← Адаб

Адаб · id 7853

نثر الدر في المحاضرات

الآبي

Полный текст (1 737 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ويكدي أُخْرَى، وَقد قرن الرزق بِسَبَبِهِ، والعيش بالتماس مصْلحَته وبذل الافتقار. مَا كل هفوةٍ تعد ذَنبا، وَلَا كل إِنْكَار يسْتَحق أَن يُسمى عتباً. إخْوَان السوء يَنْصَرِفُونَ عِنْد النكبة، ويقبلون مَعَ النِّعْمَة، وَمن شَأْنهمْ التوسل بالإخلاص والمحبة، إِلَى أَن يظفروا بالأنس والثقة، ثمَّ يوكلون الْأَعْين بالأفعال، والأسماع بالأقوال؛ فَإِن رَأَوْا خيرا ونالوه لم يذكروه وَلم يشكروه، وَعمِلُوا على أَنهم خدعوا صَاحبهمْ وقمروه؛ وَإِن رَأَوْا شرا أَو ظنوه أذاعوه ونشروه؛ فَإِذا أدمت مواصلتهم فَهُوَ الدَّاء المماطل، الْمخوف على الْمقَاتل؛ وَإِن استرحت إِلَى مصارمتهم ادعوا الْخِبْرَة بك لطول الْعشْرَة؛ فَكَانَ كذب حَدِيثهمْ مُصدقا، وباطله محققاً. إِنَّمَا يقتل الْكِبَار الْأَعْدَاء الصغار، الَّذين لَا يخَافُونَ فيتقون. وَلَا يؤبه لَهُم وهم يكيدون. مَا ينفع ولد الْملك من تَأْدِيب المؤدبين إِيَّاه؟ وَهُوَ يَغْدُو وَيروح فيراه على خلاف مَا يَأْمُرهُ بِهِ المؤدبون، وَلم يزل الْبَاطِل على نفوس الرِّجَال أخف محملًا، وَأحلى طعماً؛ فَكيف الصّبيان؟ . الْمُؤَدب يَأْمر الْغُلَام بألا يشْتم أحدا، ويتجنب الْمَحَارِم، وَيحسن خلائقه، ويعلمه من الْفِقْه الْأَبْوَاب الَّتِي لَا غنى بِمُسلم عَن مَعْرفَتهَا، وَمن الشّعْر الشَّاهِد والمثل، وَمن الْإِعْرَاب مَا يصلح لَهُ لَفظه، وَمن الْغَزل أعفه. وَهُوَ يرى أَبَاهُ فِي كل ساعةٍ بِخِلَاف مَا يُؤمر بِهِ، وتاركاً لما حض عَلَيْهِ؛ حَتَّى إِنَّه ليستثقل اللَّفْظَة تجْرِي فِي مَجْلِسه بإعراب ويصد عَن منشدٍ لبين شعر، وَلَا يُخَاطب غُلَامه وَلَا يمازح جليسه إِلَّا بالشتم واللعنة، وَلَا يحتشم من وُرُود محرمٍ، وَلَا يَتَّقِي كَبِيرَة؛ ثمَّ يرَاهُ مَعَ ذَلِك وَقد بلغ غَايَة آماله من الدُّنْيَا؛ فيوشك أَن يحدث نَفسه بِأَن أَبَاهُ لَا يَخْلُو من أَن يكون علم مَا يسام فَاطْرَحْهُ، وَرَأى أَنه لَا خير فِيهِ، أَو لم يعلم شَيْئا من ذَلِك فَلم يضرّهُ جَهله إِيَّاه، وَلَا صرف عَنهُ حظاً من دُنْيَاهُ، وكلا الْمَعْنيين مزهدٌ لَهُ فِي قبُول الْأَدَب، ومزينٌ لَهُ ترك عنائه، وَربح تَعبه فِيهِ.

стр. 597

لَا تكَاد تصح لكذابٍ رُؤْيا؛ لِأَنَّهُ يخبر عَن نَفسه فِي الْيَقَظَة بِمَا لم ير فتريه فِي النّوم مَا لَا يكون. لَا يفسدك الظَّن على صديق قد أصلحك الْيَقِين لَهُ. من الْمُحدثين من يحسن أَن يسمع ويستمع، وينفي الإملال بِبَعْض الإقلال، وَيزِيد إِذا استملى من الْعُيُون الاستزادة، وَيعرف كَيفَ يفصل ويصل، ويحكي وَيُشِير، فَذَاك يزين الْأَدَب كَمَا يتزين بالأدب. رب ذنبٍ مِقْدَار الْعقُوبَة عَلَيْهِ إِعْلَام المذنب لَهُ، وَلَا يُجَاوز بِهِ حد الارتياع إِلَى الْإِيقَاع. إِن للأزمان المذمومة والمحمودة أعماراً وآجالاً كأعمار النَّاس وآجالهم؛ فَاصْبِرُوا لزمان السوء حَتَّى يفنى عمره، وَيَأْتِي أَجله. أَسبَاب فتن النِّسَاء ثلاثةٌ: عينٌ ناظرةٌ، وصورةٌ مُوَافقَة، وشهوة قادرةٌ؛ فالحكيم من لم يردد النظرة حَتَّى يعرف حقائق الصُّورَة، وَلَو أَن رجلا رأى امْرَأَة فوافقته ثمَّ طالبها فتأبت عَلَيْهِ، هَل كَانَ إِلَّا تاركها؟ فَإِن تأبى عَلَيْهِ عقله فِي مطالبتها كتأبيها عَلَيْهِ فِي مساعفتها، وقدع نَفسه عَن لذته، قدع الغيور إِيَّاه عَن حرمته سليم. يَنْبَغِي للعاقل أَن يُغني أَوْلَاده فِي حَيَاته ليؤدبهم فِي حَال الْغنى، وَيُعلمهُم سياسة النِّعْمَة، وَإِلَّا ظفروا بالغنى بعده وهم جهالٌ بِهِ، فَلم يكتسبوا حَمده، وأسرعوا للتعري، وحصلوا على ذمّ الصاحب، وَنَدم العواقب. اجهل مِمَّن لَا يكْتَسب الإخوان من ينفقهم. مُشَاورَة الحازم المشفق ظفر، ومشاورة المشفق غير الحازم خطر. لَا يكن فقرك كفرا، وغناك طغياناً. المشورة راحةٌ لَك، وتعبٌ على غَيْرك. مَا تكَاد الظنون تزدحم على أمرٍ مستورٍ إِلَّا كشفته. يَنْبَغِي للعاقل أَن يكْتَسب بِبَعْض مَاله المحمدة، ويصون بِبَعْضِه نَفسه عَن الْمَسْأَلَة. من أَكثر مذاكرة الْعلمَاء لم ينس مَا علم، واستفاد مَا لم يعلم، خير الْمَعْرُوف مَا لم يتقدمه المطل، وَلم يتبعهُ الْمَنّ. الْمَعْرُوف كنزٌ فَانْظُر من تودعه. من ترك الْعقُوبَة أغرى بالذنب.

стр. 598

الْبَاب الرَّابِع كَلَام جمَاعَة من بني أُميَّة قَالَ سعيد بن الْعَاصِ: لَا تمازح الشريف؛ فيحقد عَلَيْك، وَلَا الدنيء فيجترئ عَلَيْك. وَدخل عَمْرو بن سعيد إِلَى مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ: إِلَى من أوصى بك أَبوك؟ قَالَ: إِن أبي أوصى إِلَيّ، وَلم يوص بِي. قَالَ: فَبِأَي شيءٍ أَوْصَاك؟ قَالَ: أَوْصَانِي أَلا يفقد إخوانه مِنْهُ إِلَّا وَجهه. فَقَالَ مُعَاوِيَة لأَصْحَابه: إِن ابْن سعيدٍ هَذَا لأشدق. قَالَ عنبة بن أبي سُفْيَان لمعلم وَلَده: ليكن أول إصلاحك لوَلَدي إصْلَاح نَفسك؛ فَإِن عيونهم معقودةٌ بِعَيْنِك؛ فالحسن عِنْدهم مَا استحسنته، والقبيح مَا استقبحته؛ علمهمْ كتاب الله، وروهم من الحَدِيث أشرفه، وَمن الشّعْر أعفه، وَلَا تكرههم على علمٍ فيملوه، وَلَا تَدعهُمْ فيهجروه، وَلَا تخرجهم من علمٍ إِلَى علمٍ حَتَّى يتقنوه فَإِن ازدحام الْعلم فِي السّمع مضلة للفهم؛ وعلمهم سير الْحُكَمَاء، وهددهم بِي، وأدبهم دوني وَلَا تتكل على عذرٍ مني؛ فَإِنِّي اتكلت على كفايةٍ مِنْك. أطْعم أَبُو سُفْيَان النَّاس فِي حجَّة الْوَدَاع، فقصر طَعَامه، فاستعان برَسُول الله ﷺ فأعانه بِأَلف شَاة؛ فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: بِأبي أَنْت وَأمي؛ لقد حاربناك فَمَا أجبناك، وسألناك فَمَا أبخلناك. قَالَ سعيد بن الْعَاصِ؛ موطنان لَا أعذر من العي فيهمَا: إِذا سَأَلت حَاجَة لنَفْسي، وَإِذا أكلمت جَاهِلا. وَكَانَ سعيد بن الْعَاصِ والياً على الْمَدِينَة من قبل مُعَاوِيَة، وَكَانَ مُعَاوِيَة يُعَاقب بَينه وَبَين مَرْوَان فِي ولايتها، وَكَانَ يغرى بَينهمَا؛ فَكتب إِلَى سعيد: أَن

стр. 599

اهدم دَار مَرْوَان، فَلم يَهْدِمهَا، وَأعَاد إِلَيْهِ الْكتاب بهدمها، فَلم يفعل، فَعَزله، وَولى مَرْوَان، وَكتب إِلَيْهِ: أَن اهدم دَار سعيد؛ فَأرْسل الفعلة، وَركب ليهدمها؛ فَقَالَ لَهُ سعيدٌ: يَا أَبَا عبد الْملك؛ أتهدم دَاري؟ قَالَ: نعم، كتب إِلَيّ أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلَو كتب إِلَيْك فِي هدم دَاري لفَعَلت. فَقَالَ: مَا كنت لأَفْعَل. قَالَ: بلَى، وَالله لَو كتب إِلَيْك لهدمتها، قَالَ: كلا يَا أَبَا عبد الْملك؛ وَقَالَ لغلامه: انْطلق فجئني بِكِتَاب مُعَاوِيَة؛ فجَاء بِهِ، فَقَالَ مَرْوَان: كتب إِلَيْك يَا أَبَا عُثْمَان فِي هدم دَاري، فَلم تَهدمهَا وَلم تعلمني؟ قَالَ: مَا كنت لأهدم دَارك، وَلَا أَمن عَلَيْك، وَإِنَّمَا أَرَادَ مُعَاوِيَة أَن يحرض بَيْننَا؛ فَقَالَ مَرْوَان: فدَاك أبي وَأمي، أَنْت وَالله أَكثر مني ريشاً وعقباً، وَرجع فَلم يهدم دَار سعيد. وَقدم سعيد على مُعَاوِيَة، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عُثْمَان؛ كَيفَ تركت أَبَا عبد الْملك؟ قَالَ: تركته ضابطاً لعملك، منفذاً لأمرك. قَالَ: إِنَّه كصاحب الخبزة كفي نضجها فَأكلهَا. قَالَ: كلا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّه لمع قومٍ يحمل بهم السَّوْط، وَلَا يحل لَهُم السَّيْف، يتهادون كوقع النبل، سَهْما لَك وَسَهْما عَلَيْك. قَالَ: مَا باعد بَيْنك وَبَينه؟ قَالَ: خافني على شرفه، وَخِفته على شرفي. قَالَ: فَمَا ذاله عنْدك؟ قَالَ: أسره غَائِبا، وأسوءه شَاهدا؟ . قَالَ: تركتنا يَا أَبَا عُثْمَان فِي هَذِه الهنات. قَالَ: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فتحملت الثّقل وكفيت الحزم، وَكنت قَرِيبا لَو دَعَوْت أجبْت، وَلَو وهيت رفعت. خطب عتبَة بن أبي سُفْيَان بِمصْر؛ فَقَالَ: يَا حاملي ألأم آنافٍ ركبت بَين أعينٍ، إِنِّي إِنَّمَا قلمت أظفاري عَنْكُم؛ ليلين مسي إيَّاكُمْ، وسألتكم صَلَاح أَمركُم إِذْ كَانَ فَسَاده رَاجعا عَلَيْكُم؛ فَإِذا أَبَيْتُم إِلَّا الطعْن على الْوُلَاة، والتعرض للسلف؛ فو الله لأقطعن على ظهوركم بطُون السِّيَاط، فَإِن حسمت داءكم؛ وَإِلَّا فالسيف من وَرَائِكُمْ. فكم من موعظةٍ منا لكم مجتها قُلُوبكُمْ، وزجرة صمت عَنْهَا آذانكم، وَلست أبخل عَلَيْكُم بالعقوبة إِذا جدتم لنا بالمعصية، وَلَا أويسكم من مُرَاجعَة الْحق، إِن صرتم إِلَى الَّتِي هِيَ أبر وَأتقى. كتب زيادٌ إِلَى سعيد بن الْعَاصِ يخْطب إِلَيْهِ أم عُثْمَان ابْنَته، وَبعث إِلَيْهِ بمالٍ وهدايا كَثِيرَة، فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابه أَمر حَاجِبه بِقَبض المَال والهدايا وَقسمهَا بَين

стр. 600

جُلَسَائِهِ؛ فَقَالَ الْحَاجِب: إِنَّهَا أَكثر من ذَلِك، فَقَالَ: أَنا أَكثر مِنْهَا. فَفعل؛ ثمَّ كتب إِلَى زيادٍ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. " إِن الْإِنْسَان ليطْغى أَن رءاه اسْتغنى ". كَانَ أَبُو سُفْيَان إِذا نزل بِهِ جارٌ قَالَ لَهُ: يَا هَذَا؛ إِنَّك قد اخترتني جاراً واخترت دَاري دَارا؛ فجناية يدك عَليّ دُونك، وَإِن جنت عَلَيْك يدٌ فاحتكم حكم الصَّبِي على أَهله. ولى أَبُو بكر ﵁ يزِيد بن أبي سُفْيَان ربعا من أَربَاع الشَّام، فرقى الْمِنْبَر فَتكلم، فأرتج عَلَيْهِ، فاستأنف، فأرتج عَلَيْهِ؛ فَقطع الْخطْبَة ثمَّ أقبل على النَّاس؛ فَقَالَ: " سَيجْعَلُ الله بعد عسرٍ يسرا، وَبعد عيٍّ بَيَانا، وَأَنْتُم إِلَى أميرٍ فعال أحْوج مِنْكُم إِلَى أميرٍ قوالٍ. " فَبلغ كَلَامه عَمْرو بن الْعَاصِ؛ فَقَالَ: هن مخرجاتي من الشَّام. اسْتِحْسَانًا لكَلَامه. ذكر الْعُتْبِي: أَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان أسر إِلَى عَمْرو بن عَنْبَسَة بن أبي سُفْيَان حَدِيثا، قَالَ عَمْرو: فَجئْت إِلَى أبي، فَقلت: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ أسر إِلَيّ حَدِيثا، أفأحدثك بِهِ؟ قَالَ: لَا؛ لِأَنَّهُ من كتم حَدِيثه كَانَ الْخِيَار إِلَيْهِ، وَمن أظهره كَانَ الْخِيَار عَلَيْهِ، فَلَا تجْعَل نَفسك مَمْلُوكا، بعد أَن كنت مَالِكًا. فَقلت: أَو يدْخل هَذَا بَين الرجل وَابْنه؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن أكره أَن تذلل لسَانك بإفشاء السِّرّ. قَالَ: فَرَجَعت إِلَى مُعَاوِيَة، فَذكرت ذَلِك لَهُ. فَقَالَ: أعتقك أخي من رق الْخَطَأ. خطب عتبَة بن أبي سُفْيَان النَّاس بِالْمَوْسِمِ فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين، وعهد النَّاس حديثٌ بالفتنة، فَاسْتَفْتَحَ، ثمَّ قَالَ: أَيهَا النَّاس؛ إِنَّا قد ولينا هَذَا الْموضع الَّذِي يُضَاعف الله للمحسنين فِيهِ الْأجر، وعَلى الْمُسِيء الْوزر، فَلَا تمدوا الْأَعْنَاق إِلَى غَيرنَا، فَإِنَّهَا تَنْقَطِع دُوننَا، وَرب متمنٍ حتفه فِي أمْنِيته. اقْبَلُوا الْعَافِيَة مَا قبلناها مِنْكُم وَفِيكُمْ، وَإِيَّاكُم وَلَو، فقد أَتعبت من كَانَ قبلكُمْ، وَلنْ تريح من بعدكم. اسْأَل الله أَن يعين كلا على كلٍّ.

стр. 601

فنعق أَعْرَابِي من مؤخرٍ الْمَسْجِد، فَقَالَ: أَيهَا الْخَلِيفَة؛ فَقَالَ: لست بِهِ وَلم تبعد. قَالَ: فيا أَخَاهُ. قَالَ: قد أسمعت فَقل. قَالَ: وَالله لَئِن تحسنوا وَقد أسأنا خيرٌ لكم من أَن تسيئوا وَقد أحسنا؛ فَإِن كَانَ الْإِحْسَان لكم، فَمَا أحقكم باستتمامه وَإِن كَانَ لنا فَمَا أحقكم بمكافأتنا رجلٌ من بني عامرٍ يمت إِلَيْكُم بالعمومة، وَيخْتَص إِلَيْكُم بالخؤولة، وَقد وَطئه كيد زمانٍ، وَكَثْرَة عِيَال، وَفِيه أجرٌ، وَعِنْده شكرٌ. فَقَالَ عتبَة: أستعيذ بِاللَّه مِنْك، وَأَسْتَعِينهُ عَلَيْك، قد أمرت لَك بغناك، فليت إسراعنا إِلَيْك يقوم بإبطائنا عَنْك. قَالَ دَاوُد بن عَليّ لإسماعيل بن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ، بعد قَتله من قتل من بني أُميَّة: أساءك مَا فعلت بِأَصْحَابِك؟ قَالَ: كَانُوا يدا فقطعتها، وعضداً ففتتها، وَمرَّة فنقضتها، وجناحاً فنتفته. قَالَ: إِنِّي لخليقٌ أَن ألحقك بهم. قَالَ: إِنِّي إِذا لسعيدٌ. قيل لأبي سُفْيَان: بِمَ سدت قَوْمك؟ قَالَ: لم أخاصم أحدا إِلَّا تركت للصلح موضعا. خطب عُثْمَان بن عَنْبَسَة بن أبي سُفْيَان إِلَى عتبَة بن أبي سُفْيَان ابْنَته، فأقعده على فَخذه، وَكَانَ حَدثا؛ فَقَالَ: أقرب قريبٍ خطب أحب حبيب، لَا أَسْتَطِيع لَهُ ردا، وَلَا أجد من تشفيعه بدا قد زَوجتك، وَأَنت أعز عَليّ مِنْهَا، وَهِي ألوط. بقلبي مِنْك، فأكرمها يعذب على لساني ذكرك، وَلَا تهنها فيصغر عِنْدِي قدرك، وَقد قربتك مَعَ قرابتك، فَلَا تباعدن قلبِي مِنْك. رأى أَبُو سُفْيَان رَسُول الله ﷺ فَقَالَ للْعَبَّاس: يَا أَبَا الْفضل؛ مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ طَاعَة قومٍ، وَلَا فَارس الأكارم، وَلَا الرّوم ذَات الْقُرُون. وَقَالَ أَبُو سُفْيَان: إِن مُحَمَّدًا لم يناكر أحدا قطّ. إِلَّا كَانَ مَعَه الْأَهْوَال. يناكر: يحارب، وَقيل: يُخَادع، وَقَوله: الْأَهْوَال مثل قَول النَّبِي ﵇: " نصرت بِالرُّعْبِ ".

стр. 602

وَقَالَ أَبُو سُفْيَان فِي غَزْوَة السويق: أما أخذت سَيْفا وَلَا نبْلًا إِلَّا تعسر عَليّ، وَلَقَد قُمْت إِلَى بكرَة قحدةٍ، أُرِيد أَن أعرقبها، فَمَا استطبعت سَيفي لعرقوبها، فتناولت الْقوس والنبل؛ لأرمي ظَبْيَة عصماء نرد بهَا قرمنا، فانثنت على سيتاها وانمرط قذذ السهْم وانتصل فَعرفت أَن الْقَوْم لَيست فيهم حيلةٌ. وَفد ابْن عَامر على عُثْمَان فَدخل عَلَيْهِ - وَعِنْده أَبُو سُفْيَان - فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَان: من اسْتخْلفت على أهل الْبَصْرَة؟ قَالَ: زياداً. قَالَ: جد ثديا أمك. اسْتخْلفت عَلَيْهِم رجلا من الْفرس. وخطب عَمْرو بن سعيدٍ فِي فتْنَة ابْن الزبير، فَقَالَ: يَا أهل الْمَدِينَة؛ أبنا تضربون سُيُوفكُمْ؟ . أما إِنَّكُم فَعلْتُمْ فعلتكم الأولى فأقالكم، وَلَو انتقم بِالْأولِ لم تعودوا إِلَى الثَّانِيَة، وَلَكِنَّكُمْ صادفتم مسناً رحِيما، قد فني غَضَبه، وَبَقِي حلمه؛ فقد وليناكم بالشاب المقتبل الطَّوِيل الأمل، الْبعيد الْأَجَل، حِين خرج من الصغر، وَدخل فِي الْكبر؛ رفيقٌ عنيف، رقيقٌ كثيف، إِن عض نهس، وَإِن سَطَا فرس، لَا يقعقع لَهُ بالشنان، وَلَا يقرع لَهُ بالعصا، يرى مَا غَابَ عَنهُ كَمَا يرى مَا حضر. وَرَأى عَمْرو بن عتبَة بن أبي سُفْيَان رجلا يشْتم رجلا، وَآخر يستمع لَهُ؛ فَقَالَ للمستمع: نزه اسْتِمَاع عَن الخناكما تنزه لسَانك عَن الْكَلَام بِهِ؛ فَإِن السَّامع شريك الْقَائِل، وَإِنَّمَا نظر إِلَى شَرّ مَا فِي وعائه فأفرغه فِي وعائك، وَلَو ردَّتْ كلمة جاهلٍ فِي فِيهِ لسعد رادها، كَمَا شقي قَائِلهَا. قَالَ أَبُو سُفْيَان عِنْد مَا بلغه تَزْوِيج النَّبِي ﵇ أم حَبِيبَة ابْنَته. وَقيل لأبي سُفْيَان: مثلك تنْكح نساؤه بِغَيْر إِذْنه؛ فَقَالَ: ذَاك الْفَحْل لَا يُقْدَع أَنفه. قَالَ أَبُو سُفْيَان لرَسُول الله ﷺ : استعملني، فَاسْتَعْملهُ على سوق عكاظ، فَأَتَاهُ رجلَانِ يتنازعان، فَقَالَ أَحدهمَا: إِن هَذَا سرق مني مائَة دِينَار، وَقَالَ

стр. 603

الآخر: لَيْسَ كَمَا قَالَ، وَلَكِنِّي استسلفته مائَة دِينَار؛ فَأبى أَن يسلفنيها، فَلَمَّا خرج من الْبَيْت، جِئْت برجلَيْن، فأشهدتهما أَنِّي آخذٌ من عيبته مائَة دِينَار، وَأَنَّهَا عَليّ لَهُ؛ فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: أول مَا أَقْْضِي بِهِ أَنَّك لئيمٌ، وَأَن هَذَا لَا قطع عَلَيْهِ. قَالَ: فَأبى الْمُدَّعِي حَتَّى ارتفعوا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: قد قضيت بِقَضَاء أبي سُفْيَان ". اسْتعْمل عبد الْملك نَافِع بن عَلْقَمَة بن صَفْوَان على مَكَّة؛ فَخَطب ذَات يومٍ وَأَبَان بن عُثْمَان تَحت الْمِنْبَر، فشتم طَلْحَة وَالزُّبَيْر؛ فَلَمَّا نزل قَالَ لأَبَان: أرضيتك فِي المدهنين فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: لَا وَالله، وَلَكِن سؤتني، حسبي أَن يَكُونَا شُرَكَاء فِي أمره. قَالَ أَبُو عُثْمَان الجاحظ: فَمَا أَدْرِي أَيهمَا أحسن: كَلَام أبان بن عُثْمَان هَذَا أم كَلَام إِسْحَاق بن عِيسَى، فَإِنَّهُ قَالَ: أعيذ عليا بِاللَّه أَن يكون قتل عُثْمَان، وأعيذ عُثْمَان بِاللَّه أَن يقْتله عَليّ. قَالَ: وَذهب إِلَى معنى الحَدِيث فِي قَول النَّبِي ﷺ : " أَشد أهل النَّار عذَابا من قتل نَبيا أَو قَتله نبيٌ ". قَالُوا: لما استتب الْأَمر لمعاوية قدم عبد الله بن عَبَّاس، وَهِي أول قدمةٍ قدمهَا عَلَيْهِ، فَدخل وَكَأَنَّهُ قرحةٌ يتبجس، فَجعل عتبَة بن أبي سُفْيَان يُطِيل النّظر إِلَى ابْن عباسٍ، ويقل الْكَلَام مَعَه. فَقَالَ ابْن عَبَّاس: يَا عتبَة؛ إِنَّك لتطيل النّظر إِلَيّ، وتقل الْكَلَام معي. ألموجدةٍ فدامت، أَو لمعتبةٍ فَلَا زَالَت؟ قَالَ لَهُ عتبَة: مَاذَا أبقيت لما لَا رَأَيْت؟ أما طول نَظَرِي إِلَيْك فسروراً بك، وَأما قلَّة كَلَامي مَعَك فقلته مَعَ غَيْرك، وَلَو سلطت الْحق على نَفسك لعَلِمت أَنه لَا ينظر إِلَيْك عين مبغضٍ. فَقَالَ ابْن عَبَّاس: أمهيت يَا أَبَا الْوَلِيد، أمهيت لَو تحقق عندنَا أَكثر مِمَّا ظنناه لمحاه أقل مِمَّا قلت. فَذهب بعض من حضر أَن يتَكَلَّم، فَقَالَ مُعَاوِيَة: اسْكُتْ. وَجعل مُعَاوِيَة يصفق بيدَيْهِ وَيَقُول: جندلتان اصطكتا اصطكاكا ... دَعَوْت عركاً إِذْ دعوا عراكا

стр. 604

إِن الدَّاخِل بَين قُرَيْش لحائنٌ نَفسه. كتب عَمْرو بن سعيدٍ إِلَى عبد الْملك: اسْتِدْرَاج النعم إياك أفادك الْبَغي، ورائحة الْقُدْرَة أورثتك الْغَفْلَة، فزجزت عَمَّا واقعت مثله، وندبت إِلَى مَا تركت سبله، وَلَو كَانَ ضعف الْأَسْبَاب يوئس الطَّالِب مَا انْتقل سلطانٌ وَلَا ذل عزيزٌ؛ وَعَن قريبٍ يتَبَيَّن من صريع بغى، وأسير غفلةٍ، وَالرحم تعطف على الْإِبْقَاء عَلَيْك، مَعَ أخذك مَا غَيْرك أقوم بِهِ مِنْك. وَقَالَ سعيد بن الْعَاصِ: قبح الله الْمَعْرُوف إِذا لم يكن ابْتِدَاء من غير مسألةٍ، فَأَما إِذا أَتَاك ترى دَمه فِي وَجهه، مخاطراً لَا يدْرِي أتعطيه أم لَا، وَقد بَات ليلته يتململ على فرَاشه، يُعَاقب بَين شقيه؛ مرّة هَكَذَا، وَمرَّة هَكَذَا؛ من لِحَاجَتِهِ، فخطرت بِبَالِهِ أَنا وغيري، فميل أرجاهم فِي نَفسه، وأقربهم من حَاجته، ثمَّ عزم عَليّ وَترك غَيْرِي، فَلَو خرجت لَهُ مِمَّا أملك لم أكافه، وَهُوَ عَليّ أَمن مني عَلَيْهِ. قَالُوا: لما ولى عبد الْعَزِيز بن الْوَلِيد بن عبد الْملك دمشق، وَلم يكن فِي بني أُميَّة ألب مِنْهُ فِي حَدَاثَة سنه، قَالَ أهل دمشق: هَذَا غُلَام شابٌ، وَلَا علم لَهُ بالأمور، وسيسمع منا؛ فَقَامَ إِلَيْهِ رجلٌ فَقَالَ: أصلح الله الْأَمِير، عِنْدِي نصيحةٌ. قَالَ لَهُ: لَيْت شعري مَا هَذِه النَّصِيحَة الَّتِي ابتدأتني بهَا، من غير يدٍ سبقت مني إِلَيْك؟ قَالَ: جارٌ لي عَاص متخلفٌ عَن ثغر. فَقَالَ لَهُ: مَا اتَّقَيْت الله، وَلَا أكرمت أميرك؛ وَلَا حفظت جوارك. إِن شِئْت نَظرنَا فِيمَا تَقول، فَإِن كنت صَادِقا لم ينفعك ذَلِك عندنَا، وَإِن كنت كَاذِبًا عاقبناك، وَإِن شِئْت أقلناك. قَالَ: أَقلنِي. قَالَ: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْت لَا صحبك الله. إِنِّي أَرَاك شَرّ جيلٍ رجلا. ثمَّ قَالَ: يَا أهل دمشق؛ أما أعظمتم مَا جَاءَ بِهِ الْفَاسِق؟ إِن السّعَايَة أَحسب مِنْهُ سجية، وَلَوْلَا أَنه لَا يَنْبَغِي للوالي أَن يُعَاقب قبل أَن يُعَاتب كَانَ لي فِي ذَلِك رأيٌ، فَلَا يأتيني أحدٌ مِنْكُم بسعايةٍ على أحدٍ بِشَيْء، فَإِن الصَّادِق فِيهَا فاسقٌ، والكاذب فِيهَا بهاتٌ.

стр. 605

قَالَ: وَقع ميراثٌ بَين ناسٍ من آل أبي سُفْيَان، فتشاحوا فِيهِ، وتضايقوا فَلَمَّا قَامُوا أقبل عَمْرو بن عتبَة على وَلَده، فَقَالَ: إِن لقريشٍ درجا تزل عَنْهَا أَقْدَام الرِّجَال، وتخشع لَهَا رِقَاب الْأَمْوَال، وألسناً تكل عَنْهَا الشفار المشحوذة، وغاياتٍ تقصر عَنْهَا الْجِيَاد المنسوبة فَلَو كَانَت الدُّنْيَا لَهُم لضاقت عَن سَعَة أَخْلَاقهم، وَلَو احتفلت الدُّنْيَا مَا تزينت إِلَّا بهم. ثمَّ إِن أُنَاسًا مِنْهُم تخلقوا بأخلاق الْعَوام، فَصَارَ لَهُم رفقٌ باللؤم، وخرق فِي الْحِرْص، فَلَو أمكنهم قاسموا الطير أرزاقها، إِن خَافُوا مَكْرُوها تعجلوا لَهُ الْغم، وَإِن عجلت لَهُم نعْمَة أخروا عَلَيْهَا الشُّكْر، أُولَئِكَ أنضاء فكر الْعَجز، وعجزة حمل الشُّكْر. قَالَ: وَقطع عبد الْملك أَشْيَاء كَانَ يجريها عَلَيْهِم لتباعدٍ كَانَ بَينه وَبَين خَالِد بن يزِيد بن مُعَاوِيَة؛ فَدخل عَلَيْهِ عَمْرو بن عتبَة؛ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ أَدَاء حَقك مُتْعب، ونقصيه فادح، وَلنَا مَعَ حَقك حقٌ عَلَيْك؛ لقرابتنا مِنْك، وإكرام سلفنا لَك، فَانْظُر لنا بِالْعينِ الَّتِي نظرُوا بهَا إِلَيْك، وَضعنَا بِحَيْثُ وضعتنا الرَّحِم مِنْك، وزدنا بِقدر مَا زادك الله. فَقَالَ عبد الْملك: أفعل. وَإِنَّمَا يسْتَحق عطيتي من استعطاها، فَأَما من ظن أَنه يَسْتَغْنِي بِنَفسِهِ فسنكله إِلَى ذَلِك. فَبلغ ذَلِك خَالِد بن يزِيد، فَقَالَ: أبالحرمان يتهددني؟ وَيَد الله فَوْقه مانعةٌ، وعطاؤه دونه مبذول. فَأَما عَمْرو بن عتبَة فقد أعْطى من نَفسه أَكثر مِمَّا أَخذ. وَكَانَ عبد الْملك قد أقطع عمرا نَهرا بِالْبَصْرَةِ يُقَال لَهُ: هوادر. خطب سعيد بن الْعَاصِ أم كُلْثُوم بنت عَليّ ﵇ وَبعث مائَة ألف دِرْهَم، فشاورت الْحسن فِي ذَلِك، فَقَالَ: أَنا أزَوجك. واتعدوا، وَلم يحضر الْحُسَيْن. فَقَالَ سعيد: أَيْن أَبُو عبد الله؟ فَقَالَ الْحسن: لم يحضر، وَأَنا أكفيك. فَقَالَ: وَلَعَلَّه كره شَيْئا مِمَّا نَحن فِيهِ. قَالُوا: نعم. فَقَالَ سعيد: لم أكن لأدخل فِي شَيْء كرهه أَبُو عبد الله؛ فَتَفَرَّقُوا عَن غير تَزْوِيج، وَردت المَال، فَلم يقبله سعيد.

стр. 606

كَانَ أَبُو سُفْيَان يَبْنِي بَيْتا، فَمر بِهِ عمر، فَقَالَ: يَا أَبَا سُفْيَان؛ احذر أَن تَأْخُذ من الطَّرِيق شَيْئا، فَلَمَّا ولى عمر قَالَ أَبُو سُفْيَان: فِي است أم دينٍ أذلني لَك. قَالَ سعيد بن الْعَاصِ لِابْنِهِ عَمْرو: إِن الْولَايَة تظهر المحاسن والمساوى. وَسُئِلَ أَبُو سُفْيَان: بِمَ سدت قَوْمك؟ قَالَ: لم يَقع بيني وَبَين رجلٍ منازعةٌ إِلَّا تركت للصلح بيني وَبَينه موضعا. وَقَالَ سعيد بن الْعَاصِ: ماشا نمت رجلا مذ كنت رجلا؛ لِأَنِّي لَا أشاتم إِلَّا أحد رجلَيْنِ: إِمَّا كريم؛ فَأَنا أَحَق من احتمله، وَإِمَّا لئيمٌ؛ فَأَنا أولى من رفع نَفسه عَنهُ. قَالَ عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان: مَا تأملني رجلٌ قطّ. إِلَّا سَأَلته عَن حَاجته، ثمَّ كنت من وَرَائِهَا.؟ ؟

стр. 607

الْبَاب الْخَامِس نكت لآل الزبير قدم فضَالة بن شريك، على عبد الله بن الزبير؛ فَقَالَ: إِنِّي سرت إِلَيْك الهواجر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: وَلم؟ أما كَانَ لَك فِي البردين مَا تسيرهما؟ كَأَنَّك تبادر نهباً، لَا أبالك، فَقَالَ: إِن نَاقَتي قد نقب خفها فَاحْمِلْنِي. قَالَ: ارقعها بجلد، واخصفها بهلب، وأنج بهَا، وسر بهَا البردين. قَالَ: إِنَّمَا أَتَيْتُك مستحملاً، وَلم آتِك مستوصفاً. لعن الله نَاقَة حَملتنِي إِلَيْك. قَالَ: إِن وراكبها، فَانْصَرف وهجاه بالأبيات الَّتِي يَقُول فِيهَا: أرى الْحَاجَات عِنْد أبي خبيبٍ ... نكدن وَلَا أُميَّة فِي الْبِلَاد كَانَ مُصعب يَقُول: الْمَرْأَة فراشٌ فاستوثروا. نَازع ابْن الزبير مَرْوَان فِي مجْلِس مُعَاوِيَة، فَرَأى أَن ضلع مُعَاوِيَة بن مَرْوَان، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ إِن لَك حَقًا وَطَاعَة علينا، وَإِن لنا سطةً وَحُرْمَة، فأطع الله يطعك؛ فَإِنَّهُ لَا طَاعَة لَك علينا إِلَّا فِي حق الله، وَلَا تطرق إطراق الأفعوان فِي أصُول السخبر. وَقَالَ لَهُ مرّة: يَا مُعَاوِيَة؛ لَا تدع مَرْوَان يَرْمِي جَمَاهِير قُرَيْش بمشاقصه وَيضْرب صفاتهم بمعوله، لَوْلَا مَكَانك لَكَانَ أخف على رقابنا من فراشة، وَأَقل فِي أَنْفُسنَا من خشاشة. وَايْم الله لَئِن ملك أَعِنَّة خيل تنقاد لَهُ ليركبن مِنْك طبقًا تخافه.

стр. 608

فَقَالَ مُعَاوِيَة: إِن يطْلب هَذَا الْأَمر فقد طمع فِيهِ من هُوَ دونه وَإِن يتْركهُ لمن فَوْقه؛ وَمَا أَرَاكُم بمنتهين حَتَّى يبْعَث الله عَلَيْكُم من لَا يعْطف عَلَيْكُم بقرابةٍ، وَلَا يذكركم عِنْد ملمةٍ، ويسومكم خسفاً، ويوردكم تلفاً. قَالَ ابْن الزبير: إِذا وَالله نطلق عقال الْحَرْب، بكتائب تمور كَرجل الْجَرَاد، تتبع غطريفاً من قُرَيْش لم تكن أمه براعية ثلة. قَالَ مُعَاوِيَة: أَنا ابْن هِنْد، أطلقت عقال الْحَرْب فَأكلت ذرْوَة السنام، وشربت عنفوان المكرع، وَلَيْسَ للآكل إِلَّا الفلذة، وَلَا للشارب إِلَّا الرنق. ليم مُصعب بن الزبير على طول خطبَته عَشِيَّة عَرَفَة؛ فَقَالَ: أَنا قَائِم وهم جلوسٌ وأتكلم وهم سكوتٌ ويضجرون. وَكَانَ عبد الله بن الزبير يَقُول: لَا عَاشَ بخيرٍ من لم ير بِرَأْيهِ مَا لم ير بِعَيْنِه. لما تواقف عبد الْملك بن مَرْوَان، وَمصْعَب بن الزبير، أرسل عبد الْملك إِلَى مُصعب أَن انْصَرف، وَلَك ولَايَة الْعرَاق مَا عِشْت؛ فَأرْسل إِلَيْهِ: إِن مثلي لَا ينْصَرف عَن مثل هَذَا الْموقف إِلَّا ظَالِما أَو مَظْلُوما. قَالَ عُرْوَة بن الزبير: التَّوَاضُع أحد مصايد الشّرف. لما قَالَ عبد الله بن الزبير: أكلْتُم تمري، وعصيتم أَمْرِي. قَالَ فِيهِ الشَّاعِر: رَأَيْت أَبَا بكرٍ وَرَبك غالبٌعلى أمره يَبْغِي الْخلَافَة بِالتَّمْرِ قَالَ عمر بن شبة: وقف ابْن الزبير على بَاب مية مولاة كَانَت لمعاوية تدفع حوائج النَّاس إِلَيْهَا فَقيل لَهُ: يَا أَبَا بكر تقف على بَاب مية. قَالَ: نعم. إِذْ أعيتك الْأُمُور من رءوسها فَأْتِهَا من أذنابها. كَانَ عبد الله بن الزبير يسب ثقيفاً إِذا فرغ من خطبَته بِقدر أَذَان الْمُؤَذّن، وَكَانَ فِيمَا يَقُول: قصار الخدود، لئام الجدود، سود الْجُلُود، بَقِيَّة قوم ثَمُود.

стр. 609

قَالَ عُرْوَة: لعهدي بِالنَّاسِ، وَالرجل مِنْهُم إِذا أَرَادَ أَن يسوء جَاره سَأَلَ غَيره حَاجته، فيشكوه جَاره، وَيَقُول: تجاوزني بحاجته، أَرَادَ بذلك شيني. لما أَتَى عبد الله بن الزبير قتل مُصعب خطب النَّاس؛ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: إِنَّه أَتَانَا خبر مقتل المصعب فَسُرِرْنَا واكتأبنا؛ فَأَما السرُور فَلَمَّا قدر لَهُ من الشَّهَادَة، وَخير لَهُ من الثَّوَاب، وَأما الكآبة فلوعةٌ يجدهَا الْحَمِيم لفراق حميمه. وَإِنَّا وَالله لَا نموت حبجاً كميتة آل أبي الْعَاصِ. إِنَّمَا نموت قتلا بِالرِّمَاحِ، وقعصاً تَحت ظلال السيوف، فَإِن يهْلك المصعب فَإِن فِي آل الزبير خلفا. وَقَالَ لما أَتَاهُ قَتله: أشهده الْمُهلب؟ قَالُوا: لَا. كَانَ الْمُهلب فِي وُجُوه الْخَوَارِج. قَالَ: أفشهده عباد بن الْحصين الحبطي؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أفشهده عبد الله بن خازم السّلمِيّ؟ قَالُوا: لَا، فتمثل عبد الله بن الزبير: فَقلت لَا عيشي جعار، وجرري ... بِلَحْم امرئٍ لم يشْهد الْيَوْم ناصره كَانَ عُرْوَة بن الزبير إِذا ذكر مقتل عُثْمَان يَقُول: كَانَ عَليّ أتقى لله من أَن يقتل عُثْمَان، وَكَانَ عُثْمَان أتقى لله من أَن يقْتله عَليّ. قَالُوا: أقحمت السّنة النَّابِغَة الْجَعْدِي، فَلم يشْعر بِهِ عبد الله بن الزبير حِين صلى الْفجْر، حَتَّى مثل بَين يَدَيْهِ يَقُول: حكيت لنا الصّديق حِين وليتنا ... وَعُثْمَان والفاروق، فارتاح معدم فَقَالَ لَهُ ابْن الزبير: هون عَلَيْك أَبَا ليلى، فأيسر وسائلك عندنَا الشّعْر. أما صفوة مَا لنا فلبنى أسدٍ، وَأما عفوتها فلآل الصّديق، وَلَك فِي بَيت المَال حقان: حق لصحبتك رَسُول الله ﷺ وَحقّ لحقك فِي فَيْء الْمُسلمين. ثمَّ أَمر لَهُ

стр. 610

بِسبع قَلَائِص وراحلةٍ وخيلٍ، ثمَّ أَمر أَن توقر لَهُ حبا وَتَمْرًا؛ فَجعل أَبُو ليلى يَأْخُذ التَّمْر، فيستجمع بِهِ الْحبّ فيأكله، فَقَالَ لَهُ ابْن الزبير: لشد مَا بلغ مِنْك الْجهد يَا أَبَا ليلى فَقَالَ النَّابِغَة: أما على ذَلِك لسمعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " مَا استرحمت قريشٌ فرحمت، وسئلت فأعطت، وَحدثت فصدقت، ووعدت فأنجزت فَأَنا والنبيون على الْحَوْض فراطٌ القادمين ". قَالَ عُرْوَة بن الزبير: ليمنك لَئِن كنت ابْتليت لقد عافيت، وَلَئِن كنت أخذت لقد أبقيت. وَكَانَ عُرْوَة يَقُول لِبَنِيهِ: يَا بني؛ إِن أزهد النَّاس فِي عالمٍ أَهله، هلموا إِلَيّ فتعلموا، فَإِنَّهُ يُوشك أَن تَكُونُوا كبار قوم، إِنِّي كنت صَغِيرا لَا ينظر إِلَيّ، فَلَمَّا أدْركْت من السن مَا أدْركْت جعل النَّاس يسألونني. فَمَا أَشد على امْرِئ أَن يسْأَل عَن شَيْء من أَمر دينه فيجهله. ونادى أهل الشَّام عبد الله: يَا بن ذَات النطاقين. فَقَالَ: إيه والإله، أَو: إيهاً والإله. وَتلك شكاةٌ ظاهرٌ عَنْك عارها وخطب يَوْمًا، فحض على الزّهْد، وَذكر أَن مَا يَكْفِي الْإِنْسَان قَلِيل، فنزغه إِنْسَان من أهل الْمَسْجِد بنزيغة، ثمَّ خبأ رَأسه، فَقَالَ: أَيْن هَذَا؟ فَلم يتَكَلَّم أحد، فَقَالَ: قَاتله الله ضبح ضبحة الثَّعْلَب، وقبع قبعة الْقُنْفُذ. وَقَالَ: لما قتل عُثْمَان قلت: لَا أستقيلها أبدا، فَلَمَّا مَاتَ أبي انْقَطع بِي، ثمَّ استمرت مريرتي. وَدخل الْحجَّاج إِلَى عبد الْملك، فَرَأى عِنْده عُرْوَة، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أتقعد ابْن العمشاء مَعَك على سريرك؟ لَا أم لَهُ؛ فَقَالَ عُرْوَة: أَنا لَا أم

стр. 611

لي؟ وَأَنا ابْن عَجَائِز الْجنَّة، وَلَكِن إِن شِئْت أَخْبَرتك من لَا أم لَهُ يَا بن المتمنية؛ فَقَالَ عبد الْملك: أَقْسَمت عَلَيْك أَلا تفعل، فَكف عُرْوَة - أَرَادَ بقوله: يَا بن المتمنية، قَول أم الْحجَّاج، وَهِي الفارعة بنت همام. أَلا سَبِيل إِلَى خمرٍ فأشربها ... أم لَا سَبِيل إِلَى نصر بن حجاج؟ لما أخرج ابْن الزبير ابْن الْعَبَّاس من مَكَّة إِلَى الطَّائِف، مر بنعمان. فَنزل فصلى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ رفع يَدَيْهِ يَدْعُو، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنه لم يَك بلدٌ أحب إِلَيّ أَن أعبدك فِيهِ من الْبَلَد الْحَرَام، وَلَا أحب إِلَيّ أَن يقبض فِيهِ روحي مِنْهُ، وَإِن ابْن الزبير أخرجني عَنهُ؛ ليَكُون أقوى لَهُ فِي سُلْطَانه، اللَّهُمَّ فأوهن كَيده، وَاجعَل دَائِرَة السوء عَلَيْهِ. فَلَمَّا دنا من الطَّائِف تَلقاهُ أَهلهَا فَقَالُوا: يَا بن عَم رَسُول الله، أَنْت وَالله أحب إِلَيْنَا وَأكْرم علينا مِمَّن أخرجك، هَذِه مَنَازلنَا، تخير فَانْزِل مِنْهَا حَيْثُ أَحْبَبْت، فَنزل منزلا، فَكَانَ يجلس لأهل الطَّائِف فِي مَسْجِدهمْ بعد الْفجْر وَبعد الْعَصْر، فيتكلم فيحمد الله، وَيذكر النَّبِي ﷺ ، وَيذكر الْخُلَفَاء فَيَقُول: ذَهَبُوا فَلم يدعوا أمثالهم، وَلَا أشباههم، وَلَا مدانيهم؛ وَلكنه بَقِي أقوامٌ يريغون الدُّنْيَا بِعَمَل الْآخِرَة، يلبسُونَ جُلُود الضَّأْن لتحسبوهم من الزاهدين فِي الدُّنْيَا، يراءونكم بأعمالهم، ويسخطون الله بسرائرهم، فَادعوا الله أَن يقْضِي لهَذِهِ الْأمة بِالْإِحْسَانِ، فيولي أمرهَا خِيَارهَا وأبرارها، وَيهْلك شِرَارهَا فجارها. ارْفَعُوا أَيْدِيكُم إِلَى ربكُم، وَسَلُوهُ ذَلِكُم فيفعلون. فَبلغ الْخَبَر ابْن الزبير فَكتب إِلَيْهِ: أما بعد؛ فقد بَلغنِي أَنَّك تجْلِس لأهل الطَّائِف العصرين، تفتيهم بِالْجَهْلِ وتعيب أهل الْحلم وَالْفضل، وَإِن حلمي عَنْك، واستدامتي فِيك جرءاك عَليّ، فَاكْفُفْ - لَا أَبَا لغيرك - من غربك. واربع على ظلعك، واعقل إِن كَانَ لَك

стр. 612

مقعولٌ، على نَفسك، فَإنَّك إِن تهنها تَجِد بهَا على النَّاس هواناً، ألم تسمع قَول الشَّاعِر: ونفسك فاكرمها فَإنَّك إِن تهن ... عَلَيْك فَلَنْ تلقى لَهَا الدَّهْر مكرما وَإِنِّي لأقسم لَهُ لَئِن لم تَنْتَهِ عَمَّا يبلغنِي عَنْك لتجدن جَانِبي خشناً، ولتجدني إِلَى مَا يردعك عجلاً؛ فر رَأْيك مُمكنا لَك، فَإِن أشفى بك على الردى فَلَا تلم إِلَّا نَفسك وَالسَّلَام. فَكتب إِلَيْهِ ابْن عَبَّاس: أما بعد، فقد بَلغنِي كتابك، تذكر أَنِّي أفتى النَّاس بِالْجَهْلِ، وَإِنَّمَا يُفْتِي بِالْجَهْلِ من لم يُؤْت شَيْئا من الْعلم، وَقد - وَالْحَمْد لله - آتَانِي الله من الْعلم مَا لم يؤته أَبَاك وَلم يؤته إياك. وَذكرت أَن حلمك عني هُوَ جرأتي عَلَيْك، وَتقول: اكفف من غربك واربع على ظلعك، وتضرب لي الْأَمْثَال أَحَادِيث الضبع استها. فَمَتَى رَأَيْتنِي لعرامك هائباً، وَعَن حدك ناكلاً؟ وَتقول: إِن لم أكفف عَمَّا يبلغك عني وجدت جَانِبك خشناً، ووجدتك إِلَيّ عجلاً، فَلَا أبقى الله عَلَيْك إِن أبقيت، وَلَا أرعى إِن أرعيت. فوَاللَّه لَا أَنْتَهِي عَن قولٍ بِالْحَقِّ، وصنعة أهل الْعدْل وَالْفضل، وذم الأخسرين أعمالاً. " الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا " وَالسَّلَام. خرج عُرْوَة بن الزبير إِلَى الْوَلِيد، فوطئ عظما، فَلم يبلغ دمشق حَتَّى ذهب بِهِ كل مَذْهَب؛ فَجمع الْوَلِيد الْأَطِبَّاء، فأجمع رَأْيهمْ على قطعهَا، فَقَالُوا لَهُ: اشرب مرقدا؛ فَقَالَ: مَا أحب أَن أغفل عَن ذكر الله، فأحمي لَهُ منشار، وَكَانَ قطعا وحسما، فَمَا توجع، وَقَالَ: ضعوها بَين يَدي؛ لَئِن كنت ابْتليت فِي عُضْو لقد عوفيت فِي أَعْضَاء. فَبينا هُوَ على ذَلِك أَتَاهُ نعي ابْنه مُحَمَّد، وَكَانَ قد اطلع من سطح على دَوَاب للوليد، فَسقط بَينهَا فخبطته؛ فَقَالَ عُرْوَة: الْحَمد لله؛ لَئِن أخذت وَاحِدًا لقد أبقيت جمَاعَة؛ وَلَئِن ابْتليت فِي عُضْو لقد أبقيت أَعْضَاء.

стр. 613

ثمَّ اسْتَأْذن الْوَلِيد فِي الرحيل. فَلَمَّا قرب من الْمَدِينَة مَال إِلَى ضَيْعَة بالفرع؛ فَقيل لَهُ: تدع الْمَدِينَة فَقَالَ: مَا بَقِي بهَا إِلَّا حاسدٌ لنعمة، أَو شامت بمصيبة. وَيُقَال: قَالَ: يَا أهل الْمَدِينَة، مجالسكم لاغية، ونفوسكم لاهية، وتقواكم واهية، والبعد مِنْكُم عَافِيَة. وَأَتَاهُ المعزون وَفِيهِمْ عِيسَى بن طَلْحَة فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الله، مَا كُنَّا نعدك للسباق، وَمَا فَقدنَا مِنْك إِلَّا أيسر مَا فِيك، إِذْ أبقى الله لنا سَمعك وبصرك وعقلك. فَقَالَ عُرْوَة: " لقد لَقينَا من سفرنا هَذَا نصبا ". وَيُقَال: إِنَّه لم يظْهر مِنْهُ مَعَ مَا أَصَابَهُ جزعٌ غير هَذَا الْيَسِير. وتنقص بعض آل الزبير عليا ﵁؛ فَقَالَ لَهُ أَبوهُ: وَالله مَا بنى النَّاس شَيْئا قطّ إِلَّا هَدمه الدّين، وَلَا بنى الدّين شَيْئا قطّ. فاستطاعت الدُّنْيَا هَدمه، ألم تَرَ إِلَى عليٍّ، كَيفَ تظهر بَنو مَرْوَان عَيبه وذمه، فلكأنما يَأْخُذُونَ بناصيته رفعا إِلَى السَّمَاء؟ وَترى مَا يندبون بِهِ موتاهم من المديح، فو الله لكَأَنَّمَا يكشفون عَن الْجِيَف. ذكر مُعَاوِيَة لِابْنِ الزبير بيعَة يزِيد، فَقَالَ ابْن الزبير: أَنا، أناديك وَلَا أناجيك؛ إِن أَخَاك من صدقك، فَانْظُر قبل أَن تقدم، وتفكر قبل أَن تندم، فَإِن النّظر قبل التَّقَدُّم، والتفكر قبل التندم؛ فَضَحِك مُعَاوِيَة وَقَالَ: تعلمت، أَبَا بكر الشجَاعَة عِنْد الْكبر. مر عبد الله بن حسن بن حسنٍ ﵃ بعامر بن خبيب بن عبد الله بن الزبير وَهُوَ بمر، فَقَالَ لَهُ: نزلت مرا فمرر عَلَيْك عيشك فَقَالَ: بل نزلت مرا فِي مالٍ طَابَ لي أكله؛ إِذْ أَنْت متلوثٌ فِي أدناس بني مَرْوَان. فَقَالَ عبد الله: أما وَالله لَوْلَا عَمَّتي - يَعْنِي: صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب - كنت كبعض بني حميد - يَعْنِي حميد بن أَسد بن عبد الْعُزَّى - فِي شعاب مَكَّة. فَقَالَ لَهُ عَامر: فمنة عَمَّتي عَلَيْك أعظم، لَوْلَا عَمَّتي كنت كبعض بني عقيل بِالْأَبْطح - يَعْنِي: بعمته خَدِيجَة بنت خويلد ﵂. قَالَ عبد الله بن عُرْوَة: انْطَلَقت مَعَ عبد الله بن الزبير حَتَّى قعدت بَين يَدي الْحسن بن عليٍّ ﵄؛ فَحَمدَ الله، وَأثْنى عَلَيْهِ، وخطب إِلَيْهِ

стр. 614

ابْنَته، قَالَ: فَجعل يغمز يَدي غمزاً شَدِيدا؛ فَلَمَّا قمنا قلت لَهُ: لقد تصعدك الْيَوْم الْكَلَام تصعداً مَا رَأَيْت مثله. قَالَ: إِنَّه الْحسن بن فَاطِمَة. لَا وَالله مَا قَامَت النِّسَاء عَن مثله. وَلما قتل مصعبٌ قَالَ عبد الله: إِن مصعباً أنفذناه إِلَى الْعرَاق؛ فأغمد سَيْفه، وسل أيره؛ فَبلغ ذَلِك عبد الْملك، فَقَالَ: لَكِن أَبَا خبيب أغمد سَيْفه وخيره وأيره. قَالَ قدامَة: لما جَاءَنَا قتل الْوَلِيد بن يزِيد أتيت عبد الله بن عُرْوَة، فَأَخْبَرته بقتل الْوَلِيد وَقيام يزِيد بن الْوَلِيد؛ فَقَالَ عبد الله: أوقد فَعَلُوهَا؟ أَنا أَبُو بكرٍ. وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لخروجها من أَيْديهم أسْرع من سير ذكْوَان. قيل: وَكَانَ ذكْوَان مولى لقريش، سَار من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة فِي ليلةٍ فَقَالَ: إِن الَّذِي كلفتها سير ليلةٍ ... من أهل منى نصا إِلَى أهل يثرب لما قتل عبد الْملك عَمْرو بن سعيد قَالَ ابْن الزبير: قتلت بَنو أُميَّة حيتها؛ فَقَالَ عبد الله بن صَفْوَان: الْحَيَّة وَالله الْقَاتِل. قَالُوا: لما هم عبد الله بن الزبير بِمَا هم بِهِ من أَمر بني هاشمٍ وإحراقهم وَأَنه كَانَ ذَلِك من ولَايَته على رَأس خمس سِنِين، لم يذكر رَسُول الله ﷺ فِيهِنَّ بحرفٍ فِي خطْبَة، فعوتب على ذَلِك؛ فَقَالَ: وَالله مَا تركته عَلَانيَة إِلَّا أَن أكون أقوله سرا، وَأكْثر مِنْهُ، وَلَكِن رَأَيْتنِي إِذا ذكرته طَالَتْ رِقَاب بني هاشمٍ، واشرأبت ألوانهم، وَلم أكن لأذكر لَهُم سُرُورًا وَأَنا أقدر عَلَيْهِ. ثمَّ صعد الْمِنْبَر؛ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: أَيهَا النَّاس، إِنِّي حاظر لَهُم حَظِيرَة، فمضرمها عَلَيْهِم نَارا، فَإِنِّي لَا أقتل إِلَّا آثِما كفَّارًا أفاكاً سحاراً، وَالله مَا رَضِي بهم رَسُول الله ﷺ خفراً. وَلَا ترك فيهم خيرا وَلَا رضيهم لولايةٍ، أهل كذبٍ استفرغ رَسُول الله - صلى الله عَلَيْهِ - صدقهم. فَقَامَ إِلَيْهِ مُحَمَّد بن سعد بن أبي وَقاص فَقَالَ: وفقك الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَأَنا أول من أعانك عَلَيْهِم. وَقَامَ عبد الله بن صَفْوَان فَقَالَ: يَا بن

стр. 615

الزبير، أيم الله مَا قلت صَوَابا، وَلَا هَمَمْت برشد، أرهط. رَسُول الله ﷺ تعيب، وإياهم تقتل؟ وَالْعرب حولك، وَالله لَئِن لم ينصرهم النَّاس لينصرهم الله مِنْك. قَالَ. فَقَالَ ابْن الزبير: اجْلِسْ يَا أَبَا صَفْوَان؛ فَإنَّك لست بناموسٍ وَبلغ الْخَبَر عبد الله بن الْعَبَّاس؛ فَخرج يتَوَكَّأ على يَد ابْنه حَتَّى دخل الْمَسْجِد، فقصد قصد الْمِنْبَر، فَقَالَ: أَيهَا النَّاس، إِن ابْن الزبير يَقُول: أَن لَا أول وَلَا آخر لرَسُول الله ﷺ ، فو الله إِن أول من ألف الإلف، وَأَجَازَ عيرات قُرَيْش لهاشم، وَمَا شدت بَعِيرًا لسفرٍ، وَلَا أناخت بَعِيرًا لحضرٍ إِلَّا بهاشمٍ، وَإِن أول من سقى بِمَكَّة عذباً، وَجعل بَاب الْكَعْبَة ذَهَبا لعبد الْمطلب، ثمَّ لقد نشأت ناشيتنا مَعَ ناشيتهم، فَإِن كُنَّا لقالتهم إِذا قَالُوا، وخطباؤهم إِذا نطقوا، وَمَا عددت مجداً كمجد أولنا، وَلَا كَانَ فِيهَا مجدٌ لغيرنا، إِلَّا فِي كفر ماحقٍ، ودينٍ فاسقٍ، وضلةٍ ضَالَّة فِي عشواء عمياء، حَتَّى اخْتَار لَهَا الله نورا، وَبعث لَهَا سِرَاجًا، فَأَخذه طيبا من طيب، لَا يسب بمسبةٍ، وَلَا تغوله غائلةٌ. فَكَانَ أَحَدنَا وولدنا وعمنا وَابْن عمنَا، ثمَّ إِن السَّابِقين إِلَيْهِ لمنا اللِّسَان، ثمَّ إِنَّا لخير النَّاس بعده ﷺ أظهرهم أدباً، وَأكْرمهمْ حسباً، وَالْعجب عجبا، أَن ابْن الزبير يعيب أَولا وآخراً من كَانَ لَهُ لسانٌ نطق. كذب أَو صدق. مَتى كَانَ عوامٌ بن عوامٍ يطْمع فِي صَفِيَّة، لقد جَلَست الْفرس بغلاً، أما وَالَّذِي لَا إِلَه غَيره إِنَّه لمصلوب قريشٍ، وَإنَّهُ لأم عُفيَ تغزل من استها، لَيْسَ لَهَا سوى بَيتهَا. من أَبوك يَا بغل؟ قَالَ: أُمِّي الْفرس. قَالُوا: صلى عبد الله بن الزبير بِالنَّاسِ، ثمَّ الْتفت إِلَيْهِم فَقَالَ: لَا يبعدن ابْن هِنْد؛ إِنَّه كَانَت فِيهِ مخارج لَا نجدها فِي أحدٍ بعده، وَالله إِن كُنَّا لنفرقه فيتفارق لنا، وَمَا اللَّيْث الْحَرْب على براثنه بأجرأ مِنْهُ. وَإِن كُنَّا لنخدعه، وَمَا ابْن ليلةٍ من أهل الأَرْض بأدهى مِنْهُ فيتخادع لنا. وَالله لَوَدِدْت أَنا متعنَا بِهِ مَا دَامَ من هَذَا الْجَبَل حجر - وَأَشَارَ إِلَى أبي قبيسٍ - لَا يتخون لَهُ عقلٌ، وَلَا بنفض لَهُ مرةٌ. قَالَ عُرْوَة: مَا بر وَالِديهِ من أحد النّظر إِلَيْهِمَا.

стр. 616

قَالَ مُصعب بن عبد الله، قَالَ لي أبي: يَا بني من اسْتغنى عَن النَّاس احتاجوا إِلَيْهِ؛ فَأصْلح مَالك، وَأَقل من مجالسة النَّاس، فَإِنِّي قد رَأَيْت رجَالًا يقتبس مِنْهُم، وَلَا جاه يدْفَعُونَ بِهِ عَنْهُم، وَلَا جود يفضلون بِهِ عَلَيْهِم. استغنوا بِأَمْوَالِهِمْ، وجلسوا؛ فَأَتَاهُم النَّاس. بلغ عُرْوَة أَن ابْنه عبد الله يَقُول الشّعْر، فَدَعَا بِهِ يَوْمًا. فَقَالَ: أَنْشدني، فأنشده؛ فَقَالَ: إِن الْعَرَب تسمى النَّاقِص. النَّاقِص: الَّذِي يمشي على ثَلَاث قَوَائِم الهزروف، فشعرك هَذَا هُوَ الهزروف. لما قطعت رجل عُرْوَة، وَمَات ابْنه حمد الله. وَنظر إِلَى رجله، ثمَّ قَالَ: أما وَالله إِنِّي لأرجو أَلا أكون مشيت بهَا مَعْصِيّة لله قطّ. أيمنك لَئِن كنت أخذت لقد أَعْطَيْت، كَانَ لي أَربع جوارح فَأخذت وَاحِدًا وَتركت ثَلَاثًا؛ وَكَانَ لي أَرْبَعَة بَنِينَ، فَأخذت وَاحِدًا وَتركت ثَلَاثَة. قَالُوا: كَانَ عبد الله بن الزبير يسْجد لَيْلَة، ويركع لَيْلَة، وَيَقُول لَيْلَة. روى الزبير بن بكار عَن عَمه مُصعب، قَالَ: لما صَار عليٌّ ﵁ بِالْقربِ من الْبَصْرَة بعث ابْن عَبَّاس، فَقَالَ: إيت الزبير فاقرأ ﵇، وَقل لَهُ: يَا أَبَا عبد الله؛ كَيفَ عرفتنا بِالْمَدِينَةِ وأنكرتنا بِالْبَصْرَةِ؟ . فَقَالَ ابْن عَبَّاس: أَفلا آتِي طَلْحَة؟ قَالَ: إِذا تَجدهُ كالثور عاقصاً قرنه فِي الْحزن يَقُول هَذَا سهل. قَالَ: فَأتيت الزبير، فَوَجَدته فِي بيتٍ حارٍّ يتروح، وَعبد الله بن الزبير فِي الْحُجْرَة. فَقَالَ: مرْحَبًا بك يَا بن لبَابَة، أجئت زَائِرًا أم سفيراً؟ قلت: كلا. أَحْبَبْت إِحْدَاث الْعَهْد بك، وَابْن خَالك يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام وَيَقُول لَك: عرفتنا بِالْمَدِينَةِ، وأنكرتنا بِالْبَصْرَةِ، فَقَالَ: علقتهم، إِنِّي خلقت عصبَة ... قَتَادَة تعلّقت بنشبه فَلَنْ أدعهم حَتَّى ألف بَينهم.

стр. 617

فَأَرَدْت مِنْهُ جَوَابا غير ذَلِك، فَقَالَ: غَدا نرفع الْمَصَاحِف، ونحاكمك إِلَيْهَا، فَخرجت، فَقَالَ عبد الله: قل بَيْننَا وَبَيْنك دم خَليفَة، وَوَصِيَّة خَليفَة، واجتماع اثْنَيْنِ وانفراد وَاحِد، وَأم مبرورةٌ فَعلمت أَنه ليسر مَعَ هَذَا الْكَلَام لينٌ. قَالَ الزبير بن بكار: فَقدمت الْعرَاق فَرَأَيْت عمي مصعباً ترك هَذَا الحَدِيث، فَقلت لَهُ: لم تركته؟ قَالَ: إِنِّي رَأَيْت الزبير فِي الْمَنَام يتَعَذَّر من أَمر الْجمل؛ فَقلت لَهُ: كَيفَ يتَعَذَّر من أَمر الْجمل وَأَنت الْقَائِل: علقتهم، إِنِّي خلقت عصبَة ... قَتَادَة تعلّقت بنشبه فَلَنْ أدعهم حَتَّى ألف بَينهم؟ فَقَالَ: لم أَقَله. حدث وهب مولى آل الزبير أَنه قَالَ: كنت مَعَ عبد الله بن الزبير بِمَكَّة فِي ولَايَته؛ فَكتب إِلَيْهِ رجل كتابا يعظه فِيهِ: أما بعد؛ فَإِن التَّقْوَى فِي أَهلهَا علاماتٍ يعْرفُونَ بهَا، ويعرفونها من أنفسهم؛ من صَبر على الْبلَاء وَرَضي بِالْقضَاءِ، وشكر للنعمة، وذل لحكم الْقُرْآن، وَإِنَّمَا الإِمَام كالسوق، يحمل إِلَيْهَا مَا زكا فِيهَا، فَمن كَانَ من أهل الْحق أَتَاهُ أهل الْحق بحقهم، وَمن كَانَ من أهل الْبَاطِل أَتَاهُ أهل الْبَاطِل بباطلهم؛ فَانْظُر أَي الْإِمَامَيْنِ أَنْت. وَالسَّلَام. قَالَ: فَكَانَ عبد الله يعجب من بلاغة هَذِه الرسَالَة وإيجازها، ويضعها تَحت فرَاشه، ويتعاهد قرَاءَتهَا. كَانَ لعبد الله بن عُرْوَة مولاةٌ يُقَال لَهَا: شهدة، فَفَزِعت لَيْلًا؛ فَسَمعَهَا نقُول: اللَّهُمَّ إِن أَحْسَنت فَأحْسن إِلَيّ، وَإِن أَسَأْت فأسئ إِلَيّ. فَقَالَ: أَي شهاد، عتق مَا يملك إِن لم يكن هَذَا أقل مَالك عِنْد رَبك. قَالَ عبد الله بن عُرْوَة بن الزبير: إِلَى الله أَشْكُو عيبي مَا لَا أدع، ونعتي مَا لَا آتِي، وَإِنَّمَا يبكي للدنيا بِالدّينِ. نَازع عبد الله بن الزبير أَخَاهُ عمرا، والأمير بِالْمَدِينَةِ سعيد ابْن الْعَاصِ، فاستعلى عبد الله فِي القَوْل؛ فَأقبل سعيدٌ على عَمْرو، فَقَالَ: إيهاً يَا بن أبي؛ فَأقبل عَلَيْهِ عبد الله، فَقَالَ: هيها يَا بن أبي أحيحة، فو الله لأَنا خيرٌ مِنْك،

стр. 618

وَلأبي خيرٌ من أَبِيك: ولأمي خيرٌ من أمك، ولخالي خيرٌ من خَالك، ولجدي خيرٌ من جدك. ثمَّ، الله رفع بِالْإِسْلَامِ بُيُوتًا وَوضع بِهِ بُيُوتًا، فَكَانَ بَيْتِي من الْبيُوت الَّتِي رفع، وَكَانَ بَيْتك من الْبيُوت الَّتِي وضع، وَإِن خنس أَنْفك، وَانْتَفَخَتْ لغاديدك. اخْتصم رجلَانِ فِي حدٍّ بَينهمَا بالأعوص، فتهاترا وتخاصما، فَأتيَا الزبير بن هِشَام بن عُرْوَة، وجعلاه حكما بَينهمَا. قَالَ: فَقَالَ لَهما: كَانَ رجلَانِ من بني إِسْرَائِيل اخْتَصمَا فِي أرضٍ، فَأذن الله للْأَرْض، فكلمتهما فَقَالَت: لقد ملكني سَبْعُونَ أَعور، وَلَيْسَ مِنْهُم الْآن أحدٌ على ظهر الأَرْض. قَالَ: فتفرقا. وَقَالَ كل مِنْهُمَا: لَا حَاجَة لي بهَا، وتراداها. قيل لعروة الزبيرِي حِين حمل إِلَى الرشيد مُقَيّدا: اختصب. فَقَالَ: حَتَّى أعلم أرأسي لي أم لكم؟ فَأدْخل عَلَيْهِ فِي سلسلةٍ، فَقَالَ: كنت أشتهي أَن أَرَاك فِيهَا، اخلعوا عَلَيْهِ. يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ خلعة شتاءٍ لَا خلعة صيف.

стр. 619

الْبَاب السَّادِس نَوَادِر أبي العيناء ومخاطباته حمله بعض الوزراء على دابةٍ، فانتظر عَلفهَا، فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ قَالَ: أَيهَا الْوَزير هَذِه الدَّابَّة حَملتنِي عَلَيْهِ أَو حَملته عَليّ. قَالَ لَهُ المتَوَكل يَوْمًا: إِلَى كم تمدح النَّاس وتذمهم؟ فَقَالَ: مَا أَحْسنُوا وأساءوا؛ فقد رَضِي الله عَن عبدٍ فمدحه؛ فَقَالَ: " نعم العَبْد إِنَّه أوابٌ " وَغَضب على آخر فزناه. قَالَ: وَيلك أيزني الله أحدا؟ قَالَ: نعم. قَالَ الله تَعَالَى: " عتلٍّ بعد ذَلِك زنيم "، والزنيم: الدخيل فِي الْقَوْم وَلَيْسَ مِنْهُم. وَقَالَ أَبُو العيناء: قَالَ لي المتَوَكل يَوْمًا: هَل رَأَيْت طالبياً قطّ. حسن الْوَجْه؟ قلت: نعم، رَأَيْت بِبَغْدَاد مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة وَاحِدًا، قَالَ: تَجدهُ كَانَ يُؤَاجر وَكنت أَنْت تقود عَلَيْهِ. فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قد بلغ هَذَا من فراغي، أدع الموَالِي مَعَ كثرتهم وأقود على الغرباء. فَقَالَ المتَوَكل لِلْفَتْحِ: أرت أَن أشتفي مِنْهُم فاشتفى لَهُم مني. قَالَ: وَقَالَ لي يَوْمًا: لَا تكْثر الوقيعة فِي النَّاس. فَقلت: إِن لي فِي بَصرِي شغلاً عَن ذَلِك. فَقَالَ: ذَاك أَشد لحقدك على أهل الْعَافِيَة. وَقَالَ لَهُ يَوْمًا المتَوَكل: إِن سعيد بن عبد الْملك يضْحك مِنْك، فَقَالَ: " إِن الَّذين أجرموا كَانُوا من الَّذين آمنُوا يَضْحَكُونَ ".

стр. 620

وَقَالَ يَوْمًا بِحَضْرَتِهِ لخراشة: ابْن كم أَنْت؟ قَالَ: ابْن نيفٍ وَخمسين. قَالَ أَبُو العيناء: زَانِيَة. وَدخل يَوْمًا إِلَى ابْن ثوابة؛ فَقَالَ: بَلغنِي مَا خاطبت بِهِ أمس أَبَا الصَّقْر، وَمَا مَنعه من استقصاء الْجَواب إِلَّا أَنه لم يجد عرضا فيضعه، وَلَا مجداً فيهدمه، وَبعد فَإِنَّهُ عاف لحمك أَن يَأْكُلهُ، وسهك دمك أَن يسفكه. فَقَالَ: مَا أَنْت وَالْكَلَام يَا مكدي؟ فَقَالَ أَبُو العيناء: لَا تنكر على ابْن ثَمَانِينَ، وَقد ذهب بَصَره، وجفاه سُلْطَانه، أَن يعول على إخوانه، فَيَأْخُذ من أَمْوَالهم، وَلَكِن أَشد من هَذَا من يسْتَنْزل مَاء أصلاب الرِّجَال، يستفرغه فِي جَوْفه؛ فَيقطع أَرْزَاقهم، ويعظم إجرامهم. فَقَالَ ابْن ثوابة: مَا تشاجر اثْنَان إِلَّا غلب ألأمهما. فَقَالَ لَهُ: بهَا غلبت أَبَا الصَّقْر. وَقَالَ ثوابة يَوْمًا: كتبت أنفاس الرِّجَال. قَالَ: حَيْثُ كَانُوا وَرَاء ظهرك. وَقَالَ لَهُ يَوْمًا نجاح بن سَلمَة: مَا ظهورك وَقد خرج توقيع أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الزَّنَادِقَة؟ فَقَالَ: نستدفع الله عَنْك وَعَن أصهارك. وَدخل على عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر وَهُوَ يلْعَب بالشطرنج، فَقَالَ: فِي أَي الحيزين أَنْت؟ فَقَالَ: فِي حيّز الْأَمِير أيده الله. وَغلب عبيد الله فَقَالَ: يَا أَبَا العيناء؛ قد غلبنا، وَقد أَصَابَك النّدب خَمْسُونَ رطلا ثلجاً. فَكُن أَنْت فِي حيلتها. قَالَ: فَقَامَ وَمضى إِلَى ابْن ثوابة، وَقَالَ: إِن الْأَمِير يَدْعُوك؛ فَلَمَّا دخلا قَالَ: أيد الله الْأَمِير، قد جئْتُك بجبل همذان وَمَا سيذان، فَخذ مِنْهُ مَا شِئْت. وَقَالَ يَوْمًا لولد حجاج بن هَارُون: فِي أَي بَاب أَنْت من النَّحْو؟ قَالَ: فِي بَاب الْفَاعِل وَالْمَفْعُول. فَقَالَ: أَنْت فِي بَاب أَبَوَيْك إِذا. وَمر على دَار عَدو لَهُ؛ فَقَالَ: مَا خبر أبي مُحَمَّد؟ فَقَالُوا: كَمَا تحب. قَالَ: فَمَا بالي لَا أسمع الرنة والصراخ؟ .

стр. 621

ووعده ابْن الْمُدبر بدابةٍ، فَلَمَّا طَالبه قَالَ: أَخَاف أَن أحملك عَلَيْهِ فتقطعني وَلَا أَرَاك. فَقَالَ: عدني أَن تضم إِلَيْهِ حمارا لأواظب مقتضياً. ووعده أَن يحملهُ على بغل، فَلَقِيَهُ فِي الطَّرِيق؛ فَقَالَ: كَيفَ أَصبَحت يَا أَبَا العيناء؟ قَالَ: أَصبَحت بِلَا بغلٍ؛ فَضَحِك من قَوْله، وَبَعثه إِلَيْهِ. وَحمله بَعضهم على دابةٍ، فاشتراها ابْن الرجل مِنْهُ بثمنٍ أَخّرهُ، ولقيه بعد أيامٍ، فَقَالَ: كَيفَ أَنْت يَا أَبَا العيناء؟ قَالَ: بخيرٍ يَا من أَبوهُ يحمل وَهُوَ يرجل. وَقَالَت لَهُ قينة: هَب لي خاتمك أذكرك بِهِ. فَقَالَ: اذكريني بِالْمَنْعِ. وَقَالَت لَهُ قينة: أَنْت أَيْضا يَا أعمى فَقَالَ لَهَا: مَا أستعين على وَجهك بشيءٍ أصلح من الْعَمى. وَقَالَ لصاعدٍ: أَنْت خيرٌ من رَسُول الله؛ فَقَالَ: وَيلك كَيفَ؟ قَالَ: إِن الله تَعَالَى قَالَ لَهُ: " وَلَو كنت فظاً غليظ القلي لانفضوا من حولك "؛ وَأَنت فظ ولسنا ننفض. وَقَالَ ابْن السّكيت يَوْمًا: تراك أحطت بِمَا لم أحط بِهِ. قَالَ: مَا أنْكرت؛ فو الله لقد قَالَ الهدهد، وَهُوَ أخس طائرٍ لِسُلَيْمَان: " أحطت بِمَا لم تحط بِهِ ". وَقَالَ: - وَقدم إِلَى مائدةٍ - عَلَيْهَا أَبُو هفان وَأَبُو العيناء - فالوذج، فَقَالَ أَبُو هفان: لهَذِهِ أحر من مَكَانك فِي جَهَنَّم. فَقَالَ أَبُو العيناء: إِن كَانَت هَذِه حارةً فبردها بشعرك. وَقَالَ لَهُ صاعدٌ يَوْمًا: مَا الَّذِي أخرك عَنَّا؟ قَالَ: بنيتي. قَالَ: وَكَيف؟ قَالَ: قَالَت: يَا أبه؛ قد كنت تَغْدُو من عندنَا فتأتي بالخلعة السّريَّة والجائزة السّنيَّة، ثمَّ أَنْت الْآن تَغْدُو مسدفاً، وَترجع معتماً، فَإلَى من؟ قلت: إِلَى أبي الْعَلَاء ذِي الوزارتين. قَالَت: أيعطيك؟ قلت: لَا. قَالَت: أيشفعك؟ قلت: لَا. قَالَت: أفيرفع مجلسك؟ قلت: لَا. فَقَالَت: يَا أبه، " لم تعبد مَا لَا يسمع وَلَا يبصر وَلَا يُغني عَنْك شَيْئا ".

стр. 622

وَقَالَ لَهُ عبد الله بن سُلَيْمَان: إِن الْأَخْبَار الْمَذْكُورَة فِي السخاء وَكَثْرَة الْعَطاء أَكْثَرهَا تصنيف الوراقين، وأكاذيبهم قَالَ: وَلم لَا يكذبُون على الْوَزير أيده الله. وَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن مكرم: لهممت أَن آمُر غلامي بدوس بَطْنك. فَقَالَ: الَّذِي تخلفه على عِيَالك إِذا ركبت، أَو الَّذِي تحمله على ظهرك إِذا نزلت؟ . وَقَالَ يَوْمًا لقينةٍ: كم تعدين؟ قَالَت: ثَلَاثِينَ سنة. قَالَ: أَنْت ابْنة ثَلَاثِينَ سنة مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة. وَقيل لَهُ: إِلَى من تخْتَلف الْيَوْم؟ قَالَ: إِلَى من يخْتَلف عَلَيْهِ. وَأكل عِنْده سائلٌ فَأكْثر؛ فَقَالَ: يَا هَذَا أطعمناك رَحْمَة فصيرتنا رَحْمَة. وَقَالَ لَهُ بعض من ناظره: أبلعني ريقي؛ فَقَالَ: قد أبلعتك دجلة والفرات. وَقيل لَهُ: مَا تَقول فِي ابْني وهب؟ قَالَ: " وَمَا يَسْتَوِي البحران هَذَا عذبٌ فراتٌ سائغٌ شرابه وَهَذَا ملحٌ أجاجٌ " سُلَيْمَان أفضل. قيل: وَكَيف؟ قَالَ: " أَفَمَن يمشي مكباً على وَجهه أهْدى أَمن يمشي سوياً على صراطٍ مستقيمٍ ". وَقيل لَهُ: مَا تَقول فِي مُحَمَّد بن مكرم وَالْعَبَّاس بن رستم؟ قَالَ: هما الْخمر وَالْميسر وإثمهما أكبر من نفعهما. وَقَالَ يَوْمًا لرجل دخل من النَّصْرَانِيَّة فِي الْإِسْلَام: أتشرب الْخمر؟ قَالَ: بلَى. قَالَ: لقد أصبت عين الرَّأْي، إِذْ دخلت فِي عزة هَذِه الدعْوَة، وَثَبت على شَرَائِط تِلْكَ النحلة. وَلما استوزر صاعد بعقب دُخُوله من النَّصْرَانِيَّة فِي الْإِسْلَام صَار أَبُو العيناء إِلَى بَابه، فَقيل: يُصَلِّي. فَعَاد فَقيل: يُصَلِّي. فَقَالَ: معذورٌ لكل جديدٍ لَذَّة. وَقَالَ يَوْمًا لرجل سلم عَلَيْهِ: من أَنْت؟ . قَالَ: رجلٌ من ولد آدم. قَالَ: ادن مني عانقني، فَمَا ظَنَنْت أَنه بَقِي من هَذَا النَّسْل أحد.

стр. 623

وَقَالَ لَهُ أَحْمد بن سعيدٍ الْبَاهِلِيّ: إِنِّي أصبت لباهلة فَضِيلَة لَا تُوجد فِي سَائِر الْعَرَب. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: لَا يصاب فيهم دعِي، فَقَالَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ فَوْقهم من يقبلهم، وَلَا دونهم أحدٌ فينزلون إِلَيْهِ. وحضره يَوْمًا ابْن مكرم فَأخذ يُؤْذِيه؛ فَقَالَ لَهُ ابْن مكرم: السَّاعَة وَالله أنصرف. فَقَالَ: مَا رَأَيْت من يتهدد بالعافية غَيْرك. وَقَالَ لَهُ يَوْمًا مَا يعرض بِهِ: كم عدد المكدين بِالْبَصْرَةِ؟ قَالَ: مثل عدد البغائين بِبَغْدَاد. وَقدم ابْن مكرم من سفر، فَقَالَ لَهُ أَبُو العيناء: مَا أهديت لي؟ . قَالَ: قدمت فِي خف. قَالَ: لَو قدمت فِي خف لخلفت نَفسك. وَقَالَ لَهُ ابْن مكرم: مذهبي الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ. قَالَ: صدقت، وَلَكِن تجمع بَينهمَا بِالتّرْكِ. وَقَالَ لَهُ ابْن بدرٍ يَوْمًا وَهُوَ على بَابه: أَهَذا الْمنزل؟ قَالَ: نعم، فَإِن أردْت أَن ترى سوء أثرك فَانْزِل. قَالَ لَهُ أَبُو الجماز: كَيفَ ترى غنائي؟ قَالَ: كَمَا قَالَ الله : " إِن أنكر الْأَصْوَات لصوت الْحمير ". ولقى أَبَا الجماز يَوْمًا على حمَار صَغِير؛ فَقَالَ: لقد سَاءَنِي حِين اضطرك الدَّهْر إِلَى ركُوب أَصْغَر أولادك. وَقَالَ لَهُ يَوْمًا: هَل تذكر سالف معاشرتنا؟ قَالَ: إِذْ تغنينا وَنحن نستعفيك. وَقَالَ لعَلي بن الجهم: إِنَّمَا تبغض عَليّ بن أبي طَالب ﵁ لِأَنَّهُ كَانَ يقتل الْفَاعِل وَالْمَفْعُول، وَأَنت أَحدهمَا. قَالَ لَهُ: يَا مخنث. فَقَالَ: " وَضرب لنا مثلا وَنسي خلقه ". وَقيل لَهُ: إِن ابْن نوحٍ النَّصْرَانِي عاتبٌ عَلَيْك؛ فَقَالَ: " وَلنْ ترْضى عَنْك الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تتبع ملتهم ". وَقَالَ لَهُ بَعضهم: إِنِّي لَا أرتضي نيتك. فَقَالَ: أجل؛ لِأَنِّي أعتقد الْإِسْلَام.

стр. 624

وَقَالَ لَهُ عبيد الله بن يحيى بن سُلَيْمَان: اعذرني، فَإِنِّي مشغولٌ. فَقَالَ: إِذا فرغت لم أحتج إِلَيْك. وَسلم نجاح بن سَلمَة إِلَى مُوسَى بن عبد الْملك ليستأديه مَالا، فَتلف فِي الْمُطَالبَة؛ فلقي بعض الرؤساء أَبَا العيناء، وَقَالَ لَهُ: مَا عنْدك من خبر نجاح؟ قَالَ: " فوكزه مُوسَى فَقضى عَلَيْهِ "؛ فبلغت كَلمته مُوسَى ابْن عبد الْملك؛ فَلَقِيَهُ فَقَالَ: أبي تولع؟ وَالله لأقومنك. فَقَالَ: " أَتُرِيدُ أَن تقتلني كَمَا قتلت نفسا بالْأَمْس ". وَقَالَ يَوْمًا لِابْنِ مكرم: أَلَسْت عفيفاً؟ قَالَ: بلَى، وَلَكِنَّك عفيف الْفرج زاني الْحرم. فَقَالَ: إِنَّمَا ذَاك مُنْذُ تزوجت بأمك. وغداه ابْن مكرم؛ فَقدم إِلَيْهِ عراقاً، فَلَمَّا جسه قَالَ: قدركم هَذِه طبخت بالشطرنج. وَقدم إِلَيْهِ يَوْمًا قدرا فَوَجَدَهَا كَثِيرَة الْعِظَام؛ فَقَالَ: هَذِه قدرٌ أم قبر؟ . وَأخْبر أَن ابْنه أعتق عَبده؛ فَقَالَ: إِن جَازَ لَهُ هَذَا فليطلق على أمه الزَّانِيَة. وَقَالَ لَهُ رجلٌ من بني هَاشم: بَلغنِي أَنَّك بغاء. قَالَ: وَلم أنْكرت ذَاك مَعَ قَول رَسُول الله ﷺ : " مولى الْقَوْم مِنْهُم "؟ . قَالَ: إِنَّك دعِي فِينَا. قَالَ: بغائي صحّح نسبي فِيكُم. وَسَأَلَ الجاحظ كتابا إِلَى مُحَمَّد بن عبد الْملك فِي شَفَاعَة لصاحبٍ لَهُ؛ فَكتب الْكتاب، وناوله الرجل، فَعَاد بِهِ إِلَى أبي العيناء، وَقَالَ: قد أسعف. قَالَ: فَهَل قرأته؟ قَالَ: لَا؛ لِأَنَّهُ مختوم. قَالَ: وَيحك، فض طينةٍ أولى من حمل ظنةٍ، لَا يكون صحيفَة المتلمس؛ ففض الْكتاب؛ فَإِذا فِيهِ: موصل كتابي سَأَلَني فِيهِ أَبُو العيناء، وَفد عرفت سفهه وبذاء لِسَانه، وَمَا أرَاهُ لمعروفك أَهلا، فَإِن أَحْسَنت إِلَيْهِ فَلَا تحسبه عَليّ يدا، وَإِن لم تحسن لم أعتده عَلَيْك ذَنبا وَالسَّلَام. فَركب أَبُو العيناء إِلَى الجاحظ. وَقَالَ لَهُ: قد قَرَأت الْكتاب يَا أَبَا عُثْمَان، فَخَجِلَ الجاحظ، وَقَالَ: يَا أَبَا العيناء، هَذِه علامتي فِيمَن أعتني بِهِ. قَالَ: فَإِذا بلغك أَن صَاحِبي قد شتمك فَاعْلَم أَنه علامته فِيمَن شكر معروفه.

стр. 625

وَأكل عِنْد ابْن مكرم، فسقي على الْمَائِدَة ثَلَاث شرباتٍ بَارِدَة، ثمَّ استسقى فسقى شربةً حارة؛ فَقَالَ: لَعَلَّ مزملتكم تعتريها حمى الرّبع. وَمِمَّنْ انتصف من أبي العيناء مُحَمَّد بن مكرم، فَإِنَّهُ صادفه سَاجِدا وَهُوَ يَقُول: يَا رب سَائِلك ببابك. فَقَالَ: تمتن على الله بأنك سائله وَأَنت سَائل كل بَاب. وَسمع مُحَمَّد بن مكرم رجلا يَقُول: من ذهب بَصَره قلت حيلته. فَقَالَ لَهُ: مَا أغفلك عَن أبي العيناء. وَولد لأبي العيناء ابنٌ؛ فأهدى إِلَيْهِ حجرا. يُرِيد قَول النَّبِي ﷺ : " وللعاهر الْحجر ". وَمِنْهُم الْعَبَّاس بن رستم؛ فَإِنَّهُ قَالَ يَوْمًا لأبي العيناء: أَنا أكفر مِنْك. فَقَالَ: وَلم؟ قَالَ: لِأَنَّك تكفر ومعك خفيرٌ مثل عبيد الله بن يحيى وَابْن أبي دواد، وَأَنا أكفر بِلَا خفارة. صحب رجلٌ مفلسٌ جمَاعَة فقسموا لَهُ قسْمَة، فَاشْترى دَابَّة وَكِسْوَة، فَكَانَ إِذا حلف يَقُول: وَإِلَّا فدابتي حبيسٌ وثيابي صَدَقَة. ثمَّ قسموا لَهُ قسْمَة أُخْرَى؛ فَاشْترى دَارا وخادماً، فَكَانَ إِذا حلف يَقُول: وَإِلَّا فدابتي حبيسٌ وثيابي صدقةٌ وَغُلَامِي حرٌّ، وداري مقبرةٌ. فَقَالَ أَبُو العيناء: طَالَتْ أيمانه ابْن الزَّانِيَة. كَانَ لمُحَمد بن مكرم غلامٌ يتعشقه، وَكَانَ يَرْمِي بِهِ؛ فَدخل أَبُو العيناء يَوْمًا إِلَيْهِ،؟ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا العيناء، أما ترى غلامي سديفاً مَعَ إكرامي لَهُ، وفعلي بِهِ ومحبتي لَهُ، وَكَثْرَة مَا أَصله بِهِ من الأمول، وَينْتَفع بجاهي، وَلَا يشْكر لي ذَلِك، وَلَا تظهر عَلَيْهِ النِّعْمَة، وَلَا يرى عِنْده دينارٌ وَلَا دِرْهَم. قَالَ أَبُو العيناء: نعم يَا سَيِّدي كسب الكناسين لَا يكون لَهُ بركَة. وَقَالَ لَهُ أَبُو عَليّ الْبَصِير يَوْمًا: وَيلك إِن لم تغْضب لي بالصناعة فاغضب لي وتعصب بالعمى؛ فَقَالَ أَبُو العيناء: كذبت يَا عاض بظر أمه. أَنا من عُمْيَان الْحمير، وَأَنت من عُمْيَان الْعَصَا.

стр. 626

وَقَالَ الْكَافِي لَهُ: كَيفَ أكتب اللؤم، بلام أَو لامين؟ فَقَالَ صور نَفسك. وَدخل إِلَى المتَوَكل، فَقدم إِلَيْهِ طَعَام؛ فَغمسَ أَبُو العيناء لقمته فِي خل كَانَ حامضاً، فَأكلهَا وتأذى بالحموضة، وفطن المتَوَكل فَجعل يضْحك فَقَالَ: لَا تلمني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فقد محت الْإِيمَان فِي قلبِي. وَقَالَ لَهُ السدري: أشتهي أَن أرى الشَّيْطَان. فَقَالَ: انْظُر فِي الْمرْآة. قَالَ أَبُو العيناء: رَأَيْت مُحَمَّد بن مكرم يُصَلِّي صلواته كلهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ؛ فَقلت: يَا مُحَمَّد، مَا هَذَا الَّذِي أَرَاك تَفْعَلهُ؟ قَالَ: عزمت وحياتك على الْخُرُوج إِلَى قُم إِلَى عِنْد أبي. قيل لأبي العيناء: لم اتَّخذت خادمين أسودين؟ فَقَالَ: أما أسودان فلئلا أتهم بهما، وَأما خادمان فلئلا يتهما بِي. وَنظر إِلَى رجل قَبِيح الْوَجْه؛ فَقَالَ: كَأَنَّمَا خلق هَذَا الرجل ليعلم النَّاس نعْمَة الله عَلَيْهِم. وَقدم صديقٌ لَهُ من بعض الْأَعْمَال السُّلْطَانِيَّة؛ فَدَعَاهُ إِلَى منزله وأطعمه وَجعل الرجل يكثر الْكَذِب، فَالْتَفت أَبُو العيناء إِلَى من كَانَ مَعَه فَقَالَ: نَحن كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: " سماعون للكذب أكالون للسحت ". وَقيل: ابْن كم أَنْت؟ فَقَالَ: قَبْضَة، يَعْنِي: ثَلَاثًا وَتِسْعين. وَقيل لَهُ: كَيفَ حمدك لفُلَان؟ ؛ فَقَالَ: أَحْمَده للؤم الزَّمَان، فَأَما عَن حسن اخْتِيَار فَلَا. وَقَالَ أَبُو العيناء: قلت لغلام ابْن مكرم - وَمَعَهُ دَرَاهِم -: من أَيْن لَك هَذِه الدَّرَاهِم؟ فَقَالَ: أَلِي تَقول هَذَا وَدَار الضَّرْب فِي سراويلي؟ . قَالَ ابْن مكرم لأبي العيناء: أحسبك لَا تَصُوم شهر رَمَضَان. فَقَالَ: وَيحك. وتدعني امْرَأَتك أَن أَصوم. قَالَ أَبُو العيناء: مَرَرْت يَوْمًا فِي دربٍ بسر من رأى. فَقَالَ لي غلامٌ: يَا مولَايَ؛ فِي الدَّرْب حملٌ سمين، والدرب خالٍ، فَأَمَرته أَن يَأْخُذهُ، وغطيته بطيلساني، وصرت بِهِ إِلَى منزلي؛ فَلَمَّا كَانَ الْغَد جَاءَتْنِي رقعةٌ من بعض رُؤَسَاء

стр. 627

ذَلِك الدَّرْب مَكْتُوب فِيهَا: جعلت فدَاك، ضَاعَ لنا بالْأَمْس فِي الدَّرْب حمل؛ فَأَخْبرنِي صبيان دربنا أَنْت سَرقته؛ فتأمر برده متفضلاً. قَالَ أَبُو العيناء: فَكتبت إِلَيْهِ: يَا سُبْحَانَ الله مَا أعجب هَذَا الْأَمر مَشَايِخ دربنا يَزْعمُونَ أَنَّك بغاءٌ وأكذبهم أَنا، وَلَا أصدقهم، وَتصدق أَنْت صبيان دربكم أَنِّي أَنا سرقت الْحمل. قَالَ: فَسكت وَمَا عاودني بِشَيْء. قَالَ أَبُو العيناء: أَنا أؤاكل النَّاس مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة، مَا آثرني إنسانٌ على نَفسه بباذنجانةٍ مضيرة قطّ. وَأكل مرّة ديكبراكة، وَغسل يَده عدَّة مَرَّات فَلم تنق؛ فَقَالَ: كَادَت هَذِه الْقدر أَن تكون نسبا وصهراً. قَالَ يَوْمًا لِابْنِ ثوابة: إِذا شهِدت على النَّاس ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ شهد عَلَيْك أنتن عُضْو فِيك. قَالَ بعض الهاشميين لأبي العيناء: بَلغنِي أَنَّك تخبأ الْعَصَا. قَالَ: وَهُوَ ذَا تدعونها تظهر حَتَّى أخبأها أَنا. ودق عَلَيْهِ إنسانٌ الْبَاب فَقَالَ: من هَذَا؟ . قَالَ: أَنا. قَالَ: هَذَا والدق سَوَاء. وَقَالَ أَبُو العيناء: أَدخل على المتَوَكل رجلٌ قد تنبأ؛ فَقَالَ لَهُ: مَا عَلامَة نبوتك؟ قَالَ: أَن يدْفع إِلَيّ أحدكُم امْرَأَته؛ فَإِنِّي أحبلها فِي الْحَال. فَقَالَ يَا أَبَا العيناء: هَل لَك أَن تعطيه بعض الْأَهْل؟ فَقلت: إِنَّمَا يُعْطِيهِ من كفر بِهِ؛ فَضَحِك وخلاه. ولقيه رجلٌ من إخوانه فَقَالَ لَهُ: أَطَالَ الله بَقَاءَك، وأدام عزك وتأييدك وسعادتك، فَقَالَ أَبُو العيناء: هَذَا العنوان، فكتاب من أَنْت؟ . وَقَالَ لَهُ يَوْمًا عبيد الله بن يحيى الْوَزير - فِي أَمر شهد عَلَيْهِ فِيهِ بشهادةٍ؛ فَقَالَ أَبُو العيناء: لَو كَانَ هَذَا فِي غير دولتك لتمنيت لَهُ دولتك. فَقَالَ: إِن الشُّهُود عَلَيْك كثيرٌ. قَالَ: أَكثر مِنْهُم الَّذين شهدُوا عَلَيْك بإغلاء السّعر وَالزِّيَادَة فِيهِ؛ فَإِن صدقتهم عَليّ فَصَدَّقَهُمْ عَلَيْك.

стр. 628

وَقَالَ لَهُ يَوْمًا: أعز الله الْوَزير نَحن فِي عطلتك مرحومون، وَفِي وزارتك محرومون. وَيَوْم الْقِيَامَة كل نفسٍ بِمَا كسبت رهينةٌ. وَلما تقطر بعبيد الله فرسه قَالَ أَبُو العيناء: قتل الْجواد الْجواد. واستجفى بعض الرؤساء أَبَا العيناء؛ فَقَالَ لَهُ: أَنا وَالله على بابك أوجد من الْكَذِب على أَبْوَاب بني خاقَان. وَصَارَ يَوْمًا إِلَى بَاب عبيد الله؛ فَقَالَ لَهُ سعدٌ حَاجِبه: هُوَ مَشْغُول يَا أَبَا عبد الله. فَقَالَ: فَفِي شغله أُرِيد لقاءه. قَالَ: لَيْسَ إِلَى ذَلِك سَبِيل. فَقَالَ لَهُ: رزقكم الله الْعود إِلَى الْبَيْت الْحَرَام وَانْصَرف. فَقَالَ سعد: دَعَا علينا لَعنه الله، وَالله إِن كُنَّا بِمَكَّة إِلَّا حَيْثُ نَفينَا. قَالَ أَبُو العيناء، هنأت عبيد الله بن يحيى يَوْمًا بالعيد، ودعوت لَهُ دُعَاء طَويلا؛ فَقَالَ لي الْحسن بن مخلد: حَسبك يَا أَبَا عبد الله؛ فَقلت: يَا أَبَا الْحسن، أعزّك الله. إِن أَبَا مُحَمَّد يستثقل الدُّعَاء لِأَنَّهُ لَا يَثِق بالمدعو. وَقَالَ لَهُ عبيد الله: مَا دعَاك إِلَى الوقيعة فِي مُوسَى بن عبد الْملك بِحَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فَقَالَ: إِنِّي وَالله مَا استعذبت الوقيعة فِيهِ حَتَّى ذممت لَك سَرِيرَته. وَدخل عَلَيْهِ يَوْمًا وَعِنْده نجاح بن سَلمَة، وَأحمد بن إِسْرَائِيل وهما يسارانه؛ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحسن: " تحسبهم جَمِيعًا وَقُلُوبهمْ شَتَّى "؛ فَقَالَ نجاح: كذبت يَا عَدو الله؛ فَقَالَ: " لكل نبإٍ مستقرٌ وسوف تعلمُونَ ". وَدخل إِلَى نجاح بن سَلمَة؛ فَقَالَ: لَا تدنس حَصِير صَلَاتي قبحك الله. فَقَالَ أَبُو العيناء لَهُ: لَا. وَلَكِن متمرغ فسقك. وَسقط نجاحٌ عَن دَابَّته؛ فَوَثَبَ إِلَيْهِ إِبْرَاهِيم بن عتابٍ، فَأَخذه من الأَرْض؛ فَقَالَ أَبُو العيناء: يَا أَبَا الْفضل، لميتةٌ مجهزة أصلح من عافيةٍ على يَد ابْن عتاب.

стр. 629

وَقيل لَهُ: كَيفَ أَصبَحت؟ قَالَ: أَصبَحت وَالله من المملقين الَّذين لَا يطْمع فيهم نجاح بن سَلمَة. وَقَالَ يَوْمًا لِابْنِ ثوابة: يحْتَاج عقلك إِلَى صمتٍ يستره، ونطقك إِلَى عقلٍ يسدده. وَقَالَ لَهُ ابْن مكرم: كَانَ ابْن الْكَلْبِيّ صَاحب الْبَرِيد يحب أَن يشم الخراء فَقَالَ: لَو رآك لترشفك. وَقَالَ ابْن مكرم يَوْمًا: مَا فِي الدُّنْيَا أَعقل من القحبة؛ لِأَنَّهَا تطعم أطايب الطَّعَام، وتسقي ألذ الشَّرَاب وَتَأْخُذ دَرَاهِم وتتلذذ. فَقَالَ لَهُ أَبُو العيناء: فَكيف عقل والدتك؟ قَالَ: أَحمَق من دغة يَا عاض كَذَا. وَعرضت لَهُ حاجةٌ إِلَى بغا، فَلَقِيَهُ، فَقَالَ: ألق الْفَتْح بن خاقَان فَلَقِيَهُ فوعده، ثمَّ لقِيه فوعده؛ فَلَمَّا كَانَ فِي الْمرة الثَّالِثَة أَلْقَاهُ على سَبِيل ضجرٍ فَقَالَ: أما علمت أَن من طَالب السُّلْطَان احْتَاجَ إِلَى ثَلَاث خلال؟ فَقَالَ: وَمَا هن؟ أعز الله الْأَمِير. قَالَ: عقلٌ وصبرٌ ومالٌ. فَقَالَ أَبُو العيناء: وَلَو كَانَ لي عقلٌ لعقلت عَن الله أمره وَنَهْيه، وَلَو كَانَ لي صبرٌ لصبرت منتظراً لرزقي أَن يأتيني، وَلَو كَانَ لي مالٌ لاستغنيت بِهِ عَن تأميل الْأَمِير، وَالْوُقُوف بِبَابِهِ. وَسَأَلَ أَحْمد بن صَالح حَاجَة فوعده، ثمَّ اقْتَضَاهُ إِيَّاهَا فَقَالَ: حَال دونهَا هَذَا الْمَطَر والوحل؛ فَقَالَ أَبُو العيناء: فحاجتي إِذا صيفية. وَدخل على عبد الرَّحْمَن بن خاقَان - وَكَانَ شاتياً - فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن: كَيفَ ترى هَذَا الْبرد يَا أَبَا عبد الله؟ فَقَالَ: تأبى نعماك أَن أَجِدهُ. وَكَانَ بِحَضْرَة عبيد الله بن سُلَيْمَان؛ فَأقبل الطَّائِي فَعرف مَجِيئه، فَقَالَ: هَذَا رجلٌ إِذا رَضِي عِشْنَا فِي نوافل فَضله، وَإِذا غضب تقوتنا بقايا بره. وَسَأَلَ إِبْرَاهِيم بن مَيْمُون حَاجَة فَدفعهُ عَنْهَا، وَاعْتذر إِلَيْهِ وأعلمه أَنه قد صدقه؛ فَقَالَ لَهُ: قد وَالله سرني صدقك؛ لعوز الصدْق عَنْك، فَمن صدقه حرمانٌ فَكيف يكون كذبه؟ .

стр. 630

وَقَالَ لبَعْضهِم: أَعْطَيْتنِي برك تفاريق، وعقوقك جملَة. وَقَالَ: رَأَيْت حمالاً قد حمل على رَأسه شَيْئا بِنصْف دِرْهَم؛ فَلَمَّا أَرَادَ الرُّجُوع اكترى إِلَى ذَلِك الْموضع حمارا بأَرْبعَة دوانيق. وَقَالَ لَهُ رجلٌ: كَانَ أَبوك أكمل مِنْك؛ فَقَالَ: إِن أبي كنت أَنا بِهِ، وَلم يَك بِي، فَهُوَ أولى بالكمال مني. وَقَالَ فِي رجلَيْنِ فسد مَا بَينهمَا: تنَازعا ثوب العقوق، مَتى صدعاه صدع الزجاجة مَا لَهَا من جَابر. قَالَ: قَالَ لي المتَوَكل: امْضِ إِلَى مُوسَى بن عبد الْملك. وَاعْتذر، وَلَا تعرفه أَنِّي وجهتك. فَقلت لَهُ: تستكتمني بِحَضْرَة ألفٍ؟ قَالَ: إِنَّمَا عَلَيْك أَن تنفذ كَمَا تُؤمر بِهِ. قلت: وَعلي أَن أحترس مِمَّا أَخَاف مِنْهُ. وَقَالَ لَهُ المتَوَكل: أَكَانَ أَبوك مثلك فِي الْبَيَان؟ قَالَ: وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو رَأَيْته لرأيت عبدا لَك لَا ترضاني عبدا لَهُ. ووعده أَبُو الصَّقْر شَيْئا وَقَالَ لَهُ: غَدا؛ فَقَالَ أَبُو العيناء: إِن الدَّهْر كُله غَد، فَهَل عنْدك موعد مخلىً من المعاريض؟ . قَالَ لَهُ رجلٌ قد حضر: قد اسْتعْمل المعاريض قومٌ صَالِحُونَ: حَدثنَا فلانٌ عَن فلانٍ. .، فَقَالَ أَبُو العيناء: من هَذَا المتحدث فِي حرماننا بِالْأَسَانِيدِ؟ . وداس رجلٌ نبتاً لَهُ وَقَالَ: باسم الله. فَقَالَ: لم ترض بذبحها حَتَّى تذكيتها. وداس آخر يَده، وَقَالَ: باسم الله. فَقَالَ: الْبَقَرَة تذبح وَيَقُول ذابحها: باسم الله. وشكا إِلَيْهِ رجلٌ ابْنه؛ فَقَالَ أَبُو العيناء: لقد دخل فِي الْعدَد وَخرج من الْعدَد. ولقيه بعض الْكتاب فِي السحر؛ فَقَالَ لَهُ مُتَعَجِّبا مِنْهُ وَمن بكوره: يَا أَبَا عبد الله، أتبكر فِي مثل هَذَا الْوَقْت؟ فَقَالَ: أتشاركني فِي الْفِعْل، وتفردني فِي المتعجب؟ .

стр. 631

وَدخل على مُحَمَّد بن عبد الْملك، فَجعل لَا يكلمهُ إِلَّا بأطرافه؛ فَقَالَ: إِن من حق نعمه أَن تجْعَل البسطة لأهل الْحَاجة إِلَيْك، فَإِن من أوحش انقبض عَن الْمَسْأَلَة، وبكثرة الْمَسْأَلَة مَعَ النجح يَدُوم السرُور. فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد: أما إِنِّي أعرفك فضولياً كثير الْكَلَام وَأمر بِهِ إِلَى الْحَبْس؛ فَكتب إِلَيْهِ: قد علمت أَن الْحَبْس لم يكن من جرمٍ تقدم إِلَيْك، وَلَكِن أَحْبَبْت أَن تريني مِقْدَار قدرتك عَليّ؛ لِأَن كل جديدٍ يستلذ، وَلَا بَأْس أَن ترينا من عفوك حسب مَا أريتنا من قدرتك. فَأمر بِإِطْلَاقِهِ، ثمَّ لقِيه بعد أيامٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا العيناء، مَا تَزُورنَا حسب نيتنا فِيك؟ . فَقَالَ: أما نيتك فمتأكدة، وَلَكِن أرى أَن الَّذِي جدد الاستبطاء فرَاغ حَبسك، فَأَحْبَبْت أَن تشغله بِي. وَاعْتَرضهُ يَوْمًا أَحْمد بن سعيد، فَسلم عَلَيْهِ؛ فَقَالَ أَبُو العيناء: من أَنْت؟ قَالَ: أَحْمد بن سعيد؛ فَقَالَ: إِنِّي بك لعارف، وَلَكِن عهدي بصوتك يرْتَفع إِلَيّ من أَسْفَل، فَمَاله ينحدر عَليّ من علو؟ قَالَ: لِأَنِّي رَاكب. قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله. لعهدي بك وَأَنت فِي طمرين لَو أَقْسَمت على الله فِي رغيفٍ لأعضك بِمَا تكره. وَقَالَ يَوْمًا لِعبيد الله بن سُلَيْمَان: إِلَى كم يرفعني الْوَزير، وَلَا يرفع بِي رَأْسا؟ . وَقَالَ لَهُ يَوْمًا: كَيفَ حالك؟ فَقَالَ: أَنْت الْحَال، فَإِذا صلحت صلحت. وقربه يَوْمًا؛ فَقَالَ: تقريب الْوَلِيّ وحرومان الْعَدو. وَقيل لَهُ: أتشرب النَّبِيذ؟ فَقَالَ: " وَمن يرغب عَن مِلَّة إِبْرَاهِيم إِلَّا من سفه نَفسه ". وَقَالَ يَوْمًا لِعبيد الله بن يحيى: أَيهَا الْوَزير، قد برح بِي حجابك؛ فَقَالَ لَهُ: ارْفُقْ. فَقَالَ: لَو رفق بِي فعلك رفق بك قولي. وَقَالَ يَوْمًا لعيسى بن فرخانشاه، وَقد بَالغ أَحْمد بن الْمُدبر: أتبالغه، وَشطر اسْمك عني، وَمَا بَقِي فثلثا مسي؟ . وَقيل: لَا تعجل، فَإِن العجلة من الشَّيْطَان؛ فَقَالَ: لَو كَانَ كَذَلِك لما قَالَ مُوسَى ﵇: " وعجلت إِلَيْك رب لترضى ".

стр. 632

قَالَ ابْن وثاب لأبي العيناء يَوْمًا: أَنا وَالله أحبك بكليتي. فَقَالَ أَبُو العيناء: إِلَّا عضوٌ واحدٌ مِنْك أيدك الله؛ فَبلغ ذَلِك ابْن أبي دواد، فَقَالَ: قد وفْق فِي التَّحْدِيد عَلَيْهِ. وَقَالَ: أَنا أول من أظهر العقوق بِالْبَصْرَةِ. قَالَ لي أبي: يَا بني؛ إِن الله قرن طَاعَته بطاعتي؛ فَقَالَ: " اشكر لي ولوالديك ". فَقلت: يَا أَبَت إِن الله ائتمنني عَلَيْك، وَلم يأتمنك عَليّ؛ فَقَالَ: " وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم خشيَة إملاق ". وَقبل يَد سُلَيْمَان بن وهب؛ فَقَالَ: أَنا أرفعك عَن هَذَا. فَقَالَ أَبُو العيناء: أترفعني عَمَّا يرْتَفع النَّاس إِلَيْهِ؟ . وَقيل لَهُ: مَا تَقول فِي مَالك بن طوق؟ فَقَالَ: لَو كَانَ فِي زمَان بني إِسْرَائِيل، ثمَّ نزلت آيَة الْبَقَرَة مَا ذَبَحُوا غَيره. وَقَالَ لبَعض الْكتاب: وَالله مَا هُوَ إِلَّا أَن يزيلك الْقدر عَن الْقُدْرَة حَتَّى تحصل على المذمة وَالْحَسْرَة. وَقَالَ: فلج بعض المجان، فرأيته وَهُوَ يَأْكُل سمكًا ولبناً، فعاتبته على ذَلِك؛ فَقَالَ: آمن مَا يكون الطَّرِيق إِذا قطع. وَقَالَ: مَا لقى إِبْلِيس من المبلغين كلما نسوا لعنوه. وَدخل على المتَوَكل وَهُوَ يَبْنِي الْجَعْفَرِي؛ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا العيناء؛ كَيفَ ترى دَارنَا؟ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، النَّاس يبنون الدّور فِي الدُّنْيَا، وَأَنت تبني الدُّنْيَا فِي دَارك. وَسَأَلَهُ المتَوَكل عَن مَيْمُون بن إِبْرَاهِيم صَاحب الْبَرِيد، فَقَالَ: يَد تسرق، واستٌ تضرط، مثله مثل يهوديٍّ سرق نصف جزيته، فَلهُ إقدامٌ بِمَا أدّى، وإحجامٌ بِمَا أبقى، إساءته عمدٌ، وإحسانه تكلّف. وَتكلم ابْن ثوابة يَوْمًا فتقعر ثمَّ لحن؛ فَقَالَ لَهُ أَبُو العيناء: تقعرت حَتَّى خفتك، ثمَّ تكشفت حَتَّى عفتك. وَقَالَ لَهُ أَبُو الصَّقْر: مَا أخرك عَنَّا؟ قَالَ: سرق حماري، وكرهت مِنْهُ العواري، وذلة المكاري.

стр. 633

قَالَ يَوْمًا لجارية مغنية: أَنا أشتهي أَن أييكك. قَالَت: ذَاك يَوْم عماك. قَالَ: يَا ستي؛ فالساعة بِالنَّقْدِ فقد سبق الشَّرْط - يَعْنِي: الْعَمى. قَالَ: قلت لغلامي وَقد رَأَيْت فِي السُّوق مشجباً: اشْتَرِ لنا هَذَا المشجب. فَقَالَ: يَا سَيِّدي فَمَا تلبس إِذا ألقيت ثِيَابك على المشجب؟ . بَات أَبُو العيناء عِنْد ابْن مكرم، فَجعل ابْن مكرم يفسو عَلَيْهِ، فَقَامَ أَبُو العيناء وَصعد السرير، فارتفع إِلَيْهِ فساؤه، فَصَعدَ السَّطْح فبلغته رَائِحَته، فَقَالَ: يَا بن الفاعلة، مَا فساؤك إِلَّا دَعْوَة مظلوم. وَذكر أَبُو العيناء للْعَبَّاس بن رستم، فَقَالَ: لَيْسَ تهضمه معدتي، وتأدى ذَلِك إِلَى أبي العيناء؛ فَقَالَ: قل لَهُ: إِن كَانَ من تحب يجب أَن تهضمه معدتك فَيجب أَن تكون قد سحت أَبَاك وأمك مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة. وَكَانَ أَبُو العيناء فِي مجْلِس، وَإِلَى جنبه مغنٍّ باردٌ، فَأقبل على أبي العيناء وَقَالَ: يَا سَيِّدي كم بَيْننَا وَبَين الشتَاء؟ قَالَ: هَذِه المسورة. دَعَا أَبُو العيناء بعض أصدقائه، فَقَالَ: أتوضأ وأجيئك. فَقَالَ: أخْشَى أَلا ترجع إِن ذهبت تتوضأ. قَالَ: وَلم؟ قَالَ: لِأَنَّك كَمَا أَنْت وضوء. وَقَالَ لَهُ يَوْمًا ابْن مكرم: يَا أَبَا العيناء، كل شَيْء لَك من النَّاس حَتَّى أولادك. وَقَالَ أَبُو العيناء فِي ابْن مكرم: هُوَ إِذا غزا فمطية جنده، وَإِذا قفل فظعينة عَبده. أهْدى أَبُو عَليّ الْبَصِير إِلَى أبي العيناء كيرينجات، وَكتب عَلَيْهَا: " ادخلوها بسلامٍ آمِنين " فَردهَا وَكتب عَلَيْهَا: " فرددناه إِلَى أمه كي تقر عينهَا ". وَقَالَ لرجل: مَا بَال الأحمق يرْزق والأديب يحرم؟ فَقَالَ: إِن هَذِه الدُّنْيَا لدار اختبارٍ، فَأحب الرازق أَن يعلمهُمْ أَن الْأُمُور لَيست إِلَيْهِم. وَقَالَ أَبُو العيناء: غلات السوَاد كلهَا تبَاع بكف المودح فَهَلا اكْتفى من ذَلِك بنقر يسير.

стр. 634

قيل لَهُ: كَيفَ تركت فلَانا مَعَ قومه؟ قَالَ: " يعدهم ويمنيهم، وَمَا يعدهم الشَّيْطَان إِلَّا غرُورًا ". وَقَالَ لَهُ أَبُو عَليّ الْبَصِير: فِي أَي وَقت ولدت؟ قَالَ: قبل طُلُوع الشَّمْس، قَالَ: لذَلِك خرجت سَائِلًا؛ لِأَنَّهُ وَقت انتشار السُّؤَال. وَقَالَ أَبُو العيناء لرئيسٍ كَانَ عِنْده وَهُوَ يخْفض كَلَامه: كَأَنَّك قد طِفْل بك فِي مَنْزِلك. وَقدم إِلَيْهِ ابْن مكرم جنب شواءٍ. قَالَ: لَيْسَ هَذَا جنبا، هَذَا شريحة قصب. وَذكر ولد عِيسَى بن مُوسَى، فَقَالَ: كَأَن آنفهم قبورٌ نصبت على غير الْقبْلَة. وَدخل على إِسْمَاعِيل القَاضِي، وَجعل يرد عَلَيْهِ إِذا غلط أعزه الله؟ ، كَأَنَّك أحطت بِمَا لم يحط بِهِ، فَقَالَ: نعم، لم لَا أرد على القَاضِي؟ ، وَقد رد الهدهد على سُلَيْمَان؛ فَقَالَ: " أحطت بِمَا لم تحط بِهِ " وَأَنا أعلم من الهدهد، وَسليمَان أعلم من القَاضِي. وَقَالَ رجل: مَا أنتن إبطك قَالَ: نلقاك - أعزّك الله - بِمَا يشبهك. وَقَالَ لَهُ رجلٌ من ولد سعيد بن مُسلم: إِن أبي يبغضك. فَقَالَ: يَا بني؛ إِن لي أُسْوَة بآل مُحَمَّد ﷺ . وَقَالَ لرجل: وَالله مَا فِيك من الْعقل شيءٌ إِلَّا مِقْدَار مَا تجب بِهِ الْحجَّة عَلَيْك، وَالنَّار لَك. قَالَ أَبُو العيناء: وصفت الحمامات بِحَضْرَة ابْن عتابٍ، فَقَالَ: دَعونِي من هَذَا. مَا قَامَت النِّسَاء عَن حمامٍ أطيب من حمام أَصْحَاب الْخَنَا. قَالَ المتَوَكل: لَوْلَا ذهَاب بصر أبي العيناء لأردت منادمته، وبلغه ذَلِك، فَقَالَ: قُولُوا لَهُ: إِنِّي إِن أعفيت من قِرَاءَة نقوش الْخَوَاتِم، ورؤية الْأَهِلّة صلحت لغير ذَلِك. وأنهى ذَلِك إِلَى المتَوَكل فَضَحِك وَأمر بمنادمته. قَالَ أَبُو العيناء: سَمِعت جاراً لي أحمقٌ وَهُوَ يَقُول لجارٍ لَهُ: وَالله لهممت أَن أوكل بك من يصفع رقبتك، وَيخرج هَذِه الجفون من أقْصَى حجرٍ بخراسان.

стр. 635

وَدخل إِلَى ابْن مكرمٍ؛ فَقَالَ لَهُ: كَيفَ أَنْت؟ قَالَ: كَمَا تحب؛ فَقَالَ: فَلم أَنْت مُطلق؟ . من رسائل أبي العيناء وَكَلَامه المستحسن كتب إِلَى أبي الْوَلِيد بن أبي دواد: جعلت فدَاك، مسنا وأهلنا الضّر، وبضاعتنا الْمَوَدَّة وَالشُّكْر؛ فَإِن تُعْطِنَا أكن كَمَا قَالَ الشَّاعِر: أَنا الشهَاب الَّذِي يحمي دِيَاركُمْ ... لَا يخمد الدَّهْر إِلَّا ضوءه يقد. وَإِن لم تفعل فلسنا مِمَّن يَلْمِزك فِي الصَّدقَات؛ " فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا وَإِن لم يُعْطوا مِنْهَا إِذا هم يسخطون ". قَالَ ابْن مكرم: من زعم أَن عبد الحميد أكتب من أبي العيناء إِذا أحس بكرمٍ أَو شرع فِي طمعٍ فقد وهم. كتب إِلَى عبيد الله بن سُلَيْمَان وَقد نكبه وأباه الْمُعْتَمد، وهما مطالبان بمالٍ، يبيعان لَهُ مَا يملكَانِ من عقار وأثاثٍ، وعبدٍ وأمةٍ. وَأعْطى بخادمٍ أسود لِعبيد الله خَمْسُونَ دِينَارا؛ فَكتب إِلَيْهِ أَبُو العيناء: قد علمت - أَطَالَ الله بَقَاءَك - أَن الْكَرِيم المنكوب أجدى على الْأَحْرَار من اللَّئِيم الموفور لِأَن اللَّئِيم يزِيد مَعَ النِّعْمَة لؤماً، وَلَا تزيد محنة الْكَرِيم إِلَّا كرماً، هَذَا متكلٌ على رازقه، وَهَذَا يسيء الظَّن بخالقه. وَعَبْدك إِلَى ملك كافورٍ فقيرٌ، وثمنه على مَا اتَّصل بِهِ يسير؛ فَإِن سمحت فَتلك مِنْك عادتي، وَإِن أمرت بِأخذ ثمنه فمالك مِنْهُ مادتي. أدام الله لنا دولتك، واستقبل بِالنعْمَةِ نكبتك، وأدام عزك وكرامتك. فوهب الْخَادِم إِلَيْهِ. قَالَ أَبُو العيناء: قَالَ ملكٌ لِبَنِيهِ: صفوا لي شهواتكم من النِّسَاء. فَقَالَ الْأَكْبَر: تعجبني القدود والخدود والنهود. وَقَالَ الْأَوْسَط: تعجبني الْأَطْرَاف والأعطاف والأرداف. وَقَالَ الْأَصْغَر: تعجبني الشُّعُور والثغور والنحور. كَانَ بَين أبي العيناء وَبَين إِبْرَاهِيم بن رَبَاح خلة ومودة وصداقةٌ قديمَة؛ فَلَمَّا نكب مَعَ الْكتاب فِي أول خلَافَة الواثق أنشأ أَبُو العيناء كلَاما حَكَاهُ عَن
следующие страницы →