← Адаб

Адаб · id 7853

نثر الدر في المحاضرات

الآبي

Полный текст (1 737 стр.). Показаны 1716–1737 · переход к 1721.

стр. 1716

الْبَاب الثَّالِث وَالْعشْرُونَ نَوَادِر ابْن الْجَصَّاص كَانَ ابْن الْجَصَّاص يتّجر فِي الْجَوَاهِر، وَكَانَت لَهُ ثروة عَظِيمَة، ومحلّ عِنْد الْخُلَفَاء. ونُكب فِي أَيَّام المقتدر، فبلغت مصادرته الَّتِي أَدَّاهَا ثَمَانِيَة آلَاف ألف دِينَار، وَكَانَ مغفّلاً. وَهُوَ الَّذِي كَانَت فِي فَمه درة وَأَرَادَ أَن يبصق، فبصق على الْخَلِيفَة وَرمى بِالدرةِ فِي دجلة، وَهُوَ يظنّ أَنه قد ناول الْخَلِيفَة الدرة وبصق فِي المَاء. وَعرض على بعض الْخُلَفَاء عقدا مثمّناً فَقَالَ: هَل رَأَيْت فِي عرس أمك مثله؟ وَكَانَ إِذا قنت يَقُول فِي دُعَائِهِ: يَا أويس الْقَرنِي، يَا كَعْب الْأَحْبَار بحقّ مُحَمَّد وجرجيس إِلَّا وسعت أمتك على الدَّقِيق. وَكَانَ يَقُول أَيْضا فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِر لي من ذُنُوبِي مَا تعلم وَمَا لَا تعلم. وَدخل يَوْمًا على ابْن الْفُرَات فَقَالَ: يَا سَيِّدي، عندنَا فِي الجزيرة كلاب لَا يتركونا ننام من الصياح والقتال. قَالَ: أحسبهم جراءً. قَالَ: لَا تظن ذَلِك أَيهَا الْوَزير، كل كلب مثلي وَمثلك. وَنظر يَوْمًا فِي الْمرْآة فَقَالَ: اللَّهُمَّ سوّد وُجُوهنَا يَوْم تسودّ الْوُجُوه، وبيّضها يَوْم تبيض الْوُجُوه.

стр. 1717

وَقَالَ بَعضهم: اطَّلَعت عَلَيْهِ وَهُوَ يقْرَأ فِي الْمُصحف ويبكي وينتحب ويشهق، فَقلت لَهُ: مَالك؟ قَالَ: أكلت الْيَوْم مَعَ الْجَوَارِي المخيض بالبصل فآذاني، فَلَمَّا رَأَيْته فِي الْمُصحف " ويسألونك عَن الْمَحِيض قل هُوَ أَذَى فاعتزلوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض " قلت: مَا أعظم قدرَة الله ﴿قد بيّن كل شَيْء حَتَّى أكل اللَّبن مَعَ الْجَوَارِي. وَأَرَادَ مرّة أَن يدنو من بعض جواريه فمنعته وتشاجت عَلَيْهِ، فَقَالَ: قد - وَالله - أغضبتني، أُعطى الله عهدا إِن قربتك سنة، وَلَا قربك أحد بسببي. وَقَرَأَ مرّة فِي الْمُصحف، فَجعل يَقُول: رخيص، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك. فَقَالَ: وَيحك﴾ أما ترى تفضّل الله جلّ وعزّ، يَقُول: " ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا " أما هَذَا رخيص؟ وعزّاه إِنْسَان عَن ميّت لَهُ وَقَالَ: لَا تجزع واصبر. فَقَالَ: نَحن قوم لم نتعوّد الْمَوْت. وَقَالَ يَوْمًا: أَنا أشتهي بغلة مثل بغلة النَّبِي ﷺ حَتَّى أسميها دُلْدُل. وَقَالَ يَوْمًا: قد خريت على يَدي، لَو غسلتها ألف مرّة لم تتنظف حَتَّى أغسلها مرَّتَيْنِ. وَنظر فِي الْمرْآة ثمَّ قَالَ لإِنْسَان عِنْده: ترى لحيتي قد طَالَتْ؟ فَقَالَ لَهُ ذَلِك الْحَاضِر: الْمرْآة فِي يدك. فَقَالَ: صدقت، وَلَكِن يرى الشَّاهِد مَا لَا يرى الْغَائِب. وَدخل عَلَيْهِ بَعضهم، وَمَعَهُ ابْن لَهُ، فَقَالَ لَهُ: هَذَا ابْنك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: وَلَيْسَ لأمه غَيْرك؟ قَالَ: وَيصْلح فِي دينكُمْ لامْرَأَة زَوْجَيْنِ؟ ! قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي اردت صِحَة أمرهَا مِنْك، وَكَيف جَاءَ هَذَا الْوَلَد الَّذِي لَا يشبهك. وَسمع رجلا ينشد شعرًا فِي هِنْد. فَقَالَ: لَا تَذكرُوا حماة النَّبِي إِلَّا بِخَير. وَقَالَ بَعضهم: كنت عِنْد أبي إِسْحَاق الزّجاج النَّحْوِيّ أعزيه بِأُمِّهِ وَعِنْده الرؤساء إِذْ أقبل ابْن الْجَصَّاص وَدخل ضَاحِكا، وَهُوَ يَقُول: الْحَمد لله يَا أَبَا إِسْحَاق. قد - وَالله - سرّني. فدهش الزّجاج وَمن حضر، فَقَالَ بَعضهم: يَا هَذَا،

стр. 1718

كَيفَ سرّك مَا غمّه وغمنا لَهُ؟ قَالَ: وَيحك ﴿إِنَّه بَلغنِي أَنه هُوَ الَّذِي، فَلَمَّا صَحَّ عِنْدِي أَنَّهَا هِيَ الَّتِي، سرني. فَضَحِك النَّاس. وَقَرَأَ يَوْمًا فِي الْمُصحف: " أَن تَقول نفس يَا حسرتي على مَا فرّطت فِي جنب الله " فَقَالَ: فديت جَنْبك يَا سَيِّدي، أيش أصَاب جَنْبك يَا مولَايَ؟ عز عليّ، لَيْت بِي مَا بك يَا سَيِّدي. كَانَ يكسر مرّة بَين يَدَيْهِ لوز، فطفرت لوزة، وأُبعدت، فَقَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله﴾ تَعَجبا من كل شَيْء هرب من الْمَوْت حَتَّى فِي الْبَهَائِم. وَمن دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ أرخص السُّوق على الدَّقِيق، اللَّهُمَّ إِنَّك تَجِد من تغْفر لَهُ غَيْرِي، وَلَا أجد من يُعَذِّبنِي سواك، حسبي الله ﴿اللَّهُمَّ امسخني حورية وزوجني من عمر بن الْخطاب. فَقَالَت زَوجته لَهُ: سل أَن يزوجك من النَّبِي ﵇، إِن كَانَ وَلَا بُد فَقَالَ: لَا أحب أَن أصير ضرَّة عَائِشَة. وصلّى خلف الإِمَام، فَلَمَّا قَالَ: " وَلَا الضَّالّين " قَالَ ابْن الْجَصَّاص: أَي لعمري أَرَادَ آمين. وَقَرَأَ يَوْمًا فِي الْمُصحف " رَبنَا إِنَّك من تدخل النَّار فقد أخزيته " ثمَّ قَالَ: يحِق لَهُ أَن يخري - وَالله - من أَدخل النَّار، يخرى ثمَّ يخرى. وَقَالَ لِابْنِ الْفُرَات يَوْمًا: أعز الله الْوَزير، امْنَعْ هَؤُلَاءِ الزَّنَادِقَة من الِاجْتِمَاع؛ فَإِنَّهُ بَلغنِي أَنهم يَتَكَلَّمُونَ بالكبائر. قَالَ: وَمَا الَّذِي يَقُولُونَ؟ قَالَ: بَلغنِي أَنهم يَقُولُونَ: إِن الصُّور لَيْسَ هُوَ من قرن. وَأَتَاهُ غُلَامه يَوْمًا بفرخ وَقَالَ: انْظُر هَذَا الفرخ، مَا أشبهه بِأُمِّهِ﴾ قَالَ: أمه ذكر أم أُنْثَى؟ . وَقَالَ يَوْمًا أتبّرك بكتب أَحْمد بن حَنْبَل، وَمَا أعمل كل يَوْم شَيْئا حَتَّى أمرّها على وَجْهي. قيل لَهُ: فَأَيْنَ أَنْت من الْقُرْآن؟ قَالَ: أما هَذَا فقد جربته. وَسمع آيَة من الْقُرْآن فِي بعض الْمجَالِس، فَقَالَ: حسن وَالله، هاتوا دَوَاة وقرطاساً اكْتُبْ هَذَا. قَالُوا لَهُ: هَذَا من الْقُرْآن، وَفِي دَارك خَمْسُونَ مُصحفا.

стр. 1719

فكتبها وَقَالَ: لكل جَدِيد لَذَّة، وَبعث بهَا إِلَى معلّم وَلَده وَأمره أَن يحفّظهم ذَلِك. وَبنى ابْنه دَارا، فَأدْخل أَبَاهُ إِلَيْهَا ليبصرها، وَقَالَ: انْظُر يَا أَبَة، هَل ترى عَيْبا؟ فطافها حَتَّى دخل المستراح، فَاسْتَحْسَنَهُ، وَقَالَ: فِيهِ عيب وَاحِد، وَهُوَ ضيق بَابه فَإِن الْمَائِدَة لَا تدخله. وَكتب إِلَى وَكيل لَهُ بِأَن يحمل إِلَيْهِ مائَة منا قطناً، فحملها فَلَمَّا حُلجت اسْتَقل الحليج وَكتب إِلَى وَكيله: إِنَّه لم يحصل من هَذَا الْقطن إِلَّا ربعه، فَلَا تزرع بعْدهَا قطناً بحبه، وازرع الحليج، وَيكون مَعَه أَيْضا شَيْء من الصُّوف. وَقَالَ مرّة لمغنية غنّي: خليليّ هُبّا نصطبح بسماد يُرِيد: بسواد. فَقَالَت لَهُ: إِذا عزمت على هَذَا فاصطبح وَحدك. وَقَالَ يَوْمًا: يَنْبَغِي للْإنْسَان أَن يصير إِلَى الْمَقَابِر ليغتاظ. يُرِيد: ليتعظ. وَقَالَ يَوْمًا لصديق لَهُ: وحياتك الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ. وَاسْتَأْذَنَ يَوْمًا على بعض الوزراء، وَعرض عَلَيْهِ شَيْئا من الْجَوْهَر وَقَالَ: وَقع هَذَا فِي السيق. فَضَحِك الْوَزير. فَقَالَ: أعز الله الْوَزير، إِن فِي تحفض مَا بعْدهَا. وَتردد إِلَى بعض النحوين ليصلح لِسَانه، فَقَالَ لَهُ بعد مُدَّة: الْفرس بِالسِّين أَو بالصين؟ وَقَالَ يَوْمًا: قُمْت البارحة إِلَى المستراح، وَقد طُفئ الْقنْدِيل، فَمَا زلت أتلمّظ المقعدة حَتَّى وَجدتهَا.

стр. 1720

وَقَالَ يَوْمًا لِعبيد الله بن سُلَيْمَان: أَيهَا الْوَزير، أَنْت سيف الله فِي أرضه، فَلَا تقع على شَيْء إِلَّا هرّيته، وَلَا يَقع عَلَيْك شَيْء إِلَّا هرّاك، فَأَنت مثل الشوك لَا يمشي عَلَيْهِ إِنْسَان إِلَّا دخل فِي رجله، وَلَا يدْخل فِي رجل إِنْسَان إِلَّا أوجعهُ. وانبثق لَهُ كنيف، فَقَالَ لغلامه: بَادر وأحضر من يُصلحه حَتَّى نتغدّى بِهِ قبل أَن يتعشّى بِنَا. وَأهْدى إِلَى الْعَبَّاس بن الْحسن الْوَزير نبقاً وَكتب إِلَيْهِ: تفيّلت بِأَن تبقى ... فأهديت لَك النبقا فَكتب فِي جَوَابه: لم تتفيل يَا أَبَا عبد الله، وَلَكِنَّك تبقّرت.

стр. 1721

الْبَاب الرَّابِع وَالْعشْرُونَ نَوَادِر أَصْحَاب الْمذَاهب والجُهال من المتعصبين كَانَ بعض ولد روح بن حَاتِم يتشيّع، وَكَانَ لَا يشْتم من الصَّحَابَة إِلَّا طَلْحَة، فَقيل لَهُ يَوْمًا: كَيفَ وَقعت على طَلْحَة؟ أتعرفه وتعرف قدمه فِي الْإِسْلَام؟ فَقَالَ: وَكَيف لَا أعرفهُ؟ طَلْحَة امْرَأَة الزبير. قَالَ رجل من أهل الْكُوفَة لهشام بن الحكم: أَتَرَى الله - جلّ ثَنَاؤُهُ - فِي فَضله وعدله وَكَرمه كلّفنا مَا لَا نطيق ثمَّ يعذّبنا عَلَيْهِ؟ قَالَ: فعل وَلَكِن لَا نستطيع أَن نتكلم. قَالَ الْأَخْفَش: سَمِعت أَبَا حَيَّة النميري يَقُول: أَتَدْرِي مَا يَقُول القدريون؟ قلت: مَا يَقُولُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: إِن الله لم يكلّف الْعباد مَا لَا يُطِيقُونَ، وَصدق - وَالله - القدريون، وَلَكنَّا لَا نقُول كَمَا يَقُولُونَ. قَالَ بَعضهم: مَرَرْت بِجَمَاعَة قد أخذُوا رجلا وضربوه ضرب التّلف، وهم يجرّونه إِلَى السُّلْطَان. فَقلت لبَعْضهِم: مَا تُرِيدُونَ مِنْهُ؟ قَالَ وَاحِد: هُوَ زنديق، لَا يُؤمن بالقيسيّ. دخل بعض الْعَامَّة على جَعْفَر بن سُلَيْمَان، يشْهد على رجل، فَقَالَ: أصلح الله الْأَمِير هُوَ رافضيّ قدري جهمي مرجيّ، يشْتم الْحجَّاج بن الزبير الَّذِي هدم الْكَعْبَة على عليّ بن أبي سُفْيَان. قَالَ لَهُ جَعْفَر: مَا أَدْرِي علام أحسدك ﴿﴾ على علمك بالأنساب، أَو معرفتك بالمقالات؟ قَالَ: وَالله مَا خرجت من الكتّاب حَتَّى تعلمت هَذَا كُله. قَالَ الجاحظ: كَانَ عِنْد الرستمي قوم من التُّجَّار، فَحَضَرت الصَّلَاة فَنَهَضَ الرستمي ليصلّي، فنهضوا مَعَه. فَقَالَ: مالكم وَلِهَذَا؟ إِنَّمَا فرض الله هَذَا ليذلّ بِهِ المتكبرين مثلي وَمثل فِرْعَوْن وهامان ونمروذ وكسرى.

стр. 1722

حج خراساني من أهل السنّة، فَلَمَّا حضر الْمَوْسِم أَخذ دَلِيلا يدلّه على الْمَنَاسِك، فَلَمَّا فرغ أعطَاهُ شيءاً يَسِيرا لَا يرضيه، فَأَخذه مِنْهُ، ثمَّ جَاءَ إِلَى بعض الْأَركان فنطح الرُّكْن بِرَأْسِهِ. فَقَالَ الْخُرَاسَانِي: مَا هَذَا؟ قَالَ: كَانَ مُعَاوِيَة يَأْتِي هَذَا الرُّكْن فينطحه بِرَأْسِهِ، وَكلما كَانَت النطحة أشدّ كَانَ الْأجر أعظم. فَشد الْخُرَاسَانِي على الرُّكْن ونطحه نطحة سَالَتْ الدِّمَاء مِنْهَا على وَجهه وَسقط مغشياً عَلَيْهِ فَتَركه الرجل وَمر. قيل لبَعْضهِم: مَا تَقول فِي مُعَاوِيَة؟ قَالَ: ﵀ وَرَضي عَنهُ. قيل: فَمَا تَقول فِي يزِيد؟ قَالَ: لَعنه الله وَلعن أَبَوَيْهِ. قَالَ بَعضهم لِأَبِيهِ: يَا أَبَة، قد علمت أَن الرمادية هم الَّذين يَبُولُونَ فِي الرماد، فَمَا الْقَدَرِيَّة؟ قَالَ: الَّذين يخرؤون فِي الْقُدُور. قَالَ بعض بني هَاشم، وَقد ذكرت الصَّحَابَة عِنْده، قَالَ: أَنا لَا أعرف إِلَّا الشَّيْخَيْنِ الله وَالنَّبِيّ. تشاجر نفسان من الْعَوام: أَحدهمَا يتشيّع وَالْآخر ناصبي، فَقَالَ المتشيع: إِن مولَايَ عليا ﵇ يَوْم الْقِيَامَة على الْحَوْض يسقيني وَلَا يسقيك. قَالَ الآخر: إِن لم يسقني سقاني أَبُو بكر شربةً، وَعمر شربةً، وَعُثْمَان، وَطَلْحَة، وَالزُّبَيْر، حَتَّى عدّ التِّسْعَة، فَقَالَ لَهُ صَاحبه: يَا ماص بظر أمه، أكلت كربج حَتَّى تشرب هَذَا المَاء كُله؟ . كَانَ بعض الشِّيعَة من أهل قزوين لَهُ ضَيْعَة تسمى " شيذكين " فَلحقه جور السُّلْطَان وأجحف بِهِ ثقل الْخراج حَتَّى خربَتْ الضَّيْعَة، وَحج الرجل، فَبينا هُوَ فِي الْموقف إِذْ قَامَ إِنْسَان عمريّ فَجعل يَقُول: أَنا ابْن الَّذِي خرّج الْخراج، ودوّن الدَّوَاوِين، وَفعل وصنع. فَقَالَ الْقزْوِينِي، وَقَالَ لَهُ: اسْكُتْ يَا مشئوم فَإِن بشؤم جدّك خربَتْ " شيذكين ". حدّث أَن ثَلَاثَة من الْمَشَايِخ حَضَرُوا الْجَامِع. فَقَالَ وَاحِد لآخر: جُعلت فدَاك، أَيهمَا أفضل: مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان أم عِيسَى بن مَرْيَم؟ فَقَالَ: لَا وَالله مَا أَدْرِي. فَقَالَ الثَّالِث: يَا كشخان، تقيس كَاتب الْوَحْي إِلَى نبيّ النَّصَارَى؟ .

стр. 1723

قَالَ بَعضهم: رَأَيْت بالقادسية أَيَّام الْحجَّاج إنْسَانا يَصِيح وَيَقُول: مَا يبغض الْعُيُون إِلَّا عين، فَقلت لَهُ: مَا معنى قَوْلك: الْعُيُون؟ قَالَ: أَبُو بكر، اسْمه عبد الله، وَعمر، وَعُثْمَان، وَعلي، لَا يبغضهم إِلَّا عين مَعْنَاهُ: إِلَّا عاضّ بظر أمه. وعظ وَاحِد مِنْهُم آخر فَقَالَ لَهُ: الزم السُنّة، فَإنَّك إِن لَزِمت السُنّة دخلت الْجنَّة. فَقَالَ لَهُ الآخر: وَمَا السنّة؟ قَالَ: حب أبي بكر بن أبي طَالب وَعمر بن أبي قُحَافَة، وَعُثْمَان بن سُفْيَان؟ وأستاذهم كلهم مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان. قَالَ: وَمن مُعَاوِيَة هَذَا؟ قَالَ: وَيلك أَلا تعرفه؟ هَذَا كَانَ من حَملَة الْعَرْش، فزوّجه النَّبِي ﷺ بنته عَائِشَة. قَالَ أَبُو العيناء: مر بِنَا وَاحِد يُنَادي على جرّيّ، فاستقذرناه. فَقَالَ هَل شيخ كَانَ إِلَى جَنْبي: علمت يَا أَبَا عبد الله أَنِّي لَا آكله إِلَّا مرّة وَاحِدَة فِي السّنة من أجل السُنّة لَا غير؟ قلت: وَأي سنّة فِي أكل الجرى؟ قَالَ: سُبْحَانَ الله! كَانَ عَليّ بن أبي طَالب يكرههُ.

стр. 1724

الْبَاب الْخَامِس وَالْعشْرُونَ نَوَادِر الْأَطِبَّاء قَالُوا: مر ماسروجيه الطَّبِيب ببعضهم، فَقَالَ: وَيلك يَا ماسروجيه! إِنِّي أجد فِي حلقي بححاً. قَالَ: هَذَا من عمل بلغم. فَلَمَّا جاوزه قَالَ: أَنا أحسن أَن أَقُول: بلغم، وَلَكِن كلّمنا بِالْعَرَبِيَّةِ، فكلمته بِالْعَرَبِيَّةِ. قَالَ الصولي: عدت بعض الرؤساء من علّة وسمعته يَقُول للطبيب: أكلت فراريج. فَقَالَ لَهُ: كَانَ يَكْفِيك فروج وَاحِد. فَقَالَ: إِن الفراريج لَا تضر. فَقَالَ الطَّبِيب: يَا سَيِّدي: إِذا لبس الْإِنْسَان عشر غلائل قصب فقد لبس لُبّادةً. قَالَ ابْن ماسويه لرجل شكا إِلَيْهِ قصوره عَن الْبَاءَة: عَلَيْك بالكباب وَالشرَاب، وَشعر أبي الْخطاب، يَعْنِي عمر بن أبي ربيعَة؛ لغزله. قَالَ أَبُو عَلْقَمَة للطبيب: إِنِّي أجد فِي بَطْني قرقرةً ومعمعةً. فَقَالَ: أمّا القرقرة فضراط لم ينضج. وَأما المعمعة فَلَا أَدْرِي مَا هِيَ. قَالَ المتَوَكل لبختيشوع: مَا أخفّ النُّقل على الشَّرَاب؟ قَالَ: نقل أبي نواس. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: مَالِي فِي النَّاس كلّهم مثل ... مائي خمر، ونقلي القُبل قيل لطبيب: مَا يذهب بِشَهْوَة الطين؟ قَالَ: زاجر من عقل. قَالَ بَعضهم: اعْلَم أَنَّك تَأْكُل مَا تستمرئه، ومالا تستمرئه، فَهُوَ يَأْكُلك. قَالَ جالينوس: صَاحب الْجِمَاع مقتبس من نَار الْحَيَاة، فَإِن شَاءَ فليقلل، وَإِن شَاءَ فليكثر.

стр. 1725

قيل لِابْنِ ماسويه: الباقلّي بقشره أصحّ فِي الْجوف؟ قَالَ: هَذَا من طب الجياع. يُقَال: إِن أردشير وَمن تقدّمه من مُلُوك الْفرس كَانُوا لَا يثبتون فِي ديوانهم الطَّبِيب إِلَّا بعد أَن يُلسعوه أَفْعَى، ثمَّ يُقَال لَهُ: إِن شفيت نَفسك فَأَنت طَبِيب حقّاً، وَإِن مت كَانَت التجربة عَلَيْك لَا علينا. وَكَانَ مُلُوك الرّوم إِذا اعتلّ طَبِيب أسقطوه من ديوانهم، وَقَالُوا لَهُ: أَنْت مثلنَا. وَكَانَ بعض مُلُوك الْعَرَب إِذا جَاءَهُ طَبِيب قدّم إِلَيْهِ مائدةً، وَأمره أَن يُركّب مِنْهَا غذَاء لتقوية أبدان الْمُجَاهدين، وعلاجاً للمرضى، وتدبيراً للناقهين، وتفكّهاً للمترفين، وسبباً ممرضاً، وسمّاً قَاتلا للأعداء، فَإِذا فعل ذَلِك أثْبته، وَإِلَّا صرفه. حُكيَ عَن بعض الْأَطِبَّاء أَنه قَالَ لإِنْسَان شكا إِلَيْهِ علّة، فَقَالَ: خُذ من البنفسج المربّى قدر رَوْثَة، وصبّ عَلَيْهِ مَاء حاراً قدر محجمة ثمَّ دوفه حَتَّى يصير كَأَنَّهُ مخاط، ثمَّ اشربه. فَقَالَ الْمَرِيض: أمّا دون أَن أُضرب بالسياط فَلَا. قَالَ ابْن ماسويه: قَالَ لي أَخ لِعبيد الله بن يحيى: أَخْبرنِي عَن الطبائع الْأَرْبَع، هِيَ من عقاقير الْجَبَل؟ فَضَحكت. فَقَالَ: مِم تضحك؟ قلت: أَخُو وَزِير لَا يعرف الطبائع؟ فَقَالَ لي: مَا أَنا طَبِيب. قَالَ رجل لطبيب: يَا سَيِّدي، إِن أُمِّي تَجِد فِي حلقها ضيقا ويبساً وحرارة. قَالَ الطَّبِيب: لَيْت الَّذِي فِي حلق أمك فِي حر امْرَأَتك، وَأَن على حلق أمك السكين. وَجَاء ماجن إِلَى طَبِيب فَقَالَ: أجد فِي أَطْرَاف شعري شبه المغص، وَفِي بَطْني ظلمَة، وَإِذا أكلت الطَّعَام تغيّر فِي جوفي. قَالَ الطَّبِيب: أما مَا تَجدهُ من المغص فِي أَطْرَاف شعرك فَاحْلِقْ رَأسك ولحيتك، فَإنَّك لَا تَجِد مِنْهُ شَيْئا، وَأما الظلمَة الَّتِي فِي بَطْنك فعلّق على بَاب استك قِنْدِيلًا حَتَّى لَا تجدها، وَأما تغيّر الطَّعَام فِي بَطْنك فَكل خرا واربح النَّفَقَة.

стр. 1726

دخل رجل حَماما فسرقت ثِيَابه، فَخرج وَهُوَ عُرْيَان، وعَلى بَاب الحمّام طَبِيب. فَقَالَ لَهُ: مَا قصتك؟ قَالَ: سرقوا ثِيَابِي. قَالَ: بَادر ونفسّ الدَّم، حَتَّى يخف عَنْك الْغم. قيل لبَعض الْأَطِبَّاء: أَي وَقت للطعام أصلح؟ فَقَالَ: أمّا لمن قدر فَإِذا جَاع، وَلمن لم يقدر فَإِذا وجد. مر طَبِيب بِابْن عبد الْوَاسِع الْمَازِني، فَشَكا إِلَيْهِ ريحًا فِي بَطْنه. فَقَالَ: خُذ كف صعتر. قَالَ: يَا غُلَام، الدواة والقرطاس، ثمَّ قَالَ: أصلحك الله، مَا كنت قلت؟ قَالَ: قلت: خُذ كف صعتر، ومكوك شعير. قَالَ: لم لم تذكر الشّعير أَولا؟ قَالَ: وَلَا علمت أَنَّك حمَار إِلَّا السَّاعَة. مرض أَحمَق، فَدخل إِلَيْهِ الطَّبِيب، فساءله عَن حَاله. فَقَالَ: أَنا الْيَوْم صَالح، وَقد قرمت إِلَى الثَّلج. فَقَالَ الطَّبِيب: الثَّلج رَدِيء يزِيد فِي رطوبتك، وَينْقص من قوتك. فَقَالَ: أَنا إِنَّمَا أمصه وأرمي بثفله. ذكر زرقان الْمُتَكَلّم قَالَ: أَقمت عِنْد ابْن ماسويه يَوْمًا، فقدّمت الْمَائِدَة وَجِيء عَلَيْهَا بسمك وَلبن، فامتنعت من أَحدهمَا. فَقَالَ لي: لم امْتنعت؟ فَقلت: خوفًا من أَن أجمع بَينهمَا. فَقَالَ لي: أَنْت رجل من أهل النّظر وَتقول هَذَا القَوْل! لَيْسَ يَخْلُو أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا ضدّاً لصَاحبه، أَو مُوَافقا لَهُ؛ فَإِن كَانَ ضداً لَهُ فقد أدخلنا على الشَّيْء ضِدّه، وَإِن كَانَ مُوَافقا فاعمل على أنّا وَدِدْنَا سمكًا أكلناه. جَاءَ رجل إِلَى بعض الْأَطِبَّاء، فَشَكا إِلَيْهِ وجع بَطْنه. فَقَالَ لَهُ: مَا أكلت؟ قَالَ: خبْزًا محترقاً. فَدَعَا الطَّبِيب بذرور ليكحله. فَقَالَ الرجل: إِنَّمَا أَشْكُو بَطْني. قَالَ: قد علمت، وَلَكِنِّي أكحلك لتبصر الْخبز المحترق فَلَا تَأْكُله بعد هَذَا. قَالَ شيخ من الْأَطِبَّاء: الْحَمد لله، فلَان يزاحمنا فِي الطِّبّ وَلم يخْتَلف إِلَى البيمارستان تَمام خمسين سنة. قَالَ بَعضهم لطبيب نَاوَلَهُ دَوَاء: قدر كم آخذ مِنْهُ؟ قَالَ: تَأْخُذ مِنْهُ قدر بَعرَة وتدوفه بِقدر محجمة مَاء وتضربه.

стр. 1727

قَالَ بَعضهم: قَالَ لي طَبِيب: إياك ومجالسة الثُّقَلَاء؛ فَإنَّا نجد فِيمَا تقدم من كتب الطِّبّ أَن فِي مجالستهم تُخم الْأَرْوَاح. قيل: دخل بعض الهاشميين على أبي جَعْفَر، فسلّم عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَر: كَيفَ الْمَوْلُود؟ قَالَ: فِي عَافِيَة. قَالَ: كم لَهُ؟ قَالَ: سَبْعَة أَيَّام. قَالَ: فَقَالَ متطبب أبي جَعْفَر: كَيفَ عقله؟ قَالَ: أما سمعتني قلت لأمير الْمُؤمنِينَ: إِنَّمَا لَهُ سَبْعَة أَيَّام؟ قَالَ الطَّبِيب إِن الْمَوْلُود إِذا كَانَ حادّ النّظر قَلِيل الْبكاء كَانَ عَاقِلا. ترك لافس التَّصْوِير وتطبب، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك. فَقَالَ: الْخَطَأ فِي التَّصْوِير تُدْرِكهُ الْعُيُون، وَخطأ الطِّبّ تواريه الْقُبُور. سُئِلَ طَبِيب عَن دَوَاء الْمَشْي. فَقَالَ: سهم ترمي بِهِ فِي جوفك أَخطَأ أم أصَاب. وَسُئِلَ آخر فَقَالَ: هُوَ كالصابون فِي الثَّوْب يُنقّيه، وَلَكِن يخلقه ويبليه. شكا رجل إِلَى طَبِيب سوء انهضام طَعَامه، فَقَالَ: كلّه مهضوماً. قَالَ طَبِيب لمريض: لَا تَأْكُل السّمك وَاللَّحم. فَقَالَ: لَو كَانَ عِنْدِي مَا اعتللت. أصَاب بَعضهم صداع، فضمّد رَأسه بدار صيني، وفلفل. فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب: عزمت على أَن تضعه فِي التَّنور؟ .

стр. 1728

الْبَاب السَّادِس وَالْعشْرُونَ اتفاقات عَجِيبَة فِي الْجد والهزل قَالَ حمّاد بن الزبْرِقَان: حفظت مَا لم يحفظ أحد، ونسيت مَا لم ينس أحد. كنت لَا أحفظ الْقُرْآن، فأنفت أَن أجيء بِمن يعلّمني، فحفظته من الْمُصحف فِي شهر وَاحِد. ثمَّ قبضت يَوْمًا على لحيتي لأقص مَا فضل عَن قبضتي فنسيت أَنِّي أحتاج أَن أقصّ مَا دون القبضة فقصصت أَعْلَاهَا، فَاحْتَجت أَن أَجْلِس فِي الْبَيْت سنة إِلَى أَن اسْتَوَت. حدّث أَبُو عَاصِم النَّبِيل بِحَدِيث فَقَالَ: حَدثنِي أَبُو بكر ابْني عني. وَكَانَ الابْن كتبه عَنهُ ونسيه الْأَب فذكّره. وَفِي ضد ذَلِك، مَا حَكَاهُ الصاحب ﵀ عَن بَعضهم، قَالَ: كَانَ يَقُول: حَدثنِي ابْني عني كَأَنَّهُ أعلم بِهِ مني، على معنى قَوْلهم: " كمعلمة أمّها البضاع ". قَالَ بَعضهم: من طرائف المحبان أَنِّي بت لَيْلَة عِنْد قوم، وحركتني الطبيعة فِي بعض اللَّيْل، وَلم أعرف مَوضِع الْخَلَاء، فَوَقَعت على بَيت فِيهِ مهد، وَفِيه صبي نَائِم وَلَيْسَ عِنْده أحد، فعمدت إِلَى الصَّبِي فَأَخْرَجته من المهد، وَجَعَلته فِي حجري، وجمعت عَلَيْهِ ذيلي، وحوّلت استي على المهد وخريت فِيهِ، وَقمت أرد الصَّبِي، فَإِذا بِهِ قد وضع فِي حجري أَضْعَاف مَا خريت فِي مهده، فَبَقيت متحيّراً فِي محنة، مَا أعلم أَن أحدا دُفع إِلَى مثلهَا. وَحكي أَنه فعل مثل ذَلِك إِنْسَان آخر ببستوقة فِيهَا صحناة، فِي دَار رجل كَانَ قد أَضَافَهُ، وَأَنه قدّم إِلَيْهِ ذَلِك فِي طَعَامه من غَد. قَالَ عبد الْملك بن عمر اللَّيْثِيّ: دخلت على عبد الْملك بن مَرْوَان وَهُوَ جَالس فِي بهو على سَرِير، وَقد وضع بَين يَدَيْهِ رَأس مُصعب بن الزبير. فَلَمَّا

стр. 1729

رَأَيْته قلت مُتَعَجِّبا: لَا إِلَه إِلَّا الله ﴿﴾ لقد رَأَيْت الْيَوْم عجبا تذكرت بِهِ عجائب. قَالَ: وَمَا ذَاك؟ قلت: رَأَيْت عبيد الله بن زِيَاد فِي هَذَا البهو جَالِسا على هَذَا السرير، وَبَين يَدَيْهِ رَأس الْحُسَيْن بن عَليّ، ﵇. ثمَّ دخلت بعد ذَلِك على الْمُخْتَار فِي هَذَا البهو جَالِسا على هَذَا السرير، وَبَين يَدَيْهِ رَأس عبيد الله بن زِيَاد. ثمَّ دخلت على مُصعب فِي هَذَا البهو على هَذَا السرير، وَبَين يَدَيْهِ رَأس الْمُخْتَار. وَقد دخلت عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي هَذَا البهو على هَذَا السرير، وَبَين يَديك رَأس مُصعب. فبادر عبد الْملك وَنزل عَن السرير، وَخرج من البهو، وَأمر بهدمه. قُرئ فِي أَخْبَار البرامكة: أَنه وجد فِي بعض الأوارجات السُّلْطَانِيَّة فِي أَولهَا: وَمَا حُمل إِلَى الْأَمِير أبي الْفضل جَعْفَر بن يحيى أعزه الله لهدية النيروز من الْعين الطرز مائَة ألف دِينَار. وَفِي آخر الْحساب: وَمَا أُخرج لثمن النفط والبواري والحطب لإحراق جثة جَعْفَر بن يحيى بضعَة عشر درهما. ركب يزِيد بن نهشل النَّهْشَلِي بَعِيرًا لَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَى فِي غرزه قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّك قلت: " سُبْحَانَ الَّذِي سخر لنا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين ". اللَّهُمَّ إِنِّي أشهدك أَنِّي لَهُ مقرن. فنفر الْبَعِير، وتعلّقت رجله فِي الغرز، وَالْبَعِير يجمز بِهِ حَتَّى مَاتَ. قَالَ ثَعْلَب: قَالَ السدّيّ: أتيت كربلاء أبيع البزبها، فَعمل لنا شيخ من طيّ طَعَاما فتعشينا عِنْده، فَذَكرنَا قتل الْحُسَيْن، ﵁، فَقلت: مَا شرك فِي قَتله أحد إِلَّا مَاتَ بِأَسْوَأ ميتَة. فَقَالَ: مَا أكذبكم يَا أهل الْعرَاق! فَأَنا فِيمَن شرك فِي ذَلِك. فَلم نَبْرَح حَتَّى دنا من الْمِصْبَاح وَهُوَ يتّقد بنفط، فَذهب يُخرج الفتيلة بإصبعه، فَأخذت النَّار فِيهَا، فَجعل يطفئها بريقه، فَأخذت النَّار فِي لحيته، فَعدا فَألْقى نَفسه فِي المَاء، فرأيته كَأَنَّهُ حممة. قَالُوا: كَانَ بِمَدِينَة السَّلَام رجل ذُو يسَار، فَبينا هُوَ ذَات يَوْم فِي منزله - وَقد جلس ليَأْكُل مَعَ امْرَأَته، وَبَين يَدَيْهِ سكباجة قد فاحت رائحتها - إِذْ دنا سَائل

стр. 1730

من الْبَاب، وَكَانَ مِمَّن امتحن بنكبة بعد نعْمَة، فَقَالَ: أَطْعمُونِي من فضل مَا رزقكم الله. فَقَامَتْ الْمَرْأَة وغرفت لَهُ من الْقدر، وَأخذت رغيفين لتنَاوله. فَلَمَّا رأى الزَّوْج ذَلِك حلف عَلَيْهَا ألاّ تدفع إِلَيْهِ شَيْئا، وَمضى السَّائِل خائباً حَزينًا، وَاسْتوْفى الرجل طَعَامه، وَصعد السَّطْح لبَعض حَوَائِجه فعثر بِشَيْء وانتكس، فَسقط فِي الأَرْض، ووقص وَمَات. وحازت الْمَرْأَة مِيرَاثه وتصرفت فِيهِ، وفرقّت شَيْئا من أَسبَابه الرثّة فِي الْمَسَاكِين، فَكَانَ فِي جُمْلَتهَا مضرّبة خلقَة وَقعت إِلَى هَذَا الرجل السَّائِل ففتّها ليغسلها ويجعلها قَمِيصًا يلْبسهُ، فَوجدَ فِيهَا ألف دِينَار، فَأَخذهَا وغيّر بهَا حَاله. وَضرب الدَّهْر، وَأَتَتْ على ذَلِك الْأَيَّام، فَطلب امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا. فَقَالَت لَهُ بعض الدلاّلات: هَاهُنَا امْرَأَة صَالِحَة قد ورثت، فَمَا تَقول فِي مواصلنها؟ فأنعم لَهَا. فسعت الدّلَالَة بَينهمَا حَتَّى اتفقَا واجتمعا، فَلَمَّا دخل بهَا تحدثا ذَات يَوْم فَقَالَت الْمَرْأَة: فَاعْلَم أَن هَذِه الدَّار الَّتِي وقفت عَلَيْهَا، وَأَنا تِلْكَ الْمَرْأَة، وَأَن زَوجي صعد فِي ذَلِك الْيَوْم السَّطْح فَسقط وَمَات. وَقد أورثك الله مَاله ومسكنه وَزَوجته، فَسجدَ الرجل شكرا، وحدّث إخوانه تعجّباً. قَالَ بعض تجار الْبَحْر: حملنَا مرّة مَتَاعا إِلَى الصين من الأبلة - وَكَانَ قد اجْتمع ركب فِيهِ عشر سفن، قَالَ: وَمن رسمنا إِذا توجهنا فِي مثل هَذَا الْوَجْه أَن نَأْخُذ قوما ضعفاء، ونأخذ بضائع قوم - فَبينا أَنا قد أصلحت مَا أُرِيد إِذْ وقف عليّ شيخ، فسلّم، فَرددت، فَقَالَ: لي حَاجَة قد سَأَلتهَا غَيْرك من التُّجَّار فَلم يقضها. قلت: فَمَا هِيَ؟ قَالَ: اضمن لي قضاءها حَتَّى أَقُول. فضمنت، فأحضرني رصاصةً فِيهَا نَحْو من مائَة منّا، وَقَالَ لي: تَأمر بِحمْل هَذِه الرصاصة مَعَك، فَإِذا صرتم فِي لجّة كَذَا فاطرحها فِي الْبَحْر. فَقلت: يَا هَذَا، لَيْسَ هَذَا مِمَّا أَفعلهُ. قَالَ: فقد ضمنت لي. وَمَا زَالَ بِي حَتَّى قبلته، وكتبته فِي رزنامجي. فَلَمَّا صرنا فِي ذَلِك الْموضع عصفت علينا ريح فنسينا أَنْفُسنَا وَمَا مَعنا، ونسيت الرصاصة، ثمَّ خرجنَا من اللجة وسرنا حَتَّى بلغنَا موضعا، فَبِعْت مَا صحبني. وَحضر بِي رجل فَقَالَ لي: أَمَعَك رصاص؟ فَقلت لَيْسَ معي رصاص، فَقَالَ لي غُلَام: مَعنا رصاص. قلت: لم أحمل رصاصاً معي. قَالَ: بلَى، الشَّيْخ سلّم إِلَيْك، فَذكرت فَقلت: خالفناه وبلغنا هَاهُنَا وَمَا عليّ أَن أبيعه، فَإِن ذَلِك فِيهِ مَا

стр. 1731

أَرَادَ. فَقلت للغلام: أحضرها، وساومني الرجل بهَا، فبعتها بِمِائَة وَثَلَاثِينَ دِينَارا. وابتعت بهَا للشَّيْخ من طرائف الصين. وَخَرجْنَا فوافينا الْمَدِينَة، وبعت تِلْكَ الطرائف فبلغت سَبْعمِائة دِينَار، وصرت إِلَى الْبَصْرَة إِلَى الْموضع الَّذِي وَصفه الشَّيْخ، ودققت بَاب دَاره، وَسَأَلت عَنهُ، فَقيل: قد توفّي قلت: فَهَل خلّف أحدا يَرِثهُ؟ قَالُوا: لَا نعلم إِلَّا ابْن أَخ لَهُ فِي بعض نواحي الْبَحْر. قَالَ: فتحيّرت، وَقيل لي: إِن دَاره مَوْقُوفَة فِي يَد أَمِين القَاضِي، فَرَجَعت إِلَى الأُبُلّة وَالْمَال معي. فَبينا أَنا ذَات يَوْم جَالس إِذْ وقف على رَأْسِي رجل فَقَالَ: أَنْت فلَان؟ قلت: نعم. قَالَ: أَكنت خرجت إِلَى الصين؟ قلت: نعم. قَالَ: وبعت رجلا هُنَاكَ رصاصا؟ قلت: نعم. قَالَ: أفتعرف الرجل وتأملته؟ قلت: أَنْت هُوَ. قَالَ: نعم. إِنِّي قطعت من تِلْكَ الرصاصة شَيْئا لَاسْتَعْمَلَهُ، فَوَجَدتهَا مجوفة، وَوجدت فِيهَا اثْنَي عشر ألف دِينَار، وَقد جِئْت بِالْمَالِ، فَخذ، عافاك الله. فَقلت لَهُ: وَيحك ﴿﴾ وَالله مَا المَال لي، وَلكنه كَانَ من خَبره كَذَا وَكَذَا، وحدثته. قَالَ: فَتَبَسَّمَ الرجل، ثمَّ قَالَ: أتعرف الشَّيْخ؟ قلت: لَا. قَالَ: هُوَ عمي، وَأَنا ابْن أَخِيه، وَلَيْسَ لَهُ وَارِث غَيْرِي، وَأَرَادَ أَن يزوي هَذَا المَال عني، وَهُوَ هرّ بني من الْبَصْرَة سبع عشرَة سنة، فَأبى الله إِلَّا مَا ترى على رغمه. قَالَ: فأعطيته الدَّنَانِير كلّها وَمضى إِلَى الْبَصْرَة وَأقَام بهَا. قَالَ بَعضهم: جلس رجل إِلَى قوم، فصاح بِهِ إِنْسَان من خَلفه، فَالْتَفت إِلَيْهِ فَمَاتَ. فَقيل لِابْنِهِ: كَيفَ مَاتَ أَبوك؟ فَحكى لَهُم كَيفَ مَاتَ أَبوهُ والتفت وَمَات هُوَ أَيْضا. قَالَ يحيى بن الْيَمَان: رَأَيْت رجلا بَات أسود الرَّأْس واللحية شابّاً ملْء الْعين، نَام لَيْلَة فَرَأى فِي مَنَامه كَأَن النَّاس قد حُشروا، وَإِذا بنهر من لَهب النَّار، وَإِذا بجسر يجوز النَّاس عَلَيْهِ، يُدعون بِأَسْمَائِهِمْ. فَإِذا نُودي الرجل أجَاب، فنجا أَو هلك. قَالَ: فدُعي باسمي، فَدخلت الجسر، فَإِذا هُوَ كحدّ السَّيْف يمور بِي يَمِينا وَشمَالًا. قَالَ: فَأَصْبَحت أَبيض الرَّأْس واللحية. قَالَ عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر: حدثنب أَبُو مُحَمَّد الرباطي - رِبَاط خاوة من عمل جرجان - قَالَ: كنت قباراً، فَبينا أَنا فِي منزلي إِذْ طرقني لَيْلًا

стр. 1732

ركب مستعجلين فركبت، فَإِذا أَنا بشموع وخدم، فأمروني بِالْحفرِ، فحفرت قبراً، وأدعوه تابوتاً، وعفيت عَلَيْهِ بِالتُّرَابِ، وأجالوا خيلهم عَلَيْهِ، تغويراً للموضع فانصرفوا. فَظَنَنْت أَنه كنز، فأسرعن فانتشته، وكشفت عَن التابوت فَإِذا فِيهِ رجل فَوضعت يَدي على أَنفه، فَإِذا هُوَ قريب من التّلف، فاستخرجته وأعدت التُّرَاب إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، واحتملته إِلَى منزلي. وَعَاد الْقَوْم حذرا أَن يكون قد تُنُبّه على مَا فِي التابوت، ونفضوا الصَّحرَاء الَّتِي كَانَ فِيهَا، فَلم يَجدوا أثرا وَلَا حسّاً لأحد، وَأَنا مشرف من منزلي أرى مَا يصنعون. فَلَمَّا أمنُوا مِمَّا توهمّوا انصرفوا. وترادّت نفس الرجل، فَسَأَلته عَن حَاله. فَقَالَ: أَنا مُحَمَّد ابْن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عليّ بن الْحُسَيْن بن عليّ، ﵃، فَأَقَامَ عِنْدِي إِلَى أَن قويت نَفسه وتراجعت، ثمَّ شخص إِلَى الْعرَاق، ثمَّ إِلَى الْحجاز، وَظهر بِالْيمن، وبويع لَهُ بأمير الْمُؤمنِينَ، وَدخل مَكَّة، ثمَّ خرج على عَهدهم وَبَايع الْمُؤْمِنُونَ لِابْنِ أَخِيه عليّ بن مُوسَى بالعهد، فَخرج مُحَمَّد إِلَى الْمَأْمُون بخراسان. وأدركته منيته بجرجان، فاحتفرت لَهُ ودفنته، فَكَانَ بَين الدفنين عشر سِنِين. قَالُوا: كَانَت فِي عبد الصَّمد بن عليّ عجائب: مِنْهَا أَنه مَاتَ بِأَسْنَانِهِ الَّتِي ولد بهَا وَلم يثّغر وَكَانَت أَسْنَانه قِطْعَة وَاحِدَة. وَمِنْهَا أَنه كَانَ فِي قعدد يزِيد بن مُعَاوِيَة، هما فِي النّسَب إِلَى عبد منَاف سَوَاء. وَقَامَ على مِنْبَر قَامَ عَلَيْهِ يزِيد وَبَينهمَا مائَة سنة. وَحج بِالنَّاسِ فِي سنة مائَة وَسبعين وحجّ يزِيد بِالنَّاسِ فِي سنة خمسين وَبَينهمَا مائَة وَعِشْرُونَ سنة. وَمِنْهَا أَنه دخل سربا فِيهِ ريش فطارت ريشتان فلصقتا بِعَيْنيهِ فَذهب بَصَره. وَمِنْهَا أَنه كَانَ يَوْمًا عِنْد الرشيد، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هَذَا مجْلِس فِيهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ، وعمّه، وَعم عمّه وَعم عَم عَمه يَعْنِي سُلَيْمَان بن أبي جَعْفَر عَم

стр. 1733

الرشيد، وَالْعَبَّاس بن مُحَمَّد عَم أَبِيه، وَعبد الصَّمد عَم جده. وَيُقَال: إِن أم عبد الصَّمد هِيَ كَثِيرَة الَّتِي يَقُول فِيهَا ابْن قيس الرقيات: عَاد لَهُ من كَثِيرَة الطَّرب ... وَمن الاتفاقات العجيبة، مَا كَانَ من المعتصم وَإِبْرَاهِيم بن الْمهْدي. قَالَ الصولي: لَا نَعْرِف خَليفَة قبل يَد خَليفَة ثمَّ قبل ذَلِك الْخَلِيفَة بِعَيْنِه يَده، إِلَّا مَا كَانَ من فعل المعتصم بإبراهيم ثمَّ فعل إِبْرَاهِيم بالمعتصم. وحدّث قَالَ: كَانَ المعتصم فِي فتْنَة الْأمين يمْضِي مَعَ عَليّ بن الْجُنَيْد إِلَى إسكاف فيقيم عِنْده، وَلَا يقصر عَليّ فِي خدمته وإكرامه وَالنَّفقَة عَلَيْهِ. وَكَانَ عَليّ أَكثر النَّاس مزاحا، واحسنهم كلَاما. فآذاه المعتصم فِي شَيْء فَقَالَ عَليّ: وَالله لَا تفلح أبدا - على المزح - فحفظها المعتصم، فَلَمَّا دخل بَغْدَاد خَليفَة، أَمر وصيفاً بإحضار عليّ، فأحضروه، وَكَانَ عدوّاً للفضل بن مَرْوَان فَقَالَ لَهُ: يَا عليّ، زعمت أَنِّي لَا أَفْلح أبدا، هَل بعد هَذَا الْفَلاح شَيْء من أَمر الدُّنْيَا؟ فَقَالَ لَهُ: الَّذِي أَفْلح عِنْدِي الْفضل بن مَرْوَان، فَضَحِك المعتصم - وَكَانَ يَقُول: من ذَلِك الْيَوْم اعتقدت أَن أنكب الْفضل - ثمَّ قَالَ: يَا عليّ، أَتَذكر حَيْثُ وقفت لإِبْرَاهِيم بن الْمهْدي بمرّبعة الخرسيّ فَنزلت فقبّلت يَده، ثمَّ أدنيت ابْني هَارُون فقبّل يَده، وَقلت: عَبدك هَارُون ابْني، فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم؟ قَالَ عليّ: أذكر لَك. قَالَ: فَإِنَّهُ ترجّل لي الْيَوْم وقبّل يَدي فِي ذَلِك الْموضع بِعَيْنِه، ثمَّ قَالَ لي: عَبدك هبة الله ابْني، وَأَدْنَاهُ وقبّل يَدي، فَأمرت لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم، وَلم تطب لَهُ نَفسِي بغَيْرهَا. فَقَالَ: بئس وَالله مَا فعل أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: وَكَيف؟ وَيلك! قَالَ: إِبْرَاهِيم أَمر لهارون بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وَلَيْسَ فِي يَده إِلَّا بَغْدَاد وَحدهَا. وَفِي يَد أَمِير الْمُؤمنِينَ الشرق والغرب. قَالَ: صدقت، أَعْطوهُ عشرَة آلَاف دِينَار. وفرّق المعتصم فِي أَهله ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم. دخل إيتاخ إِلَى الواثق وَهُوَ بآخر رَمق لينْظر هَل مَاتَ أم لَا، فَلَمَّا دنا مِنْهُ نظر إِلَيْهِ الواثق بمؤخر عينه فَفَزعَ إيتاخ وَرجع الْقَهْقَرِي إِلَى أَن وَقع سَيْفه فِي ملبن الْبَاب فاندق، وَسقط إيتاخ على قَفاهُ هَيْبَة لنظرة الواثق. قيل: فَلم تمض

стр. 1734

سَاعَة حَتَّى مَاتَ الواثق فعُزل فِي بَيت ليُغسل، وَاشْتَغلُوا عَنهُ، فَجَاءَت هرّة فَأكلت عينه الَّتِي نظر بهَا إِلَى إيتاخ فتراجع وَسقط واندق سَيْفه هَيْبَة مِنْهَا، فَعجب النَّاس من ذَلِك. وَكَانَ إيتاخ زعيماً لسَبْعين ألف غُلَام تركيّ. وَمثله لِسَان مَرْوَان بن مُحَمَّد، فَإِنَّهُ لمّا قُتل، وَأخذ رَأسه وَأَرَادُوا إِنْفَاذه إِلَى أبي الْعَبَّاس أمروا بتنظيفه، فجَاء كلب فَأخذ لِسَانه وَجعل يمضغه. فَقَالَ عبد الله بن عليّ: " لَو لم يرنا الدَّهْر من عجائبه إِلَّا لِسَان مَرْوَان فِي فَم كلب لَكَفَانَا ذَلِك ". قيل: إِنَّه كَانَ سَبَب موت الْمُنْتَصر، أَنه وجد حرارةً، فقصد بمبضع مَسْمُوم فَمَاتَ. وَأَن الطَّبِيب الَّذِي فعل بِهِ ذَلِك احْتَاجَ إِلَى الفصد بعد ايام، فَأخْرج لتلميذه دست مباضع ليفصده، وفيهَا ذَلِك المبضع، وَقد أُنسيه، فقصده بِهِ تِلْمِيذه فَمَاتَ الطَّبِيب. وحُكي عَن المستعين أَنه قَالَ: كَانَ الْمُنْتَصر قد جعلني فِي نَاحيَة أَخِيه مُوسَى الأحدب - وَكَانَ لِأَبِيهِ وَأمه - وَأحسن إليّ، فَلَمَّا ثقل اغتممت، وَرَأَيْت مُوسَى مَسْرُورا طامعاً فِي الْخلَافَة، فَانْصَرَفت إِلَى بَيْتِي مغموماً فطرقني رَسُول أتامش فَفَزِعت لذَلِك، وودّعت أُمِّي وَخرجت مَعَ جمَاعَة من الموَالِي حَتَّى أُدخلت حجرَة، وَجَاءَنِي كَاتب فسكّن مني، وَجعل يؤنسني ويحدثني ويخدمني، فَأَصْبَحت يومي صَائِما. وأخرجوني فِي عشيّة ذَلِك الْيَوْم، فبايعوني. قَالَ أَحْمد بن أبي الْأَصْبَغ: لما ولى المستعين الْخلَافَة، دَعَاني أَحْمد بن الخصيب - وَقد استوزره - فَقَالَ لي: أكتب السَّاعَة فِي إشخاص أبي صَالح عبد الله بن مُحَمَّد بن يزْدَاد، من فَارس بأسرع من عنْدك وأفرههم. فورد أَبُو صَالح بعد شهر، فَمَكثَ جُمُعَة ودب فِي أَمر أَحْمد بن الخصيب حَتَّى ولّي مَكَانَهُ وَنفي أَحْمد بن الخصيب إِلَى أقريطش. قَالَ: فدعاني أَبُو صَالح حِين ولّي فَقَالَ: اكْتُبْ السَّاعَة إِلَى همذان فِي إشخاص شُجَاع بن الْقَاسِم إِلَى الحضرة، ووجّه إِلَيْهِ بِالَّذِي جَاءَ بِي من فَارس، قَالَ: فَفعلت ذَلِك، فَوَافى شُجَاع، فتقلد كتبة أوتامش، فَلَمَّا تمكن نكب أَبَا صَالح وَقَامَ مَكَانَهُ.

стр. 1735

خرج أَبُو العيناء - وَهُوَ ضَرِير لَهُ نيّف وَتسْعُونَ سنة - إِلَى الْبَصْرَة فِي سفينة فِيهَا ثَمَانُون نفسا، فغرقت فَلم يسلم غَيره، فَلَمَّا صَار إِلَى الْبَصْرَة توفّي بهَا وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ. كَانَ الْوَاقِدِيّ شَيخا سَمحا، وأظله شهر رَمَضَان، وَلم تكن عِنْده نَفَقَة، فَاسْتَشَارَ امْرَأَته بِمن ينزل خلّته من إخوانه؟ فَقَالَت: بفلان الْهَاشِمِي. فَأَتَاهُ فَذكر لَهُ خلته فَأخْرج لَهُ صرة فِيهَا ثَلَاثمِائَة دِينَار فَقَالَ: وَالله مَا أملك غَيرهَا. فَأَخذهَا الْوَاقِدِيّ. فساعة دخل منزله جَاءَهُ بعض أخولته وشكا إِلَيْهِ، خلته فَدفع إِلَيْهِ الصرة بختمها، وَعَاد صَاحب الصرة إِلَى منزله. فَجَاءَهُ الْهَاشِمِي فَشَكا خلته فَنَاوَلَهُ الصرة فعرفها الْهَاشِمِي، فَقَالَ لَهُ: من أَيْن لَك هَذِه؟ فحدثه بِقِصَّتِهِ، فَقَالَ: قُم بِنَا إِلَى الْوَاقِدِيّ، فَأتوهُ. فَقَالَ لَهُ الْهَاشِمِي: حَدثنِي عَنْك وَعَن إِخْرَاج الصرة فحدثه الحَدِيث على وَجهه فَقَالَ الْهَاشِمِي: فأحق مَا يعْمل فِي هَذِه الصرة أَن نقتسمها ونجعل فِيهَا نَصِيبا للْمَرْأَة الَّتِي وَقع اخْتِيَارهَا عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا. جَاءَ وَفد من الْيمن فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، لقد أَحْيَانًا الله تَعَالَى ببيتين من شعر امْرِئ الْقَيْس. قَالَ: وَمَا ذَاك؟ قَالُوا: أَقبلنَا نريدك حَتَّى إِذا كُنَّا بِموضع كَذَا وَكَذَا أَخْطَأنَا المَاء، فَمَكثْنَا ثَلَاثًا لَا نقدر عَلَيْهِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَوضِع طلح وَسمر، فَانْطَلق كل رجل منا إِلَى أصل شَجَرَة ليَمُوت فِي ظلها. فَبينا نَحن فِي آخر رَمق، إِذا رَاكب قد أقبل معتم، فَلَمَّا رَآهُ بَعْضنَا تمثل: لما رَأَتْ أَن الشَّرِيعَة همها ... وَأَن الْبيَاض من فرائصها دامي تيممت الْعين الَّتِي عِنْدهَا ضارج ... يفِيء عَلَيْهَا

стр. 1736

الظل عرمضها طامي فَقَالَ الرَّاكِب: من يَقُول هَذَا الشّعْر، فَقَالَ بَعْضنَا: امْرُؤ الْقَيْس. قَالَ: هَذِه وَالله ضارج عَنْكُم - وَقد رأى مَا بِنَا من الْجهد - فزحفنا إِلَيْهَا فَإِذا بَيْننَا وَبَينه نَحوا من خمسين ذِرَاعا؛ وَإِذا هِيَ كَمَا وصف امْرُؤ الْقَيْس يفِيء عَلَيْهَا الظل. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " ذَاك رجل مَشْهُور فِي الدُّنْيَا خامل فِي الْآخِرَة، مَذْكُور فِي الدُّنْيَا منسي فِي الْآخِرَة، يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة مَعَه لِوَاء الشُّعَرَاء يقودهم إِلَى النَّار ". قَالُوا: بَينا حُذَيْفَة بن الْيَمَان وسلمان الْفَارِسِي يتذاكران عجائب الزَّمَان وَتغَير الْأَيَّام - وهما فِي عَرصَة إيوَان كسْرَى، وَكَانَ أَعْرَابِي من غامد يرْعَى شويهات لَهُ نَهَارا، فَإِذا كَانَ اللَّيْل صيرهن إِلَى دَاخل الْعَرَصَة، وَفِي الْعَرَصَة سَرِير رُخَام كَانَ رُبمَا عَلَيْهِ جلس كسْرَى، فَصَعدت شويهات الغامدي إِلَى ذَلِك السرير - فَقَالَ سلمَان: " وَمن أعجب مَا تَذَاكرنَا صعُود غنيمات الغامدي إِلَى سَرِير كسْرَى ". قَالَ بَعضهم: دخلت على صابح مولى مَنَارَة فِي يَوْم شات وَهُوَ فِي قبَّة طارمة مغشاة بالسمو، مفروشة بالسمور، وَبَين يَدَيْهِ كانون من فضَّة، وَهُوَ يُوقد عَلَيْهِ بِعُود. ثمَّ مرت سنيات فَرَأَيْت صابحاً على حمَار بإكاف يقف على النَّاس على الجسر فَيَقُول: أَنا صابح مولى مَنَارَة، تصدقوا عَليّ رحمكم الله، فَلَا يطيعه كثير من النَّاس، وَإِن أعطَاهُ إِنْسَان، أعطَاهُ درهما وَاحِدًا فَمَا دونه. قَالَ الجاحظ: نصب ابْن لمُحَمد بن إِبْرَاهِيم - كَاتب ابْن أبي دَاوُد - فخاً على ظهر الطَّرِيق إِلَى جَانب حَائِط. فجَاء بعض الأتراك فَبَال فِي مَوْضِعه، فَلَمَّا أَرَادَ أَن يتمسح، نظر إِلَى نبكة مُرْتَفعَة فتمسح بهَا، فَوَقع الفخ فِي ذكره وخصييه وَظن التركي أَنه أَفْعَى، فَمر يعدو، وَابْن مُحَمَّد يعدو خَلفه ويصيح: فخي، فخي. والتركي يَقُول: فخ إيش؟ وَيلك! فَاجْتمع النَّاس فخلصوا خصيي تركي من الفخ. وَكتب بذلك صَاحب الْبَرِيد إِلَى المعتصم، فَلَمَّا دخل ابْن أبي دَاوُد، قَالَ لَهُ: من كاتبك هَذَا الَّذِي يصيد ابْنه خصى الأتراك بالفخاخ؟ فَقَالَ: وَالله مَا أعرفهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَلَمَّا انْصَرف سَأَلَ عَن الْخَبَر، وَأخرج الْغُلَام من دَاره. قَالَ بعض الْأَعْرَاب: أضللت بَعِيرًا لي فَخرجت فِي طلبه، فَبينا أَنا أَسِير إِذْ رَأَيْت خباء فَإِذا فِيهِ جَارِيَة جميلَة. فاستضفتها فأضافتني، وقدمت إِلَيّ طَعَاما، فَلَمَّا مددت يَدي إِلَيْهِ، طلع بَعْلهَا فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَت: ضيف استقرانا فقريناه.

стр. 1737

فَقَالَ: وَإِنَّمَا تزوجت لتقرين الضَّيْف؟ اخْرُج عافاك الله، فَخرجت من الخباء وَركبت بَعِيري وَتركته يذهب حَيْثُ شَاءَ، قَالَ: فأضاء لي الْفجْر عَن فَتى كَأَن وَجهه فلقَة قمر، قلت: هَل من مُضَافَة، قَالَ: انْزِلْ فَقدم إِلَيّ طَعَاما، فَلَمَّا شرعت فِي الْأكل إِذا زَوجته قد طلعت فَقَالَت: مَا هَذَا؟ قَالَ: ضيف استضافنا فأنزلناه. فَقَالَت: إِنَّمَا تَزَوَّجتك على أَن تقري الأضياف؟ قُم عافاك الله واخرج. قَالَ: فَضَحكت. فَقَالَ لي: مِم ضحِكت؛ قلت: نزلت فِي أول اللَّيْل على جَارِيَة كَانَ من قصَّتهَا كَيْت وَكَيْت، ثمَّ نزلت عَلَيْك فَكَانَ من قصتك مَا رَأَيْت. قَالَ: أَفلا أخْبرك بِأَعْجَب من ذَلِك؟ قَالَ: بلَى. قَالَ: تِلْكَ وَالله أُخْتِي لأبي وَأمي، وَهَذِه أُخْت الرجل لِأَبِيهِ وَأمه. وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله.