعَن مَال غَيْرك متورعا. قيل لإسحاق بن الْموصِلِي صف لنا سخاء أَوْلَاد يحيى بن خَالِد، فَقَالَ: أما الْفضل فيرضيك بِفِعْلِهِ، وَأما جَعْفَر فيرضيك بقوله، وَأما مُحَمَّد فيفعل بِحَسب مَا يجد، وَأما مُوسَى فيفعل بِمَا لَا يجد.

стр. 1607

قرع رجل بَاب بَعضهم، فَقَالَ لجاريته: أبصري من القارع، فَقَالَت: من ذَا؟ قَالَ: أَنا صديق لمولاك، قَالَ الرجل: قولي: وَالله إِنَّك لصديق؟ فَقلت لَهُ، فَقَالَ: وَالله إِنِّي لصديق، فَنَهَضَ الرجل، وَبِيَدِهِ سيف وكيس، يَسُوق جَارِيَته وَفتح الْبَاب وَقَالَ: مَا شَأْنك؟ قَالَ: راعني أَمر، قَالَ: لَا بك مَا ساءك، فَإِنِّي قد قسمت أَمرك بَين نائبة فَهَذَا المَال، وَبَين عدوّ فَهَذَا السَّيْف، أَو أيمة فَهَذِهِ الْجَارِيَة. أولم عدي بن حَاتِم وَلِيمَة فَقَالَ لِابْنِ لَهُ حدث: كن بِالْبَابِ فَأذن لمن تعرف، وامنع من لَا تعرف، فَقَالَ لَهُ مرتجلاً: أَنا فِي الطَّاعَة أمضي ... لَك من سيف حسام لَا يكن أول مَا ول ... لَيْتَني منع الطَّعَام فضمّه إِلَيْهِ وَقَالَ: نزعك عرق جدك. مر يزِيد بن الْمُهلب بأعرابية فِي خُرُوجه من سجن عمر بن عبد الْعَزِيز يُرِيد الْبَصْرَة فقرته عَنْزًا فقبلها، ثمَّ قَالَ لِابْنِهِ مُعَاوِيَة: مَا مَعَك من النَّفَقَة؟ قَالَ: ثَمَان مائَة دِينَار، قَالَ: فادفعها إِلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنه: إِنَّك تُرِيدُ الرِّجَال، وَلَا تكون الرِّجَال إِلَّا بِالْمَالِ، وَهَذِه يرضيها الْيَسِير، وَهِي بعد لَا تعرفك. قَالَ: إِن كَانَت ترْضى باليسير فَإِنِّي لَا أرْضى إِلَّا بالكثير، وَإِن كَانَت لَا تعرفنِي فَإِنِّي أعرف نَفسِي، ادفعها إِلَيْهَا. قَالَ الْأَحْنَف: كثرت عليّ الدِّيات بِالْبَصْرَةِ لما قتل مَسْعُود، فَلم أَجدهَا فِي حَاضِرَة تَمِيم فَخرجت نَحْو يبرين فَسَأَلت عَن الْمَقْصُود هُنَاكَ، فأرشدت إِلَى قبَّة، فَإِذا شيخ جَالس بفنائها مؤزر بشملة محتب بِحَبل فسلّمت عَلَيْهِ، وانتسبت لَهُ. فَقَالَ: مَا فعل رَسُول الله ﷺ ؟ قلت: توفّي، قَالَ: فَمَا فعل عمر بن الْخطاب الَّذِي كَانَ يحفظ الْعَرَب ويحوطها؟ قلت: مَاتَ. قَالَ: فَأَي خير فِي حاضرتكم بعدهمَا؟ قَالَ: فَذكرت الدِّيات الَّتِي لزمتنا للأزد وَرَبِيعَة، فَقَالَ: أقِم، فَإِذا رَاع قد أراح عَلَيْهِ ألف بعير فَقَالَ: خُذْهَا، ثمَّ أراح عَلَيْهِ آخر مثلهَا، فَقَالَ: خُذْهَا، قلت: لَا أحتاج إِلَيْهَا، فَانْصَرَفت بِالْألف، وَوَاللَّه مَا أَدْرِي من هُوَ إِلَى السَّاعَة.

стр. 1608

كَانَ يُقَال لطلْحَة بن عبيد الله: طَلْحَة الْخَيْر، وَطَلْحَة الْجُود. ورُوي أَنه بَاعَ ضَيْعَة لَهُ بِخَمْسَة آلَاف ألف دِرْهَم، فقسّمها فِي الأطباق، وَأَنه مَنعه أَن يخرج إِلَى الْمَسْجِد حَتَّى لُفق لَهُ بَين ثوبيه. وَيُقَال: إِن شَاعِرًا أَتَى أَبَا البخْترِي وهب بن وهب - وَكَانَ جواداً - فمدحه فهشّ إِلَيْهِ وثنى لَهُ الوسادة ورفده وَحمله وأضافه، فَلَمَّا أَرَادَ الرجل الرحلة لم يَخْدمه أحد من غلْمَان أبي البحتري، وَلَا عقد لَهُ وَلَا حل، فَأنْكر الرجل ذَلِك مَعَ جميل فعله بِهِ، فعاتب بَعضهم، فَقَالَ لَهُ الْغُلَام: إِنَّا إِنَّمَا نعين النَّازِل على الْإِقَامَة، وَلَا نعين الراحل على الْفِرَاق، فَبلغ هَذَا الْكَلَام جَلِيلًا من القرشيين فَقَالَ: وَالله لفعل هَؤُلَاءِ العبيد على هَذَا الْمَقْصد أحسن من رفد سيدهم. قَالَ أَبُو يَعْقُوب الْخطابِيّ: قدمت على السّري بن عبد الله فتحرّك، فَرَأَيْت عَلَيْهِ إزاراً قوّمته خَمْسَة دَرَاهِم فأبدرته بَصرِي فَقَالَ: هَذَا إزَارِي، وَقد فرقت فِي قَوْمك الْعَام أَرْبَعِينَ ألف دِينَار؟ ! . قَالَ معن بن زَائِدَة: قاتلنا ابْن هُبَيْرَة بواسط فظفرنا وغنمنا، وأصابني عشرَة آلَاف دِرْهَم فرّقتها فِي زوّاري وأضيافي، وأحرز أَصْحَابِي مَا كَانَ لَهُم، فَلَمَّا كَانَ الْغَد ظفر بِنَا وَأخذ مَا كَانَ مَعَ أَصْحَابِي، وَبَقِي مَا كَانَ لي منناً فِي أَعْنَاق الرِّجَال. بَاعَ حَكِيم بن حزَام من مُعَاوِيَة دَاره بستين ألف دِينَار، فَقيل لَهُ: غبنك مُعَاوِيَة. فَقَالَ: وَالله مَا أَخَذتهَا فِي الْجَاهِلِيَّة إِلَّا بزقّ خمر، وأشهدكم أَنَّهَا فِي سَبِيل الله فانظروا أَيّنَا المغبون؟ . قَالَ بعض الْعَرَب: " حدّث عَن الْبَحْر وَلَا حرج، وحدّث عَن بني إِسْرَائِيل وَلَا حرج، وحدّث عَن معن وَلَا حرج ". ذُكر عِنْد سُفْيَان بن عُيَيْنَة سخاء عبد الله بن جَعْفَر وتُعُجب مِنْهُ، فَقَالَ: كَيفَ يُتعجب من سخائه وَقد دَعَا رَسُول الله ﷺ لجَعْفَر أَن يخلفه الله فِي وَلَده - بِأَفْضَل مَا خلف بِهِ أحدا من عباده الصَّالِحين - السخاء؟ .

стр. 1609

أَخذ سُلَيْمَان بن عبد الْملك بن هُبَيْرَة بِأَلف ألف دِرْهَم، فَأتى يزِيد بن الْمُهلب فَقَالَ: زَاد الله فِي توفيقك وسرورك، أُخذت بِمَا لم يَسعهُ مَالِي، فَقلت: مَا لما نزل بِي إِلَّا السَّيِّد الْكَرِيم، مدره الْعَرَب، ووزير الْخَلِيفَة، وَصَاحب الْمشرق. فَقَامَ رجل من قوم ابْن هُبَيْرَة فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير، إِنَّه مَا خص هَذَا عمّنا، وَقد أَتَيْنَاك فِيمَا شكا، فَإِن تكفه فَلَيْسَ بِأَعْجَب مَا فِيك، وَإِن تَدْفَعهُ فَلَيْسَ لَهُ غَيْرك. وَقَامَ آخر فَقَالَ: لَو أصبْنَا أحد فَوْقك اخترناه، أَو دُونك انحططنا إِلَيْهِ، وَقد أَتَيْنَاك فِيمَا فدحه فَإِن تستقلله فقد تُرجى لأكْثر، وَإِن تستكثره فقد تضطلع دونه، فوَاللَّه مَا الدُّخان بأدل على النَّار، والعجاج على الرّيح، من ظَاهر أَمرك على بَاطِنه. وَقَامَ آخر فَقَالَ: عظم شَأْنك أَن يستعان عَلَيْك أَو يستعان بك، وَلست تَأتي شَيْئا من الْمَعْرُوف إِلَّا صغر عَنْك، وعظمت عَنهُ، وَلَا غَايَة بلغَهَا أحد من الْعَرَب إِلَّا بلغتهَا، فحظك فِيهَا مقدم، وحقك فِيهَا مُعظم، لَا نقيسك بِأحد من الْمُلُوك إِلَّا عظمت عَنهُ، وَلَا نزنك بِأحد مِنْهُم إِلَّا رجحت بِهِ، وَالله مَا الْعجب أَن تفعل، وَلَكِن الْعجب أَلا تفعل. فَقَالَ يزِيد: مرْحَبًا بكم، وَأهلا، إِن خير المَال مَا قضي بِهِ الْحق، وابتُني بِهِ المكرمة، وَإِنَّمَا لي من مَالِي مَا فضل عَن النَّاس، وأيم الله أَن لَو أعلم أحدا أَهلا لحاجتكم مني أرشدتكم إِلَيْهِ، فاحتكموا وَأَكْثرُوا، فَقَالَ ابْن هُبَيْرَة: النّصْف أصلحك الله، فَقَالَ: آغد على مَالك فاقبضه، فدعوا لَهُ وَقَامُوا فَمَضَوْا غير بعيد، فَنَدِمُوا، فَظن ذَلِك بهم يزِيد، فَقَالَ: ردوهم، فَرَجَعُوا فَقَالُوا: أقلنا أصلحك الله، قَالَ: قد فعلت، وتحملها كلهَا عَنهُ. قَالَ ابْن عَبَّاس قدم علينا الْوَلِيد بن عتبَة الْمَدِينَة والياً كَأَن وَجهه ورقة مصحف، فوَاللَّه مَا ترك فِينَا عانياً إِلَّا فكّه، وَلَا غريماً إِلَّا أدّى عَنهُ، ينظر إِلَيْنَا بِعَين أرق من المَاء ويكلمنا بِكَلَام أحلى من الجنى، وَلَقَد شهِدت مِنْهُ مشهداً لَو كَانَ من مُعَاوِيَة لذكرته مِنْهُ أبدا: تغدينا عِنْده، فَأقبل الخباز بالصحفة، فعثر بوسادة، وبدرت الصحفة من يَده، فوَاللَّه مَا ردّها إِلَّا ذقنه، وَصَارَ مَا فِيهَا فِي حجره، ومثُل الْغُلَام وَمَا فِيهِ من الرّوح إِلَّا مَا يُقيم رجله، فَقَامَ فَدخل فَغير

стр. 1610

ثِيَابه، ثمَّ أقبل تبرق أسارير وَجهه، فَأقبل على الخبّاز فَقَالَ: يَا بائس مَا أرانا إِلَّا وَقد روّعناك، أَنْت وأولادك أَحْرَار لوجه الله. فَهَذَا هُوَ التَّوَاضُع الْجَمِيل، والبذل الْحسن، وَالْكبر الْمَحْض. قَالَ سلم بن زِيَاد لطلْحَة بن عبد الله بن خلف الْخُزَاعِيّ: إِنِّي أُرِيد أَن أصل رجلا لَهُ عليّ حق وصحبة بِأَلف ألف دِرْهَم فَمَا ترى؟ قَالَ: أرى أَن تجْعَل هَذِه لعشرة، قَالَ: فأصله بِخمْس مائَة ألف دِرْهَم؟ قَالَ: كثير، فَلم يزل بِهِ حَتَّى وقف على مائَة ألف دِرْهَم، قَالَ: أفترى مائَة ألف يُقضى بهَا ذمام رجل لَهُ انْقِطَاع وصحبة ومودة وَحقّ وَاجِب؟ قَالَ: نعم، قَالَ: هِيَ لَك، وَمَا أردْت غَيْرك، قَالَ: فأقلني، قَالَ: لَا أفعل وَالله. قبض غَرِيم لِلْحسنِ بن سهل - بعد محنته - عَلَيْهِ، وَصَارَ بِهِ إِلَى مجْلِس أَحْمد بن أبي دَاوُد أَرَادَ أَن يضع مِنْهُ حسداً لَهُ، وَركب أَحْمد، وَجلسَ الْحسن ينتظره فَدخل كَاتب لِلْحسنِ فَقَالَ لَهُ: بِعْت الضَّيْعَة؟ قَالَ: نعم، قَالَ: بكم؟ قَالَ: بِثَلَاثِينَ ألف دِينَار، قَالَ: وقبضت الثّمن؟ قَالَ: نعم، قَالَ: زن لهَذَا الْغَرِيم مَا لَهُ، وَسَأَلَ جَمِيع من كَانَ حضر للْحكم، وَكَانَ بَعضهم يُطَالب بَعْضًا، وهم ينتظرون عود ابْن أبي دَاوُد، فأدّى عَن كل مطَالب مَا عَلَيْهِ، وَرجع ابْن أبي دَاوُد فَلم يجد فِي مجْلِس الحكم أحدا، فَسَأَلَ عَن الْخَبَر فَأخْبر بالقصة، فَكَانَ بعد ذَلِك من الواصفين لجلالة الْحسن بن سهل وَكَرمه. دخل رجل على خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك يَا مُفْلِح، قَالَ: وَكَيف قلت ذَلِك؟ قَالَ: لِأَن الله قَالَ فِي كِتَابه: " وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون " وَقد وقاك الله شح نَفسك. قَالَ الْمَأْمُون لمُحَمد بن عباد المهلبي: بَلغنِي عَنْك سرف فِي إعطائك، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ " منع مَا يُوجد سوء ظن بِاللَّه ". وَرُوِيَ أَن رَسُول الله ﷺ وَآله، أُتي بأسرى من بني العنبر، فَأمر بِقَتْلِهِم وأفرد مِنْهُم رجلا، فَقَالَ عَليّ ﵇: الرب وَاحِد، وَالدّين وَاحِد، والذنب وَاحِد، فَمَا بَال هَذَا من بَينهم؟ فَقَالَ: " نزل عليّ جِبْرِيل فَقَالَ: اقْتُل هَؤُلَاءِ واترك هَذَا، فَإِن الله شكر لَهُ سخاءً فِيهِ ".

стр. 1611

وَقَالَ ﷺ وَآله لآخر: " لَوْلَا سخاء فِيك ومقك الله عَلَيْهِ لشردت بك أُفٍّ لَك من وَافد قوم ". وَرُوِيَ أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَى مُوسَى ﵇ " لَا تقتل السامريّ فَإِنَّهُ سخيّ ". أنفذ جبلة بن الْأَيْهَم من الرّوم مَالا إِلَى حسان بن ثَابت، فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُول وأقرأه السَّلَام عَن جبلة، قَالَ لَهُ: هَات مَا بعث مَعَك من المَال، قَالَ: وَمَا علمك بِأَنَّهُ بعث معي بِشَيْء؟ قَالَ: مَا أرسل إِلَيّ بِالسَّلَامِ قطّ إِلَّا وَمَعَهُ مَال. كَانَ الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام فِي جَيش مسلمة حِين غزا الرّوم فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أَن بلغ فِيهَا الْقُسْطَنْطِينِيَّة فتشابها فسامه مسلمة بِمَالِه الَّذِي يعرف بالمعرضة فَأبى الْمُغيرَة أَن يَبِيعهُ، ثمَّ أَصَابَت أهل تِلْكَ الْغُزَاة مجاعَة فَبَاعَهُ إِيَّاه بِخَمْسَة عشر ألف دِينَار فنقده مسلمة الثّمن، فَبعث الْمُغيرَة بذلك المَال مَعَ من اشْترى لَهُ إبِلا من كلب، وَاشْترى لَهُ دَقِيقًا وزيتاً وقباطيّ، وَحمل ذَلِك على الْإِبِل، وَكَانُوا لَا يقدرُونَ على الْحَطب، فَأمر بِالْقبَاطِيِّ فأُدرجت بالزيت وأوقدها، وَنحر الْإِبِل واطّبخ واختبز وَأطْعم النَّاس، وَكَانَ فِي تِلْكَ الْغُزَاة أَخُوهُ أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن فَقيل لَهُ: نرى نَارا فِي الْعَسْكَر، فَقَالَ: لَا تجدونها إِلَّا فِي رَحل الْمُغيرَة من طَعَامه. فَلَمَّا قفل النَّاس من غزاتهم تِلْكَ وَبلغ الْخَبَر عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ عمر لمسلمة: أَنْت كنت أقوى وَأولى بإطعام النَّاس من الْمُغيرَة، وَذَلِكَ لَك ألزم؛ لِأَنَّك إِنَّمَا كنت تطعمهم من بعض مَالك، وَهُوَ أطْعمهُم بحطمة مَاله، فاقصمه البيع، فَإِنَّهُ بيع ضغطة لَا يجوز، فَعرض ذَلِك مسلمة على الْمُغيرَة فَأبى، وَقَالَ: قد أنفذت البيع. فَأمر عمر بن عبد الْعَزِيز بِتِلْكَ الضَّيْعَة فَردَّتْ على الْمُغيرَة، وَأمر بِالْمَالِ يدْفع إِلَى مسلمة من بَيت المَال، فتصدّق الْمُغيرَة بالمعرضة، أَو أَمر أَن يُطعم الْحَاج مِنْهَا يَوْم عَرَفَة وَثَلَاثَة منى، فَهُوَ السويق وَالسمن وَالتَّمْر الَّذِي يُطعم بمنى من صَدَقَة الْمُغيرَة.

стр. 1612

الْبَاب الثَّامِن الشجَاعَة والجبن قيل لبَعْضهِم: مَا الشجَاعَة؟ قَالَ: صَبر سَاعَة. حُكي عَن ابْن أبي عَتيق قَالَ: نظرت إِلَى عبد الله بن الزبير وَعبد الله بن صَفْوَان، وَقد ذهب النَّاس عَنْهُمَا، فَلم يبْق مَعَهُمَا أحد، وهما نائمان يغطان فِي اللَّيْلَة الَّتِي قتلا فِي صبيحتها. قيل لبني الْحَارِث: كَيفَ كُنْتُم تَفْعَلُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا لَا نبدأ أحدا بظُلْم، وَلم نك بالكثير فنتواكل، وَلَا بِالْقَلِيلِ فنتخاذل وَكُنَّا نصبر بعد النَّاس سَاعَة. قَالَ بعض الشجعان لرفيق لَهُ، وَقد أقبل الْعَدو: اشْدُد قَلْبك، قَالَ: أَنا أشده وَلكنه يسترخي. اجتاز كسْرَى فِي بعض حروبه بشيخ قد تمدد فِي ظلّ شَجَرَة وَنزع سلاحه وَشد دَابَّته فَقَالَ لَهُ: أَنا فِي الْحَرْب وَأَنت على مثل هَذِه الْحَال؟ ! فَقَالَ الشَّيْخ: أَيهَا الْملك، إِنَّمَا بلغت هَذِه السن باستعمالي هَذَا التوقي، فَقَالَ كسْرَى: زهٍ. خرج المعتصم إِلَى بعض متصيّداته فَظهر لَهُ أَسد، فَقَالَ لرجل من أَصْحَابه أعجبه قوامه وسلاحه وَتَمام خلقه: هَل فِيك خير؟ فَقَالَ بالعجلة: لَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَضَحِك المعتصم وَقَالَ: قبّحك الله وقبّح طللك؟ . لما ذُهب بهدبة ليقْتل انْقَطع قبال نَعله، فَجَلَسَ يصلحه، فَقيل لَهُ: تصلحه وَأَنت على مَا أَنْت عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: أَشد قبال نَعْلي لن يراني ... عدوّي للحوادث مستكينا

стр. 1613

كَانَ الْحَارِث بن هِشَام المَخْزُومِي فِي وقْعَة اليرموك، وَبهَا أُصِيب، فاثبتته الْجراح، فَاسْتَسْقَى مَاء، فأُتي بِهِ، فَلَمَّا تنَاوله نظر إِلَى عِكْرِمَة بن أبي جهل صَرِيعًا فِي مثل حَاله، فردّ الْإِنَاء على الساقي وَقَالَ: امْضِ إِلَى عِكْرِمَة ليشْرب أَولا فَإِنَّهُ أشرف مني، فَمضى بِهِ إِلَيْهِ، فَأبى أَن يشرب قبله، فَرجع إِلَى الْحَارِث فَوَجَدَهُ مَيتا، وَرجع إِلَى عِكْرِمَة فَوَجَدَهُ أَيْضا مَيتا، لم يشرب أحد مِنْهُمَا المَاء. قَالَ الْموصِلِي: حَدثنِي رجل من أهل الْأَدَب قَالَ: كَانَ لفتىً من قُرَيْش وصيفة نظيفة جميلَة الْوَجْه حَسَنَة الْأَدَب، وَكَانَ بهَا معجباً، فأضاق، فَاحْتَاجَ إِلَى ثمنهَا، فحملها إِلَى الْعرَاق، زمن الْحجَّاج، فَبَاعَهَا فَوَقَعت إِلَى الْحجَّاج، فَكَانَت تلِي خدمته، فَقدم عَلَيْهِ فَتى من ثَقِيف أحد بني أبي عقيل، فأنزله قَرِيبا مِنْهُ وألطفه، فَدخل عَلَيْهِ يَوْمًا والوصيفة تقمز رجل الْحجَّاج، وَكَانَ للفتى جمال وهيئة، فَجعلت الوصيفة تسارق الثَّقَفِيّ النّظر، وفطن الْحجَّاج فَقَالَ للفتى: أَلَك أهل؟ قَالَ: لَا، قَالَ: خُذ بيد هَذِه الوصيفة فاسكن إِلَيْهَا واستأنس بهَا، إِلَى أَن أنظر لَك بعض بَنَات عمك، فَدَعَا لَهُ وَأَخذهَا مَسْرُورا، وَانْصَرف إِلَى رَحْله، فباتت مَعَه لَيْلَتهَا وهربت بِغَلَس فَأصْبح، لَا يدْرِي أَيْن هِيَ، وَبلغ الْحجَّاج ذَلِك فَأمر منادياً فَنَادَى بَرِئت الذِّمَّة مِمَّن آوى وصيفةً من صفتهَا وأمرها كَيْت وَكَيْت، فَلم يلبث أَن أُتِي بهَا فَقَالَ لَهَا: يَا عدوة الله، كنت عِنْدِي من أحب النَّاس، واخترت لَك ابْن عمي شَابًّا حسن الْوَجْه، ورأيتك تسارقينه النّظر، فدفعتك إِلَيْهِ، وأوصيته بك، فَمَا لَبِثت إِلَّا سَواد ليلتك حَتَّى هربت. قَالَت يَا سَيِّدي اسْمَع قصتي ثمَّ اصْنَع مَا أَحْبَبْت، قَالَ: هَات، قَالَت: كنت لفُلَان الْقرشِي، وَكَانَ بِي معجباً، فَاحْتَاجَ إِلَى ثمني، فَحَمَلَنِي إِلَى الْكُوفَة، فَلَمَّا صرنا قَرِيبا مِنْهَا دنا مني فَوَقع عليّ، فَلم يلبث أَن سمع زئير الْأسد فَوَثَبَ عني إِلَيْهِ، وَاخْتَرَطَ سَيْفه، ثمَّ حمل عَلَيْهِ فَضَربهُ وَقَتله، ثمَّ أقبل إليّ وَمَا برد مَا عِنْده، فَقضى حَاجته. وَقَالَت: ابْن عمك هَذَا الَّذِي اخترته لي، لما أظلم اللَّيْل قَامَ إليّ، فَإِنَّهُ لعلى بَطْني إِذْ ةقعت فَأْرَة من السّقف عَلَيْهِ فضرط ثمَّ وَقع مغشياً عَلَيْهِ، فَمَكثَ زَمَانا طَويلا

стр. 1614

أقلّبه وَأرش على وَجهه المَاء وَهُوَ لَا يفِيق، فَخفت أَن تتهمني بِهِ فهربت فَزعًا من الْقَتْل، فَمَا ملك الْحجَّاج نَفسه وَقَالَ: وَيحك ﴿لَا تُعلمي بِهَذَا أحدا فَإِنَّهُ فضيحة، قَالَت: يَا سَيِّدي على أَلا تردني إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: لَك ذَاك. سَمِعت عَائِشَة النَّاس يَوْم الْجمل يكبرُونَ فَقَالَت: لَا تكبّروا فَإِن كَثْرَة التَّكْبِير عِنْد الْقِتَال من الفشل. قَالَ عمر لعَمْرو بن معدي كرب: أَخْبرنِي عَن الْحَرْب، قَالَ: مرّة المذاق، إِذا قلصت عَن سَاق، من صَبر فِيهَا عُرف. وَمن ضعف عَنْهَا تلف. حدّث جَار لأبي حَيَّة النميري قَالَ: كَانَ لأبي حَيَّة سيف لَيْسَ بَينه وَبَين الْخشب فرق، وَكَانَ يسمّيه " لعاب الْمنية "، فأشرقت عَلَيْهِ، وانتضاه واستذفره، وَهُوَ وَاقِف على بَاب بَيت فِي دَاره، وَقد سمع حسّاً وَهُوَ يَقُول: أَيهَا المغتر بِنَا، والمجترئ علينا، بئس وَالله مَا اخْتَرْت لنَفسك، خير قَلِيل، وَسيف صقيل، لعاب الْمنية الَّذِي قد سَمِعت بِهِ، مَشْهُورَة: ضَربته، لَا تُخاف نبوته، اخْرُج بِالْعَفو عَنْك، قبل أَن أَدخل بالعقوبة عَلَيْك، إِنِّي وَالله إِن أدع قيسا تملا الفضاء خيلاً ورجلاً، فيا سُبْحَانَ الله﴾ مَا أَكْثَرهَا وأطيبها، ثمَّ فتح الْبَاب على وَجل، فَإِذا كلب قد خرج، فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي مسخك كَلْبا، وكفاني حَربًا، قَالَ رجل من الْعَرَب انهزمنا من قطريّ وَأَصْحَابه، فأدركني رجل على فرس، فَسمِعت حسا مُنْكرا خَلْفي، فَالْتَفت فَإِذا أَنا بقطري، فيئست من الْحَيَاة، فَلَمَّا عرفني قَالَ: أوجع خَاصرتهَا، وَاشْدُدْ عنانها، قطع الله يدك، قَالَ: فَفعلت ومضيت. قَالَ عُمَيْر بن الْحباب: إِذا رَأَيْت سواداً بلَيْل فَلَا تكن أَشد السوادين فرقا؛ فَإِنَّهُ يهابك كَمَا تهابه، وَلَو صدمت الْأسد لحاد عَنْك. قيل لعَمْرو بن معدي كرب: إِن الْآثَار فِي ظهرك لكثيرة، قَالَ: لِأَنِّي كُفيت أَمَامِي وَلم يكفني أحد مَا وَرَاء ظَهْري. قيل لعباد بن الْحصين الحبطي: فِي أَي جنَّة تحب أَن تلقي عَدوك؟ قَالَ: فِي اجل مستأخر.

стр. 1615

سُئِلَ الْمُهلب عَن رجل فِي شجاعته فقدّمه، فَقَالَ لَهُ: فَأَيْنَ ابْن الزبير: وَابْن خازم؟ فَقَالَ: إِنَّمَا سَأَلتنِي عَن الْإِنْس وَلم تسْأَل عَن الْجِنّ. كَانَ عُمَيْر بن الْحباب السّلمِيّ فَارس الْإِسْلَام، وَكَانَ مَعَ ابْن زِيَاد لما حَارب ابْن الأشتر فَقَالَ: لما كَانَ فِي اللَّيْلَة الَّتِي يُرِيد ابْن الأشتر أَن يواقع فِي صبيحتها خرجت إِلَيْهِ، وَكَانَ لي صديقا، وَمَعِي رجل من قومِي، فصرت فِي عسكره فرأيته وَعَلِيهِ قَمِيص هروي وملاءة وَهُوَ متوشح بِالسَّيْفِ يجوس عسكره فيأمر فِيهِ وَينْهى، فالتزمته من وَرَائه، فوَاللَّه مَا الْتفت إليّ وَلَكِن قَالَ: من هَذَا؟ قلت: عُمَيْر بن الْحباب، فَقَالَ: مرْحَبًا بِأبي المغلّس كن بِهَذَا الْموضع حَتَّى أَعُود إِلَيْك، فَقلت لصاحبي: أَرَأَيْت أَشْجَع من هَذَا قطّ؟ يحتضنه رجل من عَسْكَر عدوّه وَلَا يدْرِي من هُوَ فَلَا يلْتَفت! ثمَّ عَاد إليّ فَقَالَ: مَا الْخَبَر؟ - وَكَانَ فِي أَرْبَعَة آلَاف - فَقلت: الْقَوْم كثير، والرأي أَن تناجزهم، فَإِنَّهُ لَا صَبر بِهَذِهِ الْعِصَابَة على مطاولة هَذَا الْجمع الْكثير، فَقَالَ: نصبح إِن شَاءَ الله فنحاكمهم إِلَى ظبات السيوف وأطراف القنا، قلت: فَأَنا منخزل عَنْك بِثلث النَّاس غَدا. سَأَلَ ابْن هُبَيْرَة عَن مقتل عبد الله بن خازم فَقَالَ رجل مِمَّن حضر مَجْلِسه: سَأَلت وَكِيع بن الدورقية كَيفَ قتلته؟ فَقَالَ: غلبته بِفضل فتاء كَانَ لي عَلَيْهِ، فصرعته وَجَلَست على صَدره، وَقلت: يَا لثارات الدويلة - يَعْنِي أَخَاهُ من أمه - فَقَالَ من تحتي: قَتلك الله، تقتل كَبْش مُضر بأخيك وَهُوَ لَا يُسَاوِي كف نوى؟ ثمَّ تنخّم فَمَلَأ وَجْهي نخاما، فَقَالَ ابْن هُبَيْرَة هَذِه وَالله البسالة. اسْتدلَّ عَلَيْهَا بِكَثْرَة رِيقه فِي ذَلِك الْوَقْت. كَانَ حبيب بن مسلمة الفِهري يَغْزُو التّرْك، فَخرج ذَات مرّة إِلَى بعض غَزَوَاته فَقَالَت لَهُ امْرَأَته: أَيْن موعدك؟ قَالَ: سرادق الطاغية أَو الْجنَّة، قَالَت: إِنِّي أَرْجُو أَن أسبقك إِلَى أَي الْمَوْضِعَيْنِ كنت فِيهِ، فجَاء فَوَجَدَهَا فِي السرادق: سرادق الطاغية تقَاتل التّرْك. قَالَ: عرض الْأسد لأهل قافلة، فَخرج رجل، فَلَمَّا رأى الْأسد سقط وَركبهُ الْأسد، فشدوا عَلَيْهِ بأجمعهم واستنقذوه، فَتنحّى الْأسد، فَقَالُوا: مَا حالك؟ قَالَ: لَا بَأْس وَلَكِن الْأسد خري فِي سراويلي.
следующие страницы →