Полный текст (1 737 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مُقَدّمَة الْمُؤلف
بِذكر الله نستأنف الْبركَة ونستجدها، وبحمد الله نستديم الموهبة ونستمدها، وبالتعويل على الله نستقرب النازح، وبالتفويض إِلَى الله نستلين الجامح، وبشكر الله نرتهن النِّعْمَة حَتَّى لَا تَزُول. ونستثبتها حَتَّى لَا تزل ونعتقلها حَتَّى لَا تشرد، ونستدنيها حَتَّى لَا تبعد، ونستديمها حَتَّى لَا تنفد، ونستمهلها حَتَّى لَا تزحل، ونستوثقها حَتَّى لَا ترحل، ونحسن مجاورتها حَتَّى تخزن عندنَا فَلَا تجمح، وتقر لدينا فَلَا تَبْرَح، وتشتمل فِي مواردنا فَلَا تنزح. نحمده حمد من عرف قدرته فأذعن لَهَا، وَعلم حكمته فَآمن بهَا، ونسأله أَن يصلى على مُحَمَّد وَآله، سُؤال طَاعَة لَا سُؤال شَفَاعَة، فَإِنَّهُ ﷺ وعَلى أهل بَيته، يجل عَن أَن يشفع لَهُ، وتقل عَن أَن يشفع فِيهِ وَلَكنَّا أمرنَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَالتَّسْلِيم إشادة لمعاليه. قَالَ الله تَعَالَى: (إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي، يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا) اللَّهُمَّ أَنْت واري الْخفية، وبارىء الْبَريَّة، وداحي الأَرْض وَرَافِع السَّمَاء، وجاعل كل حَيّ من المَاء أَنْت الْوَاحِد الْفَرد فَلَا تضَاد، وَالْفَاعِل لما تشَاء فَلَا ترَاد، وَالْغَالِب لكل شَيْء فَلَا تدافع، والقاهر فَوق عِبَادك فَلَا تمانع،) تعز من تشَاء وتذل من تشَاء بِيَدِك الْخَيْر) . اللَّهُمَّ فأعنا على الاخرة بِالطَّاعَةِ، وعَلى الدُّنْيَا بالقناعة وأغننا بِفَضْلِك عَن فضول خليقك، وصنا عَن الْحَسَد على مَا فضلت بِهِ بَعْضنَا من لَدُنْك، ووسع حولنا فِي الْعَيْش والمعاش، وأسبغ علينا سَلامَة النَّفس وَحسن الرياش، وارزقنا كفاء مَا يكف الْوَجْه عَن الْمَسْأَلَة، ويصون الْعرض عَن المذلة. ويسد الجوعة فَلَا نشرى، وَيسْتر الْعَوْرَة فَلَا نعري، ويعين على
стр. 492
الْمُرُوءَة فَلَا نفتن، ويلم الشعث فَلَا تزرينا الْأَعْين، وينوء بِنَا إِلَى صلَة الرَّحِم وبذل الماعون الإيثار على النَّفس، والجود بِمَا يفضل عَن الْقُوت، وجبر الْكسر، وإطعام الْفَقِير، وإقناع القانع، وإرضاء المعتر، وإغاثة المهتضم، وإعانة المستضعف. إِنَّك نعم الْمَدْعُو، وَنعم المؤمل والمرجو، وَأَنت كل شَيْء قدير. هَذَا هُوَ الْفَصْل الثَّالِث من كتاب نثر الدّرّ، قد افتتحته بِكَلَام الْخُلَفَاء من بني أُميَّة وَبني هَاشم، وَرُبمَا خلطت بِهِ نبذا يَسِيرا من من نَوَادِر أخبارهم، ونكث آثَارهم، لَا يخرج بِهِ الْكتاب عَن الْغَرَض الَّذِي رميناه، وَالْقَصْد الَّذِي تحريناه، وَذكرت من جملَة خلفاء بني الْعَبَّاس إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، وَعبد الله بن المعتز، فقد بُويِعَ لَهما بالخلافة، وَلَهُمَا كَلَام شرِيف، لَا يقصر عَن كَلَام الكافة، وأتبعت ذَلِك بِأَبْوَاب سأذكرها، وختمته بنوادر وملح وشحت الْفضل بهَا. وَلَعَلَّ قَائِلا يَقُول: هلا أفرد للهزل كتابا أَو أَخّرهُ، ليجعل لَهُ عِنْد انْقِضَاء الْجد بَابا. وَلَا يعلم أَنِّي جعلت ذَلِك مصيدة للجاهل تفقه على الْعلم، وحيالة للهازل، توقعه فِي الْجد. ولعلى لَو أفردت لَهُ فصلا، وَلم أخلط الْكتاب جدا وهزلا، لعدل أَكثر أَبنَاء زَمَاننَا إِلَى ذَلِك الْبَاب الْمُفْرد، ولصار الْجد عِنْدهم فِي حيّز المستثقل المستبرد، بل المهجور الْمَتْرُوك، وَإِن كَانَ كالنير المسبوك أَو الدّرّ المسلوك. الْفَصْل الثَّالِث (٢٣٢) وأبواب هَذَا الْفَصْل ثَلَاثَة عشر بَابا. الْبَاب الأول: كَلَام مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَولده الْبَاب الثَّانِي: كَلَام مَرْوَان بن الحكم وَولده الْبَاب الثَّالِث: كَلَام خلفاء بني الْعَبَّاس الْبَاب الرَّابِع: كَلَام جمَاعَة من بني أُميَّة الْبَاب الْخَامِس: نكت من كَلَام الزبيرين الْبَاب السَّادِس: نَوَادِر أبي العيناء ومخاطباته
стр. 493
الْبَاب السَّابِع: نَوَادِر مُزْبِد الْبَاب الثَّامِن: نَوَادِر أبي الْحَارِث جمين الْبَاب التَّاسِع: نَوَادِر الجماز الْبَاب الْعَاشِر: نَوَادِر المجانين الْبَاب الْحَادِي عشر: نَوَادِر البخلاء الْبَاب الثَّانِي عشر: كَلَام الشطار الْبَاب الثَّالِث عشر: العي، ومخاطبات الحمقى.
стр. 494
صفحة فارغة
стр. 495
الْبَاب الأول كَلَام مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَولده
قَالَ الْهَيْثَم: خرجَ معاويةُ يُرِيد مَكَّة، حَتَّى إِذا كَانَ بالأبواء أطلَع فِي بئرٍ عاديةٍ؛ فأصابتهُ اللقْوة. فَأتى مَكَّة، فَلَمَّا قضى نُسُكه، وَصَارَ إِلَى منزله، دَعَا بثوبٍ، فلفه على رَأسه، وعَلى جَانب وجههِ الَّذِي أَصَابَهُ فِيهِ مَا أَصَابَهُ، ثمَّ أذن للنَّاس فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، وَعِنْده مروانُ، فَقَالَ: إِن أكن قد ابتُلِيتُ فقد ابتُلى الصالحون قبلي، وَأَرْجُو أَن أكونَ مِنْهُم وَإِن عُوقِبتُ فقد عُوقِبَ الظَّالِمُونَ قبلي، وَمَا آمَنُ أَن أكون مِنْهُم، وَقد ابْتليت فِي أحسنيِ وَمَا يَبْدُو مني، وَمَا أُحصِى صحيحي. وَمَا كَانَ لي على رَبِّي إِلَّا مَا أَعْطَانِي وَالله إِن كَانَ عتَبَ بعد خاصَّتكم لقد كنت حدباً على عامتكم، فرحم الله أمرءاً دَعَا لي بالعافية: قَالَ: فعج الناسُ بِالدُّعَاءِ لَهُ، فَبكى، فَقَالَ مَرْوَان: وَمَا يبكيك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: كبرتْ سِني، وَكثر الدمعُ فِي عَيْني، وخشيت أَن تكون عُقُوبَة من رَبِّي، وَلَو يزِيد، أبصرتُ قصدي. دخل المسْور على مُعَاوِيَة، فَقَالَ لَهُ:: كَيفَ تركتَ قُريْشًا؟ قَالَ: أَنْت سَيِّدهَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَعْلَاهَا كَعْبًا، وأسودها أَبَا، وأرفعها ذِكراً وأجلها قدرا. قَالَ: كَيفَ تركتَ سعيداً؟ قَالَ: عليلاً. قَالَ: لليدَيْنِ
стр. 496
و ِللْفَم: بِهِ لَا بِظَبْيٍ بالصَّريمَةِ أعفَراً قَالَ: وَعَمْرو بن سعيدٍ صبيٌّ يسمع قَوْله من وَرائِهِ. فَقَالَ: إِذا وَالله لَا يسد جُفرتكَ، وَلَا يزِيد فِي رزقك، وَلَا يدْفع حتفاً عَنْك، بل يفتُّ فِي عضدك، ويهيضُ ظهرك، وينشرُ أمركَ، فتدعو فَلَا تُجاب، وتتوعدُ فَلَا تُهاب. فَقَالَ مُعَاوِيَة: يَا أَبَا أُميَّة، أَرَاك هَا هُنَا، إِن أَبَاك جارانا إِلَى غَايَة الشّرف، فَلم تعلق بآثاره، وَلم نقم لمحفاره، وَلم تلْحق بمضماره، وَلم ندن من غباره، هَذَا مَعَ قُوَّة مكانٍ، وَعزة سُلْطَان. وَإِن أثقل قَومنَا علينا من سبقنَا إِلَى غَايَة شرفٍ، فَأخذ أَبوك علينا القصبة، وَملك دُوننَا الْغَلَبَة. رُوِيَ: أَن عمَرَ بن الْخطاب ﵁ قدم الشَّام، وَمَعَهُ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَأَبُو عُبَيْدَة، هما على حِمَارَيْنِ قريبين من الأَرْض، فتلقاَّهما مُعَاوِيَة فِي كوكبة خشناء، فَثنى وَرِكَهُ، فَنزل، وَسلم بالخلافة: فَلم يرد عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن وَأَبُو عُبَيْدَة: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أحضرت الْفَتى فَلَو كَلمته. فَقَالَ: إِنَّك لصاحبُ الجيشِ الَّذِي أرى؟ قَالَ: نعم. قَالَ: مَعَ شدةِ احتجابِكَ، ووقوف ذَوي الْحَوَائِج ببابك؟ قَالَ: أجل. قَالَ: لِمَ؟ وَيلك قَالَ: لأَنا ببلادٍ يكثر بهَا جواسيس الْعَدو، فَإِن نَحن لم نتخد الْعدة وَالْعدَد لِلْعَدو استخف بِنَا. وهجم على عورتنا. وَأَنا - بعدُ - عاملُك، فَإِن وقفتني وقفتُ، وَإِن استزدتني زِد تُ، وَإِن استنقصتني نقصتُ. قَالَ: وَالله لَئِن كنت كَاذِبًا إِنَّه لرأيٌ أريبٍ، وَلَئِن كنت صَادِقا إِنَّه لتدبيرٌ أديب. مَا سَأَلتك قطّ عَن شيءٍ إِلَّا تَرَكتنِي فِيهِ أضيقَ من رواجبِ الضرس. لَا آمرُك وَلَا أَنهَاك.
стр. 497
فَلَمَّا انْصَرف قَالَ لَهُ صَاحبه: لقد أحسن الْفَتى فِي إصدارِ مَا أوردتَ عَلَيْهِ. قَالَ: بِحسن إصداره وإيراده جشَّمناه مَا جشَّمناه. قَالَ مُعَاوِيَة: مَعْرُوف زَمَاننَا هَذَا مُنكر زمانٍ قد مضى، ومنكرُ زَمَاننَا هَذَا مَعْرُوف زمانٍ لم يأتِ. وَقَالَ يَوْمًا على الْمِنْبَر: يَا أهل الشَّام، مَا أَنْتُم بخيرٍ من أهل العراقِ ثمَّ نَدم فتداركها، فَقَالَ: إِلَّا أَنكُمْ أعطِيتم بِالطَّاعَةِ، وحُرِموا بالمعصية. وَمن كَلَامه: الفرصةُ خُلسة، وَالْحيَاء يمْنَع الرزق، والهيبة خيبة وَالْحكمَة ضَالَّة الْمُؤمن. وَقَالَ ذَات يومٍ لِابْنِهِ يزِيد: يَا بُنيّ، لَا تستفسد الْحر فَسَادًا لاتُصلحهُ أبدا. قَالَ: بِمَاذَا؟ قَالَ: لاتَشْتُمَنَّ لَهُ عِرضاً، وَلَا تضربنَّ لَهُ ظهرا، فَإِن الحُرَّ لَا يرى الدُّنْيَا عوضا من هذَيْن، وَلَكِن خُذ مَا لَهُ، وَمَتى شئتَ أَن تُصلِحَهُ فمالٌ بِمَال. وأتى بسارقٍ، فَقَالَ: أسرقتَ؟ فَقَالَ بعضُ من حضرَ: اصدق أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ مُعَاوِيَة: الصدقُ فِي بعض المواطن عجْز. وَقَالَ لَهُ عَمْرو بن الْعَاصِ: قد أعياني أَن أعلمَ شجاعٌ أَنْت أم جبان؟ فَقَالَ: شجاعٌ إِذا مَا أمكنتني فرصةٌ ... فَإِن لم تكن لي فرصةٌ فجبانُ وخطب فَقَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ لم يُخْلَقُ للدنيا وَلَا خُلِقَتْ لهُ، وَإِن أَبَا بكرٍ لم يُرِدِ الدُّنْيَا وَلم تُرِدْهُ، وَإِن عُمَرَ أَرَادَتْهُ الدُّنْيَا وَلم يُرِدها، وَإِن عثمانَ أصَاب من الدُّنْيَا وتركَ، وَإِن ابْن هِنْد تمرغَ فِيهَا ظهرا لبطن، وَلَو كَانَت ْرايةٌ أحقُّ بنصرٍ وَأقرب إِلَى هدى كَانَت رايةَ ابْن أبي طالبٍ، وَقد رَأَيْتُمْ إلام صَارَت. وَقَالَ لعاملٍ لَهُ: كل قَلِيلا تعملْ طَويلا، إلزمِ العفافَ يلزمك العملُ، وإياَّك والرُّشا يشتدُّ ظهركَ عِنْد الْخِصَام.
стр. 498
وَرفع يَوْمًا ثندوتَيه بيدَيْهِ، ثمَّ قَالَ: لقد علِم النَّاس أَن الْخَيل لَا تجْرِي بمثلى، فَكيف َ قَالَ النَّجَاشِيّ: ونجَّى ابْن حربٍ سابِحٌ ذُو علالةٍ ... أجشُّ هزيمٌ والرماحُ دَوان وَقَالَ: إنِّي لأكرهُ النَّكارة فِي السَّيِّد، وأحِبُّ أَن يكونَ غافلاً أوْ مُتَغافِلاَ. وَقَالَ لعَمْرو حِين نظر إِلَى معسكرِ عَليّ ﵇ من طلب عَظِيما خاطرَ بعظيمتهِ. وَقَالَ لأبي الجهمِ الْعَدوي: أَنا أكبرأم أنتَ يَا أَبَا الجهم؟ فَقَالَ: لقد أكلتُ من عرسُ أمِّكَ. فَقَالَ: عِنْد أيِّ أزواجها؟ قَالَ: فِي عُرسِ حفصٍ ابْن مُغيرَة. فَقَالَ: يَا أَبَا الجهم، أيَّاك والسلطانَ، فَإِنَّهُ يغْضب غضبَ الصيِّ، ويعاقبُ عُقُوبَة الْأسد، فَإِن قليلهُ يغلبُ كثير النَّاس. وَقَالَ يَوْمًا: أَنا أعرفُ أرخص مَا فِي السُّوق وأغلاهُ، فَقيل: وَكَيف ذَاك؟ فَقَالَ: أعلم أَن الجيِّدَ رخيصٌ والردئ غالٍ. ولماَّ مَاتَ زِيَاد وَفد عَلَيْهِ عبيد الله ابْنه: فَقَالَ لَهُ: من اسْتخْلف أخي على عمله بِالْكُوفَةِ؟ قَالَ: عبد الله بن خالدٍ أُسيد، قَالَ: فعلى الْبَصْرَة؟ قَالَ: سَمُرَة بن جُنْدُب، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: لَو استعملك أَبوك استعملْتُك. فَقَالَ لَهُ عبيد الله: أنْشدك الله أَن يَقُولهَا لي أحدٌ بعْدك: لَو ولاَّك أَبوك، وعمُّكَ ولَّيتُكَ. فولاَّهُ خُرَاسَان. وأوصاهُ فَقَالَ: اتَّقِ الله وَلَا تؤثرن على تقواهُ شَيْئا، وق عرضك من أَن تدنسهُ وَإِذا أَعْطَيْت عهدا ففِ بِهِ، وَلَا تبيعن كثيرا بِقَلِيل، وَخذ لنَفسك من نَفسك، وَلَا يخْرجن مِنْك أمرٌ حَتَّى تبرِمه، فَإِذا خرج فَلَا يُرَدَّنَّ عَلَيْك. وَإِذا لقيتَ عَدوك فغلبك على ظهرِ الأرضِ فَلَا يغلبنك فِي بَطنهَا، وَإِن احْتَاجَ أَصْحَابك أَن تواسيهم بِنَفْسِك فواسهم، وَلَا تُطمِعنَّ أحدا فِي غير حقِّه، ولاتؤيِسَنَّ أحداَ من حقٍّ هُوَ لَهُ.
стр. 499
وَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس: هَل لَك فِي مناظرتي فِيمَا زعمتَ أَنَّك خصمت فِيهِ أَصْحَابِي؟ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: مَا تصنع بمناظرتي؟ فأشغب بك وتشغب بِي، فَيبقى فِي قَلْبك مَا لَا ينفعك، وَيبقى فِي قلبِي مَا يَضرك. وخطب عِنْد مقدمه الْمَدِينَة فَقَالَ: أما بعد، فَإنَّا قدمنَا على صديقٍ مشتبشرٍ، وعدو مستبسر، وناس بَين ذَلِك ينظرُونَ وينتظرون، فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا، وَإِن لم يُعْطَوا مِنْهَا سخطوا. ولستُ أسع النَّاس كلهم، فَإِن تكن محمدة فلابد من لائمة، فَلْيَكُن لوماً هونا إِذا ذُكِرَ غفِرَ، وَإِيَّاكُم والغطمى، الَّتِي إِن ظَهرت أوبقت، وَلَإِنْ خَفِيَتْ أوتَغَتْ. وَقدم مُعَاوِيَة من ولَايَة كَانَ عمرُ ولاَّهُ إيَّاها فَبَدَأَ بعمر ﵁ فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: مَتى قدِمتَ؟ قَالَ: الْآن، وبدأت بك. قَالَ: اذْهَبْ فابدأ بأبويك فَإِن حَقنا لم يدْخل على حَقّهمَا، وابدأ بأمك. قَالَ: فخرجتُ من عِنْده وَدخلت على أُمِّي هِنْد، فَقَالَت: يَا بنى، إِنَّه مَا ولدت حرَّة مثلك، وَإنَّك قد أُنْهِضْتَ فانهض، وَلَإِنْ الَّذِي استعملك قادرٌ أَن يعزلك، فاعمل بِمَا وَافقه وَافَقَك ذَلِك أَو خالفك. قَالَ: فخرجتُ من عِنْدهَا فَدخلت على أبي، فَقَالَ: يَا بنىَّ، إِن هَؤُلَاءِ الرَّهْط من الْمُهَاجِرين سبقُونَا فأساءوا سبقنَا، فَرفعُوا وضيعهم، وَوَضَعُوا رفيعنا، وصرنا أذناباَ وصاروا رؤوساً، وَقد رَأَيْتهمْ ولوك جسيماً من غير حاجةٍ بهم إِلَيْك وَلكنه جد وَقع، فاعمل بِمَا وافقهم، إِمَّا لِرَبِّك وَإِمَّا لَهُم. قَالَ مُعَاوِيَة لِابْنِ الْأَشْعَث بن قيس: مَا كَانَ جدك قيس بن معديكرب أعْطى الْأَعْشَى؟ فَقَالَ: أعطَاهُ مَالا وظهراَ ورقيقاً وَأَشْيَاء أُنسيتُها. فَقَالَ مُعَاوِيَة: لَكِن مَا أَعْطَاكُم الْأَعْشَى لَا يُنسى. ذُكِرَ عَليّ ﵁ فِي مجْلِس مُعَاوِيَة، وَعِنْده أَهله، فَقَالَ عَنْبَسَة بن أبي سُفْيَان: وَالله إِنِّي لأعجب من عَليّ وَطَلَبه للخلافة. فَقَالَ مُعَاوِيَة -
стр. 500
وَضحك -: أما وَالله إِنَّهَا سنة كَمَا قَالَ الشَّاعِر: وَمَا تركته رَغْبَة عَن جماله ... وَلكنهَا كَانَت لآخر تُخْطَبُ وَمن كَلَام مُعَاوِيَة: ثلاثٌ من السؤدد: الصلع، واندِحاء الْبَطن، وَترك الإفراط فِي الْغيرَة. وَقد عيبَ بِهَذَا الْكَلَام، ورُمِيَ بقلَّة الْغيرَة، وَكَذَلِكَ عابوا قيس بن زُهَيْر حِين نزل بِبَعْض الْقَبَائِل، فَقَالَ: أَنا غيور فخور أنِف، وَلَكِنِّي لَا آنف حَتَّى أُضام، وَلَا أفخَرُ حَتَّى أفعل، وَلَا أغار حَتَّى أرى. قَالَ أَبُو عُثْمَان: أَظن أَنه إِنَّمَا عني بِهِ رُؤْيَة السَّبب لَا رُؤْيَة المواقعة. وَقَالَ مُعَاوِيَة لعَمْرو بن الْعَاصِ: يَا عَمْرو، إِن أهل الْعرَاق قد أكْرهُوا علياَّ على أبي مُوسَى، وَأَنا - وَالله - وَأهل الشَّام راضون بك، وَقد ضم إِلَيْك رجل طَوِيل اللِّسَان، قصير الرَّأْي، فأجد الحزَّ وطبق الْمفصل، وَلَا تلقَهُ برأيكَ كُله. وخطب مرّة فَقَالَ: أَيهَا النَّاس، إِنَّا قد أَصْبَحْنَا فِي دهرٍ عنود، وزمنٍ شَدِيد، يُصبِحُ فِيهِ المحسِن مسيئاً، ويزداد الظَّالِم عتواً، لَا ننتفع بِمَا علمنَا، ولانسأل عَمَّا جهلنا، وَلَا نتخوف قَارِعَة حَتَّى تحُلَّ بِنَا، فَالنَّاس على أَرْبَعَة أَصْنَاف: مِنْهُم من لَا يمنعهُ من الْفساد إِلَّا مهانة نَفسه، وكلال حدِّه، ونضيض وقْرِه. وَمِنْهُم المصلِتُ لسيفه، المجلِبُ بِرجلِهِ، الْمُعْلن بشرِّه، قد أشرط نَفسه، وأوبق دينه لحطام ينتهزه، ومقنبٍ يَقُودهُ أَو منبرٍ يفرعُه، ولبئس المتجر أَن تراهما لنَفسك ثمنا، وممَّالك عِنْد الله عوضا. وَمِنْهُم من يطلبُ الدُّنْيَا بِعَمَل الْآخِرَة، وَلَا يطْلب الْآخِرَة بِعَمَل الدُّنْيَا، قد طامن من شخصه، وقارب من خطوهِ، وشمر من ثَوْبه، وزخرف نَفسه للأمانة، وَاتخذ ستر الله ذَرِيعَة إِلَى الْمعْصِيَة.
стр. 501
وَمِنْهُم من أقعده عَن طلب المَال ضئولة نَفسه، وَانْقِطَاع سَببه، فقصر بِهِ الْحَال على حَال، فتحلَّى باسم القناعة، وتزيَّن باسم الزهاد، وَلَيْسَ من ذَلِك فِي مراح وَلَا مفدى. وَبَقِي رجال غض أَبْصَارهم ذكر الْمرجع، وأراق دموعهم خوف الْمَحْشَر، فهم بَين شريد نادِّ، وخائف منقمع، وَسَاكِت مكعوم، وداعٍ مخلص، وموجَع ثكلانَ، قد أخملتهم التقية، وشملتهم الذلة، فهم فِي بحرٍ أجاج أَفْوَاههم ضامرة، وَقُلُوبهمْ قرحَة، وعظوا حَتَّى ملُّوا، وقُهِروا حَتَّى ذلُّوا، وقُتِلوا حَتَّى قلُّوا، فلتكن الدُّنْيَا أقل فِي أعينكُم من حثالة الْقَرَّاظ وقراضة الجلم، واتعظوا بِمن كَانَ قبلكُمْ، قبل أَن يتعظ بكم من بعدكم، وارفضوها ذميمة، فَإِنَّهَا قد رفضت من كَانَ أشفف بهَا مِنْكُم. وَقَالَ يُونُس بن سعيد الثَّقفي: اتَّق الله لَا أطير بك طيرةً بطيئاً وُقُوعهَا. قَالَ: أَلَيْسَ بِي وَبِك المرجِعُ بعدُ إِلَى الله؟ قَالَ: بلَى، فأستغفر الله. طلب زِيَاد رجلا كَانَ فِي الْأمان الَّذِي أَخذه الْحسن لأَصْحَابه، فَكتب الْحسن فِيهِ إِلَى زِيَاد: أما بعد، فقد علمت مَا كُنَّا أَخذنَا لاصحابنا، وَقد ذكر فلانٌ أَنَّك قد عرضتَ لَهُ، فأحِبُّ أَلا تعرضَ لَهُ بِخَير، فَلَمَّا أَتَى زياداً الْكتاب، وَلم ينسِبه فِيهِ إِلَى أبي سُفْيَان غضب وَكتب: من زِيَاد بن أبي سُفْيَان إِلَى الْحسن أما بعد فَإِنَّهُ قد أَتَانِي كتابُك فِي فاسقٍ يؤويه الْفُسَّاق من شيعةِ أَبِيك وشيعتك. وأيم الله لأطلبنهم وَلَو بَين جِلْدك ولحمك، وَإِن أحب النَّاس إليَّ لَحْمًا أَن آكله لحمٌ أَنْت مِنْهُ. فَلَمَّا قَرَأَهُ الْحسن بعث بِهِ إِلَى مُعَاوِيَة، فَلَمَّا قَرَأَهُ غضب وَكتب: من مُعَاوِيَة إِلَى زِيَاد. أما بعد، فَإِن لَك رأيين: رَأيا من أبي سفبان ورأياً من سميَّة. فَأَما رأيُك من أبي سُفْيَان فحلمٌ وحزم، وَأما رَأْيك من سميَّة فَمَا يكون من رَأْي مثلهَا، وَقد كتب إليَّ الْحسن بن عَليّ أَنَّك عرضت لصَاحبه، فَلَا تعرض لَهُ، فَإِنِّي لم أجعَل لَك عَلَيْهِ سَبِيلا. وَإِن الْحسن بن عَليّ لَا يُرمى بِهِ
стр. 502
الرَّجوان. والعجبُ من كتابك إِلَيْهِ، لَا تنسبه إِلَى أَبِيه. فَإلَى أُمه وكلته؟ وَهُوَ ابْن فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ . فَالْآن حِين اخْتَرْت لَهُ. وَالسَّلَام. وَقَالَ لقوم من بني أَسد: مَا معيشتكم؟ قَالُوا: التِّجَارَة فِي الرَّقِيق: قَالَ بئس التِّجَارَة، ضَمَان نفس ومئونة ضرس. وَقَالَ لجَماعَة من قُرَيْش كَانُوا عِنْده: يَا معشر قُرَيْش، مَا بَال النَّاس لأم وَأَنْتُم لعَلَّات؟ تباعدون مِنْكُم مَا قرب الله، وتقطعون مَا وصل الله، بل كَيفَ ترجون لغيركم، وَقد عجزتم عَن أَنفسكُم؟ أتقولون: كفانا الشّرف من كَانَ قبلنَا؟ فَعندهَا لزمتكم الْحجَّة، فاكفوه من بعدكم. أَولا تعلمُونَ أَنكُمْ كُنْتُم رِقَاعًا فِي جُيُوب العربن قد أخرِجتم من حرم ربكُم، ومنِعتم مِيرَاث أبيكم. حَتَّى جمعكم الله على رجلٍ فردَّكم إِلَى بِلَادكُمْ، وَأخذ لكم مَا أُخِذَ مِنْكُم، فسمَّاكم الله بِاجْتِمَاعِكُمْ اسْما دنت لكم بِهِ الْعَرَب، وردَّ بِهِ عَنْكُم كيد الْعَجم، فَقَالَ: " فجعلهم كعصفٍ مَأْكُول "، " لِإِيلَافِ قُرَيْش " فارغبوا فِي الألفة الَّتِي أكْرمكُم الله بهَا، وإياَّكم والفرقة، فقد حذَّرَتكم نَفسهَا، وَكفى بالتجربة واعظاً. وَقَالَ لعبد الرَّحْمَن ابْن أم الحكم: بَلغنِي أَنَّك قد لهجتَ بقول الشّعْر. قَالَ: قد فعلتُ. قَالَ: فإياك والتشبيب بِالنسَاء، فتَغُرَّ الشَّرِيفَة، وَتَرْمِي العفيفة، وتقرَّ على نَفسك بالفضيحة، وَإِيَّاك والهجاء، فَإنَّك تحنق عَلَيْك كَرِيمًا، وتستثير سَفِيها. وَإِيَّاك والمديح، فَإِنَّهُ طعمة الوقاح، وتفحش السُّؤَال، وَلَكِن افخر بمفاخر قَوْمك وَقل من الشّعْر مَا تزيِّن بِهِ نَفسك، وتؤب بِهِ غَيْرك. وَقَالَ لعَمْرو بن سعيد: لَيْسَ بَين الْملك وَبَين أَن يملك جَمِيع رَعيته، أَو يملكهُ جَمِيعهم إِلَّا حزمٌ أَو توان. وَقيل لَهُ: أَنْت أنكر أم زِيَاد؟ قَالَ: إِن زياداً لَا يدع الْأَمر يتفرق عَلَيْهِ وَإنَّهُ يتفرق عليَّ فأجمعه.
стр. 503
وَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ لَهُ: مَا أَشد حبك لِلْمَالِ قَالَ: وَلم لَا أحبه وَأَنا أستعبد بِهِ مثلك، وأبتاع بِهِ مروءتك وَدينك؟ . قَالَ: السفلة من لَيْسَ لَهُ نسبٌ مَعْرُوف، وَلَا فِعلٌ مَوْصُوف. وَقَالَ: ثَلَاثَة مَا اجْتَمعْنَ فِي حر: مُباهتة الرِّجَال، والغيبة للنَّاس، والملال لأهل الْمُرُوءَة. وَقَالَ لرجل: من سيد قَوْمك؟ قَالَ: لجأهم الدهرإليَّ. قَالَ: هَكَذَا تكون المخاتلة عَن الشّرف. وَقَالَ صعصعة: يَا امير الْمُؤمنِينَ، مالنا نحب أَوْلَادنَا اشد من حبهم لنا؟ قَالَ: لأَنهم منا ولسنا مِنْهُم، ولدناهم وَلم يلدونا. قدم رجل من مصر عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ ليحدثه لإذ حبق، فانتفض وَترك الْكَلَام، فَقَالَ مُعَاوِيَة: خُذ فِيمَا كنتَ فِيهِ، فَمَا سَمعتهَا من أحد أَكثر مِمَّا سَمعتهَا من نَفسِي. وَدخل عَلَيْهِ رجل مُرْتَفع الْعَطاء فَرَأى فِي عَيْنَيْهِ رمصاً، فحطَّ عطاءه وَقَالَ: يعجز أحدكُم إِذا أصبح أَن يتعهد أَدِيم وَجهه. وَقَالَ لقريش فِي خِلَافَته: إِنِّي أقع إِذا طرتم، وأطيرُ إِذا وَقَعْتُمْ، وَلَو وَافق طيراني طيرانكم لاختلفنا. وَقَالَ: الْعِيَال أرضة المَال. وَقيل لَهُ مَا أبلغ من عقلك؟ قَالَ: لم أَثِق بِأحد. وَنظر إِلَى يزِيد وَهُوَ يضْرب غُلَاما لَهُ، فَقَالَ لَهُ: لَا تفْسد أدبك بتأديبه، وَلَكِن وكل بِهِ من يؤدبه. روى عَن بَعضهم أَنه قَالَ: قدم مُعَاوِيَة الْمَدِينَة، فدنوت من الْمِنْبَر لأحفظ عَنهُ، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: أما بعد، فَإنَّا قدمنَا على صديقٍ مُسْتَبْشِرٍ، وعَلى عَدو مستبسر، وناس بَين ذَلِك ينظرُونَ وينتظرون، فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا، وَإِن لم يُعْطوا مِنْهَا سخطوا.
стр. 504
ولسنا نسع النَّاس كلهم، فَإِن تكن محمدةٌ فلابد من لائمة، ليكن لوماً هونا، إِذا ذكر غفر، وَإِيَّاكُم والعظمى الَّتِي إِن ظَهرت أوبقت، وَإِن خفيت أوتغت. وبلغه أَن ابْنَته امْتنعت عَن ابْن عامرٍ فِي الافتضاض، فَمشى إِلَيْهَا يتوذف فِي مشيته، وَفِي يَده مخصرة، فَجَلَسَ، وَجعل ينكت فِي الأَرْض وَيَقُول: وتوان. وَقيل لَهُ: أَنْت أنكر أم زِيَاد؟ قَالَ: إِن زياداً لَا يدع الْأَمر يتفرق عَلَيْهِ وَإنَّهُ يتفرق عليَّ فأجمعه. وَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ لَهُ: مَا أَشد حبك لِلْمَالِ قَالَ: وَلم لَا أحبه وَأَنا أستعبد بِهِ مثلك، وأبتاع بِهِ مروءتك وَدينك؟ . قَالَ: السفلة من لَيْسَ لَهُ نسبٌ مَعْرُوف، وَلَا فِعلٌ مَوْصُوف. وَقَالَ: ثَلَاثَة مَا اجْتَمعْنَ فِي حر: مُباهتة الرِّجَال، والغيبة للنَّاس، والملال لأهل الْمُرُوءَة. وَقَالَ لرجل: من سيد قَوْمك؟ قَالَ: لجأهم الدهرإليَّ. قَالَ: هَكَذَا تكون المخاتلة عَن الشّرف. وَقَالَ صعصعة: يَا امير الْمُؤمنِينَ، مالنا نحب أَوْلَادنَا اشد من حبهم لنا؟ قَالَ: لأَنهم منا ولسنا مِنْهُم، ولدناهم وَلم يلدونا. قدم رجل من مصر عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ ليحدثه لإذ حبق، فانتفض وَترك الْكَلَام، فَقَالَ مُعَاوِيَة: خُذ فِيمَا كنتَ فِيهِ، فَمَا سَمعتهَا من أحد أَكثر مِمَّا سَمعتهَا من نَفسِي. وَدخل عَلَيْهِ رجل مُرْتَفع الْعَطاء فَرَأى فِي عَيْنَيْهِ رمصاً، فحطَّ عطاءه وَقَالَ: يعجز أحدكُم إِذا أصبح أَن يتعهد أَدِيم وَجهه. وَقَالَ لقريش فِي خِلَافَته: إِنِّي أقع إِذا طرتم، وأطيرُ إِذا وَقَعْتُمْ، وَلَو وَافق طيراني طيرانكم لاختلفنا. وَقَالَ: الْعِيَال أرضة المَال. وَقيل لَهُ مَا أبلغ من عقلك؟ قَالَ: لم أَثِق بِأحد. وَنظر إِلَى يزِيد وَهُوَ يضْرب غُلَاما لَهُ، فَقَالَ لَهُ: لَا تفْسد أدبك بتأديبه، وَلَكِن وكل بِهِ من يؤدبه. روى عَن بَعضهم أَنه قَالَ: قدم مُعَاوِيَة الْمَدِينَة، فدنوت من الْمِنْبَر لأحفظ عَنهُ، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: أما بعد، فَإنَّا قدمنَا على صديقٍ مُسْتَبْشِرٍ، وعَلى عَدو مستبسر، وناس بَين ذَلِك ينظرُونَ وينتظرون، فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا، وَإِن لم يُعْطوا مِنْهَا سخطوا. ولسنا نسع النَّاس كلهم، فَإِن تكن محمدةٌ فلابد من لائمة، ليكن لوماً هونا، إِذا ذكر غفر، وَإِيَّاكُم والعظمى الَّتِي إِن ظَهرت أوبقت، وَإِن خفيت أوتغت. وبلغه أَن ابْنَته امْتنعت عَن ابْن عامرٍ فِي الافتضاض، فَمشى إِلَيْهَا يتوذف فِي مشيته، وَفِي يَده مخصرة، فَجَلَسَ، وَجعل ينكت فِي الأَرْض وَيَقُول: من الخفرات الْبيض، أما حرامها ... فصعبٌ، واما حلهَا فذلول وَخرج وَدخل ابْن عامرٍ فَلم تمْتَنع عَلَيْهِ. قَالَ خَالِد بن الْوَلِيد لمعاوية: إِن فِيك لخصلتين مَا أراهما تجتمعان فِي رجل: إِنَّك تقدم حَتَّى أَقُول: يُرِيد أَن يقتل، وتتأخر حَتَّى أَقُول يُرِيد أَن يهرب. فَقَالَ: إِنِّي وَالله أتقدم لأقتل، وَلَا أتأخر لأهرب، وَلَكِنِّي أتقدم إِذا كَانَ التَّقَدُّم غنما وأتأخر إِذا كَانَ التَّأَخُّر حزماً، كَمَا قَالَ أَخُو كنَانَة: شجاعٌ إِذا مَا أمكنتني فرْصَة ... وَإِن لم تكن لي فرْصَة فجبان وسُئل: مَا النبل؟ . فَقَالَ: الْحلم عِنْد الْغَضَب، وَالْعَفو عِنْد الْمقدرَة. وَقَالَ: الدُّنْيَا بحذافيرها الْخَفْض والدعة. وَقَالَ لَهُ رجلٌ: وَالله لقد بَايَعْتُك وَأَنا كَارِه. فَقَالَ: لقد جعل الله فِي الكره خيرا كثيرا. وَكتب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵁ لما دَعَاهُ إِلَى الْبيعَة: من مُعَاوِيَة بن صخرٍ إِلَى عَليّ بن أبي طَالب: أما بعد، فلعمري لَو بَايَعَك الْقَوْم الَّذين بايعوك، وانت برئٌ من دم عُثْمَان، كنتُ كَأبي بكرٍ وَعمر وَعُثْمَان، وَلَكِنَّك أغريت بعثمان الْمُهَاجِرين، وخذلت عَنهُ الْأَنْصَار، فأطاعك الْجَاهِل، وَقَوي بك الضَّعِيف. وَقد أَبى اهل الشَّام إِلَّا قتالك، حَتَّى تدفع إِلَيْهِم قتلة عُثْمَان، فَإِن فعلت كَانَت شُورَى بَين الْمُسلمين.
стр. 505
ولعمري مَا حجتك علىَّ كحجتك على طَلْحَة وَالزُّبَيْر، لِأَنَّهُمَا بايعاك وَلم أُبَايِعك، وَمَا حجتك على أهل الشَّام كحجتك على أهل الْبَصْرَة، لِأَن أهل الْبَصْرَة أطاعوك وَلم يطعك أهل الشَّام. واما شرفك فِي الْإِسْلَام، وقرابتك من النَّبِي صلي الله عَلَيْهِ وَسلم وموضعك من قُرَيْش فلست أدفعه. ثمَّ كتب فِي آخر الْكتاب بشعرٍ لكعب بن جعيل أَوله: أرى الشَّام تكره ملك الْعرَاق ... وَملك الْعرَاق لَهُم كارهونا. فَأَجَابَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵁: أما بعدُ، فَإِنَّهُ أَتَانِي مِنْك كتابٌ إمرئ لَيْسَ لَهُ بصرٌ يهديه، وَلَا قَائِد يرشده، دَعَاهُ الْهوى فَأَجَابَهُ، وقاده فاتَّبعه. زعمت انه إِنَّمَا أفسَد عَلَيْك بيعتي خطيئتي فِي عُثْمَان. ولعمري مَا كنتُ إِلَّا رجلا من الْمُهَاجِرين، واوردتُ كَمَا أوردوا، وأصدرتُ كَمَا اصدروا، وَمَا كَانَ الله ليجمعهم على ضلال، وَلَا ليضربهم بالعمى. وَبعد، فَمَا أَنْت وَعُثْمَان؟ إِنَّمَا أَنْت رجل من بني أُميَّة. وبنوا عُثْمَان أولى بمطالبة دَمه، فَإِن زعمت أَنَّك أقوى على ذَلِك فَادْخُلْ فِيمَا دخل فِيهِ الْمُسلمُونَ ثمَّ حَاكم الْقَوْم إلىَّ. وَأما تمييزك بَيْنك وَبَين طَلْحَة وَالزُّبَيْر، وَبَين أهل الشامِ وَأهل الْبَصْرَة، فلعمري مَا الْأَمر فِيمَا هُنَالك إلاَّ سَوَاء، لِأَنَّهَا بيعَة شَامِلَة، لَا يُستَثنى فِيهَا الْخِيَار، وَلَا يُستأنفُ فِيهَا النّظر، وَأما شرفي فِي الْإِسْلَام، وَقَرَابَتِي من النبيِّ ﷺ ، وَمَوْضِعِي من قُرَيْش، فلعمري: لَو استطعتَ دَفعه لدفعته. ثمَّ دَعَا النَّجَاشِيّ فَقَالَ لَهُ: إِن ابْن جعيل شَاعِر أهل الشَّام، وَأَنت شَاعِر أهل الْعرَاق، فأجِبِ الرجل. فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أسمعني قَوْله. قَالَ إذأً
стр. 506
أُسمِعَكَ شعر شَاعِر. فَقَالَ النَّجَاشِيّ يجِيبه: دَعَا يَا معاوي مَا لنْ يَكُونَا ... فقد حقق الله مَا تحذرونا فِي أبياتٍ كَثِيرَة. يرْوى أَن يزِيد بن مُعَاوِيَة قَالَ لمعاويةَ فِي الْيَوْم الَّذِي بُويِعَ لَهُ بالعهد، فَجعل النَّاس يمدحونه، ويُقَرِّظونه: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَالله مَا نَدْرِي أنخدع النَّاس أم يخدعونا؟ . فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: كل من أردتَ خديعته فتخادع لَك حَتَّى تبلُغَ مِنْهُ حَاجَتك فقد خدعته. وَكتب إِلَى قيس بن سعد بن عبَادَة، وَهُوَ وَالِي مصر لعَلي ﵁: أما بعد فَإنَّك يَهُودِيّ ابْن يَهُودِيّ، إِن غلب أحد الْفَرِيقَيْنِ إِلَيْك عزلك، واستبدل بك، وَإِن غلب أبغضهما إِلَيْك قَتلك، ومثَّل بكَ، وَقد كَانَ أَبوك فَوق سَهْمه، ورميَ غرضهِ، فَأكْثر الحزَّ، وَأَخْطَأ الْمفصل، حَتَّى خذلهُ قومَهُ، وأدركه يومَه، فَمَاتَ غَرِيبا بحوران. فَكتب إِلَيْهِ قيس: أما بعد، فَإنَّك وثن ابْن وثن، لم يقدم إيمانك، وَلم يحدث نفاقك، دخلت فِي الدّين كرها، وَخرجت منهُ طَوْعًا، وَقد كَانَ أبي فوقَ سَهْمه، وَرمي غَرَضه، فشغبت عَلَيْهِ أَنْت وَأَبُوك ونظراؤك فَلم تبشقّوا غباره، وَلم تدرِكوا شأوه، وَنحن أنصار الدّين الَّذِي خرجتَ مِنْهُ، وأعداءُ الدّين الَّذِي خرجتَ إِلَيْهِ. قَالَ مُعَاوِيَة: الْخَفْض والدعة سَعَة الْمنزل، وَكَثْرَة الخُدَّام. وذُكِر أَن مُعَاوِيَة اسْتمع على يزِيد ذَات لَيْلَة، فَسمع من عِنْده غناء أعجبه، فَلَمَّا أصبح قَالَ ليزِيد: من كَانَ مُلهيك البارحة؟ قَالَ: ذَاك ابْن خاثر. وَقَالَ: إِذا فأخثِر لَهُ من الْعَطاء.
стр. 507
وذُكِرَ أَن مُعَاوِيَة قَالَ لعَمْرو بن الْعَاصِ: امضِ بِنَا إِلَى هَذَا الَّذِي تشاغل باللهو، وسعى فِي هدم مروءته، حَتَّى ننعى عَلَيْهِ فعله - يُرِيد: عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب، فَدخل عَلَيْهِ وَعِنْده سائب بن خاثر، وَهُوَ يُلقيِ على جواري لعبد الله، فَأمره عبد الله بتنحيةِ الْجَوَارِي لدُخُول مُعَاوِيَة، ووثب سائب بن خاثر، وتنحّى عبد الله عَن سَرِيره لمعاوية، فأجلسه إِلَى جَانِبه. ثمَّ قَالَ لعبد الله: أعِد إِلَيْنَا مَا كنت فِيهِ، فَأمر بالكراسي فأُلقيَتْ، وَأخرج الْجَوَارِي، فتغنَّى سائبٌ بقول قيس بن الخطيم: ديار الَّتِي كَادَت، وَنحن على منى ... تحلُّ بِنَا لَوْلَا نجاءُ الركائبِ ورددَّه الْجَوَارِي. فحرَّ مُعَاوِيَة يَدَيْهِ، وتحرَّك فِي مَجْلِسه، ثمَّ مدَّ رجلَيْهِ فَجعل يضرِبُ بهما وجهَ السرير فَقَالَ لَهُ عمروٌ: اتَّئد فَإِن الَّذِي جئتهُ لتلحاهُ أحسُّ مِنْك حالاَ، وأقلُّ حَرَكَة. قَالَ مُعَاوِيَة: اسْكُتْ، فَإِن كل كريمٍ طروب. وَقَالَ مُعَاوِيَة: أُعِنْتُ على عليِّ بِأَرْبَع: كنتُ رجلا أكتم سريّ، وَكَانَ رجلا ظَهره، وكنتُ فِي أطوعِ جندٍ وأصلحهُ، وَكَانَ فِي أخبثِ جندٍ وأعصاه، وَتركته وأصحابَ الْجمل وقلتُ: إِن ظفروا بِهِ كَانُوا أَهْون عليَّ مِنْهُ، وَإِن ظفر بهم اعتددت بهَا عَلَيْهِ فِي دينه، وَكنت أحَبَ إِلَى قُرَيْش مِنْهُ، فيالكَ من جَامع إليَّ، ومفرقٍ عَنهُ، وعونٍ لي وعونٍ عَلَيْهِ. قدم مُعَاوِيَة إِلَى الْمَدِينَة فَدخل عَلَيْهِ عبد الله بن الزبير؛ فَأَقَامَ عِنْده يَوْمه وَلَيْلَته فَكَانَا يتحدثان إِلَى أَن نَام مُعَاوِيَة، وَعبد الله قاعدٌ، ثمَّ اسْتَيْقَظَ، فَقَالَ لَهُ: خُذ بِنَا فِي الحَدِيث، فتحادثا سَاعَة ثمَّ نَام مُعَاوِيَة أَيْضا، فَكَانَت تِلْكَ حَاله إِلَى الصَّباح فَقَالَ لَهُ عبد الله: لقد هممتُ بقتْلك غير مرّة، فَكيف طابت نفسُك أَن تنام وَأَنا مَعَك؟ فَقَالَ: يَا أَبَا بكر، فلستَ من قتلةِ الخُلفاء. فَقَالَ: تقولُ لي هَذَا وَقد لقيتُ عليَّ بن أبي طَالب بِالسَّيْفِ يم الْبَصْرَة،
стр. 508
فَقَالَ مُعَاوِيَة: لَا جرم، قتَلَكَ وأباك بِشمَالِهِ، وَبقيت يمنيهُ فارغةً تطلب قِرناً يصلُحُ لَهَا. وَقَالَ مُعَاوِيَة لعَمْرو بن الْعَاصِ، حِين ذكر لَهُ مَا رَوَاهُ عبد الله ابنهُ من قولِ النَّبِي ﷺ لعماَّرٍ: " تَقْتُلُكَ الفئة الباغيةُ " لَا تزَال تَأْتِينَا بهَنةٍ تدحضُ بهَا فِي بولك. أَنَحْنُ قَتَلْنَاهُ؟ إِنَّمَا قَتله الَّذِي جَاءَ بِهِ. ورُوي أَنه قدم الْمَدِينَة فَذكر ابْنه يزِيد، وعقله وسخاءه، وفضله؛ فَقَالَ ابْن الزبير: أما أَنَّك قد تركت من هُوَ خيرٌ منهُ. قَالَ مُعَاوِيَة: كَأَنَّك أردتَ نَفسك يَا أَبَا بكر؟ قَالَ: وَإِن أردتها فَمه؟ قَالَ مُعَاوِيَة: إِن بَيته بِمَكَّة فَوق بَيْتك. قَالَ ابْن الزبير: إِن الله اخْتَار أبي، وَاخْتَارَ الناسُ أباهُ، فاللهُ الفاصِلُ بيني وَبَينه. فَقَالَ مُعَاوِيَة: هَيْهَات: مَنّتُكَ نفسُك مَا لَيْسَ لَك، وتطاولت َ إِلَى مَا لم تنالُه. . إِن الله اختارَ عمِّي لدينِه، وَاخْتَارَ الناسُ أبي لدنياهُم. فَدَعَا عمِّي أَبَاك فأجابهُ، ودعا أبي عمَّك فاتبعَه، فَأَيْنَ تجِدُكَ إِلَّا معي؟ . قَالَ ابْن الزبير: ذَاك لَو كنتَ من بني هَاشم. قَالَ مُعَاوِيَة: دع هاشماً، فَإِنَّهَا تَفْخَر عَليّ بأنفسها، وأفخر عَلَيْك بهَا، وَأَنا أحبُّ إِلَيْهَا منكَ، وأحبُّ إليكَ مِنْهَا، وَهِي أحبُّ إليَّ مِنْك. قَالَ ابْن الزبير: إِن الله رفع بِالْإِسْلَامِ بَيْتا، وخفض بِهِ بَيْتا، فَكَانَ بَيْتِي مِمَّا رفع الله بِالْإِسْلَامِ، قَالَ مُعَاوِيَة: وبيتُ حاطِب بنِ أبي بلتعةَ مِمَّا رفع الله. وَقيل لمعاوية: أخبرنَا عَن نَفسك فِي قريشٍ. قَالَ: أَنا ابْن بُعثطِها، وَالله مَا سوبِقْتُ إِلَّا سبقتُ، وَلَا خضْتُ برجلي قطٌّ غمرة إِلَّا قطعتُها عرضا. وَكتب إِلَيْهِ الحكم الْغِفَارِيّ: إِن الْمُشْركين قد جاشوا بأمرٍ عظيمٍ. فَكتب: اجْعَل بكر بن وَائِل يَلونهم، فَإِن نبيَّ الله ﷺ قَالَ: " لن يَظْهَرَ الْمُشْركُونَ على بكرِ بنِ وائلٍ ". وَكَانَ يأذنُ للأحنفِ فِي أوَّلِ من يأْذنُ لَهُ، فأَذنَ لَهُ يوماَ، ثمَّ أذن لمحمدِ بن الْأَشْعَث، فجَاء محمدٌ فَجَلَسَ بَين مُعَاوِيَة وَبَين الأحنفِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: لقد
стр. 509
أحسستُ فِي نفْسِك ذلاًّ، إنِّي لم آذن لَهُ قبلك ليَكُون فِي الْمجْلس دُونك، وَإِنَّمَا كَمَا نملكُ أُمُوركُم نملِكُ تأديبكم، فأريدوا مَا يُرادُ بكم، فَإِنَّهُ أبقى لنعمتكم، وأحسنَ لأدبِكُم. قدِمَ مُعَاوِيَة الْمَدِينَة، فَدخل دَار عُثْمَان، فَقَالَت عَائِشَة بنتُ عُثْمَان: وَا أبتاه وبكتْ. فَقَالَ مُعَاوِيَة: يَا ابْنة أخي، إِن النَّاس أعطونا طَاعَة وأعطيناهُم أَمَانًا، وأظهرنا لَهُم حلماً تَحْتَهُ غضبٌ، وأظهروا لنا طاعةَ تحتهَا حِقْدٌ، وَمَعَ كلُّ إنسانٍ سيفَه، وَهُوَ يرى مَكَان أنصاره، فَإِن نكثنا بهم نكثوا بِنَا، وَلَا أَدْرِي أعلينا تكونُ أم لنا؟ وَلِأَن تَكُونِي بنتَ عمِّ أَمِير الْمُؤمنِينَ خيرٌ من أَن تَكُونِي امْرَأَة من عرض الْمُسلمين. وَقَالَ مُعَاوِيَة فِي النِّسَاء: إنهنَّ يغلُبنَ الْكِرَام، ويغلِبْهنَ اللئام. وفَخَرَ عندهُ سليمُ مولى زيادٍ، فَقَالَ مُعَاوِيَة: اسْكُتْ، فوَاللَّه مَا أدْرك صاحِبُكَ شَيْئا بسيفهِ إِلَّا وَقد أدركتُ أَكثر مِنْهُ بلساني.؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟
يزِيد بن مُعَاوِيَة وَولده
كتبَ إِلَى أهلِ الْمَدِينَة: أما بعدُ، ف " إِن الله لَا يغيرُ مَا بقَوْمٍ حتَّى يغيِّروا مَا بأنفسِهِم وَإِذا أرادَ اللهُ بقومٍ سوءا فَلَا مردَّ لَهُ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ، وَمَا لَهُم مِنْ دونِهِ مِن والِ " وَإِنِّي وَالله لقد لبِستُكُم فأخلقْتُكُم، ورفقْتُ بكُم فأخرقتُكُم. ثمَّ لَئِن وضعتكم تَحت قدمي لأطأنَّكُمْ وطْأَةً أُقِلُّ بهَا عددكم، وأذلُّ غابركم، وأترككم أحاديثَ تُنْسَخُ فِيهَا أخباركم مَعَ أخبارِ عادٍ وثمودٍ. لعلَّ الْحلم دلَّ على قومِي ... وَقد يستجهَلُ الرجل الحليمُ وَقَالَ لَهُ مؤدبهُ وَهُوَ صَغِير، فلحن وَقَالَ: إِن الْجواد قد يعثر، فَقَالَ المؤدّبُ: أَي وَالله، ويضرَب فيستقيم، فَقَالَ يزِيد: نعم وَالله وَيكسر أنف سائسهُ.
стр. 510
تكلَم يَوْمًا عِنْد مُعَاوِيَة الخطباء فَأحْسنُوا وَأَكْثرُوا، فَقَالَ: وَالله لأرمينَّهم بالخطيب الأشدقِ، قُم يَا يزِيد فتكلَّم قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: كَانَ يُقال ليزِيد بن مُعَاوِيَة: أَبُو القرود، وَذَلِكَ أَنه كَانَ معجباً بهَا، وأدب قِرداً وَاسْتَعْملهُ على خَمْسمِائَة رجل من أهل الشَّام، وَكَانَ يكنى أَبَا قيس، فصاد مرّة حمَار وَحش، فَحمل أَبى قيسٍ عَلَيْهِ، وخلّى عَنهُ فطار بِهِ، وَخرج من مَسْكَنه، وَلَزِمَه القردُ، فَجعل يزِيد يصيحُ بِهِ: تمسَّك أَبَا قيسٍ بفضلِ عنانها ... فَلَيْسَ عَلَيْهَا إِن هَلَكت ضمانُ. وَقيل ليزِيد: مَا الْجُود؟ قَالَ: إعطاءُ المالِ من لَا تعرف، فَإِنَّهُ لَا يصير إِلَيْهِ حَتَّى يتخطَّى من تعرِف. وخطب بِدِمَشْق فَقَالَ: أَيهَا الناسُ، سافروا بأبصاركم فِي كرُّ الجديدين، ثمَّ أرجعوها كليلة عَن بلوغِ الأمل. وإنَّ الْمَاضِي عظةٌ للْبَاقِي، وَلَا تجْعَلُوا الغرورَ سبيلَ العجزِ عَن الْجد، فتنقطع حجتُكُم فِي موقفٍ الله سَائِلكُمْ فِيهِ، محاسِبُكم على مَا أسلفتم. أيُّها النَّاس، أمس شَاهد فَاحْذَرُوهُ، وَالْيَوْم مؤدِّبٌ فاعرِفوه، وغدٌ رسولٌ فأكرِموه، وَكُونُوا على حذر من هجومِ الْقدر، فَإِن أَعمالكُم مطيات آجالكم والصراطُ ميدانٌ يكثر فِيهِ العثارُ، والسالمُ نَاجٍ، والعاثِرُ فِي النَّار. يرْوى: أَن عبد الله بن يزِيد بن مُعَاوِيَة أَتَى أَخَاهُ خَالِدا فَقَالَ: يَا أخي، لقد هممتُ اليومَ أَن أفتِك بالوليد بن عبد الْملك، فَقَالَ لَهُ خَالِد: بئسَ وَالله مَا هننتَ بِهِ فِي ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ، وولِيّ عهد الْمُسلمين فَقَالَ: إِن خيلي مرت بِهِ فتعبَّثَ بهَا، وأصغرني، فَقَالَ لَهُ خَالِد: أَنا أكفيكَ.
стр. 511
فَدخل خَالِد على عبد الْملك، والوليد عِنْده، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لوليدُ ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ، ووليُّ عهد المسلمينَ مرَّت بِهِ خيلُ ابْن عَمه عبد الله بن يزِيد، فتعبَّثَ بهَا وأصغرهُ، وعبدُ الله مطرِقٌ، فَرفع رأسهُ فَقَالَ: " إِن الملوكَ إِذا دخلُوا قَرْيَة أفسدوها وَجعلُوا أعِزَّةَ أَهلهَا أذلَّة وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ " فَقَالَ خَالِد: " وَإِذا أردنَا أَن نهلِكَ قَرْيَة أمرنَا مُترفيها ففسقوا فِيهَا فحقَّ عَلَيْهَا القولُ فدمرناها تدميراً " فَقَالَ عبد الْملك: أَفِي عبد الله تكلمني؟ وَالله لقد دخل عليَّ فَمَا أَقَامَ لسانَهُ لحناً. فَقَالَ خَالِد: أفَعَلى الوليدِ تعولِّ؟ فَقَالَ عبد الْملك: إِن كَانَ الوليدُ يلحنُ فَإِن أخاهُ سليمانَ. فَقَالَ: وإنْ كَانَ عبدُ الله يلحنُ فَإِن أَخَاهُ خالدٌ. فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد: اسْكُتْ، فوَاللَّه مَا تُعَدُّ فِي العير وَلَا فِي النفيرِ. فَقَالَ خَالِد: اسْمَع يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ثمَّ أقبل عيه فَقَالَ: وَيحَك، فَمن صاحِبُ العير غَيْرِي، جدِّي أَبُو سُفْيَان صاحبُ العير، وجديِّ عتبَة بن ربيعَة صاحبُ النَّفير، وَلَكِن لَو قلت: غُنيماتٌ، وحُبيلاتٌ والطائفُ ورحمَ الله عثمانَ. قُلْنَا: صدقْتَ. أما العيرُ فهيَ عيرُ قُرَيْش الَّتِي أقبل فِيهَا أَبُو سُفْيَان من الشَّام، فنهد لَهَا رَسُول الله ﷺ ففات بهَا أَبُو سُفْيَان، وَأما النفيرُ فمِن نفرٍ من قُرَيْش لاستنفاذ العير، فَكَانَت وقعةُ بدرٍ، وَصَارَ ذَلِك مثلا حَتَّى قيل فِي كل من لَا يصلح لخيرٍ وَلَا شَرّ. وَقَوله: غنيماتُ وحبيلاتٌ. يَعْنِي: أَن رَسُول الله ﷺ لما أطردَ الحكم بن أبي الْعَاصِ لَجأ إِلَى الطَّائِف، فكا يرْعَى غنيماتٍ لَهُ. ويأوي إِلَى حبيلة، وهيَ الكرمة. وَقَوله: رحِمَ الله عثمانَ، لِأَنَّهُ ردهُ لمَّا أفْضى الأمرَ إِلَيْهِ. وذُكر أَن الْحجَّاج لما أكرَهَ عبد الله بن جعفرٍ على أَن يزوِّجهُ ابنتهُ استأجله فِي نقلهَا سنة، ففكر عبد الله فِي الانفكاكِ مِنْهُ، فأُلقي فِي روعهِ خَالِد بن يزِيد بن مُعَاوِيَة، فَكتب إليهِ يُعْلُمهُ ذَلِك، وَكَانَ الْحجَّاج تزَوجهَا بإذنُ عبدِ الْملك، فورد على خَالِد كِتَابه لَيْلًا، فَاسْتَأْذن من ساعتهِ على عبد الْملك، فَقيل: افي هَذَا الْوَقْت؟ فَقَالَ: إِنَّه أمرٌ لَا يؤخَّرُ، فأُعلم عبدُ الْملك بذلك. فَأذن لهُ، فَلَمَّا دخل إِلَيْهِ قَالَ لَهُ عبد الْملك: فيمَ السُّرى يَا أَبَا هَاشم؟ قَالَ: أمرٌ جليل، لم آمنْ أَن أُؤَخِّرَه، فتحدُثُ عليَّ حَادِثَة، فَلَا أكونَ قضيتُ حقَّ بيعتك.
стр. 512
قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تعلمُ أنهُ كَانَ بَين حيَّينِ من العداوةِ والبغضاء، مَا كَانَ بينَ آل الزبير وبيننا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فإنْ تزوجي إِلَى آل الزبير حلَّل لَهُم مَا كَانَ فِي قلبِي، فَمَا أهل البيتِ أحبُّ إليَّ مِنْهُم. قَالَ: إِن ذَلِك ليَكُون؟ قَالَ: فكيفَ أذِنْت للحجاج أَن يتزوَّجَ من بني هَاشم، وَأَنت تعلمُ مَا يَقُولُونَ ويُقالُ فيهم، وَالْحجاج من سلطانِك بحيثُ علمْتَ. قَالَ: فجزاهُ خيرا. وَكتب إِلَى الْحجَّاج يعزمُ عَلَيْهِ أَن يطلِّقها، فطلَّقها. فغدا النَّاس يعزُّونه عَنْهَا. وَكَانَ فِيمَن أَتَاهُ عَمْرو بن عتبةَ بن أبي سُفْيَان، فأوقعَ الْحجَّاج بخالدٍ. فَقَالَ: كَانَ الأمرُ لِآبَائِهِ فعجِزَ عَنهُ حَتَّى انتُزِعَ مِنْهُ. فَقَالَ لَهُ عَمْرو: لَا تقُل ذَلِك أَيهَا الْأَمِير، فَإِن لخالدٍ قَدِيما سبق إِلَيْهِ، وحديثاً لنْ يًغْلَبَ عَلَيْهِ فَلَو طلب الْأَمر لطلبهِ بجد وجَدٍّ، وَلَكِن علم علما فَسلم الْعلم إِلَى أَهله. فَقَالَ: الحجاجُ: يَا آل أبي سُفْيَان، أَنْتُم تحبُّون أَن تحلُموا، وَلَا يكون الْحلم إِلَّا عَن غضب، فنحنُ نغضبكم فِي العاجل ابتغاءَ مرضاتكم فِي الآجل. ثمَّ قَالَ الْحجَّاج: وَالله لأتزوَّجنَّ من هُوَ أمسُّ بهِ رحما، ثمَّ لَا يُمكنهُ فِيهِ شَيْء، فَتزَوج أم الْجلاس بنت عبد الله بن خَالِد بن أسيد. تهدد عبد الْملك خَالِدا بالحرمان، فَقَالَ خَالِد: أتُهدِّدني، ويَدُ الله فَوْقك مانعةٌ، وعطاءُ الله دونكَ مبذولٌ؟ قَالَ رجل لخَالِد بن يزِيد بن مُعَاوِيَة: مَا أقربُ شيءٍ؟ قَالَ: الْأَجَل. قيل: فَمَا أبعدُ شيءٍ؟ قَالَ: الأمل. قيل: فَمَا آنس شيءٍ؟ قَالَ: الصاحبُ المُواتي. قيل: فَمَا أوحشُ شيءٍ؟ قَالَ: الميِّت. دخل عبد الْملك بن مَرْوَان على يزِيد بن مُعَاوِيَة. فَقَالَ: يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ، إِن لَك أَرضًا بوادي القُرى لَيست لَهَا غلَّة، فَإِن رأيتَ أَن تأْمرَ لي بهَا. فَقَالَ لَهُ يزِيد: إِنَّا لَا نُخدع عَن الصَّغِير، وَلَا نبخَلُ بالكبير، وَهِي لَك. فلمَّا ولىَّ قَالَ يزِيد: إِن أهل الْكتب يدَّعون أَن هَذَا يَرث مَا نَحن فِيهِ، فَإِن كَانَ كَمَا قَالُوا فقد صانعناه، وَإِن لم يكن فقد وصلْناه. وَلما ولىَّ يزِيد مسلمَ بنَ زِيَاد خُرَاسَان قَالَ لَهُ: إِن أَبَاك كفى أَخَاك عَظِيما، وَقد استكفيتُك صَغِيرا، فَلَا تتَّكِلنَّ على عذرٍ مني، فَإِنِّي قد اتكلتُ
стр. 513
على كِفَايَة مِنْك، وَإِيَّاك مني قبل أَن أَقُول: إيَّاي مِنْك، فإنَّ الظنَّ إِذا أُخلِفَ فِيك أخلف مِنْك. وَأَنت فِي أدنى حظِّك فاطلُب أقصاه. وَقد أتعبك أَبوك، فَلَا تُريحَنَّ نَفسك، وَكن لنفسِكَ تكُنْ لَك، وَاذْكُر فِي يومكَ أحاديثَ غدِكْ. وَقَالَ معاويةُ لعَمْرو بن الْعَاصِ: إِنِّي لأُحِبُّ أنْ تكون فِي خمسِ خصالٍ. قَالَ: وَمَا هن يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: أحب أَن يكون جهلٌ أعظم من حلمي، وَلَا ذنبٌ أكبر من عفوي، وَلَا عورةٌ إِلَّا وَأَنا أسعها بستري، وَلَا فاقةٌ إِلَّا سددتها بجودي، وَلَا زمانٌ أطول من أناتي، فَتَبَسَّمَ عَمْرو. فَقَالَ مُعَاوِيَة: مِمَّن تبسَّمت؟ فَإِنِّي أعلمُ أَنَّك إِن قُلتَ خيرا أضمرتَ شرا. قَالَ: نعم، تمنَّيتُ ضفةً لَا تكون إِلَّا لله. قَالَ مُعَاوِيَة: فاستُرها عليَّ. كتب مُعَاوِيَة إِلَى مَرْوَان بن الحكم: وَالله لفلانٌ أهْوَنُ عليَّ من ذرَّة أَو كلبٍ من كلابِ الحرَّة، ثمَّ قَالَ لِلْكَاتِبِ: امحِ الحرَّة، فَإِنَّهُ سجعٌ، واكتب من الْكلاب. قيل لخَالِد بن يزِيد: أَنِّي أصبتُ هَذَا الْعلم؟ قَالَ: وافقْتُ الرِّجَال على أهوائهم، ودخلتُ مَعَهم فِي رَأْيهمْ، حَتَّى بذلوا لي مَا عِنْدهم، وأفضوا إليَّ بِذَات أنفسهم. بعث زِيَاد إِلَى مُعَاوِيَة بِهَدَايَا مَعَ عبيد الله أخي الأشترِ النَّخعِيّ، وَفِي الْهَدَايَا سفطٌ فِيهِ جوهرٌ لم ير مثله، فقدِمَ عبد الله بالهدايا، ثمَّ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن زياداً بعثَ معي بسفطٍ مَا أَدْرِي مَا فِيهِ، وَأَمرَنِي أَن أدفعهُ فِي خلاءٍ. فَقَالَ: أحضرهُ، فلمَّا فتحهُ قَالَ: مَا أظُّن رجلا آثر بِهَذَا على نَفسه إِلَّا سيؤْثِرُهُ الله بالجنَّة، ارْجع بِهِ إِلَيْهِ، فَإِن من قبله من الْمُسلمين أَحَق بِهَذَا من مُعَاوِيَة. ثمَّ كتب إِلَى زِيَاد: إِنَّك رفعتَ إليَّ رايةَ الأشترِ حينَ وَضعهَا الله. بعثتَ مَعَ أَخِيه بسفطٍ يشْهد بِهِ عَليّ عِنْد أهل الْعرَاق، فاردده عليَّ مَعَ رجلٍ لَا يفقهُ عنيِّ، وَلَا أفقهُ عَنهُ، فردَّهُ إِلَيْهِ زِيَاد مَعَ غُلَام من غلمانه.
стр. 514
قَالَ مُعَاوِيَة ليزِيد: إنْ كنْتَ بعدِي - وكنْهُ. فابدأ بِالْخَيرِ، فَإِنَّهُ يُعَفِّى، على الشَّرّ، وَمَا صنعتَ من شيءٍ فَاجْعَلْ بينكَ وَبَين الله سترا ترجوه لَهُ، وتأْملُهُ بِهِ. وإيَّاك وَالْقَتْل فَإِن الله قَاتل القاتلين. وصف مُعَاوِيَة الْوَلِيد بن عتبَة فَقَالَ: إِنَّه لبعيد الْغَوْر، سكان الْفَوْر، نبتةُ أصلٍ لَا يخلف، وسليل فحلٍ لَا يقرِف. وَدخل خَالِد بن يزِيد دَار عبد الْملك، وَكَانَ يسحبُ ثِيَابه، فَقَامَ إِلَيْهِ عبد الرَّحْمَن بن الضَّحَّاك، يتلقاه معظِّماَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: بِأبي أَنْت وَأمي، لم تطعم الأَرْض فَضولَ ثيابكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي أكره أَن أكونَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر: الآجل. ثمَّ قَالَ الْحجَّاج: وَالله لأتزوَّجنَّ من هُوَ أمسُّ بهِ رحما، ثمَّ لَا يُمكنهُ فِيهِ شَيْء، فَتزَوج أم الْجلاس بنت عبد الله بن خَالِد بن أسيد. تهدد عبد الْملك خَالِدا بالحرمان، فَقَالَ خَالِد: أتُهدِّدني، ويَدُ الله فَوْقك مانعةٌ، وعطاءُ الله دونكَ مبذولٌ؟ قَالَ رجل لخَالِد بن يزِيد بن مُعَاوِيَة: مَا أقربُ شيءٍ؟ قَالَ: الْأَجَل. قيل: فَمَا أبعدُ شيءٍ؟ قَالَ: الأمل. قيل: فَمَا آنس شيءٍ؟ قَالَ: الصاحبُ المُواتي. قيل: فَمَا أوحشُ شيءٍ؟ قَالَ: الميِّت. دخل عبد الْملك بن مَرْوَان على يزِيد بن مُعَاوِيَة. فَقَالَ: يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ، إِن لَك أَرضًا بوادي القُرى لَيست لَهَا غلَّة، فَإِن رأيتَ أَن تأْمرَ لي بهَا. فَقَالَ لَهُ يزِيد: إِنَّا لَا نُخدع عَن الصَّغِير، وَلَا نبخَلُ بالكبير، وَهِي لَك. فلمَّا ولىَّ قَالَ يزِيد: إِن أهل الْكتب يدَّعون أَن هَذَا يَرث مَا نَحن فِيهِ، فَإِن كَانَ كَمَا قَالُوا فقد صانعناه، وَإِن لم يكن فقد وصلْناه. وَلما ولىَّ يزِيد مسلمَ بنَ زِيَاد خُرَاسَان قَالَ لَهُ: إِن أَبَاك كفى أَخَاك عَظِيما، وَقد استكفيتُك صَغِيرا، فَلَا تتَّكِلنَّ على عذرٍ مني، فَإِنِّي قد اتكلتُ على كِفَايَة مِنْك، وَإِيَّاك مني قبل أَن أَقُول: إيَّاي مِنْك، فإنَّ الظنَّ إِذا أُخلِفَ فِيك أخلف مِنْك. وَأَنت فِي أدنى حظِّك فاطلُب أقصاه. وَقد أتعبك أَبوك، فَلَا تُريحَنَّ نَفسك، وَكن لنفسِكَ تكُنْ لَك، وَاذْكُر فِي يومكَ أحاديثَ غدِكْ. وَقَالَ معاويةُ لعَمْرو بن الْعَاصِ: إِنِّي لأُحِبُّ أنْ تكون فِي خمسِ خصالٍ. قَالَ: وَمَا هن يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: أحب أَن يكون جهلٌ أعظم من حلمي، وَلَا ذنبٌ أكبر من عفوي، وَلَا عورةٌ إِلَّا وَأَنا أسعها بستري، وَلَا فاقةٌ إِلَّا سددتها بجودي، وَلَا زمانٌ أطول من أناتي، فَتَبَسَّمَ عَمْرو. فَقَالَ مُعَاوِيَة: مِمَّن تبسَّمت؟ فَإِنِّي أعلمُ أَنَّك إِن قُلتَ خيرا أضمرتَ شرا. قَالَ: نعم، تمنَّيتُ ضفةً لَا تكون إِلَّا لله. قَالَ مُعَاوِيَة: فاستُرها عليَّ. كتب مُعَاوِيَة إِلَى مَرْوَان بن الحكم: وَالله لفلانٌ أهْوَنُ عليَّ من ذرَّة أَو كلبٍ من كلابِ الحرَّة، ثمَّ قَالَ لِلْكَاتِبِ: امحِ الحرَّة، فَإِنَّهُ سجعٌ، واكتب من الْكلاب. قيل لخَالِد بن يزِيد: أَنِّي أصبتُ هَذَا الْعلم؟ قَالَ: وافقْتُ الرِّجَال على أهوائهم، ودخلتُ مَعَهم فِي رَأْيهمْ، حَتَّى بذلوا لي مَا عِنْدهم، وأفضوا إليَّ بِذَات أنفسهم. بعث زِيَاد إِلَى مُعَاوِيَة بِهَدَايَا مَعَ عبيد الله أخي الأشترِ النَّخعِيّ، وَفِي الْهَدَايَا سفطٌ فِيهِ جوهرٌ لم ير مثله، فقدِمَ عبد الله بالهدايا، ثمَّ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن زياداً بعثَ معي بسفطٍ مَا أَدْرِي مَا فِيهِ، وَأَمرَنِي أَن أدفعهُ فِي خلاءٍ. فَقَالَ: أحضرهُ، فلمَّا فتحهُ قَالَ: مَا أظُّن رجلا آثر بِهَذَا على نَفسه إِلَّا سيؤْثِرُهُ الله بالجنَّة، ارْجع بِهِ إِلَيْهِ، فَإِن من قبله من الْمُسلمين أَحَق بِهَذَا من مُعَاوِيَة. ثمَّ كتب إِلَى زِيَاد: إِنَّك رفعتَ إليَّ رايةَ الأشترِ حينَ وَضعهَا الله. بعثتَ مَعَ أَخِيه بسفطٍ يشْهد بِهِ عَليّ عِنْد أهل الْعرَاق، فاردده عليَّ مَعَ رجلٍ لَا يفقهُ عنيِّ، وَلَا أفقهُ عَنهُ، فردَّهُ إِلَيْهِ زِيَاد مَعَ غُلَام من غلمانه. قَالَ مُعَاوِيَة ليزِيد: إنْ كنْتَ بعدِي - وكنْهُ. فابدأ بِالْخَيرِ، فَإِنَّهُ يُعَفِّى، على الشَّرّ، وَمَا صنعتَ من شيءٍ فَاجْعَلْ بينكَ وَبَين الله سترا ترجوه لَهُ، وتأْملُهُ بِهِ. وإيَّاك وَالْقَتْل فَإِن الله قَاتل القاتلين. وصف مُعَاوِيَة الْوَلِيد بن عتبَة فَقَالَ: إِنَّه لبعيد الْغَوْر، سكان الْفَوْر، نبتةُ أصلٍ لَا يخلف، وسليل فحلٍ لَا يقرِف. وَدخل خَالِد بن يزِيد دَار عبد الْملك، وَكَانَ يسحبُ ثِيَابه، فَقَامَ إِلَيْهِ عبد الرَّحْمَن بن الضَّحَّاك، يتلقاه معظِّماَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: بِأبي أَنْت وَأمي، لم تطعم الأَرْض فَضولَ ثيابكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي أكره أَن أكونَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر: قصيرُ الثِّيَاب فاحشٌ عِنْد بيتهِ ... وشرُ قريشٍ فِي قريشٍ مُرَكَّبا وَهَذَا البيتُ هُجِيَ بِهِ الضَّحَّاك. قَالَ الجاحظ: لَو لم يتكلفْ مَا لايعنيه لم يسمع هَذَا الْجَواب. قَالَ بَعضهم كنتُ عندَ معاويةَ إِذْ دخل عبدُ الْملك، فتحدَّث ونهض، فَقَالَ معاويةك إنَّ لهَذَا الْغُلَام همةً، وخليقٌ أَن تبلغَ بِهِ همتهُ، وَإنَّهُ مَعَ مَا ذكرت تاركٌ لثلاثٍ أخِذٌ بِثَلَاث، تارِكٌ مساءة الجليس جداًّ وهزلاً، تاركٌ لما يعتذرُ مِنْهُ، تَارِك لما لَا يعنيه، آخِذٌ بأحسنِ الحَدِيث إِذا حدَّثَ، وبأحسنِ الِاسْتِمَاع إِذا حُدِّث، وبأهونِ الْأَمريْنِ عَلَيْهِ إِذا خُولِفَ. وَقَالَ مُعَاوِيَة لِابْنِهِ يزِيد: إِذا وليتَ فابسط الخيرَ، فَإِنَّهُ يُعَفِّي على الْعَيْب، وَاتَّقِ الله يقِكَ، وإياكَ والقتلَ، فإنَّ الله قتَّل للقاتلين. وَقَالَ لِعبيد الله بن زِيَاد: يَابْنَ أخي، إحفظ عني، لَا يكونَنَّ فِي عسكرِكَ أميرٌ غيركَ، ولاتقولَنَّ على منبَرٍ قولا يُخالِفُهُ فِعْلُك، وَمهما غلبت فَلَا تُغْلَبَنَّ على ميتةٍ كريمةٍ. وَقَالَ مُعَاوِيَة: آفةُ الْمُرُوءَة الْكبر وإخوانُ السوء، وآفةُ الْعلم النسْيَان، وآفةُ الحلمِ الذُّل، وآفةُ الجودِ السَّرف، وآفةُ الْقَصْد البُخْلِ، وآفةُ الْمنطق الفُحشِ،
стр. 515
وَآفَة الجلدِ الكسل، وآفةُ الرزانة الْكبر، وآفةُ الصمتِ العيّ، وَآفَة اللبّ الْعجب، وَآفَة الظَّرف الصلف، وَآفَة الحياءِ الضَّعف. وَقَالَ: لَا جَدَّ إِلَّا مَا أقعص عَنْك مَا تكره. وَقَالَ: لَا تعدنَّ شَيْئا، وحسبك جوداً أَن تُعْطِيَ إِذا سُئِلْتَ. وَقَالَ لِابْنِهِ يزِيد: مَا الْمُرُوءَة؟ فَقَالَ: إِذا ابتليتَ صبرتَ، وَإِذا أعطيتَ شكرتَ، وَإِذا وعدتَ أنجزْتَ. قَالَ: أنتَ منِّي، وَأَنا مِنْك يَا يزِيد. وَقَالَ مُعَاوِيَة: الْمُرُوءَة مؤاخاةُ الْأَكفاء، ومداجاةُ الْأَعْدَاء. وَقَالَ: مَا وجدتُ لذةَ شيءٍ ألذَّ عِنْدِي غباًّ من غيظٍ أتجرعُهُ، وَمن سفهٍ بالحلمِ أقمعُهُ. وَقَالَ لَهُ رجل: مَا أشبه أستك بأستِ أمك فَقَالَ: ذَاك الَّذِي كَانَ يُعْجِبُ أَبَا سُفْيَان مِنْهَا. وَأَغْلظ لَهُ الرجل فاحتمله، وأفرط عَلَيْهِ فحلم عَنهُ، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك. فَقَالَ: لَا نَحولُ بَين الناسِ وألسنتِهم مَا لم يحولوا بَيْننَا وَبَين ملكِنا. وَقَالَ لِابْنِهِ: يابني، اتَّخِذ الْمَعْرُوف عندَ ذَوي الأحسابِ تستمِل بِهِ قُلُوبهم، وتعظم بِهِ فِي أعينِهم، وتكفَّ بِهِ عَنْك عاديتهم. وَقَالَ: عَلَيْك بصديقك الأولِ، فَإنَّك تلقاهُ على عهْدٍ واحدٍ، تقدَّم الْعَهْد أَو شطَّتِ الدَّار. وإيَّاك وكلَّ مستَحدثٍ، فَإِنَّهُ يستَأْكِلُ كلَّ قوم، وَيسْعَى مَعَ كل ريح. ودعا يَوْمًا بصبيٍّ لَهُ، فقبَّله، وضمّهُ إليهِ، وَقَالَ: من سرَّه الدَّهْر أَن يرى كبدهُ تمشي على وَجه الأَرْض فلْيَرَ وَلَده. رُوي: أَنه فُلَّت سَرِيَّة لمعاوية، وَكَاد ينالُها الاصطلام، فَوَجَمَ واغتمَّ غماَّ شديداَ. فَقيل لَهُ فِي ذَلِك. فقالك مَا اغْتمامي للسرية فَقَط، وَلَكِن اغتمامي أَن يكون حدث بالحرمين حدثٌ، فَكَانَ هَذَا لذاك، فَكتب، وَنظر، فَإِذا مولى لخَالِد بن أُسيدٍ قد عدا بسيفٍ فِي الحرمِ مشهورٍ، فكتبَ، فَقطعت يَده.
стр. 516
كَانَ عمر ﵁ فرض للمهاجرين فِي خَمْسَة آلافٍ، وَفرض للنَّاس بعدهمْ على اقدارهم عندة فَفرض لأبي سُفْيَان وضُربائه فِي أَلفَيْنِ، فَلَمَّا صَار الأمرُ إِلَى مُعَاوِيَة حطَّ الْعَطاء إِلَى عَطاء أَبِيه، فَصَارَ شرفُ الْعَطاء فِي ألفينِ. قَالَ معاويةُ يَوْمًا: مَا ولدتْ قرشيةٌ خيرا لقريشٍ مني، فَقَالَ ابْن زُرارة: بل مَا ولدَتْ شرا لَهُم مِنْك فَقَالَ: كَيفَ؟ قَالَ: لِأَنَّك عوَّدتَهم عَادَة يطلبونها من بعْدك، فَلَا يجيبونهم إِلَيْهَا، فيحملون عَلَيْهِم كحملهم عَلَيْك. فَلَا يحتمِلون وكأنيِّ بهم كالزِّقاق المنفوخةِ فِي طرقاتِ الْمَدِينَة.؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟
стр. 517
الْبَاب الثَّانِي؟ ؟ كَلَام مَرْوَان بن الحكم وَولده فِي الْخُلَفَاء
كتب مَرْوَان إِلَى النُّعْمَان بن بشير يخطبُ إِلَيْهِ ابْنَته أُمَّ أبانٍ لِابْنِهِ عبد الْملك: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. من مَرْوَان بن الحكم إِلَى النُّعْمَان بن بشير. سَلام عَلَيْك، فَإِنِّي أحمدُ إليكَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ. أما بعد، فَإِن الله ذَا المنِّ والبرهان،؟ ؟ ؟ العظمة وَالسُّلْطَان، قد خصَّكم - معاشر الْأَنْصَار - بنُصرة دينه، وإعزاز نبيه محمدٍ ﷺ وَقد جعلك مِنْهُم فِي البيْتِ العميمِ، والفرعِ الْقَدِيم. وَقد دَعَاني إِلَى إحباب مصاهرتك والإيثار لَك على الأكفاءِ من ولدِ أبي. وَقد أحبَبْتُ أَن تزوِّجَ ابْني عبد الْملك بن مَرْوَان ابْنَتك أمَّ أبانٍ بنتَ النُّعْمَان، وَقد جعلت صَدَاقهَا مَا نطق بِهِ لِسانكَ وترنَّمتْ بِهِ شفتاك، وبلغهُ مُناك. وحكمت بِهِ فِي بَيت المالِ قبلكَ. فَكتب إِلَيْهِ النُّعْمَان: من النُّعْمَان بن بشير إِلَى مَرْوَان بن الحكم. بدأت باسمي سُنة من رَسُول الله ﷺ وَذَلِكَ أَنِّي سمِعْتُ خليلي ﷺ يَقُول: " إِذا كتب أحدُكم إِلَى أحدٍ فلْيبدأ بنفسهِ ".
стр. 518
أما بعد، فقد بَلغنِي كتابُكَ، تذكر من مودَّتِك مَا أَرَاك صَادِقا، فغُنْماً أصبت، وبحظِّك أخذْتَ، ونفسَكَ زكَّيْتَ، لأناَّ ناسٌ قد جعل الله حميدا حُبنا إِيمَانًا، وبُغْضنا نفَاقًا. وَأما مَا أطْنَبْتَ فِيهِ من ذكرُ شرفنا، وقديم سلفنا، فَفِي مدحِ الله لنا وذكرِهِ إيانا فِي كتابهِ الْمنزل، وقرآنه المفصَّل على نبيه ﷺ مَا أغْنى بِهِ عَن مدح غَيره من المخلوقين، فَأَما مَا ذكرْتَ من إيثارك إيَّايَ بابنك عبد الْملك على الْأَكفاء من ولد أَبِيك، فحظِّي مِنْك مردودٌ عَلَيْهِم، موفَّرٌ لَهُم غير مشاحٍّ فِيهِ، وَلَا منافَسِ عَلَيْهِ، وَأما مَا ذكرتَ من بذْلِك لي من بَيت المَال قبلي، وَبِمَا نطق بِهِ لساني، وترنَّمتْ بِهِ شفتاي، وبلغه مناى، فلعمري لقد أصبح حظي فِيهِ - والحمدُ لله - أوفرَ من حظِّكَ، وسهْمي فِيهِ أجزلَ من سهمِكَ، وأمري فِيهِ أجوزَ من أمركَ، وبعدُ: فَلَو أنَّ نَفسِي طاوعتني لأصبَحتْ ... لَهَا حفَدٌ مِمَّا يُعَدَّ كثيرُ وَلكنهَا نفسٌ عليَّ كريمةٌ ... عَيوفٌ لأصهارِ اللئامِ قذورُ فِي أبياتٍ أُخر قَالَ مُعَاوِيَة لمروان: منْ تَرى لأهل الْعرَاق؟ قَالَ: من لَا يَفْحجُ الحلوبَ حَتَّى تدنوَ الدِّرَّة، ولايدني العلبة َ حَتَّى تمسَحَ الضرَّةَ. وَقَالَ مَرْوَان لِابْنِهِ: آثر الْحق، وحصِّنْ مملكتَكَ بِالْعَدْلِ، فإنهُ سورها المنيع الَّذِي لَا يُغْرِقُهُ ماءٌ، وَلَا تحرقُهُ نارٌ، وَلَا يهدِمُهُ منجنيق. وَذكر أَبُو هُرَيْرَة مُعَاوِيَة فِي مجْلِس فِيهِ مَرْوَان فاغتابه، ثمَّ خَافَ أَن يبلُغَ مُعَاوِيَة ذَلِك، فَقَالَ: إنَّ رَسُول الله ﷺ قَالَ: " المجالسُ بالأمانة " وَسَأَلَ مَرْوَان أَن يكتم عَلَيْهِ. فَقَالَ مروانُ: وَالله. لما ركبت مني فِي ظنِّك بِي أنيِّ أنقُلُ حديثكَ أعظَمُ ممَّا ركبتَ من مُعَاوِيَة.
стр. 519
عبد الْملك بن مَرْوَان
خطب فَقَالَ: أيُّها النَّاس، اعْمَلُوا لله رَغْبَة أَو رهبةً، فَإِنَّكُم بناتُ نِعمتهِ، وحصيدُ نقمته، وَلَا تَغرسُ لكم الآمال إِلَّا مَا تجتنيه الْآجَال. وأقِلُّوا الرغْبةَ فِيمَا يورِثُ العطبَ، فكلُّ مَا تزرَعُهُ العاجلة تقلعه الآجلةُ. واحذروا الجديدين، فهما يكراَّن عَلَيْكُم باقتسام النفوسِ، وهدمِ المأسوس. كفانا الله وإياَّكم سطوة الْقدر، وأعاننا بِطَاعَتِهِ عَن الحذر من شرِّ الزَّمن، ومعضلات الفتَن. بَصق عبد الْملك، فقصر، فَوَقع بصاقه على الْبسَاط، فَقَامَ رجل فمسحهُ بِثَوْبِهِ، فَقَالَ عبدُ الْملك: أَرْبَعَة لَا يُستحيى من خدمتهم: السُّلْطَان وَالْولد، والضَّيف، وَالدَّابَّة وَأمر للرجلِ بِصِلة. اسْتَأْذن رجل عَلَيْهِ، فَأذن لَهُ، فَوقف بَين يَدَيْهِ ووعظه، فَقَالَ عبد الْملك لرجلٍ: قل للحاجب، إِذا جَاءَ هَذَا فَلَا تَمنعهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يعرفَهُ الحاجبُ فَلَا يأذنَ لَهُ. وَقَالَ: إِنِّي لأعرف عزّة الرجل من ذلته بجلسته. وَقَالَ لَهُ ابْنه الْوَلِيد: مَا السياسة؟ قَالَ: هَيْبَة الْخَاصَّة مَعَ صدق مودَّتِها، واقتياد قُلُوب الْعَامَّة بالإنصاف لَهَا، وَاحْتِمَال هفوات الصَّنَائِع. وَدخل الشّعبِيّ عَلَيْهِ، فخطَّأه فِي مجْلِس وَاحِد فِي ثَلَاث، سَمِع الشّعبِيّ مِنْهُ حَدِيثا، فَقَالَ: أكتبنيه. فَقَالَ: نَحن معاشر الْخُلَفَاء لَا نُكْتِبُ أحدا شَيْئا. وَذكر رجلا فكنَّاه فَقَالَ: نَحن معاشر الْخُلَفَاء لَا يكنى الرِّجَال فِي مجالسنا، وَدخل إِلَيْهِ الأخطل، فَدَعَا لَهُ بكرسي. فَقَالَ: من هَذَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فَقَالَ: الْخُلَفَاء لَا تُسْأَل، فأخجَلهُ فِي أول مقَام. وَقَالَ لِأَخِيهِ عبد الْعَزِيز حِين وجَّههُ إِلَى مصر: تفَقَّد كاتبك وحاجبك وجليسك، فَإِن الْغَائِب يُخبرهُ عَنْك كاتبك، والمتوسِّمُ يعرِفك بحاجبك وَالْخَارِج من عنْدك يعرفك بجليسك.
стр. 520
وَقَالَ: أفضل الرِّجَال من تواضع عَن رفْعَة، وزهد عَن قدرَة، وأنصف عَن قُوَّة. وخاض جُلَسَاؤُهُ يَوْمًا فِي مقتل عُثْمَان، فَقَالَ رجل: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فِي أَي سنك كنت يومئذٍ؟ قَالَ: كنت دون المحتَلَم. فَقَالَ: فَمَا بلغ من حزنك عَلَيْهِ؟ قَالَ: شغلني الغضبُ لَهُ عَن الْحزن عَلَيْهِ. وَقَالَ: الْهَدِيَّة السحر الظَّاهِر. وَقَالَ لمعلم وَلَده: روِّ بِي الشّعْر يعرفوا بِهِ مَكَارِم الْأَخْلَاق، وَلَا تروِّهم شعرَ هُذَيْل فتزَّين لَهُم الْفِرَار، وَلَا شعر أُححية بن الجلاحَ فتحسِّن لَهُم الْبُخْل، وأطعمهم اللحمَ تشتد قُلُوبهم، وجُزَّ أشعارهم تغلُظ رقابهم. وَقَالَ: الفرقُ بَين عمرَ وعثمانَ أنَّ عمر سَاءَ ظنُّه فأحكم أمره، وعثمانَ حسن ظَنّه فأهمل أمره. وَدخل عبدُ الْملك على مُعَاوِيَة وَمَعَهُ بنوه، فَلَمَّا جَلَسُوا على الكراسي، وَأخذُوا مجَالِسهمْ اغتاظ معاويةُ، ثمَّ قَالَ: كَأَنَّك أردْت مكاثرتي ببنيك يَا بن مَرْوَان. وَمَا مثَلي ومثلُكَ، إِلَّا كَمَا قَالَ الشَّاعِر: يُفاخِرُني بِكَثْرَتِها قريظٌ ... وقبْلي وَالِد الحَجَلِ الصقور الأبيات. فَقَالَ عبد الْملك: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّمَا هَؤُلَاءِ ولدك ويَدُكَ وعضُدُك، وَقد علمتُ إِنَّمَا خفْتُ عَلَيْهِم العينَ، وليسو عائدين. كتب عبد الْملك إِلَى الْحجَّاج: إِنَّك قِدْحُ ابْن مقبل، يُرِيد قَوْله: خروجَ مِنَ الغُمَّى، إِذا صُكَّ صَكةً ... بدا والعيونَ المُسْتَكِفَّة تلمحُ
стр. 521
وَكتب إِلَيْهِ مرّة: أما بعد، فَإنَّك سالمٌ والسلامُ. يريدُ قَوْله: يُديرونني عَن سالمٍ وأُديرَهم ... وجِلْدَةُ بَين العينِ والأنفِ سالمُ وَقَالَ عبد الْملك لعبد الله بن مسْعدَة الْفَزارِيّ: أَتَدْرِي أَي النِّسَاء أفضل؟ قَالَ: اللَّواتي يَقُول أهل الرجل قد سحرتهُ. وَقيل لَهُ عَجِلَ عليكَ الشيبُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: وَكَيف لَا يعجل عليَّ، وَأَنا أعرضُ عَقْلِي على الناسِ كل جُمُعَة مرّة أَو مرَّتَيْنِ. يَعْنِي خُطْبةُ الْجُمُعَة وَبَعض مَا يعرض من الْأُمُور. وخطب مرّة فَقَالَ: إِنِّي وَالله مَا أَنا بالخليفة المستضعفِ - يَعْنِي: عُثْمَان - وَلَا أَنا بالخليفة المداهِنِ - يَعْنِي: مُعَاوِيَة - وَلَا أَنا بالخليفة المأْبون يَعْنِي يزِيد. وَقَالَ: لَو ألقيتُ الخيزُرانةَ من يَدي لذهب شطرُ كَلَامي. وَقَالَ لمعلِّم ولدِه: علِّمهم العومَ، وخُذْهم بقلَّةِ النّوم. وَقَالَ عبد الْملك: لقد كنت أَمْشِي فِي الزَّرْع فأتقي الجندب أَن أَقتلهُ، وإنَّ الْحجَّاج ليكتب إليّ فِي قتل فئامٍ من النَّاس فَمَا أحفل بذلك. وَمن كَلَامه: لَا تُلْحِفوا إِذا سَأَلْتُم، وَلَا تبخَلوا إِذا سُئِلْتُم. وَنظر إِلَى عُمَرَ بن عبد الْعَزِيز وَهُوَ غُلَام، فَقَالَ: إنِّي لأرى غُلَاما أوشكت همَّتَهُ أَن ترفعهُ عَن الدُّنْيَا. وَكَانَ عبد الْملك بَخِيلًا، فَقَالَ يَوْمًا لكُثَيِّر: أَي الشّعْر أفضل؟ فَقَالَ: كُثير يُعَرِّضُ ببخْلِهِ: أفضله قَول المقنَّع الكنْدي: إنِّي أُحَرِّضُ أهلَ الْبُخْل كلُّهُم ... لَو كَانَ ينفعُ أهل البخلِ تحريضي وَهِي أَبْيَات، فَقَالَ عبد الْملك - وَعرف مَا أَرَادَ - الله أصدقُ من المقنَّع إِذْ يَقُول: " والذينَ إِذا أَنْفقُوا لَم يُسرِفوا وَلم يَقْتروا وَكَانَ بَين ذَلِك قَواما ".
стр. 522
وَلما سَقَطت ثنايا عبد الْملك فِي الطست قَالَ: وَالله لَوْلَا الخطبةُ، وَالنِّسَاء مَا حفلتُ بهَا. وذُكر عِنْده عمرُ فَقَالَ: قَلِّلوا من ذِكره، فَإِنَّهُ طعنٌ على الأئمةِ، حسرةٌ على الأمةِ. وَقَالَ: اطْلُبُوا معيشةً لَا يقدِرُ سلطانٌ جائرٌ على غصبهَا. فَقيل: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الْأَدَب. وَكتب إِلَى الْحجَّاج: جنِّبني دِمَاء آل أبي طَالب، فَإِنِّي رأيتُ بني حربٍ لما قتلوا حُسيناً نزع الله الْملك مِنْهُم. دخل إِلَيْهِ أَعْرَابِي فبرك بَين يَدَيْهِ، ثمَّ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن النَّاقة إِذا منعت الحليب قَوَّمَتْها الْعَصَا، فَقَالَ عبد الْملك: إِذا تكفئ الْإِنَاء، ونكسرُ أنف الحالب. وَقَالَ لزُفر بن الْحَارِث: مَا ظنُّك بِي؟ قَالَ: ظنِّي بك أَنَّك تقتلني، فَقَالَ، قد أكذب الله ظَنك، وَقد عفوتُ عَنْك. ونازعه عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن الْوَلِيد، فأربى عَلَيْهِ، فَقيل لَهُ: لَو شكوتَه إِلَى عَمه لانتقم لَك مِنْهُ، فَقَالَ: مثلي لَا يشكو، وَلَا أعدُّ - أَنا - انتقام غَيْرِي لي انتقاماً، فَلَمَّا اسْتخْلف قيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: حِقدُ الُسُّلْطانِ عجز. وَقَالَت لَهُ حُبَي المدينية: أقتلتَ عمرا؟ فَقَالَ: قتلته وَهُوَ أعزُّ عليَّ من دم ناظري، وَلَكِن لَا يجْتَمع فحلان فِي شَوْلٍ. وَكتب إِلَى الْحجَّاج وَلَا توَلينَّ الْأَحْكَام بَين الناسِ جَاهِلا بِالْأَحْكَامِ، وَلَا حديداً طائشاً عِنْد الخصامِ، وَلَا طمِعاً هلعاً يقرُّبُ أهل الْغنى ويبُشُّ بِأَهْل السعَة، فيكسر بذلك أَفْئِدَة ذَوي الْحَاجة، وَيقطع ألسنتهم عَن الإدلاء بِالْحجَّةِ، والإبلاغ فِي الصّفة،
стр. 523
وَاعْلَم أَن الْجَاهِل لَا يعلم، وَالْحَدِيد لَا يفهم، والطائشَ القلقَ لَا يعقِل، والطمع الشره لَا ينفَعُ عِنْد الْحجَّة، وَلَا تغني قِبَلَه البيِّنةُ. وَالسَّلَام. قَالُوا: أشرفَ يَوْمًا على أَصْحَابه، وهم يذكرُونَ سيرةَ عمر ﵁ فَغَاظَهُ ذَلِك، فَقَالَ: إيهاً عَن ذِكْرِ عمر، فَإِنَّهُ إزراءٌ بالوُلاة مفْسدَة للرعية. وَكَانَ إِذا أَرَادَ أَن يولي رجلا عمل البريدِ سَأَلَ عَن صدقه ونزاهته وأناته، وَيَقُول: كذبه شكِّك فِي صدقه، وشرهه يَدعُوهُ فِي الْحق إِلَى كِتْمَانه، وعجلته تهجم بِمن فَوْقه على مَا يُؤثْمهُ ويُندِمُه. وَقيل لَهُ: مَا الْمُرُوءَة؟ قَالَ: مُوالَاة الْأَكفاء، ومداجاةُ الْأَعْدَاء. قَالَ لَهُ رجل: إِنِّي أُرِيد أَن أُسرَّ إِلَيْك شَيْئا، فَقَالَ عبدُ الْملك لأَصْحَابه: إِذا شِئْتُم. فنهضوا، فأرادَ الرجل الكلامَ، فَقَالَ لَهُ عبدُ الْملك: قفْ، لَا تمدحني، فَإِنِّي أعلمُ بنفسي منكَ، وَلَا تكذبني، فَإِنَّهُ لَا رأيَ للكذوب وَلَا تغتَبْ عِنْدِي أحدا. فَقَالَ: أفتأْذَنُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الِانْصِرَاف؟ قَالَ: إِذا شئتَ. وَقَالَ لَهُ رجلٌ من أهلِ الكتابةِ كَانَ مَوْصُوفا بِقِرَاءَة الْكتب وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ: إِن بشَّرتُك بِشَارَة تسرُّك مَا تجعلُ لي؟ قَالَ: وَمَا مقدارها فِي السرُور حَتَّى نعلم مقدارها من الْجعل؟ قَالَ: أَن تملِكَ الأَرْض. قَالَ: مَا لي من مَال، وَلَكِن أرأيتَ إِن تكلَّفتُ لَك جُعْلاً أتأتيني بذلك قبل وقته؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِن حرمْتُكَ أتؤخِّرُهُ عَن وقته؟ قَالَ: لَا. قَالَ: حسبُكَ مَا سمعتْ. وَكتب إِلَى الْحجَّاج: إِنِّي قد استعملتُك على العراقَيْن صدمة، فَاخْرُج إِلَيْهِمَا كميش الْإِزَار شَدِيد العذار منطوي الخصيلة قَلِيل الثميلة، غرار النّوم، طَوِيل الْيَوْم. فاضغط الْكُوفَة ضغطة تحبق مِنْهَا الْبَصْرَة، وارم بِنَفْسِك الْغَرَض الْأَقْصَى، فَإِنِّي قد رميته بك، وأرد مَا أردته مِنْك. وَالسَّلَام. وَلما ولي عبد الْملك صعد الْمِنْبَر، فَقَالَ بعد الْحَمد لله وَالثنَاء عَلَيْهِ وَالصَّلَاة على النَّبِي ﷺ : أَن الله اختصنا بالكرامة، وانتجبنا للولاية وَآثرنَا
стр. 524
بالخلافة، وَأَنا عبد من عبيد الله، وخازن من خزان الله على مقاليد الأَرْض، فَإِذا شَاءَ لعبدٍ برزقٍ أنرني فأعطيته، وَإِذا حرم عبدا أجْرى ذَلِك على يَدي، فَسَلُوا الله قَضَاء حَوَائِجكُمْ، ونجاح طلباتكم، وَإِلَيْهِ يكون معادكم، وَلَا يمنعن رجلا سَأَلَني اليومَ فحرمته أَن يسألني غَدا، فَإِنَّمَا الأمورُ إِلَى الله وَبِيَدِهِ. ولمَّا أَتَاهُ خلعُ ابْن الْأَشْعَث صعد الْمِنْبَر فَقَالَ: فيومٌ علينا، واليومٌ لنا ... ويومٌ نُساءُ، ويومٌ نسَرُّ إِن أهل الْعرَاق استعجلوا قدري قبل انْقِضَاء أَجلي، اللَّهُمَّ لَا تسلِّط علينا من هوَ شرُّ منا، وَلَا تسلطنا على من هُوَ خيرٌ منا. اللَّهُمَّ صب سيف أهل الشَّام على أهل الْعرَاق حَتَّى يبلغُوا رضاك، فَلَا تجاوزه إِلَى سخطك. فَقَامَ عدي بن أَرْطَأَة من نَاحيَة الْمَسْجِد، فَقَالَ: إِنَّا وَالله لَا نقُول كَمَا قَالَ قوم مُوسَى: " فَاذْهَبْ أَنْت وَرَبك فَقَاتلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ " وَلَكِن نُقَاتِل مَعَك، ونجاهد الْمُنَافِقين، فَكَانَ أول يَوْم عرف فِيهِ عدي. وَكَانَ عبد الْملك يَقُول: اللّحن هجنة على الشريف، وَالْعجب آفَة الرَّأْي. وَقَالَ اللّحن فِي الْمنطق أقبح من آثَار الجدري فِي الْوَجْه. وَقَالَ على الْمِنْبَر: لم تنصفونا يَا معشر الرّعية. تُرِيدُونَ منا سيرة أبي بكر وَعمر، وَلم تسيروا فِي أَنفسكُم وَلَا فِينَا بسيرة أَصْحَاب أبي بكر وَعمر، نسْأَل الله أَن يعين كلاًّ على كلٍّ. قَالَ عَمْرو بن عبيد: كتب عبد الْملك وَصِيَّة بِيَدِهِ، وَأمر النَّاس بتدبر مَا فِيهَا وَهِي:
стр. 525
إِن الله جعل لِعِبَادِهِ عقولاً عاقبهم بهَا على مَعْصِيَته، وأثابهم على طَاعَته، فَالنَّاس بَين محسنٍ بِنِعْمَة الله عَلَيْهِ، ومسيء بخذلان الله إِيَّاه، وَللَّه النِّعْمَة على المحسن وَالْحجّة على الْمُسِيء، فَمَا أولى بِمن تمت عَلَيْهِ النِّعْمَة فِي نَفسه، وَرَأى الْعبْرَة فِي غَيره، بِأَن يضع الدُّنْيَا حَيْثُ وَضعهَا الله، فيعطي مَا عَلَيْهِ مِنْهَا وَلَا يكترث بِمَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا، فَإِن الدُّنْيَا دَار فناءٍ وَلَا سَبِيل إِلَى بَقَائِهَا. ولابد من لِقَاء الله، فأحذِّركم الله الَّذِي حذركُمْ نَفسه، وأوصيكم بتعجيل مَا أَخَّرته العجزة قبل أَن تصيروا إِلَى الدَّار الَّتِي صَارُوا إِلَيْهَا، فَلَا تقدرون فِيهَا على تَوْبَة. وَلَيْسَت لكم مِنْهَا أوبة، وَأَنا اسْتخْلف الله عَلَيْكُم، وأستخلفه مِنْكُم. وَأذن يَوْمًا لخاصته، فَأخذُوا مجَالِسهمْ، وَأَقْبل رجلٌ مِنْهُم على عيب مُصعب بعد قَتله، فَنظر إِلَيْهِ عبد الْملك نظر كَرَاهِيَة، لما قَالَ، ثمَّ قَالَ: أمسك. أما علمت أَن من صغر مقتولاً فقد أزرى بقاتله. وَلما قتل عَمْرو بن سعيد أذن للنَّاس أذنا عَاما، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ - وجثة عَمْرو فِي نَاحيَة الْبَيْت - فَلَمَّا أخذُوا مجَالِسهمْ تكلم عبد الْملك فَقَالَ: إرموا بأبصاركم نَحْو مصَارِع أهل الْمعْصِيَة، وَاجْعَلُوا سلفهم لمن غبر مِنْكُم غظة، وَلَا تَكُونُوا أغفالاً من حسن الِاعْتِبَار، فتنزل بكم جَائِحَة السطوة، وتجوس خلالكم بَوَادِر النقمَة، وَتَطَأ رِقَابكُمْ بثقلها الْمعْصِيَة، فتجعلكم همداً، رفاتاً، وتشتمل عَلَيْكُم بطُون الأَرْض أَمْوَاتًا. وإياي من قَول قائلٍ، وسفه جَاهِل، فَإِن مَا بيني وَبَيْنكُم أَن أسمع النعرة، فأصمم تصميم الحسام المطرور، وأصول صيال الحنق الموتور، إِنَّمَا هِيَ المصافحة والمكافحة بظبات السيوف، وأسنة الرماح، فَتَابَ تائب، أَو هلك خائب، والتوب مَقْبُول، وَالْإِحْسَان مبذول لمن أبْصر حَظه، وَعرف رشده. فانظروا لأنفسكم، وَأَقْبلُوا على حظوظكم، وَليكن أهل الطَّاعَة مِنْكُم يدا على ذَوي الْجَهْل من سفهائكم، واستديموا النِّعْمَة الَّتِي ابتدأتكم برغد عيشها،
стр. 526
ونفيس زينتها، فَإِنَّكُم من ذَاك بَين قضيتين: عَاجل الْخَفْض والدعة، وآجل الْجَزَاء والمثوبة. عصمكم الله من الشَّيْطَان، وفتنته ونزغه، وأيدكم بِحسن معونته وَحفظه. انهضوا - رحمكم الله - لقبض أعطياتكم غير مَقْطُوعَة عَنْكُم، وَلَا مَمْنُوعَة مِنْكُم، وَلَا مكدرة عَلَيْكُم إِن شَاءَ الله. قَالَ: فَخرج الْقَوْم بداراً كلهم يخَاف أَن تكون السطوة بِهِ. سمع عبد الْملك شعر عمر بن أبي ربيعَة، فَقَالَ: بئس الْجَار الغيور أَنْت، وَكَانَ يَقُول: حقد السُّلْطَان عجز، وَالْأَخْذ بِالْقُدْرَةِ لؤم، وَالْعَفو أقرب للتقوى، وَأتم للنعمة.
الْوَلِيد بن عبد الْملك
جَاءَ إِلَيْهِ رجل فَقَالَ: عَن فلَانا نَالَ مِنْك. قَالَ: أَتُرِيدُ أَن تقتص أوتارك من النَّاس بِي؟ . وهرب من الطَّاعُون، فَقَالَ لَهُ رجلٌ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله تَعَالَى يَقُول: " لن ينفعكم الْفِرَار من الْمَوْت أَو الْقَتْل وإذأً لَا تمتعون إِلَّا قَلِيل " فَقَالَ الْوَلِيد: إِنَّمَا نُرِيد ذَلِك الْقَلِيل. وَقَالَ لَهُ رجل: عَن فلَانا شتمك، فأكب، ثمَّ قَالَ: أرَاهُ شتمك. وَكَانَ الْوَلِيد لحاناً فَدخل عَلَيْهِ يَوْمًا رجل من الْعَرَب، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد: مَا شَأْنك؟ قَالَ: أود فِي أنفي واعوجاج. فَقَالَ لَهُ رجل من أَصْحَابه: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول لَك: مَا شَأْنك؟ فَقَالَ: كَذَا وَكَذَا: وَدخل إِلَيْهِ آخر فتظلم من ختن لَهُ. فَقَالَ الْوَلِيد: من ختنك؟ فَقَالَ: معذر فِي الْحَيّ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
стр. 527
قَالَ عَطاء: قلت للوليد: قَالَ عَمْرو بن الْخطاب: وددت أَنِّي سلمت من الْخلَافَة كفافاً لَا عَليّ وَلَا لي. قَالَ: كذبت، الْخَلِيفَة يَقُول هَذَا؟ قلت: أَو كذبت؟ قَالَ: فَأَفلَت مِنْهُ بجريعة الذقن. وَقَالَ يَوْمًا: وَالله لأشفعن للحجاج بن يُوسُف. وَذكر يَوْمًا عليا ﵁ على الْمِنْبَر، فَقَالَ: لص بن لص. قَالَ بَعضهم: مَا أدرى أَي أمريه أعجب، لحنه فِيمَا لَا يلحن فِيهِ، أَو نسبته عليا ﵁ إِلَى اللصوصية، وَمر الْوَلِيد بمعلم صبيان، فَرَأى جَارِيَة، فَقَالَ: وَيلك مَا هَذِه الْجَارِيَة؟ قَالَ: أعلمها الْقُرْآن. قَالَ: فَلْيَكُن الَّذِي يعلمهَا أَصْغَر مِنْهَا. وَلما اسْتعْمل يزِيد بن أبي مُسلم بعد الْحجَّاج قَالَ: أَنا كمن سقط مِنْهُ دِرْهَم فَأصَاب دِينَارا. وَسمع يَقُول على الْمِنْبَر: عَن حدثتكم وكذبتكم فَلَا طَاعَة لى عَلَيْكُم، وَإِن وعدتكم فأخلفتكم فَلَا طَاعَة لي عَلَيْكُم. قَالَ الجاحظ: فَيَقُول: مثل هَذَا الْكَلَام ثمَّ يَقُول لِأَبِيهِ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قتل أبي فديك. وَقَالَ مرّة: يَا غُلَام، رد الفرسان الصادان عَن الميدان. وَكَانَ عبد الْملك يَقُول أضرّ بالوليد حبنا لَهُ، وَلم نوجهه إِلَى الْبَادِيَة، وَصلى يَوْمًا فَقَرَأَ: " ياليتها كَانَت القاضية "، فَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز: عَلَيْك. وَرُوِيَ عَن أبي إِسْحَاق بن قبيصَة قَالَ: كَانَت كتب الْوَلِيد تَأْتِينَا ملحونة وَكَذَلِكَ كتب مُحَمَّد أَخِيه. قَالَ: فَقلت لمولى لَهُم: مَا بَال كتبكم تَأْتِينَا ملحونة، وَأَنْتُم أهل الْخلَافَة؟ فَأخْبرهُ بِقَوْلِي، فَإِذا كتاب مِنْهُ، قد ورد عَليّ: أما بعد، فقد أَخْبرنِي فلَان بِالَّذِي قلت، وَمَا أحسبك تشك أَن قُريْشًا أفْصح من الْأَشْعَرِيين. وَالسَّلَام.
стр. 528
وَدخل على الْوَلِيد شَيْخَانِ، فَقَالَ أَحدهمَا: نجدك تملك عشْرين سنة، فَقَالَ الآخر: كذبت، بل نجده يملك سِتِّينَ سنة. قَالَ، فَقَالَ الْوَلِيد: مَا الَّذِي قَالَ هَذَا لاثٍ بصغري وَلَا الَّذِي قَالَ هَذَا يغر مثلي، وَالله لأجمعن المَال جمع من يعِيش أبدا، ولأفرقنه تَفْرِيق من يَمُوت غَدا. وخطب فَقَالَ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الْملك كَانَ يَقُول: الْحجَّاج جلدَة مَا بَين عَيْني، أَلا وَإنَّهُ جلدَة وَجْهي كُله. وَلما مَاتَ عبد الْملك صعد الْوَلِيد الْمِنْبَر، فجمد الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: لم أر مثلهَا مُصِيبَة وَلم أر مثله ثَوابًا: موت أَمِير الْمُؤمنِينَ، والخلافة، فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون على الْمُصِيبَة، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين على النِّعْمَة انهضوا فَبَايعُوا على بركَة الله. مَاتَ لعبد الْملك ابْن، فجَاء الْوَلِيد فَعَزاهُ، فَقَالَ: يَا بني، مصيبتي فِيك أعظم من مصيبتي بأخيك، مَتى رَأَيْت ابْنا عزى أَبَاهُ؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أُمِّي أَمرتنِي بذلك. قَالَ: هُوَ من مشورة النِّسَاء. وَرُوِيَ أَن الْوَلِيد قَامَ على الْمِنْبَر بعد موت عبد الْملك، فَقَالَ: يالها من مُصِيبَة مَا أفجعها وَأَعْظَمهَا، وأشدها وأوجعها وأغمها موت أَمِير الْمُؤمنِينَ ويالها نعْمَة مَا أعظم الْمِنَّة من الله تَعَالَى عَليّ فِيهَا، وَأوجب للشكر لَهُ بهَا، خِلَافَته الَّتِي سربلتها، فَكَانَ أول من عزى نَفسه وهنأها بالخلافة. فَأقبل غيلَان بن مسلمة الثَّقَفِيّ، فَسلم عَلَيْهِ بالخلافة ثمَّ قَالَ: أَصبَحت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ورثت خير الْآبَاء، وَسميت خير الْأَسْمَاء، وَأعْطيت أفضل الْأَشْيَاء فعزم الله لَك على الرزية بِالصبرِ، وأعطاك فِي ذَلِك نوافل الْأجر، وأعانك فِي حسن ثَوَابه على الشُّكْر، ثمَّ قضى لعبد الْملك بِخَير الْقَضِيَّة، وأنزله الْمنَازل الرضية. فأعجبه كَلَامه وَقَالَ: أثقفي أَنْت؟ قَالَ: نعم وَأحد بني معتب. فَسَأَلَهُ: كم هُوَ من الْعَطاء؟ فَقَالَ: فِي مائَة دِينَار. فألحقه بشرف الْعَطاء، فَكَانَ أمل من ألحق بشرف الْعَطاء.
стр. 529
فَقَالَ الْوَلِيد: لَا تَذكرُوا عمر بن الْخطاب على أبوابنا وَلَا عندنَا، فَإِن ذكره طعن علينا.
سُلَيْمَان بن عبد الْملك
تكلم وَفد بَين يَدي سُلَيْمَان فأخطئوا، وَتكلم بعدهمْ رجل فأبلغ. فَقَالَ سُلَيْمَان: كَأَن كلامكم بعد كَلَامه سَحَابَة لبدت عجاجه. وَقَالَ: عجبت لهَذِهِ الْأَعَاجِم، ملكت طول الدَّهْر، فلمم تحتج إِلَى الْعَرَب، وملكت الْعَرَب فَلم تستغن عَنْهُم. وتغدى سُلَيْمَان بن عبد الْملك عِنْد يزِيد بن الْمُهلب، فَقيل لَهُ: صف لنا أحسن مَا كَانَ فِي منزله. قَالَ: رَأَيْت غلمانه يخدمونه بِالْإِشَارَةِ دون القَوْل. وَقَالَ: قد أكلنَا الطّيب، ولبسنا اللين، وركبنا وامتطينا الفاره الْعَذْرَاء، فَلم يبْق من لذتي إِلَّا صديق أطرح بيني وَبَينه مؤونة التحفظ. سمع سُلَيْمَان رجلا من الْأَعْرَاب فِي سنة جدبة يَقُول: رب الْعباد مالنا ومالكا؟ ... قد كنت تسقينا فَمَا بدا لكا أنزل علينا الْغَيْث، لَا أَبَا لكا فَقَالَ سُلَيْمَان أشهد أَن لَا أَبَا لَهُ، وَلَا ولد لَهُ وَلَا صَاحب. قَالَ الْمبرد: فَأخْرجهُ أحسن مخرج.
стр. 530
قَالَ سُلَيْمَان ليزِيد بن الْمُهلب: ثَلَاث أنكرهن مِنْك، خفك أَبيض مثل ثَوْبك، وَلَا يكون خف الرجل مثل ثَوْبه، وطيبك ظَاهر، وَطيب الرجل يشم وَلَا يرى أَثَره، وتكثر من مس لحيتك. قَالَ: فَغير خفه وطيبه. وَقَالَ: مَا رَأَيْت عَاقِلا بهم أمرٍ إِلَّا كَانَ معوله على لحيته. وخطب فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي مَا شَاءَ صنع، وَمن شَاءَ رفع، وَمن شَاءَ وضع، وَمن شَاءَ أعْطى وَمن شَاءَ منع. إِن الدُّنْيَا دَار غرور، ومنزل بَاطِل وزينة، تقلب بِأَهْلِهَا، تضحك باكياً، وتبكي ضَاحِكا، وتخيف آمنا، وتؤمن خَائفًا، تفقر مثريها، وتقرب مقصيها، ميالة لاعبة بِأَهْلِهَا. عباد الله، اتَّخذُوا كتاب الله إِمَامًا، وارضوا بِهِ حكما، واجعلوه لكم قائداً، فَإِنَّهُ نَاسخ لما كَانَ قبله، وَلنْ ينسخه كتاب بعده. اعلموا عباد الله: أَن هَذَا الْقُرْآن يجلو كيد الشَّيْطَان وضغائنه، كَمَا يجلو ضوء الصُّبْح إِذا تنفس أدبار اللَّيْل إِذا عسعس. وَكَانَ سُلَيْمَان يَقُول: الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث يفخم اللّحن كَمَا يفخم نَافِع بن جُبَير الْإِعْرَاب. وَجمع بَين الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة، فغلب قَتَادَة الزُّهْرِيّ، فَقيل لِسُلَيْمَان فِي ذَلِك، فَقَالَ: إِنَّه فَقِيه مليح. وَقيل: كَانَ أول كَلَام بارع سمع من سُلَيْمَان قَوْله: الْكَلَام فِيمَا يَعْنِيك خيرٌ من السُّكُوت عَمَّا يَضرك، وَالسُّكُوت عَمَّا يُغْنِيك خير من الْكَلَام عَمَّا يَضرك.
следующие страницы →