← Адаб

Адаб · id 7853

نثر الدر في المحاضرات

الآبي

Полный текст (1 737 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وهلم إِلَى الْخطب الْجَلِيل، إِلَى ابْن أبي سُفْيَان، فَلَقَد أضحكني الدَّهْر بعد إبكائه، وَلَا غرو، يئس الْقَوْم من هيبتي، وجدحوا بيني وَبينهمْ شرباً وبيئاً؛ فَإِن تَكُ للإيام عاقبةٌ أحملهم من الْأَمر على محضه، وَإِن تكن الْأُخْرَى فَلَا تذْهب نَفسك عَلَيْهِم حسراتٍ، وَلَا تأس على الْقَوْم الْفَاسِقين. وَقَالَ: الْفَقِيه كل الْفَقِيه من لم يرخص فِي مَعْصِيّة الله، وَلم يوئس من رَحْمَة الله. وَأخذ قوما فِي سرقٍ فَأمر بحبسهم، فجَاء رجلٌ آخر، فَقَالَ: يَا أميرالمؤمنين؛ إِنِّي كنت مَعَهم، وَقد تبت، فَأمر بِأَخْذِهِ وَقَالَ متمثلا: ومدخلٍ رَأسه لم يَدعه أحدٌ ... بَين الْفَرِيقَيْنِ حَتَّى لزه الْقرن. وَقَالَ: الْحَاسِد مغتاظٌ على من لَا ذَنْب لَهُ. وَقَالَ: من ترفع بِعِلْمِهِ وَضعه الله بِعَمَلِهِ. وَقَالَ: من لم يحسن ظَنّه بالظفر لم يجد فِي الطّلب. وَقَالَ عَليّ السَّلَام: إِن أخيب النَّاس سعياً، اخسرهم صَفْقَة رجلٌ أتعب بدنه فِي آماله، وشغل بهَا عَن معاده، فَلم تساعده الْمَقَادِير على إِرَادَته، وَخرج من الدُّنْيَا بحسرته، وَقدم بِغَيْر زادٍ على آخرته. وَقَالَ: إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم إِذا تفقه لغير الدّين؛ وَتعلم لغير الْعَمَل، وَطلبت الدُّنْيَا بِعَمَل الْآخِرَة. وروى الشّعبِيّ عَنهُ أَنه قَالَ: تجنبوا الْأَمَانِي؛ فَإِنَّهَا تذْهب بهجة مَا خولتم، وَتَصْفَر مواهب الله عنْدكُمْ، وتعقبكم الحسرات على مَا أوهمتكم أَنفسكُم. وَقَالَ: الهيبة مقرونة بالخيبة، وَالْحيَاء مقرونٌ بالحرمان، والفرصة تمر مر السَّحَاب.

стр. 177

وَسمع رجلا يغتاب آخر عِنْد ابْنه الْحسن ﵇، فَقَالَ: يَا بني نزه سَمعك عَنهُ؛ فَإِنَّهُ نظر إِلَى أَخبث مَا فِي وعائه فأفرغه فِي وعائك. وَقَالَ: أول عوض الْحَلِيم عَن حلمه أَن النَّاس أنصاره على الْجَاهِل. وَقَالَ: لَا تؤاخ الجاهلن فَإِنَّهُ يزين لَك فعله، وَيُحب لَو أَنَّك مثله، وَيحسن لَك أَسْوَأ خصاله، ومخرجه من عنْدك ومدخله عَلَيْك شينٌ وعارٌ؛ وَلَا الأحمق، فَإِنَّهُ يجْهد لَك نَفسه وَلَا ينفعك، ولربما أَرَادَ أَن ينفعك فضرك، فسكوته خيرٌ من نطقه، وَبعده خيرٌ من قربه، وَمَوته خيرٌ من حَيَاته؛ وَلَا الْكذَّاب؛ فَإِنَّهُ لَا ينفعك مَعَه عيشٌ، ينْقل حَدِيثك وينقل الحَدِيث إِلَيْك، حَتَّى إِنَّه ليحدث بِالصّدقِ وَلَا يصدق. لما كَانَ يَوْم الْجمل طَاف عَليّ ﵇ على الْقَتْلَى فَبَصر بِعَبْد الله ابْن حَكِيم بن حزَام وَلَيْسَ لأبي غَيره، وبصر بِأبي سُفْيَان بن حويطب ابْن عبد الْعُزَّى وَلَيْسَ لِأَبِيهِ غَيره يَوْمئِذٍ، فَقَالَ: لقد اجْتمعت على قُرَيْش، حَتَّى هَذَانِ اللَّذَان لم يبْق من أجل كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَّا ظمء الدَّابَّة، ثمَّ أرسل إِلَى كل وَاحِد مِنْهُمَا ودمعت عَيناهُ، ثمَّ قَالَ أَهْون عَليّ بشكل الشَّيْخَيْنِ! وروى عَنهُ ﵇ ي قَوْله تَعَالَى: " فاصفح الصفح الْجَمِيل ". قَالَ: صفحٌ بِلَا عتابٍ. ومرّ بدارٍ فِي مُرَاد تبنى، فَوَقَعت شظية مِنْهَا على صلعته فأدمته، فَقَالَ: مَا يومي من مُرَاد بواجد. فَقَالَ رجل: لقد رَأَيْت تِلْكَ الدَّار بَين الدّور كالشاة الجمّاء بَين العنم ذَوَات الْقُرُون. وَرَأى ﵇ رجلا مَعَه ابْنة فَقَالَ: من هَذَا مَعَك؟ فَقَالَ: اابني - قَالَ: أَتُحِبُّهُ؟ قَالَ: إِي واله حبا شَدِيدا. فَقَالَ: لَا تفعل فَإِنَّهُ إِن عَاشَ كدك. وَإِن مَاتَ هدك. وَذكروا أَنه مر بِقوم من الْأَنْصَار، فَسلم عَلَيْهِم ووقف؛ فَقَالُوا: أَلا تنزل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فنطعمك الخريزة. فَقَالَ ﵁: إِمَّا حلفتم علينا أَو انصرفنا.

стр. 178

وَقَالَ القناعة سيفٌ لَا ينبو، وَالصَّبْر مطيةٌ لَا تكبو، وَأفضل عدةٍ الصَّبْر على شدةٍ. وَقيل لَهُ: كَيفَ صرت تقتل الْأَبْطَال؟ قَالَ: لِأَنِّي كنت ألْقى الرجل فأقدر أَنِّي أَقتلهُ، وَيقدر أَنِّي أَقتلهُ، فَأَكُون أَنا وَنَفسه عونين عَلَيْهِ. وَقَالَ ﵇: من كَفَّارَات الذُّنُوب الْعِظَام إغاثة الملهوف، والتنفيس عَن المكروب. وَخرج ﵇ إِلَى الْكُوفَة فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: أما بعد يَا أهل الْعرَاق، فغنما أَنْتُم كَأُمّ مجَالد، حملت فَلَمَّا أتمت أملصت وَمَات قيمها، وَطَالَ تأيمها، وورثها أبعدها، وَالله مَا أتيتكم اخْتِيَارا مني، وَلَكِن سقت إِلَيْكُم سوقاً؛ وَإِن وراءكم عشرةٌ يهْلك دينكُمْ بَينهم ودنياكم، لَيْسَ الآخر بأرأف بكم من الأول؛ حَتَّى يستخرجوا كنوزكم من حجالكم. وَالله لقد بَلغنِي أَنكُمْ تَقولُونَ: يكذب، فعلى من أكذب؟ أَعلَى الله أكذب وَأَنا أول من آمن بِهِ؟ أم على نبيه وَأَنا أول من صدقه. كلا وَالله، وَلكنهَا لهجة غبتم عَنْهَا ويل أمة كَيْلا بِلَا ثمن! لَو كَانَ لَهُ وعاءٌ " ولتعلمن نبأه بعد حينٍ ". قَالَ بَعضهم: رَأَيْته ﵇ بِالْكُوفَةِ اشْترى تَمرا فَحَمله فِي طرف رِدَائه، فبادره النَّاس وَقَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، نحمل عَنْك. فَقَالَ: رب الْعِيَال أَحَق بِحمْل مَتَاعه. وَقَالَ: لن يهْلك امْرُؤ عرف قدره. وَقَالَ: نعم المؤازرة، وَبئسَ الاستعداد الاستبداد. وَقَالَ للأشعث بن قيس: " أد وَإِلَّا ضربتك بِالسَّيْفِ، فَأدى مَا كَانَ عَلَيْهِ،

стр. 179

فَقَالَ لَهُ: مَا كَانَ عَلَيْك لَو كُنَّا ضربناك بِعرْض السَّيْف. فَقَالَ: إِنَّك مِمَّن إِذا قَالَ فعل. وَقَالَ ﵇: " عَلَيْكُم بالأبكار فَإِنَّهُنَّ أطيب أفواهاً، وأنتق أرحاماً، وَأَشد حبا، وَأَقل خباً ". وَمن كَلَامه ﵇: توق مَا تعيب؛ لَا ات مَا تعيب، وَلَا تَعب مَا تَأتي. إِنَّمَا يسْتَحق السِّيَادَة من لَا يصانع وَلَا يُخَادع وَلَا تغره المطامع. وَقَالَ يَوْمًا: مَا أَحْسَنت إِلَى أحد قطّ، فَرفع النَّاس رُءُوسهم تَعَجبا، فَقَرَأَ: " إِن أَحْسَنْتُم أَحْسَنْتُم لأنفسكم وَإِن أسأتم فلهَا ". وَقَالَ: إِذا قدرت على عَدوك، فَاجْعَلْ الْعَفو شكر قدرتك. مرض ﵇، فَقَالُوا: كَيفَ نجدك؟ فَقَالَ: بشر. فَقَالُوا: أَتَقول ذَلِك؟ قَالَ: نعم، إِن الله يَقُول: " ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فتْنَة "؛ فالخير الصِّحَّة، وَالشَّر الْمَرَض. وَقَالَ: من تجر بِغَيْر فقهٍ فقد ارتطم فِي الرِّبَا. وَقَالَ: الْحلف ينْفق السّلْعَة ويمحق الْبركَة، والتاجر فاجرٌ إِلَّا من أَخذ الْحق وَأَعْطَاهُ. وَقَالَ: أنكأ الْأَشْيَاء لعدوك أَلا تعلمه أَنَّك اتخذته عدوا. وَقَالَ: لله در الْحَسَد ﴿مَا أعدله﴾ يقتل الْحَاسِد قبل أَن يصل إِلَى الْمَحْسُود. وَقَالَ: لَا يلقح الْغُلَام، حَتَّى يتفلك ثدياه، وتسطع إبطاه. وروى أَنه ملك أَرْبَعَة دَرَاهِم، فَتصدق بدرهم لَيْلًا؛ وبآخر نَهَارا، وبدرهم سرا؛ وبآخر عَلَانيَة؛ فَأنْزل الله تَعَالَى فِيهِ: " الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم باليل وَالنَّهَار سرا وَعَلَانِيَة فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم ".

стр. 180

وَقَالَ: شَرّ الإخوان من يحتشم ويتكلف. وَقيل لَهُ: أَنْت محربٌ مطلوبٌ، فَلَو اتَّخذت طرفا. قَالَ: أَنا لَا أفر عَمَّن كرّ وَلَا أكر على من فر؛ فالغلة تكفيني. وَقيل لَهُ فِي بعض حروبه: إِن جالت فَأَيْنَ نطلبك؟ قَالَ: حَيْثُ تركتموني. وَمن كَلَامه ﵇: الكفاف خيرٌ من الْإِسْرَاف. مَا أدْرك النمام ثاراً وَلَا محا عاراً. الْخيرَة فِي ترك الطَّيرَة. الاهتمام بِالْأَمر يثير لطيف الْحِيلَة. الرَّد الْجَمِيل خيرٌ من المطل الطَّوِيل. شَفِيع المذنب إِقْرَاره، وتوبته اعتذاره. الْمنية وَلَا الدنية. الْحِيلَة أبلغ من الْوَسِيلَة. لِسَان الْمَرْء من خدم عقله. أفضل الْأَعْمَال مَا أكرهت عَلَيْهِ النُّفُوس. كفى من أَمر الدّين أَن تعرف مَا لَا يسع جَهله. لَيْسَ النجاح مَعَ الأخف الأعجل. الْهوى عَدو الْعقل. وَقَالَ لَهُ رجل وَهُوَ يخْطب: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ صف لنا الدُّنْيَا. فَقَالَ: مَا أصف من دَار أَولهَا عناء، وَآخِرهَا فنَاء، فِي حلالها حسابٌ، وَفِي حرامها عقابٌ، من صَحَّ فِيهَا أَمن، وَمن مرض فِيهَا نَدم، وَمن اسْتغنى فِيهَا فتن، وَمن افْتقر حزن. وَقَالَ: لَا تحمل هم يَوْمك الَّذِي لم يَأْتِ على يَوْمك الَّذِي أَنْت فِيهِ؛ فَإِنَّهُ إِن يكن من أَجلك يَأْتِ فِيهِ رزقك وَاعْلَم أَنَّك لاتكتسب من المَال شئاً فَوق قوتك إِلَّا كنت فِيهِ خَازِنًا لغيرك. وَقَالَ: من سره الْغنى بِلَا مالٍ، والعز بِلَا سلطانٍ، وَالْكَثْرَة بِلَا عشيرة، فَليخْرجْ من ذل مَعْصِيّة الله إِلَى عز طَاعَة الله؛ فَإِنَّهُ واجدٌ ذَلِك كُله. وَقَالَ: ثلاثٌ لَا يعْرفُونَ إِلَّا فِي ثَلَاثَة مواشع؛ لَا يعرف الشجاع إِلَّا فِي الْحَرْب، وَلَا الْحَلِيم إِلَّا عِنْد الْغَضَب، وَلَا الصّديق إِلَّا عِنْد الْحَاجة.

стр. 181

وتمثل ﵇ فِي طَلْحَة بن عبيد الله: فَتى كَانَ يُدْنِيه الْغنى من صديقه ... إِذا مَا هُوَ اسْتغنى ويبعده الْفقر وَلما انْقَضى يَوْم الْجمل خرج فِي لَيْلَة ذَلِك الْيَوْم، وَمَعَهُ قنبر وَمَعَهُ شعلة نارٍ يتصفح وُجُوه الْقَتْلَى، حَتَّى وقف عَلَيْهِ، فَقَالَ: أعزز على أَبَا مُحَمَّد أَن أَرَاك معفراً تَحت نُجُوم السَّمَاء؛ وَفِي بطُون الأودية! شفيت نَفسِي وَقتلت معشري. إِلَى الله أَشْكُو عجري وبجري. وَقَالَ: الْعجب لمن يهْلك والنجاة مَعَه. فَقيل: مَا هِيَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: الاسْتِغْفَار. وَقَالَ: الدُّنْيَا دَار ممر لَا دَار مقرّ، وَالنَّاس فِيهَا رجلَانِ؛ رجلٌ بَاعَ نَفسه فأوثقها، وَرجل ابْتَاعَ نَفسه فَأعْتقهَا. وَقَالَ: مُكَابَرَة النكبات بالحيلة قبل انتهائها زيادةٌ فِيهَا. وَقَالَ لرجل: كَيفَ أَنْت؟ قَالَ: أَرْجُو الله وأخافه. فَقَالَ: من رجا شَيْئا طلبه، وَمن خَافَ شَيْئا توقاه. وَقَالَ: قَصم ظَهْري رجلَانِ: جاهلٌ متنسك، وعالمٌ متهتك. وَسمع حَالفا يَقُول: وَالَّذِي احتجب بِسبع، فَقَالَ: وَيلك. إِن الله لَا يَحْجُبهُ شيءٌ، فَقَالَ: هَل أكفر عَن يَمِيني؟ فَقَالَ: لَا، لِأَنَّك حَلَفت بِغَيْر الله. وَقَالَ: من وضع مَعْرُوفا فِي غير مَوْضِعه عَاد عَلَيْهِ وبالاً. وروى عَن الْمسيب بن نجبة الْفَزارِيّ قَالَ: خَطَبنَا عَليّ ﵇، فَقَالَ: أَلا أخْبركُم بِذَات نَفسِي؟ أما الْحسن ففتى من الفتيان صَاحب جفنةٍ وخوان. وَلَو قد الْتفت حلقتا البطان لم يعن عَنْكُم فِي الْحَرْب حبالة عصفورٍ.

стр. 182

وَأما عبد الله بن جَعْفَر فَصَاحب لهوٍ وظل باطلٍ. وَأما أَنا وَالْحُسَيْن فَنحْن مِنْكُم وَأَنْتُم منا، وَلَقَد خشيت أَن يدال هَؤُلَاءِ الْقَوْم عَلَيْكُم، وَلَيْسَ ذَاك: أَلا أَن تَكُونُوا أولى بِالْحَقِّ مِنْهُم، وَلَكِن بطاعتهم إمَامهمْ وعصيانكم إمامكم، وإصلاحهم فِي أَرضهم وإفسادكم فِي أَرْضكُم، واجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عَن حقكم، حَتَّى لَا يدعونَ بَيت مدرٍ وَلَا وبرٍ إِلَّا أدخلوه ظلمهم؛ حَتَّى يقوم الباكيان، باكٍ لدينِهِ وباكٍ لدنياه، وَحَتَّى لَا تكون نصْرَة أحدكُم مِنْهُم إِلَّا كنصرة العَبْد من سَيّده، إِن شهده أطاعه، وَإِن غَابَ عَنهُ سبه، فَإِن أَتَاكُم الله بعافيةٍ فاقبلوها، وَإِن ابتليتم فَاصْبِرُوا؛ فَإِن الْعَاقِبَة لِلْمُتقين. ويروى عَنهُ أَنه قَالَ: الْحِرْص مُقَدّمَة السّكُون. وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: " أكلون للسحت " هُوَ الرجل يقْضِي لِأَخِيهِ حَاجته ثمَّ يقبل هديته. قَالَ الْحَارِث الْأَعْوَر: مِمَّا رَأَيْت أحدا أحسن من عَليّ ﵇، أَتَاهُ رجل فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ مَاتَ رجل وَخلف ابْنَتَيْن، وأبوين، وَزَوْجَة، فَقَالَ: صَار ثمنهما تسعا. هَذِه الْفَرِيضَة من أَرْبَعَة وَعشْرين سَهْما، للبنتين الثُّلُثَانِ، سِتَّة عشر سَهْما، وللأبوين السدسان ثَمَانِيَة أسْهم، وكمل المَال وعالت الْفَرِيضَة واحتيج للْمَرْأَة إِلَى ثمن الْأَرْبَعَة وَالْعِشْرين سَهْما، وَصَارَ الثّمن من أَرْبَعَة وَعشْرين تسعا من سَبْعَة وَعشْرين. هَذَا معنى قَوْله. وخطب فَقَالَ: أما بعد؛ فَإِن الْجِهَاد بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة. فَمن تَركه رَغْبَة عَنهُ ألبسهُ الله الذل، وسم الْخَسْف، وديث بالصغار وَقد دوتكم لِحَرْب هَؤُلَاءِ الْقَوْم لَيْلًا وَنَهَارًا، وسراً وإعلاناً، وَقلت لكم: اغرزوهم من قبل أَن يغزوكم؛ فو اللذي نَفسِي بِيَدِهِ مَا غزى قومٌ قطّ فِي عقر دَارهم إِلَّا ذلوا؛ فتخاذلتم وتواكلتم، وَثقل عَلَيْكُم قولي، واتخذتموه وراءكم ظهريا؛ حَتَّى شنت عَلَيْكُم الغارات. هَذَا أَخُو غامد قد وَردت خيله الأنبار، وَقتلُوا حسان بن حسان ورجالاً مِنْهُم كثيرا وَنسَاء، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لقد بَلغنِي أَن كَانَ يدْخل على الْمَرْأَة الْمسلمَة والمعاهدة، فينزع حجالهما ورعثهما، ثمَّ انصرفوا موفورين لم

стр. 183

يكلم أحدٌ مِنْهُم كلما. فَلَو أَن ارمءاً مُسلما مَاتَ من دون هَذَا أسفا مَا كَانَ فِيهِ عِنْدِي ملوماً؛ بل كَانَ بِهِ جَدِيرًا. يَا عجبا كل الْعجب من تضافر هَؤُلَاءِ الْقَوْم على باطلهم وفشلكم عَن حقكم! إِذا قلت لكم اغزوهم فِي الشتَاء قُلْتُمْ هَذَا أَوَان قر وسر، وَإِن قلت لكم: اغزوهم فِي الصَّيف قُلْتُمْ: هَذِه حمارة القيظ، أنظرنا ينصرم الْحر عَنَّا؛ فَإِذا كُنْتُم من الحرّ وَالْبرد تفرّون، فَأنْتم وَالله من السَّيْف أفرّ. يَا أشباه الرِّجَال وَلَا رجال، وَيَا طغام الأحلام، وَيَا عقول ربّات الحجال، وَالله لقد أفسدتم علىّ رأيى بالعصيان، وَلَقَد ملأتم جوفى غيظا، حَتَّى قَالَت قُرَيْش: ابْن أَبى طَالب رجل شُجَاع، وَلَكِن لَا رأى لَهُ فِي الْحَرْب. لله درّهم، وَمن ذَا يكون أعلم بهَا منّى أَو أشدّ لَهَا مراسا؟ فوَاللَّه لقد نهضت فِيهَا وَبَلغت الْعشْرين، وَلَقَد نيّفت الْيَوْم على السِّتين. وَلَكِن لَا أرى لمن لاّ يطاع، لَا أرى لمن لاّ يطاع - يَقُولهَا ثَلَاثًا. وَمن كَلَامه رضى الله عَنهُ: من لانت كَلمته وَجَبت محبته. وَقَالَ لَهُ قَائِل: أَيْن كَانَ ربّنا قبل أَن خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض؟ فَقَالَ رضى الله عَنهُ: " أَيْن " سُؤال عَن مَكَان وَكَانَ الله وَلَا مَكَان. وَقَالَ: من أَكثر النّظر فِي العواقب لم يتشجّع. وَقَالَ لِابْنِهِ الْحسن رضى الله عَنهُ: لَا تبدأ بِدُعَاء إِلَى مبارزة، وَإِن دعيت إِلَيْهَا فأجب؛ فَإِن طالبها بَاغ والباغي مصروع. وَقَالَ: وَمَا ابْن آدم وَالْفَخْر، وإنّما أوّله نُطْفَة، وَآخره جيفة، لَا يرْزق نَفسه وَلَا يدْفع حتفه. جَاءَ الْأَشْعَث بن قيس إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ على ﵇ يتخطّى رِقَاب النَّاس، وعلىّ على الْمِنْبَر؛ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، غلبتنا هَذِه الْحَمْرَاء على قربك - يَعْنِي الْعَجم - قَالَ: فركض على الْمِنْبَر بِرجلِهِ، فَقَالَ صعصعة بن صوحان: مَا لنا وَلِهَذَا؟ - يَعْنِي الْأَشْعَث - ليَقُولن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْيَوْم فِي

стр. 184

الْعَرَب قولا لَا يزَال يذكر. فَقَالَ ﵁: من يعذرني من هَؤُلَاءِ الضياطرة؟ يتمرغ أحدهم على فرَاشه تمرغ الْحمار، ويهجر قومٌ الذّكر فيأمرونني أَن أطردهم. مَا كنت أطردهم فَأَكُون من الْجَاهِلين؛ وَالَّذِي فلق الْحبَّة، وبرأ النَّسمَة؛ ليضربنكم على الدّين عوداً، كَمَا ضربتموهم عَلَيْهِ بدءاً. وَسُئِلَ ﵇: كَيفَ كَانَ حبكم للرسول الله ﷺ ؟ فَقَالَ: كَانَ وَالله أحب إِلَيْنَا من أَمْوَالنَا وَأَوْلَادنَا وَأُمَّهَاتنَا وَآبَائِنَا، وَمن المَاء الْبَارِد على الظمأ. وَكَانَ ﵇ يَقُول: إِذا لَقِيتُم الْقَوْم فاجمعوا الْقُلُوب، وعضوا على النواجذ؛ فَإِن ذَلِك نَبِي السيوف عَن المهام. وروى أَنه كَانَ يتَمَثَّل إِذا رأى عبد الرَّحْمَن بن ملجمٍ الْمرَادِي بِبَيْت معد يكرب: أُرِيد حَيَاته وَيُرِيد قَتْلِي ... عذيرك من خَلِيلك من مُرَاد فَقيل لَهُ ﵇: كانك قد عَرفته وَعرفت مَا يُريدهُ. أَفلا تقتله؟ فَقَالَ: كَيفَ أقتل قاتلي؟ . وَلما سمع بصفين نداءهم: لَا حكم إِلَّا لله، قَالَ: كلمة عادلةٌ يُرَاد بهَا جورٌ. إِنَّمَا يَقُولُونَ: لَا إِمَارَة، وَلَا بُد من إمارةٍ برةٍ أَو فاجرةٍ. وَكَانَ أَبُو نيزر من أَوْلَاد بعض مُلُوك الْأَعَاجِم. وَقيل: إِنَّه كَانَ من ولد النَّجَاشِيّ، فَرغب فِي الْإِسْلَام صَغِيرا؛ فَأتى رَسُول الله ﷺ فَأسلم وَكَانَ مَعَه. فَلَمَّا توفّي ﵇ صَار مَعَ فَاطِمَة وَوَلدهَا ﵂، فَقَالَ أَبُو نيزر: جَاءَنِي عَليّ ﵇ وَأَنا أقوم بالضيعتين: عين أَب ينيزر والبغيبغة، فَقَالَ لي: هَل عنْدك من طعامٍ؟ فَقلت: طعامٌ لَا أرضاه لَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ قرعٌ

стр. 185

من قرعٍ الضَّيْعَة صَنعته بإهالة سنخة فَقَالَ: عَليّ بِهِ، فَقَامَ إِلَى الرّبيع: وَهُوَ جدول فَغسل يَده، ثمَّ أصَاب من ذَلِك شَيْئا، ثمَّ رَجَعَ إِلَى الرّبيع فَغسل يَدَيْهِ بالرمل حَتَّى أنقاهما، ثمَّ ضم يَدَيْهِ كل وَاحِدَة مِنْهُمَا إِلَى أُخْتهَا وَشرب بهما حسا من الرّبيع، ثمَّ قَالَ: يَا نيزر إِن الأكف أنظف الْآنِية، ثمَّ مسح ندى ذَلِك المَاء على بَطْنه وَقَالَ: من أدخلهُ بَطْنه النَّار فَأَبْعَده الله! ثمَّ أَخذ الْمعول وَانْحَدَرَ فِي الْعين وَجعل يضْرب، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ المَاء، فَخرج وَقد تفضج جَبينه عرقا، فانتكف الْعرق عَن جَبينه أَي أزاله، ثمَّ أَخذ الْمعول وَعَاد إِلَى الْعين، ثمَّ أقبل يضْرب فِيهَا وَجعل يهمهم، فانثالت كَأَنَّهَا عنق جزور، فَخرج مسرعاً، فَقَالَ: أشهد الله أَنَّهَا صَدَقَة. على بداوة وصحيفة، قَالَ: فعجلت بهما إِلَيْهِ فَكتب: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. هَذَا مَا تصدق بِهِ عبد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ: تصدق بالضيعتين المعروفتين بِعَين أبي نيزر والبغيبغة على فُقَرَاء أهل الْمَدِينَة وَابْن السَّبِيل؛ ليقي الله بهما وَجهه يَوْم الْقِيَامَة، لَا تباعان وَلَا توهبان حَتَّى يرثهما الله وَهُوَ خير الْوَارِثين، إِلَّا أَن يحْتَاج إِلَيْهِمَا الْحسن وَالْحُسَيْن، فهما طلقٌ لَهما وَلَيْسَ لأحدٍ غَيرهمَا. قَالَ: فَركب الْحُسَيْن دين، فَحمل إِلَيْهِ مُعَاوِيَة بِعَين أبي نيزر مِائَتي ألف دِينَار، فَأبى أَن يَبِيع، وَقَالَ: إِنَّمَا تصدق بهَا أبي ليقي الله بهَا وَجهه حر النَّار، وَلست بَائِعهَا بِشَيْء. وَلما ضربه عبد الرَّحْمَن بن ملجم لَعنه الله تَعَالَى دَعَا الْحسن وَالْحُسَيْن ﵄، وَقَالَ: أوصيكما بتقوى الله وَالرَّغْبَة فِي الْآخِرَة، والزهد ف يالدنيا، وَلَا تأسفا على شَيْء فاتكما مِنْهَا، اعملا الْخَيْر، وكونا للظالم خصما وللمظلوم عوناً.

стр. 186

وَقَالَ فِي دُعَائِهِ: إلهي مَا قدر ذنوبٍ يُقَابل بهَا كرمك؟ وَمَا قدر أعمالٍ تقَابل بهَا نعمك؛ وَإِنِّي لأجور أَن تستغرق ذُنُوبِي فِي كرمك؛ كَمَا استغرقت أعمالي فِي نعمك. وَعنهُ ﵇ أَنه قَالَ: يجد البليغ من ألم السُّكُوت مَا يجده العيي من ألم الْكَلَام، وَكَانَ إِذا نعت النَّبِي ﷺ قَالَ: لم يكن بالطويل الممغط، وَلَا الْقصير المتردد، وَلم يكن بالمطهم وَلَا المكلثم، أَبيض مشرب، أدعج الْعَينَيْنِ، أهدب الأشفار، جليل المشاش شئن الْكَفَّيْنِ والقدمين، إِذا مَشى تقلع كَأَنَّمَا يمشي فِي صبب، وَإِذا الْتفت الْتفت مَعًا، لَيْسَ بالسبط وَلَا الْجَعْد القطط، كَانَ أَزْهَر لَيْسَ بالأبيض الأمهق فِي عَيْنَيْهِ شكْلَة، شبح الذراعين. وَقَالَ: بَقِيَّة عمر الْمَرْء لَا قيمَة لَهَا يدْرك بهَا مَا فَاتَهُ، وَيحيى مَا أَمَاتَهُ. خطبَته الَّتِي خطب بهَا حِين زوج فَاطِمَة ﵄: الْحَمد لله الَّذِي قرب من حامديه، ودنا من سائليه، ووعد بِالْجنَّةِ من يتقيه، وَقطع بالنَّار عذر من يعصيه، أَحْمَده بِجَمِيعِ محامده وأياديه، وأشكره شكر من يعلم أَنه خالقه وباريه، ومصوره ومنشيه، ومميته ومحييه، ومعذبه ومنجيه، ومثببه مجازيه. وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله شَهَادَة تبلغه وترضيه، وَأَن مُحَمَّدًا حبيب الله وَعَبده وَرَسُوله، صلى الله عَلَيْهِ صَلَاة تزلفه وتدنيه، وتعزه وتعليه، وتشرفه وتجتبيه.

стр. 187

أما بعد؛ فَإِن اجتماعنا مِمَّا قدر الله ورضيه، وَالنِّكَاح مِمَّا أَمر الله بِهِ، وَأذن فِيهِ. هَذَا محمدٌ ﷺ قد زَوجنِي فَاطِمَة ابْنَته على صدَاق أَرْبَعمِائَة دِرْهَم وَثَمَانِينَ درهما، ورضيت بِهِ، فَاسْأَلُوهُ، وَكفى بِاللَّه شَهِيدا. وَقَالَ: إِن الله تَعَالَى جعل مَكَارِم الْأَخْلَاق وصلَة بَينه وَبَين خلقه، فَحسب أحدكُم أَن يتَمَسَّك بخلقٍ متصلٍ بِاللَّه . قَالَ الْأَحْنَف: دخلت على مُعَاوِيَة، فَقدم لي من الْحَار والبارد، والحلو والحامض مَا كثر تعجبي مِنْهُ، ثمَّ قدم لي لوناً لم أدر مَا هُوَ، فَقلت: مَا هَذَا؟ قَالَ: مصارين البط محشوة بالمخ قد قلى بدهن الفستق وذر عَلَيْهِ الطبرزد. فَبَكَيْت. فَقَالَ: مَا يبكيك؟ قلت: ذكرت عليا ﵁. بَينا أَنا عِنْده وَحضر وَقت إفطاره فَسَأَلَنِي الْمقَام، إِذْ دَعَا بجراب مختوم، قلت: مَا فِي الجراب؟ قَالَ: سويق شعير، قلت: ختمت عَلَيْهِ أَن يُؤْخَذ أَو بخلت بِهِ؟ قَالَ: لَا وَلَا أَحدهمَا، وَلَكِنِّي خفت أَن يلته الْحسن أَو الْحُسَيْن بسمنٍ أَو زيتٍ. قلت: محرم هُوَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: لَا وَلَكِن يجب على أَئِمَّة الْحق أَن يعتدوا أنفسهم من ضعفة النَّاس؛ لِئَلَّا يطغي الْفَقِير فقره، فَقَالَ مُعَاوِيَة: ذكرت من لَا يُنكر فَضله. وَقَالَ عَليّ ﵇: لَا يكون الصّديق صديقا، حَتَّى يحفظ صديقه فِي غيبته وَعند نكبته وَبعد وَفَاته فِي تركته. قيل لَهُ: كَيفَ يُحَاسب الله الْخلق على كَثْرَة عَددهمْ؟ قَالَ: كَمَا يرزقهم على كَثْرَة عَددهمْ.

стр. 188

وَلما خرج ﵇ يُرِيد الْعرَاق أَشَارَ عَلَيْهِ ابْنه الْحسن أَن يرجع، فَقَالَ: لَا أكون مثل الضبع تسمع اللدم حَتَّى تخرج فتصاد. وَقَالَ: لَئِن وليت بني امية لأنفضنهم نفض القصاب الوذام التربة. وَمر بِعَبْد الرَّحْمَن بن عتاب بن أسيد مقتولا يَوْم الْجمل، فَقَالَ: هَذَا يعسوب قُرَيْش. وجائته امراة فَذكرت أَن زَوجهَا يَأْتِي جاريتها، فَقَالَ: إِن كنت صَادِقَة رجمناه، وَإِن كنت كَاذِبَة جلدناك، قَالَت: ردوني إِلَى أَهلِي غَيْرِي نغرة. وَقَالَ ﵇: إِن الْمَرْء الْمُسلم مَا لم يغش دناءةً يخشع لَهَا إِذا ذكرت وتغرى بِهِ النَّاس، كالياسر الفالج ينْتَظر فوزةً من قداحه أَو دَاعِي الله؛ فَمَا عِنْد الله خيرٌ للأبرار. وسافر رجلٌ مَعَ أَصْحَاب لَهُ فَلم يرجع حِين رجعُوا، فَاتَّهمهُمْ اهله بِهِ، ورفعوهم إِلَى شُرَيْح، فَسَأَلَهُمْ الْبَيِّنَة على قَتله، فَارْتَفعُوا إِلَى عَليّ ﵇، فأخبروه بقول شُرَيْح، فَقَالَ متمثلا: أوردهَا سعدٌ وسعدٌ مُشْتَمل ... يَا سعد لَا تروي بهذاك الْإِبِل ثمَّ قَالَ: " إِن أَهْون السَّقْي التشريع "، ثمَّ فرق بَينهم، وسألهم فَاخْتَلَفُوا، ثمَّ أقرُّوا بقتْله.

стр. 189

وَقَالَ: إِذا صلى الرجل فليخو، وَإِذا صلت الْمَرْأَة فلتحتفز. وَقَالَ كرم الله وَجهه: مَا أعظم التَّفَاوُت بَين العبر وَالِاعْتِبَار! فالعبر قد بلغت فِي الْكَثْرَة الْغَايَة، وَالِاعْتِبَار قد بلغ فِي الْقلَّة النِّهَايَة. وَقَالُوا: انْصَرف من صفّين وَكَأَنَّهُ رَأسه ولحيته قطنة، فَقيل لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو غيرت، فَقَالَ: إِن الخضاب زينةٌ، وَنحن قومٌ محزونون. وروى أَن الْحسن قَالَ لَهُ يَوْم الْجمل: أَشرت عَلَيْك ثَلَاث مراتٍ فعصيتني، فَقَالَ ﵇، إِنَّك تحن حنين الْجَارِيَة، هَات مَا الَّذِي أَشرت بِهِ؛ وَمَا الَّذِي عصيتك فِيهِ؟ فَذكر أَشْيَاء، فَقَالَ لَهُ عَليّ ﵇: أَنا وَالله إِذا مثل الَّتِي أحيط بهَا فَقيل لَهَا: زباب حَتَّى دخلت جحرها، ثمَّ احتفر عَنْهَا فاجتر برجلها حَتَّى ذبحت. يُرِيد: الضبع. وروى أَنه اشْترى قَمِيصًا بِثَلَاثَة دَرَاهِم، وَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي هَذَا من رياشه. وَقَالَ: لَا قَود إِلَّا بالأسل. وَقَالَ: من أَرَادَ الْبَقَاء - وَلَا بَقَاء - فليباكر الْغَدَاء، وليقلل غشيان النِّسَاء، وليخفف الرِّدَاء فِي الْبَقَاء، قيل: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمَا خفَّة الرِّدَاء فِي الْبَقَاء؟ قَالَ: الدّين. وَرَأى رجلا فِي الشَّمْس، فَقَالَ: قُم عَنْهَا فَإِنَّهَا مبخرةٌ مجفرةٌ: تَتْفُل الرّيح، وتبلى الثَّوْب، وَتظهر الدَّاء الدفين. وأتى بِالْمَالِ فكوم كومةً من ذهب وكومة من فضَّة، وَقَالَ: يَا حَمْرَاء يَا بَيْضَاء احمرى وابيضي وغري غَيْرِي. وَقَالَ: من يطلّ أير أَبِيه ينتطق بِهِ.

стр. 190

وَقَالَ: ذِمَّتِي بِمَا أَقُول رهينةٌ وَأَنا بِهِ زعيمٌ لمن صرحت لَهُ العبر أَلا يهيج على التَّقْوَى زرع قومٍ، وَلَا يظمأ على التَّقْوَى سنخ أصلٍ. أَلا وَإِن أبْغض خلق الله إِلَى الله رجلٌ قمش علما، غَار بأغباش الْفِتْنَة، عميا بِمَا فِي غيب الْهُدْنَة، سَمَّاهُ أشباهه من النَّاس عَالما وَلم يغن فِي الْعلم يَوْمًا سالما، بكر فَاسْتَكْثر. مِمَّا قل مِنْهُ فَهُوَ خير مِمَّا كثر، حَتَّى إِذا مَا ارتوى من آجنٍ، واكتنز من غير طائلٍ، قعد بَين النَّاس قَاضِيا لتخليص مَا الْتبس على غَيره، إِن نزلت بِهِ إِحْدَى المبهمات هيأ حَشْوًا من رَأْيه، فَهُوَ من قطع الشُّبُهَات فِي مثل غزل العنكبوت، لَا يعلم إِذا أَخطَأ؛ لِأَنَّهُ لَا يعلم أَخطَأ أم أصَاب. خباط عشواتٍ ركاب جهالاتٍ، لَا يعْتَذر مِمَّا لَا يعلم فَيسلم، وَلَا يعَض فِي الْعلم بضرصٍ قَاطع، يذور الرِّوَايَة ذرو الرّيح الهشيم، تبْكي مِنْهُ الدِّمَاء وتصرخ مِنْهُ الْمَوَارِيث، ويستحل بِقَضَائِهِ الْفرج الْحَرَام. لَا ملئ وَالله بإصدار مَا ورد عَلَيْهِنَّ وَلَا أهلٌ لما قرظ بِهِ. وَكتب إِلَى ابْن عَبَّاس حِين أَخذ من مَال الْبَصْرَة مَا أَخذ: إِنِّي أَشْرَكتك فِي امانتي، وَلم يكن رجلٌ من أَهلِي أوثق مِنْك فِي نَفسِي، فَلَمَّا رَأَيْت الزمات على ابْن عمك قد كلب، والعدو قد حَرْب، قلبت لِابْنِ عمك ظهر الْمِجَن، بِفِرَاقِهِ مَعَ المفارقين، وخذلانه مَعَ الخاذلين، واختطفت مَا قدرت عَلَيْهِ من أَمْوَال الْأمة اختطاف الذِّئْب الْأَزَل دامية المعزى ضح رويدا، فَكَأَن قد بلغت المدى، وَعرضت عَلَيْك أعمالك بِالْمحل الَّذِي يُنَادي المغتر بالحسرةن ويتمنى المشيع التبوة، والظالم الرّجْعَة. وروى عَنهُ ﵇ أَنه قَالَ يَوْم الشورى لما تكلم عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف بِمَا تكلم:

стр. 191

الْحَمد لله الَّذِي اتخذ مُحَمَّدًا نَبيا، وابتعثه إِلَيْنَا رَسُولا؛ فَنحْن بَيت النُّبُوَّة، ومعدن الْحِكْمَة، أمانٌ لأهل الأَرْض، ونجاةٌ لمن طلب. لنا حق إِن نعطه نَأْخُذهُ، وَإِن نمنعه نركب أعجاز الْإِبِل وَإِن طَال السرى. لَو عهد إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ عهدا لجالدنا عَلَيْهِ حَتَّى نموت، أَو قَالَ لنا قولا أنفذنا قَوْله على رغمنا، لن يسْرع أحدٌ قبلي إِلَى صلَة رحمٍ ودعوة حق. وَالْأَمر إِلَيْك يَا بن عَوْف على صدق الْيَقِين وَجهد النصح. اسْتغْفر الله لي وَلكم. وَقَالَ: " مَا من مُسلم إِلَّا لَهُ ذنبٌ يَعْتَرِيه الفينة بعد الفينة ". " يهْلك فِي رجلَانِ: محب مطرٍ وباهتٌ مفترٍ ". " يهْلك فِي رجلَانِ: محب غالٍ ومبغضٌ قَالَ ". وَقَالَ: لَا يذهب أَمر هَذِه الْأمة إِلَّا على رجل وَاسع السرم ضخم البلعوم، يَأْكُل وَلَا يشْبع. وَسُئِلَ عَن قتلاه وقتلى مُعَاوِيَة، فَقَالَ: يُؤْتى بِي يَوْم الْقِيَامَة وبمعاوية فنختصم عِنْد ذِي الْعَرْش، فأينا فلج فلج أَصْحَابه. وَقَالَ: إِن لبني أُميَّة مروداً يجرونَ فِيهِ، وَلَو قد اخْتلفُوا فِيمَا بَينهم ثمَّ كادتهم الضّيَاع لغلبتهم. وَذكر أهل النهروان، فَقَالَ: فيهم رجل مودن الْيَد، أَو مثدن الْيَد، أَو مُخْدج الْيَد، لَوْلَا أَن تبطروا لنبأتكم بِمَا وعد الله الَّذين يقاتلونهم على لِسَان مُحَمَّد ﷺ . وَقَالَ: إِذا كَانَ الْقلب لَا يعرف مَعْرُوفا، وَلَا يُنكر مُنكر أنكس، فَجعل أَعْلَاهُ أَسْفَله. وَقَالَ: ألم يَأن لبني أُميَّة أَن يقتلُوا، قتيلهم؟ قيل: مَا هَذَا الْقَتِيل؟ قَالَ: غرنوقٌ من غرانيق بني عبد الْمطلب. وَمر بقاضٍ، فَقَالَ: أترعف النَّاسِخ والمنسوخ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَلَكت وأهلكت.

стр. 192

وَقَالَ: لَا يَسْتَقِيم قَضَاء الْحَوَائِج إِلَّا بِثَلَاث، باستصغارها لتعظم، واستكتامها لتنسى، وتعجيلها لتهنؤ. وجاءه يَهُودِيّ، فَقَالَ: أَيْن كَانَ رَبنَا قبل أَن يخلق الْعَرْش؟ قَالَ: حَيْثُ هُوَ الْيَوْم، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ الْيَوْم؟ قَالَ: حَيْثُ كَانَ ذَلِك الْيَوْم، لَا تخطر عَلَيْهِ الْقُلُوب، وَلَا تقع عَلَيْهِ الأوهام " لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير ". وروى عَن نوف قَالَ: رَأَيْت عليا ﵇ قد خرج؛ فَنظر إِلَى النُّجُوم، فَقَالَ: أراقد أم رامقٌ؟ قلت: بل رامقٌ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: يَا نوف طُوبَى للزاهدين فِي هَذِه الدُّنْيَا، الراغبين فِي الْآخِرَة، أُولَئِكَ قومٌ اتخذو الأَرْض بساطاً، وترابها فراشا، وماءها طيبا، وَالْقُرْآن شعاراً ودثاراً، وقرضوا للدنيا قرضا على منهاج الْمَسِيح عيه السَّلَام. يَا نوف، إِن دَاوُد ﵇ قَامَ سَاعَة من اللَّيْل، فَقَالَ: إِنَّهَا ساعةٌ لَا يَدْعُو عبد إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ فِيهَا إِلَّا أَن يكون عشاراً أَو عرييفاً أَو شرطياً أَو صَاحب عرطبةٍ - وَهُوَ الطنبور - أَو صَاحب كوبة - وَهُوَ الطبل. وَقَالَ ﵇: إِن الله فرض عَلَيْكُم فَرَائض فَلَا تضبعوها، وحد لكم حدوداً فَلَا تعدوها، ونهاكم عَن أَشْيَاء فَلَا تنتهكوها، وَسكت لكم عَن أَشْيَاء، فَلم يَدعهَا نِسْيَانا فَلَا تتكلفوها. وَقَالَ: لَا يتْرك النَّاس شَيْئا من إصْلَاح دينهم لاستصلاح دنياهم إِلَّا فتح الله عَلَيْهِم مَا هُوَ أضرّ مِنْهُ. وَقَالَ: لَيْسَ الْخَيْر أَن يكثر مَالك وولدك، وَلَكِن الْخَيْر أَن يكثر علمك، ويعظم حلمك، وتباهى النَّاس بِعبَادة رَبك؛ فَإِن أَحْسَنت حمدت الله، وَإِن أَسَأْت استغفرت الله؛ وَلَا خير ف يالدنيا إِلَّا لِرجلَيْنِ، رجل أذْنب ذنوباً فَهُوَ

стр. 193

يتدارك ذَلِك بتوبةٍ، وَرجل يُسَارع ف يالخيرات. وَلَا يقل عملٌ مَعَ تقوى، وَكَيف يقل مَا يتَقَبَّل؟ أَيهَا النَّاس عَلَيْكُم بالتواصل والتباذل، وَإِيَّاكُم والتقاطع والتدابر والتفرق. وَلَا تنكرن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر؛ فيولى الله عَلَيْكُم شِرَاركُمْ، ثمَّ تدعون فَلَا يُسْتَجَاب لكم. " وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب ". تجهزوا رحمكم الله، فقد نُودي فِيكُم بالرحيل، وأقلوا الفرحة على الدُّنْيَا، وانقلبوا بِصَالح مَا بحضرتكم من الزَّاد؛ فَإِن أمامكم عقبَة كئوداً، ومنازل مخوفةً لَا بُد من الْمَمَر عَلَيْهَا، وَالْوُقُوف عِنْدهَا، فإمَّا برحمة الله نجوتم من فظاعتها، وَشدَّة مختبرها، وَكَرَاهَة منظرها؛ وَإِمَّا بهلكة لَيْسَ بعْدهَا نجاةٌ. فيا لَهَا حسرةً على كل ذِي غفلةٍ! أَن يكون عمره عَلَيْهِ حجَّة، أَو تُؤَدِّيه أَيَّامه إِلَى شقوة. وخطب لما ورد عَلَيْهِ خبر مقتل مُحَمَّد بن أبي بكر، وَغَلَبَة أَصْحَاب مُعَاوِيَة على مصر، قَالَ بعد أَن حمد الله: أَلا إِن مصر أَصبَحت قد فتحت، أَلا وَإِن مُحَمَّد بن أبي بكرٍ قد أُصِيب ﵀، وَعند الله نحتسبه. أما وَالله إِن كَانَ لمن ينْتَظر الْقَضَاء، وَيعْمل للجزاء، وَيبغض شكل الْفَاجِر، وَيُحب هدى الْمُؤمن. إِنِّي وَالله لَا ألوم نَفسِي فِي تَقْصِير وَلَا عجز، إِنِّي بمقاساة الْحَرْب جد عالمٍ خبيرٍ، وَإِنِّي لأقدم فِي الْأَمر فأعرف وَجه الحزم، وأقوم فِيهِ بِالرَّأْيِ الْمُصِيب مُعْلنا، وأناديكم نِدَاء المستغيث فَلَا تَسْمَعُونَ لي قولا، وَلَا تطيعون لي أمرا؛ حَتَّى تصير بِي الْأُمُور إِلَى عواقب الْفساد، وَأتم لَا تدْرك بكم الأوتار، وَلَا يشفى بكم الغليل. دعوتكم إِلَى غياث إخْوَانكُمْ، فجرجرتم جرجرة الْجمل الْأسر، وتثاقلتم إِلَى الأَرْض تثاقل من لَيْسَ لَهُ نيةٌ فِي اجهاد عَدو، وَلَا احتساب أجرٍ. وَخرج جنيدٌ ضعيفٌ " كَأَنَّمَا يساقون إِلَى الْمَوْت وهم ينظرُونَ ".

стр. 194

وَقَالَ فِي خطبَته بِالْبَصْرَةِ: يَا أهل الْبَصْرَة يَا أهل المؤتفكة أئتفكت بِأَهْلِهَا ثَلَاثًا وعَلى الله تَمام الرَّابِعَة. يَا جند الْمَرْأَة، وَأَعْوَان الْبَهِيمَة، رغا فأجبتم وعقر فتفرقتم. وخطب فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا نظر الزاهدين فِيهَا، فَإِنَّهَا وَالله عَن قَلِيل تزيل الثاوي السَّاكِن، وتبخع المترف الآمن، لَا يرجع مَا تولى مِنْهَا فادبر، وَلَا يدْرِي مَا هُوَ آتٍ مِنْهَا فينتظر، سرورها مشوبٌ بالحزن، وَآخر الْحَيَاة فِيهَا إِلَى الضعْف والوهن، فَلَا يَغُرنكُمْ كَثْرَة مَا يعجبكم فِيهَا لقلَّة مَا يصحبكم مِنْهَا. رحم الله رجلا تفكر فَاعْتبر، فأبصر إدبار مَا قد أدبر، وَحُضُور مَا حضر؛ فَكَأَن مَا هُوَ كائنٌ فِي الدُّنْيَا لم يكن، وَكَأن مَا هُوَ كَائِن فِي الْآخِرَة لم يزل. وَقَالَ جُنْدُب: دَخَلنَا عَلَيْهِ فَقَالَ: أما إِنَّكُم سَتَلْقَوْنَ بعدِي ثَلَاثًا؛ ذلاً شَامِلًا، وسيفاً قَاتلا، وأثرةً يتخذها الظَّالِمُونَ عَلَيْكُم سنة، فتودون عِنْد ذَلِك لَو رَأَيْتُمُونِي فنصرتموني وقاتلتم دوني، لَا يبعد الله إِلَّا من ظلم! . فَكَانَ جُنْدُب بعد ذَلِك إِذا رأى شَيْئا مِمَّا يكره يبكي وَيَقُول: أبعد الله الظَّالِم. وَقَالَ فِي خطْبَة لَهُ: وأيم الله إِنَّكُم لَو قد رَأَيْتُمْ الْمَوْت لَا نفرجتم عَن عَليّ ابْن أبي طَالب انفراج الْمَرْأَة عَن قبلهَا؛ فَقَالَ لَهُ رجل: أَفلا كَمَا فعل عُثْمَان، فَقَالَ: إِن الَّذِي فعل عُثْمَان مجزاةٌ لمن لَا نصْرَة لَهُ، وَلَا حجَّة مَعَه، فَأَما وَأَنا على بينةٍ من رَبِّي، ويقينٍ وعهدٍ من نبيي كلا وَالله: إِن أمرءاً يُمكن من نَفسه عدوة فيهشم عَظمَة، ويفرى جلده لعظيمٌ عَجزه، ضعيفٌ مَا ضمت عَلَيْهِ الأحشاء من صَدره، وَأَنت ذَاك إِن شِئْت. فَأَما أَنا فوَاللَّه لَأُعْطيَن دون ذَلِك ضربا بالمشرفي تطير لَهُ فرَاش الْهَام، وَالله يفعل مَا يَشَاء.

стр. 195

وَقَالَ لَهُ المُهَاجر بن خَالِد بن الْوَلِيد: مَا رَأْيك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي هَذِه الْمُعْتَزلَة سعدٍ وَأَصْحَابه؟ فَقَالَ: خذلوا الْحق وَلم ينصرُوا الْبَاطِل، كَمَا قَالَ أَخُو جشم: عَلَيْكُم بواديكم من الذل فارتعوا ... ونالوا بذل من ندى البقل وَالشَّجر فَمَا أَنْتُم بالمانعين ذماركم ... قَدِيما، ولستم فِي النفير إِذا نفر وَقَالَ ﵇: اتْرُكُوا هَذِه الدُّنْيَا التاركة لكم، وَإِن لم تَكُونُوا تحبون تَركهَا، والمبلية لكم، وَإِن كُنْتُم تحبون تجديدها. فَإِنَّمَا مثلكُمْ وَمثلهَا كركبٍ سلكوا سَبِيلا، فكأنهم قد قطعوه وأموا علما، فكأنهم قد بلغوه. جعلنَا الله وَإِيَّاكُم مِمَّن لَا تبطره نعمةٌ، وَلَا تقصر بِهِ عَن طَاعَة ربه رغبةٌ، وَلَا يحل بِهِ الْمَوْت حسرةً؛ فَإِنَّمَا نَحن لَهُ وَبِه. وَقَالَ فِي خطْبَة: إيَّاكُمْ ومجالس اللَّهْو؛ فَإِن اللَّهْو ينسى الْقُرْآن، ويحضره الشَّيْطَان، وَيَدْعُو إِلَى كل غي. ومحادثة النِّسَاء تزِيغ الْقُلُوب، وَهِي من مصايد الشَّيْطَان. أَلا فاصدقوا؛ فَإِن الله مَعَ الصَّادِقين، وجانبوا الْكَذِب؛ فَإِنَّهُ مجانبٌ للْإيمَان، إِن الصَّادِق على شفا منجاةٍ وكرامة، وَإِن الْكَاذِب على شفا هوانٍ. قُولُوا الْحق تعرفوا بِهِ، وتكونوا من أَهله، وأدوا الْأَمَانَة إِلَى من ائتمنكم، وصلوا أَرْحَام من قطعكم، وعودوا بِالْفَضْلِ على من حرمكم. وَإِذا عاهدتم ففوا، وَإِذا حكمتم فاعدلوا، وَلَا تفاخروا بِالْآبَاءِ وَلَا تنابزوا بِالْأَلْقَابِ، أَلا وَلَا تمادحوا وَلَا تمازحوا وَلَا تباغضوا، أفشوا السَّلَام وردوا التَّحِيَّة على أَهلهَا بِأَحْسَن مِنْهَا، وارحموا الأرملة واليتيم، وأعينوا الضَّعِيف والمظلوم، " ونعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان " أَلا وَإِن الدُّنْيَا قد أَدْبَرت وآذنت بوداع. أَلا وَإِن الْآخِرَة قد أَقبلت وآذنت باطلاع، أَلا وَإِن الْمِضْمَار الْيَوْم، والسباق غَدا وَإِن السبقة الْجنَّة والغاية النَّار. وَقَالَ ﵇: خير النِّسَاء الطّيبَة الرّيح، الطّيبَة الطَّعَام، الَّتِي إِن أنفقت أنفقت قصدا، وَإِن أَمْسَكت أَمْسَكت قصدا، تِلْكَ من عُمَّال الله، وعامل الله لَا يخيب. وَقَالَ: الصمت فِي اانه خيرٌ من الْمنطق فِي غير أَوَانه.

стр. 196

وَقَالَ: إِذا رَأَيْت فِي رجلٍ خلةً رائعةً من خيرٍ أَو شَرّ فانتظر أخواتها. وَقَالَ: إِن الله تَعَالَى لَا يقبل من الْأَعْمَال إِلَّا مَا صفا وصلب ورق فَأَما صفاؤها فَللَّه، وَأما رقتها فللإخوان، وَأما صلابتها فللدين. وَقَالَ: الْفَقِيه كل الْفَقِيه الَّذِي لَا يقنط النَّاس من رَحْمَة الله، وَلَا يؤمنهم من مكر الله، وَلَا يرئسهم من رَحْمَة الله، وَلَا يرخص لَهُم فِي معاصي الله. وَدخل عَلَيْهِ قوم فَقَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لَو أَعْطَيْت هَذِه الْأَمْوَال، وفضلت بهَا هَؤُلَاءِ الْأَشْرَاف وَمن تخَاف فِرَاقه، حَتَّى إِذا استتب لَك مَا تُرِيدُ عدت إِلَى أفضل مَا عودك الله من الْعدْل فِي الرّعية، وَالْقسم بِالسَّوِيَّةِ، فَقَالَ ﵇: أتأمرونني أَن أطلب النَّصْر بالجور فِيمَن وليت عَلَيْهِ من أهل الْإِسْلَام! وَالله لَا أفعل ذَلِك مَا سمر بِنَا سمير، وَمَا آب فِي السَّمَاء نجم، فَلَو كَانَ هَذَا المَال لي لسويت بَينهم، فَكيف؟ وَإِنَّمَا هِيَ أَمْوَالهم، ثمَّ أرم طَويلا ثمَّ قَالَ: من كَانَ مِنْكُم لَهُ مالٌ فإياه وَالْفساد، فَإِن إِعْطَاء المَال فِي غير حلّه تبذير وإسرافٌ وفسادٌ، وَهُوَ يرفع ذكر صَاحبه، ويضعه عِنْد الله ، وَلنْ يضع ارمؤٌ مَاله ف يُغير حَقه، وَعند غير أَهله إِلَّا حرمه الله شكرهم، وَكَانَ لغيره ودهم، فَإِن بَقِي مَعَه مِنْهُم من يُرِيد الود، وَيظْهر لَهُ الشُّكْر فَإِنَّمَا هُوَ ملق وَكذب؛ فَإِن زلت بِصَاحِبِهِ النَّعْل وَاحْتَاجَ إِلَى معونته ومكافأته فشر خليلٍ، وَالأُم خدين، فَمن آتَاهُ الله مَالا فَليصل بِهِ الْقَرَابَة، وليحسن مِنْهُ الضِّيَافَة، وليفك بِهِ العاني والأسير، وليعط مِنْهُ الْغَارِم وَابْن السَّبِيل، والفقراء والمجاهدين، وليصبر نَفسه على الْحُقُوق وابتغاء الثّواب، فإنّه ينَال بِهَذِهِ الْخِصَال مَكَارِم الدّنيا وفضائل الْآخِرَة إِن شَاءَ الله. وخطب ﵇ حِين كَانَ من أَمر الْحكمَيْنِ مَا كَانَ، فَقَالَ: الْحَمد لله وَإِن أَتَى الدَّهْر بالخطب الفادح، وَالْحَدَث الْجَلِيل، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله.

стр. 197

أما بعد، فَإِن مَعْصِيّة الشَّيْخ الْعَالم المشفق المجرّب تورث الْحَسْرَة، وَتعقب النّدامة، وَقد كنت أَمرتكُم فِي هَذِه الْحُكُومَة بأمرى، ونخلت لكم رأيى لَو كَانَ يطاع لقيصر أَمر ﴿وَلَكِنَّكُمْ أَبَيْتُم، وَكنت أَنا وَأَنْتُم كَمَا قَالَ أَخُو هوزان أَمرتهم أمرى بمنعرج اللّوى ... فَلم يستبينوا النصح إِلَّا ضحى الْغَد فَلَمَّا عصوني كنت فيهم وَقد أرى ... غوايتهم أَو أنّنى غير مهتد أَلا إنّ هذَيْن الرّجلين اخترتموهما حكمين، وَقد نبذا حكم الْقُرْآن وَرَاء ظهورهما فأماتا مَا أَحْيَا الْقُرْآن، وأحييا مَا أمات، واتّبع كلّ وَاحِد مِنْهُمَا هواة، يحكم فِيهِ بِغَيْر حجّة بيّنة، وَلَا " ٨٢ " سنة مَاضِيَة، وَاخْتلفَا فِي حكمهمَا، فكلاهما لم يرشده الله، استعدّوا للْجِهَاد، وتأهّبوا للسير، وَأَصْبحُوا فِي معسكركم يَوْم كَذَا. وخطب فَقَالَ: أما بعد؛ يَا أهل الْكُوفَة فإنّ أهل الشّام لَو قد طلعوا عَلَيْكُم أغلق كلّ امْرِئ مِنْكُم بَابه، وانجحر فِي بَيته انجحار الضّبّ فِي جُحْره والضّبع فِي وجارها الذّليل، وَالله مَا نصرتم، وَمن رمى بكم رمى بأضعف سهم. أفّ لكم﴾ لقد لقِيت مِنْكُم برحاً، يَوْمًا أناديكم وَيَوْما أناجيكم، فَلَا أَحْرَار عِنْد النداء، وَلَا أنجاد عِنْد اللِّقَاء، أَنا لله ممّا منيت بِهِ مِنْكُم، صمّ لَا تَسْمَعُونَ، بكم لَا تعقلون، كمه لَا تبصرون، وَالْحَمْد لله ربّ الْعَالمين. وَكتب إِلَى سهل بن حنيف وَهُوَ عَامله على الْمَدِينَة: بلغنى أَن رجَالًا يخرجُون إِلَى مُعَاوِيَة؛ فَلَا تأسف على مَا فاتك مِنْهُم؛ فَكفى لَهُم غيّاً فرارهم من الْحق وَالْهدى، وإيضاعهم فِي الْجَهَالَة والعمى؛ إنّما هم أهل دنيا، مكبّون عَلَيْهَا، قد علمُوا أنّ فِي الْحق أُسْوَة فَهَرَبُوا مِنْهُ إِلَى الأثرة؛ فبعداً لَهُم وَسُحْقًا،

стр. 198

أما لَو قد بعثرت الْقُبُور، وَاجْتمعت الْخُصُوم، وَقضى بَين الْعباد لتبيّن لَهُم مَا يَكْسِبُونَ. وَكتب إِلَى مصقلة بن هُبَيْرَة: بَلغنِي عَنْك أَمر إِن كنت فعلته فقد أتيت شيناً؛ إِذْ بَلغنِي أنّك تقسم فئ الْمُسلمين فِيمَن اعتفاك من أَعْرَاب بكر بن وَائِل، فو الذّي فلق الحبّة، وبرأ النّسمة، لَئِن كَانَ ذالك حقّاً لتجدنّ بك علىّ هواناً. فَلَا تستهن بِحَق رَبك، وَلَا تصلح دنياك بمحق دينك فَتكون من: " الأخسرين أعمالاً " الْآيَة. وَكتب إِلَى زِيَاد - وَهُوَ خَليفَة ابْن عَبَّاس على الْبَصْرَة - وَكَانَ أخرج إِلَيْهِ سَعْدا مَوْلَاهُ يستحثه على حمل مالٍ فَعَاد وشكاه وعابه: أما بعد، فَإِن سَعْدا ذكر أَنَّك شتمته ظلما لَهُ، وتهددته وجبهته، تجبراً وتكبرا. فَمَا دعَاك إِلَى التكبر؟ وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ : " الْكبر رِدَاء الله فَمن نَازع الله رِدَاءَهُ قصمه ". وَأَخْبرنِي أَنَّك تكْثر من الطَّعَام والألوان، وتدهن فِي كل يَوْم؛ فَمَا عَلَيْك لَو صمت لله أَيَّامًا؟ وتصدقت بِبَعْض مَا عنْدك محتسبا، وأكلت طَعَامك مرَارًا قتاراً؛ فَإِن ذَلِك دثار الصَّالِحين، أتطمع وَأَنت تتقلب فِي النَّعيم تستأثر بِهِ على الْجَار الْمِسْكِين، والضعيف الْفَقِير، والأرملة واليتيم أَن يجب لَك أجر المتصدقين؟ . وَأَخْبرنِي أَنَّك تَتَكَلَّم بِكَلَام الْأَبْرَار وتعمل عمل الْخَطَّائِينَ؛ فَإِن كنت تفعل ذَلِك فنفسك ظلمت، وعملك أحبطت؛ فتب إِلَى رَبك يصلح عَمَلك، واقصد فِي أَمرك، وَقدم الْفضل ليَوْم حَاجَتك إِلَيْهِ إِن كنت من الْمُؤمنِينَ، وادهن غبا فَإِن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " ادهنوا غبا وَلَا تدهنوا رفها ".

стр. 199

فَكتب إِلَيْهِ زِيَاد: أما بعد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن سَعْدا قدم فَعجل فانتهرته وزجرته. وَكَانَ أَهلا لأكْثر من ذَلِك. فَأَما مَا ذكر من الْإِسْرَاف، واتخاذ ألوان الطَّعَام، والتنعم؛ فَإِن كَانَ صَادِقا فأثابه الله ثَوَاب الصَّادِقين، وَإِن كَانَ كَاذِبًا فوقاه الله عُقُوبَة الْكَاذِبين. وَأما قَوْله: إِنِّي أصف الْعدْل وأخالفه إِلَى غَيره، فَإِنِّي إِذا لمن الأخسرين أعمالاً، فَخذه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بمقالٍ قلته فِي مقامٍ قمته. فَإِن أَتَاك بشاهدي عدلٍ، وَإِلَّا تبين لَك كذبه وظلمه. وَقَالَ ﵇: " قبْلَة الْوَلَد رحمةٌ، وقبلة الْمَرْأَة شَهْوَة، وقبلة الْوَالِدين عبَادَة، وقبلة أَخِيك دينٌ، وقبلة الإِمَام الْعَادِل طاعةٌ ". وَقَالَ: بئس الْجَار الْغَنِيّ، يبْعَث عَلَيْك مَا لَا يعينك عَلَيْهِ. وَقَالَ: نعم الْبَيْت بَيت الْعَرُوس تذكر بِهِ الْجنَّة، وتحمد الله على النِّعْمَة. وَقَالَ: الْكَرِيم لَا يقبل على معروفه ثمنا. وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يظْهر سُرُورًا برجاء، لِأَن الرَّجَاء غرور. وَقَالَ: الْمَعْرُوف زَكَاة النعم. وَقَالَ: إِزَالَة الرواسِي أيسر من تأليف الْقُلُوب. وَكتب إِلَى ابْن عَبَّاس: أَتَانِي كتابك تذكر مَا رَأَيْت من أهل الْبَصْرَة بعد خروجي عَنْهُم، وَإِنَّمَا ينقمون لرغبةٍ يرجونها، أَو عقوبةٍ يخافونها؛ فأرغب راغبهم، واحلل عقد الْخَوْف عَن خائفهم بِالْعَدْلِ عَلَيْهِ، والإنصاف إِلَيْهِ. وَكتب إِلَى سعد بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ: إِنَّك وفرت على الْمُسلمين فيئهم، فأطعت رَبك، وَنَصَحْت إمامك فعل المتنزه الْعَفِيف، فقد حمدت فعلك، ورضيت هديك، وَأُوتِيت رشدك، وَغفر الله ذَنْبك.

стр. 200

وَمَشى قوم خَلفه، فَقَالَ: عَنى خَفق نعالكم؛ فَإِنَّهَا مفْسدَة لقلوب نوكي الرِّجَال. وَقَالَ: أكبر الغي أَن تعيب رجلا بِمَا فِيك، وَأَن تؤذي جليسك بِمَا هُوَ فِيهِ عَبَثا بِهِ. وَقَالَ: اتَّقوا من تبْغضهُ قُلُوبكُمْ. وَدخل ﵇ الْمَقَابِر، فَقَالَ: " أما الْمنَازل فقد سكنت، وَالْأَمْوَال قد قسمت، والأزواج قد نكحت، فَهَذَا خير مَا عندنَا؛ فَمَا عنْدكُمْ؟ ثمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أذن لَهُم فِي الْكَلَام لأخبروا أَن خير الزَّاد التَّقْوَى. وخطب فَقَالَ: أما بعد فَإِن الدُّنْيَا قد أَدْبَرت وآذنت بوداع، وَإِن الْآخِرَة قد أَقبلت وأشرفت باطلاع، وَإِن الْمِضْمَار الْيَوْم وَغدا السباق. أَلا وَإِنَّكُمْ فِي أَيَّام أملٍ من وَرَائه أجلٌ؛ فَمن أخْلص فِي أَيَّام أمله قبل حُضُور أَجله نَفعه عمله، وَلَا يضرّهُ أمله، وَمن قصر فِي أَيَّام أمله قبل حُضُور أَجله فقد خسر عمله، وضره أمله. فاعملوا لله فِي الرَّغْبَة كَمَا نعملون لَهُ فِي الرهبة. أَلا وَإِنِّي لم أر كالجنة نَام طالبها، وَلم أر كالنار نَام هَارِبهَا، أَلا وَإنَّهُ من لم يَنْفَعهُ الْحق يضرّهُ الْبَاطِل، وَمن لم يستقم بِهِ الْهدى يخزيه الضلال. أَلا وَإِنَّكُمْ قد أمرْتُم بالظعن، ودللتم على الزَّاد. وَإِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم اتِّبَاع الْهوى وَطول الأمل. وَقَالَ لَهُ الأشتر: كَيفَ ود أُمِّي رالمؤمنين امْرَأَته؟ قَالَ: كالخير من امْرَأَة جباء قبَاء. قَالَ: وَهل يُرِيد الرِّجَال من النِّسَاء غير ذَلِك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: لَا، حَتَّى تدفي الضجيع، وتروي الرَّضِيع.

стр. 201

وَقَالَ: حسبي حسب رَسُول الله ﷺ وديني دينه، فَمن أبْغض حسبي فَإِنَّمَا يبغض حسب رَسُول الله ﷺ وَمن يبغض ديني فَإِنَّمَا يبغض دين النَّبِي ﷺ . قَالَ بعض قُرَيْش: أتيت الْكُوفَة فتبوأت بهَا منزلا، ثمَّ خرجت أُرِيد عليا ﵇. فلقيني فِي الطَّرِيق وَهُوَ بَين الْأَشْعَث بن قيس، وَجَرِير بن عبد الله، فَلَمَّا رَآنِي خرج من بَينهمَا فَسلم عَليّ. فَلَمَّا سكت قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، من هَذَانِ؟ وَمَا رأيهما؟ فَقَالَ: أما هَذَا الْأَعْوَر - يَعْنِي الْأَشْعَث - فَإِن الله لم يرفع شرفاً إِلَّا حسده، وَلم يسن دينا إِلَّا بغاه. وَهُوَ يمنى نَفسه ويخدعها، فَهُوَ بَينهمَا لَا يَثِق بِوَاحِدَة مِنْهُمَا. وَمن الله عَلَيْهِ أَن جعله جَبَانًا، وَلَو كَانَ شجاعاً لقد قَتله الْحق بعد. وَأما هَذَا الأكشف - يَعْنِي جَرِيرًا - عبد الْجَاهِلِيَّة فَهُوَ يرى أَن كل أحد يحقره، فَهُوَ ممتلئ بأوا، وَهُوَ فِي ذَلِك يطْلب جحراً يؤويه، ومنصباً يُغْنِيه. وَهَذَا الْأَعْوَر يغويه ويطغيه، إِن حَدثهُ كذبه، وَإِن قَامَ دونه نكص عَنهُ، فهما كالشيطان " إِذْ قَالَ للْإنْسَان اكفر فَلَمَّا كفر قَالَ إِنِّي برِئ مِنْك إِنِّي أَخَاف الله رب الْعَالمين " قَالَ: فَقلت لَهُ: وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لقد نزلت بشر منزل. مَا أَنْت إِلَّا بَين الْكَلْب وَالذِّئْب. قَالَ: هُوَ عَمَلكُمْ يَا معشر قُرَيْش، وَالله مَا خرجت مِنْكُم إِلَّا أَنِّي خفت أَن تجلوا فِي فألج بكم. وَقَالَ: أَشد الذُّنُوب مَا استخف صَاحبه بِهِ. روى عَن أبي اراكة أَنه صلى مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵇ صَلَاة الْفجْر، فَلَمَّا سلم انْفَتَلَ عَن يَمِينه، ثمَّ مكث كَأَن بِهِ كابةً، حَتَّى طغت الشَّمْس على حَائِط الْمَسْجِد، ثمَّ قلب يَدَيْهِ وَقَالَ: لقد رَأَيْت أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ فَمَا أرى الْيَوْم شَيْئا يشبههم، لقد كَانُوا يُصْبِحُونَ صفرا غبراً شعثاً، بَين أَعينهم مثل

стр. 202

ركب المعزى، قد باتوا لله سسجداً وقياماً، يَتلون كتاب لله، يواحون بَين أَقْدَامهم وجباههم، فَإِذا أصحبوا فَذكرُوا الله مادوا كَمَا يمد الشّجر فِي يَوْم الرّيح، وهملت أَعينهم حَتَّى تبل ثِيَابهمْ. وَالله لكأن الْقَوْم باتوا غافلين. ثمَّ نَهَضَ، ير مفترًّا حَتَّى ضربه عَدو الله ابْن ملجم لَعنه الله. وَكَانَ ﵇ جَالِسا فِي أَصْحَابه، فمرت امْرأ جميلَة، فرمقها الْقَوْم بِأَبْصَارِهِمْ، فَقَالَ: إِن أبصار هَذِه الفحول طوامح، فَإِذا رأى أحدكُم المرئة تعجبه فلأتي أَهله حفإنما امْرَأَة بامرة،. فَقَالَ رجل من الْخَوَارِج: قَاتله الله كَافِرًا، مَا أفهمهُ ﴿فَوَثَبُوا عَلَيْهِ ليضربوه، فَقَالَ رضى الله عَنهُ: مَه، فَإِنَّمَا هُوَ سبّ بسب، أَو عَفْو وَقد عَفَوْت. وَقَالَ: من أَبْطَأَ بِهِ لم يسْرع حَسبه. وَقَالَ: مَا أضمر أحد شياً إِلَّا ظهر فِي فلتات لِسَانه وصفحات وَجهه. وَقَالَ: إِذا كنت قي إدبار، وَالْمَوْت فِي إقبالٍ، فَمَا أسْرع الْمُلْتَقى﴾ وَقَالَ: قلب الأحمق فِي لِسَانه، ولسان الْعَاقِل فِي قلبه. وَقَالَ: عجبت من الْبَخِيل يستعجل الْفقر الذى مِنْهُ هرب، ويفوته الْغنى الَّذِي إِيَّاه طلب، فيعيش فِي الدُّنْيَا عَيْش الْفُقَرَاء، وَيُحَاسب فِي الْآخِرَة حِسَاب الْأَغْنِيَاء. وَقَالَ: يَا أسرى الرَّغْبَة، أقصروا؛ فَإِن المعرج على الدُّنْيَا لَا يروعه إِلَّا صريف أَنْيَاب الْحدثَان. وَقَالَ: الْمَرْأَة عقربٌ حلوة اللسبة. وَقَالَ: أهل الدُّنْيَا كركب يسَار بهم وهم نيامٌ. وَقَالَ: احْذَرُوا نفار النعم، فَمَا كل شاردٍ مردودٌ. وَقَالَ: كفى بالأجل حارساً.

стр. 203

وَقَالَ فِي بعض كَلَامه: لقد اتلعوا أَعْنَاقهم إِلَى أَمر لم يَكُونُوا من أَله، فوصوا دونه. وَقَالَ: أَكثر مصَارِع الْعُقُول تَحت بروق المطامع. وَمن كَلَامه: وَلَقَد ضربت أنف هَذَا الْأَمر وعينه، وقلبت ظَهره وبطنه، فَلم أر إِلَّا الْقِتَال أَو الْكفْر. وَقَالَ: الولايات مضامير الرِّجَال. وَقَالَ: اللجاجة تسل الرَّأْي.

стр. 204

الْبَاب الرَّابِع فِيهِ من كَلَام الْأَئِمَّة ﵈، وَكَلَام جمَاعَة من أَشْرَاف أهل الْبَيْت الْحسن بن عَليّ ﵇ روى أَن أَبَاهُ ﵇ قَالَ لَهُ: قُم واخطب لأسْمع كلامك، فَقَامَ فَقَالَ: " الْحَمد لله الَّذِي من تكلم سمع كَلَامه، وَمن سكت علم مَا فِي نَفسه، وَمن عَاشَ فَعَلَيهِ رزقه، وَمن مَاتَ فإليه معاده. أما بعد، فَإِن الْقُبُور محلتنا، وَالْقِيَامَة موعدنا، وَالله عَارَضنَا، إِن عليا بَاب من دخله كَانَ مُؤمنا، وَمن خرج مِنْهُ كَانَ كَافِرًا. فَقَامَ إِلَيْهِ عَليّ ﵁ فَالْتَزمهُ، وَقَالَ: بِأبي أَنْت وَأمي، " ذُرِّيَّة بَعْضهَا من بعضٍ وَالله سميعٌ عليمٌ ". وَمن كَلَامه ﵇: إِن هَذَا الْقُرْآن فِيهِ مصابيح النُّور، وشفاء الصُّدُور، فليجل جالٍ بَصَره، وليلجم النصفة قلبه؛ فَإِن التَّكْفِير حَيَاة قلب الْبَصِير، كَمَا يمشي المستنير فِي الظُّلُمَات بِالنورِ.

стр. 205

واعتل عَليّ ﵇ بِالْبَصْرَةِ، فَخرج الْحسن ﵇ يَوْم الْجُمُعَة، فصلى الْغَدَاة بِالنَّاسِ، وَحمد الله وَأثْنى عَلَيْهِ، وَصلى على نبيه ﷺ ، ثمَّ قَالَ: إِن الله لم يبْعَث نَبيا إِلَّا اخْتَارَهُ نفسا ورهطاً وبيتاً. وَالَّذِي بعث مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ بِالْحَقِّ لَا ينتقص أحدٌ من حَقنا إِلَّا نَقصه الله من عمله، وَلَا تكون علينا دولةٌ إِلَّا كَانَت لنا عَاقِبَة. " ولتعلمن نبأه بعد حِين ". وَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة بعد الصُّلْح: قُم فَاعْتَذر من الْفِتْنَة، فَقَامَ ﵇ وَقَالَ: إِن أَكيس الْكيس التقى، وأحمق الْحمق الْفُجُور، وَإِن هَذَا الْأَمر الَّذِي تناوعنا فِيهِ أَنا وَمُعَاوِيَة إِمَّا حق رجلٍ هُوَ أَحَق بِهِ مني، وَإِمَّا حَقي تركته لصلاح أمة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ. " وَإِن أدرى لَعَلَّه فتنةٌ لكم ومتسع إِلَى حِين ". وَلما خرج حوثرة الْأَسدي وَجه مُعَاوِيَة إِلَى الْحسن ﵇ يسْأَله أَن يكون المتولى لمحاربة الْخَوَارِج، فَقَالَ: وَالله لقد كَفَفْت عَنْك لحقن الدِّمَاء؛ وَمَا أَحسب ذَلِك يسعني. أفأقاتل عَنْك قوما أَنْت وَالله بقتالي أولى مِنْهُم. وَلما قدم مُعَاوِيَة الْمَدِينَة صعد الْمِنْبَر، ونال من عَليّ ﵇، فَقَامَ الْحسن فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: إِن الله لم يبْعَث نَبيا إِلَّا جعل لَهُ عدوا من الْمُجْرمين، فَأَنا ابْن عَليّ، وَأَنت ابْن صَخْر، وأمك هِنْد وَأمي فَاطِمَة، وَجَدْتُك قتيلة، وجدتي خَدِيجَة. فلعن الله ألأمنا حسباً وأخملنا ذكرا، وأعظمنا كفرا، وأشدنا نفَاقًا. فصاح أهل الْمَسْجِد: آمين، آمين، وَقطع مُعَاوِيَة خطبَته وَنزل وَدخل منزله. وَدخل إِلَى مُعَاوِيَة وَهُوَ مُضْطَجع، فَقعدَ عِنْد رجله، فَقَالَ مُعَاوِيَة: أَلا أطرفك؟ بَلغنِي أَن أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة تَقول: إِن مُعَاوِيَة لَا يصلح للخلافة. فَقَالَ الْحسن ﵁: وأعجب من ذَلِك قعودي عِنْد رجلك، فَقَامَ مُعَاوِيَة وَاعْتذر إِلَيْهِ.

стр. 206

وَقيل لَهُ ﵇: فِيك عَظمَة، قَالَ: لَا، بل فِي عزةٌ، قَالَ الله تَعَالَى: " وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ ". وَقَالَ لِأَبِيهِ عَلَيْهِمَا الرَّحْمَة: إِن للْعَرَب جَوْلَة. وَلَو قد رجعت إِلَيْهَا غوارب أحلامها، لقد ضربوا إِلَيْك أكباد الْإِبِل حَتَّى يستخرجوك وَلَو كنت فِي مثل وجار الضبع. وخطب مرّة فَقَالَ: مَا بَين جابلق وجابلص رجلٌ جده نَبِي غَيْرِي. وَقَامَ إِلَيْهِ رجل، فَقَالَ: سودت وُجُوه الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ: لَا تؤنبني رَحِمك الله؛ فَإِن رَسُول الله ﷺ قد رأى بني أُميَّة يصعدون على منبره رجلا رجلا. وروى عَن رجل من أهل الشَّام قَالَ: دخلت الْمَدِينَة، فَرَأَيْت رَاكِبًا على بغلة لم أر أحسن وَجها وَلَا سمتا وَلَا ثوبا وَلَا دَابَّة مِنْهُ، فَمَال قلبِي إِلَيْهِ، فَسَأَلت عَنهُ، فَقيل: هَذَا الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب. فَامْتَلَأَ قلبِي لَهُ بغضا، وحسدت عليا أَن يكون لَهُ ابنٌ مثله، فصرت إِلَيْهِ فَقلت: أَنْت ابْن أبي طَالب؟ فَقَالَ: أَنا ابْن ابْنه. قلت فبك وبأبيك. أسبهما. فَلَمَّا انْقَضى كَلَامي قَالَ: أحسبك غَرِيبا، قلت: أجل. قَالَ: فمل بِنَا، فَإِن احتجت إِلَى منزل أنزلناك، أَو إِلَى مالٍ آسيناك، أَو إِلَى حاجةٍ عاونك. قَالَ: فَانْصَرَفت عَنهُ وَمَا على الأأرض أحب إِلَيّ مِنْهُ. وَقَالَ مُعَاوِيَة: إِذا لم يكن الْهَاشِمِي جواداً لم يشبه قومه، وَإِذا لم يكن المَخْزُومِي تياهاً لم يشبه قومه، وَإِذا لم يكن الزبيرِي شجاعاً لم يشبه قومه، وَإِذا لم يكن الْأمَوِي حَلِيمًا لم يشبه قومه. فَبلغ ذَلِك الْحسن ﵇، فَقَالَ: مَا أحسن مَا نظر لِقَوْمِهِ! أَرَادَ أَن يجود بَنو هَاشم بِأَمْوَالِهِمْ فيفتقروا، وتزهى بَنو مَخْزُوم فتبغض وتشنأ، ويحارب بَنو الزبير فيتفانوا، وتحلم بَنو أُميَّة فتحب. وَقَالَ ﵇ لحبيب بن مسلمة: رب مسيرٍ لَك فِي غير طَاعَة الله. فَقَالَ: أما مسيري إِلَى أَبِيك فَلَا. قَالَ: بلَى. وَلَكِنَّك أَطَعْت مُعَاوِيَة على دنيا قَليلَة. ولعمري لَئِن قَامَ بك فِي دنياك لقد قعد بك فِي دينك. وَلَو أَنَّك إِذْ فعلت

стр. 207

شرا قلت خيرا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: " خلطوا عملا صَالحا وءاخر سَيِّئًا "؛ وَلَكِنَّك فعلت شرا وَقلت شرا فَأَنت كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: " كلا بل ران على قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ". قَالَ الشّعبِيّ: كَانَ مُعَاوِيَة كَالْجمَلِ الطِّبّ، قَالَ يَوْمًا وَالْحسن ﵇ عِنْده: أَنا ابْن بحرها جوداً، وَأَكْرمهَا جدودا، وأنضرها عودا. فَقَالَ الْحسن: أفعلي تَفْخَر؟ أَنا ابْن عروق الثرى، أَنا ابْن سيد أهل الدُّنْيَا، وَأَنا ابْن من رِضَاهُ رضَا الرَّحْمَن، وَسخطه سخط الرَّحْمَن. قل لَك يَا مُعَاوِيَة من قديم تباهى بِهِ، أَو أَب تفاخرني بِهِ؟ قل لَا أَو نعم، أَي ذَلِك شِئْت، فَإِن قلت لَا أثبت، وَإِن قلت نعم عرفت. قَالَ مُعَاوِيَة: فَإِنِّي أَقُول لَا تَصْدِيقًا لَك. فَقَالَ ﵇: الْحق أَبْلَج مَا يخيل سَبيله ... وَالْحق يعرفهُ ذَوُو الْأَلْبَاب وَأَتَاهُ رجل فَقَالَ: إِن فلَانا يَقع فِيك. قَالَ: ألقيتني فِي تَعب. أُرِيد الْآن أَن أسْتَغْفر الله لي وَله. وَجَاء ﵇ إِلَى أبي بكر وَهُوَ يخْطب فَقَالَ: انْزِلْ عَن مِنْبَر أبي. قَالَ أَبُو بكر: صدقت. إِنَّه لمنبر أَبِيك لَا مِنْبَر أبي، ثمَّ أَخذه فأجلسه فِي حجره وَبكى، فَقَالَ عَليّ ﵇: وَالله مَا كَانَ هَذَا عَن أَمْرِي. فَقَالَ أَبُو بكر ﵁: صدقت وَالله مَا اتهمتك. وَقَالَ الْحسن ﵇: من بَدَأَ بالْكلَام قبل السَّلَام فَلَا تجيبوه. وَسُئِلَ عَن الْبُخْل فَقَالَ: هُوَ أَن يرى الرجل مَا أنفقهُ تلفاً، وَمَا أمْسكهُ شرفاً. وَقَالَ: حسن السُّؤَال نصف الْعلم. وَقَالَ: التَّبَرُّع بِالْمَعْرُوفِ، والإعطاء قبل السُّؤَال من أكبر السؤدد.

стр. 208

الْحُسَيْن بن عَليّ ﵉ لما عزوم عَليّ الْخُرُوج إِلَى الْعرَاق قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: الْحَمد لله، وَمَا شَاءَ الله، وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وَصلى الله على رَسُوله وَسلم. خطّ الْمَوْت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة. وَمَا أولهني إِلَى أسلافي! اشتياقي كاشتياق يَعْقُوب إِلَى يُوسُف، وخيرٌ لي مصرعٌ أَنا لاقيه. كَأَنِّي بأوصالي تتقطعها عسلا الفلوات بَين النواويس وكربلاء، فيملالأن مني أكراشاً جوفاً وأجريةً سغباً. لَا محيص عَن يومٍ خطّ بالقلم، رضَا الله رضانا أهل الْبَيْت. نصبر على بلائه، ويوفينا أجور الصابرين، لن تشذ عَن رَسُول الله ﷺ لحْمَته؛ هِيَ مَجْمُوعَة لَهُ فِي حَظِيرَة الْقُدس، تقر بهم عينه، وينجز لَهُم وعده. من كَانَ باذلاً فِينَا مهجته، وموطناً على لقائنا نَفسه فليرحل، فَإِنِّي راحلٌ مصبحاً إِن شَاءَ الله. ةخطب ﵇ فَقَالَ: أَيهَا النَّاس. نافسوا فِي المكارم، وسارعوا فِي الْمَغَانِم، وَلَا تحتسبوا بمروف لم تعجلوه، واكتسبوا الْحَمد بالنجح، وَلَا تكتسبوا بالمطل مَا، فمهما يكن لأحدٍ عِنْد أحدٍ صنيعةٌ لَهُ رأى أَنه لَا يقوم بشكرا فَالله لَهُ بمكافأته، فَإِنَّهُ أجزل عَطاء، وَأعظم أجرا، وَاعْلَمُوا أَن حوائج النَّاس إِلِّكُمْ من نعم الله عَلَيْكُم، فَلَا تملوا النعم، فتحور نقما، وَاعْلَمُوا أَن الْمَعْرُوف يكْسب حمدا ويكسب أجرا، فَلَو رَأَيْتُمْ الْمَعْرُوف رجلا رَأَيْتُمُوهُ حسنا جميلاً يسر الناظرين، ويفوق الْعَالمين، وَلَو رَأَيْتُمْ اللؤم رجلا رَأَيْتُمُوهُ سمجاً مشوهاً تنفر مِنْهُ الْقُلُوب، وتغش دونه الْأَبْصَار. أَيهَا النَّاس. من جاد سَاد، وَمن بخل رذل. وَإِن أَجود النَّاس من

стр. 209

أعْطى من لَا يرجوه، وَإِن أعفى النَّاس من عَفا عَن قدرَة، وَإِن أفضل النَّاس من وصل من قطعه، وَالْأُصُول على مغارسها ففروعها تسمو. فَمن تعجل لِأَخِيهِ خيرا وجده إِذا قدم عَلَيْهِ غَدا، وَمن أَرَادَ الله ﵎ بالصنيعة إِلَى أَخِيه كافأه بهَا وَقت حَاجته، وَصرف عَنهُ من بلَاء الدُّنْيَا مَا هُوَ أَكثر مِنْهُ، وَمن نفس كربَة مؤمنٍ فرج الله عَن كرب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَمن أحسن أحسن الله إِلَيْهِ، وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ. وخطب فَقَالَ: إِن الْحلم زينةٌ، وَالْوَفَاء مروءةٌ، والصلة رَحْمَة، والاستكبار صلفٌ، والعجلة صفهٌ، والسفه ضعفٌ، والغلو ورطةٌ، ومجالسة الدناة شَرّ، ومجالسة أهل الْفسق ريبةٌ. وَلما قتل مُعَاوِيَة حجر بن عدي وَأَصْحَابه، لقى فِي ذَلِك الْعَام الْحُسَيْن ﵇ فَقَالَ: أَبَا عبد الله هَل بلغك مَا صنعت بحجرٍ وَأَصْحَابه من شيعَة أَبِيك؟ فَقَالَ: لَا. قَالَ: إِنَّا قتلناهم وكفناهم وصلينا عَلَيْهِم، فَضَحِك الْحُسَيْن ﵇، ثمَّ قَالَ: خصمك الْقَوْم يَوْم الْقِيَامَة يَا مُعَاوِيَة. أما وَالله لَو ولينا مثلهَا من شيعتك مَا كفناهم وَلَا صلينَا عَلَيْهِم. وَقد بَلغنِي وقوعك بِأبي حسن، وقيامك واعتراضك بني هَاشم بالعيوب، وَايْم الله لقد أوترت غير قوسك، ورميت غير غرضك، وتناولتها بالعداوة م مكانٍ قريبٍ، وَلَقَد أَطَعْت امْرَءًا مَا قدم إيمَانه، وَلَا حدث نفَاقه، وَمَا نظر لَك، فَانْظُر لنَفسك أودع. يُرِيد: عَمْرو بن العاس. قَالَ أنس: كنت عِنْد الْحُسَيْن ﵇ فَدخلت عَلَيْهِ جاريةٌ بِيَدِهَا طَاقَة ريحَان فحيته بهَا، فَقَالَ لَهَا: أَنْت حرةٌ لوجه الله تَعَالَى، فَقلت: تحييك بطاقة ريحَان لَا خطر لَهَا فتعتقها! قَالَ: كَذَا أدبنا الله ﷻ . قَالَ: " وَإِذا

стр. 210

حييتُمْ بتحيةٍ فَحَيوا بِأَحْسَن مِنْهَا أَو ردوهَا "؛ فَكَانَ أحسن مِنْهَا عُنُقهَا. وَقَالَ يَوْمًا لِأَخِيهِ الْحسن ﵉: يَا حسن. وددت أَن لسَانك لي، وَأَن قلبِي لَك. وَكتب إِلَيْهِ الْحسن ﵇ يلومه على إِعْطَاء الشُّعَرَاء، فَكتب إِلَيْهِ: أَنْت أعلم مني أَن خير المَال مَا وقى الْعرض. وَمن دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ لَا تستدرجني بِالْإِحْسَانِ، وَلَا تؤدبني بالبلاء. وَدعَاهُ عبد الله بن الزبير وَأَصْحَابه فَأَكَلُوا وَلم يَأْكُل الْحُسَيْن ﵇. فَقيل لَهُ: أَلا تَأْكُل؟ قَالَ: إِنِّي صَائِم، وَلَكِن تحفة الصَّائِم قيل: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: الدّهن والمجمر. وجنى غلامٌ لَهُ جِنَايَة توجب الْعقَاب عَلَيْهِ، فَأمر بِهِ أَن يضْرب، فَقَالَ: يَا مولَايَ " والكاظمين الغيظ " قَالَ: خلوا عَنهُ، قَالَ: يَا مولَايَ " وَالْعَافِينَ عَن النَّاس " قَالَ: قد عَفَوْت عَنْك. قَالَ: يَا مولَايَ " وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ " قَالَ: أَنْت حر لوجه الله، وَلَك ضعف مَا كنت أُعْطِيك. وَقَالَ الفرزدق: لَقِيَنِي الْحُسَيْن ﵇ فِي منصرفي من الْكُوفَة فَقَالَ: مَا وَرَاءَك يَا أَبَا فراس؟ قلت: أصدقك. قَالَ: الصدْق أُرِيد. قلت: أما الْقُلُوب فمعك، وَأما السيوف فَمَعَ بني أُميَّة عَلَيْك. والنصر من عِنْد الله. قَالَ: مَا أَرَاك إِلَّا صدقت. إِن النَّاس عبيد المَال، وَالدّين لغوٌ على ألسنتهم، يحوطونه مَا درت بِهِ مَعَايشهمْ، فَإِذا محصوا للابتلاء قل الديانون. وَقَالَ الْحُسَيْن ﵇: من أَتَانَا لم يعْدم خصْلَة من أربعٍ؛ آيَة محكمَة، وَقَضِيَّة عادلةً، وأخاً مستفاداً، ومجالسة الْعلمَاء.

стр. 211

وَكَانَ يرتجز يَوْم قتل السَّلَام وَيَقُول: الْمَوْت خير من ركُوب الْعَار ... والعار خير من ركُوب النَّار وَالله من هَذَا وَهَذَا جارى وَقَالَ ﵇: صَاحب الْحَاجة لم يكرم وَجهه عَن سؤالك، فَأكْرم وَجهه عَن ردّك إِيَّاه. وَكَانَ يَقُول: حوائج النَّاس إِلَيْكُم. فَلَا تملّوا النّعم فتحور نقماً. وَلما نزل بِهِ عَمْرو بن سعد لَعنه الله وأيقن أَنهم قَاتلُوهُ قَامَ فِي أَصْحَابه خطييباً، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: إنّه قد نزل من الْأَمر مَا ترَوْنَ، وَإِن الدُّنْيَا قد تَغَيَّرت وتنكّرت، وَأدبر معروفها واستمرّت، حتّى لم يبْق مِنْهَا إِلَّا صبابةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاء، وَإِلَّا خسيس عَيْش كالكلإ الوبيل. أَلا ترَوْنَ الْحق لَا يعْمل بِهِ، وَالْبَاطِل لَا يتناهى عَنهُ؟ ليرغب الْمُؤمن فِي لِقَاء الله. فإنى لَا أرى الْمَوْت إِلَّا سَعَادَة، والحياة مَعَ الظّالمين إِلَّا برماً. وَقَالَ ﵇: علّمنا عبد الله بن جَعْفَر السّخاء. وَقيل: كَانَ بَينه وَبَين أَخِيه الْحسن ﵉ كَلَام، فَقيل للحسين: ادخل على أَخِيك فَهُوَ أكبر مِنْك؛ فَقَالَ: إنى سَمِعت جدّى رَسُول الله ﷺ يَقُول: أَيّمَا اثْنَيْنِ جرى بَينهمَا كَلَام فَطلب أَحدهمَا رضَا الآخر كَانَ سابقه إِلَى الْجنَّة، وَأَنا أكره أَن أسبق أخى الْأَكْبَر؛ فَبلغ قَوْله الْحسن رضى الله عَنهُ؛ فَأَتَاهُ عَاجلا. على بن الْحُسَيْن زين العابدين رضى الله عَنهُ نظر إِلَى سَائل يبكى، فَقَالَ: لَو أنّ الدُّنْيَا فِي يَد هَذَا، ثمَّ سَقَطت مِنْهُ مَا كَانَ ينبغى أَن يبكى عَلَيْهَا.

стр. 212

وَسُئِلَ رضى الله عَنهُ: لم أوتم النبى ﷺ من أَبَوَيْهِ؟ قَالَ: لِئَلَّا يُوجب عَلَيْهِ حقّ لمخلوقٍ. وَقَالَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآن: يأيّها الَّذين آمنُوا، إِلَّا وَهِي فِي التَّوْرَاة: يأيّها الْمَسَاكِين. وَقَالَ لِابْنِهِ: يَا بنى. إياك ومعاداة الرِّجَال، فَإِنَّهُ لن يعدمك مكر حَلِيم، أَو مفاجأة لئيمٍ. وَكَانَ رضى الله عَنهُ إِذا تَوَضَّأ للصَّلَاة احمرّ واصفرّ وتلوّن ألواناً، فَإِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة رجفت أضلاعه؛ فَقيل لَهُ فِي ذَلِك؛ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ بَين يَدي من أَنا قَائِم؟ . وَسقط ابْن لَهُ فِي بِئْر، فَفَزعَ أهل الْمَدِينَة لذَلِك حَتَّى أَخْرجُوهُ - وَكَانَ قَائِما يصلّى، فَمَا زَالَ عَن محرابه - فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: مَا شَعرت، إنى كنت أناجى ربّا عَظِيما. وَكَانَ لَهُ ابْن عَم يَأْتِيهِ بِاللَّيْلِ متنكرا، فيناوله شَيْئا " من الدَّنَانِير، فَيَقُول: لَكِن عَليّ بن الْحُسَيْن مايصلني، لَا جزاه الله عني خيرا، فَيسمع ذَلِك فيحتمله، ويصبر عَلَيْهِ وليعررفه نَفسه، فَلَمَّا ماتى عَليّ رضيى الله عَنهُ فقدها، فحينئذِِ علما أَنه هُوَ كَانَ، فجَاء إِلَى قَبره وَبكى عَلَيْهِ. وَكَانَ يُقَال لَهُ ابْن الخيرتين، لقَوْل رَسُول الله ﷺ : " إِن لله من عباده خيرنين؛ فخيرته من الْعَرَب قُرَيْش وَمن الْعَجم فَارس "، وَكَانَت امهِ ابْنة كسْرَى. وبلغه عَلَيْهِ الرَّحْمَة - قَول نَافِع بن جُبَير فِي مُعَاوِيَة حَيْثُ قَالَ: كَانَ يسكته الْحلم، وينطقه الْعلم، فَقَالَ: كذب، بل كَانَ يسكته الْحصْر، وينطقه البطر.

стр. 213

وَقيل لَهُ: من أعظم النَّاس خطراًِِ؟ قَالَ: من لم ير الدُّنْيَا خطراً لنَفسِهِ. وتزوجة امة لَهُ اعتقها، فلامه عبد الْملك بن مَرْوَان على ذَلِك وَكتب اليه: اما بعد فانه قد بَلغنِي عنكا انكا اعتقتا امتك وتزوجتها وَقد كَانَ لَك فِي اكفائك من قُرَيْش ماتستكرم بِهِ فِي الصهر وتستنجد بِهِ فِي الْوَلَد، فَلم تنظر لنَفسك ولالولدك ونكحت فِي اللؤم. فَكتب اليه. اما بعد فني اعتقتها بِكِتَاب الله، وارتجعتها بِسنة رَسُول الله ﷺ وانه وَالله مافوق رَسُول الله مرتقى لأحد فِي مجد ان الله قد رفع بِالْإِسْلَامِ الخسيسة، وَأتم النقيصة وَأكْرم بِهِ من اللؤم فَلَا عَار على مُسلم. هَذَا رَسُول الله ﷺ قد تزوج امته وَامْرَأَة عَبده. فَقَالَ عبد الْملك: إِن على بن الْحُسَيْن يشرف من حَيْثُ يتضع النَّاس وروى لنا الصاحب - رَحْمَة الله - عَن أَبى محمدالجعفرى عَن أَبِيه عَن عَمه عَن جَعْفَر قَالَ: رجل لعلى بن الْحُسَيْن: مَا أَشد بغض قُرَيْش لأَبِيك! قَالَ لِأَنَّهُ اورد اولهم النَّار وألزم اخرهم الْعَار. قَالَ: ثمَّ جرى ذكر المعاصى فَقَالَ: أعجب لمن يحتمى من الطَّعَام لمضرته وليحتمى من الذَّنب لمعرته. وَقيل لَهُ: كَيفَ أَصبَحت؟ قَالَ: أَصْبَحْنَا خَائِفين برَسُول الله، وَأصْبح جَمِيع أهل الْإِسْلَام آمِنين بِهِ. قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: لما وَجه يزِيد بن مُعَاوِيَة عسكره لاستجابة أهل الْمَدِينَة ضم على بن الْحُسَيْن ﵁ أَرْبَعمِائَة منا فِيمَن يعلونه إِلَى أَن يعلوهن إِلَى أَن انقرض جَيش مُسلم بنة عقبَة، فَقَالَت امْرَأَة مِنْهُنَّ: مَا عِشْت وَالله بَين أبوى بِمثل ذَلِك التتريف. وَقد حكى عَنهُ مثل ذَلِك عِنْد إِخْرَاج ابْن الزبير ابْن أُميَّة من الْحجاز. كتب الْوَلِيد بن عبد الْملك إِلَى صَالح بن عبد الله المرى عَامله على الْمَدِينَة: أبرز الْحسن بن الْحسن بن عَليّ - وَكَانَ مَحْبُوسًا - فَاضْرِبْهُ فِي مَسْجِد

стр. 214

رَسُول الله ﷺ خَمْسمِائَة سَوط. فَأخْرجهُ إِلَى الْمَسْجِد، وَاجْتمعَ النَّاس وَصعد صالحٌ ليقْرَأ عَلَيْهِم الْكتاب ثمَّ ينزل فيأمر بضربه، فبنا هُوَ يقْرَأ الْكتاب إِذْ جَاءَ عَليّ بن الْحُسَيْن ﵁ فأفرج لَهُ النَّاس حَتَّى انْتهى إِلَى الْحسن، فَقَالَ: يَا بن عَم، مَالك؟ ادْع الله بِدُعَاء الكرب يفرج الله عَنْك، فَقَالَ: مَا هُوَ يَا بن عَم؟ قَالَ: قل لَا إِنَّه إِلَّا الله الْعلي الْعَظِيم، سُبْحَانَ رب السَّمَوَات السَّبع وَرب الْعَرْش الْعَظِيم، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين. قَالَ: وَانْصَرف عَليّ بن الْحُسَيْن، وَأَقْبل الْحسن يكررها، فَلَمَّا فرغ صالحٌ من قِرَاءَة الْكتاب وَنزل، قَالَ: أرى سجنه. رجلٌ مظلومٌ، أخروا أمره وَأَنا أراجع أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي أمره؛ فأخروه ثمَّ أطلق بعد أَيَّام. قَالَ عَليّ ﵁ وَقد قيل لَهُ: مَا بالك إِذا سَافَرت كتمت نسبك أهل الرّفْقَة؟ قَالَ: أكره أَن آخذ برَسُول الله ﷺ ملا أعْطى مثله. قَالَ رجل لرجل من آل الزبير كلَاما أقذع فِيهِ، فَأَعْرض الزبيرِي عَنهُ وَلم يجبهُ، ثمَّ دَار كلامٌ، فسب الزبيرِي على بن الْحسن ﵁ فَأَعْرض عَنهُ وَلم يجبهُ، فَقَالَ لَهُ الزبيرِي: مَا يمنعك من جوابي؟ قَالَ عَليّ: مَا يمنعك من جَوَاب الرجل. وَمَات لَهُ ابنٌ فَلم ير مِنْهُ جزعٌ، فَسئلَ عَن ذَلِك، فَقَالَ: أمرٌ كُنَّا نتوقعه، فَلَمَّا وَقع لم ننكره. قَالَ طَاوس: رَأَيْت رجلا يُصَلِّي فِي الْمَسْجِد الْحَرَام تَحت الْمِيزَاب وَيَدْعُو ويبكي فِي دعئه، فتبعته حِين فرغ من صلَاته، فَإِذا هُوَ على بن الْحُسَيْن ﵄، فَقلت لَهُ: يَا بن رَسُول الله، رَأَيْتُك على حَالَة كَذَا، وَلَك ثلاثةٌ أَرْجُو أَن تؤمنك من الْخَوْف أَحدهمَا: أَنَّك ابْن رَسُول الله ﷺ ، وَالثَّانيَِة شَفَاعَة جدك، وَالثَّالِثَة رَحْمَة الله. فَقَالَ: يَا طَاوس؛ أما أَنِّي ابْن رَسُول الله

стр. 215

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَلَا تؤمنني، وَقد سَمِعت الله يَقُول: " فَلَا أَنْسَاب بَينهم يومئذٍ " وَأما شَفَاعَة جدي فَلَا تؤمنني؛ لِأَن الله يَقُول: " وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى ". وَأما رَحْمَة الله، فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: إِنَّهَا " قريبٌ من الْمُحْسِنِينَ " وَلَا أعلم أَنِّي محسنٌ. وَسمع ﵁ رجلا كَانَ يَغْشَاهُ يذكر رجلا بسوءٍ، فَقَالَ: إياك والغيبة؛ فَإِنَّهَا إدام كلاب النَّاس. وَقَالَ: الْكَرِيم يبتهج بفضله، واللئيم يفتخر بِملكه. وَقَالَ: كل عينٍ ساهرة يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا ثَلَاثًا: عين سهرت فِي سَبِيل الله وَعين غضت عَن محارم الله، وعينٌ فاضت من خشيَة الله. مُحَمَّد بن عَليّ الباقر ﵁ قَالَ يَوْمًا لأحابه: أَيَدْخُلُ أحدكُم يَده فِي كم صَاحبه؛ فَيَأْخُذ حَاجته من الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فلستم إِذا بإخوانٍ. وَقَالَ لِابْنِهِ جَعْفَر ﵁: يَا بني، إِن الله خبأ ثَلَاثَة أَشْيَاء فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء: خبأ رِضَاهُ فِي طَاعَته، فَلَا تحقرن من الطَّاعَة شَيْئا، فَلَعَلَّ رِضَاهُ فِيهِ. وخبأ سخطه ف يمعصيته، فَلَا تحقرن من الْمعاصِي شَيْئا، فَلَعَلَّ سخطه فِيهِ. وخبأ أولياءه فِي خلقه، فَلَا تحقرن أحدا، فَلَعَلَّ ذَلِك الْوَلِيّ. وَاجْتمعَ عِنْده قومٌ من بَين هَاشم وَغَيرهم، فَقَالَ لَهُم: اتَّقوا البله، شيعَة آل محمدٍ، وَكُونُوا النمرقة الْوُسْطَى، يرجع إِلَيْكُم الغالي، وَيلْحق بكم التَّالِي! قَالُوا لَهُ: وَمَا الغالي؟ قَالَ: الَّذِي يَقُول فِينَا مَا لَا نقُوله فِي أَنْفُسنَا. قَالُوا: فَمَا التَّالِي؟ قَالَ: الَّذِي يطْلب الْخَيْر فتزيدونه خيرا، إِنَّه وَالله مَا بَيْننَا وَبَين الله قرَابَة، وَلَا لنا على الله من حجَّة، وَلَا نتقرب إِلَيْهِ إِلَّا بِالطَّاعَةِ؛ فَمن كَانَ مِنْكُم مُطيعًا لله يعْمل
следующие страницы →