Полный текст (1 737 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
الْبَاب التَّاسِع عشر نَوَادِر أَصْحَاب المهن والصناعات الخسيسة
حج رجل من أهل الْعرَاق، فَتقدم إِلَى مزيّن وَقَالَ لَهُ: احْلق رَأْسِي حلقا جيدا، واستقبل الشّعْر بِالْمُوسَى، وَأَقْبل يصف لَهُ كَيفَ يعْمل. فَقَالَ لَهُ: حَسبك ﴿هوذا، أحلق رَأسك حلقا لَا يرَاهُ أحد إِلَّا اشْتهى أَن يصفعك. حدّث بَعضهم قَالَ: نكب بعض ندماء الْخَلِيفَة نكبةً اضْطر مَعهَا إِلَى الاستتار، فاستتر وَطَالَ شعره، فَقَالَ للرجل الَّذِي كَانَ مستتراً عِنْده: قد كَانَ لي غُلَام سنديّ مزين أَعتَقته وَلَا أعرف خَبره مُنْذُ حِين، واذهب إِلَى مَوضِع كَذَا واطلبه، واجلس إِلَيْهِ، ثمَّ اذْكُرْنِي لَهُ؛ فَإِن رَأَيْته يتوجع لي فعرفّه مَكَاني، وَخذ بِهِ مَعَك، وَإِن رَأَيْته يذمني أَو يشكوني فَدَعْهُ وَلَا تذكرني لَهُ. فَذهب الرجل حَتَّى لقِيه وجاراه فِي خبر مَوْلَاهُ. فَقَالَ: يَا سَيِّدي، وَمن أَيْن تعرفه؟ فَإِنِّي - وَالله - تَالِف شوقاً إِلَيْهِ، واغتماماً لَهُ، أحسن الله صحبته حَيْثُ كَانَ. فَقَالَ الرجل: هُوَ عِنْدِي، وَقد استدعاك، فَنَهَضَ السندي وقبّل يَد الرجل، وَصَارَ مَعَه إِلَيْهِ، فَلَمَّا دخل إِلَيْهِ أظهر سُرُورًا بِهِ، وقبّل الأَرْض بَين يَدَيْهِ، وَأخذ شعره وَحَجمه، فَأعْطَاهُ دِينَارا. فَلَمَّا خرج لَقِي ابْنا لَهُ، فَقَالَ لَهُ: وَيحك﴾ أَلَيْسَ وجّه إليّ فلَان مولَايَ وَهُوَ مستتر فِي دَار فلَان فِي الْموضع الْفُلَانِيّ، فصرت إِلَيْهِ وخدمته وحجمته النقرة وَأَعْطَانِي دِينَارا؟ فَقَالَ لَهُ ابْنه ذَلِك: حجمته النقرة بِلَا أخدعين؟ قتلته! وَلَيْسَ هَذَا حقّه علينا، وَمَا عرّج على شَيْء حَتَّى قصد الدَّار الَّتِي وصفهَا لَهُ أَبوهُ، ودقّ الْبَاب، وَقَالَ: أَنا فلَان ابْن خادمك المزيّن، ففتحوا لَهُ، وقبّل يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ، واظهر من الاغتمام بأَمْره، مثل مَا أظهره أَبوهُ، ثمَّ قَالَ: عرّفني غلامك أبي أَنه حجمك النقرة وَحدهَا، وَهَذَا وَقت حَار، وَقد ثار الدَّم. وَالْوَجْه أَن تُحجم الأخدعين. فَقَالَ لم يكن بِي إِلَى هَذَا حَاجَة، والآن وَقد أَشرت بِهِ،
стр. 1682
فاستخر الله، فحجمه الأخدعين، وَأَعْطَاهُ دِينَارا وَأخرجه. فلقي أَخا لَهُ، فَقَالَ ذَلِك: كَانَ من الْأَمر كَذَا وَكَذَا، فَمر مبادراً، وَقَالَ مثل قَوْله، وَفعل مثل فعله حَتَّى حجمه على السَّاقَيْن، وَأخذ دِينَارا وَخرج. فلقي صهراً لَهُ فَأخْبرهُ بالقصة، فبادر مسرعاً حَتَّى صَار إِلَى بَاب الدَّار وَدخل، وَفعل مثل فعلهمَا، وَقَالَ: لَا بُد مَعَ حجامة السَّاقَيْن والأخدعين من قطع الجهارك. فَقَالَ الرجل: نعم، لَا أَدْرِي أيش ذَنبي إِلَيْكُم يَا بني القحاب، اجْلِسْ. فأجلسه وَقَامَ وَجلسَ فِي سمارية، وَانْحَدَرَ إِلَى دَار الْخَلِيفَة، فَلَمَّا رَآهُ الْحجاب يسْتَأْذن تعجبواودخلوا فَاسْتَأْذن لَهُ فَلَمَّا دخل انكب بَين يَدي الْخَلِيفَة فقبّل الأَرْض، ثمَّ قَالَ: يَا سَيِّدي، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، اسْمَع قصتي وحالي، وقص عَلَيْهِ خبر الحجامين وَمَا لَقِي مِنْهُم، وَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَوْلَاد القحاب هوذا، يَأْخُذُونَ دمي بالمحاجم، خُذْهُ أَنْت بِالسَّيْفِ دفْعَة وَاحِدَة، وارحمني مِمَّا أَنا فِيهِ. فَضَحِك، وَرجع لَهُ، ورده إِلَى منزله. جَاءَ حائك إِلَى الْأَعْمَش فَقَالَ: مَا تَقول فِي الصَّلَاة خلف الحائك؟ قَالَ: لَا بَأْس بهَا على غير وضوء. قَالَ: فَمَا تَقول فِي شَهَادَته؟ قَالَ: تقبل شَهَادَته مَعَ شَاهِدين عَدْلَيْنِ. فَقَالَ الحائك: فَهَذَا وَلَا شَيْء وَاحِد. تنبّى حائك بِالْكُوفَةِ، فَقَالُوا: مَا رَأينَا نبيّاً حائكاً. فَقَالَ: وَهل رَأَيْتُمْ نبيّاً صيرفيّاً؟ . وَقيل لحائك: لَو كنت خَليفَة أَي شَيْء كنت تشْتَهي؟ قَالَ: تمر وَكسب. قيل لِابْنِهِ: وَلَو كنت ابْن خَليفَة مَا كنت تشْتَهي؟ فَقَالَ: وَهل ترك هَذَا من اللَّذَّات شَيْئا حَتَّى أشتهيه؟ ارْتَفع رجل كَانَ فِي الأَصْل حائكاً حَتَّى ولي ولَايَة، فَقَالَ لَهُ يَوْمًا مغنّ لَهُ - وَقد كَانَ قرُب الْعِيد -: هَب لي أَيهَا الْأَمِير عِمَامَة أتعمم بهَا يَوْم الْعِيد. فَقَالَ لَهُ: هَات الْغَزل حَتَّى أرد عَلَيْك الْعِمَامَة قبل الْعِيد بِثَلَاثَة أَيَّام. رُوِيَ عَن مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: " واتّبعك الأرذلون ". قَالَ: الحاكة.
стр. 1683
وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: عقل سبعين امْرَأَة عقل رجل وَاحِد، وعقل سبعين حائكاً عقل امْرَأَة وَاحِدَة. وَقَالَ مَيْمُون بن مهْرَان: السَّلَام على الحائك يوهن الْعقل الركين. وَقَالَ فيهم: إِنَّهُم سرقوا نعل النَّبِي ﵇ وعمامة يحيى بن زَكَرِيَّا، وجراب الْخضر، وعصا مُوسَى، وغزل سارةً، وشَاة دانيال، وقصعة هود، وفأس عمر، وسمكة عَائِشَة من التَّنور. واستدلتهم مَرْيَم فدلّوها على غير الطَّرِيق، فدعَتْ عَلَيْهِم أَن الله يجعلهم سخرية النَّاس، وَألا يُبَارك فِي كسبهم. جَاءَ رجل بِهِ وجع الضرس إِلَى قلاّع ليقلعه، فَقَالَ: أُرِيد درهما فَقَالَ لَهُ: أحسن. فَقَالَ: أقلع ضرساً آخر - إِن أردْت - وَلَا أنقص من الدِّرْهَم شَيْئا. استدعى بَعضهم قلاّعاً ليقلع ضرساً لَهُ، وَكَانَ الرجل أبخر، فَلَمَّا فتح فَاه قَامَ القلاع وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا من عَمَلي، هَذَا من عمل الكناسين. دَعَا حجام جمَاعَة من الكناسين يكسحون لَهُ بِئْرا، فَقَالَ أحدهم لصَاحبه: اسْقِنِي مَاء. فَقَالَ الآخر: تَدْرِي عِنْد من نعمل نَحن! ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: إِنَّا نعمل عِنْد حجّام. قَالَ: إِنَّا لله، الْحَمد لله حَيْثُ علمنَا بِهِ قبل أَن نشرب فِي كيزانهم، أردْت، وَالله، أَن أرمي بِكُل مَا فِي جوفي. قَالَ: وَسمعت وَاحِدًا يَقُول للْآخر: إِن كنت كناس بن كناس فَقل لي: كم رجل لابنَة وردان. قَالَ بَعضهم: نظرت إِلَى كناسين فِي دَاري، وهم يتغدّون، فَلَمَّا رأوني من بعد صَاح أحدهم: إِن كنت تُرِيدُ أَن تَأْكُل مَعنا فاغسل يدك أَولا؟ . جَاءَت امْرَأَة إِلَى صفّار بمرجل مثقوب ليصلحه، فسدّ الثقب بِقَلِيل طين، وسوّده، وردّه عَلَيْهَا. فَلَمَّا صبّت فِيهِ المَاء ابتل الطين، وسال المَاء، فَجَاءَت
стр. 1684
إِلَيْهِ وَقَالَت لَهُ: وَيلك ﴿أَلَسْت قلت: قد أصلحت الْمرجل؟ وَهَا هُوَ بعد مثقوب كَمَا كَانَ. قَالَ: لَعَلَّك صببت فِيهِ مَاء؟ قَالَت: نعم، لأيش نريده إِلَّا لماء؟ قَالَ: ظَنَنْت أَنَّك تجعلين فِيهِ نوى أَو نخالة أَو صُوفًا، فَأَما مَا يصبّ فِيهِ المَاء فَأَنا لَا أحسن أَن أصلحه. نظر ملاّح إِلَى رجل قد وثب على ظهر فرسه فَقَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله﴾ مَا أحسن مَا اسْتَوَى على كوثله ﴿﴾ قيل لملاح: كم بَيْننَا وَبَين الْعَصْر؟ قَالَ: مُرديّ شمس. قيل للمجّدر القرّاد: كَيفَ أَصبَحت؟ فَقَالَ: كَيفَ يصبح من يَرْجُو خير هَذَا؟ وَأَشَارَ إِلَى قرده. قَالَ الْأَصْمَعِي: مَرَرْت بكنّاس فِي بعض الطّرق، وَهُوَ ينْقل على ظَهره وينشد: وأُكرم نَفسِي إِنَّنِي إِن أهنتهاوحقك لم تُكرم على أحد بعدِي فَقلت: عَن أَي شَيْء أكرمتها وَهَذِه الجرة على رقبتك؟ فَقَالَ: من الْوُقُوف بِبَاب مثلك. قَالَ الْوَاقِدِيّ: رَأَيْت بقّالاً بِالْمَدِينَةِ، وَقد أشعل بَين يَدَيْهِ سِرَاجًا بِالنَّهَارِ، فَقلت لَهُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: أرى النَّاس يبيعون ويشترون حَولي، وَلَا يدنو مني أحد، فَقلت: عَسى لَا يروني، فأسرجت لَهُم حَتَّى يروني. وقف رجل على صَاحب لَهُ، وَهُوَ يُنَادي: هَذَا عسل، هَذَا سكر، هَذَا قند. فَتقدم إِلَيْهِ رجل وَقَالَ: عِنْدِي عليل يَشْتَهِي بطيخة حامضة، فَقَالَ لَهُ: خُذ وَلَا تلْتَفت إِلَى قولي فَإِنَّهُ خلّ. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت ثَلَاثَة من الهراسين على بقْعَة وَاحِدَة، وهم يتكايدون فِي مدح هرائسهم، فَرَأَيْت وَاحِدًا وَقد أخرج من هريسته قِطْعَة على المغرفة وأشالها وَهُوَ يَقُول: انزلي وَلَك الْأمان. فَقَالَ الثَّانِي: يَا قوم، أدركوني،
стр. 1685
الحقوني، أَنا أجذبها وَهِي تجذبني وَالْغَلَبَة لَهَا. فَقَالَ الثَّالِث: أَنا لَا أَدْرِي مَا يَقُولُونَ. من أكل من هريستي أَسْرج ببوله شهرا. خَاصم حجّام مرّة حذّاءً فَقَالَ للحذاء: أَنْت تمشّط وتسرّج وَأَنا أمشّط وأسرّج، وَأَنت تحذف وَأَنا أحذف وَأَنت تشقّ الْجلد بشفرة وَأَنا أشقه بمشراط، فَأَي فضل لَك عليّ؟ . تخاصم رجلَانِ، وَكَانَ أَحدهمَا ندّافاً. فَقَالَ الآخر: وَالله لَو وضعت إِحْدَى رجليك على حراء وَالْأُخْرَى على ثبير، ثمَّ اخذت قَوس قزَح وندفت الْغَيْم على جباب الْمَلَائِكَة، مَا كنت إِلَّا ندّافاً. قدّمت امْرَأَة رزام الطحّان إِلَى صَاحب الشرطة؛ فادّعت عَلَيْهِ شَيْئا، فجحدها، وَقَالَ: أصلح الله الْأَمِير، إِن كَانَت صَادِقَة فحريت سَيْفا بِالْعرضِ. قَالَ بَعضهم: مَرَرْت بِجَمَاعَة من الكنّاسين قد وقفُوا على بِئْر لينقّوه فَقَالُوا لأَحَدهم: انْزِلْ، فتجرّد، فَنزل وَهُوَ يَقُول: لم يطيقوا أَن ينزلُوا ونزلنا ... وأخو الْحَرْب من أطَاق النزولا قَالَ بَعضهم: وَردت القرما - وَهِي على أَرْبَعَة فراسخ من الرملة - مَعَ رُفقاء لي، فَإِذا بصائح يَصِيح بِالْغَدَاةِ: الهريسة الهريسة. فأنفذنا من يَشْتَرِيهَا، فَرجع وَقَالَ: الهرّاس يَقُول: اثردوا، فثردنا، وَعَاد إِلَيْهِ. قَالَ: فَفتح بُزالا من قدر، فَإِذا بِمَاء صَاف قد انحدر مِنْهَا، فَبعد حِين خرجت حبّات حِنْطَة، فَضرب بِيَدِهِ على مَنْكِبي وَقَالَ: بختك مقبل، فَإِنَّهَا الْيَوْم ثخينة. جَاءَ رجل إِلَى صديق لَهُ من أهل السُّوق، فَشَكا إِلَيْهِ إضاقةً، وَسَأَلَهُ أَن يُقرضه دَرَاهِم. فَقَالَ نعم، وكرامةً، يَا غُلَام، هَات الْكيس وَالْمِيزَان والمرآة، وَوزن لَهُ مَا التمسه، فَأَخذه الرجل وَأثْنى عَلَيْهِ، وَقَامَ ليقبّل رَأسه فَقَالَ: يَا أخي،
стр. 1686
لَا أحب أَن تُقبّل رَأْسِي، وَلَكِن لي إِلَيْك حَاجَة. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: انْظُر فِي هَذِه الْمرْآة، كَيفَ تُبصر وَجهك من الْفَرح ناضراً مُشرقاً؟ فأُحبّ أَن يكون وَجهك إِذا سَأَلتك ردّ مَا قبضت مِثْلَمَا هُوَ السَّاعَة. أحب الرشيد أَن ينظر إِلَى أبي شُعَيْب القلاّل كَيفَ يعْمل القلال، فأدخلوه الْقصر وأتوه بِجمع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من آلَة الْعَمَل، فَبينا هُوَ يعْمل إِذْ هُوَ بالرشيد قَائِما فَوق رَأسه، فَلَمَّا رَآهُ نَهَضَ قَائِما. فَقَالَ لَهُ الرشيد: دُونك مَا دُعيت لَهُ، فَإِنِّي لم آتٍ بك لتقوم لي، وَإِنَّمَا أتيت بك لتعمل بَين يَدي. قَالَ: وَأَنا لم آتِك ليسوء أدبي، وَإِنَّمَا أَتَيْتُك لِأَزْدَادَ بك فِي كَثْرَة صوابي. قَالَ لَهُ الرشيد: بَلغنِي أَنَّك إِنَّمَا تعوّضت بِي حِين كسدت صنعتك. فَقَالَ أَبُو شُعَيْب: يَا سيد النَّاس، مَا كساد عَمَلي فِي جلال وَجهك؟ فَضَحِك الرشيد حَتَّى غطى وَجهه. ثمَّ قَالَ: مَا رَأَيْت - وَالله - أنطق مِنْهُ أَولا، وَلَا أعيا آخرا. يَنْبَغِي أَن يكونر هَذَا أَعقل النَّاس أَو أجن النَّاس. هاج بِأبي عَلْقَمَة الدَّم، فَأتوهُ بحجام يحجمه، فَقَالَ لَهُ: أنق غسل المحاجم، وَاشْدُدْ قصب الملازم، وأرهف ظبات المشارط، وأسرع الْوَضع، وَعجل النزع، وَليكن شرطك وخزاً، ومصك نهزا، وَلَا تكرهن أَبَيَا، وَلَا تردن أَتَيَا. فَوضع الْحجام محاجمه فِي جونته وَقَالَ: اسقوا هَذَا شربة، فَإِنَّهُ إِلَى الدَّوَاء أحْوج مِنْهُ إِلَى الْحجامَة. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت بِمَكَّة زنجياً قد خرج من كنيف يكنسه، وعل عُنُقه حرَّة، وَفِي رجله لبنة، وَهُوَ يَقُول: جنباني ديار هِنْد وسعدى ... لم أكن رَاضِيا بدار هوان قَالَ: فَقلت: وَيحك! وَأي هوان أعظم مِمَّا أَنْت فِيهِ؟ فَقَالَ: تَنَح عني، وَلَا تقذرني. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت سماكاً بَين يَدَيْهِ حرى منتن، وَهُوَ يَقُول: من يَشْتَرِي الشنة جزَافا؟ .
стр. 1687
قَالَ أَبُو هفان: سَمِعت فِي بعض أَصْحَاب السماد بِالْبَصْرَةِ من يَقُول: اشْتريت فِي ضيعتنا هَذِه سماداً بِأَلف وسِتمِائَة دِينَار مَا كَانَ فِي جَمِيعه جعس تَأْخُذهُ الْعين. قَالَ: دَعَا حجام كناسين. كَانُوا يسمون الحائك أَخْضَر الْعين والأكار أَخْضَر النواجذ. استحضر عبيد الله بن سُلَيْمَان الْوَزير حجاماً غَرِيبا وَقَالَ: قد تبرمت بحجامي لِكَثْرَة فضوله، فأحضروه شَيخا، فَلَمَّا أَخذ آلَته قَالَ عبيد الله: " أعْط الْقوس باريها " فَقَالَ: أَيهَا الْوَزير، مَا أول هَذَا الْبَيْت؟ فَقَالَ عبيد الله: الله أكبر! هربنا من فُضُولِيّ ووقعنا فِيمَا هُوَ شَرّ مِنْهُ، هَات أَنْت، مَا أَوله؟ فَقَالَ الْحجام: أنشدنا الرياشي بِمَكَّة: يَا باري الْقوس برياً لَيْسَ يُحسنهُ ... أفسدت قوسك أعْط الْقوس باريها قيل للحجام: قبيس، لِأَن المسان الَّتِي لَهُم تحمل من جبل أبي قبيس: كَانَ بِالْبَصْرَةِ رَئِيس للكناسين يُقَال لَهُ: أَبُو إِبْرَاهِيم، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان يَوْمًا: احْمِلْ مائَة سفينة إِلَى النّخل وَخذ ثمنهَا مَعَ الْمِائَة الَّتِي كنت حملتها فَقَالَ: تِلْكَ الْمِائَة كنت جَعلتهَا طمعةً للأمير. قَالَ الْأَصْمَعِي: شَرّ النَّاس الدلالون، لِأَن أول من دلّ إِبْلِيس، حَيْثُ قَالَ لآدَم: " هَل أدلّك على شَجَرَة الْخلد وَملك لَا يبْلى ". وَقَالَ غَيره: نعم الْمعِين على البيع والابتياع وعَلى الألفة والاجتماع الدلالون. اسْتَأْجر رجل حمالاً ليحمل قفصاً فِيهِ قَوَارِير على أَن يعلّمه ثَلَاث خصل ينْتَفع بهَا، فَلَمَّا بلغ ثلث الطَّرِيق قَالَ: هَات الْخصْلَة الأولى؟ فَقَالَ: من قَالَ لَك
стр. 1688
إِن الْجُوع خير من الشِّبَع فَلَا تصدقه، فَقَالَ: نعم، فلّما بلغ نصف الطَّرِيق قَالَ: هَات الثَّانِيَة؟ فَقَالَ: من قَالَ لَك: الْمَشْي خير من الرّكُوب فَلَا تصدقّه. قَالَ: نعم، فَلَمَّا انْتهى إِلَى بَاب الدَّار قَالَ: هَات الثَّالِثَة؟ قَالَ: من قَالَ لَك: إِنَّه يُوجد حمّال أرخص مِنْك فَلَا تصدقه. فَرمى الْحمال بالقفص وَقَالَ: من قَالَ لَك: بَقِي فِي القفص قَارُورَة صَحِيحَة فَلَا تصدقه.
стр. 1689
الْبَاب الْعشْرُونَ نَوَادِر ابْن أبي عَتيق
دخل على عَائِشَة - وَكَانَت عمّته - فِي مَرضهَا الَّذِي مَاتَت فِيهِ، فَقَالَ: كَيفَ أَصبَحت؟ جعلني الله فدَاك، قَالَت: أجدني ذَاهِبَة. قَالَ: فَلَا إِذن. كَانَت لَهُ جَارِيَة، وَلها صديق، فَكَانَ يَجِيء كل عَشِيَّة فَيَصِيح من الْبَاب: اقدحوا لنا نَارا، فَتخرج إِلَيْهِ الْجَارِيَة. فَخرجت الْجَارِيَة مرّة إِلَى الْبُسْتَان، وَجَاء الرجل على الْعَادة فَقَالَ: اقدحوا لنا نَارا. فصاح ابْن أبي عَتيق: يَا هَذَا، قدّاحنا فِي هَذِه اللَّيْلَة فِي الْبُسْتَان. قَالَ: بَينا هُوَ مرّة على سطحه، وَجَارِيَة لَهُ تعشّيه، إِذْ مطرَت عَلَيْهِ حِجَارَة من فَوق السَّطْح، فَأَشْرَف فَإِذا فَتى يَرْمِي بهَا وَيُؤذن الْجَارِيَة بمجيئه. فَقَالَ لَهُ: عافاك الله. السَّاعَة تعشّيني وتنزل إِلَيْك. وَقَالَت لَهُ جَارِيَته يَوْمًا: إِن فلَانا الْقَارئ - وَكَانَ يُظهر التنسك - قد قطع عليّ الطَّرِيق وَآذَانِي وَيَقُول لي: أَنا أحبك. فَقَالَ لَهَا: فَقولِي لَهُ: وَأَنا أَيْضا أحبك ثمَّ واعديه الْمنزل، فَفعلت، وأدخلته الْمنزل، وَكَانَ قد وَاعد جمَاعَة من أَصْحَابه؛ ليضحكوا من الرجل. وَدخلت الْجَارِيَة إِلَى الْبَيْت الَّذِي فِيهِ الرجل، فَدَعَاهَا، فاعتلت عَلَيْهِ، فَوَثَبَ إِلَيْهَا، فاحتمالها، وَضرب بهَا الأَرْض. فَدخل عَلَيْهِ ابْن أبي عَتيق وَأَصْحَابه، وَقد تورّكها، فَخَجِلَ وَقَامَ، وَقَالَ: يَا فساق، مَا تجمّعكم هُنَا إِلَّا لريبة. فَقَالَ ابْن أبي عَتيق وَأَصْحَابه: اسْتُرْ علينا، ستر الله عَلَيْك.
стр. 1690
تغدّى يَوْمًا عِنْد عبد الله بن جَعْفَر، فِي عدّة من قُرَيْش، وَإِذا الْكَرِيم رثّ الثِّيَاب، فَقَالَ ابْن أبي عَتيق: أصلحك الله، مَا تُطعمنا إِلَّا فِي كَفَّارَة يَمِين. وَقع بَين حيّين من قُرَيْش مُنَازعَة، فَخرجت عَائِشَة على بغلة، فلقيها ابْن أبي عَتيق فَقَالَ: إِلَى أَيْن؟ جُعلت فدَاك. فَقَالَت: أُصلح بَين هذَيْن الْحَيَّيْنِ. قَالَ: وَالله مَا غسلنا رؤوسنا من يَوْم الْجمل، فَكيف إِذا قيل يَوْم الْبَغْل ﴿؟ فَانْصَرَفت. وَلما بلغه قَول نُصيب: وُلدت وَلم أُخلق من الطير إِن بدا ... سنا بارق نَحْو الْحجاز أطير قَالَ: قل: غاق غاق وطر، أَي أَنَّك غراب، لِأَنَّهُ كَانَ أسود. وَلَقي ابْن أبي عَتيق عبد الله بن عمر فَقَالَ لَهُ: مَا تَقول فِي إِنْسَان هجاني، فَقَالَ لي: أذهبت مَالك غير مُترك ... فِي كل مومسة وَفِي الْخمر ذهب الْإِلَه بِمَا تعيش بِهِ ... وَبقيت وَحدك غير ذِي وفر؟ فَقَالَ: أرى أَن تَأْخُذ بِالْفَضْلِ وتصفح. فَقَالَ لَهُ ابْن أبي عَتيق: أَنا، وَالله أرى غير ذَلِك. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: أرى أَن أنيكه. فَقَالَ عبد الله: سُبْحَانَ الله﴾ ! مَا تتْرك الْهزْل؟ وافترقا، ثمَّ لقِيه ابْن أبي عَتيق بَعْدَمَا ظن أَن ابْن عمر قد نسي ذَلِك، فَقَالَ لَهُ: أَتَدْرِي مَا فعلت بذلك الْإِنْسَان؟ قَالَ: أَي إِنْسَان؟ قَالَ الَّذِي أعلمتك أَنه هجاني. قَالَ: مَا فعلت بِهِ؟ قَالَ: كل مَمْلُوك لي فَهُوَ حر إِن لم أكن قد نكته، فأعظم ذَلِك ابْن عمر، واضطرب. فَقَالَ لَهُ ابْن أبي عَتيق: امْرَأَتي - وَالله - هِيَ الَّتِي قَالَت الشّعْر وهجتني. قَالَ: وَامْرَأَته أم إِسْحَاق بنت طَلْحَة بن عبيد الله.
стр. 1691
كَانَ ابْن أبي عَتيق يتعشّى، وَمَعَهُ رجل من الْأَنْصَار، فَوَقع حجر فِي الدَّار، وَوَقع آخر، وثالث. فَقَالَ لجاريته: اخْرُجِي فانظري أذنّوا للمغرب؟ فَخرجت وَجَاءَت بعد سَاعَة وَقَالَت: قد أذنّوا وصلّوا. فَقَالَ لَهُ الرجل الَّذِي كَانَ عِنْده: أَلَيْسَ قد صلينَا قبل أَن ندخل؟ قَالَ: بلَى، وَلَكِن لَو لم أرسلها تسْأَل عَن ذَلِك لرُجمنا إِلَى الْغَدَاة، أفهمت؟ قَالَ: نعم قد فهمت. وَلما سمع قَول عمر بن أبي ربيعَة: من رَسُولي إِلَى الثريا فَإِنِّي ... ضقت ذرعاً بهجرها وَالْكتاب ركب بغلته من الْمَدِينَة يُرِيد مَكَّة، فَلَمَّا بلغ قيل لَهُ: أحرم. قَالَ: إِن ذَا الْحَاجة لَا يحرم. وَجَاء حَتَّى دخل على الثريا، فَقَالَ: ابْن عمّك يَقُول: ضقت ذرعاً بهجرك وَالْكتاب ... ثمَّ ركب بغلته وَعَاد. وَقَالَ مَرْوَان بن الحكم يَوْمًا إِنِّي مشغوف ببغلة لِلْحسنِ بن عليّ ﵉ فَقَالَ لَهُ ابْن أبي عَتيق: إِن دفعتها إِلَيْك أتقضي لي ثَلَاثِينَ حَاجَة؟ ومروان يَوْمئِذٍ أَمِير بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: نعم، قَالَ: إِذا اجْتمع النَّاس عنْدك العشية فَإِنِّي آخذ فِي مآثر قُرَيْش، وَأمْسك عَن ذكر الْحسن، فلُمني على ذَلِك، فَلَمَّا أَخذ الْقَوْم مجَالِسهمْ أَفَاضَ فِي أوليّة قُرَيْش. فَقَالَ لَهُ مَرْوَان: أَلا تذكر أوليّة أبي مُحَمَّد، وَله فِي هَذَا مَا لَيْسَ لأحد؟ قَالَ: إِنَّمَا كُنَّا فِي ذكر الْأَشْرَاف، وَلَو كُنَّا فِي ذكر الْأَنْبِيَاء لقدّمنا لأبي مُحَمَّد مَاله. فَلَمَّا خرج ليركب تبعه ابْن أبي عَتيق، فَقَالَ لَهُ الْحسن ﵇، وتبسّم - أَلَك حَاجَة؟ فَقَالَ ذكرت البغلة، فَنزل الْحسن وَدفعهَا إِلَيْهِ. وَلما ولي عُثْمَان بن حَيَّان المُرّيّ الْمَدِينَة اجْتمع إِلَيْهِ الْأَشْرَاف من قُرَيْش وَالْأَنْصَار، فَقَالُوا: إِنَّك لَا تعْمل عملا أجدى وَلَا أولى من تَحْرِيم الْغناء وَالزِّنَا.
стр. 1692
فَفعل، وأجلّهم ثَلَاثًا، فَقدم ابْن أبي عَتيق فِي اللَّيْلَة الثَّالِثَة، فحطّ رحاله بِبَاب سلاّمة الزَّرْقَاء، وَقَالَ لَهَا: بدأت بك قبل أَن أصير إِلَى منزلي. فَقَالَ: أَو مَا تَدْرِي مَا حدث؟ وأخبرته الْخَبَر. فَقَالَ: أقيمي إِلَى السحر حَتَّى أَلْقَاهُ. قَالَت: إِنِّي أَخَاف ألاّ نغني. قَالَ: إِنَّه لَا بَأْس عَلَيْك. ثمَّ مضى إِلَى عُثْمَان بن حيّان، فَاسْتَأْذن عَلَيْهِ وأعلمه أَن أجدّ مَا أقدمه حب التَّسْلِيم عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: إِن أفضل مَا عملت تَحْرِيم الْغناء. فَقَالَ: إِن أهلك أشاروا عليّ بذلك. فَقَالَ: إِنَّك قد وُقّفت، وَلَكِنِّي رَسُول امْرَأَة إِلَيْك، تَقول: قد كَانَت هَذِه صناعتي، فتبت إِلَى الله مِنْهَا، وَأَنا أَسأَلك أَيهَا الْأَمِير أَن لَا تحول بَينهَا وَبَين مجاورة قبر النَّبِي ﵇. فَقَالَ عُثْمَان: إِذا أدعها لَك. قَالَ: إِذن لَا يدعك النَّاس. وَلَكِن تَدْعُو بهَا فتنظر إِلَيْهَا، فَإِن كَانَت مِمَّن يُترك تركتهَا. قَالَ: فَادع بهَا. فَأمرهَا ابْن أبي عَتيق فتقشّفت وَأخذت بِيَدِهَا سبْحَة، وَصَارَت إِلَيْهِ، فَحَدَّثته عَن مآثر آبَائِهِ، ففكه لَهَا، فَقَالَ لَهَا ابْن أبي عَتيق: اقرئي للأمير، فَقَرَأت، فأُعجب بذلك. فَقَالَ لَهَا: احدى للأمير. فحّركه حُداؤها. فَقَالَ لَهُ ابْن أبي عَتيق: فَكيف لَو سَمعتهَا فِي صناعتها؟ فَقَالَ: قل لَهَا فَلْتَقُلْ، فَأمرهَا فغنت: سددن خصاص الخيم لما دخلنه ... بِكُل لبان وَاضح وجبين فَنزل عُثْمَان عَن سَرِيره حَتَّى جلس بَين يَديهَا، وَقَالَ: لَا وَالله، مَا مثلك يخرج عَن الْمَدِينَة. فَقَالَ ابْن أبي عَتيق: يَقُول النَّاس: أذن لِسَلَامَةِ فِي الْمقَام، وَمنع غَيرهَا. قَالَ عُثْمَان: قد اذنت لَهُم جَمِيعًا. وَقيل لِابْنِ أبي عَتيق لما خُصي المخنثون: إِن الدَّلال قد خُصي. فَقَالَ: إِنَّا لله، أما وَالله لَئِن فُعل ذَلِك بِهِ لقد كَانَ يحسن: لمن ربع بِذَات الجي ... ش أَمْسَى دارساً خلقا ثمَّ اسْتقْبل الْقبْلَة يُصلّي، فَلَمَّا كبّر سلّم ثمَّ الْتفت إِلَى أَصْحَابه وَقَالَ: اللَّهُمَّ كَانَ يُحسن خفيفه، فَأَما ثقيله فَلَا، الله أكبر.
стр. 1693
وَجَاء إِلَيْهِ رجل: فَقَالَ: جئْتُك خاطباً موّدتك. قَالَ: فهلاّ سِفَاحًا فَهُوَ ألذ؟ وَجلسَ يَوْمًا مَعَ أبي بكر حزم فِي مجْلِس الْقَضَاء - وَأَبُو بكر يَوْمئِذٍ على الْمَدِينَة وعَلى قَضَائهَا - فخاصمت إِلَيْهِ امْرَأَة متنقبة، لَهَا عين حَسَنَة حوراء، فَأقبل أَبُو بكر على ابْن أبي عَتيق فَقَالَ: مَا تَقول فِي أَمر هَذِه الْمَرْأَة؟ فَقَالَ: لَهَا عين مظلومة، إِلَى أَن طَالَتْ الْخُصُومَة وأزلفتها، فَكشفت وَجههَا، فَإِذا أنف ضخم قَبِيح، فَقَالَ ابْن أبي عَتيق: لَهَا أنف ظالمة. وَجلسَ يَوْمًا يتغدّى، وَمَعَهُ أَوْلَاده، فَجعلُوا يتناولون اللَّحْم من بَين يَدَيْهِ. فَقَالَ: يَا بني، إِن الله أوصى بالوالدين، فَقَالَ: " فَلَا تقل لَهما أفّ " وَالله لِأَن تَقولُوا لي: أفّ ثَلَاثِينَ مرّة أيسر عليّ من أخذكم اللَّحْم من بَين يديّ. وَكَانَ يُخَاصم الْقَاسِم بن مُحَمَّد فِي صَدَقَة أبي بكر ليليها مَعَه، فوكّل الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن ابْنه بخصومته، وَكَانَت دَار يزِيد بن عبد الْملك تُبنى بِالْمَدِينَةِ بالّلعابين الدفوف، وَالزمر، والصنج. فتقدّم ابْن أبي عَتيق يَوْمًا من ذَاك إِلَى القَاضِي، وَهُوَ فِي رحبة الْقَضَاء، فَجعل عبد الرَّحْمَن يُخاصمه ويحتج عَلَيْهِ، وَابْن أبي عَتيق نَفسه وعينه فِي ذَلِك اللّعب، فعلاه عبد الرَّحْمَن يَوْمئِذٍ. فَقيل لِابْنِ أبي عَتيق: مَا كَانَت قصّتك؟ مَا قُمت الْيَوْم لَهُ، وَلَا قعدت، وَلَا احتججت عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: " ألوى بحُجّتي الزامر ". وَكَانَ يَوْمًا مَعَ عُرْوَة بن الزبير، وهم يجمع، إِذْ ترنم ابْن أبي عَتيق بقول الشَّاعِر: ألم تَرَهَا لَا يبعد الله دارهاإذا مَا مشت فِي مشيها كَيفَ تصنع؟ فَقَالَ عُرْوَة: سُبْحَانَ الله ﴿﴾ أَفِي هَذَا الْموضع وعَلى هَذِه الْحَال؟ فَقَالَ: أما وَالله لَو سمعته من جَارِيَة حَسَنَة الْوَجْه والخلق مَا أدْركْت ذكائك!
стр. 1694
ومرّ بصبيان يَلْعَبُونَ، فَقَالَ: يَا أَصْحَابِي، مَا ذقنا عَيْشًا مُنْذُ فارقناكم. اشتاق عبد الله بن عُرْوَة إِلَى حَدِيث ابْن أبي عَتيق، فَبعث إِلَيْهِ يسْأَله أَن يَجِيئهُ. فَقَالَ للرسول: قل لَهُ: موعدك الْحَوْض. فَقَالَ عبد الله بن عُرْوَة: هَذَا موعد مغمّس، ارْجع إِلَيْهِ فَقل لَهُ: أيّ حَوْض؟ فَقَالَ: حَوْض الْقِيَامَة. فَرجع الرَّسُول وَأخْبرهُ. فضجر عبد الله وَقَالَ: قل لَهُ: يَا سَفِيه، أتعدني حوضاً لَا ترده؟
стр. 1695
الْبَاب الْحَادِي وَالْعشْرُونَ نَوَادِر اللُّصُوص وَمن سرق لَهُ شَيْء
سرق لرجل دَرَاهِم. فَقيل لَهُ: هِيَ فِي ميزانك. قَالَ: مَعَ الْمِيزَان سرقت. وسرق خرج آخر وَفِيه ثِيَابه وأسبابه، فَقيل لَهُ: وَجب أَن تقْرَأ عَلَيْهِ سُورَة يس، وتعوّذه بهَا. فَقَالَ: كَانَ جَامع الْقُرْآن كُله فِي الخرج. أُخذ طرّار كَانَ قطع طرفا من مركب لنصر بن هَارُون النَّصْرَانِي وَزِير عضد الدولة. فَقيل لَهُ: تجسر على هَذَا فِي مثل هَذِه الْأَيَّام، وَمَعَ سيّد الْملك وهيبة وزيره؟ فَقَالَ: إِن الله تَعَالَى هُوَ أجلّ من الْملك، وَأمره أَعلَى من أمره، وَلست أترك مَا أنزل الله فِي الْقُرْآن لرجل كَافِر نَصْرَانِيّ، وَلَا خوفًا من الْملك، فَقَالُوا: وَمَا الَّذِي أنزل الله فِي الْقُرْآن بِمَا يرخص ذَلِك؟ قَالَ: قَوْله تَعَالَى: " ليقطع طرفا من الَّذين كفرُوا ". لَقِي اللُّصُوص رجلا، فَلَمَّا أَرَادوا نزع ثِيَابه قَالَ لَهُم: لَا تَأْخُذُوا ثِيَابِي؛ فَإِنِّي أبْعث إِلَيْكُم بِثمنِهَا. فَقَالَ كَبِيرهمْ: سُبْحَانَ الله ﴿﴾ مَا أقبح قطع طَرِيق بنسيئة. كَانَ بعض اللُّصُوص لَا يسرق إِلَّا الْحمير، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك. فَقَالَ: قد رُوِيَ أَنه إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أَحْيَا الله النَّاس والبهائم كلهَا فَأَنا أسرق الْحمير حَتَّى إِذا جَاءَنِي أَرْبَابهَا يَوْم الْقِيَامَة وطالبوني بهَا قلت: هوذا حِمَارك خُذْهُ وَانْصَرف. أَخذ قوم لصّاً وَمَعَهُ كارة من ثِيَاب قد سَرَقهَا، فجهدوا بِهِ أَن يخلّي عَنْهَا فَلم يفعل، وَجعل يَقُول: أَنا تائب على أَيْدِيكُم. قَالُوا: فدع الثِّيَاب. فَقَالَ: يَا غُفلاً، فَبِأَي شَيْء أستعين على التَّوْبَة؟
стр. 1696
دخل لص على رجل لَيْسَ فِي بَيته إِلَّا قِطْعَة باريّة، وَهُوَ نَائِم عَلَيْهَا، فَلم يزل اللص يطوف فِي الْبَيْت، وَيطْلب شَيْئا، وَصَاحب الْبَيْت ينظر إِلَيْهِ، فَلَمَّا طَال عَلَيْهِ ضحك وَقَالَ: كوّر - فديتك - كوّر ﴿﴾ وَسمع اللص ضحكه، فَقَالَ: نعم، اضحك يَا حسن المروّة اضحك. ﴿﴾ وَدخل اللُّصُوص على آخر لَيْسَ فِي بَيته شَيْء، وَجعلُوا يطْلبُونَ ويفتشون، فانتبه الرجل، ورآهم، فَقَالَ: يَا فتيَان، هَذَا الَّذِي تطلبونه بِاللَّيْلِ، قد طلبناه فِي النَّهَار فَلم نجده. قدم رجل من سفر، فَحكى أَن لصين خرجا عَلَيْهِم فقطعا الطَّرِيق، فَقيل لَهُ: وَكم كُنْتُم؟ قَالَ: كنّا سِتِّينَ رجلا، قَالَ: فوُبّخ، فَقَالَ: اسْكُتُوا، إِذا أحَاط بِنَا وَاحِد، وسلبنا الآخر، كَيفَ كُنَّا نصْنَع؟ . سرق مصحف لمَالِك بن دِينَار، فَكَانَ إِذا وعظ بعد ذَلِك فبكوا يَقُول بِصَوْت شج: كلنا نبكي، فالمصحف من سَرقه؟ سُرق لرجل عنز، فَقَالَ: مَا أَخذهَا إِلَّا من أمه زَانِيَة، فَلَمَّا يئس مِنْهَا قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْت أَعْطَيْت وَأَنت أخذت. سرق لص ثِيَاب رجل، فَقَالَ الرجل: هَذَا يَوْم مشوم، فَقَالَ اللص: لَيْسَ على كل أحد. دخل لص دَار قوم، فَلم يجد فِيهَا شَيْئا إِلَّا دَوَاة فَكتب على الْحَائِط: عزّ عليّ فقركم وغناي. سُرق لبَعْضهِم دَنَانِير، واتّهم بذلك ابْنا لَهُ، فَجعل النَّاس يدْخلُونَ إِلَيْهِ، ويسألونه، فَقَالَ لَهُ بَعضهم: الْخلف عِنْد الله وَهُوَ يردهُ. فَقَالَ الرجل: بل الدَّنَانِير عِنْد الْخلف وَلَيْسَ يردّها. دخل لص على رجل، فَلم يجد عِنْده شَيْئا، وَجعل يطوف، وَصَاحب الْبَيْت يضْحك، وَيَقُول: كوّر - فديتك - كوّر. فَقَالَ اللص: اضحك يَا حسن المروّة اضحك.
стр. 1697
سُرق لبَعْضهِم بغل، فَقَالَ بعض إخوانه: الذَّنب لَك لإهمالك أَمرك، فَقَالَ الآخر: الذَّنب لغلامك لقلَّة تفقده لمنزلك، وَقَالَ الآخر: الذَّنب لسائسك حِين غَابَ عَن إصطبلك. فَقَالَ صَاحب الْبَغْل: فاللص إِذا أبرؤنا من الذَّنب! سرق رجل حمارا، وَدفعه إِلَى آخر ليَبِيعهُ، فسُرق مِنْهُ، فَعَاد إِلَى الأول فَقَالَ لَهُ: بِعْت الْحمار؟ قَالَ: نعم. قَالَ بكم. قَالَ: بِرَأْس المَال. دخل على بَعضهم اللُّصُوص، فَأخذُوا كل شَيْء كَانَ فِي منزله، فَلَمَّا مضوا أَخذ صَاحب الْمنزل الباريّة وَمضى فِي أَثَرهم. فَقَالُوا لَهُ: مَا تصنع مَعنا؟ قَالَ: نطلب بَيْتا نتحوّل إِلَيْهِ بالكلّية. كَانَ بالريّ شيخ من العلوية مستهتر بِالشرابِ، لَا يفِيق مِنْهُ سَاعَة وَاحِدَة، وَكَانَ ضَعِيف الْحَال جدا، لَا يملك على وَجه الأَرْض شَيْئا، وَكَانَ يحتال فِي كل سنة، ويتخذ شَيْئا من الشَّرَاب يدخره لنَفسِهِ، ويضطرب من بعد فِي طلب قوته، وَكَانَ فِي حجرَة بكرَاء. وَاتفقَ أَنه دخل عَلَيْهِ لص، فَطَافَ الْحُجْرَة، فَلم يجد شَيْئا، وَدخل الْبَيْت فَوجدَ فِيهِ حُبّين مملوئين شرابًا، وقصعةً كَانَ يشرب فِيهَا صَاحب الْمنزل من الحُبّ، فاغتنم ذَلِك، وَشرب من ذَلِك الشَّرَاب حَتَّى سكر ونام، وانتبه العلويّ من نَومه، فَرَأى الرجل طريحاً من السكر فَأخذ منديله وَبَاعه فِي السُّوق، وَاشْترى بِهِ طَعَاما وَأكله، وَترك للص فضلَة، وَشرب حَتَّى سكر ونام، وأفاق اللص فَوجدَ الطَّعَام فَقَالَ: هَذَا رجل فَتى قد زلّ لي من طَعَامه زلّةً، فَأكل وَشرب ونام. وأفاق العلويّ فِي الْيَوْم الثَّانِي، فَفعل بجمشك اللص مثل مَا فعله بمنديله، ثمَّ بعد ذَلِك بمئزر كَانَ مَعَه، عساه أَرَادَ أَن يكوّر فِيهِ، وَلم يزل ذَلِك دأبه فِي كل يَوْم ودأب اللص إِلَى أَن انتبه اللص ذَات يَوْم، وَهُوَ عُرْيَان لَيْسَ عَلَيْهِ مَا يواري عَوْرَته، فصاح بالعلويّ وَقَالَ: أَيْن ثِيَابِي؟ فَقَامَ وَقَالَ: خُذ الْحساب: المنديل أَكلته الْيَوْم الأول، والقميص أَكلته الْيَوْم الثَّانِي، وَجعل يعدّد عَلَيْهِ. فَصَبر اللص إِلَى أَن أظلم اللَّيْل، فَخرج عُريَانا. ذُكر أَن سُلَيْمَان بن عبد الْملك كتب إِلَى أبي بَحر بن نافنّة: أَن ابْن لي قصراً بالجرف أنزلهُ إِذا قدمت الْمَدِينَة. فَبنى لَهُ قصرأ ضيقا، ودأب فِي عمله اللَّيْل وَالنَّهَار فرقا من قدوم سُلَيْمَان، وَعمل فِيهِ أَيَّام الجُمع، وَرَاح إِلَى الصَّلَاة
стр. 1698
متخفيّاً، وَقد خلت الطَّرِيق فَلَقِيَهُ أَبُو عَليّ الْأسود - وَكَانَ يقطع الطَّرِيق - فَقَالَ: يَا أَبَا بَحر، ضع ثوبيك. قَالَ: يَا أَبَا عَليّ، رقيقي أَحْرَار لوجه الله إِن كنت أخذتهما إِلَّا بِخَمْسَة دَنَانِير، وهم أَحْرَار إِن لم أردّهما إِلَيْك أَو خَمْسَة دَنَانِير. قَالَ: فأنغض أَبُو عليّ رَأسه، وَقَالَ: يَا أَبَا بَحر، أَرَأَيْت أحدا قطع قطّ بنسيئة؟ ضع ثوبيك. فوضعهما وَرجع عُريَانا. وَقد يعقب ذَلِك سُلَيْمَان بن عبد الْملك، فَنظر إِلَى الْقصر وَإِلَى ضيقه فَقَالَ: عَلَيْك لعنة الله، لقد سرّني مَا صنع بك أَبُو عَليّ، يَا عاضّ كَذَا من أمه. بَات رجل فِي منزله، وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ شَيْء، فطرقه لص فِي اللَّيْل وأحسّ الرجل بِهِ، فَقَالَ: يَا غُلَام، وَدعَاهُ بِبَعْض أَسمَاء العبيد، تعال وغمزّني. فَقَالَ اللص: الرجل سَكرَان، وهوذا يحسبني بعض غلمانه وَإِذا غمّزته سَاعَة غَلبه النّوم، وَقمت فكوّرت جَمِيع مَا فِي الْبَيْت، فَجعل يغمّزه، وَمد الرجل يَده إِلَى اللص فَجَذَبَهُ إِلَى نَفسه، وناكه، واللص سَاكِت لَا يَجْسُر أَن يتَكَلَّم، وَلَا يشك أَن الرجل قد غلط، وَكلما أَرَادَ أَن يقوم وقدّر أَن الرجل قد نَام عاوده وناكه مرّة أُخْرَى، حَتَّى فعل ذَلِك مرَارًا، وَمضى اللَّيْل، وَخَافَ اللص أَن يَفْضَحهُ الصُّبْح فَقَامَ ليتسلق الْحَائِط ويهرب. فصاح بِهِ الرجل: مَتى نشطت للعود فعد. فصاح اللص: أما أَنا فأجد موضعا أسرق مِنْهُ شَيْئا وَلَكِن الشَّأْن فِيك حِين لَا تَجِد نيكاً إِلَّا إِذا أَتَاك لص.
стр. 1699
الْبَاب الثَّانِي وَالْعشْرُونَ نَوَادِر الحمقى والمغفلين
كَانَ للمهدي ابْن يُقَال لَهُ: يَعْقُوب يُحمّق، وَكَانَ إِذا خطر بِبَالِهِ الشَّيْء فيشتهيه دَعَا بدفتر فِيهِ ثَبت مَا فِي خزانته فيكتبه هُنَاكَ. فضجّ خازنه وَقَالَ: يَا سَيِّدي، تُئبت عليّ مَا لَيْسَ فِي الخزانة؟ فَكَانَ بعد ذَلِك يُثبت الشَّيْء ثمَّ يُثبت تَحْتَهُ: لَيْسَ عِنْده ذَلِك، وَإِنَّمَا أثبتّه ليَكُون ذكره عِنْده إِلَى أَن نملكه. ووُصف ذَلِك لِلْمَأْمُونِ فكذّب بِهِ حَتَّى أحضر دفتراً لَهُ فِيهِ ثَبت ثِيَاب بِخَطِّهِ، وَفِيه: وَمن الثِّيَاب المثّقلة الإسكندرانية لَا شَيْء، أسْتَغْفر الله، بل عندنَا زر من جُبَّة كَانَ للمهدي ﵀، وَمن الفصوص الْيَاقُوت الْأَحْمَر البهرمان الصافية لَا شَيْء، أسْتَغْفر الله، بل عندنَا درج كَانَ فِيهِ للمهدي خَاتم هَذِه صفته، وَأَشْيَاء تشبه هَذَا. فَلَمَّا قَرَأَ الْمَأْمُون استفرغ ضحكاً، وَقَالَ: مَا ظَنَنْت أَن مثل هَذَا يُخلق وَلَا سَمِعت بِمثلِهِ فِيمَا مضى. وَيَعْقُوب هَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يتبخر بمثلثة، وفسا والمجمر تَحْتَهُ، فَقَالَ: لَيست هَذِه الْمُثَلَّثَة بطيّبة، فَقَالَت دايته: كَانَت طيبَة وَهِي مثلّثة فَلَمَّا ربّعتها أَنْت فَسدتْ. قَالَ إِسْحَاق الْموصِلِي: تَذَاكر قوم من نزار واليمن أصنام الْجَاهِلِيَّة فَقَالَ رجل من الأزد عِنْدِي - وَالله - الْحجر الَّذِي كَانَ قَومنَا يعبدونه. قَالُوا: وَمَا ترجو بِهِ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا يكون! وَقَالَ إِسْحَاق: سَمِعت كيسَان يسْأَل خلفا يَقُول لَهُ: يَا أَبَا مُحرز، عَلْقَمَة بن عَبدة جاهلي أَو من بني ضبة؟ فَقَالَ: يَا مَجْنُون، صحّح الْمَسْأَلَة حَتَّى يصحّ الْجَواب.
стр. 1700
حضر الْقطيعِي مَعَ قوم جَنَازَة رجل، فَنظر إِلَى أَخِيه فَقَالَ: أَهَذا هُوَ الْمَيِّت؟ من أَخُوهُ؟ نظر ابْن عتّاب إِلَى وَجهه فِي الْمرْآة، فقهقه، فَقيل لَهُ: مَا يُضحكك؟ قَالَ: كَيفَ لَا أضْحك من وَجه لَو كَانَ على غَيْرِي لضحكت حَتَّى أُخْرَى؟ قَالَ عدنان التَّاجِر، وَكَانَ من وُجُوه بَغْدَاد، لبَعض الْفُقَهَاء: إِنِّي قد عزمت - لما أصبت بِهِ من موت وَلَدي - على قتل نَفسِي، فَهَل تخَاف عليّ من السُّلْطَان شَيْئا؟ قَالَ الجاحظ: كَانَ لنا جَار مُغفل جدا، وَكَانَ طَوِيل اللِّحْيَة، فَقَالَت لَهُ امْرَأَته يَوْمًا: من حُمقك طَالَتْ لحيتك، فَقَالَ: من عيّر عُيّر. ووُلد لَهُ ولد، فَقيل لَهُ: مَا تُسميه؟ فَقَالَ: عمر بن عبد الْعَزِيز. وهنئوه بِهِ فَقَالَ: هُوَ من الله ومنكم. أكل بَعضهم مَعَ أمه بزماورد، فِيهِ رَأس، فَقَالَ: يَا أُمِّي، كلي فَإِنَّهُ للجماع. قَالَ الْمَأْمُون لمُحَمد بن عبد الله الطوسي: مَا حَال غلّتنا بالأهواز، وَمَا أَتَاك من خبر سعرها؟ فَقَالَ: أما مَتَاع أَمِير الْمُؤمنِينَ فقائم على سوقه، وَأما مَتَاع أم جَعْفَر فمُسترخى. فَقَالَ: اغرب لعنك الله. قيل لجامع الصيدلاني: لَا تكْثر من أكل الْملح؛ فَإِنَّهُ يضر بالبصر، قَالَ لَا أَزِيد على أَن أمصه وأرمي بثُفله. كَانَ شذرة بن الزبْرِقَان بن بدر من الحمقى، فَدخل يَوْم الْجُمُعَة الْمَسْجِد الْجَامِع فَقَامَ وَأخذ بِعضَادَتَيْ الْبَاب، ثمَّ قَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم، أَأَلِجُ؟ فَقَالُوا: هَذَا يَوْم لَا يسْتَأْذن فِيهِ. فَقَالَ: أيلج مثلي على جمَاعَة مثل هَؤُلَاءِ وَهُوَ لَا يعرف مَكَانَهُ؟ ! كَانَ إِسْمَاعِيل بن علّية يُصلّي اللَّيْل أجمع، وَإِلَى جَانِبه جَارة لَهُ تضرب بالطنبور، فَلَمَّا أصبح قَالَ لوَكِيله: جارتنا هَذِه أَرَاهَا فقيرةً، اللَّيْل أجمع كَانَت تندف، فَأَعْطَاهَا مائَة دِرْهَم.
стр. 1701
عَاد رجل مَرِيضا، وَقد كَانَ مَاتَ لأهل الْمَرِيض رجل فَلم يُعلموه بِمَوْتِهِ فَقَالَ: يهون عَلَيْكُم إِذا مَاتَ هَذَا ألاّ تعلموني بِهِ أَيْضا؟ . قَالَ أَبُو خَيْثَمَة اشْتريت لعمّار بن مُحَمَّد فرواً. فَقَالَ: أرى شعره قَصِيرا ترَاهُ ينْبت؟ قَالَ قبيصَة - وَرَأى جَرَادًا يطير -، لَا يهولنّكم مَا ترَوْنَ، فَإِن عامتها موتى. وتغدّى أَبُو السَّرَايَا عِنْد سُلَيْمَان بن عبد الْملك، وَهُوَ يَوْمئِذٍ ولي عهد، وقُدّامه جدي. فَقَالَ: كل من كليته، فَإِنَّهَا تزيد فِي الدِّمَاغ. فَقَالَ: لَو كَانَ هَذَا هَكَذَا كَانَ رَأس الْأَمِير رَأس الْبَغْل. وَكتب مسلمة بن عبد الْملك إِلَى يزِيد بن الْمُهلب: إِنَّك - وَالله - مَا أَنْت بِصَاحِب هَذَا الْأَمر، صَاحب هَذَا الْأَمر مغمور موتور، وَأَنت مَشْهُور غير موتور. فَقَالَ لَهُ رجل من الأزد يُقَال لَهُ عُثْمَان بن الْمفضل: قدّم ابْنك مخلداً حَتَّى يُقتل فَتَصِير موتوراً. وَلَقي رجل رجلا، وَمَعَهُ كلبان، فَقَالَ لَهُ: هَب لي أَحدهمَا. قَالَ: أيّهما تريده؟ قَالَ: الْأسود. قَالَ: الْأسود أحب إليّ من الْأَبْيَض. قَالَ: فَهَب لي الْأَبْيَض. قَالَ: الْأَبْيَض أحب إليّ من كليهمَا. قَالَ الجاحظ: وَقع بَين جَار لنا وجار لَهُ يُكنى أَبَا عِيسَى كَلَام، فَقَالَ: اللَّهُمَّ خُذ مني لأبي عِيسَى. قَالُوا: تَدْعُو الله على نَفسك؟ قَالَ: فَخذ لأبي عِيسَى مني. شرد بعير لهبّنقة الْقَيْسِي، قَالَ: من جَاءَ بِهِ فَلهُ بعيران. فَقيل لَهُ: أَتجْعَلُ فِي بعير بَعِيرَيْنِ؟ قَالَ: إِنَّكُم لَا تعرفُون فرحة الوجدان، وكنيته أَبُو نَافِع، واسْمه يزِيد بن ثروان. وَلما خلع قُتَيْبَة بن مُسلم سُلَيْمَان بن عبد الْملك بخراسان وَقَامَ خَطِيبًا قَالَ: يَا أهل خُرَاسَان، أَتَدْرُونَ من وَلِيكُم؟ يزِيد بن ثروان، كِنَايَة عَن هبنقة الْقَيْسِي قَالَ: وَذَلِكَ أَن هبنقة كَانَ يُحسن من إبِله إِلَى السمّان ويدع المهازيل وَيَقُول: إِنَّمَا أُكرم مَا أكْرم الله، وأُهين من أهان الله، وَكَذَلِكَ كَانَ
стр. 1702
سُلَيْمَان، كَانَ يُعْطي الْأَغْنِيَاء، وَلَا يُعْطي الْفُقَرَاء وَيَقُول: أُصلح مَا أصلح الله، وأفسد مَا أفسد الله. دخل كردم على بِلَال فَدَعَاهُ إِلَى الْغَدَاء فَقَالَ: قد أكلت. قَالَ: وَمَا أكلت؟ قَالَ: قَلِيل أرزّ فأكترت مِنْهُ. وَدخل عكابة دَار بِلَال فَرَأى ثوراً مجللاً فَقَالَ: مَا أفرهه من بغل لَوْلَا أَن حَوَافِرِهِ مشقوقة ﴿. قَالَ الْهَيْثَم: خطب قبيصَة، وَهُوَ خَليفَة أَبِيه على خُرَاسَان، فَأَتَاهُ كِتَابه فَقَالَ: هَذَا كتاب الْأَمِير، وَهُوَ - وَالله - أهل أَن أطيعه، وَهُوَ أبي، وَهُوَ أكبر مني. وَاسْتعْمل مُعَاوِيَة رجلا من كلب، فَذكر يَوْمًا الْمَجُوس وَعِنْده النَّاس فَقَالَ: لعن الله الْمَجُوس ينْكحُونَ أمهاتهم، وَالله لَو أُعطيت مائَة ألف دِرْهَم مَا نكحت أُمِّي. فَبلغ ذَلِك مُعَاوِيَة فَقَالَ: قَاتله الله، أترونه لَو زادوه على مائَة ألف فعل؟﴾ وعزله. وَكَانَ مُعَاوِيَة بن مَرْوَان محمّقاً، وَهُوَ الَّذِي قَالَ لأبي امْرَأَته: ملأتنا بنتك البارحة بِالدَّمِ. قَالَ: إِنَّهَا من نسْوَة يخبأن ذَلِك لِأَزْوَاجِهِنَّ. وَكَانَ عبد الْملك بن هِلَال الهُنائي عِنْده زبيل حصاً، فَكَانَ يُسبّح بِوَاحِدَة وَاحِدَة، فَإِذا مل شَيْئا طرح ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ، ثمَّ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، فَإِذا مل قبض قبضتين وَقَالَ: سُبْحَانَ الله بِعَدَد هَذَا، وَإِذا ضجر أَخذ بعرى الزبيل وَقَلبه وَقَالَ: الْحَمد لله وَسُبْحَان الله بِعَدَد هَذَا وَإِذا بكر لحَاجَة لحظ الزبيل وَقَالَ: سُبْحَانَ الله عدد مَا فِيهِ. قَالَ أَبُو شُجَاع الْحِمصِي لحجّام رَآهُ يختن غُلَاما لَهُ بِهِ عناية: ارْفُقْ بِهِ - فديتك - فَإِنَّهُ لم يختن قطّ. ولد رجل طَوِيل اللِّحْيَة ابْن، فجَاء بمنجّم يعْمل لَهُ مولداً، فَقَالَ لَهُ: أحب أَن تجْعَل عُطَارِد فِي طالعه، فَإِنَّهُ بَلغنِي أَنه يُعطي الكتبة. قيل للبكراوي: أَبَا مرأتك حَبل؟ قَالَ: شَيْء يسير لَيْسَ بِشَيْء. وَحكى يَوْمًا عَن الْفرس شَيْئا فَقَالَ: ونادى كسْرَى: الصَّلَاة جَامعه.
стр. 1703
قَالَ أَبُو عُثْمَان: إِن عَمْرو بن هدّاب لما ذهب بَصَره وَدخل عَلَيْهِ النَّاس يُعزّونه دخل عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم بن جَامع، وَكَانَ كَالْجمَلِ المحجوم وَله صَوت جهير فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا أسيد، لَا يسوءنك ذهابهما؛ فَإنَّك لَو رَأَيْت ثوابهما فِي ميزانك تمنّيت أَن الله قطع يَديك ورجليك ودق ظهرك وأدمى ضلعك. كَانَ فَزَارَة على مظالم الْبَصْرَة - وَكَانَ مغفّلاً - فَسمع يَوْمًا صياحاً، فَقَالَ: مَا هَذَا الصياح؟ قَالُوا: قوم تكلمُوا فِي الْقُرْآن. فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَرحْنَا من الْقُرْآن. واجتاز بِهِ صَاحب دراج فَقَالَ لَهُ فَزَارَة: كَيفَ تبيع هَذَا الدراج؟ قَالَ: وَاحِدًا بدرهم. قَالَ: لَا، أحسن إِلَيْنَا. قَالَ: كَذَا بِعْت. قَالَ: نَأْخُذ مِنْك اثْنَيْنِ بِثَلَاثَة دَرَاهِم. قَالَ: خُذ. قَالَ: يَا غُلَام، أعْطه ثمن اثْنَيْنِ فَإِنَّهُ سهل البيع. نظر عَامر بن كُريز إِلَى ابْنه عبد الله يخْطب على مِنْبَر الْبَصْرَة وَأَعْجَبهُ قَالَ: فَأَشَارَ إِلَى أيره وَقَالَ للنَّاس: أميركم خرج من هَذَا. كَانَ عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم شيخ أَصْحَاب الحَدِيث بالرّي. وَكَانَ ذَا سَلامَة، ذُكر عِنْده مُحَمَّد بن الْحسن الفقيع فَقيل: مَاتَ بالرّي. فَقَالَ: دخل إِلَى الرّيّ دخلتين لَا أَدْرِي فِي أَيهمَا مَاتَ. وذُكر أَنه دخل إِلَى الحمّام وَقد بُخّر بالكندر، وَظن الدُّخان غباراً فَقَالَ للقيّم: قد قلت لكم غير مرّة: إِذا دخلت أَنا الحمّام فَلَا تغبّروا. كتب بَعضهم على خَاتمه أَنا فلَان بن فلَان. رحم الله من قَالَ آمين. قيل لبَعْضهِم: حِمَارك قد سُرق قَالَ: الْحَمد لله الَّذِي لم أكن فَوْقه. نظر بَعضهم إِلَى السَّمَاء فَقَالَ: يَا ربّ، مَا أحسن سماءك! زادك الله مزِيد كل خير. قَالَ الجاحظ: قلت يَوْمًا لعبدوس بن مُحَمَّد - وَقد سَأَلته عَن سنّه -، لقد عجّل عَلَيْك الشيب. فَقَالَ: وَكَيف لَا يعجل عَليّ؟ وَأَنا مُحْتَاج إِلَى من لَو نفذ فِيهِ حكمي لسرّحته مَعَ النعاج، والقطّه مَعَ الدَّجَاج، وَجَعَلته قيم السراج، ووقاية يَد الحلاج. هَذَا أَبُو ساسان أَحْمد بن الْعَبَّاس الْعجلِيّ، لَهُ ألف ألف دِرْهَم فِي كل سنة فعطس فَقلت لَهُ يَرْحَمك الله فَقَالَ لي: يعرفكم الله.
стр. 1704
قَالَ الجاحظ: قلت لأبي الجسيم: إِن رَأَيْت أَن ترْضى عَن فلَان فافعل - قَالَ: لَا، وَالله، حَتَّى يبلغنِي أَنه قد قبّل رجْلي. وَكَانَ عبدون بن مخلد أَخُو صاعد إِذا قبض يَده عَن الطَّعَام يَقُول: الْحَمد لله الَّذِي لَا يُحلف بأعظم مِنْهُ. كَانَ أَزْهَر الْحمار أحد قواد عَمْرو بن اللَّيْث بَين يَدي عَمْرو يَوْمًا يَأْكُل الْبِطِّيخ. فَقَالَ لَهُ عَمْرو: كَيفَ طعمه يَا أَزْهَر؟ قَالَ: يَا أَيهَا الْأَمِير، أكلت الخراقط؟ . وَكَانَ أَزْهَر هَذَا - قبل بُلُوغ عَمْرو بن اللَّيْث وأخيه مَا بلغا مَكَانا بسجستان، كَانَ - أكرى عشرَة من الْحمر إِلَى بعض الْمَوَاضِع، فَلَمَّا رَجَعَ ركب أَحدهَا وعدّ الْحمير وَلم يعد الَّذِي تَحْتَهُ فَكَانَت تِسْعَة فاضطرب وَقَالَ: كَانَت حميري عشرَة، ثمَّ نزل فعدّها فَكَانَت عشرَة، وَركب وعدّها فَكَانَت تِسْعَة، وَلم يزل هَذَا دأبه إِلَى أَن قَالَ: أَمْشِي أَنا وأربح حمارا، فَنزل وَمَشى على رجلَيْهِ فسُمّي الْحمار لذَلِك. قَالَ ابْن قريعة: دخل بعض هَؤُلَاءِ الحمقى الْخَلَاء وَأَرَادَ أَن يحلّ سراويله، فغلط وحلّ إزَاره، وخرى فِي السَّرَاوِيل. مَاتَ لأبي العطوف ابْن - وَكَانَ يتفلسف - فَلَمَّا دلّوه فِي الْقَبْر قَالَ للحفار: أضجعه على شقّه الْأَيْسَر؛ فَإِنَّهُ أهضم للطعام. عرض هِشَام بن عبد الْملك الْجند فَأَتَاهُ رجل من حمص بفرس كلما قدّمه نفر، فَقَالَ هِشَام: مَا هَذَا عَلَيْهِ لعنة الله؟ قَالَ الْحِمصِي: يَا سَيِّدي، هُوَ فاره، وَلَكِن شبهك ببيطار كَانَ يعالجه، فنفر. صَارَت عَجُوز إِلَى قوم تعزيهم فِي ميت، فرأت عِنْدهم عليلاً، فَلَمَّا أَرَادَت أَن تقوم قَالَت: وَالْحَرَكَة تغلظ عليّ فِي كل وَقت، فأعظم الله أجركُم فِي هَذَا العليل، فَلَعَلَّهُ يَمُوت. قُدّمت إِلَى بنت السلط عصيدة، فَلَمَّا ذاقت قَالَت: مَسَاكِين، أَرَادوا أَن يسوّوا عصيدة فأفسدوها. وَمن حمقى قُرَيْش بكّار بن عبد الْملك بن مَرْوَان، طَار لَهُ باز فَقَالَ لصَاحب الشرطة: أغلق بَاب الْمَدِينَة حَتَّى لَا يخرج الْبَازِي.
стр. 1705
قَالَ بَعضهم: رَأَيْت بِالْبَصْرَةِ رجلَيْنِ يتنازعان فِي الْعِنَب الرازقي والنيروزي أَيهمَا أحلى؟ فَجرى بَينهمَا الافتراء وَالْقَذْف، ثمَّ تواثبا، وَقطع الْكُوفِي إِصْبَع الْبَصْرِيّ وفقأ الْبَصْرِيّ عين الْكُوفِي، ثمَّ رأيتهما متصافيين بعد ذَلِك، متنادمين. أجريت الْخَيل مرّة فطلع فِيهَا فرس سَابق، فَجعل رجل من النظارة يكثر الْفَرح ويثب، فَقَالَ لَهُ آخر: يَا فَتى، هَذَا الْفرس لَك؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن اللجام لي. قيل لرجل من أهل حمص - وَقد أملك بنته - كم كَانَ لابنتك من سنة حِين زوّجتها؟ قَالَ: لَا، وَالله مَا أَدْرِي؟ إِلَّا أَنِّي زوّجتها حِين اسودت شعرتها. كَانَ رجل يخْتَلف إِلَى الْأَعْمَش فَيُؤْثِرُهُ، وَكَانَ أَصْحَاب الْأَعْمَش يسوؤهم ذَلِك، ففتشوا الرجل فَإِذا هُوَ حمَار، وَكَانَ سُكُوته للعي. فَقَالُوا: سل الْأَعْمَش كَمَا نَسْأَلهُ نَحن وخاطبه. فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّد، مَتى يحرم على الصَّائِم الطَّعَام؟ قَالَ: إِذا طلع الْفجْر، قَالَ: فَإِن طلع الْفجْر نصف اللَّيْل؟ فَقَالَ الْأَعْمَش: عد إِلَى مَا كنت عَلَيْهِ من الخرس. كَانَ أَبُو يُوسُف ولّى الْفضل بن غَانِم قضار الرّيّ، وَكَانَ النَّاس يَخْتَلِفُونَ إِلَيْهِ، ويقرأون كتب الْفِقْه عَلَيْهِ، فجاؤا يَوْمًا وأخذتهم السَّمَاء. فَقَالَ: ألم أقل لكم: إِذا رَأَيْتُمْ الْغَيْم فتعالوا قبل ذَلِك بِيَوْم؟ . سُئِلَ بَعضهم عَن أَخَوَيْنِ أَيهمَا أسن؟ قَالَ: هما توأمان، وهما على مَا أَظن من أم وَاحِدَة. نقش رجل على فص خَاتمه اللَّهُمَّ أرخص الْحِنْطَة، وَنقش ابْنه آمين. أُخذ رجل ينْكح شَاة، فرُفع إِلَى الْوَالِي، فَقَالَ: يَا قوم، أَلَيْسَ الله يَقُول: " أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم "؟ وَالله مَا ملكت يَمِيني غَيرهَا فخلّى عَنهُ وحدّ الشَّاة. وَقَالَ: الْحُدُود لَا تُعطّل، فَقيل: إِنَّهَا بَهِيمَة. فَقَالَ: وَلَو وَجب حكم على بَهِيمَة وَكَانَت أُمِّي أَو أُخْتِي لحددتها. قَالَ بَعضهم: قَرَأت قصَّة أهل طوس إِلَى الْمَأْمُون يسألونه تَحْويل مَكَّة إِلَى طوس.
стр. 1706
لَقِي الطَّائِف رجلا فغمّض عَيْنَيْهِ فَأَخذه فَقَالَ: يَا ابْن الخبيثة، أَنا قد غمضّت عَيْني فَكيف أبصرتموني؟ كَانَ أَبُو ضَمْضَم على شرطة الْكُوفَة، فَلم يحدث فِي عمله شَيْء، فَأخذ رجلا من الطَّرِيق، وجرّده للسياط، وَاجْتمعَ النَّاس، فَقَالَ الرجل: مَا ذَنبي أصلحك الله؟ قَالَ: أحب أَن تجملنا بِنَفْسِك سَاعَة. ومدح بعض الشُّعَرَاء مُحَمَّد بن عَبدُوس صَاحب الشرقية فَقَالَ لَهُ: أما أَن أُعْطِيك شَيْئا من مَالِي فَلَا، وَلَكِن اذْهَبْ فاجن جِنَايَة حَتَّى لَا أحدك فِيهَا. وَرفع رجل فَقَالُوا: إِنَّه قد وجد فِي الْحمام يجلد عميرَة، فَقَالَ: فِي حمام الرِّجَال أَو فِي حمام النِّسَاء؟ قَالُوا: فِي حمام الرِّجَال. قَالَ: قد أحسن، ليته قَتلهَا، مرّة فِي حمام الرِّجَال أيش تصنع؟ ﴿كَانَ بَعضهم يزرع قراحاً لَهُ، ويتعيش فِيهِ، فَبينا هُوَ يَوْمًا يسْقِي أرضه - وَقد أعجبه المَاء فِي زرعه وَفَرح بِهِ، وَأَرَادَ أَن يحمد الله عَلَيْهِ - جعل يَقُول: يَا رب كم لَك من أجر فِيمَا أسقيتنا من هَذَا المَاء. قَالَ بَعضهم: قد رَأَيْت وَاحِدًا قد جلس يَبُول، فَإِذا أيره أير حمَار. فَقلت: وَيلك﴾ مَا أَنْت إِلَّا حمّال، كَيفَ تقدر أَن تحمل هَذَا وتمشي بِهِ؟ فَقَالَ: أَسأَلك الله أهوَ كَبِير؟ قلت: نعم، قَالَ: فَإِن أهل بيتنا يستصغرونه. قَالَ بعض المؤدبين: كنت أؤدب ابْنا لمُحَمد بن الْحجَّاج فَخرج يَوْمًا، وَابْنه يدرس كتاب الصِّفَات للأصمعي، فَسَأَلَنِي عَن مَعْنَاهُ، فَقلت لَهُ: أعزّك الله يعرف بِهِ صِفَات النَّاس والوحوش وَالسِّلَاح والمطر وَغير ذَلِك، فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام نشأت سَحَابَة فَخرج إليّ مُحَمَّد مغضباً فَقَالَ: أَنْت فِي أضيق الْحَرج على مَا أخذت مني فِي تَأْدِيب ابْني، قلت: وَلم؟ قَالَ: سَأَلته السَّاعَة عَن هَذِه السحابة أتمطر أم لَا؟ فَقَالَ: لَا أعلم الْغَيْب. قَالَ: وَبَلغنِي عَن شيخ أَن ابْنه سَأَلَهُ فَقَالَ: يَا أَبَة، مَا الرمادية وَمَا مَذْهَبهم؟ قَالَ: قوم يَبُولُونَ فِي الرماد، قوم سوء أشر مَا يكون. فَقَالَ الصَّبِي:
стр. 1707
قد عرفت الْقَدَرِيَّة من غير أَن تَقول لي. قَالَ من هم يَا سيدنَا؟ قَالَ: الَّذين يخرون فِي الْقُدُور، فضمّه إِلَيْهِ وقبّله وَقَالَ: أَحْسَنت يَا أَبَا الْعَبَّاس، أشهد أَنَّك فرخ جماعي. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت ابْن خلف الهمذاني فِي صحراء يطْلب شَيْئا، فَقلت لَهُ: مَا تبغي هَاهُنَا؟ قَالَ: دفنت شَيْئا وَلست أهتدي إِلَيْهِ، فَقلت: هلاّ علّمت عَلَيْهِ بِشَيْء؟ قَالَ: جعلت علامتي قِطْعَة من الْغَيْم كَانَت فَوْقه وَمَا أَرَاهَا السَّاعَة. وَنظر مرّة فِي الْحبّ وَهُوَ الزير فَرَأى فِي وَجهه، فَعدا إِلَى أمّه وَقَالَ: يَا أُمِّي، فِي الْحبّ لص، فَجَاءَت الْأُم وتطلعت فِيهِ وَقَالَت: إِي وَالله وَمَعَهُ قحبة. وَقَالَ: إِنَّمَا سمّي السكنجيين بِهَذَا الِاسْم؛ لِأَن الْإِنْسَان يشتكي جَبينه فَإِذا شربه سكن. قَالَ بَعضهم: سمعته يَقُول فِي كَلَام جرى فِي ذكر رجل: وَهُوَ - وَالله - ألوط من لوط. وَذكر بَين يَدَيْهِ رجل فَقَالَ: هُوَ رجل سوء. قيل لَهُ: وَمن أَيْن علمت؟ قَالَ: قد أفسد بعض أهلنا. قيل: وَمن هُوَ؟ قَالَ: أُمِّي صانها الله. وَمَات لَهُ ابْن فَقيل: هاتوا فلَانا ليغسله، فَقَالَ: لَا أريده، فَإِنَّهُ عسوف وأخاف أَن يقْتله. وزار يَوْمًا قوما فأكرموه، وغلّفوه بِطيبَة وطيبوه، فحكته شفته الْعليا، وخشي إِن حكها أَن تَأْخُذ إصبعه الغالية فَأدْخل إصبعه تَحت الشّفة الْعليا وحكّها من دَاخل. وَقيل لَهُ: كم بَين همذان وروذراور؟ فَقَالَ: سَبْعَة ذَاهِب، وَثَلَاثَة جاي. وَدخل يَوْمًا إِلَى إصطبله، فَرَأى فراريج كَثِيرَة فَقَالَ: يَا فراريج، مَتى تحّم حَتَّى نأكلكم. وَحكى من رَآهُ يعدو وسط دَاره عدوا شَدِيدا وَيَقُول شَيْئا بِصَوْت عَال، قَالَ: فَسَأَلته عَن قصَّته فَقَالَ: أردْت أَن أسمع صوتي من بعيد.
стр. 1708
واستُعير مِنْهُ سرج فَقَالَ: وَالله مَا نزلت عَنهُ إِلَّا السَّاعَة. دخل على رجل يعزيه فَقَالَ: عظّم الله مصيبتك، وأعان أَخَاك على مَا يرد عَلَيْهِ من يَأْجُوج وَمَأْجُوج، فَضَحِك من حضر، فَقَالَ: لم تضحكون؟ إِنَّمَا أردْت هاروت وماروت. وَقَالَ يَوْمًا لصديق لَهُ: أُرِيد أَن أشْرب على عَورَة وَجهك عشرَة أَرْطَال نَبِيذ مريق، يُرِيد غرَّة وَجهك، ونبيذ مروق. وَقَالَ يَوْمًا لمغنية كَانَ يحبّها: أَنا - وَالله - لَك مائق، يُرِيد وامق فَقَالَت: لَيْسَ لي وحدي أَنْت مائق، أَنْت - وَالله - مائق لِلْخلقِ. أَخذ الطلق امْرَأَته فَدخل فَقَالَ للقابلة: أخرجيه بِاللَّه ابْنا وَلَك دِينَار، وَلَك مَا شِئْت، بِاللَّه لَا أحتاج إِلَى وصيتك. كَانَ مَنْصُور بن زِيَاد خَال الْمهْدي، ووالي خُرَاسَان من جِهَته يُحمّق، وَكَانَ نقش خَاتمه يَا حنّان يَا منّان تَحَنن تمنن على عَبدك الْأمين مَنْصُور بن زِيَاد. لما مَاتَ المكتنجي حزن المتَوَكل عَلَيْهِ، وَقَالَ: من ينشطني إِذا كسلت؟ ويسلّيني إِذا حزنت، فَقيل لَهُ: قد خلّف ابْنَيْنِ مليحين، فَأمر بإحضارهما وكلمهما فرضيهما، وجُعلت أرزاق أَبِيهِمَا للأكبر مِنْهُمَا، وَجعل للأصغر أَيْضا رزق دون مَا لِأَخِيهِ. فَقَالَ الصَّغِير: هَذَا يَا سَيِّدي خلاف مَا يجب فِينَا قَالَ: وَمَا الَّذِي يجب؟ قَالَ: إِنَّمَا نتقدم نَحن، وَتقدم أَبونَا قبل بالحماقة، وَمن شَأْن الْعُقَلَاء إِذا مَاتَ الرجل مِنْهُم أَن يَجْعَل ابْنه الْكَبِير مَكَانَهُ، فَأَما الحمقى فَإِنَّهُم يجْعَلُونَ الصَّغِير مَكَان أَبِيه، وَمَعَ هَذَا أَنا أَحمَق من أخي بِكَثِير. قَالَ: وَمَا الدَّلِيل على ذَلِك؟ قَالَ: هَهُنَا أَدِلَّة كَثِيرَة، أقربها أَن أبي حج فِي الْعَام الْمَاضِي فَلَمَّا قرب قدومه خرج أخي من سر من رأى إِلَى الْكُوفَة لتلقيّه، ومضيت أَنا إِلَى حلوان؛ لِأَنِّي كنت أَشد شوقاً مِنْهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قدم وَجَاءَنِي كِتَابه من سرّ من رأى إِلَى حلوان جِئْت، وَإِنَّمَا فعلت هَذَا لشدَّة شوقي إِلَيْهِ، فسرّ أبي بِمَا كَانَ مني سُرُورًا عَظِيما. فَقَالَ المتَوَكل: صدقت، أَنْت أَحمَق من أَخِيك بِكَثِير، اجعلوا الرِّئَاسَة لَهُ، وَاجْعَلُوا أَخَاهُ مَكَانَهُ.
стр. 1709
اعْترض أَبُو الجندب الأرمني دوابّه فَأصَاب فِيهَا وَاحِدًا مهزولاً قَالَ: هاتوا الطباخ فبطحه وضربه خمسين مقرعةً، فَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدي، أَنا طبّاخ لَا أعرف أَمر الدَّوَابّ. قَالَ: فَلم لم تقل لي؟ اذْهَبْ الْآن فَإِذا أذنبت ذَنبا ضربت السائس سِتِّينَ مقرعة، زِيَادَة عشرَة. وَقَالَ يَوْمًا - وَقد ركب إِلَى الْعِيد - لبَعض غلمانه: أرسل إِلَى المزين حَتَّى يكون حَاضرا، وتقدّم إِلَيْهِ ألاّ يمس من شعر رَأْسِي شَيْئا حَتَّى أَعُود من الصَّلَاة؛ فَإِن الحجّامين كثيرو الفضول. واجتاز بِهِ رجل يَبِيع الثَّلج فَقَالَ: أرنا مَا مَعَك؟ فَكسر لَهُ قِطْعَة ثلج وناوله، فَقَالَ أُرِيد أبرد من هَذَا. فَكسر لَهُ من الْجَانِب الآخر فَقَالَ: نعم، هَذَا أبرد، فَكيف سعر هَذَا وسعر ذَاك؟ فَقَالَ: هَذَا رَطْل بدرهم، وَمن الأول رَطْل وَنصف بدرهم. فَقَالَ: أحسن حَتَّى نَأْخُذ من هَذَا لنا، وَمن ذَاك للحاشية. جَازَ إِبْرَاهِيم المصلحي يَوْمًا بطين مبلول فِي شَارِع بَاب الشَّام فَقَالَ لَهُم: السُّلْطَان يُرِيد أَن يركب، فَإِن أَنا رجعت وَرَأَيْت هَذَا الطين مَكَانَهُ ضَربته بالنَّار وَلَا تنفعكم شَفَاعَة أحد. وَقَالَ الطَّبِيب مرّة لأزهر الْحمار: خُذ رمانتين فاعصرهما بشحمهما واشرب ماءهما، فَعمد إِلَى رمّانتين وَقطعَة من شَحم الْغنم فدقهما فِي مَوضِع وَاحِد وَشرب ماءهما. وَاشْترى بَعضهم جَارِيَة، فَغضِبت امْرَأَته، فَحلف أَنه لَا يُجَامِعهَا سنة وَلَا يتْرك غَيره يُجامعها بِسَبَبِهِ. وَنظر جَامع الصيدلاني فِي الْمرْآة، فَضَحِك، فَقَالُوا: يَا أَبَا مُحَمَّد، مَالك تضحك؟ قَالَ: من وَجْهي، وَهُوَ من بعيد أحسن مِنْهُ من قريب. وَقيل لَهُ يَوْمًا: كم سنة لَك؟ قَالَ: إِحْدَى وَسَبْعُونَ سنة. قيل: فَمن تذكر من خلفاء بني الْعَبَّاس؟ قَالَ: إيتاخ. مضى إِلَى السُّوق ليَشْتَرِي لِابْنِهِ نعلا فَقَالُوا: كم سنّه؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، وَلكنه ولد أول مَا جَاءَ الْعِنَب الرازقي. وَمُحَمّد ابْني - أستودعه الله - أكبر مِنْهُ بشهرين وَنصف سنة.
стр. 1710
وأُتي بصك دَار ليشهد فِيهِ فَقَالَ: لَا أشهد حَتَّى أرى الدَّار، فَلَمَّا رأى الدَّار، رمى بالصك وَقَالَ: وَالله لَا شهِدت، قيل لَهُ: وَلم ذَاك؟ قَالَ: لِأَنَّهَا سَرقَة، وَأَنَّهَا أول أمس كَانَت فِي ذَلِك الْجَانِب وَهِي الْيَوْم هَاهُنَا. وَكَانَ بَعضهم يَقُول فِي تسبيحه: لَا إِلَه إِلَّا الله جملَة كَافِيَة. وَحلف بَعضهم فَقَالَ: لَا والقبر الَّذِي تضمّن مُحَمَّدًا وَجِبْرِيل ﵉. ورث بَعضهم نصف دَار فَقَالَ يَوْمًا: قد عزمت على بيع نصف الدَّار الَّذِي لي وأشتري بِهِ النّصْف الآخر لتصير كلّها إليّ. وَكتب الْمَنْصُور إِلَى زِيَاد بن عبيد الله الْحَارِثِيّ ليقسم مَالا بَين الْقَوَاعِد والعميان والأيتام. فَدخل عَلَيْهِ أَبُو زِيَاد التَّمِيمِي - وَكَانَ مغفلاً - فَقَالَ: أصلحك الله، اكتبني فِي الْقَوَاعِد، فَقَالَ: عافاك الله، الْقَوَاعِد هن النِّسَاء اللَّاتِي قعدن عَن أَزوَاجهنَّ. فَقَالَ: اكتبي فِي العميان، قَالَ: اكتبوه؛ فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: " فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور " قَالَ أَبُو زِيَاد: واكتب ابْني فِي الْأَيْتَام فَقَالَ: نعم، من كنت أَبَاهُ فَهُوَ يَتِيم. ووجّه بَعضهم بِلَحْم إِلَى بَيته فَقَالَ الرَّسُول: قل لَهُم: اطبخوه سكباجاً، فَقَالَ: لَيْسَ عِنْدهم. فَقَالَ لَهُ: يَا بغيض، فاطبخوه إِذا كشكية. وَوَقعت لبَعْضهِم ابْنة فِي الْبِئْر، فَاطلع فِي الْبِئْر فرآها وناداها، فأجابته فَقَالَ لَهَا: لَا تبرحي من موضعك حَتَّى أذهب أجيء بِمن يخْرجك. وَكَانَ منهال إِذا انكسف الْقَمَر يَقُول: ارْحَمْ تُرحم، فَإِذا انجلى قَالَ: تهنؤك الْعَافِيَة. قَالَ ابْن الْمَاجشون: كَانَ لي صديق من أهل الْمَدِينَة فَفَقَدته أَيَّامًا ثمَّ رَأَيْته فَسَأَلته عَن حَاله، فَقَالَ: نزلت بِالْكُوفَةِ فَقلت: وَكَيف صبرت بهَا وهم يسبون أَبَا بكر وَعمر؟ فَقَالَ: يَا ابْن أُمِّي، قد وَالله صبرت لَهُم على مَا هُوَ أعظم من هَذَا،
стр. 1711
إِنَّهُم يُفضّلون الكناسي على معبد فِي الْغناء. فحدّثت الْمهْدي بذلك فَضَحِك حَتَّى اسْتلْقى. قيل لبَعْضهِم: قد جَاءَ الذُّبَاب. فَقَالَ: مَا ذقته بعد. وَسُئِلَ بَعضهم عَن مولده فَقَالَ: ولدت رَأس الْهلَال النّصْف من شهر رَمَضَان بعد الْعِيد بِثَلَاثَة أَيَّام، احسبوا الْآن كَيفَ شِئْتُم. قَالَ: وَسمعت بَعضهم يَدْعُو وَيَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر لأمي ولأختي ولامرأتي فَقلت لَهُ: كَيفَ تركت ذكر أَبِيك؟ قَالَ: لِأَنَّهُ مَاتَ وَأَنا صبي لم أدْركهُ وَلم أعرفهُ. لَقِي رجل رجلا فَقَالَ لَهُ مَتى قدمت؟ قَالَ: غَدا، فَقَالَ: لَو قدمت الْيَوْم لسألتك عَن صَاحب لي، فَمَتَى تخرج؟ فَقَالَ: أمس. قَالَ: لَو أَدْرَكتك لكتبت مَعَك كتابا. وَنظر بَعضهم إِلَى جَرَادَة فِي أول مَا يَجِيء الْجَرَاد فقبّلها ووضعها على عينه، يُرِيد أَنَّهَا باكورة. وانكسرت خَشَبَة فِي منزل بَعضهم، فَمضى إِلَى الخشّابين يَشْتَرِي بدلهَا. فَقَالُوا: كم تُرِيدُ طولهَا؟ فَقَالَ: سبع فِي ثَمَان. وخلا بَعضهم بمناجاة ربه وَجعل يَدْعُو وَيَقُول: اللَّهُمَّ ارزقني خَمْسَة آلَاف دِرْهَم حَتَّى أَتصدق مِنْهَا، وَإِن لم تُصدقني فادفع إليّ ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم واحبس الْبَاقِي عنْدك، فَإِن تصدّقت وإلاّ تصدق بهَا على مَا شِئْت. اعتلّ الهبيري وَالِي الْبَصْرَة، فَدخل إِلَيْهِ بعض عوّاده فَقَالَ لَهُ: مَا تَشْكُو؟ قَالَ: حرارة، قَالَ: فَمَا اكلت؟ قَالَ: شويت خوامزكه فمصصت متوضاها يُرِيد خوامزكها وزماكها. وَقَالَ بَعضهم: سقط ابْني فِي الدّكان فوطئ كلب على لِسَانه فَسَقَطت لهاته فعالجته بِدَم الْأَبَوَيْنِ. وَكتب بَعضهم إِلَى أَبِيه: كتابي إِلَيْك من فَوق فَرسَخ بدورقين يَوْم الْجُمُعَة عَشِيَّة الْأَرْبَعَاء لأربعين لَيْلَة خلت من جُمَادَى الْأَوْسَط، وأُعلمك - أعزّك الله -
стр. 1712
أَنِّي مَرضت مرضةً لَو كَانَ غَيْرِي لَكَانَ قد مَاتَ. فَكتب إِلَيْهِ أَبوهُ: أمك طَالِق ثَلَاثًا بتاتاً لَو مت مَا كلمتك أبدا. قيل لبَعْضهِم: دخلت الكتّاب فَأَي شَيْء تعلمت؟ قَالَ: الْحساب. قَالَ: فَأَرْبَعَة بَين ثَلَاثَة أنفس كم يُصِيب كل وَاحِد مِنْهُم؟ قَالَ: لنفسين درهميم دِرْهَمَيْنِ وَلَا يُصيب الثَّالِث شَيْئا. خرج رجل من منزله وَمَعَهُ صبي عَلَيْهِ قَمِيص أَحْمَر، فَحَمله على عَاتِقه ثمَّ نَسيَه، فَجعل يَقُول لكل من لقِيه: رَأَيْت صَبيا عَلَيْهِ قَمِيص أَحْمَر؟ فَقَالَ لَهُ إِنْسَان: لَعَلَّه الَّذِي على عاتقك، فَرفع رَأسه وَلَطم الصَّبِي وَقَالَ: يَا ماصّ كَذَا، ألم أقل لَك: إِذا كنت معي لَا تُفَارِقنِي وَلَا تَبْرَح؟ . وَكَانَ بَعضهم فِي يَده ثَلَاثَة عشر درهما، وَركب زورقاً فَرَأى على عنق وَاحِد كَانَ بجنبه برغوثاً، فَأَخذه بالسبابة والإبهام من الْيَد الَّتِي فِيهَا الدَّرَاهِم ثمَّ توّجه نَحْو المَاء ليرمي البرغوث فَرمى بِالدَّرَاهِمِ وَبَقِي البرغوث فِي يَده، ثمَّ الْتفت إِلَى أَصْحَابه فَقَالَ: رَأَيْتُمْ مثل هَذَا البرغوث تقوّم عليّ بِثَلَاثَة عشر درهما. وَقَالَ بَعضهم: رَأَيْت خميصاً متعلّقاً بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ هَب لَهَا الْعَافِيَة وفرّح قَلبهَا، وَافْعل بهَا واصنع، وَلم يدع لنَفسِهِ وَلَا لأحد غَيرهَا. فَقلت: من هَذِه الَّتِي تخصّها بِالدُّعَاءِ؟ قَالَ: امْرَأَتي. قلت: مَا أوجب أَن تجْعَل دعاءك كُله لَهَا حَتَّى لَا تَدْعُو لنَفسك وَلَا لِأَبَوَيْك؟ فَقَالَ: أخْبرك يَا أخي، اعْلَم أَنِّي صَحِبت الْخلق، وعاشرت النَّاس، وطفت الْبلدَانِ فَمَا وجدت إنْسَانا أنيكه غَيرهَا. فَقلت لَهُ: يحِق لَك إِن كَانَ هَذَا يَا شيخ. وَقَالَ رجل لحمصي: إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يُؤْتى بِالَّذِي فجر بِامْرَأَة جَاره، فَيُؤْخَذ من سيئات الْجَار إِلَى حَسَنَات جَاره. فَقَالَ الْحِمصِي: وَالله إِن كَانَ هَذَا فَمَا فِي يَوْم الْقِيَامَة أحسن من الكشاخنة بعد المخنثين. وَحمل بَعضهم بولاً فِي طست إِلَى الطَّبِيب وَقَالَ: هَذَا بَوْل امْرَأَتي. فَقَالَ: هلا جِئْت بِهِ فِي قَارُورَة؟ ! قَالَ: جُعلت فدَاك إحليلها أوسع من ذَاك.
стр. 1713
وَنظر حمصي إِلَى مَنَارَة الْمَسْجِد، فَقَالَ لآخر: مَا كَانَ أطول أُولَئِكَ الَّذين بنوا هَذِه المنارة ﴿فَقَالَ لَهُ: اسْكُتْ مَا أجهلك﴾ ترى أَن فِي الأَرْض أحدا يطول هَذِه المنارة؟ وَإِنَّمَا بنوها على الأَرْض ثمَّ أقاموها، أَو حفروا بِئْرا وقلبوها. حضر جمَاعَة من أهل زنجان بَاب السُّلْطَان فشكوا ثقل أصولهم، وتضاعف الْمُؤَن عَلَيْهِم، فأجيبوا إِلَى حطيئة، فَقَالُوا: نحب أَن نقتصر مِنْهَا على الْأَخْمَاس بدل الأعشار، فَصَارَ ذَلِك رسماً عَلَيْهِم. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت شَيخا طَوِيل اللِّحْيَة يعدو، فَقلت مَالك؟ قَالَ: مر بك رجل أَخْضَر عَلَيْهِ كسَاء أصلع؟ . قَالَ: وَرَأَيْت رجلا طَوِيل اللِّحْيَة رَاكِبًا حمارا، وَهُوَ يضْربهُ. فَقلت لَهُ: يَا هَذَا، ارْفُقْ. فَقَالَ: إِذا لم يقر يمشي فَلم صَار حمارا؛. تفاخر أحمقان: مصري ويمني، فَقَالَ الْمصْرِيّ: هَلَكت - وَالله - الْيمن؛ إِن لم يكن النَّبِي ﵇ مِنْهَا لَا تدخل الْجنَّة وَالله أبدا. فَقَالَ اليمني: فَابْن الْمُهلب وَأَوْلَاده يُحَاربُونَ عَلَيْهَا أبدا وَزِيَادَة حَتَّى يدخلوها بِسَلام بِالسَّيْفِ،. وَلما دخل الأكراد مَدِينَة السَّلَام مَعَ أبي الهيجاء، واجتازوا بِبَاب الطاق قَالَ بعض الْمَشَايِخ من التُّجَّار: هَؤُلَاءِ الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فِي كِتَابه: الأكراد أَشد كفرا ونفاقا. فَقَالَ لَهُ إِنْسَان: يَا هَذَا، إِنَّمَا قَالَ الله " الْأَعْرَاب ". قَالَ الشَّيْخ: يَا سُبْحَانَ الله ﴿﴾ يقطع علينا الأكراد، ونكذب على الْأَعْرَاب؟ . قَالَ بَعضهم: دخلت حمّاماً بهيت، وَأَهْلهَا عامتهم قلف، فَإِذا أَنا بِرَجُل قد دخل، وَهُوَ آخذ بِرَأْس إحليله، وَقد أشاله إِلَى فَوق، ثمَّ تمكن جَالِسا، وصب من إحليله شَيْئا ودلك بِهِ رَأسه ولحيته، وَفعل ذَلِك مرَارًا. فَقلت لَهُ: وَيلك! مَا هَذَا؟ قَالَ: دهن يَا سَيِّدي، طلبت من عِنْد العطّار قَارُورَة فَلم تكن عِنْده، فَأخذت الدّهن فِي هَذَا الْموضع، وَهُوَ ذَا اسْتَعْملهُ. قدّم رجل ابْنا لَهُ إِلَى القَاضِي ليحجر عَلَيْهِ. فَقَالَ: فيمَ تحجر عَلَيْهِ؟ قَالَ الْأَب: أصلحك الله، إِن كَانَ يحفظ آيَتَيْنِ من كتاب الله فَلَا تحجر عَلَيْهِ. فَقَالَ
стр. 1714
لَهُ القَاضِي: اقْرَأ. فَقَالَ: أضاعوني وَأي فَتى أضاعوا ... ليَوْم كريهة وسداد ثغر فَقَالَ الْأَب: أصلحك الله، إِن قَرَأَ أُخْرَى فَلَا تحجر عَلَيْهِ. فحجر عَلَيْهِمَا جَمِيعًا. قَالَ بَعضهم: جالسني رجل فغبر لَا يكلمني سَاعَة، ثمَّ قَالَ: هَل جَلَست قطّ على رَأس تنور فخريت فِيهِ آمنا مطمئناً؟ قَالَ: قلت: لَا. قَالَ: فَإنَّك لم تعرف شَيْئا من النَّعيم قطّ. وَقَالَ هِشَام بن عبد الْملك ذَات يَوْم لأَصْحَابه: أَي شَيْء ألذ؟ فَقَالَ لَهُ الأبرش بن حسان: أَصَابَك جرب قطّ فحككته؟ قَالَ: مَالك؟ أجرب الله جِلْدك، وَلَا فرج عَنْك، وَكَانَ آنساً بِهِ. دخل كردم الدارع أَرض قوم يذرعها، فَلَمَّا انْتهى إِلَى زنقة مِنْهَا لم يحسن أَن يذرعها. فَقَالَ: هَذِه لَيست لكم. قَالُوا: هِيَ لنا مِيرَاث، وَمَا نازعنا فِيهَا أحد قطّ. قَالَ: لَا، وَالله مَا هِيَ لكم. قَالُوا: فحصّل لنا حِسَاب مَا لَا نشك فِيهِ. فَقَالَ: عشرُون فِي عشْرين عشرُون. قَالُوا: من أجل هَذَا الْحساب صَارَت الزنقة لَيست لنا. وَقَالَ قَاسم النمار: التوى مني عرق حِين قعدت مِنْهَا مقْعد الرجل من الْغُلَام. مَاتَ رجل من جند أهل الشَّام عَظِيم الْقدر، فَحَضَرَ جنَازَته الْحجَّاج، فصلّى عَلَيْهِ وَجلسَ على شَفير قَبره وَقَالَ: لينزل قَبره بعض إخوانه، فَنزل أحدهم فَقَالَ وَهُوَ يسوّي عَلَيْهِ: يَرْحَمك الله أَبَا قنان، إِن كنت - مَا علمت - لتجيد الْغناء، وتسرع رد الكأس، لقد وَقعت فِي مَوضِع سوء لَا تخرج - وَالله - مِنْهُ إِلَى يَوْم الدكة. فَمَا تمالك الْحجَّاج أَن ضحك فاكثر وَكَانَ لَا يكثر الضحك فِي جد وَلَا هزل. فَقَالَ لَهُ: هَذَا مَوضِع هَذَا لَا أم لَك؟ قَالَ: أصلح الله
стр. 1715
الْأَمِير، فرسه حبيس فِي سَبِيل الله لَو سمعته يتغنّى: يَا لُببني أوقدي النارا ... لانتشر الْأَمِير على سعنة - وَكَانَ الْمَيِّت يلقب سعنة، وَكَانَ من أوحش الْخلق صُورَة وأدّمهم - فَلم يبْق أحد إِلَّا استفرغ ضحكاً. وَقَالَ الْحجَّاج: أَخْرجُوهُ، إِنَّا لله ﴿يَا أهل الشَّام، مَا أبين حجَّة أهل الْعرَاق فِي جهلكم﴾ . خرج رجل من المغفلين فَرَأى فِي زرعه فَسَادًا فَقَالَ: يَا رب أَنْت تنْهى عَن الْفَحْشَاء، فَهَذَا حسن هُوَ؟ قَالَ بَعضهم: رَأَيْت رجلا محموماً مصدعاً، وَهُوَ يَأْكُل التَّمْر، ويتكرّهه. فَقلت لَهُ: وَيحك ﴿لم تَأْكُل هَذَا فِي حالك هَذِه؟ هَذَا يقتلك. فَقَالَ: عندنَا شَاة تُرضع، وَلَيْسَ لَهَا نوى، فَأَنا آكل هَذَا التَّمْر مَعَ كراهيتي لَهُ؛ لأطعمها النَّوَى. قَالَ: فَقلت: فأطعمها التَّمْر بالنوى. قَالَ: أَو يجوز هَذَا؟ قلت: نعم. قَالَ: قد - وَالله - فرّجت عني، لَا إِلَه إِلَّا الله، مَا أحسن الْعلم﴾ . أخرج صبي رَأسه من منظرة، فَوَقَعت عَلَيْهِ بردة فأوجعته، فشتم من رمى، فاطّلع أَبوهُ من الكوة لينْظر من رمى فَلَمَّا رأى الْبردَة رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء وَقَالَ: ارْمِ سَيِّدي مَا عرفك الصَّبِي.
стр. 1716
الْبَاب الثَّالِث وَالْعشْرُونَ نَوَادِر ابْن الْجَصَّاص
كَانَ ابْن الْجَصَّاص يتّجر فِي الْجَوَاهِر، وَكَانَت لَهُ ثروة عَظِيمَة، ومحلّ عِنْد الْخُلَفَاء. ونُكب فِي أَيَّام المقتدر، فبلغت مصادرته الَّتِي أَدَّاهَا ثَمَانِيَة آلَاف ألف دِينَار، وَكَانَ مغفّلاً. وَهُوَ الَّذِي كَانَت فِي فَمه درة وَأَرَادَ أَن يبصق، فبصق على الْخَلِيفَة وَرمى بِالدرةِ فِي دجلة، وَهُوَ يظنّ أَنه قد ناول الْخَلِيفَة الدرة وبصق فِي المَاء. وَعرض على بعض الْخُلَفَاء عقدا مثمّناً فَقَالَ: هَل رَأَيْت فِي عرس أمك مثله؟ وَكَانَ إِذا قنت يَقُول فِي دُعَائِهِ: يَا أويس الْقَرنِي، يَا كَعْب الْأَحْبَار بحقّ مُحَمَّد وجرجيس إِلَّا وسعت أمتك على الدَّقِيق. وَكَانَ يَقُول أَيْضا فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِر لي من ذُنُوبِي مَا تعلم وَمَا لَا تعلم. وَدخل يَوْمًا على ابْن الْفُرَات فَقَالَ: يَا سَيِّدي، عندنَا فِي الجزيرة كلاب لَا يتركونا ننام من الصياح والقتال. قَالَ: أحسبهم جراءً. قَالَ: لَا تظن ذَلِك أَيهَا الْوَزير، كل كلب مثلي وَمثلك. وَنظر يَوْمًا فِي الْمرْآة فَقَالَ: اللَّهُمَّ سوّد وُجُوهنَا يَوْم تسودّ الْوُجُوه، وبيّضها يَوْم تبيض الْوُجُوه.
стр. 1717
وَقَالَ بَعضهم: اطَّلَعت عَلَيْهِ وَهُوَ يقْرَأ فِي الْمُصحف ويبكي وينتحب ويشهق، فَقلت لَهُ: مَالك؟ قَالَ: أكلت الْيَوْم مَعَ الْجَوَارِي المخيض بالبصل فآذاني، فَلَمَّا رَأَيْته فِي الْمُصحف " ويسألونك عَن الْمَحِيض قل هُوَ أَذَى فاعتزلوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض " قلت: مَا أعظم قدرَة الله ﴿قد بيّن كل شَيْء حَتَّى أكل اللَّبن مَعَ الْجَوَارِي. وَأَرَادَ مرّة أَن يدنو من بعض جواريه فمنعته وتشاجت عَلَيْهِ، فَقَالَ: قد - وَالله - أغضبتني، أُعطى الله عهدا إِن قربتك سنة، وَلَا قربك أحد بسببي. وَقَرَأَ مرّة فِي الْمُصحف، فَجعل يَقُول: رخيص، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك. فَقَالَ: وَيحك﴾ أما ترى تفضّل الله جلّ وعزّ، يَقُول: " ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا " أما هَذَا رخيص؟ وعزّاه إِنْسَان عَن ميّت لَهُ وَقَالَ: لَا تجزع واصبر. فَقَالَ: نَحن قوم لم نتعوّد الْمَوْت. وَقَالَ يَوْمًا: أَنا أشتهي بغلة مثل بغلة النَّبِي ﷺ حَتَّى أسميها دُلْدُل. وَقَالَ يَوْمًا: قد خريت على يَدي، لَو غسلتها ألف مرّة لم تتنظف حَتَّى أغسلها مرَّتَيْنِ. وَنظر فِي الْمرْآة ثمَّ قَالَ لإِنْسَان عِنْده: ترى لحيتي قد طَالَتْ؟ فَقَالَ لَهُ ذَلِك الْحَاضِر: الْمرْآة فِي يدك. فَقَالَ: صدقت، وَلَكِن يرى الشَّاهِد مَا لَا يرى الْغَائِب. وَدخل عَلَيْهِ بَعضهم، وَمَعَهُ ابْن لَهُ، فَقَالَ لَهُ: هَذَا ابْنك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: وَلَيْسَ لأمه غَيْرك؟ قَالَ: وَيصْلح فِي دينكُمْ لامْرَأَة زَوْجَيْنِ؟ ! قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي اردت صِحَة أمرهَا مِنْك، وَكَيف جَاءَ هَذَا الْوَلَد الَّذِي لَا يشبهك. وَسمع رجلا ينشد شعرًا فِي هِنْد. فَقَالَ: لَا تَذكرُوا حماة النَّبِي إِلَّا بِخَير. وَقَالَ بَعضهم: كنت عِنْد أبي إِسْحَاق الزّجاج النَّحْوِيّ أعزيه بِأُمِّهِ وَعِنْده الرؤساء إِذْ أقبل ابْن الْجَصَّاص وَدخل ضَاحِكا، وَهُوَ يَقُول: الْحَمد لله يَا أَبَا إِسْحَاق. قد - وَالله - سرّني. فدهش الزّجاج وَمن حضر، فَقَالَ بَعضهم: يَا هَذَا،
стр. 1718
كَيفَ سرّك مَا غمّه وغمنا لَهُ؟ قَالَ: وَيحك ﴿إِنَّه بَلغنِي أَنه هُوَ الَّذِي، فَلَمَّا صَحَّ عِنْدِي أَنَّهَا هِيَ الَّتِي، سرني. فَضَحِك النَّاس. وَقَرَأَ يَوْمًا فِي الْمُصحف: " أَن تَقول نفس يَا حسرتي على مَا فرّطت فِي جنب الله " فَقَالَ: فديت جَنْبك يَا سَيِّدي، أيش أصَاب جَنْبك يَا مولَايَ؟ عز عليّ، لَيْت بِي مَا بك يَا سَيِّدي. كَانَ يكسر مرّة بَين يَدَيْهِ لوز، فطفرت لوزة، وأُبعدت، فَقَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله﴾ تَعَجبا من كل شَيْء هرب من الْمَوْت حَتَّى فِي الْبَهَائِم. وَمن دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ أرخص السُّوق على الدَّقِيق، اللَّهُمَّ إِنَّك تَجِد من تغْفر لَهُ غَيْرِي، وَلَا أجد من يُعَذِّبنِي سواك، حسبي الله ﴿اللَّهُمَّ امسخني حورية وزوجني من عمر بن الْخطاب. فَقَالَت زَوجته لَهُ: سل أَن يزوجك من النَّبِي ﵇، إِن كَانَ وَلَا بُد فَقَالَ: لَا أحب أَن أصير ضرَّة عَائِشَة. وصلّى خلف الإِمَام، فَلَمَّا قَالَ: " وَلَا الضَّالّين " قَالَ ابْن الْجَصَّاص: أَي لعمري أَرَادَ آمين. وَقَرَأَ يَوْمًا فِي الْمُصحف " رَبنَا إِنَّك من تدخل النَّار فقد أخزيته " ثمَّ قَالَ: يحِق لَهُ أَن يخري - وَالله - من أَدخل النَّار، يخرى ثمَّ يخرى. وَقَالَ لِابْنِ الْفُرَات يَوْمًا: أعز الله الْوَزير، امْنَعْ هَؤُلَاءِ الزَّنَادِقَة من الِاجْتِمَاع؛ فَإِنَّهُ بَلغنِي أَنهم يَتَكَلَّمُونَ بالكبائر. قَالَ: وَمَا الَّذِي يَقُولُونَ؟ قَالَ: بَلغنِي أَنهم يَقُولُونَ: إِن الصُّور لَيْسَ هُوَ من قرن. وَأَتَاهُ غُلَامه يَوْمًا بفرخ وَقَالَ: انْظُر هَذَا الفرخ، مَا أشبهه بِأُمِّهِ﴾ قَالَ: أمه ذكر أم أُنْثَى؟ . وَقَالَ يَوْمًا أتبّرك بكتب أَحْمد بن حَنْبَل، وَمَا أعمل كل يَوْم شَيْئا حَتَّى أمرّها على وَجْهي. قيل لَهُ: فَأَيْنَ أَنْت من الْقُرْآن؟ قَالَ: أما هَذَا فقد جربته. وَسمع آيَة من الْقُرْآن فِي بعض الْمجَالِس، فَقَالَ: حسن وَالله، هاتوا دَوَاة وقرطاساً اكْتُبْ هَذَا. قَالُوا لَهُ: هَذَا من الْقُرْآن، وَفِي دَارك خَمْسُونَ مُصحفا.
стр. 1719
فكتبها وَقَالَ: لكل جَدِيد لَذَّة، وَبعث بهَا إِلَى معلّم وَلَده وَأمره أَن يحفّظهم ذَلِك. وَبنى ابْنه دَارا، فَأدْخل أَبَاهُ إِلَيْهَا ليبصرها، وَقَالَ: انْظُر يَا أَبَة، هَل ترى عَيْبا؟ فطافها حَتَّى دخل المستراح، فَاسْتَحْسَنَهُ، وَقَالَ: فِيهِ عيب وَاحِد، وَهُوَ ضيق بَابه فَإِن الْمَائِدَة لَا تدخله. وَكتب إِلَى وَكيل لَهُ بِأَن يحمل إِلَيْهِ مائَة منا قطناً، فحملها فَلَمَّا حُلجت اسْتَقل الحليج وَكتب إِلَى وَكيله: إِنَّه لم يحصل من هَذَا الْقطن إِلَّا ربعه، فَلَا تزرع بعْدهَا قطناً بحبه، وازرع الحليج، وَيكون مَعَه أَيْضا شَيْء من الصُّوف. وَقَالَ مرّة لمغنية غنّي: خليليّ هُبّا نصطبح بسماد يُرِيد: بسواد. فَقَالَت لَهُ: إِذا عزمت على هَذَا فاصطبح وَحدك. وَقَالَ يَوْمًا: يَنْبَغِي للْإنْسَان أَن يصير إِلَى الْمَقَابِر ليغتاظ. يُرِيد: ليتعظ. وَقَالَ يَوْمًا لصديق لَهُ: وحياتك الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ. وَاسْتَأْذَنَ يَوْمًا على بعض الوزراء، وَعرض عَلَيْهِ شَيْئا من الْجَوْهَر وَقَالَ: وَقع هَذَا فِي السيق. فَضَحِك الْوَزير. فَقَالَ: أعز الله الْوَزير، إِن فِي تحفض مَا بعْدهَا. وَتردد إِلَى بعض النحوين ليصلح لِسَانه، فَقَالَ لَهُ بعد مُدَّة: الْفرس بِالسِّين أَو بالصين؟ وَقَالَ يَوْمًا: قُمْت البارحة إِلَى المستراح، وَقد طُفئ الْقنْدِيل، فَمَا زلت أتلمّظ المقعدة حَتَّى وَجدتهَا.
стр. 1720
وَقَالَ يَوْمًا لِعبيد الله بن سُلَيْمَان: أَيهَا الْوَزير، أَنْت سيف الله فِي أرضه، فَلَا تقع على شَيْء إِلَّا هرّيته، وَلَا يَقع عَلَيْك شَيْء إِلَّا هرّاك، فَأَنت مثل الشوك لَا يمشي عَلَيْهِ إِنْسَان إِلَّا دخل فِي رجله، وَلَا يدْخل فِي رجل إِنْسَان إِلَّا أوجعهُ. وانبثق لَهُ كنيف، فَقَالَ لغلامه: بَادر وأحضر من يُصلحه حَتَّى نتغدّى بِهِ قبل أَن يتعشّى بِنَا. وَأهْدى إِلَى الْعَبَّاس بن الْحسن الْوَزير نبقاً وَكتب إِلَيْهِ: تفيّلت بِأَن تبقى ... فأهديت لَك النبقا فَكتب فِي جَوَابه: لم تتفيل يَا أَبَا عبد الله، وَلَكِنَّك تبقّرت.
следующие страницы →