← Адаб

Адаб · id 7853

نثر الدر في المحاضرات

الآبي

Полный текст (1 737 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ونفيس زينتها، فَإِنَّكُم من ذَاك بَين قضيتين: عَاجل الْخَفْض والدعة، وآجل الْجَزَاء والمثوبة. عصمكم الله من الشَّيْطَان، وفتنته ونزغه، وأيدكم بِحسن معونته وَحفظه. انهضوا - رحمكم الله - لقبض أعطياتكم غير مَقْطُوعَة عَنْكُم، وَلَا مَمْنُوعَة مِنْكُم، وَلَا مكدرة عَلَيْكُم إِن شَاءَ الله. قَالَ: فَخرج الْقَوْم بداراً كلهم يخَاف أَن تكون السطوة بِهِ. سمع عبد الْملك شعر عمر بن أبي ربيعَة، فَقَالَ: بئس الْجَار الغيور أَنْت، وَكَانَ يَقُول: حقد السُّلْطَان عجز، وَالْأَخْذ بِالْقُدْرَةِ لؤم، وَالْعَفو أقرب للتقوى، وَأتم للنعمة. الْوَلِيد بن عبد الْملك جَاءَ إِلَيْهِ رجل فَقَالَ: عَن فلَانا نَالَ مِنْك. قَالَ: أَتُرِيدُ أَن تقتص أوتارك من النَّاس بِي؟ . وهرب من الطَّاعُون، فَقَالَ لَهُ رجلٌ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله تَعَالَى يَقُول: " لن ينفعكم الْفِرَار من الْمَوْت أَو الْقَتْل وإذأً لَا تمتعون إِلَّا قَلِيل " فَقَالَ الْوَلِيد: إِنَّمَا نُرِيد ذَلِك الْقَلِيل. وَقَالَ لَهُ رجل: عَن فلَانا شتمك، فأكب، ثمَّ قَالَ: أرَاهُ شتمك. وَكَانَ الْوَلِيد لحاناً فَدخل عَلَيْهِ يَوْمًا رجل من الْعَرَب، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد: مَا شَأْنك؟ قَالَ: أود فِي أنفي واعوجاج. فَقَالَ لَهُ رجل من أَصْحَابه: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول لَك: مَا شَأْنك؟ فَقَالَ: كَذَا وَكَذَا: وَدخل إِلَيْهِ آخر فتظلم من ختن لَهُ. فَقَالَ الْوَلِيد: من ختنك؟ فَقَالَ: معذر فِي الْحَيّ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.

стр. 527

قَالَ عَطاء: قلت للوليد: قَالَ عَمْرو بن الْخطاب: وددت أَنِّي سلمت من الْخلَافَة كفافاً لَا عَليّ وَلَا لي. قَالَ: كذبت، الْخَلِيفَة يَقُول هَذَا؟ قلت: أَو كذبت؟ قَالَ: فَأَفلَت مِنْهُ بجريعة الذقن. وَقَالَ يَوْمًا: وَالله لأشفعن للحجاج بن يُوسُف. وَذكر يَوْمًا عليا ﵁ على الْمِنْبَر، فَقَالَ: لص بن لص. قَالَ بَعضهم: مَا أدرى أَي أمريه أعجب، لحنه فِيمَا لَا يلحن فِيهِ، أَو نسبته عليا ﵁ إِلَى اللصوصية، وَمر الْوَلِيد بمعلم صبيان، فَرَأى جَارِيَة، فَقَالَ: وَيلك مَا هَذِه الْجَارِيَة؟ قَالَ: أعلمها الْقُرْآن. قَالَ: فَلْيَكُن الَّذِي يعلمهَا أَصْغَر مِنْهَا. وَلما اسْتعْمل يزِيد بن أبي مُسلم بعد الْحجَّاج قَالَ: أَنا كمن سقط مِنْهُ دِرْهَم فَأصَاب دِينَارا. وَسمع يَقُول على الْمِنْبَر: عَن حدثتكم وكذبتكم فَلَا طَاعَة لى عَلَيْكُم، وَإِن وعدتكم فأخلفتكم فَلَا طَاعَة لي عَلَيْكُم. قَالَ الجاحظ: فَيَقُول: مثل هَذَا الْكَلَام ثمَّ يَقُول لِأَبِيهِ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قتل أبي فديك. وَقَالَ مرّة: يَا غُلَام، رد الفرسان الصادان عَن الميدان. وَكَانَ عبد الْملك يَقُول أضرّ بالوليد حبنا لَهُ، وَلم نوجهه إِلَى الْبَادِيَة، وَصلى يَوْمًا فَقَرَأَ: " ياليتها كَانَت القاضية "، فَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز: عَلَيْك. وَرُوِيَ عَن أبي إِسْحَاق بن قبيصَة قَالَ: كَانَت كتب الْوَلِيد تَأْتِينَا ملحونة وَكَذَلِكَ كتب مُحَمَّد أَخِيه. قَالَ: فَقلت لمولى لَهُم: مَا بَال كتبكم تَأْتِينَا ملحونة، وَأَنْتُم أهل الْخلَافَة؟ فَأخْبرهُ بِقَوْلِي، فَإِذا كتاب مِنْهُ، قد ورد عَليّ: أما بعد، فقد أَخْبرنِي فلَان بِالَّذِي قلت، وَمَا أحسبك تشك أَن قُريْشًا أفْصح من الْأَشْعَرِيين. وَالسَّلَام.

стр. 528

وَدخل على الْوَلِيد شَيْخَانِ، فَقَالَ أَحدهمَا: نجدك تملك عشْرين سنة، فَقَالَ الآخر: كذبت، بل نجده يملك سِتِّينَ سنة. قَالَ، فَقَالَ الْوَلِيد: مَا الَّذِي قَالَ هَذَا لاثٍ بصغري وَلَا الَّذِي قَالَ هَذَا يغر مثلي، وَالله لأجمعن المَال جمع من يعِيش أبدا، ولأفرقنه تَفْرِيق من يَمُوت غَدا. وخطب فَقَالَ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الْملك كَانَ يَقُول: الْحجَّاج جلدَة مَا بَين عَيْني، أَلا وَإنَّهُ جلدَة وَجْهي كُله. وَلما مَاتَ عبد الْملك صعد الْوَلِيد الْمِنْبَر، فجمد الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: لم أر مثلهَا مُصِيبَة وَلم أر مثله ثَوابًا: موت أَمِير الْمُؤمنِينَ، والخلافة، فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون على الْمُصِيبَة، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين على النِّعْمَة انهضوا فَبَايعُوا على بركَة الله. مَاتَ لعبد الْملك ابْن، فجَاء الْوَلِيد فَعَزاهُ، فَقَالَ: يَا بني، مصيبتي فِيك أعظم من مصيبتي بأخيك، مَتى رَأَيْت ابْنا عزى أَبَاهُ؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أُمِّي أَمرتنِي بذلك. قَالَ: هُوَ من مشورة النِّسَاء. وَرُوِيَ أَن الْوَلِيد قَامَ على الْمِنْبَر بعد موت عبد الْملك، فَقَالَ: يالها من مُصِيبَة مَا أفجعها وَأَعْظَمهَا، وأشدها وأوجعها وأغمها موت أَمِير الْمُؤمنِينَ ويالها نعْمَة مَا أعظم الْمِنَّة من الله تَعَالَى عَليّ فِيهَا، وَأوجب للشكر لَهُ بهَا، خِلَافَته الَّتِي سربلتها، فَكَانَ أول من عزى نَفسه وهنأها بالخلافة. فَأقبل غيلَان بن مسلمة الثَّقَفِيّ، فَسلم عَلَيْهِ بالخلافة ثمَّ قَالَ: أَصبَحت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ورثت خير الْآبَاء، وَسميت خير الْأَسْمَاء، وَأعْطيت أفضل الْأَشْيَاء فعزم الله لَك على الرزية بِالصبرِ، وأعطاك فِي ذَلِك نوافل الْأجر، وأعانك فِي حسن ثَوَابه على الشُّكْر، ثمَّ قضى لعبد الْملك بِخَير الْقَضِيَّة، وأنزله الْمنَازل الرضية. فأعجبه كَلَامه وَقَالَ: أثقفي أَنْت؟ قَالَ: نعم وَأحد بني معتب. فَسَأَلَهُ: كم هُوَ من الْعَطاء؟ فَقَالَ: فِي مائَة دِينَار. فألحقه بشرف الْعَطاء، فَكَانَ أمل من ألحق بشرف الْعَطاء.

стр. 529

فَقَالَ الْوَلِيد: لَا تَذكرُوا عمر بن الْخطاب على أبوابنا وَلَا عندنَا، فَإِن ذكره طعن علينا. سُلَيْمَان بن عبد الْملك تكلم وَفد بَين يَدي سُلَيْمَان فأخطئوا، وَتكلم بعدهمْ رجل فأبلغ. فَقَالَ سُلَيْمَان: كَأَن كلامكم بعد كَلَامه سَحَابَة لبدت عجاجه. وَقَالَ: عجبت لهَذِهِ الْأَعَاجِم، ملكت طول الدَّهْر، فلمم تحتج إِلَى الْعَرَب، وملكت الْعَرَب فَلم تستغن عَنْهُم. وتغدى سُلَيْمَان بن عبد الْملك عِنْد يزِيد بن الْمُهلب، فَقيل لَهُ: صف لنا أحسن مَا كَانَ فِي منزله. قَالَ: رَأَيْت غلمانه يخدمونه بِالْإِشَارَةِ دون القَوْل. وَقَالَ: قد أكلنَا الطّيب، ولبسنا اللين، وركبنا وامتطينا الفاره الْعَذْرَاء، فَلم يبْق من لذتي إِلَّا صديق أطرح بيني وَبَينه مؤونة التحفظ. سمع سُلَيْمَان رجلا من الْأَعْرَاب فِي سنة جدبة يَقُول: رب الْعباد مالنا ومالكا؟ ... قد كنت تسقينا فَمَا بدا لكا أنزل علينا الْغَيْث، لَا أَبَا لكا فَقَالَ سُلَيْمَان أشهد أَن لَا أَبَا لَهُ، وَلَا ولد لَهُ وَلَا صَاحب. قَالَ الْمبرد: فَأخْرجهُ أحسن مخرج.

стр. 530

قَالَ سُلَيْمَان ليزِيد بن الْمُهلب: ثَلَاث أنكرهن مِنْك، خفك أَبيض مثل ثَوْبك، وَلَا يكون خف الرجل مثل ثَوْبه، وطيبك ظَاهر، وَطيب الرجل يشم وَلَا يرى أَثَره، وتكثر من مس لحيتك. قَالَ: فَغير خفه وطيبه. وَقَالَ: مَا رَأَيْت عَاقِلا بهم أمرٍ إِلَّا كَانَ معوله على لحيته. وخطب فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي مَا شَاءَ صنع، وَمن شَاءَ رفع، وَمن شَاءَ وضع، وَمن شَاءَ أعْطى وَمن شَاءَ منع. إِن الدُّنْيَا دَار غرور، ومنزل بَاطِل وزينة، تقلب بِأَهْلِهَا، تضحك باكياً، وتبكي ضَاحِكا، وتخيف آمنا، وتؤمن خَائفًا، تفقر مثريها، وتقرب مقصيها، ميالة لاعبة بِأَهْلِهَا. عباد الله، اتَّخذُوا كتاب الله إِمَامًا، وارضوا بِهِ حكما، واجعلوه لكم قائداً، فَإِنَّهُ نَاسخ لما كَانَ قبله، وَلنْ ينسخه كتاب بعده. اعلموا عباد الله: أَن هَذَا الْقُرْآن يجلو كيد الشَّيْطَان وضغائنه، كَمَا يجلو ضوء الصُّبْح إِذا تنفس أدبار اللَّيْل إِذا عسعس. وَكَانَ سُلَيْمَان يَقُول: الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث يفخم اللّحن كَمَا يفخم نَافِع بن جُبَير الْإِعْرَاب. وَجمع بَين الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة، فغلب قَتَادَة الزُّهْرِيّ، فَقيل لِسُلَيْمَان فِي ذَلِك، فَقَالَ: إِنَّه فَقِيه مليح. وَقيل: كَانَ أول كَلَام بارع سمع من سُلَيْمَان قَوْله: الْكَلَام فِيمَا يَعْنِيك خيرٌ من السُّكُوت عَمَّا يَضرك، وَالسُّكُوت عَمَّا يُغْنِيك خير من الْكَلَام عَمَّا يَضرك.

стр. 531

وَقَالَ: قد ركبنَا الفاره وتبطنا الْحَسْنَاء، ولبسنا اللين، وأكلنا، الطّيب حَتَّى أجمناه، وَمَا أَنا الْيَوْم إِلَى شَيْء بأحوج مني إِلَى جليس يضع عني مئونة التحفظ. وَرُوِيَ عَن قحذمٍ قَالَ: فعل سُلَيْمَان فِي غداةٍ مَا لم يفعل عمر بن عبد الْعَزِيز، أطلق ثَمَانِينَ ألف أَسِير وَكتب أَن يبتتوا أَي: يزودوا، والبتات: الزَّاد. يزِيد بن عبد الْملك كتب إِلَيْهِ عبد الرَّحْمَن بن الضَّحَّاك بن قيس يَسْتَأْذِنهُ فِي غلامٍ يهديه إِلَيْهِ، فَكتب إِلَيْهِ يزِيد: إِن كنت لَا بُد فَاعِلا فَلْيَكُن جميلاً ظريفاً لبيباً أديباً كَاتبا، فَقِيها حلواً، عَاقِلا أَمينا سرياً، يَقُول فَيحسن، ويحضر فيزين، ويغيب فَيُؤمن. فَكتب إِلَيْهِ: قد التمست صفة أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَلم أَجدهَا إِلَّا فِي الْقَاسِم بن مُحَمَّد، وَقد أَبى أَهله بَيْعه. هِشَام بن عبد الْملك ذكر خَالِد بن صَفْوَان خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي عِنْد هِشَام، فَقَالَ هِشَام: إِن خَالِدا أدلَّ فأمل، وأوجف فأعجف، وَلم يتْرك لأوبة مرجعاً، وَلَا للصلح موضعا، وَإِنِّي لَكمَا قَالَ الشَّاعِر: إِذا انصرفت نَفسِي عَن الشيئ لم تكد ... إِلَيْهِ بِوَجْه آخر الدَّهْر تقبل نَهَضَ هِشَام عَن مَجْلِسه مرّة، فَسقط رِدَاؤُهُ عَن مَنْكِبه، فتناوله بعض جُلَسَائِهِ، ليَرُدهُ إِلَى مَوْضِعه، فَجَذَبَهُ هِشَام من يَده، وَقَالَ: مهلا إِنَّا لَا نتَّخذ جلساؤنا خولاً.

стр. 532

عدت لهشام مَعَ دهائه سقطتان إِحْدَاهمَا: أَن الْحَادِي حدا بِهِ، فَقَالَ: إِن عَلَيْك أَيهَا البختي ... أكْرم من تمشي بِهِ الْمطِي فَقَالَ هِشَام: صدق. وَالْأُخْرَى: أَنه ذكر عِنْده سُلَيْمَان بن عبد الْملك، فَقَالَ: وَالله لأشكونه يَوْم الْقِيَامَة إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الْملك. وَقَالَ لَهُ مسلمة أَخُوهُ: كَيفَ تطمع فِي الْخلَافَة وَأَنت بخيل. وَأَنت جبان؟ قالك لِأَنِّي حَلِيم وَأَنِّي عفيف. وَسمع هِشَام قَول الْكُمَيْت: مبدياً صفحتي على الْموقف المع ... لم، بِاللَّه قوتي واعتصامي فَقَالَ: شري الترابي. افْتتح هِشَام الصَّلَاة فأرتج عَلَيْهِ فَلم يفتح عَلَيْهِ أحد، فَقَالَ: " أَلَيْسَ مِنْكُم رجل رشيد ". خطب هِشَام، حِين ولي، أول مَا خطب، فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي أنقذني من النَّار بِهَذَا الْمقَام. فَأخْبر بذلك مُحَمَّد بن عَمْرو، فَقَالَ: لَكِن عمر بن عبد الْعَزِيز كَانَ إِذا خطب بَكَى، ثمَّ قَالَ: " لَيْسَ بأمانيكم وَلَا أماني أهل الْكتاب من يعْمل سوءا يجز بِهِ ". وَكَانَ سعيد بن هِشَام زَانيا يتَعَرَّض للنِّسَاء، فَأخْبر بذلك أَبوهُ، فَقَالَ: أيزني الْقرشِي؟ إِنَّمَا مثلك يَأْخُذ مَال هَذَا، وَيُعْطِيه هَذَا، وَيقتل هَذَا. وَلما أَرَادَ هِشَام أَن ينزل الرصافة قيل لَهُ: لَا تخرج، فَإِن الْخُلَفَاء لَا يظعنون، وَلم نر خَليفَة ظعن، فَقَالَ: أَنْتُم تُرِيدُونَ أَن تجربوا بِي، وَنزل الرصافة وَهِي بَريَّة.

стр. 533

وَقَالَ: إِنَّا نستعمل الرجل، فنظن بِهِ خيرا، فنكشفه عَن خير، فَمَا رَأينَا خَيره دون امتحان، وَلَا تَبينا دون تجربة. وَذكر أَنه وجد لهشام اثْنَا عشر ألف قَمِيص قد أثر بهَا كلهَا. وَحج هِشَام، فَلَقِيته قُرَيْش، فَنظر إِلَيْهَا الأبرش الْكَلْبِيّ فَعجب لجمالها ومنطقها، فَقَالَ هِشَام: إِنَّه وَالله رب فَحل كريم خطر على هجمانها. الْوَلِيد بن يزِيد أُتِي هِشَام بِعُود، فَقَالَ للوليد: مَا هَذَا؟ قَالَ: خشب يشقق ثمَّ يرقق، ثمَّ يلصق ثمَّ تعلق عَلَيْهِ أوتار فينطق فَتضْرب الْكِرَام رؤوسها بالحيطان سُرُورًا بِهِ. وَمَا فِي الْمجْلس أحدق إِلَّا وَهُوَ يعلم مِنْهُ مَا أعلمهُ، وَأَنت أَوَّلهمْ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. وَقد قيل: إِن هَذَا الْكَلَام هُوَ للوليد بن مسْعدَة الْفَزارِيّ مَعَ عبد الله بن مَرْوَان. وَحكى بَعضهم قَالَ: رَأَيْت هِشَام بن عبد الْملك يَوْم توفّي مسلمة بن عبد الْملك إِذا طلع الْوَلِيد وَهُوَ نشوان يجر مطرف خَز، فَوقف على هِشَام، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن عَقبي من بَقِي لُحُوق بِمن مضى، وَقد أقفر بعد مسلمة الصَّيْد لمن رمى، واختل الثغر فوهى، وعَلى إِثْر من سلف يمْضِي من خلف، فتزودوا، فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى. قَالَ: فَأَعْرض هِشَام وَلم يحر جَوَابا ووجم النَّاس. وَقَالَ: يَا بني أُميَّة، إيَّاكُمْ والغناء فَإِنَّهُ ينقص الْحيَاء، وَيزِيد فِي الشَّهْوَة، ويهدم الْمُرُوءَة، وينوب عَن الْخمر، وَيفْعل مَا يفعل السكر. فَإِن كُنْتُم لَا بُد

стр. 534

فاعلين فجنبوه النِّسَاء فَإِن الْغناء رقية الزناء وَإِنِّي لأقول ذَلِك فِيهِ على أَنه أحب إِلَيّ من كل لَذَّة، وأشهى إِلَى نَفسِي من المَاء إِلَى ذِي الْغلَّة. وَلَكِن الْحق أَحَق أَن يُقَال. وَكَانَ الْوَلِيد مَاجِنًا خليعاً منهمكاً فِي اللَّذَّات، مشغوفاً بِالْخمرِ، والغناء، مطعوناً فِي دينه. وَلما نعي لَهُ هِشَام قَالَ: وَالله لأعقبن هذة النِّعْمَة بشكرة قبل الظّهْر. وَتكلم بعض جُلَسَائِهِ، ومغنية تغنيه، فكره ذَلِك وضجر، وَقَالَ لبَعض الْحَاضِرين: قُم فنه، فَقَامَ وفاكه وَالنَّاس حُضُور والوليد يضْحك. وَذكرت جَارِيَة لَهُ أَنه وَاقعهَا وَهُوَ سَكرَان، فَلَمَّا تنحى عَنْهَا أذن الْمُؤَذّن بِالصَّلَاةِ، فَحلف أَلا يُصَلِّي بِالنَّاسِ غَيرهَا، فَخرجت متلثمة فصلت بِالنَّاسِ. وَقيل: أَنه وثب على ابْنة لَهُ فافترعها، وَإنَّهُ كَانَ يلوط بأخٍ لَهُ كَانَ مليحاً. وَقَالَ الْوَلِيد البندار: حججْت مَعَ الْوَلِيد بن يزِيد، وَهُوَ ولي عهدٍ وَكَانَ هِشَام أَرَادَ خلعه، فَأخْرجهُ على الْمَوْسِم، وَعلم أَنه لَا يتْرك خلاعته ومجونه، فيفتضح عِنْد أهل الْحَرَمَيْنِ، فَيكون ذَلِك عذرا إِذا أَرَادَ خلعه، فَقلت لَهُ لما أَرَادَ أَن يخْطب: أَيهَا الْأَمِير، إِن الْيَوْم يَوْم يشهده النَّاس من سَائِر الْآفَاق، فَأُرِيد أَن تشرفني بئ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قلت: إِذا عَلَوْت الْمِنْبَر دَعَوْت بِي، فيتحدث النَّاس بذلك، وبأنك أسررت إِلَيّ شَيْئا. فَقَالَ: أفعل. فَلَمَّا جلس على الْمِنْبَر قَالَ: الْوَلِيد البندار. فَقُمْت، فَقَالَ: أدن مني. فدنوت، فَأخذ أُذُنِي ثمَّ قَالَ لي: الْوَلِيد البندار ولد زنى، والوليد بن يزِيد ولد زنى. وكل من ترى حَولي أَوْلَاد زنى. أفهمت؟ قلت: نعم قَالَ: انْزِلْ الْآن، فَنزلت. وَقيل: كَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ يَأْخُذ بِيَدِهِ الْيُمْنَى أُذُنه الْيُسْرَى ثمَّ يجمع جراميزه ويثب، فَكَأَنَّمَا خلق على ظهر فرسه، فَكَانَ الْوَلِيد بن يزِيد يفعل مثل ذَلِك، وَفعله مرّة وَهُوَ ولي عَهده ثمَّ أقبل على مسلمة بن هِشَام: فَقَالَ لَهُ: أَبوك يحسن مثل هَذَا؟ فال مسلمة: لأبي مائَة عبد يحسنون هَذَا. فَقَالَ النَّاس: لم ينصفه فِي الْجَواب.

стр. 535

وَقَالَ عَمْرو بن عتبَة بن أبي سُفْيَان للوليد: إِنَّك تستنطقني بالأنس بك، وأكفت من ذَلِك بالهيبة لَك، وأراك تأمن أَشْيَاء أخافها عَلَيْك، فأسكت مُطيعًا أَو أَقُول مشفقاً؟ قَالَ: كل ذَلِك مَقْبُول مِنْك، وَللَّه فِينَا علمٌ نَحن صائرون إِلَيْهِ، ونعود فَنَقُول: قَالَ: فَقتل بعد أَيَّام. قَالَ الْعَلَاء بن الْمُغيرَة البندار: قلت للوليد: إِنِّي أُرِيد الْعرَاق أَفَلَك حَاجَة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: نعم، بربط. من صَنْعَة زَرْبِي. قَالَ حَمَّاد الراوية: دخلت على الْوَلِيد بن يزِيد وَإِذا عِنْده رجلَانِ، فَقَالَا: قد نَظرنَا فِيمَا أَمر بِهِ امير الْمُؤمنِينَ، فوجدناه يعِيش مؤيداً منصوراً، يزجي لَهُ الْخراج، وتخلص لَهُ قُلُوب الرّعية ثَلَاثِينَ سنة. قَالَ: فَقلت فِي نَفسِي: وَالله لأخدعنه كَمَا خدعاه. فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، نَحن أعلم بالرواية والْآثَار، وَقد نَظرنَا فِي هَذَا الْأَمر من قبلهمَا، فوجدناك تعيش على مَا ذكر أَرْبَعِينَ سنة. قَالَ: فَنكتَ فِي الأَرْض ثمَّ قَالَ: لَا مَا قَالَ هَذَانِ يغرني، وَلَا مَا قلت يبطرني، وَالله لأجبين المَال من حلّه جباية من يعِيش الْأَبَد، ولأصرفنه فِي حَقه صرف من يَمُوت فِي غَد. وَقد رُوِيَ مثل هَذَا الْكَلَام عَن الْوَلِيد بن عبد الْملك. يزِيد بن الْوَلِيد بن عبد الْملك لما قتل الْوَلِيد بن يزِيد قَالَ يزِيد خَطِيبًا، فَحَمدَ الله، وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: أَيهَا النَّاس، وَالله مَا خرجت أشراً وَلَا بطراً، وَلَا حرصاً على الدُّنْيَا، وَلَا رَغْبَة فِي الْملك، وَمَا بِي إطراء نَفسِي، وَإِنِّي لظلوم لنَفْسي إِن لم يرحمني رَبِّي، وَلَكِنِّي خرجت غَضبا لله ولدينه، وداعياً إِلَى الله، وَإِلَى سنة نبيه، لما هدمت معالم الْهدى، وأطفئ نور أهل التَّقْوَى، وَظهر الْجَبَّار العنيد، المستحل لكل

стр. 536

حُرْمَة، والراكب لكل بِدعَة، مَعَ أَنه وَالله مَا كَانَ يُؤمن بِيَوْم الْحساب، وَإنَّهُ لِابْنِ عمي فِي النّسَب، وكفئي فِي الْحسب. فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك استخرت الله فِي أَمْرِي، وَسَأَلته أَلا يكلني إِلَى نَفسِي، ودعوت إِلَى ذَلِك من أجابني من أهل ولايتي، حَتَّى أراح الله مِنْهُ الْعباد، وطهر مِنْهُ الْبِلَاد بحول الله وقوته، لَا بحولي وقوتي. أَيهَا النَّاس، إِن لكم عَليّ أَلا أَضَع حجرا على حجرٍ، وَلَا لبنة على لبنة، وَلَا أَكْرِي نَهرا، وَلَا أكنز كالاً، وَلَا أعْطِيه زوجةٌ وَلَا ولدا، وَلَا أنقل مَالا من بلدٍ إِلَى بلدٍ، حَتَّى أَسد فقر ذَلِك الْبَلَد وخصاصة أَهله، بِمَا يغنيهم، فَإِن فضل نقلته إِلَى الْبَلَد الَّذِي يَلِيهِ مِمَّن هُوَ أحْوج إِلَيْهِ مِنْهُ، وَلَا أجمركم فِي بعوثكم فأفتنكم، وأفتن أهليكم، وَلَا أغلق بَابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم، وَلَا أحمل على أهل جزيتكم مَا أجليهم بِهِ من بِلَادهمْ، وأقطع نسلهم، وَلَكِن عِنْدِي أعطياتكم فِي كل سنة، وأرزاقكم فِي كل شهر، حَتَّى تستدر الْمَعيشَة بَين الْمُسلمين، فَيكون أَقْصَاهُم كأدناهم. فَإِن أَنا وفيت لكم فَعَلَيْكُم السّمع وَالطَّاعَة، وَحسن المؤازرة والمكانفة، وَإِن أَنا لم أوف لكم فلكم أَن تخلعوني إِلَّا تستتيبوني، فَإِن تبت قبلتم مني. وَإِن عَرَفْتُمْ أحدا يقوم مقَامي مِمَّن يعرف بالصلاح، يعطيكم من نَفسه مثل مَا أَعطيتكُم، فأردتم أَن تبايعوه، فَأَنا أول من بَايعه، وَدخل فِي طَاعَته. أَيهَا النَّاس، لَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق، أَقُول قولي هَذَا، وَأَسْتَغْفِر الله لي وَلكم. وخطب فَقَالَ: الْأَمر أَمر الله، وَالطَّاعَة طَاعَة الله، فأطيعوني بِطَاعَة الله مَا أَطَعْت الله يغْفر الله لي وَلكم. وَكتب إِلَى مَرْوَان حِين تربص ببيعته: أما بعد، فَإِنِّي أَرَاك تقدم رجلا وتؤخر الْأُخْرَى، فاعتمد أَيَّتهمَا شِئْت، وَالسَّلَام. وَكَانَ يزِيد يتأله، وَيظْهر النّسك، فَكَانَ أَبوهُ الْوَلِيد إِذا ذكر بنيه قَالَ: عبد الْعَزِيز سيدنَا، وَالْعَبَّاس فارسنا، وَيزِيد ناسكنا، وروحٌ عالمنا، وبشرٌ فتانا، وَعمر فحلنا، وَكَانَ لَهُ تسعون ابْنا.

стр. 537

مسلمة قَالَ: عجبت لمن أحفى شعره ثمَّ أَعْفَاهُ، وَقصر شَاربه ثمَّ أطاله، أَو كَانَ صَاحب سراري، فَاتخذ المهيرات. وَقَالَ: لَا أَزَال فِي فسحة من أَمر الرجل حَتَّى أصطنع عِنْده يدا، فَإِذا اصطنعتها لم يكن إِلَّا رَبهَا. وَلما حَضرته الْوَفَاة أوصى بِثلث مَاله لأهل الْأَدَب، وَقَالَ: صناعَة مجفوٌّ أَهلهَا. وَكَانَ إِذا كثر عَلَيْهِ أَصْحَاب الْحَوَائِج وخشي الضجر أَمر أَن يحضر ندماؤه من أهل الْأَدَب، فيتذاكرون مَكَارِم النَّاس وَجَمِيل طرائفهم ومروءاتهم فيطرب، ويهيج، ثمَّ يَقُول: ائذنوا لأَصْحَاب الْحَاجة، فَلَا يدْخل أحد إِلَّا قضى حَاجته. وَقَالَ هِشَام: يَا أَبَا سعيد، هَل دَخلك ذعر قطّ من حَرْب شهدتها أَو لعدو؟ قَالَ: مَا سلمت فِي ذَلِك من ذعر يُنَبه عَليّ حِيلَة، وَلم يغشني فِيهَا ذعر يسلبني رَأْيِي. قَالَ هِشَام: هَذِه البسالة. وَدخل على معر بن عبد الْعَزِيز فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ: أَلا توصي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: بِمَ أوصِي؟ فوَاللَّه إِن لي من مَال. فَقَالَ: هَذِه مائَة ألف، مر فِيهَا بِمَا أحبت. قَالَ: أَو تقبل؟ قَالَ: نعم. قَالَ: تردها على من أَخَذتهَا مِنْهُ ظلما. فَبكى مسلمة ثمَّ قَالَ: يَرْحَمك الله، لقد ألنت منا قلوباً قاسية، وأبقيت لنا فِي الصَّالِحين ذكرا. واستبطأ عبد الْملك ابْنه مسلمة فِي مسيره إِلَى الرّوم، فَكتب إِلَيْهِ: لمن الظعائن سيرهن تزحف؟ ... سير السفين إِذا تقاعس يجدف

стр. 538

فَلَمَّا قَرَأَ مسلمة الْكتاب، كتب فِي جَوَابه: ومستعجبٌ مِمَّا يرى من أناتنا ... وَلَو زبنته الْحَرْب لم يترمرم وَسمع مسلمة رجلا يتَمَثَّل بقول الشَّاعِر، وَقد دُلي بعض بني مَرْوَان فِي قَبره: مَا كَانَ قيس هلكه هلك وَاحِد ... وَلكنه بُنيان قومٍ تهدما فَقَالَ مسلمة: لقد تَكَلَّمت بِكَلِمَة شيطانٍ، هلا قلت: إِذا مقرم منا ذرا حد نابه ... تخمط فِينَا نَاب آخر مقرم وَقَالَ رجل عِنْد مسلمة: مَا اسْتَرَحْنَا من حائك كِنْدَة حَتَّى أَتَانَا هَذَا المزوني، قَالَ مسلمة: تَقول لرجل سَار إِلَيْهِ قريعاً قُرَيْش، يَعْنِي نَفسه وَالْعَبَّاس بن الْوَلِيد. إِن يزِيد حاول عَظِيما وَمَات كَرِيمًا. وَكَانَ مسلمة يَقُول: الرّوم أعلم، وَفَارِس أَعقل. وَقَالَ: مَا حمدت نَفسِي على ظفرٍ ابتدأته بعجزٍ، وَلَا لمتها على مَكْرُوه ابتدأته بحزم. وَقَالَ: مروءتان ظاهرتان: الرياش والفصاحة. مَرْوَان بن مُحَمَّد دخل عبد الرَّحْمَن بن عَطِيَّة التغلبي على مَرْوَان بن مُحَمَّد، فاستأذنه فِي تَقْبِيل يَده فَأَعْرض عَنهُ، ثمَّ قَالَ لَهُ: قد عرف أَمِير الْمُؤمنِينَ موضعك فِي

стр. 539

قَوْمك، وفضلك فِي نَفسك، وتقبيل الْيَد من الْمُسلم ذلة، وَمن الذِّمِّيّ خديعة، وَلَا خير لَك فِي أَن تنزل بَين هَاتين. قَالُوا: كَانَ يَأْخُذ مَرْوَان بن مُحَمَّد كل سنة من الخزانة قباءين، فَإِذا أخلقهما ردهما إِلَى الخزانة وَأخذ جديدين. وَكَانَ يُقَال: إِن مَرْوَان بن مُحَمَّد هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم بن الأشتر وَإِن أمه كَانَت أمة لإِبْرَاهِيم فأصابها مُحَمَّد بن مَرْوَان يَوْم قتل الأشتر فَأَخذهَا من نفله وَهِي حَامِل بِمَرْوَان، فولدته على فرَاشه، وَلذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس السفاح: الْحَمد لله الَّذِي أبدلنا بِحِمَار الجزيرة، وَابْن أمة النخع، ابْن عَم رَسُول الله ﷺ وَابْن عبد الْمطلب. مَرْوَان كتب إِلَى بعض الْخَوَارِج: إِنِّي وَإِيَّاك كالزجاجة وَالْحجر، إِن وَقع عَلَيْهَا رضها، وَإِن وَقعت عَلَيْهِ فضها. قَالَ الْأَصْمَعِي: لما ولي مَرْوَان الْخلَافَة أرسل إِلَى ابْن رغبان - الَّذِي نسب إِلَيْهِ بعد ذَلِك مَسْجِد ابْن رغبان - ليوليه؛ فَرَأى لَهُ سجادةً مثل ركبة الْبَعِير، فَقَالَ: يَا هَذَا؛ إِن كَانَ مَا بك من عبادةٍ فَمَا يحل لنا أَن نشغلك. وَإِن كَانَ من رياءٍ فَمَا يحل لنا أَن نستعملك. قَالَ عبد الحميد: تعلمت البلاغة من مَرْوَان، أَمرنِي أَن أكتب فِي حَاجَة فَكتبت على قدر الموسع، فَقَالَ لي: اكْتُبْ مَا أَقُول لَك: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم أما آن للْحُرْمَة أَن ترعى، وللدين أَن يقْضى، وللموافقة أَن تتوخى

стр. 540

وَوَقع إِلَى عاملٍ بِالْكُوفَةِ: حاب علية النَّاس فِي كلامك، وسو بَينهم وَبَين السفلة فِي أحكامك. قَالُوا: وَإِنَّمَا لقب بالحمار لِأَن أَصْحَاب أبي مُسلم لما خَرجُوا كَانُوا حمارةً، فَكَانَ الْوَاحِد إِذا استعجل حِمَاره يَقُول: هر مَرْوَان. هس، مَرْوَان، فَلَمَّا ظفروا بِهِ اسْتمرّ بِهِ اللقب. وَيعرف بالجعدي، لِأَنَّهُ نسب إِلَى رَأْي الْجَعْد بن دِرْهَم وزيره، وَكَانَ زنديقاً، فَكَانَ مَرْوَان يعير بِأَنَّهُ على رَأْيه، ثمَّ إِن مَرْوَان قَتله وصلبه، وبالجعد هَذَا يعير كل زنديق، قَالَ دعبل: قل لعبد الرَّقِيب قل: رَبِّي الل ... هـ فَإِن قَالَهَا فَلَيْسَ بجعدي قَالَ عمر بن مَرْوَان: عرض أبي بِظهْر الْكُوفَة ثَمَانِينَ ألف عَرَبِيّ، ثمَّ قَالَ بعد أَن وثق فِي نَفسه بِكَثْرَة الْعدَد وَالْعدَد: إِذا انْقَضتْ الْمدَّة لم تغن الْعدة وَلَا الْعدة. قَالَ بعض القرشيين: وَفد على مَرْوَان بن مُحَمَّد - وَقد تولى الْخلَافَة - وَنزل حران قَالَ: فتوالت على بَابه الْوُفُود، فَخرج إِلَيْنَا آذنه، فَقَالَ: أَمِير الْمُؤمنِينَ يغسل ثِيَابه، فَمن أَرَادَ أَن يُقيم فَليقمْ، وَمن أَرَادَ أَن ينْصَرف فلينصرف. فَجعل النَّاس يعْجبُونَ من ذَلِك، وَلم يبرح أحد. قَالَ: وَخرج من عِنْده رجل بِرُمْح فنصبه على سقفه، وَجعل يُرَاعِي الشَّمْس، فَلَمَّا مَالَتْ أذن، وَلما أذن خرج علينا رجل أَزْرَق أشقر، بخده أثر، فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ عبد الرَّحْمَن بن عَنْبَسَة بن سعيد قَالَ: أهوَ هَذَا أعضه الله ببظر أمه؟ قَالَ: وَهُوَ وَالله يسمعهُ، فأبده النّظر وَمر إِلَى الصَّلَاة، فَلَمَّا قَضَاهَا استدبر الْقبْلَة بظهره وَأَقْبل علينا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ لكَاتبه: أَمَعَك أَسمَاء هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: نعم، وَدفع إِلَيْهِ قرطاساً، فَوَقع تَحت اسْم كل رجلٍ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم، وَلَا وَالله مَا عاقبه على مَا سمع مِنْهُ.

стр. 541

وَكَانَ يُقَال: لَو ذهبت دولة بني مَرْوَان على يَد غير مَرْوَان لقَالَ النَّاس: لَو كَانَ مَرْوَان مَا ذهبت. كَانَ أهل حمصٍ ينادون مَرْوَان فِي حصارهم: يَا بن مُصعب، فَيَقُول: شرِيف كريم، وينادون: يَا بن الأشتر، يَا بن زَرْبِي، فَيَقُول: خلطتم. وَذَلِكَ أَنه قيل فِي أمه: إِنَّهَا كَانَت لمصعب، وَقيل: بل كَانَت لخباز يُقَال لَهُ: زَرْبِي. وناداه رجل من الْخَوَارِج، فَقَالَ: يَا بن طنفسة. يُرِيد: زَرْبِي.

стр. 542

الْبَاب الثَّالِث كَلَام الْخُلَفَاء من بني هَاشم السفاح رفع بعض السعاة إِلَيْهِ قصَّة بسعاية على بعض عماله، فَوَقع فِيهَا: هَذِه نصيحة لم يرد بهَا مَا عِنْد الله، وَنحن فَلَا نقبل قَول من آثرنا على الله. وَمن كَلَامه: إِن من أدنياء النَّاس ووضعائهم من عد الْبُخْل حزماً، والحلم ذلاً. وَمِنْه: إِذا عظمت الْمقدرَة قلت الشَّهْوَة، وَقل تبرع إِلَّا وَمَعَهُ حق مضاع. وَمِنْه: إِذا كَانَ الْحلم مفْسدَة كَانَ الْعَفو معْجزَة، وَالصَّبْر حسن إِلَّا على مَا أوتغ الدّين، وأوهن السُّلْطَان. والأناة محمودةٌ إِلَّا عِنْد إِمْكَان الفرصة. قَالُوا: كلم الْمَنْصُور أَبَا الْعَبَّاس فِي مُحَمَّد بن عبد الله بن حسن وَأَهله، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، آنسهم بِالْإِحْسَانِ، فَإِن استوحشوا فالشر يصلح مَا عجز عَنهُ الْخَيْر، وَلَا تدع مُحَمَّدًا يمرح فِي أَعِنَّة العقوق. فَقَالَ: يَا أَبَا جَعْفَر؛ إِنَّا كَذَلِك. وَمن شدد نفر، وَمن لَان تألف، والتغافل من سجايا الْكِرَام، وَأحسن مَا قَالَ أعشى وَائِل: يغضي عَن العوراء، لَو ... لَا الْحلم غَيرهَا انتصاره

стр. 543

وَكَانَ يَقُول: إِن الْمقدرَة تصغر الأمنية، لقد كُنَّا نَسْتَكْثِر أموراً، فأصبحنا نستقلها لأخس من صَحِبنَا، ثمَّ نسجد شكرا. دخل أَبُو نخيلة الْحمانِي على أبي الْعَبَّاس، وَعِنْده إِسْحَاق بن مُسلم الْعقلِيّ، فأنشده أرجوزة يمدحه فِيهَا، وَيذكر بني أُميَّة، وَيَقُول فِيهَا: أَيْن أَبُو الْورْد؟ وَأَيْنَ الْكَوْثَر؟ وَأَيْنَ مَرْوَان؟ وَأَيْنَ الْأَشْقَر؟ فَقَالَ إِسْحَاق: فِي حر أم أبي نخيلة العاهرة؟ فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: أَتَقول هَذَا لِشَاعِرِنَا؟ قَالَ: قد سمعته يَقُول لأعدائكم فِيكُم مَا هُوَ أعظم من هَذَا، فَقَالَ زِيَاد بن عبيد الله الْحَارِثِيّ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، خُذ للرجل بِحقِّهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَبَّاس: مَا أغفلك يَا خَال أَتَرَى قيسا تسلم سَيِّدهَا وشيخها حَتَّى يحد؟ قَالَ: فَمَا يصنعون؟ قَالَ: يجيئ لِأَلف مِنْهُم فَيَشْهَدُونَ أَن أم أبي نخيلة كَانَت عاهرة كَمَا قَالَ إِسْحَاق، فتجلب على الرجل بلَاء عَظِيما. وخطب بعد قِيَامه بأيام بِالْكُوفَةِ، فَقَالَ: الْحَمد لله رب الْعَالمين، وَصلى الله على مَلَائكَته المقربين، وأنبيائه الْمُرْسلين. " يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ ". مَا أعدكم شَيْئا، وَلَا أوعدكم إِلَّا وفيت بالوعد والإيعاد. وَالله لأعملن اللين حَتَّى لَا تَنْفَع إِلَّا الشدَّة، ولأغمدن سَيفي إِلَّا فِي إِقَامَة الْحَد، أَو بُلُوغ حق، ولأعطين حَتَّى أرى الْعَطِيَّة ضيَاعًا. إِن أهل بَيت اللَّعْنَة والشجرة الملعونة فِي الْقُرْآن كَانُوا لكم عذَابا، لَا تدفعون مَعَهم من حَالَة إِلَّا إِلَى أَشد مِنْهَا، وَلَا يَلِي عَلَيْكُم مِنْهُم والٍ إِلَّا تمنيتم من كَانَ قبله، وَإِن كَانَ لَا خير فِي جَمِيعهم. منعوكم من الصَّلَاة فِي أَوْقَاتهَا، وطالبوكم بأدائها فِي غير ميقاتها، وَأخذُوا الْمُدبر بالمقبل، وَالْجَار بالجار، وسلطوا شِرَاركُمْ على خياركم. فقد محق الله جَوْرهمْ، وأزهق باطلهم، وَأصْلح بِأَهْل نَبِيكُم مَا أفسدوا مِنْكُم. فَمَا نؤخر لكم عطاءاً وَلَا نضيع لأحدٍ مِنْكُم حَقًا، وَلَا نجمركم فِي بعثٍ، وَلَا

стр. 544

نخاطر بكم فِي قتال، وَلَا نبذلكم دون أَنْفُسنَا، وَالله عَليّ شَهِيد بِالْوَفَاءِ وَالِاجْتِهَاد، وَعَلَيْكُم بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة. وَوَقع إِلَى كَاتب جنده وَقد شغبوا عَلَيْهِ بالأنبار: بلغ المفترين عني، أبرمتم بأعجاركم، أم عظمت نعْمَة الله عَلَيْكُم فِي دينكُمْ ودنياكم؟ فَلَا تَكُونُوا عظة الْعُقَلَاء، وزرية الجهلاء، فتحبط أَعمالكُم، وتخيب آمالكم، وَالعطَاء غير مُؤخر عَن وقته إِن شَاءَ الله. وَدخل عَلَيْهِ عبد الله بن حسن بن حسن، وَمَعَهُ مصحف، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أعطنا حَقنا الَّذِي جعله الله لنا فِي هَذَا الْمُصحف. وَكَانَ الْمجْلس غاصاً ببني هَاشم وَغَيرهم، فأشفق النَّاس من أَن يعجل السفاح إِلَيْهِ، أَو يعيا بجوابه، فَيكون ذَلِك عاراً عَلَيْهِ. قَالَ: فَأقبل عَلَيْهِ غير مغضب وَلَا منزعج، فَقَالَ: إِن جدك عليا كَانَ خيرا مني وَأَعْدل. ولي هَذَا الْأَمر، فَأعْطى جديك الْحسن الْحسن وَالْحُسَيْن، وَكَانَا خيرا مِنْك شَيْئا، وَكَانَ الْوَاجِب أَن أُعْطِيك مثله فَإِن كنت قد فعلت فقد أنصفتك، وَإِن كنت زدتك فَمَا هَذَا جزائي مِنْك، فَمَا رد عبد الله جَوَابا، وَانْصَرف وَالنَّاس يتعجبون من جزاب السفاح. الْمَنْصُور ذكر يَوْمًا مُلُوك بني مَرْوَان، فَقَالَ: كَانَ عبد الْملك جباراً لَا يُبَالِي مَا صنع، وَكَانَ الْوَلِيد لحاناً مَجْنُونا، وَكَانَ سُلَيْمَان همه بَطْنه وفرجه، وَكَانَ عمر أَعور بَين عُمْيَان، وَكَانَ هِشَام رجل الْقَوْم. لما اتَّصل بِهِ خُرُوج مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم ﵄ شن عَلَيْهِ درعه، وتقلد سَيْفه وَصعد الْمِنْبَر، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ: مَالِي أكفكف عَن سعدٍ وتشتمني ... وَلَو شتمت بني سعد لقد سكنوا جهلا علينا، وجبناً عَن عَدو همو ... لبئست الخلتان: الْجَهْل والجبن

стр. 545

أما وَالله لقد عجزوا عَمَّا قمنا بِهِ، فَمَا عضوا المكافي، وَلَا شكروا الْمُنعم. فَمَاذَا حاولوا؟ أأشرب رنقاً على غصص، وأبيت مِنْهُم على مضض؟ كلا وَالله أصل ذَا رحم حاول قطيعتها، وَلَئِن لم يرض بِالْعَفو ليطلبن مَالا يُوجد عِنْدِي، فليق ذُو نفسٍ على نَفسه، قبل أَن تمْضِي عَنهُ، ثمَّ لَا يبكى عَلَيْهِ، وَلَا تذْهب وَلَا تذْهب نفسٌ مَسَرَّة لما أَتَاهُ. وخطب بعد قَتله أَبَا مُسلم، فَحَمدَ الله، ثمَّ أثنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: أما بعد، أَيهَا النَّاس، فَإِنَّهُ من نازعنا عُرْوَة هَذَا الْقَمِيص أوطأناه خبئ هَذَا الغمد - وَأَوْمَأَ إِلَى سَيْفه - وَإِن عبد الرَّحْمَن بَايعنَا، وَبَايع لنا على أَنه من نكث بِنَا فقد حل دَمه، ثمَّ نكث بِنَا، فحكمنا فِيهِ لأنفسنا حكمه على غَيره لنا، وَلم تَمْنَعنَا رِعَايَة الْحق لَهُ من إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ. وَرُوِيَ أَنه قَالَ: أَيهَا النَّاس، لَا تنفرُوا أَطْرَاف النِّعْمَة بقلة الشُّكْر، فَتحل بكم النقمَة، وَلَا تسروا غش الْأَئِمَّة، فَإِن أحدا لايسر مِنْكُم إلاظهر فِي فلتات لِسَانه، وصفحات وَجهه، وطوالع نظره، وَإِنَّا لَا نجهل حقوقكم مَا عَرَفْتُمْ حَقنا، وَلَا ننسى الْإِحْسَان إِلَيْكُم مَا ذكرْتُمْ فضلنَا، وَمن نازعنا هَذَا الْقَمِيص أوطأنا أم رَأسه خبئ هَذَا الغمد. أَهْوى هِشَام بن عُرْوَة إِلَى يَده ليقبلها، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْمُنْذر، إِنَّا نكرمك عَنْهَا، ونكرمها عَن غَيْرك. قيل: خلا الْمَنْصُور مَعَ يزِيد بن أسيد، فَقَالَ: يَا يزِيد مَا ترى فِي قتل أبي مُسلم؟ قَالَ: أرى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن تقتله، وتتقرب إِلَى الله بدمه، فوَاللَّه لَا يصفو ملكك، وَلَا تهنأ بعيشٍ مَا بَقِي بك عَدوك. قَالَ يزِيد: فنفر مني نفرة ظَنَنْت أَنه سَيَأْتِي عَليّ، ثمَّ قَالَ: قطع الله لسَانك وأشمت بك عَدوك، أتشير عَليّ بقتل أنصح النَّاس لنا، وأثقلهم على عدونا؟ أما وَالله لَوْلَا حفظي مَا سلف مِنْك، وَأَنِّي أعدهَا هفوة من رَأْيك لضَرَبْت عُنُقك، قُم لَا أَقَامَ الله رجليك قَالَ يزِيد: فَقُمْت وَقد أظلم بَصرِي، وتمنيت أَن تسيخ

стр. 546

الأَرْض بِي. فَلَمَّا كَانَ بعد قَتله بدهر قَالَ لي: يَا يزِيد، أَتَذكر يَوْم شاورتك فِي أَمر العَبْد؟ قلت: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَمَا رَأَيْتنِي قطّ ادنى إِلَى الْمَوْت مني يَوْمئِذٍ قَالَ: فوَاللَّه لَكَانَ ذَلِك رَأْيِي وَمَا لَا أَشك فِيهِ، وَلَكِنِّي خشيت أَن يظْهر ذَلِك مِنْك، فتفسد عَليّ مكيدتي. قَالَ الرّبيع: سَمِعت الْمَنْصُور يَقُول: الْخُلَفَاء أَرْبَعَة، والملوك أَرْبَعَة، فالخلفاء: أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي على مَا نَالَ من عُثْمَان، وَمَا نيل مِنْهُ أعظم، ولنعم الرجل كَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز. والملوك: مُعَاوِيَة، وَعبد الْملك، وَهِشَام، وَأَنا، ولنعم رجل الْحَرْب كَانَ حمَار الجزيرة من رجل لم يكن عَلَيْهِ طَابع الْخلَافَة. وَقَالَ: من صنع مثل مَا صنع إِلَيْهِ فقد كافأ، وَمن أَضْعَف كَانَ شكُورًا، وَمن شكر كَانَ كَرِيمًا، وَمن علم أَنما صنع لنَفسِهِ لم يستبطئ النَّاس فِي شكرهم، وَلم يستزدهم فِي مَوَدَّتهمْ، فَلَا تلتمس من غَيْرك شكر مَا أسديته إِلَى نَفسك. اسْتَأْذن سوار قَاضِي الْبَصْرَة على الْمَنْصُور، فَأذن لَهُ، فَدخل وَسلم، فَقَالَ الْمَنْصُور: وَعَلَيْك السَّلَام. أدن أَبَا عبد الله، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أأدنوا على مَا مضى عَلَيْهِ النَّاس أم على مَا أَحْدَثُوا؟ فَقَالَ: بل على مَا مضى عَلَيْهِ النَّاس، فَدَنَا فصافحه ثمَّ جلس، فَقَالَ الْمَنْصُور: يَا أَبَا عبد الله، قد عزمت على أَن أَدْعُو أهل الْبَصْرَة بسجلاتهم، وأشريتهم، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، نشدتك الله أَلا تعرض لأهل الْبَصْرَة. فَقَالَ: يَا سوار، أبأهلالبصرة تهددني؟ وَالله لهممت أَن أوجه إِلَيْهِم من يَأْخُذ بأفواه سككهم وطرقهم، وَيَضَع السَّيْف فيهم فَلَا يرفعهُ عَنْهُم حَتَّى يفنيهم، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ذهبت إِلَى غير مَا ذهبت إِلَيْهِ، إِنَّمَا كرهت لَك أَن تتعرض لدعاء الأرملة واليتيم، وَالشَّيْخ الْكَبِير الفاني، وَالْحَدَث الضَّعِيف. فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الله، أَنا للأرملة بعل، ولليتيم أَب، وللشيخ أَخ، وللحدث الضَّعِيف عَم، وَإِنَّمَا أُرِيد أَن أنظر فِي سجلاتهم وأشريتهم لأستخرج مَا فِي أَيدي الْأَغْنِيَاء، مِمَّا أَخَذُوهُ بقوتهم

стр. 547

وجاههم من حُقُوق الضُّعَفَاء والفقراء. فَقَالَ: وفقك الله للخير، وأرشدك لما يحب ويرضى. وَقَالَ للمهدي: أشْبع الْعَبَّاس بن مُحَمَّد، فَإنَّك إِن لم تشبعه أكلك. كتب إِلَيْهِ صَاحب أرمينية: إِن الْجند شغبوا عَليّ، وطلبوا أَرْزَاقهم، وكسروا أقفال بَيت المَال، وانتهبوه، فَأمر بعزله، وَوَقع: لوعدلت لم يشغبوا، وَلَو قويت لم ينهبوا. وَوَقع فِي قصَّة رجل ذكر: أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمر بأرزاق لَهُ، وَأَن الْفضل أَبْطَأَ بهَا: " مَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة فَلَا مُمْسك لَهَا " قَالَ أَبُو عبيد الله: سَمِعت الْمَنْصُور يَقُول للمهدي حِين عقد لَهُ: يَا بني، استدم النِّعْمَة بالشكر، وَالْقُدْرَة بِالْعَفو، وَالطَّاعَة بالتلف، والنصر بالتواضع، وَالرَّحْمَة من الله بِالرَّحْمَةِ للنَّاس. أُتِي الْمَنْصُور بِرَأْس بشير الرّحال، وَكَانَ خرج مَعَ مُحَمَّد بن عبد الله ﵁ فَقَالَ لَهُ: رَحِمك الله، لقد كنت أسمع لصدرك همهمة لَا يسكنهَا إِلَّا برد عدل، أَو حر سِنَان. وَلما احْتضرَ قَالَ: يَا ربيع، بعنا الْآخِرَة بنومة. قَالَ الرّبيع: لقب أَبُو جَعْفَر بِأبي الدوانيق، لِأَنَّهُ لما أَرَادَ حفر الخَنْدَق بِالْكُوفَةِ قسط على كل رجل مِنْهُم دانق فضَّة، وَأَخذه، وَصَرفه فِي ذَلِك، وَقيل غير هَذَا. وَقَالَ للمهدي: لَيْسَ الْعَاقِل من يتحرز من الْأَمر الَّذِي يَقع فِيهِ، حَتَّى يخرج مِنْهُ، إِنَّمَا الْعَاقِل من يتحرز من الْأَمر الَّذِي يخشاه، حَتَّى لَا يَقع فِيهِ. وَقَالَ: عُقُوبَة الْحُكَمَاء التَّعْرِيض، وعقوبة السُّفَهَاء التَّصْرِيح. كَانَ لسوار القَاضِي كاتبان: رزق أَحدهمَا أَرْبَعُونَ درهما، وَالْآخر عشرُون درهما، فَكتب إِلَى الْمَنْصُور يسْأَله أَن يلْحق صَاحب الْعشْرين بالأربعين، فَأجَاب بِأَن يحط من الْأَرْبَعين عشرَة ويزيدها صَاحب الْعشْرين حَتَّى يعتدلا.

стр. 548

قَالَ السّري بن عبد الله: إِنِّي لبمكة مَعَ أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَالنَّاس يذكرُونَ مَعنا، وإراقته الدِّمَاء بِالْيمن، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ غلامٌ من غلْمَان بني شَيبَان، مَاله عنْدك يَد تأصرك عَلَيْهِ، وَلَا رحم يعطفك عَلَيْهِ، قَالَ: فبسر فِي وَهِي بسرة تمنيت أَن الأَرْض انشقت لي فَدخلت فِيهَا. قَالَ: فَمَكثت أَيَّامًا ثمَّ أَتَيْته، فَسَأَلَنِي عَن عَن تخلفي، فاعتذرت إِلَيْهِ، فَقَالَ لي: أتعرف رجلا كَانَ يُصَلِّي عَن يَمِين مِنْبَر رَسُول الله ﷺ ؟ فَأَخْبَرته بِهِ، ونسبته إِلَى عُثْمَان، فَقَالَ: مَا فعل؟ قلت: قتل بِقديد. قَالَ: فآخر كَانَ يُصَلِّي قَرِيبا مِنْهُ؟ قلت: نعم، ذَاك ابْن أَخِيه. قَالَ: فَمَا فعل؟ قلت: قتل يَوْم قديد. قَالَ: فآخر كَانَ يُصَلِّي فِي مَوضِع كَذَا؟ قلت: نعم. ونسبته إِلَى الزبير. قَالَ: فَمَا فعل؟ قلت: قتل يَوْم قديد، فَمَا زَالَ يقترع الْمجَالِس يذكر فِيهَا رجلا قريعاً، ويسألني عَنهُ، فَأَقُول: قتل يَوْم قديد، فَقَالَ لي: لَا أَكثر الله فِي عشيرتك مثلك. عجزت عَن ثأرك أَن تطلب بِهِ، حَتَّى إِذا قَامَ هَذَا الْغُلَام الشَّيْبَانِيّ، فَإِذا بك تنفس عَلَيْهِ الرّفْعَة. قيل: وَكَانَ معنٌ يبسط الأنطاع بِالْيمن، ثمَّ يَدْعُو بأبناء اليمانية الَّذين حَضَرُوا قديداً، فَيضْرب أَعْنَاقهم. وَكلما ندر رأسٌ عَن رقبته قَالَ: يَا لثارات قديد. كَانَ الْمَنْصُور يَقُول: الْمُلُوك تحمل كل شَيْء إِلَّا ثَلَاث خلالٍ: إفشاء السِّرّ، والتعرض للحرم، والقدح فِي الْملك. وَقَالَ: إِذا مد عَدوك يَده إِلَيْك فاقطعها إِن أمكنك، وَإِلَّا فقبلها. وخطب بِمَكَّة وَقد أمل النَّاس عطاءه، فَقَالَ: أَيهَا النَّاس، إِنَّمَا أَنا سُلْطَان الله فِي أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده، وخازنه على فيئه، أعمل فِيهِ بمشيئته وأقسمه بإرادته، وَقد جعلني الله قفلاً عَلَيْهِ، إِذا شَاءَ أَن يفتحني فتحني، وَإِذا شَاءَ أَن يقفلني أقفلني، فارغبوا إِلَى الله أَيهَا النَّاس فِي هَذَا الْيَوْم الَّذِي عرفكم من فَضله مَا أنزلهُ فِي كِتَابه، فَقَالَ جلّ اسْمه: " الْيَوْم أكملت لكم

стр. 549

دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا "، أَن يوفقني للصَّوَاب، ويسددني للرشاد، ويلهمني الرأفة بكم، وَالْإِحْسَان إِلَيْكُم، ويفتحني لأعطياتكم، وَقسم أرزاقكم فِيكُم، إِنَّه قريب مُجيب. فَقَالَ ابْن عَيَّاش المنتوف: أحَال أَمِير الْمُؤمنِينَ بِالْمَنْعِ على ربه. خطب الْمَنْصُور بِالْكُوفَةِ فَقَالَ: الْحَمد لله أَحْمَده، وَأَسْتَعِينهُ، وأومن بِهِ وَأَتَوَكَّل عَلَيْهِ، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأَرَادَ أَن يَقُول: وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، فَقَالَ رجل: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أذكرك من تذكر بِهِ. فَقَالَ الْمَنْصُور: سمعا سمعا لمن فهم عَن الله، وَأَعُوذ بِاللَّه أَن أذكر بِاللَّه وأنساه، وَأَن تأخذني الْعِزَّة بالإثم: " قد ضللت إِذا وَمَا أَنا من المهتدين ". وَأَنت وَالله مَا الله أردْت بذلك، وَلَكِن حاولت أَن يُقَال: قَامَ فَقَالَ فَعُوقِبَ فَصَبر، وأهون بهَا وبقائلها وَلَو صمت لَكَانَ خيرا لَهُ، فاهتبلها إِذا غفرتها، وَإِيَّاكُم وَأَخَوَاتهَا، فَإِن الموعظة علينا نزلت، وَمن عندنَا انبثت، فَردُّوا الْأَمر إِلَى أَهله يصدروه كَمَا أوردوه، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله. وَرجع إِلَى خطبَته. كَانَ يَقُول: الْخُلَفَاء أَرْبَعَة: أبوبكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي على مَا نَالَ من عُثْمَان، ومانيل مِنْهُ أعطم، وَلَقَد كَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز إمرأ صدقٍ، والملوك أَرْبَعَة: مُعَاوِيَة وَكَفاهُ زِيَاد، وَعبد الْملك وَكَفاهُ حجاجه، وَهِشَام وَكَفاهُ موَالِيه، وَأَنا وَلَا كَافِي لي. وَكَانَ مُعَاوِيَة للحلم والأناة وَعبد الْملك للإقدام والإحجام، وَهِشَام لوضع الْأُمُور موَاضعهَا، وَلَقَد شاركت عبد الْملك فِي قَول كثير: رَحْمَة للنَّاس. أُتِي الْمَنْصُور بِرَأْس بشير الرّحال، وَكَانَ خرج مَعَ مُحَمَّد بن عبد الله ﵁ فَقَالَ لَهُ: رَحِمك الله، لقد كنت أسمع لصدرك همهمة لَا يسكنهَا إِلَّا برد عدل، أَو حر سِنَان. وَلما احْتضرَ قَالَ: يَا ربيع، بعنا الْآخِرَة بنومة. قَالَ الرّبيع: لقب أَبُو جَعْفَر بِأبي الدوانيق، لِأَنَّهُ لما أَرَادَ حفر الخَنْدَق بِالْكُوفَةِ قسط على كل رجل مِنْهُم دانق فضَّة، وَأَخذه، وَصَرفه فِي ذَلِك، وَقيل غير هَذَا. وَقَالَ للمهدي: لَيْسَ الْعَاقِل من يتحرز من الْأَمر الَّذِي يَقع فِيهِ، حَتَّى يخرج مِنْهُ، إِنَّمَا الْعَاقِل من يتحرز من الْأَمر الَّذِي يخشاه، حَتَّى لَا يَقع فِيهِ. وَقَالَ: عُقُوبَة الْحُكَمَاء التَّعْرِيض، وعقوبة السُّفَهَاء التَّصْرِيح. كَانَ لسوار القَاضِي كاتبان: رزق أَحدهمَا أَرْبَعُونَ درهما، وَالْآخر عشرُون درهما، فَكتب إِلَى الْمَنْصُور يسْأَله أَن يلْحق صَاحب الْعشْرين بالأربعين، فَأجَاب بِأَن يحط من الْأَرْبَعين عشرَة ويزيدها صَاحب الْعشْرين حَتَّى يعتدلا. قَالَ السّري بن عبد الله: إِنِّي لبمكة مَعَ أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَالنَّاس يذكرُونَ مَعنا، وإراقته الدِّمَاء بِالْيمن، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ غلامٌ من غلْمَان بني شَيبَان، مَاله عنْدك يَد تأصرك عَلَيْهِ، وَلَا رحم يعطفك عَلَيْهِ، قَالَ: فبسر فِي وَهِي بسرة تمنيت أَن الأَرْض انشقت لي فَدخلت فِيهَا. قَالَ: فَمَكثت أَيَّامًا ثمَّ أَتَيْته، فَسَأَلَنِي عَن عَن تخلفي، فاعتذرت إِلَيْهِ، فَقَالَ لي: أتعرف رجلا كَانَ يُصَلِّي عَن يَمِين مِنْبَر رَسُول الله ﷺ ؟ فَأَخْبَرته بِهِ، ونسبته إِلَى عُثْمَان، فَقَالَ: مَا فعل؟ قلت: قتل بِقديد. قَالَ: فآخر كَانَ يُصَلِّي قَرِيبا مِنْهُ؟ قلت: نعم، ذَاك ابْن أَخِيه. قَالَ: فَمَا فعل؟ قلت: قتل يَوْم قديد. قَالَ: فآخر كَانَ يُصَلِّي فِي مَوضِع كَذَا؟ قلت: نعم. ونسبته إِلَى الزبير. قَالَ: فَمَا فعل؟ قلت: قتل يَوْم قديد، فَمَا زَالَ يقترع الْمجَالِس يذكر فِيهَا رجلا قريعاً، ويسألني عَنهُ، فَأَقُول: قتل يَوْم قديد، فَقَالَ لي: لَا أَكثر الله فِي عشيرتك مثلك. عجزت عَن ثأرك أَن تطلب بِهِ، حَتَّى إِذا قَامَ هَذَا الْغُلَام الشَّيْبَانِيّ، فَإِذا بك تنفس عَلَيْهِ الرّفْعَة. قيل: وَكَانَ معنٌ يبسط الأنطاع بِالْيمن، ثمَّ يَدْعُو بأبناء اليمانية الَّذين حَضَرُوا قديداً، فَيضْرب أَعْنَاقهم. وَكلما ندر رأسٌ عَن رقبته قَالَ: يَا لثارات قديد. كَانَ الْمَنْصُور يَقُول: الْمُلُوك تحمل كل شَيْء إِلَّا ثَلَاث خلالٍ: إفشاء السِّرّ، والتعرض للحرم، والقدح فِي الْملك. وَقَالَ: إِذا مد عَدوك يَده إِلَيْك فاقطعها إِن أمكنك، وَإِلَّا فقبلها. وخطب بِمَكَّة وَقد أمل النَّاس عطاءه، فَقَالَ: أَيهَا النَّاس، إِنَّمَا أَنا سُلْطَان الله فِي أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده، وخازنه على فيئه، أعمل فِيهِ بمشيئته وأقسمه بإرادته، وَقد جعلني الله قفلاً عَلَيْهِ، إِذا شَاءَ أَن يفتحني فتحني، وَإِذا شَاءَ أَن يقفلني أقفلني، فارغبوا إِلَى الله أَيهَا النَّاس فِي هَذَا الْيَوْم الَّذِي عرفكم من فَضله مَا أنزلهُ فِي كِتَابه، فَقَالَ جلّ اسْمه: " الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا "، أَن يوفقني للصَّوَاب، ويسددني للرشاد، ويلهمني الرأفة بكم، وَالْإِحْسَان إِلَيْكُم، ويفتحني لأعطياتكم، وَقسم أرزاقكم فِيكُم، إِنَّه قريب مُجيب. فَقَالَ ابْن عَيَّاش المنتوف: أحَال أَمِير الْمُؤمنِينَ بِالْمَنْعِ على ربه. خطب الْمَنْصُور بِالْكُوفَةِ فَقَالَ: الْحَمد لله أَحْمَده، وَأَسْتَعِينهُ، وأومن بِهِ وَأَتَوَكَّل عَلَيْهِ، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأَرَادَ أَن يَقُول: وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، فَقَالَ رجل: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أذكرك من تذكر بِهِ. فَقَالَ الْمَنْصُور: سمعا سمعا لمن فهم عَن الله، وَأَعُوذ بِاللَّه أَن أذكر بِاللَّه وأنساه، وَأَن تأخذني الْعِزَّة بالإثم: " قد ضللت إِذا وَمَا أَنا من المهتدين ". وَأَنت وَالله مَا الله أردْت بذلك، وَلَكِن حاولت أَن يُقَال: قَامَ فَقَالَ فَعُوقِبَ فَصَبر، وأهون بهَا وبقائلها وَلَو صمت لَكَانَ خيرا لَهُ، فاهتبلها إِذا غفرتها، وَإِيَّاكُم وَأَخَوَاتهَا، فَإِن الموعظة علينا نزلت، وَمن عندنَا انبثت، فَردُّوا الْأَمر إِلَى أَهله يصدروه كَمَا أوردوه، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله. وَرجع إِلَى خطبَته. كَانَ يَقُول: الْخُلَفَاء أَرْبَعَة: أبوبكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي على مَا نَالَ من عُثْمَان، ومانيل مِنْهُ أعطم، وَلَقَد كَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز إمرأ صدقٍ، والملوك أَرْبَعَة: مُعَاوِيَة وَكَفاهُ زِيَاد، وَعبد الْملك وَكَفاهُ حجاجه، وَهِشَام وَكَفاهُ موَالِيه، وَأَنا وَلَا كَافِي لي. وَكَانَ مُعَاوِيَة للحلم والأناة وَعبد الْملك للإقدام والإحجام، وَهِشَام لوضع الْأُمُور موَاضعهَا، وَلَقَد شاركت عبد الْملك فِي قَول كثير: يصد ويفضي وَهُوَ لَيْث عرينة ... وَإِن أمكنته فرْصَة لَا يقيلها وَقَالَ للمهدي ابْنه: يَا أَبَا عبد الله، لَا تبرمن أمرا حَتَّى تفكر فِيهِ، فَإِن فكرة الْعَاقِل مرْآة تريه قبيحه وَحسنه.

стр. 550

وَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عبد الله، الْخَلِيفَة لَا يصلحه إِلَّا التَّقْوَى، وَالسُّلْطَان لَا يقيمه إِلَّا الطَّاعَة، والرعية لَا يصلحها إِلَّا الْعدْل، وَأولى النَّاس بِالْعَفو أقدرهم عِلّة الْعقُوبَة، وأنقص النَّاس مُرُوءَة وعقلاً من ظلم من هُوَ دونه. وَقَالَ لَهُ الرّبيع: إِن لفُلَان حَقًا، فَإِن رَأَيْت أَن تقضيه فتوليه نَاحيَة. فَقَالَ: يَا ربيع، إِن لاتصاله بِنَا حَقًا فِي أَمْوَالنَا، لَا فِي أَعْرَاض الْمُسلمين وَلَا أَمْوَالهم. إِنَّا لَا نولي للْحُرْمَة وَالرِّعَايَة، بل للاستحقاق والكفاية، وَلَا نؤثر ذَا النّسَب والقرابة على ذِي الدِّرَايَة وَالْكِتَابَة، فَمن كَانَ مِنْكُم كَمَا وَصفنَا شاركناه فِي أَعمالنَا، وَمن كَانَ عطلاً لم يكن لنا عذر عِنْد النَّاس فِي توليتنا إِيَّاه، وَكَانَ الْعذر فِي تركنَا لَهُ وَفِي خَاص أَمْوَالنَا مَا يَسعهُ. وَكَانَ يَقُول: لَو عرف إِبْلِيس أَن أحدا بعد النَّبِي ﷺ أفضل من عَليّ بن أبي طَالب لأغرى النَّاس بنقضه وحطه عَن مَنْزِلَته. وخطب يَوْم الْجُمُعَة، فَكَانَ مِمَّا حفظ من كَلَامه: " وَلَقَد كتبنَا فِي الزبُور من بعد الذّكر أَن الأَرْض يَرِثهَا عبَادي الصالحون " أمرٌ مبرم وَقَضَاء فصلٌ، وَالْحَمْد لله الَّذِي أفلج حجَّته، وبعداً للْقَوْم الظَّالِمين، الَّذين اتَّخذُوا الْكَعْبَة غَرضا، والفيء إِرْثا وَجعلُوا الْقُرْآن عضين، لقد حاق بهم مَا كَانُوا بِهِ يستهزؤون، وكأين ترى من بِئْر معطلة وقصرٍ مشيد. أمهلهم الله حِين نبذوا الْقُرْآن وَالسّنة، واضطهدوا العترة، واستكبروا وعندوا، وخاب كل جَبَّار عنيد، ثمَّ أَخذهم ف " هَل تحس مِنْهُم من أحدٍ أَو تسمع لَهُم ركزا ". وَكتب إِلَيْهِ زِيَاد بن عبيد الله يسْأَله الزِّيَادَة فِي أرزاقه، ويبالغ فِي الْكتاب. فَوَقع الْمَنْصُور فِي كِتَابه: إِن الْغنى والبلاغة إِذا اجْتمعَا فِي رجلٍ أبطراه، وأمير الْمُؤمنِينَ مُشفق عَلَيْك، فاكتف بالبلاغة.؟ ؟ ؟ ؟ الْمهْدي حُكيَ أَن رجلا أَتَى بَاب الْمهْدي ، وَمَعَهُ نَعْلَانِ، فَقَالَ: هما نعلا رَسُول

стр. 551

الله ﷺ فَعرف الْمهْدي، فَأدْخلهُ وَوَصله، فَلَمَّا خرج قَالَ الْمهْدي: وَالله مَا هَذَا فعل رَسُول الله ﷺ وَمن أَيْن صَارَت إِلَيْهِ؟ أبميراثٍ أم بشرى أم بِهِبَة؟ لكني كرهت أَن يُقَال: أهدي إِلَيْهِ نعل رَسُول الله ﷺ فَلم يقبلهَا، واستخف بِحَقِّهَا. وَلما استخرج أخرج من فِي السجون، فَقيل لَهُ: إِنَّمَا تزري على أَبِيك، فَقَالَ: لَا أزري، وَلَكِن أبي حبس بالذنب، وَأَنا أعفو عَنهُ. وَولى الرّبيع بن أبي الجهم فَارس، فَقَالَ لَهُ: يَا ربيع، آثر الْحق، والزم الْقَصْد، وارفق بالرعية، وَاعْلَم أَن أعدل النَّاس من أنصف النَّاس من نَفسه، وأجورهم من ظلمهم لغيره. جزع الْمهْدي على رخيم جَارِيَته جزعاً شَدِيدا، فَكَانَ يَأْتِي الْمَقَابِر لَيْلًا فيبكي، فَبلغ ذَلِك الْمَنْصُور، فَكتب إِلَيْهِ: كَيفَ ترجو أَن أوليك عهد أمة وَأَنت تجزع على أمة؟ وَالسَّلَام. فَكتب إِلَيْهِ الْمهْدي: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنِّي لم أجزع على قيمتهَا، وَإِنَّمَا جزعت على شيمتها. وَالسَّلَام. قَالُوا: كَانَ الْمَنْصُور أَرَادَ أَن يعْقد الْعَهْد بعد الْمهْدي لِابْنِهِ صَالح الْمَعْرُوف بالمسكين، فَوجه إِلَيْهِ الْمهْدي: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لَا تحملنِي على قطيعة الرَّحِم، وَإِن كَانَ لابد من إِدْخَال أخي فِي هَذَا الْأَمر فوله قبلي، فَإِن هَذَا الْأَمر إِذا صَار إِلَيّ أَحْبَبْت أَلا يخرج عَن وَلَدي. وَقَالَ لحاجبه الْفضل بن الرّبيع: إِنِّي قد وليتك ستر وَجْهي وكشفه، فَلَا تجْعَل السّتْر بيني وَبَين خواصي سَبَب ضغنهم عَليّ بقبح ردك، وعبوس وَجهك. وَقدم أَبنَاء الدولة، فَإِنَّهُم أولى بالتقدمة، وثن بالأولياء، وَاجعَل للعامة وقتا إِذا صلوا فِيهِ أعجلهم ضيقه عَن التلبث، وحثك لَهُم عَن التمكث. قَالَ الرّبيع: لما حبس الْمهْدي مُوسَى بن جَعْفَر ﵁ رأى فِي النّوم عليا ﵁ وَهُوَ يَقُول لَهُ: يَا مُحَمَّد، " فَهَل عسيتم إِن

стр. 552

توليتم أَن تفسدوا فِي الأَرْض وتقطعوا أَرْحَامكُم " قَالَ الرّبيع: فَأرْسل إِلَيّ لَيْلًا فراعني ذَلِك، وَإِذا هُوَ يقْرَأ هَذِه الْآيَة - وَكَانَ أحسن النَّاس صَوتا - فعرفني خبر الرُّؤْيَا. وَقَالَ: عَليّ بمُوسَى بن جَعْفَر. فَجِئْته بِهِ، فعانقه وَأَجْلسهُ إِلَى جَانِبه، وَقَالَ: يَا أَبَا الْحسن، إِنِّي رَأَيْت أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵁ فَقَرَأَ عَليّ كَذَا. أفتؤمنني أت تخرج عَليّ، أَو على أحدٍ من وَلَدي؟ فَقَالَ: وَالله مَا ذَاك شأني. فَقَالَ: صدقت يَا ربيع، أعْطه ثَلَاثَة آلَاف دِينَار، ورده إِلَى أَهله بِالْمَدِينَةِ. قَالَ الرّبيع: فأحكمت أَثَره لَيْلًا فَلَمَّا أصبح كَانَ على الطَّرِيق خوف الْعَوَائِق. وَدخل الْعُتْبِي على الْمهْدي فَعَزاهُ فِي أَبِيه. وهنأه بالخلافة، فَاسْتحْسن كَلَامه وسال عَنهُ، فَقيل: هُوَ من ولد عتبَة بن أبي سُفْيَان، فَقَالَ: أوبقي من أحجارهم مَا أرى؟ قيل: كَانَ الْمهْدي يُصَلِّي الصَّلَوَات كلهَا فِي الْمَسْجِد الْجَامِع بِالْبَصْرَةِ لما قدمهَا، فأقيمت الصَّلَاة يَوْمًا، فَقَالَ أَعْرَابِي: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لست على طهر، وَقد رغبت إِلَى الله فِي الصَّلَاة خَلفك، فَأمر هَؤُلَاءِ أَن ينتظروني، فَقَالَ: انتظروه رحمكم الله، وَدخل الْمِحْرَاب، فَوقف إِلَى أَن أقبل، وَقيل لَهُ: قد جَاءَ الرجل، فَعجب النَّاس من سماحة أخلاقه. هَاجَتْ ريح سَوْدَاء فِي أَيَّام الْمهْدي، فرؤي وَهُوَ ساجد يَقُول: اللَّهُمَّ لَا تشمت بِنَا أعداءنا من الْأُمَم، واحفظ فِينَا دَعْوَة نَبينَا ﷺ وَإِن كنت أخذت الْعَامَّة بذنبي فَهَذِهِ ناصيتي بِيَدِك. وَكَانَ الْمهْدي يحب الْحمام، فَأدْخل عَلَيْهِ غياث بن إِبْرَاهِيم، فَقيل لَهُ: حدث أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَانَ قد بلغه استهتار الْمهْدي بالحمام، فَقَالَ: حَدثنِي فلَان عَن فلَان عَن أبي هُرَيْرَة - رَفعه - أَنه قَالَ: " لَا سبق إِلَّا فِي حافر أَو نصل أَو جنَاح " فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم فَلَمَّا قَامَ. قَالَ الْمهْدي، وَهُوَ ينظر فِي قفا غياث: أشهد أَن قفاك كَذَّاب على رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا استجلبت ذَلِك أَنا، وَأمر بالحمام فذبحت.

стр. 553

الْهَادِي اعتلت أمه الخيزران، فَأَرَادَ الرّكُوب إِلَيْهَا، فَقَالَ عمر بن بزيع أَلا أدلك على مَا هُوَ انفع من عيادتها، وأجلب لعافيتها؟ قَالَ: بلَى. قَالَ: تجْلِس للمظالم، فقد احْتَاجَ النَّاس إِلَى ذَلِك، فَرجع وَجلسَ وَوجه إِلَيْهَا: إِنِّي أردتك الْيَوْم، فَعرض من حق الله مَا هُوَ أوجب، فملت إِلَيْهِ، وَأَنا أجيئك فِي غدٍ إِن شَاءَ الله. قَالَ سعيد بن سلم الْبَاهِلِيّ صلى بِنَا الْهَادِي صَلَاة الْغَدَاة فَقَرَأَ: " عَم يتساءلون " فَلَمَّا بلغ قَوْله تَعَالَى: " ألم نجْعَل الأَرْض مهاداً " أرتج عَلَيْهِ، فرددها وَلم يَجْسُر أحدٌ أَن يفتح عَلَيْهِ لهيبته، وَكَانَ أهيب النَّاس، فَعلم ذَلِك فَقَرَأَ: " أَلَيْسَ مِنْكُم رجل رشيد " ففتحنا عَلَيْهِ، وَكُنَّا نعد من محاسنه. وعزى إِبْرَاهِيم بن سلم عَن ابْن لَهُ، وَقد اشْتَدَّ جزعه عَلَيْهِ، فَقَالَ: سرك وَهُوَ بلية وفتنة، ويحزنك وَهُوَ ثَوَاب وَرَحْمَة. وَقَالَ لأمه الخيزران حِين ولي الْخلَافَة: إِن الْأَمر وَالنَّهْي لَا يبلغهُ قدر النِّسَاء، فَلَا تخرجن من خفر الْكِفَايَة إِلَى بذلة التَّدْبِير، اختمري بخمرتك، وَعَلَيْك بسبحتك وَلَا علمتك تعديت ذَلِك إِلَى تَكْلِيف يَضرك، وتعنيف يلزمك، وَلَك بعد هَذَا عَليّ الطَّاعَة الَّتِي أوجبهَا الله لَك فِي غير كفر وَلَا مأثم وَلَا عَار. وأنفذ إِلَيْهَا يَوْمًا أرزاً مسموماً، وَقَالَ: استطبت هَذَا، فأنفذته إِلَيْك، فاسترابت بِهِ وَلم تَأْكُله، وَدخل بعقب ذَلِك إِلَيْهَا، فَقَالَ لَهَا: هَل أكلت الْأرز؟ فَقَالَت: نعم. فَقَالَ: لَو أَكلته لَكَانَ الْأَمر بِخِلَاف هَذَا. مَتى أَفْلح خَليفَة لَهُ أم؟ . وشهدوا عِنْده على رجل بِأَنَّهُ شتم قُريْشًا، وتعدى إِلَى ذكر رَسُول الله ﷺ ، فَجَلَسَ مَجْلِسا أحضر فِيهِ فُقَهَاء أهل زَمَانه، وأحضر الرجل الشُّهُود وشهدوا،

стр. 554

فَتغير وَجه الْهَادِي، ونكس رَأسه، ثمَّ رَفعه، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعت أبي يحدث عَن أَبِيه الْمَنْصُور عَن أَبِيه مُحَمَّد بن عَليّ عَن أَبِيه عَليّ بن عبد الله عَن أَبِيه عبد الله بن الْعَبَّاس قَالَ: " من أَرَادَ هوان قُرَيْش أهانه الله " وَأَنت يَا عَدو الله، لم ترض بِأَن أردْت ذَلِك من قُرَيْش حَتَّى تخطيت إِلَى ذكر رَسُول الله ﷺ . اضربوا عُنُقه فَقتل. الرشيد قَالَ لحاجبه: احجب عني من إِذا قعد أَطَالَ، وَإِذا سَأَلَ أحَال، وَلَا تستخفن بِذِي الْحُرْمَة، وَقدم أَبنَاء الدعْوَة ٠ عرض لَهُ رجل وَهُوَ يطوف بِالْبَيْتِ، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنِّي أُرِيد أَن أُكَلِّمك بِكَلَام فِيهِ خشونة فاحتمله لي. قَالَ: لَا، وَلَا كَرَامَة، قد بعث الله من هُوَ خير مِنْك إِلَى من هُوَ شَرّ مني، فَقَالَ: " فقولا لَهُ قولا لينًا " وَلما احْتضرَ قَالَ: وَا حيائي من رَسُول الله. ودعا بِعَبْد الْملك بن صَالح وَعِنْده وُلَاة عَهده وقواد جنده، فجيئ بِهِ وَهُوَ يرسف فِي قَيده، فَلَمَّا مثل بَين يَدي الرشيد. قَالَ الرشيد: أُرِيد حَيَاته وَيُرِيد قَتْلِي ... عذيرك من خَلِيلك من مُرَاد وَالله لكَأَنِّي أنظر إِلَى شؤبوبها وَقد همع، وَإِلَى عارضها وَقد لمع، وَإِلَى الْوَعيد قد أورى نَارا، فأقلع عَن رُؤُوس بِلَا غلاصم، ومعاصم بِلَا براجم، مهلا مهلا بني هَاشم، فَبِي سهل لكم الوعر، وَصفا لكم الكدر، فنذار نذار من حُلُول داهية خبوط بِالْيَدِ، لبوط بِالرجلِ.

стр. 555

فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أأتكلم فَذا أَو توأماً؟ فَقَالَ: بل فَذا، فَقَالَ: اتَّقِ الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيمَا دلاك، وراقبه فبمَا استرعاك، وَلَا تجْعَل الشُّكْر بِموضع الْكفْر لقَوْل قَائِل ينهس اللَّحْم، ويلغ الدَّم، فوَاللَّه لقد حددت الْقُلُوب على طَاعَتك، وذللت الرِّجَال لمحبتك، وَكنت كَمَا قَالَ أَخُو بني كلاب. ومقام ضيق فرجته ... ببياني، ولساني، وجدل لَو يقوم الْفِيل أَو فياله ... زل عَن مثل مقَامي وزحل فَأمر بِهِ فَرد إِلَى محبسه. ثمَّ قَالَ: لقد دَعَوْت بِهِ، وَأَنا أرى مَكَان السَّيْف من صليف قَفاهُ، ثمَّ هأنا قد رثيت لَهُ. كتب الرشيد إِلَى الْفضل بن يحيى: أَطَالَ الله يَا أخي مدتك، وأدام نِعْمَتك، وَالله مَا مَنَعَنِي من إتيانك إِلَّا التطير من عيادتك، فاعذر أَخَاك، فوَاللَّه مَا قلاك وَلَا سلاك، وَلَا استبدل بك سواك. قَالَ الْأَصْمَعِي: قَالَ لنا الرشيد ذَات يَوْم: مَا التكش عنْدكُمْ؟ قلت: الَّذِي يتفتى على كبر السن. فَقَالَ: أَخْطَأت. التكش: الَّذِي يشرب على غير سَماع. قَالُوا: رفع صَاحب الْخَبَر فِي أَيَّام الرشيد أَن صَاحب الْحَبْس حبس رجلا يجمع بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي منزله، وَأَنه سُئِلَ عَن ذَلِك، فَأقر، وَزعم أَنه يجمع بَينهم بتزويج لَا زنية، وبنكاح لَا سفاح، وَشهد لَهُ بذلك جمَاعَة، وَتشفع فِي بَابه قوم من الْكتاب والقواد، فَلم يُطلق. فَلَمَّا قَرَأَ الرشيد ذَلِك استشاط غَضبا حَتَّى انكر جُلَسَاؤُهُ ذَلِك، وظنوا أَنه سينكل بِالرجلِ، إِلَى أَن قَالَ: وَمَا سبيلهم على رجل وسع فِي منزله لصديقه، وأسبل عَلَيْهِ ستره، وسعى فِيمَا يحل لَهُ من لذته؟ وَهُوَ بعد مستراح للأحرار، وَذَوي الشّرف ةالأقدار، وَنحن نعلم أَن الشريف وَالسَّيِّد، والأديب والأريب قد تكون عِنْده العقيلة من بَنَات عَمه، وَنسَاء قومه، وأكفائه، فتحظر عَلَيْهِ شَهْوَته،

стр. 556

وتملك عَلَيْهِ أمره، وَهِي أقبح من السحر، وأسمج من القرد، وأهر من الْكَلْب، وَأَشد تَعَديا من اللَّيْث العادي، فيريد شِرَاء جَارِيَة أَو تزوج حرَّة، فَلَا يقدر على ذَلِك لمكانها، حَتَّى يستريح إِلَى مثل هَذَا من الفتيان ويغشى منزل أَمْثَاله من الْأَحْرَار، فَيَجْعَلهُ سكنه، وَينزل بِهِ مهمه، فيساعده على حَاجته، وَيسْعَى لَهُ فِيمَا يحب من لذته، ويستره بمنزله. اكتبوا فِي اطلاقه وَالسُّؤَال عَن حَاله فَإِن كَانَ كَمَا ذكر عَنهُ من السّتْر وَكَانَ صَادِقا فِيمَا حكى عَن نَفسه مَا الْفِعْل أَمِين على مروءته باكف وينار وأومن من رَوْعَته وَعرف مَا امرنا بِهِ فِيهِ. فَقَالَ الْجَمِيع: سدد الله رَأْي أَمِير الْمُؤمنِينَ ووفقه. وعاتبته أم جَعْفَر فِي تقريظه لِلْمَأْمُونِ، دون مُحَمَّد ابْنهَا، فَدَعَا خادماًبحضرته، وَقَالَ لَهُ: وَجه إِلَى مُحَمَّد وَعبد الله خادمين حصيفين يَقُولَانِ لكل وَاحِد مِنْهُمَا على الْخلْوَة: مَا يفعل بِهِ إِذا أفضت الْخلَافَة إِلَيْهِ؟ ، فَأَما مُحَمَّد فَإِنَّهُ قَالَ للخادم: أقطعك وَأُعْطِيك، وأقدمك. وَأما الْمَأْمُون فَإِنَّهُ رمى الْخَادِم بِدَوَاةٍ كَانَت بَين يَدَيْهِ، وَقَالَ: يَا بن اللخناء، أتسألني عَمَّا أفعل بك يَوْم يَمُوت أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَخَلِيفَة رب الْعَالمين؟ إِنِّي لأرجو أَن نَكُون جَمِيعًا فداءاً لَهُ. فَرَجَعَا بالْخبر، فَقَالَ الرشيد لأم جَعْفَر: كبف تَرين؟ مَا أقدم ابْنك إِلَّا مُتَابعَة لرأيك، وتركاً للحزم. وسايره يَوْمًا عبد الْملك بن صَالح، فَقَامَ رجل، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، طأطئ من إشرافه، وَاشْدُدْ شكائمه، وَإِلَّا أفسد عَلَيْك ملكك، فَقَالَ الرشيد: يَا عبد الْملك، مَا هَذَا؟ قَالَ: حَاسِد نعْمَة، ونافس رُتْبَة أغضبهُ، رضاك عني وباعده قربك مني، وساءه إحسانك إِلَيّ. فَقَالَ الرشيد: انخفض الْقَوْم وعلوتهم، فتوقدت فِي قُلُوبهم جَمْرَة التأسف، فَقَالَ عبد الْملك: أضرمها الله بالتزيد عنْدك، فَقَالَ: هَذَا لَك وَهَذَا لَهُم. وأنشده إِسْحَاق الْموصِلِي مدحاً لَهُ، فقالك لله در أبياتٍ تجيئ بهَا مَا أحكم أُصُولهَا، وَأحسن فصولها، وَأَقل فضولها فَقَالَ إِسْحَاق: هَذَا الْكَلَام أحسن من شعري.

стр. 557

كَانَ الْحسن اللؤْلُؤِي يخْتَلف إِلَى الْمَأْمُون، يلقِي عَلَيْهِ الْفَرَائِض، فَدخل عَلَيْهِ لَيْلَة وَقد صلى الْعشَاء الْآخِرَة، فَجعل يلقِي عَلَيْهِ، ونعس الْمَأْمُون فأطبق جفْنه، فَقَالَ الْحسن: أنمت أَيهَا الْأَمِير؟ فَفتح عَيْنَيْهِ وَهُوَ إِذْ ذَاك صبي فَقَالَ: عَامي وَالله لم يغذ بالأدب، خُذُوا بِيَدِهِ وَلَا تعيدوه إِلَيّ. فَبلغ ذَلِك الرشيد، فتمثل بقول زُهَيْر: وَهل ينْبت الخطي إِلَّا وشيجه ... وتغرس إِلَّا فِي منابتها النّخل وَقَالَ لحاجبه: احجب عني من إِذا قعد أَطَالَ، وَإِذا سَأَلَ أحَال، وَلَا تستخفن بِذِي حُرْمَة، وَقدم أَبنَاء الدعْوَة. وَصعد يَوْمًا الْمِنْبَر وَقد شغب الْجند، ثمَّ سكنوا بعد إِيقَاع بهم، فَقَالَ: الْحَمد لله رب الْعَالمين، وَصلى الله على الْمَلَائِكَة المقربين، والأنبياء أَجْمَعِينَ. أما بعد، فقد كَانَ لكم ذَنْب، وَكَانَ لنا عتب، وَكَانَ مِنْكُم اصطلام، وَكَانَ منا انتقام، وَعِنْدِي بعد هَذَا التَّنْفِيس عَن المكروبين، والتفريج عَن المغمومين، وَالْإِحْسَان إِلَى الْمُحْسِنِينَ، والتغمد لإساءة المسيئين، وَألا يكفر لكم بلَاء، وَلَا يحبس عَنْكُم عَطاء، وَعلي بذلك الْوَفَاء إِن شَاءَ الله. ثمَّ نزل. قَالَ سعيد بن سلم: كَانَ فهم الرشيد فهم الْعلمَاء. أنْشدهُ الْعمانِي فِي صفة الْفرس: كَأَن أُذُنَيْهِ إِذا تشوفا ... قادمة أَو قَلما محرفا فَقَالَ الرشيد: دع كَأَن، وَقل: تخال أُذُنَيْهِ حَتَّى يَسْتَوِي الشّعْر.

стр. 558

أنْشد النميري الرشيد شعرًا يَقُول فِيهِ: لَيْسَ كأسياف الْحُسَيْن وَلَا بني ... حسن، وَلَا آل الزبير الكلل فَقَالَ لَهُ الرشيد: وَمَا تولعك بِذكر الْقَوْم لَا ينالهم ذمّ إِلَّا شاطرتهم إِيَّاه. قرر ابْني هَذَا مِنْك وفيك، فَلَا تعدله، فَإِنَّمَا نفارقهم فِي الْملك وَحده، ثمَّ لَا افْتِرَاق فِي شَيْء بعده. مَاتَت أمه الخيزران بعد ثَلَاث سِنِين من خِلَافَته، وَكَانَ غَلَّتهَا يَوْم مَاتَت مِائَتي ألف ألف، وَسِتِّينَ ألف دِرْهَم كل سنة، فاتسع الرشيد بذلك وَمَات فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَت فِيهِ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بِالْبَصْرَةِ، وَقبض الرشيد مَا خَلفه من الصَّامِت، فَكَانَ ثَلَاثَة آلَاف ألف دِينَار، وَلم يعرض لغير ذَلِك من أَصْنَاف المَال. قَالَ الرشيد يَوْمًا: بَلغنِي أَن الْعَامَّة يظنون بِي بغض عَليّ بن أبي طَالب. وَالله مَا أحب أحدا حبي لَهُ، وَلَكِن وَلَده هَؤُلَاءِ أَشد النَّاس بغضاً لنا، وطعناً علينا، وسعياً فِي إِفْسَاد ملكنا، بعد أَخذنَا بثأرهم، ومساهمتنا إيَّاهُم ماحوينا، حَتَّى إِنَّهُم لأميل إِلَى بني أُميَّة مِنْهُم إِلَيْنَا، فَأَما عَليّ وَولده لصلبه، وَأَوْلَاد أَوْلَاده، فهم سادة الْأَهْل، وَالسَّابِقُونَ إِلَى الْفضل، وَلَقَد حَدثنِي أبي الْمهْدي عَن أَبِيه الْمَنْصُور بن مُحَمَّد بن عَليّ عَن أَبِيه عَن ابْن الْعَبَّاس أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول فِي الْحسن وَالْحُسَيْن: " من أحبهما فقد أَحبَّنِي، وَمن أبغضهما فقد أبغضني ". وسمعته ﷺ يَقُول فِي فَاطِمَة ﵂: " فَاطِمَة سيدة نسَاء الْعَالمين مَا خلا مَرْيَم بنت عمرَان وآسيا بنت مُزَاحم ". قَالَ يزِيد بن مزِيد: قَالَ لي الرشيد: مَا بَقِي فِي الْعَرَب من يفتك قلت: وَمَا ذَاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فَقَالَ: رجل يقتل لي يحيى بن خَالِد. قَالَ: قلت لَهُ: فَأَنا أَقتلهُ وآتيك بِرَأْسِهِ. قَالَ: لَيْسَ كَذَا أُرِيد. إِنَّمَا أُرِيد أَن يقْتله رجل فَأَقْتُلهُ بِهِ. قَالَ: فَحدثت بِهِ الْفضل بن سهل بمرو، فَوَجَمَ واغتم. قَالَ الْأَصْمَعِي قَالَ لي الرشيد فِي أول يَوْم عزم فِيهِ على تأنيسي: يَا عبد الْملك، أَنْت أحفظ منا، وَنحن أقل مِنْك. لَا تعلمنا فِي ملا، وَلَا تسرع

стр. 559

إِلَى تذكيرنا فِي خلاء، واتركنا حَتَّى نبتدئك بالسؤال، فَإِذا بلغت من الْجَواب قدر اسْتِحْقَاقه فَلَا تزد، وَإِيَّاك والبداء إِلَى تصديقنا، أَو شدَّة الْعجب بِمَا يكون منا. وَعلمنَا من الْعلم مَا نحتاج إِلَيْهِ، على عتبات المنابر، وَفِي أعطاف الْخطب، وفواصل المخاطبات، وَدعنَا من رِوَايَة حوشي الْكَلَام وغرائب الْأَشْعَار، وَإِيَّاك وإطالة الحَدِيث إِلَّا أَن نستدعي ذَلِك مِنْك. وَمَتى رَأَيْتنَا صادفين عَن الْحق فأرجعنا إِلَيْهِ مَا اسْتَطَعْت، من غير تَقْرِير بالْخَطَأ، وَلَا إضجار يطول الترداد. قَالَ قلت: أَنا إِلَى حفظ هَذَا الْكَلَام أحْوج مني إِلَى كثير من الْبر. الْأمين قيل لبَعض الْعلمَاء: كَيفَ كَانَت بلاغة الْأمين؟ قَالَ: وَالله لقد أَتَتْهُ الْخلَافَة يَوْم الْجُمُعَة، فَمَا كَانَ إِلَّا سَاعَة حَتَّى نُودي: الصَّلَاة جَامِعَة، فَخرج ورقي الْمِنْبَر، فَحَمدَ الله، وَأثْنى عَلَيْهِ. ثمَّ قَالَ: أَيهَا النَّاس، وخصوصاً يَا بني عَبَّاس، إِن الْمنون مراصد ذَوي الأنفاس حتم من الله لَا يدْفع حُلُوله، وَلَا يُنكر نُزُوله، فارتجعوا قُلُوبكُمْ من الْحزن على الْمَاضِي إِلَى السرُور بِالْبَاقِي، تُجْزونَ ثَوَاب الصابرين، وتعطون أجور الشَّاكِرِينَ. فتعجب النَّاس من جرأته، وبلة رِيقه، وَشدَّة عارضته. وَكَانَ الْمَأْمُون يَقُول: كَانَ يَقُول لي الرشيد: وددت لَو أَن لَك بلاغة مُحَمَّد، وَأَن عَليّ غرم كَذَا وَكَذَا. وَذكر أَن مُحَمَّد فِي صباه كَانَ كثير اللّعب، وَكَانَ الْمعلم يلقِي عَلَيْهِ فِي الْكتاب، وعَلى الْمَأْمُون، وَكَانَ مُحَمَّد يلْعَب ويحفظ، والمأمون ينسى وَهُوَ مقبل على الْعلم يقْصد قَصده. ذكر أَنه دَعَا يَوْمًا عبد الله بن أبي عَفَّان ليصطبح، فَأَبْطَأَ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: أَظُنك أكلت. قَالَ: لَا وَالله. قَالَ: وَالله لتصدقن. قَالَ: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ،

стр. 560

فَدَعَا بحكاك فحك أَضْرَاسه السُّفْلى، فَلَمَّا ذهب ليحك الْعليا قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، دعها لغضبة أُخْرَى، فَخَلَّاهُ. قَالَ الْفضل بن مَرْوَان: سمعته يَقُول فِي خطبَته: النَّاس جَمِيعًا آمنون إِلَّا أَصْحَاب الْأَهْوَاء. وَقَالَ لكاتب بَين يَدَيْهِ: دع الإطناب، والزم الإيجاز، فَإِن للإيجاز إفهاماً، كَمَا أَن مَعَ الإسهاب استبهاماً. وَلما اشْتَدَّ طَاهِر على مُحَمَّد دخلت عَلَيْهِ أمه أم جَعْفَر باكية، فَقَالَ لَهَا: مَه، إِنَّه لَيْسَ بجزع النِّسَاء وهلعهن تشفى الصُّدُور، وتساس الْأُمُور وللخلافة سياسة تلين مرّة وتخشن أُخْرَى، لَا يَسعهَا صدر المراضيع، وَلَا تحفظ بإضاعة، فإليك إِلَيْك. وَكتب مُحَمَّد إِلَى طَاهِر بِخَطِّهِ: إعلم يَا طَاهِر أَنه مَا قَامَ لنا قَائِم بِحَق فتم لِأَحَدِنَا أمره إِلَّا كَانَ السَّيْف جزاءه مِنْهُ، فَانْظُر لنَفسك أَو دع. فَقَالَ طَاهِر - وَكَانَ قومٌ يضعفون مُحَمَّدًا عِنْده على من يَقُول -: إِن هَذَا مضعف مأفون لَعنه الله، لقد قدح بقلبي نَارا من الحذر لَا يطفئها أمنٌ أبدا. كَانَ الرشيد أَخذ ضَيْعَة من صَالح صَاحب الْمصلى. وَدفعهَا إِلَى أم جَعْفَر فَلَمَّا ولي الْأمين سَأَلَهُ الْفضل بن الرّبيع ردهَا على صَالح، فَقَالَ: أَنا أعوضه ولاأظلم أبي، وَلَا أعق أُمِّي. قَالَ بَعضهم: كنت وَاقِفًا بَين يَدي الْأمين، فَقَالَ لكاتب بَين يَدَيْهِ: اكْتُبْ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من عبد الله مُحَمَّد الْأمين أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى طَاهِر بن الْحُسَيْن سلامٌ عَلَيْك. أما بعد، فَإِن الْأَمر قد خرج بيني وَبَين لأخي إِلَى هتك الستور، وكشف الْحرم، وَلست آمن أَن يطْمع فِي هَذَا الْأَمر السحيق الْبعيد، لشتات ألفتنا، وَاخْتِلَاف كلمتنا، وَقد رضيت أَن تكْتب لي أَمَانًا لأخرج إِلَى أخي بِهِ، فَإِن تفضل عَليّ فَأهل لذَلِك، وَإِن قتلني فمروة كسرت مروة، وصمصامة قطعت صمصامة، وَلِأَن تفترسني السَّبع أحب إِلَيّ من أَن ينبحني الْكلاب

стр. 561

وَدفع الْكتاب إِلَى خَادِم لَهُ وَقَالَ لي: امْضِ مَعَه. فغيرنا إِلَى طَاهِر فَقَالَ الْآن حِين انخرم عَنهُ مراقه وفماقه وبقى مخذولاً: مغلولاً يلوذ بالأمان لَا وَالله أَو يَجْعَل فِي عُنُقه ساجوراً، وَيَقُول: هأنذا قد نزلت على حكمك. فَقُلْنَا: فَمَا الْجَواب؟ قَالَ: قد سمعتماه فانصرفا إِلَى الْأمين، وأخبراه بذلك، فَقَالَ: كذب عبد السوء العاض لَهُنَّ أمه، وَالله مَا أبلى أوقعت على الْمَوْت أَو وَقع الْمَوْت عَليّ. كَانَ الْأمين أول من دعِي لَهُ على المنابر باللقب، وَأول من كتب عَنهُ: من عبد الله مُحَمَّد الْأمين. سمع الْأمين الْفضل بن ربيع يتَمَثَّل بقول البعيث: لشتان مَا بيني وَبَين ابْن خَالِد ... أُميَّة فِي الرزق الَّذِي الله يقسم يقارع أتراك ابْن خاقَان ليله ... إِلَى أَن يرى الإصباح، وَلَا يتلعثم وآخذها صهباء كالمسك رِيحهَا ... لَهَا أرج فِي دنها حِين ترشم فَقَالَ لَهُ: يَا عباسي، لقد علمت مَا أردْت بتمثلك، أردتني وَعبد الله أخي، وَأَنه يجد بِي وأمزح، وَمَا ضرّ يزِيد لعبه، وَلَا نفع ابْن الزبير تيقظه وجده، وَمَا قضي فَهُوَ كَائِن، وَإِلَى الله تصير الْأُمُور. الْمَأْمُون قَالَ يَوْمًا لبَعض رهطه: يَا نطف الْخمار، ونزائع الظئورة، وَأَشْبَاه الخؤولة.

стр. 562

وَذكر أَن الْكسَائي قَامَ إِلَيْهِ يَوْمًا - وَهُوَ يُعلمهُ وَهُوَ صغيرٌ - فَضَربهُ، وَقد كَانَ ذَلِك الْيَوْم صلى ذَلِك الْيَوْم قَاعِدا: أما تستحيي أَيهَا الشَّيْخ، تصلي لله قَاعِدا، وتضربني قَائِما. قَالَ بَعضهم: قَرَأت كتاب ذِي الرياستين إِلَى الْمَأْمُون، وتوقيع الْمَأْمُون فِيهِ، فَإِذا فِي الْكتاب بعد الصَّدْر وَالدُّعَاء: إِن قَارِئًا قَرَأَ البارحة: " وقلن نسْوَة فِي الْمَدِينَة "، فأنكرنا ذَلِك عَلَيْهِ، فَذكر أَن الْكسَائي أجَازه، وَكتاب الله لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه، فَرددْنَا علم كتاب الله إِلَى خَلِيفَته. قَالَ: وَإِذا توقيع الْمَأْمُون فِيهِ: " عمرك الله - ذَا الرياستين - طَويلا فِي طَاعَته، وجعلك قَائِما بِأَمْر دينه، ذاباً عَن حَرِيم أمته، إِن لكل علم دستوراً، ودستور هَذَا الْعلم الْقُرْآن، فَعَلَيْك بقرَاءَته على مَا أجمع عَلَيْهِ، وَلَا تلْتَفت إِلَى مُخْتَار قولا ليعقد لَهُ رياسة، وَالسَّلَام. كتب الْمَأْمُون إِلَى طَاهِر لما قتل عَليّ بن عِيسَى فِي رِسَالَة طَوِيلَة: إِنَّمَا لَك من هَذَا الْأَمر موقع السهْم من الرَّمية، والتسديد والرأي، وَالتَّدْبِير لأبي الْعَبَّاس الْفضل بن سهل. وَكَانَ يَقُول: إِذا رفعت الْمَائِدَة من بَين يَده: الْحَمد لله الَّذِي جعل أرزاقنا فضلا على أقواتنا. وَقَالَ: مَا انفتق عَليّ فتق قطّ إِلَّا وجدت سَببه جور الْعمَّال.

стр. 563

وَقَالَ: أهل السُّوق سفل، والصناع أنذال، والتجار بخلاء، وَالْكتاب مُلُوك على النَّاس. وَقيل لَهُ: لَيْسَ فِي السَّرف شرف، فَقَالَ: لَيْسَ فِي الشّرف سرف، وَقَالَ يَوْمًا لبَعْضهِم: مَتى قدمت، قَالَ: بعد غدٍ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ: بيني وَبَيْنك بعد مرحلتان. وَرَأى الْمَأْمُون يحيى بن أَكْثَم يحد النّظر إِلَى الواثق - وَهُوَ أَمْرَد - فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد، حوالينا ولاعلينا. تنَازع أَحْمد بن أبي خَالِد وَإِبْرَاهِيم السندي بِحَضْرَة الْمَأْمُون، فَقَالَ أَحْمد: أَمِير الْمُؤمنِينَ أفضل من آبَائِهِ قدرا، وَأَرْفَع محلا. وَقَالَ إِبْرَاهِيم: بل أَمِير الْمُؤمنِينَ أرفع أهل دهره، ودوين آبَائِهِ. فَقَالَ الْمَأْمُون: يَا أَحْمد، إِن إِبْرَاهِيم يبنيني، وَأَنت تهدمني، وَهُوَ يبرم فتل مريرتي، وَأَنت تنقضني. قَالَ بَعضهم: حضرت الْمَأْمُون وَقد قطعت لَهُ ثِيَاب خَز، فَقَالَ: بطنوها بألوان طرزها. وَلما احْتضرَ قَالَ: يَا من لَا يَزُول ملكه إرحم من زَالَ ملكه. ضرب رجل على سكته، فَأمر بحبسه مُؤَبَّدًا، فلبى فِي الْحَبْس ليخرج فَرفع إِلَيْهِ الْخَبَر فَوَقع الْمَأْمُون: أَظن هَذَا الرجل الخائن قصد خلاف نِيَّته فِي الْحَج، وَأظْهر ضد عزيمته، وَقد أَخْطَأت استه الحفرة فَإِذا حرم الْحَج بِسوء تَدْبيره، فَلَنْ يعْدم فَتْوَى صادقه من فَرِيضَة محكمَة، هُوَ محصر وَعَلِيهِ الْهَدْي، فليأخذ بتعجيله وَلَا يرخص لَهُ فِي بِتَأْخِيرِهِ. وَسمع رجلا يَقُول: قلب الله الدُّنْيَا فَقَالَ الْمَأْمُون: إِذا تستوي. واختصم بِحَضْرَتِهِ بَصرِي وكوفي، فَقَالَ للبصري: إرمه بآيتيك الْمَدّ والجزر، وَمُحَمّد بن عباد. وَدخل إِلَيْهِ يحيى بن الْحُسَيْن الطَّالِبِيُّ، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، حيرتني عارفتك، حَتَّى مَا أَدْرِي كَيفَ أشكرك. قَالَ: فَلَا عَلَيْك، فَإِن الزِّيَادَة فِي الشُّكْر على الصنيعة ملق، وَإِن النَّقْص عي، وحسبك أَن تبلغ حَيْثُ بلغ بك.

стр. 564

وَقَالَ لعبد الله بن طَاهِر: تثبت، فَإِن الله قد قطع عذر العجول، بِمَا مكنه من التثبت، وَأوجب عَلَيْهِ الْحجَّة على القلق، بِمَا بَصَره من فضل الأناة. فَقَالَ ابْن طَاهِر: أأكتبه: فَقَالَ: نعم. قَالُوا: لما وجد عمر بن فَرح كتابا من أهل الكرخ إِلَى عَليّ بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن مُحَمَّد ﵃ جَاءَ بِهِ إِلَى الْمَأْمُون، فَقَالَ الْمَأْمُون: نَحن أولى من ستر هَذَا وَلم يشعه. ودعا عَليّ بن مُحَمَّد، فَقَالَ لَهُ: قد وقفنا على أَمرك، وَقد وهبنا ذَلِك لعَلي وَفَاطِمَة ﵄ فَاذْهَبْ، وتخير مَا شِئْت من الذُّنُوب، فَإنَّا نتخير لَك مثل ذَلِك من الْعَفو. رفع الْوَاقِدِيّ قصَّة إِلَيْهِ يشكو غَلَبَة الدّين، وَقلة الصَّبْر، فَوَقع الْمَأْمُون عَلَيْهَا: أَنْت رجل فِيك خلَّتَانِ: السخاء وَالْحيَاء، فَأَما السخاء. فَهُوَ الَّذِي أطلق مَا فِي يدك، وَأما الْحيَاء فَبلغ بك مَا أَنْت عَلَيْهِ، وَقد أمرنَا لَك بِمِائَة ألف دِرْهَم. فان كُنَّا أصبْنَا إرادتك فازدد فِي بسط يدك وَإِن كُنَّا فَإِن كُنَّا لم نصب إرادتك فبجنايتك على نَفسك. وَأَنت كنت حَدَّثتنِي، وَأَنت على قَضَاء الرشيد، عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس بن مَالك أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ للزبير: " يَا زبير، إِن مَفَاتِيح الرزق بِإِزَاءِ الْعَرْش، ينزل الله للعباد على قدر نفقاتهم، فَمن كثر كثر لَهُ. وَمن قلل قلل لَهُ. قَالَ لِلْوَاقِدِي: وَكنت أنسيت هَذَا الحَدِيث، فَكَانَت مذاكرته إيَّايَ بِهِ أعجب إِلَيّ من صلته. وَقَالَ لِلْمَأْمُونِ: الطَّعَام لون وَاحِد. فَإِذا استطبته فاشبع مِنْهُ. والندمان وَاحِد، فَإِذا استطبته فاستزده حَتَّى تقضي وطرك مِنْهُ. وَذكر أَن إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي دخل على الْمَأْمُون، وَبَين يَدَيْهِ صَاع رطب، فَقَالَ: أدن فَكل. فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ على مَا بِي؟ وَكَانَ وجع الْعين، فَقَالَ: وَيحك وَلَا تهب عَيْنك للرطب. وَدخل إِلَيْهِ الطَّبِيب فَشَكا إِلَيْهِ وجع الْأَسْنَان، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تَأْكُل الرطب وَلَا تشرب المَاء بثلج، فَقَالَ: لولاهما مَا أردتك.

стр. 565

قَالَ بَعضهم: رَأَيْت الْمَأْمُون وَقد ضرب غَسَّان بن عباد خمس عشرَة درة لإعادته حدثياً على النَّبِيذ. وَقَالَ الْمَأْمُون لمُحَمد بن يزْدَاد: جئني بِمن يكْتب بَين يَدي كتابا إِلَى عبد الله بن طَاهِر، فجَاء بِسُلَيْمَان بن وهب، فأملى عَلَيْهِ، ثمَّ نظر إِلَى خطه فاستجاده. فَقَالَ: من تكون يَا غُلَام؟ قَالَ: سُلَيْمَان بن وهب بن سعيد عبد أَمِير الْمُؤمنِينَ وَابْن عَبده. قَالَ: وهب بن سعيد الغريق فِي دجلة؟ قلت: نعم يَا سَيِّدي. قَالَ: لله در أَبِيك مَا كَانَ يُطْفِئ ذكاءه إِلَّا دجلة. وَقع الْمَأْمُون فِي قصَّة متظلم من أبي عِيسَى بن الرشيد: " فَإِذا نفخ فِي الصُّور فَلَا أَنْسَاب بَينهم يَوْمئِذٍ وَلَا يتساءلون ". وتظلم إِلَيْهِ قوم من قَاضِي جبل، وَذكروا أَنه يعَض رُؤُوس الْخُصُوم، فَوَقع فِي قصتهم يشنق إِن شَاءَ الله. وَقَالَ: من أَرَادَ أَن يطيب عيشه فليدفع الْأَيَّام بِالْأَيَّامِ. قَالَ أَحْمد بن أبي خَالِد: دخلت على الْمَأْمُون وَهُوَ قَائِم يصفي نبيذاً، فبادرت لأتولى ذَلِك، فَقَالَ: مَه أما أحدٌ يَكْفِينِي هَذَا؟ ، وَلَكِن مجْرَاه على كَبِدِي، فَأَحْبَبْت أَن أتولاه بيَدي. قَالَ الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون لغلامه: إِن رَأَيْت فِي الرصافة بقلاً حسنا فاشتر لي مِنْهُ بِنصْف دِرْهَم. فَقَالَ مَأْمُون: أما إِذا عرفت أَن للدرهم نصفا فوَاللَّه لَا أفلحت أبدا. قَالَ يحيى بن أَكْثَم: ماشيت الْمَأْمُون فِي بستانة، وَيَده فِي يَدي، فَكَانَ فِي الظل، وَأَنا فِي الشَّمْس. فَلَمَّا بلغنَا مَا أردنَا. ورجعنا صرت أَنا فِي الفيئ وَصَارَ هُوَ فِي الشَّمْس، فَدرت إِنَّا إِلَى الشَّمْس، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا بإنصاف، كَمَا كنت أَنا فِي الفيئ ذَاهِبًا فَكُن أَنْت فِي الفيئ رَاجعا. قَالَ الْمَأْمُون: أَقمت زَمَانا أداري الرشيد فِي أَرْبَعَة أَشْيَاء: مِنْهَا أَنه كَانَ يزْعم أَن بَغْدَاد أطيب بِلَاد الله، وَكنت أستوبئها. وَكَانَ يَقُول:؟ إِن وجدت رجلا يقدم عَليّ بن أبي طَالب على من تقدمه ضَربته الْحَد، وَكنت مِمَّن يقدمهُ. وَكَانَ يَقُول: ضَعُوا الْأَمْوَال موَاضعهَا، فَإِنَّكُم إِن صرفتموها عَن أَهلهَا وَوَضَعْتُمُوهَا فِي غَيرهم كنت كمن بذر
следующие страницы →