← Адаб

Адаб · id 7853

نثر الدر في المحاضرات

الآبي

Полный текст (1 737 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فَلَا تُطِعْنِي وَلَا تؤذني، وَدعنِي أذهب إِلَى الضُّعَفَاء وَالْمَسَاكِين، فَإِنَّهُم أَتبَاع الْأَنْبِيَاء، وأترك الْمُلُوك والجبابرة فَإِنَّهُم حصب جَهَنَّم، فَضَحِك وخلاه. وتنبأ آخر فِي أَيَّام المتَوَكل فَأحْضرهُ وَقَالَ لَهُ: مَا صناعتك؟ قَالَ: أَنا روّاس. قَالَ المتَوَكل: صناعَة قذرة، فَقَامَ المتنبئ ينفض ثِيَابه ليمضي، فَقَالَ: إِلَى أَيْن؟ قَالَ: أذهب أَقُول لَهُم إِن الْقَوْم متقززون، يُرِيدُونَ نَبيا عطاراً. وتنبأ آخر فِي أَيَّام الْمَأْمُون فأحضر وَقَالَ لَهُ: مَا آيتك؟ وَمَا الدَّلِيل على نبوتك؟ قَالَ: الْقُرْآن؛ يَقُول الله : " إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح ". واسمي الْفَتْح. فَقَالَ الْمَأْمُون: فَهَذَا لَك خَاصَّة أَو لكل من اسْمه الْفَتْح؟ قَالَ: وَحين قَالَ الله فِي كِتَابه الْعَزِيز: " مُحَمَّد رَسُول الله " كَانَ لمُحَمد خَاصَّة أَو لكل من اسْمه مُحَمَّد؟ فَضَحِك واستتابه وخلاه. وتنبأ آخر فَقيل لَهُ: مَا معجزتك؟ قَالَ: وَمَا معْجزَة نَبِيكُم؟ قَالُوا: حلب الْحَائِل. قَالَ: فَأَنا أحلب العاقر. تنبأ آخر، وسمى نَفسه نوحًا، وَنَهَاهُ صديق لَهُ عَن ذَلِك، فَلم ينْتَه، فَأَخذه السُّلْطَان وصلبه، فَمر بِهِ صديقه الَّذِي كَانَ ينهاه، فَقَالَ لَهُ: يَا نوح؛ مَا حصلت من السَّفِينَة إِلَّا على الدقل. جَاءَ رجل إِلَى المتَوَكل، وَادّعى النُّبُوَّة، فَقَالَ لَهُ بعض من حضر: صف لنا جبيل، فوصفه وَلم يذكر جنَاحه، فَقَالَ لَهُ: وَيحك، لم تعلمنا خبر جنَاحه، ولسنا نشك فِي أَن لَهُ جنَاحا. فَقَالَ: أَظُنهُ أَتَانِي وَهُوَ فِي القرفصة. أُتِي الْمَأْمُون بآخر قد تنبأ، فَقَالَ لَهُ: مَا تَقول؟ قَالَ: قَالَ رَبِّي لَا تكلم الْمَأْمُون بِشَيْء، واذهب إِلَى الْهِنْد. فَضَحِك وخلاه.

стр. 457

الْبَاب التَّاسِع نَوَادِر المدينيين قَالَ رجل من أهل الشَّام لبَعض أهل الْمَدِينَة - وَهُوَ الغاضري -: كَيفَ يُبَاع النَّبِيذ عنْدكُمْ؟ قَالَ: مدّان وَثَمَانِية وَسَبْعُونَ سَوْطًا بدرهم ﴿﴾ . وَقيل لمديني: مَا أَعدَدْت لشدَّة الْبرد؟ قَالَ: شدَّة الرعدة. وَقَالَ آخر مِنْهُم لغلامه وَنزل بِهِ ضيف: افرش لضيفنا. فَقَالَ: مَا أفرش لَهُ، وسراويلك عَلَيْك، والجل على الْحمار؟ . وَقيل لآخر: كَيفَ أَنْت فِي دينك؟ قَالَ: أخرقه بِالْمَعَاصِي وأرقعه بالاستغفار. سرق آخر نافجة مسك، فَقيل لَهُ: إِن كل من غل يَأْتِي بِمَا غل يَوْم الْقِيَامَة يحمل على عُنُقه. فَقَالَ: إِذا وَالله أحملها طيبَة الرّيح خَفِيفَة الْمحمل. وَمر آخر بقاص وَهُوَ يَقُول: وإسرافيل ملتقم الصُّور ينْتَظر مَتى يُؤمر أَن ينْفخ فِيهِ. فَقَالَ الْمَدِينِيّ - وَضرب بِيَدِهِ على جَبهته -: إِنَّا لله، إِن عطس عطسة افتضحنا. وَقَالَ آخر: لَو قسم الْبلَاء بَين النَّاس لم يصبنا أَكثر مِمَّا أَصَابَنَا. قَالُوا: مَا الَّذِي أَصَابَك؟ . قَالَ: بعثنَا بشاتنا إِلَى التيّاس مَعَ الْجَارِيَة، فَجَاءَت الشَّاة حَائِلا وَالْجَارِيَة حَامِلا. وَصَحب مديني بعض وُلَاة الْمَدِينَة، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة قَالُوا: هَل ولاّك شَيْئا؟ قَالَ: نعم، ولاّني قَفاهُ.

стр. 458

قيل لآخر - وَقد ذمّ عيشه -: أَحْمد الله الَّذِي رفع السَّمَاء بِغَيْر عمد، فَإِنَّهُ قَادر على أَن يُوسع رزقك. قَالَ: وددت أَنه وسع عليّ وَجعل بَين كل ذراعين اسطوانة. وَسمع آخر سَائِلًا يَقُول: لَا ينقص مَال من صَدَقَة. قَالَ: بيني وَبَيْنك الْمِيزَان يَا كشخان. قيل لآخر: كَيفَ طابت أصوات أهل الْمَدِينَة؟ قَالَ: لخلاء أَجْوَافهم، كالعود لما خلا جَوْفه طَابَ صَوته. لَقِي مديني آخر فَقَالَ لَهُ: مَا فعل ابْنك فلَان؟ قَالَ: بِالْيمن. قَالَ: فابنك فلَان؟ قَالَ: بخراسان. قَالَ: لَا أَسأَلك عَن الثَّالِث فَإِنِّي أعلم أَنه فِي السَّحَاب. وَقَالَ مديني لآخر: زوجت أمك؟ قَالَ: نعم، حَلَالا طيبا. قَالَ: حَلَال نعم، فَأَما الطّيب فالزوج أعلم بِهِ. وَاشْترى آخر رطبا، فَأخْرج صَاحبه كيلجة صَغِيرَة ليكيل بهَا، فَقَالَ الْمَدِينِيّ: وَالله لَو كلت لي بهَا حَسَنَات مَا قبلتها. وَقيل لآخر: حِمَارك مهزول. فَقَالَ: يَده مَعَ يَدي. وَاشْترى آخر جَارِيَة فَسئلَ عَنْهَا، فَقَالَ: فِيهَا خلَّتَانِ من خلال الْجنَّة: برد وسعة. وَقَالَ مديني لِابْنِ أبي مَرْيَم: تعشقت فُلَانَة وَأُرِيد شراءها. قَالَ: يَا ابْن الفاعلة، فَبِأَي شَيْء تشتريها؟ قَالَ: أبيع قطيعة جدي وأشتريها. قَالَ: امْرَأَته طَالِق إِن كَانَ ملك جدك قطيعة إِلَّا قطيعة الرَّحِم. كَانَ مديني يجلس على بَاب مَسْجِد، فَيرى النَّاس إِذا اذن الْمُؤَذّن يدْخلُونَ أَرْسَالًا. فَقَالَ: وَالله لَو قَالَ هَذَا الْمُؤَذّن يَوْمًا: حيّ على الزَّكَاة، مَا جَاءَ مِنْكُم أحد.

стр. 459

وسرق آخر جرة فَأَخَذُوهَا مِنْهُ وَأَرَادُوا ضربه، وَقَالُوا: يَا عَدو الله تسرق جرتنا؟ فَقَالَ: مَا هَذِه جرتكم، هَذِه وَالله عندنَا مذ هِيَ كوز! فضحكوا مِنْهُ وتركوها لَهُ. قَالَ مديني لآخر: أَيَسُرُّك أَن هَذِه الدَّار لَك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: وَلَيْسَ إِلَّا نعم؟ قَالَ: وَكَيف أَقُول؟ قَالَ: تَقول نعم، وأحمّ سنة. قَالَ: نعم وَأَنا أَعور. وَقَالَ وَاحِد مِنْهُم لآخر: أَيَسُرُّك أَن تعيش حَتَّى تجئ حليمة من إفريقية مشياً إِلَيْك؟ قَالَ: وَأَنت يَسُرك ذَلِك؟ قَالَ: أَخَاف وَالله أَن يَقُول إِنْسَان هِيَ بمخيض فيغشى عليّ. ومخيض على بريد من الْمَدِينَة. وَقَالَ آخر لامْرَأَته: لَا جَزَاك الله خيرا فَإنَّك غير مرعية وَلَا مبقية. قَالَت: لأَنا وَالله أرعى وَأبقى من الَّتِي كَانَت قبلي. قَالَ: فَأَنت طَالِق إِن لم أكن آتيها بجرادة فتطبخ مِنْهَا أَرْبَعَة ألوان وتشوى جنبيها. فَرَفَعته إِلَى القَاضِي، فَجعل القَاضِي يطْلب لَهُ الْمخْرج، فَقَالَ للْقَاضِي: أصلحك الله، أشكلت عَلَيْك؟ هِيَ طَالِق عشْرين. شتم مديني أَبَا هُرَيْرَة، فَقيل لَهُ: أتشتم رجلا من أَصْحَاب النَّبِي ﵇؟ فَقَالَ: ظننته أنس بن مَالك. مطر أهل الْمَدِينَة سِتّ لَيَال مُتَوَالِيَات، حَتَّى كَاد أَهلهَا يغرقون، فَقَالَ بَعضهم: إِن مُطِرْنَا السَّابِعَة أصبح أهل السَّمَاء فِي مفازة لَا يَجدونَ حسوة مَاء. نزل على مديني أضياف فتسترت امْرَأَته مِنْهُم وتخفرت. فَقَالَ لَهَا زَوجهَا: لَوَدِدْت أَن فِي الدُّنْيَا عينا تشتهيك، وَأَنَّك أثقلت فِي كل يَوْم بتوأمين. نظر مديني إِلَى قوم يستسقون وَمَعَهُمْ الصّبيان، فَقَالَ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا: نرجو بهم الْإِجَابَة. قَالَ: لَو كَانَ دعاؤهم مجاباً لما بَقِي فِي الأَرْض معلم.

стр. 460

قيل لبَعْضهِم: مَا عنْدك من آلَة الْحَج؟ قَالَ: التَّلْبِيَة. وَقيل لآخر: يمكنك أَن تحج. قَالَ: لَيْت أمكنني الْمقَام ﴿. وقف آخر على قاص وَهُوَ يذكر ضغطة الْقَبْر، فَقَالَ: يَا قوم، كم فِي الصلب من الْفرج الْعَظِيم وَنحن لَا نَدْرِي﴾ فَقَالَ صَاحبه: فَإنَّا نستصلب الله. أَخذ الطَّائِف بَعضهم وَهُوَ سَكرَان، فَقَالَ: احْبِسُوا الْخَبيث. فَقَالَ: أصلحك الله؛ عليّ يَمِين بِالطَّلَاق أَلا أَبيت بَعيدا عَن منزلي، فَضَحِك وخلاه. اجتازت جَارِيَة مدينية بِرَجُل مِنْهُم يَبُول، فرأت مَعَه شَيْئا وافراً، فَقَالَت لَهُ: هَذَا مَعَك وَلَا تجْلِس فِي الصيارفة؟ فَقَالَ: أخزاك الله، وَهل أقامني من الصيارفة غَيره؟ . وصف مديني امْرَأَة بالقبح، فَقَالَ: كَأَن وَجههَا وَجه إِنْسَان قد رأى شَيْئا يتعجب مِنْهُ. قيل لمديني: مَا طَعَامك؟ قَالَ: الْخلّ وَالزَّيْت. قيل: أفتصبر عَلَيْهِمَا؟ قَالَ: ليتهما يصبران عليّ. خَاصَمت مدينية زَوجهَا، وَكَانَ فِي خلق لَا يواريه، فَقَالَت لَهُ: غير الله مَا بك من نعْمَة. قَالَ: اسْتَجَابَ الله دعاءك، لعَلي أصبح فِي ثَوْبَيْنِ جديدين. وَمَرَّتْ امْرَأَة جملية بمديني، فَقَالَت لَهُ: يَا شيخ؛ أَيْن درب الْحَلَاوَة؟ قَالَ: بَين رجليك يَا ستي. وصف مديني مغنية بِحسن الْغناء، فَقَالَ: وَالله لَو سَمعتهَا مَا أدْركْت ذكاتك. عرض آخر جَارِيَة على البيع، فَقيل لَهُ: هِيَ دقيقة السَّاقَيْن، فَقَالَ: تُرِيدُونَ تبنون على رَأسهَا غرفَة؟ كَانَ أَبُو خُزَيْمَة الْمَدِينِيّ يَقُول: اللَّهُمَّ ارزقني، فَإِن كنت لَا ترزقني لكرامتي عَلَيْك، فقد رزقت من هُوَ خير مني، سُلَيْمَان بن دَاوُد، وَإِن كنت لَا ترزقني لهواني عَلَيْك، فقد رزقت من هُوَ شَرّ مني، فِرْعَوْن ذَا الْأَوْتَاد.

стр. 461

وشكا مرّة نكبات الدَّهْر، فَقَالَ لَهُ رجل: هون عَلَيْك فَإِن الله يدّخر لَك ثَوَابهَا للآخرة. فَقَالَ لَهُ أَبُو خُزَيْمَة: الْآخِرَة خير أم الدُّنْيَا؟ قَالَ: بل الْآخِرَة. قَالَ: فَإِنَّهُ لَيْسَ يعطيني من ابغضهما إِلَيْهِ، أيعطيني من أكرمهما عَلَيْهِ؟ قَالَت امْرَأَة الغاضري - وَقد قطع لَهَا قَمِيصًا -: مَا أحسن هَذَا الْقَمِيص! قَالَ: الطَّلَاق أحسن مِنْهُ. قَالَ رجل لناجية الْمَدِينِيّ لما مَاتَ أَبوهُ: آجرك الله. فَقَالَ: رَزَقَنِي الله مكافأتك. قَالَ أَبُو العيناء: قلت لمديني شكا إليّ سوء الْحَال: اُبْشُرْ فَإِن الله قد رزقك الْإِسْلَام والعافية. قَالَ: أجل، وَلَكِن بَينهمَا جوع يقلقل الكبد. وقف سَائل بِبَاب مديني، وَقَالَ: أطعمونا من فضل غشائكم. فَقَالَ: وَالله مَا لعشائنا أصل حَتَّى يكون لَهُ فضل. ساوم مديني بدجاجة، فَقَالَ صَاحبهَا: لَا أنقص من عشرَة دَرَاهِم. فَقَالَ: وَالله لَو كَانَت فِي حسن يُوسُف، وَفِي عظم كَبْش إِبْرَاهِيم، وَكَانَت تبيض فِي كل يَوْم وليّ عهد للْمُسلمين، مَا ساوت أَكثر من دِرْهَمَيْنِ. قيل لمديني: كَيفَ رَأَيْت الْبَصْرَة؟ قَالَ: خير بلَاء الله للجائع والمفلس والعزب، أما الجائع فيأكل من خبز الْأرز والمالح بفلس حَتَّى يشْبع. وَأما العزب فَيَتَزَوَّج بِمن شَاءَ بدانقين وَأما الْمُفلس فيخرى وَيبِيع، فَهَل رَأَيْتُمْ بَلْدَة مثلهَا؟ . قيل لمديني: مَا عنْدك من آلَة العصيدة؟ قَالَ: المَاء. انْقَطع مديني إِلَى رجل من الْأَشْرَاف، فغنى لَهُ مغن يَوْمًا صَوتا حَزينًا، فمزق ثِيَابه وَقَالَ للمديني: مزق قَمِيصك أَيْضا. قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي غَيره. قَالَ: أَنا أكسوك غَدا قَمِيصًا. قَالَ: وَأَنا أَيْضا أمزقه غَدا. قيل لبَعْضهِم: مَا عنْدك من آلَة القريس قَالَ: الْبرد.

стр. 462

قيل لخوات الْمَدِينِيّ: كَيفَ تَقول: تعشيت أَو تعشأت؟ قَالَ: إِذا أكلت اللَّحْم فَقل تعشأت، وَإِذا لم تَأْكُل اللَّحْم، فَقل: تعشيت. قَالَ بَعضهم: مَرَرْت بآخر وَهُوَ يشكو الْفقر، فَقلت لَهُ: أبشر، فَإِنَّهُ يَأْتِيك الْفرج. قَالَ: أخْشَى أَن يجيئني الْفرج فَلَا يجدني. قَالَ مديني لآخر: حاصرت الله فِي سلم من زبد كلما صعدت ذِرَاعا نزلت باعا، حَتَّى أبلغ بَنَات نعش فآخذها كوكباً كوكباً. لَو أَن لمولاك مائَة بيدر من إبر خوارزمية، ثمَّ جَاءَهُ يُوسُف النَّبِي ﵇ وَقد قدّ قَمِيصه من دبر، وَمَعَ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل يشفعان لَهُ مَا أعطَاهُ مِنْهَا إبرة يخيط بهَا قَمِيصه. قيل لشيخ مِنْهُم: كم مِقْدَار شربك للنبيذ؟ قَالَ: مِقْدَار مَا أقوى بِهِ على ترك الصَّلَاة. سرق لآخر دَرَاهِم، فَقيل لَهُ: لَا تغتمّ فَإِنَّهَا فِي ميزانك. فَقَالَ: مَعَ الْمِيزَان سرقت. وَقَالَ آخر لصَاحب منزله: أصلح خشب هَذَا الْبَيْت فَإِنَّهُ يتفرقع. فَقَالَ: لَا تخف، فَإِنَّهُ يسبح، فَقَالَ: إِنِّي أَخَاف أَن تُدْرِكهُ الرقة فَيسْجد. كَانَت بِالْمَدِينَةِ امْرَأَة لَا تَلد إِلَّا الْبَنَات، فَقَالَ لَهَا زَوجهَا وَقد بشر بابنة: يَا فُلَانَة، إِنِّي لأَظُن لَو احْتَلَمت بِالشَّام وَأَنت بِالْمَدِينَةِ لحملت ببنت. خرج أَبُو جواليق الْمَدِينِيّ يَشْتَرِي حمارا، فَلَقِيَهُ صديق لَهُ، فَقَالَ: أَيْن تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيد السُّوق أَشْتَرِي حمارا. قَالَ: قل إِن شَاءَ الله. قَالَ: لَيْسَ هَذَا مَوضِع " إِن شَاءَ الله " الدَّرَاهِم فِي كمى وَالْحمار فِي السُّوق؛ فَبينا هُوَ يطْلب الْحمار إِذْ طرّت دَرَاهِمه فَرجع حَزينًا، فَلَقِيَهُ صَاحبه، فَقَالَ: مَا صنعت؟ قَالَ: سرقت دراهمي إِن شَاءَ الله. وَأَرَادَ الْمهْدي أَن يتنزه بِالْمَدَائِنِ، فَخرج أَشْرَاف أهل الْمَدَائِن، فأوقدوا النيرَان والشموع، فَقَالَ أَبُو جواليق: قد أذن الله فِي خراب الْمَدَائِن. قَالُوا:

стр. 463

لم؟ قَالَ: أوقدتم النيرَان. الْآن تنفر حراقات الْمهْدي مِنْهَا فيأمر بخراب الْمَدَائِن. دخل بَعضهم على الْمَأْمُون، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، الْمَوْت بِالْمَدِينَةِ فَاش إِلَّا أَنه سليم. جَاءَ رجل إِلَى مديني فَقَالَ: هَل تدلني على من يَشْتَرِي حماري، وَكَانَ أجرب أجرد، فَقَالَ: وَالله مَا أعرف من يَشْتَرِي هَذَا إِلَّا أَن يجِئ من يطْلب من الْحمير نسمَة لِلْعِتْقِ. غنت قينة ومديني حَاضر، فَقَالَ: يَا سيدتي أَجدت، وَمَا يحضرني مَا أُعْطِيك، وَلَكِن قد وهبت لَك كل حَسَنَة لي، وحملت عَنْك كل سَيِّئَة لَك. فَقَامَ آخر فَقَالَ: يَا سيدتي، مَا أَعْطَاك شَيْئا، وَذَلِكَ أَنه مَالك سَيِّئَة يحملهَا عَنْك، وَلَا لَهُ حَسَنَة فيعطيكها. سُئِلَ أحدهم عَن جَارِيَة اشْتَرَاهَا، فَقَالَ: مفازة مَكَّة عِنْدهَا ثقب عفصة. وبلح كركان عِنْدهَا بينون الدَّاخِل. قَالَت امْرَأَة مدينية لزَوجهَا: احفظ صُحْبَة ثَلَاثِينَ سنة. قَالَ: مَا دهاك عِنْدِي غير ذَلِك. كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَاحِد يَقُود قد أفسد أحداثها، فَاجْتمع الْمَشَايِخ وَشَكوا ذَلِك إِلَى وَالِي الْمَدِينَة، فنفاه إِلَى قبَاء، فبعدت الْمسَافَة، فَكَانُوا يركبون حمير المكاريين ويصيرون إِلَى عِنْده، وَكثر ذَلِك حَتَّى كَانَ الْوَاحِد يركب حمارا، فيسير حَتَّى يقف على بَابه؛ فَاجْتمع النَّاس إِلَى واليهم وَقَالُوا: قد أفسد أحداثنا وأتلف أَمْوَالنَا، حَتَّى إِن الْحمر قد عرفت بَاب دَاره، فتقف عِنْده. فَأمر الْوَالِي بإحضاره وَأمر بتجريده، وَقَالَ: لَيْسَ أُرِيد شَاهدا عَلَيْك سوى أَن الْحمير تعرف بَاب دَارك. قَالَ: فَبكى، فَقيل لَهُ: مِم تبْكي؟ قَالَ: من شماتة أهل الْعرَاق بِنَا، يَقُولُونَ: إِن أهل الْمَدِينَة يقبلُونَ شَهَادَة الْحمير، فَضَحِك الْوَالِي وَمن حَضَره، وخلوه. اجْتمع فِي بَيت مديني رجل مَعَ صديقَة لَهُ، فأحصى الْمَدِينِيّ عَلَيْهِمَا ثَمَانِيَة، فَلَمَّا أَصْبحُوا قَالَت وَهِي تعاتبه: لست عَنْك راضية، وَسمع الْمَدِينِيّ قَوْلهَا

стр. 464

فَقَالَ: يَا هَذِه لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أقل حَيَاء مِنْك، تعاتبينه بعد ثَمَانِيَة؟ امْرَأَته طَالِق أَنه لَو أَنا. . أمه ثَمَانِيَة، لَكَانَ قضى حق الله فِيهَا. التقى قنديل الْجَصَّاص، وَأَبُو الْحَدِيد المدينيان، فَقَالَ قنديل: من أَيْن وَإِلَى أَيْن؟ فَقَالَ: مَرَرْت برقطاء رَائِحَة تترنم برمل ابْن سُرَيج فِي شعر ابْن عمَارَة. سقى مأزمي فج إِلَى بِئْر خَالِد فزففت خلفهَا زفيف النعام، فَمَا انجلت غشاوتي إِلَّا وَأَنا بالمشاش حسيراً، فأودعتها قلبِي وخلفته لَدَيْهَا، واقبلت أهوي هويّ الرَّحْمَة بِغَيْر قلب. فَقَالَ لَهُ قنديل: مَا رفع من الْمزْدَلِفَة أسعد مِنْك، سَمِعت شعر ابْن عمَارَة فِي لحن ابْن سُرَيج من رقطاء الحبطية، لقد أُوتيت جُزْءا من النُّبُوَّة. وَكَانَت رقطاء هَذِه أضْرب النَّاس، فَدخل رجل من أهل الْمَدِينَة منزلهَا فغنته صَوتا، فَقَالَ لَهُ بعض من حضرها: هَل رَأَيْت وترا قطّ أفْصح من وترها؟ فطرب الْمَدِينِيّ وَقَالَ: عَلَيْهِ الْعَهْد إِن لم يكن وترها قد عمل من معي بشكست النحوى، فَكيف لَا يكون فصيحاً؟ . وَكَانَ بشكست هَذَا نحوياً فصيحاً، يُقَال لَهُ: عبد الْعَزِيز، أَخذ أهل الْمَدِينَة النَّحْو عَنهُ. نظر وَاحِد مِنْهُم وَهُوَ المريمي إِلَى مصلوب بِبَاب الرقة فَقَالَ: " هَذَا مَا وعدنا الله وَرَسُوله ". وَقيل لَهُ يَوْمًا: كَيفَ مَاتَ أَبوك؟ فَقَالَ: سرا. يَعْنِي فَجْأَة. وَرَأى جَنَازَة بَعضهم فَقَالَ: الْآن خلا بِعَمَلِهِ ومساءلة هاروت وماروت. وَقيل لَهُ يَوْمًا: تقدم فصلّ بِنَا. فَقَالَ: أَنا والدتي، يُرِيد: أَنا أميّ. وَقَالَ بَعضهم لمديني: قد حضرني وَجه سنّ، امْضِ إِلَى صديقنا فلَان حَتَّى يجِئ فَيرى. قَالَ: فَمن ينظر عني حَتَّى أرجع؟ .

стр. 465

وَاشْترى مديني عَرصَة، وأحضر من يبنيها، فذرعها وَقَالَ: ابْن هَاهُنَا صفّة وَهَاهُنَا حترياً، وَهَاهُنَا خزانَة. ثمَّ ضرط، وَقَالَ بالعجلة: وَهَاهُنَا كنيفاً فقد اخْتَارَهُ الثِّقَة الْعَالم بِهِ؛ فَضَحِك هُوَ وَمن حَضَره فَزَالَ خجله. قَالَ بعض الْأَطِبَّاء، حضرت عِنْد عليل، وَوصف لي سَبَب علته، وَكَانَت الْعلَّة حمّى حادة، فَدخل رجل من أهل الْمَدِينَة والمحموم يَقُول لي: أكلت أفراخاً وَعَسَلًا، وشربت عَلَيْهِ أقداحاً ونمت فِي الشَّمْس. فَقَالَ الْمَدِينِيّ: امْرَأَته طَالِق لَو كَانَت الْحمى من حَملَة الْعَرْش لتركت حمله وأتتك. قيل لمديني: كَيفَ حالك؟ فَقَالَ: وَكَيف يكون حَال من ذهب مَاله، وَبقيت عَادَته؟ ! بعث مديني غُلَامه إِلَى جَارِيَته لتحمل إِلَيْهِ الْكيس، فَالْتمست مِنْهُ عَلامَة، فَقَالَ الْمَدِينِيّ: فل لَهَا الْعَلامَة أَنِّي خريت البارحة فِي الْفراش. فَقَالَت: ارْجع إِلَيْهِ وَقل لَهُ: أَي عَلامَة هَذِه؟ وَأَنت تخرى كل لَيْلَة فِي الْفراش، إِنَّمَا أردْت عَلامَة غير مَشْهُورَة. فَرد الْغُلَام وَقَالَ: قل لَهَا إِنَّك طبخت البارحة سكباجة وَلم أرْضهَا، وحردت وَقمت فخريت فِي الغضارة، فَقَالَت الْمَرْأَة، إِي وَالله، وعَلى كل رغيف على الْمَائِدَة وأعطته الْكيس. خطب خطيب بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ فِي خطبَته: " وَقَالَ الشَّيْطَان لما قضي الْأَمر إِن الله وَعدكُم وعد الْحق ووعدتكم فأخلفتكم وَمَا كَانَ لي عَلَيْكُم من سُلْطَان إِلَّا أَن دعوتكم فاستجبتم لي فَلَا تلوموني ولوموا أَنفسكُم مَا أَنا بمصرخكم وَمَا أَنْتُم بمصرخيّ ". فَقَالَ بعض المدينيين: مَا أحسن كَلَام ابْن الزَّانِيَة. قيل لمديني: مَا عمل بك الشيب؟ قَالَ: مَا عملت بِهِ أعظم، مَا وقرته وَلَا تركت لَهُ محرّماً.

стр. 466

قيل لمديني: بِمَ تتسحر؟ قَالَ: باليأس من فطور الْقَابِلَة. تزوج رجل امْرَأَة بِالْمَدِينَةِ ذكرُوا لَهُ أَنَّهَا شَابة طرية - وَكَانَت عجوزاً -، فَلَمَّا دخل بهَا وَرَآهَا نزع نَعْلَيْه، وهم يظنون أَنه يضْربهَا فقلدها إيَّاهُمَا وَقَالَ: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك. فَقَالُوا لَهُ: اسْكُتْ، اسْكُتْ. فَقَالَ: لَا تصلح هَذِه إِلَّا أَن تكون بَدَنَة، فافتدوا مِنْهُ. قيل لمديني: كَيفَ ترى الدُّنْيَا؟ قَالَ: قحبة، يَوْمًا فِي دَار عطار، وَيَوْما فِي دَار بيطار. تمنى آخر فِي منزله فَقَالَ: لَيْت أَنا لَحْمًا فنطبخ سكباجاً. فَمَا لبث أَن جَاءَ جَار لَهُ بصحفة، وَقَالَ: اغرفوا لنا فِيهَا قَلِيل مرق. فَقَالَ: جيراننا يشمون رَائِحَة الْأَمَانِي. دخل الغاضري على الْحسن بن عَليّ ﵇، فَقَالَ: إِنِّي عصيت رَسُول الله ﷺ . قَالَ: بئس مَا عملت! كَيفَ؟ فَقَالَ: إِن النَّبِي ﷺ قَالَ: لَا يصلح قوم ملكت عَلَيْهِم امْرَأَة، وَقد ملكت عليّ امْرَأَتي، أَمرتنِي أَن أَشْتَرِي عبدا فاشتريته فأبق. فَقَالَ ﵁: اختر إِحْدَى ثَلَاث، إِن شِئْت فثمن عبد، فَقَالَ: قف هُنَا وَلَا تتجاوز، قد اخْتَرْت ذَلِك، فَأعْطَاهُ. قيل لمديني: أَيَسُرُّك أَن يكون أ. . ك كَبِيرا؟ قَالَ: لَا. قيل: وَلم ذَلِك؟ قَالَ: يثقلني ويلتذّ غَيْرِي. وَقع وَاحِد مِنْهُم فوثئت رجله، فَجعل النَّاس يدْخلُونَ عَلَيْهِ فيسألونه: كَيفَ وَقع؟ ، فَأَكْثرُوا، فضجر وَكتب قصَّته، فَكَانَ إِذا دخل عَلَيْهِ عَائِد وَسَأَلَهُ دفع إِلَيْهِ الْقِصَّة. كَانَ سعيد بن مُسلم إِذا اسْتقْبل السّنة الَّتِي يسْتَأْنف فِيهَا عدد سنة أعتق نسمَة، وَتصدق بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم، فَقيل لمديني: إِن سعيد بن مُسلم يَشْتَرِي نَفسه من ربه بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم. فَقَالَ الْمَدِينِيّ: لَا يَبِيعهُ.

стр. 467

قيل لمديني: إِن عُثْمَان بن عَفَّان إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يحكم بَين الْقَاتِل والخاذل. قَالَ: فَبكى الْمَدِينِيّ، فَقيل لَهُ: مَا يبكيك؟ قَالَ: أَخَاف وَالله أَن يعْفُو. مر مديني على آخر، وَمَعَهُ عنز وَحمل، فَقَالَ لَهُ: هَذَا الْحمل هُوَ ابْن هَذِه العنزة. قَالَ الْمَدِينِيّ: لَا، وَلكنه يَتِيم فِي حجرها. اشْترى مديني برذوناً من رجل، فَقَالَ لَهُ: بِاللَّه هَل فِيهِ عيب؟ قَالَ: لَا وَالله، إِلَّا مشش كَأَنَّهُ سفرجلة، وَقَلِيل عرن كَأَنَّهُ قثاءة، وَقَلِيل دبر كَأَنَّهُ بطيخة. قَالَ: يَا ابْن الفاعلة؛ بعتني برذوناً أَو بعتني دَار الْبِطِّيخ. التقى مدينيان، فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه: علمت أَن امْرَأَتي حَامِل. قَالَ: مِمَّن؟ قَالَ: مني. قَالَ: سررتني وَالله. عوتب مديني على كَثْرَة الْحلف بِالطَّلَاق، فَقَالَ: لي امْرَأَة لَا تصلح إِلَّا للحنث. كَانَ بعض المدينيين قد أنزلهُ بعض الْأَشْرَاف غرفَة على مطبخ لَهُ، فَأَخذه بَطْنه، فسلح فِي الغرفة، ووكف على قدور المطبخ فأفسدها، وَكَانَ الْمَدِينِيّ يتعشى عِنْده، فَقَالَ لَهُ: جعلت فدَاك أَيْن عشاؤك؟ فقد أَبْطَأَ علينا. قَالَ: أفْسدهُ علينا غداؤك. رأى الدَّارمِيّ الْمَدِينِيّ الأوقص - قَاضِي مَكَّة - فِي الْمَسْجِد يَدْعُو وَيَقُول: يَا رب أعتق رقبتي من النَّار. فَقَالَ الدَّارمِيّ: لَا وَالله مَا جعل الله لَك من عنق وَلَا رَقَبَة فَكيف يعتقها؟ فَقَالَ: وَيلك. من أَنْت؟ قَالَ: أَنا الدَّارمِيّ قتلتني وحبستني، وَكَانَ أَتَاهُ فِي حَاجَة فأخرها، فَقَالَ: لَا تقل ذَاك وأتني أقض حَاجَتك.

стр. 468

الْبَاب الْعَاشِر: نَوَادِر الطفيليين والأكلة قَالَ بنان الطفيلي: الجوذاب صاروج الْمعدة. اشرب عَلَيْهِ مَا شِئْت. وَقيل لَهُ: كم كَانَ عدد أَصْحَاب النَّبِي ﷺ يَوْم بدر؟ قَالَ: ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر رغيفاً. وَقَالَ: عصعص عنز خير من قدر باقلي. وَقَالَ آخر: من احتمى فَهُوَ على يَقِين من مَكْرُوه الْجُوع، وَفِي شكّ من الْعَافِيَة. وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ شَيْء أضرّ على الضَّيْف من أَن يكون صَاحب الْبَيْت شبعان. قيل لآخر: مَا معنى قَول الله تَعَالَى: " واسأل الْقرْيَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا "؟ قَالَ: أَرَادَ أهل الْقرْيَة، كَمَا تَقول: أكلنَا سفرة فلَان؛ أَي مَا فِي سفرة فلَان. قَالَ الْأَصْمَعِي: كَانَ فِي الْبَصْرَة أَعْرَابِي من بني تَمِيم يطفل على النَّاس، فعاتبته على ذَلِك، فَقَالَ: وَالله مَا بنيت الْمنَازل إِلَّا لتدخل، وَلَا وضع الطَّعَام إِلَّا ليؤكل، وَمَا قدمت هَدِيَّة فأتوقع رَسُولا، وَمَا أكره أَن أكون ثقلاً ثقيلاً على من أرَاهُ شحيحاً بَخِيلًا، أتعمم عَلَيْهِ مستأنساً، وأضحك إِن رَأَيْته عَابِسا، فَآكل

стр. 469

برغمه، وأدعه بغمه، وَمَا اخترق اللهوات طَعَام أطيب من طَعَام لم تنْفق فِيهِ درهما، وَلم تعنّ إِلَيْهِ خَادِمًا. قَالَ بَعضهم: من جلس على مائدة، وَأكْثر كَلَامه غش بَطْنه. أولم طفيلي على ابْنَته، فَأَتَاهُ كل طفيلي، فَلَمَّا رَآهُمْ عرفهم، فَرَحَّبَ بهم ثمَّ أدخلهم، فرقاهم إِلَى غرفَة بسلم، وَأخذ السّلم حَتَّى فرغ من إطْعَام النَّاس، فَلَمَّا لم يبْق أحد أنزلهم وأخرجهم. طفّل رجل على بعض النَّاس، وَوَقع بَينه وَبَين رجل فِي الْمجْلس كَلَام، فَقَالَ الطفيلي للرجل: وَالله لَئِن قُمْت إِلَيْك لأدخلنك من حَيْثُ خرجت، فَقَالَ صَاحب الْمنزل: لكني وَالله أخرجك من حَيْثُ دخلت. قيل لبَعْضهِم: لم تَأْكُل بِخمْس أَصَابِع؟ قَالَ: ولي أَكثر مِنْهَا؟ ! . نظر طفيلي على مائدة إِلَى ملبّقة بَيْضَاء وملبّقة صفراء، فَجعل يَأْكُل الْبَيْضَاء، فصفعه شيخ طفيلي كَانَ مَعَه على الْمَائِدَة وَقَالَ: لَا أم لَك، إِذا كنت فِي صناعَة فتحذّق فِيهَا. أما عرفت أَن الْفرق بَينهمَا الزَّعْفَرَان؟ . وَحكي عَن بَعضهم أَنه قَالَ: أحفظ من الْقُرْآن آيَة وَاحِدَة، وَمن الحَدِيث خَبرا وَاحِدًا، وَمن الشّعْر بَيْتا وَاحِدًا. أما الْآيَة فَقَوله تَعَالَى: " آتنا غداءنا " وَأما الحَدِيث فَمَا رَوَاهُ الثِّقَات: " إِن التَّمَكُّن على الْمَائِدَة خير من زِيَادَة لونين ". وَأما الشّعْر فَقَوله: نزوركم لَا نكافئكم بجفوتكم ... إِن الْمُحب إِذا لم يستزر زارا قيل لطفيلي: كم بَين منزل فلَان وَفُلَان؟ قَالَ: قدر مَا يُصَلِّي الرجل رغيفين. أَدخل طفيلي على سَالم بن عقال، فَجعل يشرب مَعَه، وَكَانَ شرابه مطبوخاً يحْتَاج إِلَى مزاج كثير، وَكَانَ الطفيلي يسْقِي ويقل المزاج، فثقل ذَلِك

стр. 470

على سَالم. ونبين الطفيلي ذَلِك فَأَرَادَ أَن يتَقرَّب إِلَيْهِ فَأَنْشَأَ يَقُول: يديرونني عَن سَالم وأديرهم ... وجلدة مَا بَين الْعين وَالْأنف سَالم فَقَالَ سَالم: لَو أخذت " الما " من هَذَا الْبَيْت، وَجَعَلته فِي أقداحنا لصلح شعرك ونبيذنا. قيل لشيخ: مَا أحسن أكلك! قَالَ: عَمَلي مُنْذُ سِتِّينَ سنة. سَأَلَ عبد الْملك أَبَا الزعيزعة: هَل أتخمت قطّ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: كَيفَ؟ قَالَ: لأَنا إِذا طبخنا أنضجنا، وَإِذا مضغنا دققنا، وَلَا نكظ الْمعدة وَلَا نخليها. قعد أَعْرَابِي على مائدة الْمُغيرَة، وَكَانَ الرجل منهوماً فَجعل ينهش ويتعرق، فَقَالَ الْمُغيرَة: يَا غُلَام نَاوَلَهُ سكيناً. قَالَ الرجل: كل امْرِئ سكينه فِي رَأسه. أكل هِلَال بن أَسعر جملا، وَامْرَأَته أكلت فصيلاً، فَلَمَّا ضاجعها لم يصل إِلَيْهَا، فَقَالَت: كَيفَ تصل إليّ وبيننا بعيران. وَذكر أَن الواثق اشْتهى يَوْمًا بزماورداً، فَأمر باتخاذه والاستكثار مِنْهُ وَأَن يفرش فِي صحن وَاسع على أنطاع، فَلَمَّا فرغ مِنْهُ وَقعد لأكله أكل مساحة قفيزين. كَانَ سعيد بن أسعد إِمَام الْمَسْجِد الْجَامِع بِالْبَصْرَةِ طفيلياً، فَإِذا كَانَت وَلِيمَة سبق إِلَيْهَا، فَرُبمَا بسط مَعَهم الْبسط وخدم، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: إِنِّي أبادر برد المَاء، وصفر الْقُدُور، ونشاط الخباز، وخلاء الْمَكَان، وغفلة الذُّبَاب. دَعَا بَعضهم وَاحِدًا فأقعده إِلَى نصف النَّهَار، وَهُوَ يتَوَقَّع الْمَائِدَة ويتلظى جوعا، فَأخذ صَاحب الْمنزل الْعود وَقَالَ: بحياتي أَي صَوت تشْتَهي؟ قَالَ: صَوت المقلى. كَانَ نقش بنان الطفيلي: مَا لكم لَا تَأْكُلُونَ؟

стр. 471

وَكَانَ يَقُول لأَصْحَابه: إِذا دَخَلْتُم فَلَا تلتفتوا يَمِينا وَلَا شمالاً، وانظروا فِي وُجُوه أهل الْمَرْأَة، وَأهل الرجل حَتَّى يقدر هَؤُلَاءِ أَنكُمْ من هَؤُلَاءِ، وكلموا البواب بِرِفْق، فَإِن الرِّفْق يمن، والخرق شُؤْم، وَعَلَيْكُم مَعَ البواب بِكَلَام بَين كلامين: الإدلال، والنصيحة. سمع بَعضهم رجلا يَقُول: رُوِيَ فِي الْأَخْبَار أَن الدَّجَّال يخرج فِي سنة قحط مَعَ جرادق أصفهانية، وملح ذرآني وأنجذانيّ سرخسيّ، فَقَالَ الطفيلي: عافاك الله، وَالله إِن رجلا يجِئ بِهَذَا يسْتَحق أَن يسمع لَهُ ويطاع. صحب طفيلي جمَاعَة فِي سفر، ففرضوا على أَن يخرج كل وَاحِد مِنْهُم شَيْئا للنَّفَقَة، فَقَالَ كل وَاحِد مِنْهُم: عليّ كَذَا. فَلَمَّا بلغُوا إِلَى الطفيلي قَالَ: أَنا عليّ. . وَسكت. قَالُوا لَهُ: لم سكت؟ وإيش عَلَيْك؟ فَقَالَ: لعنة الله. فضحكوا وأعفوه من النَّفَقَة. قيل لطفيلي: لم قطعت فلَانا صديقك؟ قَالَ: لِأَنَّهُ يسبقني إِلَى بَيْضَة البقيلة، وَقفا السَّمَكَة، وخاصرة الجدي. نظر بَعضهم إِلَى قوم ذَاهِبين فِي وَجه، فَعلم أَنهم يذهبون إِلَى وَلِيمَة، فَقَامَ وتبعهم فَإِذا هم شعراء قد قصدُوا بَاب السُّلْطَان بمدائح لَهُم، فَلَمَّا أنْشد كل وَاحِد مِنْهُم شعره وَأخذ جائزته، وَلم يبْق إِلَّا الطفيلي، وَهُوَ جَالس لَا ينْطق، قيل لَهُ: أنْشد، فَقَالَ: لست بشاعر. قَالُوا: فَمن أَنْت؟ قَالَ: أَنا من الغاوين الَّذين قَالَ الله جلّ ذكره فيهم: " وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ " فَضَحِك الْخَلِيفَة وَأمر لَهُ بِمثل جَائِزَة الشُّعَرَاء. قَالَ بَعضهم: أفضل الْبِقَاع وَخَيرهَا ثَلَاثَة. قيل: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: دكان الرواس، ودرجة الخباز، ومطبخ الْجواد. وَأفضل الْخشب وخيره ثَلَاثَة: سفينة نوح، وعصا مُوسَى، ومائدة يُؤْكَل عَلَيْهَا.

стр. 472

مر طفيلي إِلَى بَاب عرس، فَمنع من الدُّخُول، فَذهب إِلَى أَصْحَاب الزّجاج وَرهن رهنا، وَأخذ عشرَة أقداح، وَجَاء وَقَالَ للبواب: افْتَحْ حَتَّى أَدخل هَذِه الأقداح الَّتِي طلبوها. فَفتح لَهُ، وَدخل وَأكل وَشرب مَعَ الْقَوْم، ثمَّ حمل الأقداح، وردهَا إِلَى صَاحبهَا، وَقَالَ: لم يرضوها، وَأخذ رَهنه. وَدخل آخر إِلَى قوم فَقَالُوا: مَا دعوناك، فَمَا الَّذِي جَاءَ بك؟ قَالَ: إِذا لم تَدعُونِي وَلم أجئ وَقعت وحشى، فضحكوا مِنْهُ وقربوه. جَاءَ آخر إِلَى قوم ودق الْبَاب عَلَيْهِم، فَقَالُوا: من أَنْت؟ قَالَ: أَنا الَّذِي رفعت مئونة الْإِرْسَال عَنْكُم. قَالَ بَعضهم: كنت مَعَ بنان فِي دَعْوَة، ومعنا على الْمَائِدَة جمَاعَة من الْكتاب وَغَيرهم، وَكَانَ بَين يَدي رجل مِنْهُم دجَاجَة سمنة، فَضرب بنان بِيَدِهِ إِلَيْهَا فَتَنَاولهَا من بَين يَدَيْهِ، فَقلت لَهُ: يَا بنان لم تفعل كَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّه - أصلحك الله - مشَاع غير مقسوم. قيل لبَعْضهِم، وَقد أسرف فِي أكل شَيْء: إِن هَذَا يَسْتَحِيل فِي الْمعدة مرّة صفراء. فَقَالَ: لَو ظَهرت لي الْمرة الصَّفْرَاء لأكلتها. قدم إِلَى بَعضهم، وَهُوَ يَأْكُل مَعَ جمَاعَة، بقيلة، فَمد يَده إِلَى الْبَيْضَة، فَقَالَ: يُقَال إِنَّه لَا يأكلها إِلَّا شَره، وَلَا يَتْرُكهَا إِلَّا عَاجز، وَلِأَن أكون شَرها أحب إِلَيّ من أَن أكون عَاجِزا. قيل لبَعْضهِم، وَقد أكل رُءُوسًا وَأكْثر مِنْهَا: أما تخَاف التُّخمَة؟ قَالَ: لَا. إِن لي بَطنا مَا دخله شَيْء إِلَّا جعل الله حَده الْأَسْفَل. قَالَ بَعضهم: أَتَانِي رجل عشياً، فَطلب تَمرا، وَأمرت بإحضار شَيْء كثير مِنْهُ جدا. فابتدأ يَأْكُل ونمت، فَلَمَّا أَصبَحت وَخرجت فَإِذا هُوَ يَأْكُل، فَقلت: باكرت التَّمْر. قَالَ: لم أنم بعد - فديتك أَنا آكل مُنْذُ رَأَيْتنِي. وَكَانَ بَعضهم يباكر الْأكل، فَقيل لَهُ: اصبر حَتَّى تطلع الشَّمْس، فَقَالَ: أَنا لَا أنْتَظر بغدائي من يقدم من أقْصَى خُرَاسَان.

стр. 473

قيل لبَعْضهِم: أَي الطَّعَام آثر فِي نَفسك؟ قَالَ: مَا لم أنْفق عَلَيْهِ. قيل لبَعْضهِم: كل من قدامك. فَقَالَ: أَتَرَى من خَلْفي هُوَ ذَا آكل؟ سمع ابْن المغنى مغنياً يُغني: أشارت بمدراها، وَقَالَت لتربها ... أَهَذا المغيري الَّذِي كَانَ يذكر؟ فَقَالَ: سذابة فِي رَأس جدي قد عمل سلافة أحسن من مدراها. كَانَ بَعضهم إِذا دعِي فَقدم الخوان كَانَ أول من يتَقَدَّم، ثمَّ يَقُول: " وعجلت إِلَيْك رب لترضى ". قيل لبَعْضهِم: التَّمْر يسبح فِي الْبَطن. فَقَالَ: إِن كَانَ التَّمْر يسبح فاللوز ينج يُصَلِّي فِي الْبَطن تراويح. قيل لآخر: كَيفَ أكلك؟ قَالَ: كَمَا لَا يُحِبهُ الْبَخِيل. سمع آخر خشخشة الْخلال فَأمْسك، فَقيل لَهُ: كل. قَالَ: حَتَّى يسكن هَذَا الإرجاف. قيل لوَاحِد: لم أَنْت حَائِل اللَّوْن؟ . فَقَالَ: للفترة بَين القصعتين، مَخَافَة أَن يكون الطَّعَام قد فني. قَالَ بَعضهم: كنت أَمر فِي بعض أَزِقَّة بَغْدَاد إِذْ صِيحَ: الطَّرِيق الطَّرِيق فالتفتّ فَإِذا بِإِنْسَان مَحْمُول على محفة، فَقلت: مَا أَصَابَهُ؟ قيل: أكل الهريسة فأعجزته عَن الْمَشْي وَالْحَرَكَة، وَنحن نحمله إِلَى منزله. دخل الْعَبْدي على قوم يَأْكُلُون، فَقَالُوا لَهُ: هَلُمَّ. فَقَالَ: قد أكلت، ثمَّ جلس يعظم اللُّقْمَة ويبادر بالمضغ، فَقيل لَهُ: أَلَسْت قد أكلت؟ . فَقَالَ: الْكَذِب يمرئ، وَنعم الشَّيْء الحموضة للخمار.

стр. 474

زَعَمُوا أَن الطفيليين يَقُولُونَ: إِن الصليّة تبشّر بِمَا بعْدهَا من كَثْرَة الطَّعَام، كَمَا أَن البقيلة تخبر بفنائه، فهم يحْمَدُونَ تِلْكَ ويسمونها المبشرة، ويذمون هَذِه ويسمونها الناعية، حَتَّى صَار المخنثون إِذا شتموا إنْسَانا قَالُوا: يَا وَجه البقيلة. قَالَ البعفوري: اشتهي أَن آكل من الْعِنَب الرازقيّ حَتَّى ينشق بَطْني. فَقيل لَهُ: أَو تشبع؟ قَالَ: هَذَا مَا لَا يكون. أضَاف الْأَعْمَش أَعْرَابِيًا وجاءه برطب وَجعل ينتقي أطايبه، فَقَالَ الْأَعرَابِي: لَا تنتق مِنْهُ شَيْئا، فلست أترك مِنْهُ وَاحِدَة. قَالَ أَبُو العيناء: كَانَ بالريّ مَجُوسِيّ مُوسر فَأسلم، وَحضر شهر رَمَضَان فَلم يطق الصَّوْم، فَنزل إِلَى سرداب لَهُ وَقعد يَأْكُل، فَسمع حسا من السرداب، فَاطلع فِيهِ وَقَالَ: من هَذَا؟ فَقَالَ الشَّيْخ: أَبوك الشقيّ يَأْكُل خبز نَفسه ويفزع من النَّاس. قَالَ كشاجم: أخْبرت عَن قاضيين ظريفين كَانَا متجاورين، أَن أَحدهمَا وَجه إِلَى الآخر فِي غَدَاة بَارِدَة يَدعُوهُ إِلَى الهريسة، وَيَقُول: إِنَّهَا قد أحكمت من اللَّيْل، فَرد الرَّسُول، وَقَالَ: قل لَهُ قد عققتني، وَلم ترد برّي، لِأَن حكم الهريسة أَن يدعى إِلَيْهَا من اللَّيْل فَرجع الرَّسُول فَقَالَ: ارْجع فَقل لَهُ: ذهب عَنْك الصَّوَاب لَيْسَ كل الهرائس تسلم وتجئ طيبَة، فَلم أدعك إِلَّا بعد أَن تبينت طيبها وصلاحها، فَنَهَضَ إِلَيْهِ. قَالُوا: أطول اللَّيَالِي لَيْلَة الْعَقْرَب، وَلَيْلَة الْمزْدَلِفَة، وَلَيْلَة الهريسة. قَالُوا: قَالَ أظرف النَّاس، الباقلاء بقشوره أطيب من طب الجياع، وَلَيْسَ فِي الرزق حِيلَة. وَهَذَا من حجج الطفيليين. قدم إِلَى عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن الشعث دجَاجَة مسمنة مشوية، فَقَالَ: يَا غُلَام: أنّى لَك هَذَا؟ إعجاباً بسمنها، فَقَالَ: بعث بهَا الْحَرِيش بن هِلَال القريعيّ وَهُوَ مَعَه على الْمَائِدَة، فَقَالَ: يَا غُلَام، أخرج إليّ كتابا من ثنى الْفراش، فَإِذا هُوَ كتاب الْحجَّاج إِلَيْهِ يَأْمر أَن يقتل الْحَرِيش، وَيبْعَث بِرَأْسِهِ إِلَيْهِ؛ فَلَمَّا رَآهُ الْحَرِيش قطع بِهِ وَتغَير لَونه، فَقَالَ ابْن الْأَشْعَث: أقبل على طَعَامك.

стр. 475

أترانا نَأْكُل دجاجتك ونبعث برأسك إِلَيْهِ؟ وَالله لَا يُوصل إِلَيْك حَتَّى يُوصل إليّ. فَقَالَ الْحَرِيش: وابنفسي دجَاجَة لم تخني ... وضعت لي نَفسِي مَكَان الأنوق فرّجت كربَة الْمنية عني ... بعد مَا كدت أَن أغص بريقي فِي أَبْيَات يمدح بهَا الْأَشْعَث. قَالَ عُثْمَان الدَّقِيق - وَكَانَ صوفياً -: رَأَيْت أَبَا الْعَبَّاس بن مَسْرُوق وَهُوَ أحد شُيُوخ الصُّوفِيَّة فِي يَوْم مطير على الجسر مشدود الْوسط، فَقلت لَهُ: يَا عمّ إِلَى أَيْن فِي هَذَا الْيَوْم المطير؟ فَقَالَ: إِلَيْك عني؛ فقد بَلغنِي أَن بالمأمونية رجلا يَقُول: لَيْسَ الباذنجان طيبا، أُرِيد أَن أمضي إِلَيْهِ وَأَقُول لَهُ: كذبت وأرجع. قَالَ أَعْرَابِي: رَأْي ورلاً يحارب حَيَّة، فغلبته وأكلته، وَهُوَ يحاربها بِذَنبِهِ، ثمَّ جَاءَ قنفذ، فَاجْتمع بعد أَن أَخذ ذنبها بِفِيهِ، ثمَّ جعل يأكلها حَتَّى أفناها، فَأخذت الْقُنْفُذ وشويته وأكلته، فَكنت قد أكلت الْقُنْفُذ والورل والحية. كَانَ أَحْمد بن أبي خَالِد وَزِير الْمَأْمُون شَرها، فَيُقَال: إِنَّه حِين انْصَرف دِينَار بن عبد الله من الْجَبَل والمأمون وَاجِد عَلَيْهِ، فَأَقَامَ بِالْمَدَائِنِ حَتَّى رحني عَنهُ وَوجه إِلَيْهِ أَحْمد بن أبي خَالِد، وَقَالَ: قل لَهُ فعلت كَذَا، وَأخذت كَذَا، فَمضى أَحْمد وَمَعَهُ يَاسر رجله، أرْسلهُ مَعَه الْمَأْمُون، وَقَالَ لَهُ: إِن تغذى عِنْده عمل مَا يُرِيد، وَإِن لم يتغد بلغ مَا أُرِيد، فَلَمَّا علم دِينَار بمجيئه، قَالَ لَو كَيْله: قل لَهُ حِين يخرج من الحراقة: قد فَرغْنَا من الطَّعَام فَهَل تخْتَار شَيْئا؟ فَقَالَ لَهُ ذَلِك، فَقَالَ لَهُ: نعم، فراريج كسكرية بِمَاء الرُّمَّان فَفعل ذَلِك وخبز لَهُ خبز المَاء، ثمَّ أعلمهُ بفراغه، فَقَالَ: هَات طَعَامك فَإِنِّي أجوع من كلب، فَأتى بِهِ فَأكل عشْرين فروجاً، وَوضع يَده فِي كل شَيْء، ثمَّ جئ بِخمْس سمكات بعد أَن شبع، فَأكل مِنْهَا أكل من لم يذقْ شَيْئا قبلهَا وَكَانَ أدّى رِسَالَة الْمَأْمُون قبل أكله، فَقَالَ دِينَار: مَا لكم عِنْدِي إِلَّا سَبْعَة آلَاف ألف دِرْهَم، مَا أعرف غَيرهَا، فَلَمَّا تغدى قَالَ لدينار: احْمِلْ مَا ضمنت لي. فَقَالَ: قد أَعدَدْت السِّتَّة آلَاف دِرْهَم. قَالَ لَهُ يَاسر رجله: إِنَّهَا سَبْعَة آلَاف ألف، وَكَذَا قلت: وَسمع أَبُو الْعَبَّاس ذَلِك وسمعناه، فَقَالَ أَحْمد: مَا أحفظ مَا كَانَ، وَلَكِن قل الْآن نسْمع.

стр. 476

قَالَ دِينَار: مَا قلت إِلَّا سِتَّة آلَاف ألف. فَانْصَرف أَحْمد، سوبقه يَاسر فَأخْبر الْمَأْمُون الْخَبَر، فَلَمَّا دخل أَحْمد إِلَيْهِ أخبرهُ بِأَنَّهُ أقرّ بِخَمْسَة آلَاف ألف، فَقَالَ لَهُ يَاسر: إِنَّهَا سَبْعَة آلَاف ألف، وَكَذَا قَالَ دِينَار، فَضَحِك الْمَأْمُون، وَقَالَ: ألف ألف للغداء، فَمَا قصَّة هَذِه؟ وَأخذ من دِينَار سِتَّة آلَاف ألف، وَقَالَ: مَا قَامَ غداء على أحد أغْلى مِمَّا قَامَ على غذَاء أَحْمد بِأَلف ألف دِرْهَم. وَكَانَ قد عرف الْمَأْمُون شرهه، فَكَانَ إِذا وَجهه فِي حَاجَة أمره بِأَن يتغدى ويمضي، وَيَقُول لَهُ: اطمئن بِالْمَكَانِ الَّذِي تذْهب إِلَيْهِ واسترح واكتب إِلَى بِمَا تفعل. وَرفع إِلَى الْمَأْمُون فِي الْمَظَالِم: إِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن بجرى على ابْن أبي خَالِد نزلا فَإِن فِيهِ كلبية؛ لِأَن الْكَلْب يحرس الْمنزل بالكسرة، وَابْن أبي خَالِد يقتل الْمَظْلُوم ويعين الظَّالِم بأكلة، فَأجرى عَلَيْهِ الْمَأْمُون فِي كل يَوْم ألف دِرْهَم لمائدته، وَكَانَ مَعَ ذَلِك يشره إِلَى طَعَام النَّاس. قَالُوا: إِن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان دَعَا بِالطَّعَامِ يَوْمًا، وَقد أصلح لَهُ عجل مشوي، فَأكل مَعَه دستاً من الْخبز السميذ وَأَرْبع فراني وجديا حاراً، وجدياً بَارِدًا سوى الألوان، وَوضع بَين يَدَيْهِ مائَة رَطْل من الباقلي الرطب فَأتى عَلَيْهِ. وَذكروا أَن أَبَا القماقم بن بَحر السقاء عشق مدينية، فَبعث إِلَيْهَا أَن إخْوَانًا لي زاروني، فابعثي إليّ برءوس، حَتَّى نتغدى ونصطبح على ذكرك. فَفعلت، فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّانِي بعث إِلَيْهَا: إِنَّا لم نفترق فابعثي إليّ سنبوسكا حَتَّى نصطبح الْيَوْم على ذكرك، فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّالِث بعث إِلَيْهَا: إِن أَصْحَابِي مقيمون فابعثي إِلَى بقلية جزورية شهية، حَتَّى نأكلها ونصطبح على ذكرك، فَقَالَت لرَسُوله: إِنِّي رَأَيْت الْحبّ يحل فِي الْقلب، وَيفِيض على الأحشاء والكبد، وَإِن حب صَاحِبي هَذَا لَيْسَ يُجَاوز الْمعدة.

стр. 477

خرج طفيلي من منزل قوم مشجوجاً، فَقيل لَهُ: من شجك؟ قَالَ: ضرسي. قَالَ الْمَدَائِنِي فِي كتاب الْأكلَة: كَانَ مُعَاوِيَة يَأْكُل أَربع أكلات آخِرهنَّ أعضلهن واشدهن، يتعشى فيأكل ثريدة عَظِيمَة عَلَيْهَا بصل كثير، وَكَانَ فَاحش الْأكل يلطخ منديلين أَو ثَلَاثَة قبل أَن يفرغ، وَكَانَ يَأْكُل حَتَّى يتسطح، ثمَّ يَقُول: يَا غُلَام ارْفَعْ، فوَاللَّه ماشبعت، وَلَكِن مللت. قَالَ: وَكَانَ عبيد الله بن زِيَاد يَأْكُل فِي الْيَوْم خمس أكلات آخِرهم جبنة بِعَسَل، وَيُوضَع بَين يَدَيْهِ بعد مَا يفرغ من الطَّعَام عنَاق أَو جدى فَيَأْتِي عَلَيْهِ وَحده. قَالَ: وَقَالَ الْحسن: وَقدم علينا عبيد الله بن زِيَاد، فَقدم شَابًّا مترافاً سفاكاً للدماء لَهُ فِي كل يَوْم خمس أكلات، فَإِن فَاتَتْهُ أَكلَة ظلّ لَهَا صَرِيعًا وجلا، يتكئ على شِمَاله وَيَأْكُل بِيَمِينِهِ، حَتَّى إِذا أَخَذته الكظة قَالَ: أبغوني حاطوما. ثكلتك أمك إِنَّمَا تحطم دينك. وَقَالَ: أكل عَمْرو بن معد يكرب عَنْزًا ربَاعِية، وفرقاً من ذرة، وَالْفرق ثَلَاثَة أصوع. وَقَالَ لامْرَأَته أم ثَوْر: عالجي لنا هَذَا الْكَبْش حَتَّى أرجع. قَالَ: فَجعلت توقد، وَتَأْخُذ عضوا عضوا فتأكله، فاطلعت، فَإِذا لَيْسَ فِي الْقدر إِلَّا المرق، فَقَامَتْ إِلَى كَبْش آخر فبطحته، ثمَّ أقبل عَمْرو فثردت لَهُ فِي الْجَفْنَة الَّتِي يعجن فِيهَا، ثمَّ كفأت الْقدر، فَقَالَ: يَا أم ثَوْر أدنى للغداء. قَالَت: قد أكلت، فَأكل واضطجع ودعاها إِلَى الْفراش، فَقَالَت: يَا أَبَا ثَوْر بيني وَبَيْنك - وَالله - كبشان.

стр. 478

حج سُلَيْمَان بن عبد الْملك، فَقَالَ لقيمّه على طَعَامه: أَطْعمنِي من خرفان الْمَدِينَة بِخبْز مَاء. وَدخل الْحمام فَأطَال الْمكْث فِيهِ. قَالَ: قيّمه، فَخرج وَقد شويت لَهُ أَرْبَعَة وَثَمَانِينَ خروفاً، فَجَلَسَ وَقَالَ لي: مَا صنعت؟ قلت: قد فرغت. قَالَ: هَات. فَجعلت أجيئه بِوَاحِد وَاحِد، فَيتَنَاوَل رغيفاً وشحم كُلية فَأكل أَرْبَعَة وَثَمَانِينَ خروفاً، كل خروف قد أَخذ نصف بَطْنه، ثمَّ قَالَ لي: ادْع عمر بن عبد الْعَزِيز، فدعوته لَهُ، ثمَّ أذن للنَّاس، ودعا بالغداء فَأكل مَعَهم كَمَا أكلُوا كَأَنَّهُ لم يطعم شَيْئا قبل ذَلِك. وَحكى عَن رجل قَالَ: دخلت مطبخ سُلَيْمَان، فَوجدت مطبخ سُلَيْمَان، فَوجدت فِيهِ اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ فخارة فِيهَا نواهض، قَالُوا يأكلها أَمِير الْمُؤمنِينَ كلهَا. وَخرج يَوْمًا من منزله يُرِيد منزل يزِيد بن الْمُهلب، فَتَلقاهُ فَدخل منزله فَقَالَ لَهُ: أَتُرِيدُ الْغَدَاء يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: نعم. فَأكل أَرْبَعِينَ دجَاجَة كردناك سوى مَا أكل من الطَّعَام. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت هِلَال بن الأسعر الْمَازِني أكل ثَلَاث جفان ثريد، واستسقى، فَجَاءُوا بقربة مَمْلُوءَة نبيذاً فوضعوا فمها فِي شدقة، وَصبُّوا الْقرْبَة حَتَّى أفرغوها فَشربهَا. وهلال هَذَا هُوَ الَّذِي أكل بَعِيرًا وأكلت امْرَأَته وَبَيْنك بعيران؟ وَكَانَ بِلَال بن أبي بردة أكولاً، يحْكى عَن قصاب أَنه: قَالَ جَاءَنِي رَسُول بِلَال سحرًا فَأَتَيْته وَبَين يَدَيْهِ كانون عَلَيْهِ جمر، وَفِي دَاره تَيْس ضخم، فَقَالَ: دُونك هَذَا التيس فاذبحه، فذبحته وسلخته، فَقَالَ: أخرج هَذَا الكانون إِلَى الرواق، فَأَخْرَجته، فَقَالَ: دُونك اللَّحْم فكببه. ودعا بخوان، فَجعلت أشرح اللَّحْم وألقيه على الْجَمْر، فَإِذا اسْتَوَى قَدمته إِلَيْهِ فيأكل، حَتَّى لم يبْق من التيس إِلَّا الْعِظَام، ثمَّ دَعَا بنبيذ فَشرب خَمْسَة أقداح، وَقد بقيت قِطْعَة من اللَّحْم على الْجَمْر، فَقَالَ: كلهَا فَأَكَلتهَا، وَقَالَ: اسقوه. فناولوني قدحاً من النَّبِيذ فَشَربته. وَجَاءَت جَارِيَة ببرمة عَلَيْهَا قَصْعَة فِيهَا ناهضان، ودجاجتان وأرغفة، فَأكل ذَلِك كُله، ثمَّ جَاءَت جَارِيَة أُخْرَى مَعهَا قَصْعَة مغطاة لَا أَدْرِي

стр. 479

مَا فِيهَا، فَضَحِك إِلَى الْجَارِيَة وَقَالَ: وَيحك. لَيْسَ فِي بَطْني مَوضِع لهَذَا الَّذِي جئتني بِهِ، وَلَكِن ضعي الْقَصعَة على رَأْسِي، فَضَحكت الْجَارِيَة وَرجعت، فَقَالَ لي: الْحق بأهلك. فَرَجَعت وَقد طلع الْفجْر، وَأَنا أجد دبيباً فِي رَأْسِي من الْقدح الَّذِي شربته. قَالَ سلم بن قُتَيْبَة: كنت فِي دَار الْحجَّاج مَعَ وَلَده وَأَنا غُلَام، فَقَالُوا: قد جَاءَ الْأَمِير، فَدخل الْحجَّاج فَأمر بتنور فنصب، وَقعد فِي الدَّار، وَأمر رجلا يخبز خبز المَاء، ودعا بسمك، فَجعلُوا يأتونه بالسمك، فيأكله حَتَّى أكل ثَمَانِينَ جَاما من سمك بِثَمَانِينَ رغيفاً من خبز المَاء. قَالَ رجل من قحيف: كتب إليّ عبد الله الْأَحْمَر يدعوني إِلَى طَعَام، فَقلت لعنبسة - وَكَانَ أكولاً -: هَل لَك يازنجة؟ - وَكَانَ يلقب بذلك - فِي أَخِيك عبد الله نأتيه؟ قَالَ: نعم. فمضينا، فَلَمَّا رَآهُ عبد الله رحب بِهِ وَقَالَ للخباز: انْظُر هَذَا فضع بَين يَدَيْهِ مثل مَا تضع بَين يَدي أهل الْمَائِدَة كلهم، فَجعل يَأْتِيهِ بقصعة فيأكلها وَيَأْتِي الْقَوْم بقصعة، ثمَّ أَتَاهُ بجدي، وأتى الْقَوْم بجدي، ثمَّ نَهَضَ الْقَوْم فَأكل مَا بَقِي على الْمَائِدَة، وَخَرجْنَا فَلَقِيَهُ خلف بن الْقطَامِي، فَقَالَ لَهُ عَنْبَسَة: يَا خلف أما تغديني يَوْمًا؟ ؟ فَقلت لخلف: وَيحك. لَا تَجدهُ على مثل هَذِه الْحَال، فغده، فَقَالَ لَهُ: مَا تشْتَهي؟ فَقَالَ: تَمرا وَسمنًا. فَانْطَلق بِهِ إِلَى منزله وَأَتَاهُ بِخمْس جلال تمر وجرة سمن، فَأكل التَّمْر وَالسمن، ثمَّ خرج فَمر بِرَجُل يَبْنِي دَاره وفيهَا مائَة عَامل، وَقد أتوهم بِتَمْر كثير، فَقَالَ: يَا عَنْبَسَة؛ هَل لَك؟ فَجعل يَأْكُل مَعَهم حَتَّى ضجر العملة وَشَكَوْهُ إِلَى صَاحب الدَّار، ثمَّ خرج فَمر بِرَجُل، بَين يَدَيْهِ زنبيل فِيهِ خبز أرز يَابِس بسمسم يَبِيعهُ، فَجعل يساومه وَيَأْكُل حَتَّى أَتَى على الزنبيل، فَأعْطيت صَاحب الزنبيل ثمن خبزه. وَكَانَ ميسرَة التراس يَأْكُل الْكَبْش الْعَظِيم وَمِائَة رغيف، فَذكر أكله للمهدي، فَقَالَ: ادعوا الْفِيل، فَألْقوا لَهُ رغيفاً فَأكل تِسْعَة وَتِسْعين رغيفاً، فَألْقوا لَهُ تَمام الْمِائَة فَلم يَأْكُلهُ، وَأكل ميسرَة بعد الْمِائَة. وَمِمَّنْ قرب عَهده من الْأكلَة أَبُو الْحسن بن العلاف، وَهُوَ ابْن أبي بكر العلاف الشَّاعِر. وَدخل إِلَى الْوَزير المهلبي يَوْمًا بِبَغْدَاد، فأنفذا الْوَزير من أَخذ

стр. 480

حِمَاره الَّذِي كَانَ يركبه من غُلَامه، وَأدْخل المطبخ وَذبح وطبخ لَحْمه بِمَاء وملح، وَقدم إِلَيْهِ وَهُوَ يظنّ أَنه لحم بقر فَأَكله كُله، فَلَمَّا خرج وَطلب الْحمار قيل لَهُ: قد أَكلته، وعوضه الْوَزير عَنهُ وَوَصله. وَسمعت من الصاحب ﵀ حكايات عَجِيبَة من أكل هَذَا الرجل ونهمه، فَإِنَّهُ ذكر أَنه اقترح عَلَيْهِ وَهُوَ بِبَغْدَاد ألواناً من الجواذابات، قَالَ: فتقدمت باتخاذها والاستكثار مِنْهَا، وأنفذت إِلَيْهِ بِالْغَدَاةِ من يمنعهُ من الْأكل غلا أَن يحضر عِنْدِي، فَحَضَرَ فَأكل معي على الْمَائِدَة مَعَ الْقَوْم، حَتَّى استوفى. ثمَّ تفرد بِأَكْل الجوذاب الَّذِي اتخذ لَهُ، فَأكل ثَمَانِيَة ألوان مِنْهَا، حَتَّى مسح الأطباق الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا، فتعجبنا من ذَلِك! فَقَالَ الرَّسُول الَّذِي كنت أنفذته إِلَيْهِ: إِنَّه شكا فِي الطَّرِيق الْجُوع، وَامْتنع عَن الْمَجِيء إِلَى أَن صعد إِلَى دكان هراس، فَاشْترى هريسة كَثِيرَة فَأكلهَا. وحملت امْرَأَة فَحَلَفت: إِن ولدت غُلَاما لأشبعن أَبَا الْعَالِيَة خبيصاً. فَولدت غُلَاما فأطعمته، فَأكل سبع جفان، فَقيل لَهُ: إِنَّهَا حَلَفت أَن تشبعك خبيصاً، فَقَالَ: وَالله لَو علمت مَا شبعت إِلَى اللَّيْل. قَالَ بنان الطفيلي: إِذا دعَاك صديق لَك فَاقْعُدْ من يمنة الْبَيْت، فَإنَّك ترى كل مَا تحب، وتسودهم فِي كل شَيْء، وتسبقهم إِلَى كل خير، وَأَنت أول من يغسل يَده، والمنديل جَاف وَالْمَاء وَاسع، والخوان بَين يَديك يوضع، والنبيذ أول القنينة، ورأسها تشربه، والبقل منتخب يوضع بَين يَديك، وَتَكون أول من يتبخر، وَإِذا أردْت أَن تقوم لحَاجَة لم تحتج أَن تتخطاهم، وَأَنت فِي كل سرُور إِلَى أَن تَنْصَرِف. وَقَالَ بنان: إِذا قعدت على مائدة وَكَانَ موضعك ضيقا، فَقل للَّذي بجنبك: لعلّي ضيقت عَلَيْك، فَإِنَّهُ يتَأَخَّر إِلَى خلف، وَيَقُول: سُبْحَانَ الله، لَا وَالله يَا أخي موضعي وَاسع، فيتسع عَلَيْك مَوضِع رجل. وَقَالَ لَهُ رجل من الطفيليين: أوصني. فَقَالَ: لَا تصادفن من الطَّعَام شَيْئا

стр. 481

فَترفع يدك عَنهُ وَتقول: لعَلي أصادف مَا هُوَ أطيب مِنْهُ، فَإِن هَذَا عجز ووهن. قَالَ: زِدْنِي. قَالَ: إِذا وجدت خبْزًا فِيهِ قلَّة فَكل الْحُرُوف، فَإِن كَانَ كَبِيرا فَكل الأوساط. قَالَ: زِدْنِي. قَالَ: لَا تكثرن شرب المَاء وَأَنت تَأْكُل فَإِنَّهُ يصدك عَن الْأكل ويمنعك أَن تستوفى. قَالَ: زِدْنِي. قَالَ: إِذا وجدت الطَّعَام فَكل مِنْهُ أكل من لم يره قطّ، وتزود مِنْهُ زَاد من لَا يرَاهُ أبدا. قَالَ: زِدْنِي. قَالَ: إِذا وجدت الطَّعَام، فاجعله زادك إِلَى الله. وَقَالَ بنان: مَا فِي الدُّنْيَا صناعَة أخس من صناعتي ﴿قَالُوا: وَكَيف ذَاك يَا أَبَا الْحسن؟ قَالَ: أَنا أطفّل مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة مَا اسلموا إِلَى صَبيا يتَعَلَّم. وَقَالَ: دخلت يَوْمًا على بعض بني هَاشم، فَقَعَدت عِنْده حَتَّى تغديت مَعَه، فَلَمَّا أردْت الِانْصِرَاف قَالَ: هَل لَك فِي شَيْء من الْحَلْوَاء؟ قلت: يَا سَيِّدي مَا أَقْْضِي على غَائِب﴾ فَدَعَا بجام مخروط محكوك قوائمه مِنْهُ، فَوْقه لَو زينج من نشا ستج الفالوذج، وَبَيَاض الْبيض، وحشوة اللوز المقشر مَعَ سكر الطبرزد ملزقاً بألحام الْعَسَل الْأَبْيَض مندى بالماورد الْجُورِي، إِذا قلعته سَمِعت لَهُ وَقعا كوقع المطرقة على السندان، وَإِذا أدخلته الْفَم سَمِعت لَهُ نشيشاً كنشيش الْحَدِيد إِذا أخرجته من النَّار وغمسته فِي المَاء، فَلم يزل يَأْكُل وَلَا يطعمني، فَقلت: يَا سَيِّدي: " إِن إِلَهكُم لوَاحِد " فَأَعْطَانِي وَاحِدَة، فَقلت: " إِذْ أرسلنَا إِلَيْهِم اثْنَيْنِ " فَأَعْطَانِي ثَانِيَة، فَقلت: " فعززنا بثالث " فَأَعْطَانِي ثَالِثَة، فَقلت: " فَخذ أَرْبَعَة من الطير فصرهن إِلَيْك "، فَأَعْطَانِي رَابِعَة، فَقلت: " خَمْسَة سادسهم كلبهم "، فَأَعْطَانِي خَامِسَة، فَقلت: " خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام "، فَأَعْطَانِي سادسة، فَقلت: " سبع سماوات طباقا " فَأَعْطَانِي سابعة، فَقلت: " ثَمَانِيَة أَزوَاج من الضَّأْن اثْنَيْنِ وَمن الْمعز اثْنَيْنِ " فَأَعْطَانِي ثامنة، فَقلت: " تِسْعَة رَهْط يفسدون فِي الأَرْض " فَأَعْطَانِي تاسعة، فَقلت: " تِلْكَ عشرَة كَامِلَة "

стр. 482

، فَأَعْطَانِي عاشرة، فَقلت: " يَا أَبَت إِنِّي رَأَيْت أحد عشر كوكباً "، فَأَعْطَانِي الْحَادِي عشر، فَقلت: " إِن عدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرا فِي كتاب الله " فَأَعْطَانِي الثَّانِي عشر. فَقلت: " إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ " فحلق بالجام إليّ وَقَالَ: كل يَا ابْن البغيضة، فَقلت: وَالله لَئِن لم تعطنيه لَقلت: " وأرسلناه إِلَى مائَة ألف أَو يزِيدُونَ " قَالَ: فَضَحِك من قولي وَأمر لي بِثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم. وَقيل لبنان: من دخل إِلَى طَعَام لم يدع إِلَيْهِ دخل لصاً، وَخرج معيراً؛ فَقَالَ: أما أَنا فَلَا آكله إِلَّا حَلَالا. قيل لَهُ: وَكَيف ذَاك؟ قَالَ: أَلَيْسَ صَاحب الْوَلِيمَة يَقُول للخباز أبدا: زد فِي كل شَيْء فَإِنَّهُ يجيئنا من نُرِيد وَمن لَا نُرِيد؟ فَأنْتم مِمَّن يُرِيد وَأَنا مِمَّن لَا يُرِيد. وَقَالَ بَعضهم: قدم أَعْرَابِي من الْبَادِيَة عليّ فَقدمت إِلَيْهِ دجَاجَة مشوية، ولي امْرَأَتَانِ وابنان وابنتان، فَقلت للأعرابي: اقْسمْ الدَّجَاجَة بَيْننَا نُرِيد بذلك أَن نضحك مِنْهُ، قَالَ: فَأخذ رَأس الدَّجَاجَة فَقَطعه، ثمَّ ناولنيه، فَقَالَ: الرَّأْس للرئيس، ثمَّ قطع الجناحين وَقَالَ: الجناحان للابنين، ثمَّ قطع السَّاقَيْن وَقَالَ: اسلاقان للابنتين، ثمَّ قطع الزمكي وَقَالَ: الْعَجز للعجوز، ثمَّ ضم الْبَاقِي إِلَيْهِ وَقَالَ: الزُّور للزائر، فَأخذ الدَّجَاجَة بأسرها، فتحيرنا وسخر بِنَا. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك أحضرت خمس دجاجات، وَقلت: اقسمها بَيْننَا، فَقَالَ: كَيفَ تحب الْقِسْمَة شفعاً أَو وترا؟ فَقلت: لَا، بل وترا. فَقَالَ: أَنْت وامرأتك ودجاجة وتر، وابناك ودجاجة وتر، وابنتاك ودجاجة وتر، وَأَنا ودجاجتان وتر. فضحكنا، فَقَالَ: لَعَلَّك لم ترض بهَا، إِن شِئْتُم قسمتهَا شفعاً، قلت: افْعَل، فَقَالَ: أَنْت وابناك ودجاجة شفع، وامرأتك وابنتاك ودجاجة شفع، وَأَنا وَثَلَاث دجاجات شفع. قَالَ الجمّاز: الحمية إِحْدَى العلتين. وَقيل لمتفرس من أَصْبَهَان: لَا تَأْكُل الكشكشية مَعَ وجع رجلك فَقَالَ: سَوَاء عليّ أَن توجعني رجْلي أَو توجعني الكشكية.

стр. 483

قَالَ بَعضهم: إِذا تقدّمت الدعْوَة من اللَّيْل انْتَعش الْإِنْسَان فِي فرَاشه. جَاءَ طفيلي إِلَى بَاب دَار فِيهَا عرس، فَمنع من الدُّخُول فَمضى، ثمَّ عَاد وَقد حمل إِحْدَى نَعْلَيْه فِي كمه، وعلق الْأُخْرَى بِيَدِهِ، وَأخذ خلالاً يَتَخَلَّل بِهِ، وَجَاء فدق الْبَاب، فَقَالَ لَهُ البواب: مَا لَك؟ قَالَ: السَّاعَة خرجت ونسيت نَعْلي هُنَاكَ. قَالَ: فَادْخُلْ. فَدخل وَأكل مَعَ الْقَوْم ثمَّ خرج. دخل طفيلي على قوم، وَجلسَ يَأْكُل مَعَ الأضياف، فاستحيا صَاحب الْمنزل من الْقَوْم، وَكره أَن يتوهموا أَنه قد دَعَاهُ، وعاشرهم بِمثلِهِ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي لمن أشكر؟ لكم إِذْ أجبتم دَعْوَتِي، أم لهَذَا الَّذِي جَاءَ من غير أَن أَدْعُوهُ؟ فَعلم الْقَوْم أَن الرجل طفيليّ. قَالُوا: الطفيلي مَنْسُوب إِلَى رجل كَانَ بِالْكُوفَةِ يُسمى طفيلاً، كَانَ يَأْتِي الولائم من غير أَن يدعى، فَقيل لَهُ: طفيل العرائس، وَقيل: إِنَّه مَأْخُوذ من الطِّفْل وَهُوَ الظلمَة؛ لِأَن الْفَقِير من الْعَرَب كَانَ يحضر الطَّعَام الَّذِي لم يدع إِلَيْهِ مستتراً بالظلمة لِئَلَّا يعرف. وَقيل: سمي بذلك لإظلام أمره على النَّاس لَا يَدْرُونَ من دَعَاهُ. وَقيل: بل هُوَ من الطِّفْل لهجومه على الناي كهجوم اللَّيْل على النَّهَار، وَلذَلِك قيل: أطفل من ليل على نَهَار. دخل طفيلي على رجل قد دَعَا قوما، فَقَالَ لَهُ صَاحب الْمنزل: يَا هَذَا مَتى قلت لَك تجئ؟ قَالَ: وَمَتى قلت لي: لَا تجئ؟ . كَانَ بِالْبَصْرَةِ طفيلي يُقَال لَهُ: أَبُو سَلمَة، وَكَانَ إِذا سمع بِذكر وَلِيمَة بَادر إِلَيْهَا، يقدمهُ ابْنَانِ لَهُ فِي زِيّ الْعُدُول، وَبَين أَيْديهم غُلَام، فَإِذا أَتَوا الْبَاب تقدم العَبْد فَقَالَ: افْتَحْ هَذَا أَبُو سَلمَة قد جَاءَ، ثمَّ يتلوه أحد ابنيه فَيَقُول: افْتَحْ وَيلك هَذَا أَبُو سَلمَة، ويتلوه الآخر وَيَقُول: مَاذَا تنْتَظر؟ ثكلتك أمك! قد جَاءَ أَبُو سَلمَة، ثمَّ يَأْتِي أَبُو سَلمَة فَيَقُول: افْتَحْ يَا بني، فَإِن كَانَ جَاهِلا بِهِ فتح، وَإِن كَانَ قد عرف أمره وحذر مِنْهُ قَالَ: يَا أَبَا سَلمَة أَنا مَأْمُور، فيجلس وينتظر أَن يجِئ بعض من دعِي، فَإِذا فتح لَهُ شقّ الْبَاب تقدم ابناه وَالْعَبْد، وَفِي كم كل

стр. 484

وَاحِد مِنْهُم فهر مدور ململم يسمونه كيسَان، فيلقونه فِي دوارة الْبَاب فَلَا ينصفق الْبَاب، فَيدْخلُونَ ويأكلون. ألقاب الْأَطْعِمَة وَغَيرهَا على مَذْهَب الطفيليين الطشت والإبريق: بشر وَبشير. الخوان: أَبُو جَامع. السفرة: أَبُو رَجَاء. الْخبز: أَبُو جَابر. اللَّحْم: أَبُو عَاصِم. الْملح: أَبُو عون. الْقدر: مَيْمُون الزنْجِي. الغضارة: أم الْفرج. الْحوَاري: نُجُوم الفكة. البقل: زحام بِلَا مَنْفَعَة. الْجَوْز والجبن: مُعَاوِيَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ. الرواصل: يَأْجُوج وَمَأْجُوج. الْبيض: بَنَات نعش. الثَّرِيد: جُبَير بن مطعم. الجبم: رَاشد الخناق. الْجَوْز: أَبُو الْقَعْقَاع. الزَّيْتُون: خنافس الخوان. الصحناءة: أم البلايا. الباذنجان: قباب يَاسر. الكامخ: عرق الشَّيْطَان. البوارد: برائد الْخَيْر. البزماورد: أَبُو كَامِل الطَّيَالِسِيّ. السنبوسك: جَامع سُفْيَان. المَاء: أَبُو غياث. الْخَرْدَل: أَبُو كُلْثُوم: الجلاد. الدَّجَاجَة: سمانة القوادة. البطة: بهادة السوسية. الْحمل: شَهِيد بن شَهِيد. الجدي: أَبُو الْعُرْيَان. الرقَاق: أَبُو الطيالس. التير: وضاح الْيمن. الرَّغِيف السميد: أَبُو بدر. السكباج: أم عَاصِم. المضيرة: أم الْفضل. الكشكية: أم حَفْص. الهريسة: أم الْخَيْر. الرَّأْس: قيم الْحمام. مَاء البلاقلاء: أَبُو حَاضر. السّمك: أَبُو سابح. الأكارع: أَبُو الْخرق. الْخلّ: أَبُو الْعَبَّاس. الفتيت: أَبُو نافج. القنّبيطية: دويرة الرومية. المغمومة: الْمقنع الْكِنْدِيّ. المرئ: أَبُو مهارش. الزبيبة: أَبُو الْأسود الدؤَلِي. القشمشية: أم الْحمال. الملبقة: أم سهل. الطباهجة: زلزل المغنى. البقيلة:

стр. 485

المشئومة. القلية: الناعية. المصلية: أم بشير. الْأرز: أَبُو الْأَشْهب. النرجسية: أم الثريا. الجوذاب: أم الْحسن. الفالوذج: أَبُو مضاء. السكر: أَبُو الطّيب. الطبرزد: أَبُو شيبَة الخوري. اللَّحْم المشوي: الرّوح الْأمين. الْعَسَل: أم الْمُؤمنِينَ. الخبيص: أَبُو نعيم. الْحَلْوَاء: خَاتم النَّبِيين. الكفدوس: موطأ مَالك. اللوزينج: بكير الطرائفي. القطائف: قُبُور الشُّهَدَاء. الفراريج: بَنَات الْمُؤَذّن. السويق: أم حبيب. الْخلال: أَبُو الْبَأْس. الأشنان والمخلب: مُنكر وَنَكِير. النَّبِيذ: أَبُو غَالب. الغرابة: أم رزين. النَّقْل: أَبُو تَمام. النرجس: أَبُو العيناء. السايكسي: أم فِرْعَوْن. الْقدح: أَبُو قريب. النبيقة: أم الفتيان. الصراحيّة: أم الْقَاسِم. القطارمير: أَبُو مُزَاحم. المغنى: أَبُو الْأنس. الزامر: حميد الكوسج. المواخر: أَبُو صابر. القحبة: أم يَاسر. المخنث: أَبُو عَطِيَّة. الثقيل: أَبُو ثهلان. القوّاد: أَبُو مغيث. المسخرة: الضَّحَّاك بن قيس. العربدة: ضرار بن مخرق. الطفيلي: أَبُو الصَّقْر اللَّيْثِيّ. الَّذِي يتبع الطفيلي: زَائِدَة بن مزِيد. القفل: أَبُو منيع. الْمِفْتَاح: أَبُو الْفرج. الدِّينَار: أصفر سليم. الدِّرْهَم: أَبُو وَاضح. أَكثر هَذِه الألقاب والكنى سَمعتهَا من شيخ من الصُّوفِيَّة يعرف بِأبي الْخَيْر من سَاكِني الدينور، كَانَ الصاحب ﵀ يأنس بِهِ وَيحسن إِلَيْهِ، وَكَانَ شَيخا خَفِيف الرّوح، كثير النودار، مَعَ ورع وسداد، يرجع إِلَيْهِمَا، وَكَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ، فَكَانَ قد جمع كل آيَة فِيهَا ذكر الْأكل، فَكَانَ إِذا ذكر الطَّعَام وَحضر وقته قف بَين يَدي الصاحب، وَقَرَأَ كل آيَة يتَّصل بهَا " كلوا " وَيقف عَلَيْهِ، فَإِذا دخل شهر رَمَضَان وَصَامَ النَّاس وقف على " لَا تَأْكُلُوا ". فَكَانَ يَقُول إِذا أَبْطَأَ عَنهُ الطَّعَام، وَحضر وَقت الْغَدَاء:

стр. 486

أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم، بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. " اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة وكلا "، و " وظللنا عَلَيْكُم الْغَمَام وأنزلنا عَلَيْكُم الْمَنّ والسلوى كلوا ". " وَإِذ قُلْنَا ادخُلُوا هَذِه الْقرْيَة فَكُلُوا ". " وَإِذ استسقى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بعصاك الْحجر فانفجرت مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا قد علم كل أنَاس مشربهم كلوا ". " كَذَلِك يُرِيهم الله أَعْمَالهم حسرات عَلَيْهِم وَمَا هم بِخَارِجِينَ من النَّار. يَا أَيهَا النَّاس كلوا ". " وَمثل الَّذين كفرُوا كَمثل الَّذِي ينعق بِمَا لَا يسمع إِلَّا دُعَاء ونداءً صم بكم عمي فهم لَا يعْقلُونَ. يَا ايها الَّذين آمنُوا كلوا ". " أحل لكم ليلى الصّيام الرَّفَث إِلَى نِسَائِكُم هن لِبَاس لكم وَأَنْتُم لِبَاس لَهُنَّ علم الله أَنكُمْ كُنْتُم تختانون أَنفسكُم فَتَابَ عَلَيْكُم وَعَفا عَنْكُم فَالْآن باشروهن وابتغوا مَا كتب الله لكم وكلوا ". " وَآتوا النِّسَاء صدقاتهن نحلة فَإِن طبن لكم عَن شَيْء مِنْهُ نفسا فكلوه ". " أحل لكم الطَّيِّبَات وَمَا علّمتم من الْجَوَارِح مكلبين تعلمونهن مِمَّا علمكُم الله فَكُلُوا ". " يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تحرموا طَيّبَات مَا أحل الله لكم وَلَا تَعْتَدوا إِن الله لَا يحب الْمُعْتَدِينَ. وكلوا ". " إِن رَبك هُوَ أعلم من يضل عَن سَبيله وَهُوَ أعلم بالمهتدين. فَكُلُوا ".

стр. 487

" وَهُوَ الَّذِي أنشأ جنَّات معروشات وَغير معروشات وَالنَّخْل وَالزَّرْع مُخْتَلفا أكله وَالزَّيْتُون وَالرُّمَّان متشابهاً وَغير متشابه كلوا ". " وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده وَلَا تسرفوا إِنَّه لَا يحب المسرفين. وَمن الْأَنْعَام حمولة وفرشاً كلوا ". " وَيَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة فكلا ". " يَا بني آدم خُذُوا زينتكم عِنْد كل مَسْجِد وكلوا ". " وظللنا عَلَيْهِم الْغَمَام وأنزلنا عَلَيْهِم الْمَنّ والسلوى كلوا ". " وَإِذ قيل لَهُم اسكنوا هَذِه الْقرْيَة وكلوا ". " لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم. فَكُلُوا ". " وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل أَن اتخذي من الْجبَال بُيُوتًا وَمن الشّجر وَمِمَّا يعرشون. ثمَّ كلي ". " وَلَقَد جَاءَهُم رَسُول مِنْهُم فَكَذبُوهُ فَأَخذهُم الْعَذَاب وهم ظَالِمُونَ. فَكُلُوا ". " وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة تساقط عَلَيْك رطبا جنياً. فكلي ". " وَأنزل من السَّمَاء مَاء فأخرجنا بِهِ أَزْوَاجًا من نَبَات شَتَّى. كلوا ". " قد أنجيناكم من عَدوكُمْ وواعدناكم جَانب الطّور الْأَيْمن ونزلنا عَلَيْكُم الْمَنّ والسلوى. كلوا ". " ليشهدوا مَنَافِع لَهُم ويذكروا اسْم الله فِي أَيَّام مَعْلُومَات على مَا رزقهم من بَهِيمَة الْأَنْعَام فَكُلُوا ".

стр. 488

" وَجَعَلنَا ابْن مَرْيَم وَأمه آيَة وآويناهما إِلَى ربوة ذَات قَرَار ومعين. يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا ". " وَالْبدن جعلناها لكم من شَعَائِر الله لكم فِيهَا خير فاذكروا اسْم الله عَلَيْهَا صواف فَإِذا وَجَبت جنوبها فَكُلُوا ". " لقد كَانَ لسبأ فِي مساكنهم آيَة جنتان عَن يَمِين وشمال فَكُلُوا ". " إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات ونعيم. فاكهين بِمَا آتَاهُم رَبهم ووقاهم رَبهم عَذَاب الْجَحِيم. كلوا ". " هُوَ الَّذِي جعل لكم الأَرْض ذلولاً فامشوا فِي مناكبها وكلوا ". " إِن الْمُتَّقِينَ فِي ظلال وعيون. وفواكه مِمَّا يشتهون. كلوا ". " إِنَّا كَذَلِك نجزي الْمُحْسِنِينَ. ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين. كلوا ". " فَهُوَ فِي عيشة راضية. فِي جنَّة عالية. قطوفها دانية. كلوا ". " إِن الَّذين يكتمون مَا أنزل الله من الْكتاب. ويشترون بِهِ ثمنا قَلِيلا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُون ". " فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ. الَّذين يَأْكُلُون ". " وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الْمَوْتَى بِإِذن الله وأنبئكم بِمَا تَأْكُلُونَ ". " وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل ". " إِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما إِنَّمَا يَأْكُلُون ".

стр. 489

" وَلَو أَنهم أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أنزل إِلَيْهِم من رَبهم لأكلوا ". " هَل يَسْتَطِيع رَبك أَن ينزل علينا مائدة من السَّمَاء قَالَ اتَّقوا الله إِن كُنْتُم مُؤمنين. قَالُوا: نُرِيد أَن نَأْكُل ". " فَكُلُوا مِمَّا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ إِن كُنْتُم بآياته مُؤمنين. وَمَا لكم أَلا تَأْكُلُوا ". " يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن كثيرا من الْأَحْبَار والرهبان ليأكلون ". " رُبمَا يود الَّذين كفرُوا لَو كَانُوا مُسلمين. ذرهم يَأْكُلُوا ". " لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَأْكُلُوا ". " وَمَا أرسلنَا قبلك من الْمُرْسلين أَلا إِنَّهُم ليأكلون ". " وَمَا جعلناهم إِلَّا جسداً لَا يَأْكُلُون ". " وَآيَة لَهُم الأَرْض الْميتَة أحييناها وأخرجنا مِنْهَا حبا فَمِنْهُ يَأْكُلُون ". " وذللناها لَهُم فَمِنْهَا ركوبهم وَمِنْهَا يَأْكُلُون ". " إِن الله يدْخل الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار وَالَّذين كفرُوا يتمتعون ويأكلون ". " وَإِن لكم فِي الْأَنْعَام لعبرة نسقيكم مِمَّا فِي بطونها وَلكم فِيهَا مَنَافِع كَثِيرَة وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ". " فتولوا عَنهُ مُدبرين. فرَاغ إِلَى آلِهَتهم فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ ". " فرَاغ إِلَى أَهله فجَاء بعجل سمين. فقربه إِلَيْهِم قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ ".

стр. 490

" هَل أدلك على شَجَرَة الْخلد وَملك لَا يبْلى. فأكلا ". وَكَانَ يقْرَأ فِي شهر رَمَضَان: " تِلْكَ حُدُود الله فَلَا تقربوها كَذَلِك يبين الله آيَاته للنَّاس لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ. وَلَا تَأْكُلُوا ". " وَللَّه مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء وَالله غَفُور رَحِيم. يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا ". " وَآتوا الْيَتَامَى أَمْوَالهم وَلَا تتبدلوا الْخَبيث بالطيب وَلَا تَأْكُلُوا ". " فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا فادفعوا إِلَيْهِم بِأَمْوَالِهِمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا ". " يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم، وَخلق الْإِنْسَان ضَعِيفا. يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا ". " إِن الَّذين يَكْسِبُونَ الْإِثْم سيجزون بِمَا كَانُوا يقترفون. وَلَا تَأْكُلُوا ". تمّ الْقسم الثَّانِي من كتاب نثر الدّرّ للآبي بِحَمْد الله . الْجُزْء الثَّالِث

стр. 491

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدّمَة الْمُؤلف بِذكر الله نستأنف الْبركَة ونستجدها، وبحمد الله نستديم الموهبة ونستمدها، وبالتعويل على الله نستقرب النازح، وبالتفويض إِلَى الله نستلين الجامح، وبشكر الله نرتهن النِّعْمَة حَتَّى لَا تَزُول. ونستثبتها حَتَّى لَا تزل ونعتقلها حَتَّى لَا تشرد، ونستدنيها حَتَّى لَا تبعد، ونستديمها حَتَّى لَا تنفد، ونستمهلها حَتَّى لَا تزحل، ونستوثقها حَتَّى لَا ترحل، ونحسن مجاورتها حَتَّى تخزن عندنَا فَلَا تجمح، وتقر لدينا فَلَا تَبْرَح، وتشتمل فِي مواردنا فَلَا تنزح. نحمده حمد من عرف قدرته فأذعن لَهَا، وَعلم حكمته فَآمن بهَا، ونسأله أَن يصلى على مُحَمَّد وَآله، سُؤال طَاعَة لَا سُؤال شَفَاعَة، فَإِنَّهُ ﷺ وعَلى أهل بَيته، يجل عَن أَن يشفع لَهُ، وتقل عَن أَن يشفع فِيهِ وَلَكنَّا أمرنَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَالتَّسْلِيم إشادة لمعاليه. قَالَ الله تَعَالَى: (إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي، يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا) اللَّهُمَّ أَنْت واري الْخفية، وبارىء الْبَريَّة، وداحي الأَرْض وَرَافِع السَّمَاء، وجاعل كل حَيّ من المَاء أَنْت الْوَاحِد الْفَرد فَلَا تضَاد، وَالْفَاعِل لما تشَاء فَلَا ترَاد، وَالْغَالِب لكل شَيْء فَلَا تدافع، والقاهر فَوق عِبَادك فَلَا تمانع،) تعز من تشَاء وتذل من تشَاء بِيَدِك الْخَيْر) . اللَّهُمَّ فأعنا على الاخرة بِالطَّاعَةِ، وعَلى الدُّنْيَا بالقناعة وأغننا بِفَضْلِك عَن فضول خليقك، وصنا عَن الْحَسَد على مَا فضلت بِهِ بَعْضنَا من لَدُنْك، ووسع حولنا فِي الْعَيْش والمعاش، وأسبغ علينا سَلامَة النَّفس وَحسن الرياش، وارزقنا كفاء مَا يكف الْوَجْه عَن الْمَسْأَلَة، ويصون الْعرض عَن المذلة. ويسد الجوعة فَلَا نشرى، وَيسْتر الْعَوْرَة فَلَا نعري، ويعين على

стр. 492

الْمُرُوءَة فَلَا نفتن، ويلم الشعث فَلَا تزرينا الْأَعْين، وينوء بِنَا إِلَى صلَة الرَّحِم وبذل الماعون الإيثار على النَّفس، والجود بِمَا يفضل عَن الْقُوت، وجبر الْكسر، وإطعام الْفَقِير، وإقناع القانع، وإرضاء المعتر، وإغاثة المهتضم، وإعانة المستضعف. إِنَّك نعم الْمَدْعُو، وَنعم المؤمل والمرجو، وَأَنت كل شَيْء قدير. هَذَا هُوَ الْفَصْل الثَّالِث من كتاب نثر الدّرّ، قد افتتحته بِكَلَام الْخُلَفَاء من بني أُميَّة وَبني هَاشم، وَرُبمَا خلطت بِهِ نبذا يَسِيرا من من نَوَادِر أخبارهم، ونكث آثَارهم، لَا يخرج بِهِ الْكتاب عَن الْغَرَض الَّذِي رميناه، وَالْقَصْد الَّذِي تحريناه، وَذكرت من جملَة خلفاء بني الْعَبَّاس إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، وَعبد الله بن المعتز، فقد بُويِعَ لَهما بالخلافة، وَلَهُمَا كَلَام شرِيف، لَا يقصر عَن كَلَام الكافة، وأتبعت ذَلِك بِأَبْوَاب سأذكرها، وختمته بنوادر وملح وشحت الْفضل بهَا. وَلَعَلَّ قَائِلا يَقُول: هلا أفرد للهزل كتابا أَو أَخّرهُ، ليجعل لَهُ عِنْد انْقِضَاء الْجد بَابا. وَلَا يعلم أَنِّي جعلت ذَلِك مصيدة للجاهل تفقه على الْعلم، وحيالة للهازل، توقعه فِي الْجد. ولعلى لَو أفردت لَهُ فصلا، وَلم أخلط الْكتاب جدا وهزلا، لعدل أَكثر أَبنَاء زَمَاننَا إِلَى ذَلِك الْبَاب الْمُفْرد، ولصار الْجد عِنْدهم فِي حيّز المستثقل المستبرد، بل المهجور الْمَتْرُوك، وَإِن كَانَ كالنير المسبوك أَو الدّرّ المسلوك. الْفَصْل الثَّالِث (٢٣٢) وأبواب هَذَا الْفَصْل ثَلَاثَة عشر بَابا. الْبَاب الأول: كَلَام مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَولده الْبَاب الثَّانِي: كَلَام مَرْوَان بن الحكم وَولده الْبَاب الثَّالِث: كَلَام خلفاء بني الْعَبَّاس الْبَاب الرَّابِع: كَلَام جمَاعَة من بني أُميَّة الْبَاب الْخَامِس: نكت من كَلَام الزبيرين الْبَاب السَّادِس: نَوَادِر أبي العيناء ومخاطباته

стр. 493

الْبَاب السَّابِع: نَوَادِر مُزْبِد الْبَاب الثَّامِن: نَوَادِر أبي الْحَارِث جمين الْبَاب التَّاسِع: نَوَادِر الجماز الْبَاب الْعَاشِر: نَوَادِر المجانين الْبَاب الْحَادِي عشر: نَوَادِر البخلاء الْبَاب الثَّانِي عشر: كَلَام الشطار الْبَاب الثَّالِث عشر: العي، ومخاطبات الحمقى.

стр. 494

صفحة فارغة

стр. 495

الْبَاب الأول كَلَام مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَولده قَالَ الْهَيْثَم: خرجَ معاويةُ يُرِيد مَكَّة، حَتَّى إِذا كَانَ بالأبواء أطلَع فِي بئرٍ عاديةٍ؛ فأصابتهُ اللقْوة. فَأتى مَكَّة، فَلَمَّا قضى نُسُكه، وَصَارَ إِلَى منزله، دَعَا بثوبٍ، فلفه على رَأسه، وعَلى جَانب وجههِ الَّذِي أَصَابَهُ فِيهِ مَا أَصَابَهُ، ثمَّ أذن للنَّاس فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، وَعِنْده مروانُ، فَقَالَ: إِن أكن قد ابتُلِيتُ فقد ابتُلى الصالحون قبلي، وَأَرْجُو أَن أكونَ مِنْهُم وَإِن عُوقِبتُ فقد عُوقِبَ الظَّالِمُونَ قبلي، وَمَا آمَنُ أَن أكون مِنْهُم، وَقد ابْتليت فِي أحسنيِ وَمَا يَبْدُو مني، وَمَا أُحصِى صحيحي. وَمَا كَانَ لي على رَبِّي إِلَّا مَا أَعْطَانِي وَالله إِن كَانَ عتَبَ بعد خاصَّتكم لقد كنت حدباً على عامتكم، فرحم الله أمرءاً دَعَا لي بالعافية: قَالَ: فعج الناسُ بِالدُّعَاءِ لَهُ، فَبكى، فَقَالَ مَرْوَان: وَمَا يبكيك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: كبرتْ سِني، وَكثر الدمعُ فِي عَيْني، وخشيت أَن تكون عُقُوبَة من رَبِّي، وَلَو يزِيد، أبصرتُ قصدي. دخل المسْور على مُعَاوِيَة، فَقَالَ لَهُ:: كَيفَ تركتَ قُريْشًا؟ قَالَ: أَنْت سَيِّدهَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَعْلَاهَا كَعْبًا، وأسودها أَبَا، وأرفعها ذِكراً وأجلها قدرا. قَالَ: كَيفَ تركتَ سعيداً؟ قَالَ: عليلاً. قَالَ: لليدَيْنِ
следующие страницы →