← Адаб

Адаб · id 7853

نثر الدر في المحاضرات

الآبي

Полный текст (1 737 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وَدخل على مُحَمَّد بن عبد الْملك، فَجعل لَا يكلمهُ إِلَّا بأطرافه؛ فَقَالَ: إِن من حق نعمه أَن تجْعَل البسطة لأهل الْحَاجة إِلَيْك، فَإِن من أوحش انقبض عَن الْمَسْأَلَة، وبكثرة الْمَسْأَلَة مَعَ النجح يَدُوم السرُور. فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد: أما إِنِّي أعرفك فضولياً كثير الْكَلَام وَأمر بِهِ إِلَى الْحَبْس؛ فَكتب إِلَيْهِ: قد علمت أَن الْحَبْس لم يكن من جرمٍ تقدم إِلَيْك، وَلَكِن أَحْبَبْت أَن تريني مِقْدَار قدرتك عَليّ؛ لِأَن كل جديدٍ يستلذ، وَلَا بَأْس أَن ترينا من عفوك حسب مَا أريتنا من قدرتك. فَأمر بِإِطْلَاقِهِ، ثمَّ لقِيه بعد أيامٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا العيناء، مَا تَزُورنَا حسب نيتنا فِيك؟ . فَقَالَ: أما نيتك فمتأكدة، وَلَكِن أرى أَن الَّذِي جدد الاستبطاء فرَاغ حَبسك، فَأَحْبَبْت أَن تشغله بِي. وَاعْتَرضهُ يَوْمًا أَحْمد بن سعيد، فَسلم عَلَيْهِ؛ فَقَالَ أَبُو العيناء: من أَنْت؟ قَالَ: أَحْمد بن سعيد؛ فَقَالَ: إِنِّي بك لعارف، وَلَكِن عهدي بصوتك يرْتَفع إِلَيّ من أَسْفَل، فَمَاله ينحدر عَليّ من علو؟ قَالَ: لِأَنِّي رَاكب. قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله. لعهدي بك وَأَنت فِي طمرين لَو أَقْسَمت على الله فِي رغيفٍ لأعضك بِمَا تكره. وَقَالَ يَوْمًا لِعبيد الله بن سُلَيْمَان: إِلَى كم يرفعني الْوَزير، وَلَا يرفع بِي رَأْسا؟ . وَقَالَ لَهُ يَوْمًا: كَيفَ حالك؟ فَقَالَ: أَنْت الْحَال، فَإِذا صلحت صلحت. وقربه يَوْمًا؛ فَقَالَ: تقريب الْوَلِيّ وحرومان الْعَدو. وَقيل لَهُ: أتشرب النَّبِيذ؟ فَقَالَ: " وَمن يرغب عَن مِلَّة إِبْرَاهِيم إِلَّا من سفه نَفسه ". وَقَالَ يَوْمًا لِعبيد الله بن يحيى: أَيهَا الْوَزير، قد برح بِي حجابك؛ فَقَالَ لَهُ: ارْفُقْ. فَقَالَ: لَو رفق بِي فعلك رفق بك قولي. وَقَالَ يَوْمًا لعيسى بن فرخانشاه، وَقد بَالغ أَحْمد بن الْمُدبر: أتبالغه، وَشطر اسْمك عني، وَمَا بَقِي فثلثا مسي؟ . وَقيل: لَا تعجل، فَإِن العجلة من الشَّيْطَان؛ فَقَالَ: لَو كَانَ كَذَلِك لما قَالَ مُوسَى ﵇: " وعجلت إِلَيْك رب لترضى ".

стр. 632

قَالَ ابْن وثاب لأبي العيناء يَوْمًا: أَنا وَالله أحبك بكليتي. فَقَالَ أَبُو العيناء: إِلَّا عضوٌ واحدٌ مِنْك أيدك الله؛ فَبلغ ذَلِك ابْن أبي دواد، فَقَالَ: قد وفْق فِي التَّحْدِيد عَلَيْهِ. وَقَالَ: أَنا أول من أظهر العقوق بِالْبَصْرَةِ. قَالَ لي أبي: يَا بني؛ إِن الله قرن طَاعَته بطاعتي؛ فَقَالَ: " اشكر لي ولوالديك ". فَقلت: يَا أَبَت إِن الله ائتمنني عَلَيْك، وَلم يأتمنك عَليّ؛ فَقَالَ: " وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم خشيَة إملاق ". وَقبل يَد سُلَيْمَان بن وهب؛ فَقَالَ: أَنا أرفعك عَن هَذَا. فَقَالَ أَبُو العيناء: أترفعني عَمَّا يرْتَفع النَّاس إِلَيْهِ؟ . وَقيل لَهُ: مَا تَقول فِي مَالك بن طوق؟ فَقَالَ: لَو كَانَ فِي زمَان بني إِسْرَائِيل، ثمَّ نزلت آيَة الْبَقَرَة مَا ذَبَحُوا غَيره. وَقَالَ لبَعض الْكتاب: وَالله مَا هُوَ إِلَّا أَن يزيلك الْقدر عَن الْقُدْرَة حَتَّى تحصل على المذمة وَالْحَسْرَة. وَقَالَ: فلج بعض المجان، فرأيته وَهُوَ يَأْكُل سمكًا ولبناً، فعاتبته على ذَلِك؛ فَقَالَ: آمن مَا يكون الطَّرِيق إِذا قطع. وَقَالَ: مَا لقى إِبْلِيس من المبلغين كلما نسوا لعنوه. وَدخل على المتَوَكل وَهُوَ يَبْنِي الْجَعْفَرِي؛ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا العيناء؛ كَيفَ ترى دَارنَا؟ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، النَّاس يبنون الدّور فِي الدُّنْيَا، وَأَنت تبني الدُّنْيَا فِي دَارك. وَسَأَلَهُ المتَوَكل عَن مَيْمُون بن إِبْرَاهِيم صَاحب الْبَرِيد، فَقَالَ: يَد تسرق، واستٌ تضرط، مثله مثل يهوديٍّ سرق نصف جزيته، فَلهُ إقدامٌ بِمَا أدّى، وإحجامٌ بِمَا أبقى، إساءته عمدٌ، وإحسانه تكلّف. وَتكلم ابْن ثوابة يَوْمًا فتقعر ثمَّ لحن؛ فَقَالَ لَهُ أَبُو العيناء: تقعرت حَتَّى خفتك، ثمَّ تكشفت حَتَّى عفتك. وَقَالَ لَهُ أَبُو الصَّقْر: مَا أخرك عَنَّا؟ قَالَ: سرق حماري، وكرهت مِنْهُ العواري، وذلة المكاري.

стр. 633

قَالَ يَوْمًا لجارية مغنية: أَنا أشتهي أَن أييكك. قَالَت: ذَاك يَوْم عماك. قَالَ: يَا ستي؛ فالساعة بِالنَّقْدِ فقد سبق الشَّرْط - يَعْنِي: الْعَمى. قَالَ: قلت لغلامي وَقد رَأَيْت فِي السُّوق مشجباً: اشْتَرِ لنا هَذَا المشجب. فَقَالَ: يَا سَيِّدي فَمَا تلبس إِذا ألقيت ثِيَابك على المشجب؟ . بَات أَبُو العيناء عِنْد ابْن مكرم، فَجعل ابْن مكرم يفسو عَلَيْهِ، فَقَامَ أَبُو العيناء وَصعد السرير، فارتفع إِلَيْهِ فساؤه، فَصَعدَ السَّطْح فبلغته رَائِحَته، فَقَالَ: يَا بن الفاعلة، مَا فساؤك إِلَّا دَعْوَة مظلوم. وَذكر أَبُو العيناء للْعَبَّاس بن رستم، فَقَالَ: لَيْسَ تهضمه معدتي، وتأدى ذَلِك إِلَى أبي العيناء؛ فَقَالَ: قل لَهُ: إِن كَانَ من تحب يجب أَن تهضمه معدتك فَيجب أَن تكون قد سحت أَبَاك وأمك مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة. وَكَانَ أَبُو العيناء فِي مجْلِس، وَإِلَى جنبه مغنٍّ باردٌ، فَأقبل على أبي العيناء وَقَالَ: يَا سَيِّدي كم بَيْننَا وَبَين الشتَاء؟ قَالَ: هَذِه المسورة. دَعَا أَبُو العيناء بعض أصدقائه، فَقَالَ: أتوضأ وأجيئك. فَقَالَ: أخْشَى أَلا ترجع إِن ذهبت تتوضأ. قَالَ: وَلم؟ قَالَ: لِأَنَّك كَمَا أَنْت وضوء. وَقَالَ لَهُ يَوْمًا ابْن مكرم: يَا أَبَا العيناء، كل شَيْء لَك من النَّاس حَتَّى أولادك. وَقَالَ أَبُو العيناء فِي ابْن مكرم: هُوَ إِذا غزا فمطية جنده، وَإِذا قفل فظعينة عَبده. أهْدى أَبُو عَليّ الْبَصِير إِلَى أبي العيناء كيرينجات، وَكتب عَلَيْهَا: " ادخلوها بسلامٍ آمِنين " فَردهَا وَكتب عَلَيْهَا: " فرددناه إِلَى أمه كي تقر عينهَا ". وَقَالَ لرجل: مَا بَال الأحمق يرْزق والأديب يحرم؟ فَقَالَ: إِن هَذِه الدُّنْيَا لدار اختبارٍ، فَأحب الرازق أَن يعلمهُمْ أَن الْأُمُور لَيست إِلَيْهِم. وَقَالَ أَبُو العيناء: غلات السوَاد كلهَا تبَاع بكف المودح فَهَلا اكْتفى من ذَلِك بنقر يسير.

стр. 634

قيل لَهُ: كَيفَ تركت فلَانا مَعَ قومه؟ قَالَ: " يعدهم ويمنيهم، وَمَا يعدهم الشَّيْطَان إِلَّا غرُورًا ". وَقَالَ لَهُ أَبُو عَليّ الْبَصِير: فِي أَي وَقت ولدت؟ قَالَ: قبل طُلُوع الشَّمْس، قَالَ: لذَلِك خرجت سَائِلًا؛ لِأَنَّهُ وَقت انتشار السُّؤَال. وَقَالَ أَبُو العيناء لرئيسٍ كَانَ عِنْده وَهُوَ يخْفض كَلَامه: كَأَنَّك قد طِفْل بك فِي مَنْزِلك. وَقدم إِلَيْهِ ابْن مكرم جنب شواءٍ. قَالَ: لَيْسَ هَذَا جنبا، هَذَا شريحة قصب. وَذكر ولد عِيسَى بن مُوسَى، فَقَالَ: كَأَن آنفهم قبورٌ نصبت على غير الْقبْلَة. وَدخل على إِسْمَاعِيل القَاضِي، وَجعل يرد عَلَيْهِ إِذا غلط أعزه الله؟ ، كَأَنَّك أحطت بِمَا لم يحط بِهِ، فَقَالَ: نعم، لم لَا أرد على القَاضِي؟ ، وَقد رد الهدهد على سُلَيْمَان؛ فَقَالَ: " أحطت بِمَا لم تحط بِهِ " وَأَنا أعلم من الهدهد، وَسليمَان أعلم من القَاضِي. وَقَالَ رجل: مَا أنتن إبطك قَالَ: نلقاك - أعزّك الله - بِمَا يشبهك. وَقَالَ لَهُ رجلٌ من ولد سعيد بن مُسلم: إِن أبي يبغضك. فَقَالَ: يَا بني؛ إِن لي أُسْوَة بآل مُحَمَّد ﷺ . وَقَالَ لرجل: وَالله مَا فِيك من الْعقل شيءٌ إِلَّا مِقْدَار مَا تجب بِهِ الْحجَّة عَلَيْك، وَالنَّار لَك. قَالَ أَبُو العيناء: وصفت الحمامات بِحَضْرَة ابْن عتابٍ، فَقَالَ: دَعونِي من هَذَا. مَا قَامَت النِّسَاء عَن حمامٍ أطيب من حمام أَصْحَاب الْخَنَا. قَالَ المتَوَكل: لَوْلَا ذهَاب بصر أبي العيناء لأردت منادمته، وبلغه ذَلِك، فَقَالَ: قُولُوا لَهُ: إِنِّي إِن أعفيت من قِرَاءَة نقوش الْخَوَاتِم، ورؤية الْأَهِلّة صلحت لغير ذَلِك. وأنهى ذَلِك إِلَى المتَوَكل فَضَحِك وَأمر بمنادمته. قَالَ أَبُو العيناء: سَمِعت جاراً لي أحمقٌ وَهُوَ يَقُول لجارٍ لَهُ: وَالله لهممت أَن أوكل بك من يصفع رقبتك، وَيخرج هَذِه الجفون من أقْصَى حجرٍ بخراسان.

стр. 635

وَدخل إِلَى ابْن مكرمٍ؛ فَقَالَ لَهُ: كَيفَ أَنْت؟ قَالَ: كَمَا تحب؛ فَقَالَ: فَلم أَنْت مُطلق؟ . من رسائل أبي العيناء وَكَلَامه المستحسن كتب إِلَى أبي الْوَلِيد بن أبي دواد: جعلت فدَاك، مسنا وأهلنا الضّر، وبضاعتنا الْمَوَدَّة وَالشُّكْر؛ فَإِن تُعْطِنَا أكن كَمَا قَالَ الشَّاعِر: أَنا الشهَاب الَّذِي يحمي دِيَاركُمْ ... لَا يخمد الدَّهْر إِلَّا ضوءه يقد. وَإِن لم تفعل فلسنا مِمَّن يَلْمِزك فِي الصَّدقَات؛ " فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا وَإِن لم يُعْطوا مِنْهَا إِذا هم يسخطون ". قَالَ ابْن مكرم: من زعم أَن عبد الحميد أكتب من أبي العيناء إِذا أحس بكرمٍ أَو شرع فِي طمعٍ فقد وهم. كتب إِلَى عبيد الله بن سُلَيْمَان وَقد نكبه وأباه الْمُعْتَمد، وهما مطالبان بمالٍ، يبيعان لَهُ مَا يملكَانِ من عقار وأثاثٍ، وعبدٍ وأمةٍ. وَأعْطى بخادمٍ أسود لِعبيد الله خَمْسُونَ دِينَارا؛ فَكتب إِلَيْهِ أَبُو العيناء: قد علمت - أَطَالَ الله بَقَاءَك - أَن الْكَرِيم المنكوب أجدى على الْأَحْرَار من اللَّئِيم الموفور لِأَن اللَّئِيم يزِيد مَعَ النِّعْمَة لؤماً، وَلَا تزيد محنة الْكَرِيم إِلَّا كرماً، هَذَا متكلٌ على رازقه، وَهَذَا يسيء الظَّن بخالقه. وَعَبْدك إِلَى ملك كافورٍ فقيرٌ، وثمنه على مَا اتَّصل بِهِ يسير؛ فَإِن سمحت فَتلك مِنْك عادتي، وَإِن أمرت بِأخذ ثمنه فمالك مِنْهُ مادتي. أدام الله لنا دولتك، واستقبل بِالنعْمَةِ نكبتك، وأدام عزك وكرامتك. فوهب الْخَادِم إِلَيْهِ. قَالَ أَبُو العيناء: قَالَ ملكٌ لِبَنِيهِ: صفوا لي شهواتكم من النِّسَاء. فَقَالَ الْأَكْبَر: تعجبني القدود والخدود والنهود. وَقَالَ الْأَوْسَط: تعجبني الْأَطْرَاف والأعطاف والأرداف. وَقَالَ الْأَصْغَر: تعجبني الشُّعُور والثغور والنحور. كَانَ بَين أبي العيناء وَبَين إِبْرَاهِيم بن رَبَاح خلة ومودة وصداقةٌ قديمَة؛ فَلَمَّا نكب مَعَ الْكتاب فِي أول خلَافَة الواثق أنشأ أَبُو العيناء كلَاما حَكَاهُ عَن

стр. 636

بعض الْأَعْرَاب؛ فَلَمَّا وصل إِلَى الواثق وَقُرِئَ عَلَيْهِ. قَالَ: وَاضع هَذَا الْكَلَام مَا أَرَادَ بِهِ غير إِبْرَاهِيم بن رَبَاح، وَكَانَ أحد أَسبَاب الرِّضَا عَنهُ. ونسخة الْكَلَام: قَالَ: لقِيت أَعْرَابِيًا من أهل الْبَادِيَة، فَقلت: مَا عنْدك من خبر الْبِلَاد؟ قَالَ: قتل أَرضًا عالمها. قلت: فَمَا عنْدك من خبر الْخَلِيفَة؟ قَالَ: تبحبح فِي عزةٍ فَضرب بجرانه، وَأخذ الدِّرْهَم من مصره، وأرعف كل قلم خيانته. قلت: فَمَا عنْدك من خبر ابْن أبي دواد؟ قَالَ: عضلةٌ لَا تطاق، وجندلةٌ لَا ترام، ينتحى بالمدى لنحره فتحور، وتنصب لَهُ الحبائل حَتَّى يَقُول: الْآن، ثمَّ يضبر ضبرة الذِّئْب، ويتملس تملس الضَّب، والخليفة يحنو عَلَيْهِ، وَالْعراق يَأْخُذ بضبعيه. قلت: فَمَا عنْدك من خبر عمر بن فرج؟ فَقَالَ: ضخامٌ حضجر وغضوبٌ هزبرٌ، قد أهدفه الْقَوْم لبغيهم، وانتضوا لَهُ عَن قسيهم، وأحر لَهُ بِمثل مصرع من يصرع مِنْهُم. قلت: فَمَا عنْدك من خبر ابْن الزيات؟ قَالَ: ذَاك رجلٌ وسع الورى بشره، وبطن بالأمور خَبره، فَلهُ فِي كل يومٍ صريعٌ لَا تظهر فِيهِ آثَار مخلبٍ وَلَا نابٍ، إِلَّا بتسديد الرَّأْي. قلت: فَمَا عنْدك من خبر إِبْرَاهِيم بن رَبَاح؟ قَالَ: ذَاك رجلٌ أوبقه كرمه، وَإِن يفز للكرام قدحٌ فأحر بمنجاته، وَمَعَهُ دعاءٌ لَا يَخْذُلهُ، وفوقه خليفةٌ لَا يَظْلمه. قلت: فَمَا عنْدك من خبر نجاح بن سَلمَة؟ قَالَ: لَا دره من خافض أوتادٍ، يقد كَأَنَّهُ لَهب نارٍ، لَهُ فِي الفينة بعد الفينة جلْسَة عِنْد الْخَلِيفَة كحسوة طَائِر، أَو كخلسة سَارِق، يقوم عَنْهَا، وَقد أَفَادَ نعما، وأوقع نقما. قلت: فَمَا عنْدك من خبر الْفضل بن مَرْوَان؟ قَالَ: ذَاك رجلٌ حشر بعد مَا قبر، فَلهُ نشرة الْأَحْيَاء، وَفِيه خفوت الْمَوْتَى.

стр. 637

قلت: فَمَا عنْدك من خبر أبي الْوَزير فَقَالَ: إخَاله كَبْش الزَّنَادِقَة. أَلا ترى أَن الْخَلِيفَة إِذا أهمله خضم فرتع، حَتَّى إِذا أَمر بنقضه أمطر فأمرع؟ . قلت: فَمَا عنْدك من خبر أَحْمد بن الخصيب؟ فَقَالَ: أَحْمد أكل أَكلَة نهم؛ فأخلف خلفة بشم. قلت: فَمَا عنْدك من خبر الْمُعَلَّى بن أَيُّوب؟ قَالَ: ذَاك رجلٌ قد من صَخْرَة، فصبره صبرها، ومسه مَسهَا. قلت: فَمَا عنْدك من خبر أَحْمد بن إِسْرَائِيل؟ قَالَ: كتومٌ غرورٌ، وجلدٌ صبورٌ، لَهُ جلد نمر، كلما قدوا لَهُ إهاباً أنشأ الله لَهُ إهاباً. قلت: فَمَا عنْدك من خبر عبد الله بن يَعْقُوب؟ قَالَ: " أمواتٌ غير أحياءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يبعثون ". قلت: فَمَا عنْدك من خبر سُلَيْمَان بن وهب؟ فَقَالَ: ذَاك رجلٌ اتَّخذهُ السُّلْطَان أَخا، فَاتخذ نَفسه للسُّلْطَان عبدا. قلت: فَمَا عنْدك من خبر أَخِيه الْحسن؟ : فَقَالَ: شدّ مَا استنوقت مسألتك ذَاك حرمةٌ حبست بجريرة المجرم، لَيْسَ فِي الْقَوْم فِي خلٍّ وَلَا خمرٍ، هَيْهَات: كتب الْحَبْس وَالْخَرَاج عَلَيْهِم ... وعَلى الْمُحْصنَات جر الذيول قَالَ: قلت: أَيْن مَنْزِلك فأؤمك؟ قَالَ: مَا لي منزلٌ. إِنَّمَا أستتر فِي اللَّيْل إِذا الْتبس، وَأظْهر فِي النَّهَار إِذا تنفس. وَهَذَا كلامٌ لأبي العيناء، نسبه إِلَى جماعةٍ من كتاب الحضرة وَغَيرهم فِي ذمّ أَحْمد بن الخصيب وَزِير المستعين، قَالَ: ذكر عِنْد أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر أَحْمد بن الخصيب؛ فَقَالَ: مَا زَالَ يخرق وَلَا يرقع، وَمَا زلت مُنْذُ ارْتَفع، أَتَذكر الَّذِي فِيهِ وَقع.

стр. 638

وَذكر بغا؛ فَقَالَ: أبطرته النِّعْمَة، فعاجلته النقمَة. وَذكر جَعْفَر بن عبد الْوَاحِد فَقَالَ: أحسن حَسَنَاته سيئةٌ، وأصغر سيئاته كَبِيرَة. وَذكر هَارُون بن عِيسَى فَقَالَ: كَانَت دولته دولة المجانين خرجت من الدُّنْيَا وَالدّين. وَذكر عبد الله بن مُحَمَّد بن دَاوُد الْهَاشِمِي الْمَعْرُوف بأترجة، فَقَالَ: بعد من الشّرف فتحامل عَلَيْهِ، وَقرب من ضلٍّ فَمَال إِلَيْهِ. وَذكر إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم المصعبي؛ فَقَالَ: مَا كَانَ أتم شرته، إِن دَنَوْت مِنْهُ غَرَّك، وَإِن بَعدت مِنْهُ ضرك. وَذكره وصيف فَقَالَ ترك الْعُقَلَاء على يأسٍ من مرتبته، والجهال على رجاءٍ لدرجته، وَذكره مُوسَى بن بغا؛ فَقَالَ: لَوْلَا أَن الْقدر يغشي الْبَصَر مَا نهى بَيْننَا وَلَا أَمر. وَذكره صَالح بن وصيف؛ فَقَالَ: تجبر وتكبر وتذمر ودبر فدمر. وَذكره سُلَيْمَان بن يحيى فَقَالَ: لم تتمّ لَهُ نعْمَة؛ لِأَنَّهُ لم تكن فِي الْخَيْر همة. وَذكره الْفضل بن عَبَّاس فَقَالَ: إِن لم يكن تَارِيخ الْبلَاء فَمَا أعظم الْبلوى. وَذكره الْفضل بن مَرْوَان قَالَ: فَمَا أَجْهَل من يستجهله أولم يخبر بِأَمْر يجهله؟ . وَذكر عِيسَى بن فرخانشاه؛ فَقَالَ: أَعقل مِنْهُ مَجْنُون، وَأحسن مِنْهُ مَعْدُوم. وَذكره إِسْحَاق بن منصورٍ؛ فَقَالَ: لَو طلب الْعَافِيَة لوجدها، مَا أَدْبَرت عَنهُ حَتَّى أدبر عَنْهَا.

стр. 639

وَذكره الْحسن بن مخلد، فَقَالَ: لَئِن كَانَ دخل مدخلًا لَا يُشبههُ لقد خرج مخرجا يُشبههُ. وَذكره أَحْمد بن إِسْرَائِيل؛ فَقَالَ: كُنَّا إِذا عَصَيْنَاهُ عرضنَا بِأَنْفُسِنَا، وَإِذا أطعناه فسد تدبيرنا. وَذكره دَاوُد بن مُحَمَّد الطوسي. فَقَالَ: مَا أحسن قطّ إِلَّا غَلطا، وَلَا أَسَاءَ إِلَّا تعمداً. وَذكره الْمُعَلَّى، فَقَالَ: مَا أعجب مَا نكب وَنعمته أعجب من نكبته. وَذكره مَيْمُون بن إِبْرَاهِيم، فَقَالَ: لَو تَأمل رجل أَفعاله فاجتنبها، لاستغنى عَن الْآدَاب أَن يطْلبهَا. وَذكره ابْن أبي الشَّوَارِب، فَقَالَ: كَانَ يحمد الْمُحْسِنِينَ، ويجتنب أفعالهم، ويذم المسيئين، وَيعْمل أَعْمَالهم. وَذكره خَالِد بن صبيح، فَقَالَ: هُوَ كَمَا قَالَ فلانٌ: مَلأ يسَاره سلحا، وَبسط يَمِينه سطحا، وَقَالَ: انْظُرُوا فِي سطحي، وَإِلَّا لطختكم بسلحي. وَذكره شُجَاع بن الْقَاسِم، فَقَالَ: الحزم مَا فعلنَا، وَلَو لم نعاجله لعاجلنا. وَذكره دَاوُد بن الْجراح، فَقَالَ: كَانَ لَا يرضى أحدا وَلَا يرضاه أحد، فضروه إِذْ لم يرضوه، وَلم يضرهم إِذْ لم يرضهم. وَذكره أَحْمد بن صالحٍ، فَقَالَ: كَانَ لَا يغتم إِلَّا لما فَاتَهُ من الشَّرّ وَلَا يسر إِلَّا بِمَا فَاتَهُ من الْخَيْر. وَذكره مُحَمَّد بن نحاح، فَقَالَ: لَئِن كَانَت النِّعْمَة عظمت على قومٍ خرجت عَنْهُم، لقد عظمت الْمُصِيبَة على قومٍ نزلت فيهم. وَذكره عَليّ بن يحيى، فَقَالَ: لم يكن لَهُ أولٌ يرجع إِلَيْهِ، وَلَا آخرٌ يعول عَلَيْهِ، وَلَا عقلٌ فيذكر عاقلٌ لَدَيْهِ. وَذكره عَليّ بن الْحسن الإسكاف، فَقَالَ: كَانَ الْجَاهِل يغبطنا بتكرمته، والعاقل يَرْحَمنَا من سوء عشرته. وَذكره ابْن مُحَمَّد بن فيروزٍ، فَقَالَ: حظٌّ فِي السَّحَاب، وعقلٌ فِي التُّرَاب.

стр. 640

وَذكره مُحَمَّد بن مُوسَى بن شَاكر المنجم، فَقَالَ: قبحه الله إِن ذكرت لَهُ ذَا فضلٍ تنقصه لما فِيهِ من ضِدّه، أَو ذكرت ذَا نقص تولاه لما فِيهِ من شكله. وَذكره يزِيد المهلبي، فَقَالَ: كَانَت يَده تمنع، وَنَفسه لَا تشبع، ويرتع وَلَا يرتع. وَذكره ابْن طالوتٍ، فَقَالَ: كَانَ الْعقل مأسوراً فِي سُلْطَانه، فَلَمَّا سيره أطلق من لِسَانه. وَذكره مُحَمَّد بن عَليّ بن عصمَة، فَقَالَ: مَا كَانَ أقرب وليه مِمَّا يكره، وعدوه مِمَّا يحب. وَذكره ابْن جبل؛ فَقَالَ: مَا زَالَ ينقص وَلَا يزِيد، ويتوعد حَتَّى حل بِهِ الْوَعيد. وَذكره عبد الله بن محمدٍ، فَقَالَ: لَو أَقَامَ لسرنا؛ فَأَما إِذْ سَار فقد أَقَمْنَا. وَذكره ابْن حمدون؛ فَقَالَ: لَئِن فضحته الْقُدْرَة لقد جملَته النكبة. وَذكره ابْن أبي الْأصْبع، فَقَالَ: مَا علمت خدمَة الشَّيَاطِين، إِلَّا أيسر من خدمَة المجانين؛ كَانَ غَضَبه علينا إِذا أطعناه أَشد من غَضَبه إِذا خالفناه. وَذكره إِبْرَاهِيم بن رَبَاح؛ فَقَالَ: كَانَ لَا يفهم وَلَا يفهم، وينقض مَا يبرم. وَذكره سعيد بن حميدٍ فَقَالَ: كَانَ إِذا أصَاب أحجم، وَإِذا أَخطَأ صمم. وَذكره سعيد بن عبد الْملك، فَقَالَ: كَانَ يخافه الناصح، وَلَا يأمنه الغاش، وَلَا يُبَالِي أَن يرَاهُ الله مسيئاً. وَقَالَ المتَوَكل يَوْمًا لأبي العيناء: كَيفَ شربك النَّبِيذ؟ قَالَ: أعجز عَن قَلِيله، وأفتضح عِنْد كَثِيره. فَقَالَ: دع هَذَا عَنْك ونادمنا. فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن أَجْهَل النَّاس من جهل نَفسه، وَمهما جهلت من الْأَمر فَلَنْ أَجْهَل نَفسِي، أَنا امْرُؤ مَحْجُوب، والمحجوب مخطوفٌ؟ إِشَارَته، ملحودٌ بَصَره، وَينظر إِلَى من لَا ينظر إِلَيْهِ؛ وكل من فِي مجلسك يخدمك، وَأَنا أحتاج أَن أخدم، وَأُخْرَى، فلست آمن أَن تنظر إِلَيّ بِعَين غَضْبَان وقلبك راضٍ، أَو بعينٍ راضٍ وقلبك

стр. 641

غَضْبَان، وَمَتى لم أميز بَين هَاتين هَلَكت. وَلم أقل هَذَا جهلا بِمَالي فِي الْمجْلس من الْفَائِدَة؛ فأختار الْعَافِيَة على التَّعَرُّض للبلية. قَالَ أَبُو العيناء، قَالَ لي المتَوَكل يَوْمًا: بَلغنِي أَنَّك رَافِضِي. فَقلت: ألدينٍ أم لدُنْيَا؟ فَإِن أك للدّين ترفضت فأبوك مستنزل الْغَيْث، وَإِن أك للدنيا فَفِي يَديك خَزَائِن الأَرْض. وَكَيف أكون رَافِضِيًّا، وَأَنا مَوْلَاك، ومولدي الْبَصْرَة، وأستاذي الْأَصْمَعِي، وجيراني باهلة؟ فَقَالَ: إِن ابْن سَعْدَان زعم ذَلِك. قلت: وَمن ابْن سَعْدَان؟ وَالله مَا يفرق بَين الإِمَام وَالْمَأْمُوم، وَالتَّابِع والمتبوع؛ إِنَّمَا ذَاك حَامِل درة، ومعلم صبية، وآخذٌ على كتاب الله أُجْرَة. قَالَ: لَا تقل؛ فَإِنَّهُ مؤدب الْمُؤَيد. قَالَ: قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: لم يؤدبه حسبَة، إِنَّمَا أدبه بِأُجْرَة، فَإِذا أَعْطيته حَقه فقد قضيت ذمامه. عزى أَبُو العيناء ابْن الرِّضَا ﵄ عَن ابْنه؛ فَقَالَ لَهُ: أَنْت تجل عَن وصيتنا، وَنحن نقل عَن عظتك. وَفِي علم الله مَا كَفاك، وَفِي ثَوَاب الله مَا عزاك. وَكتب إِلَى عبيد الله بن سُلَيْمَان: أَنا وَوَلَدي وعيالي زرعٌ من زرعك؛ إِن سقيته رَاع وزكا، وَإِن جفوته ذبل وذوى. وَقد مسني مِنْك جفاءٌ بعد بر، وإغفالٌ بعد تعهد، حَتَّى شمت عدوٌّ، وَتكلم حَاسِد، ولعبت بِي ظنون رجال وشديدٌ عادةٌ منتزعة وَعَزاهُ عَن أَبِيه، فَقَالَ: عقم وَالله الْبَيَان، وخرست الأقلام، ووهى النظام. وَكتب إِلَى عِيسَى بن فرخانشاه: أَنا أَحْمد الله على مَا تأتت إِلَيْهِ أحوالك، وَلَئِن كَانَت أَخْطَأت فِيك النِّعْمَة، لقد أَصَابَت فِيك النقمَة، وَلَئِن أبدت الْأَيَّام مقابحها بالإقبال عَلَيْك، لقد أظهرت محاسنها بالانصراف عَنْك.

стр. 642

وَكتب إِلَى صديق لَهُ تولى نَاحيَة: أما بعد؛ فَإِنِّي لَا أعظك بموعظة الله؛ لِأَنَّك غنيٌّ عَنْهَا، وَلَا أرغبك فِي الْآخِرَة؛ لمعرفتي بزهدك فِيهَا. وَلَكِنِّي أَقُول كَمَا قَالَ الشَّاعِر: أحاربن عمرٍ قد وليت ولَايَة ... فَكُن جرذاً فِيهَا تخون وتسرق وكاثر تميماً بالغنى، إِن للغنى ... لِسَانا بِهِ الْمَرْء الهيوبة ينْطق وَاعْلَم أَن الْخِيَانَة فطنة، وَالْأَمَانَة خرق، وَالْجمع كيسٌ، وَالْمَنْع صرامة، وَلَيْسَت كل يَوْم ولايةٌ، فاذكر أَيَّام العطلة، وَلَا تحقرن صَغِيرا، فَمن الذود إِلَى الذود إبل، وَالْولَايَة رقدةٌ، فَتنبه، قبل أَن تنبه وأخو السُّلْطَان أعمى، عَن قَلِيل سَوف يبصر. وَمَا هَذِه الْوَصِيَّة الَّتِي أوصى بهَا يَعْقُوب بنيه، وَلَكِنِّي رَأَيْت الحزم أَخذ العاجل، وَترك الآجل. وَكتب إِلَى عِيسَى بن فرخانشاه: أَصبَحت مِنْك بَين أَمريْن عجيبين؛ إِن غبت عَنَّا - وَلَا يغيبنك الله - لزمنا الْخَوْف، واستخف بِنَا النَّاس، ولاحظونا بالوعيد، وسدوا علينا أَبْوَاب الْمَنَافِع؛ فَإِذا ظَهرت ففقرٌ حَاضر، وأمل كاذبٌ، وحرمانٌ شَامِل، كنت أَسأَلك كَذَا فاستكثرته، وَمَا ظننتك تستكثر. هَذَا الْوَلِيّ مُؤَمل بِي إِلَيْك، فَكيف لولدك الَّذِي غذى بعمتك وَتخرج فِي دواوينك، فوَاللَّه مَا كَانَ أملٌ سواك، وَلَا خطر من مكاره الدُّنْيَا شيءٌ فأخطرتك بقلبي إِلَّا هان وخف عِنْدِي. وَكتب إِلَى بَعضهم: نَحن أعز الله الْأَمِير إِذا سَأَلنَا النَّاس كف الْأَذَى سألناك بذل الندى، وَإِذا سألناهم الْعدْل، سألناك الْفضل، وَإِذا سررناهم بسط الْعذر سررناك باستدعاءٍ الْبر.

стр. 643

وَكتب فِي فصل: قد آمن الله خائفك من ظلمك، وسائلك من بخلك، والعائذ بك من مَالك، والمستزيد لَك من علمك، وَإِن الله لم يزل يعطيك إِذا أَعْطَيْت، ويزيدك إِذا زِدْت. أخبرنَا الصاحب - رَحمَه الله تَعَالَى - أخبرنَا القَاضِي أَبُو بكر أَحْمد بن كَامِل قَالَ: أخبرنَا أَبُو العيناء، وَقَالَ مرّة أُخْرَى أَحْمد بن خلف قَالَ أَبُو العيناء: أتيت عبد الله بن دَاوُد الْخُرَيْبِي؛ فَقَالَ: مَا جَاءَ بك؟ فَقلت: طلب الحَدِيث، قَالَ: اذْهَبْ فتحفظ الْقُرْآن، قلت: قد حفظت الْقُرْآن. قَالَ: فاقرأ: " واتل عَلَيْهِم نبأ نوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ". قَالَ: فَقَرَأت الْعشْر، قَالَ: فَاذْهَبْ الْآن وَتعلم الْفَرَائِض. قَالَ: قلت: قد تعلمت الْجد والصلب والكبد، قَالَ: فأيما أقرب إِلَيْك: ابْن أَخِيك أَو ابْن عمك؟ قَالَ: قلت: ابْن أخي، قَالَ: وَلم؟ قلت: لِأَن أخي من أبي، وَعمي من جدي. قَالَ: اذْهَبْ الْآن وَتعلم الْعَرَبيَّة. قلت: علمت ذَاك قبل هذَيْن. قَالَ: فَلم؟ قَالَ عمر بن الْخطاب: يَا لله، يَا للْمُسلمين. قَالَ: قلت: فتح تِلْكَ للاستغاثة، وَكسر هَذِه للاستنصار. قَالَ: لَو حدثت أحدا حدثتك. سبّ رجلٌ من العلوية أَبَا العيناء، فَقَالَ لَهُ أَبُو العيناء: مَا أحْوج شرفك إِلَى من تصونه حَتَّى تكون فَوق من أَنْت دونه. وَكتب إِلَى بَعضهم: ثقتي بك تمنعني من استبطائك، وَعلمِي بشغلك يدعوني إِلَى إذكارك. وَلست آمن مَعَ استحكام ثقتي بطولك، والمعرفة بعلو همتك اخترام الْأَجَل؛ فَإِن الْآجَال آفَات الآمال، فسح الله فِي أَجلك، وبلغك مُنْتَهى أملك.؟ ؟

стр. 644

الْبَاب السَّابِع نَوَادِر مُزْبِد صب مزبدٌ يَوْمًا المَاء على نَفسه، فَسَأَلته امْرَأَته عَن ذَلِك؛ فَقَالَ: جلدت عميرَة، ثمَّ رَآهَا بعد أَيَّام تصب المَاء على نَفسهَا فَسَأَلَهَا فَقَالَت: جلدت عميرَة فجلدتني. أَخذه بعض الْوُلَاة وَقد اتهمه بالشرب، فاستنكهه، فَلم يجد مِنْهُ رَائِحَة، فَقَالَ: قيؤه. قَالَ: يضمن عشائي أصلحك الله؟ . قيل لَهُ مرّة - وَقد أفحش فِي كَلَامه -: أمل على كاتبيك خيرا. قَالَ: أكره أَن أخلط عَلَيْهِمَا. وَادّعى رجل عَلَيْهِ شَيْئا، وَقدمه إِلَى القَاضِي، فَأنكرهُ، وَسَأَلَهُ إِقَامَة الْبَيِّنَة؛ فَقَالَ: لَيْسَ لي بينةٌ. قَالَ: فأستحلفه لَك؟ قَالَ: وَمَا يَمِين مُزْبِد أصلحك الله؟ فَقَالَ مُزْبِد: ابْعَثْ، أصلحك الله، إِلَى ابْن أبي ذِئْب فاستحلفه لَهُ. وَتَنَاول رجلٌ من لحيته شَيْئا، فَسكت عَنهُ، وَكَانَ الرجل قَبِيح الْوَجْه، فَقَالَ: وَيحك لم لَا تَدْعُو لي؟ فَقَالَ: كرهت أَن أَقُول صرف الله عَنْك السوء فَتبقى بِلَا وَجه. وَقيل لَهُ: أَيَسُرُّك أَن هَذِه الْجُبَّة لَك؟ قَالَ: نعم، وأضرب عشْرين سَوْطًا. قيل: وَلم تَقول دلك؟ قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يكون شيءٌ إِلَّا بشيءٍ. وَأَتَاهُ أصحابٌ لَهُ يَوْمًا؛ فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا إِسْحَاق؛ هَل لَك فِي الْخُرُوج بِنَا إِلَى العقيق، وَإِلَى قبَاء، وَإِلَى أحد نَاحيَة قُبُور الشُّهَدَاء؛ فَإِن يَوْمنَا كَمَا ترى يَوْم طيب. قَالَ: الْيَوْم يَوْم الْأَرْبَعَاء وَلست أَبْرَح من منزلي. قَالُوا: وَمَا تكره؟ . يَوْم

стр. 645

الْأَرْبَعَاء فِيهِ ولد يُونُس بن متي ﵇. قَالَ: بِأبي وَأمي أَنْتُم فقد التقمه الْحُوت. قَالُوا: فَهُوَ الْيَوْم الَّذِي نصر فِيهِ النَّبِي ﵇ يَوْم الْأَحْزَاب. قَالَ: أجل، وَلَكِن بعد إِذْ زاغت الْأَبْصَار، وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر، وظنوا بِاللَّه الظنون. أرْدف مُزْبِد رجلا على بغلةٍ، فَلَمَّا اسْتَوَى الرجل قَالَ: اللَّهُمَّ أنزلنَا منزلا مُبَارَكًا وَأَنت خير المنزلين فَقَالَ مُزْبِد: اللَّهُمَّ قنعه حَرْبَة، يسْأَل ربه منزلا مُبَارَكًا وَهُوَ بَين استي واست البغلة. اسْتَأْذن مُزْبِد على بعض البخلاء وَقد أهْدى لَهُ تين فِي أول أَوَانه، فَلَمَّا أحس بِدُخُولِهِ تنَاول الطَّبَق، فَوَضعه تَحت السرير، وَبقيت يَده معلقَة، ثمَّ قَالَ لمزبد: مَا جَاءَ بك فِي هَذَا الْوَقْت؟ قَالَ: يَا سَيِّدي؛ مَرَرْت السَّاعَة بِبَاب فلَان، فَسمِعت جَارِيَته تقْرَأ لحناً مَا سَمِعت قطّ أحسن مِنْهُ، فَلَمَّا علمت من شدَّة محبتك لِلْقُرْآنِ، وسماعك للألحان، حفظته، وجئته لأقرأه عَلَيْك. قَالَ: فهاته، فَقَالَ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. " وَالزَّيْتُون وطورسنين. ". فَقَالَ: وَيلك أَيْن التِّين؟ قَالَ: تَحت السرير. هبت ريحٌ شَدِيدَة، فصاح النَّاس: الْقِيَامَة، الْقِيَامَة. فَقَالَ مُزْبِد: هَذِه قيامةٌ على الرِّيق بِلَا دَابَّة الأَرْض والدجال وَلَا الْقَائِم. وَنظر يَوْمًا إِلَى مغربيٍ أسود وَهُوَ ينيك غُلَاما رومياً، فَقَالَ: كَأَن أيره فِي استه كرَاع عنز فِي صحن أرز. مرض مرّة، فعاده رجل وَقَالَ لَهُ: احتم. فَقَالَ: يَا هَذَا؛ أَنا مَا أقدر على شيءٍ إِلَّا على الْأَمَانِي أَن أحتمي مِنْهَا. وَرَأى مزبداً رجلٌ بالرها، وَعَلِيهِ جُبَّة خَز، وَكَانَ قد خرج إِلَيْهَا فحسنت حَاله، وَقَالَ: يَا مُزْبِد؛ هَب لي هَذِه الْجُبَّة. فَقَالَ: مَا أملك غَيرهَا، فَقَالَ الرجل: فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: " ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصاصةٌ " فَقَالَ: وَالله أرْحم بعباده أَن ينزل هَذِه الْآيَة بالرها، فِي كانون وكانون، وَإِنَّمَا نزلت بالحجاز فِي حزيران وتموز.

стр. 646

قيل لَهُ - وَقد اشْترى حمارا -: مَا فِي هَذَا الْحمار عيبٌ إِلَّا أَنه نَاقص النَّفس بليدٌ يحْتَاج إِلَى عَصا. قَالَ: إِنَّمَا كنت أغتم لَو كَانَ يحْتَاج إِلَى بزماورد. فَأَما الْعَصَا فَإِنَّهَا سهل. احْتَاجَ مزبدٌ أَن يَبِيع جبته لسوء حَاله، فَنَادَى عَلَيْهَا الْمُنَادِي، فَلم يطْلب بشيءٍ؛ فَقَالَ: مُزْبِد: مَا كنت أعلم أَنِّي كنت عُريَانا إِلَى السَّاعَة. وَقع بَينه وَبَين رجل كلامٌ فَقَالَ لَهُ الرجل: تكلمني وَقد ن ... ت أمك فَرجع مُزْبِد إِلَى أمه، فَقَالَ لَهَا: يَا أمه، تعرفين بلبل؟ قَالَت: أَبُو علية؟ قَالَ: نَا. . ك يشْهد الله. . أَنا أَسأَلك عَن اسْمه، فتجيبنني عَن كنيته. قيل لمزبد: لم لَا تكون كفلانٍ؟ - يَعْنِي رجلا مُوسِرًا - فَقَالَ: بِأبي أَنْتُم، كَيفَ أتشبه بِمن يضرط ويشمت، وأعطس فألطم. وَنظر إِلَى رجل كثير شعر الْوَجْه؛ فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا؛ خَنْدَق على وَجهك لَا يتَحَوَّل رَأْسا. وَقَالَ لَهُ رجلٌ: من شجك هَا هُنَا؟ - وَأَشَارَ إِلَى استه - قَالَ: الَّذِي شج أمك فِي موضِعين. وَدخل بَيته، وَبَين رجْلي امْرَأَته رجل ين. . هَا وَبَاب الدَّار مَفْتُوح؛ فَقَالَ: سُبْحَانَ الله أَنْت على هَذِه الْحَال وَالْبَاب مفتوحٌ؟ أَلَيْسَ لَو دخل غَيْرِي كَانَت الفضيحة. وَنظر يَوْمًا إِلَى امْرَأَته تصعد فِي دَرَجَة؛ فَقَالَ: أَنْت الطَّلَاق إِن صعدت، وَأَنت الطَّلَاق إِن وقفت، وَأَنت الطَّلَاق إِن نزلت. فرمت بِنَفسِهَا من حَيْثُ بلغت. فَقَالَ لَهَا: فدَاك أبي وَأمي إِن مَاتَ مالكٌ احْتَاجَ إِلَيْك أهل الْمَدِينَة فِي أحكامهم. وسكر يَوْمًا؛ فَقَالَت امْرَأَته: أسأَل الله أَن يبغض النَّبِيذ إِلَيْك. فَقَالَ: والفتيت إِلَيْك. ورثى مَعَ امرأةٍ يكلمها؛ فَقيل: مَا تُرِيدُ مِنْهَا؟ قَالَ: أناظرها فِي مَسْأَلَة من النِّكَاح.

стр. 647

وَقيل: مَا نقُول فِي الْقبْلَة؟ قَالَ: السباب قبل اللطام. ونظروا إِلَيْهِ وَبَين يَدَيْهِ نَبِيذ أسود؛ فَقَالُوا لَهُ: مَا نبيذك هَذَا؟ قَالَ: أما ترَوْنَ ظلمَة الْحَلَال فِيهِ؟ . وَاشْترى مرّة جَارِيَة فَسئلَ عَنْهَا، فَقَالَ: فِيهَا خلَّتَانِ من خلال الْجنَّة: بردٌ وسعة. وَقَالَ مرّة: إِن أخي يلقى الله مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة بصحيفته مَمْلُوءَة خمرًا، وَهُوَ لم يشرب مِنْهَا جرعة؛ فَقيل لَهُ: كَيفَ ذَلِك؟ قَالَ: هُوَ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة يبكر كل يَوْم فِي طلب الْخمر، فَلَا يجد إِلَيْهَا سَبِيلا لفاقته، وعزمه صَحِيح على شربهَا لَو وجدهَا. قيل لَهُ: مَا بَال حِمَارك يتبلد إِذا توجه نَحْو الْمنزل، وحمر النَّاس إِلَى منازلها أسْرع؟ قَالَ: لِأَنَّهُ يعرف سوء المنقلب. دخل يَوْمًا على قينة وَهِي تغني: عادا قلبِي من الطَّوِيلَة عادا وَإِنَّمَا هُوَ عيد. فَقَالَ مُزْبِد: وَثَمُود، فَإِن الله لم يفرق بَينهمَا. وَقيل لَهُ: أيولد لِابْنِ ثَمَانِينَ؟ قَالَ: نعم. إِذا كَانَ لَهُ جارٌ ابْن ثَلَاثِينَ. واتهمه رجل بشيءٍ فَاعْتَذر إِلَيْهِ، وَقَالَ: إِن كنت فعلت هَذَا فمسخني الله كَلْبا أنهس عراقيب الْمَلَائِكَة فِي الْموقف. وَقَالَت امْرَأَة مُزْبِد - وَكَانَت حُبْلَى، وَنظرت إِلَى قبح وَجهه -: الويل لي إِن كَانَ الَّذِي فِي بَطْني يشبهك؛ فَقَالَ لَهَا: الويل لي إِن كَانَ الَّذِي فِي بَطْنك لَا يشبهني. لَقِي مُزْبِد رجلا، فَقَالَ لَهُ: من أَنْت؟ قَالَ: قرشي وَالْحَمْد لله؛ فَقَالَ مُزْبِد: الْحَمد لله فِي هَذَا الْموضع رِيبَة.

стр. 648

سمع مزبدٌ رجلا يَقُول عَن ابْن عباسٍ: " من نوى حجَّة وعاقه عائق كتبت لَهُ ". فَقَالَ مُزْبِد: مَا خرج الْعَام كُله كراءٌ أرخص من هَذَا. وَقيل لَهُ: مَا ورثت أختك عَن زَوجهَا؟ فَقَالَ: أَرْبَعَة أشهرٍ وَعشرا. أسلم نَصْرَانِيّ، وَفعل فِي الْإِسْلَام فعلا قبيحاً؛ فَقَالَ مُزْبِد: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الَّذِي أَسخط الْمَسِيح، وَلم يرض مُحَمَّدًا. دفع مرّة إِلَى وَالِي مَكَّة، وَقد أفطر فِي شهر رَمَضَان؛ فَقَالَ لَهُ الْوَالِي: يَا عَدو الله؛ تفطر فِي شهر رَمَضَان قَالَ: أَنْت أَمرتنِي بذلك. قَالَ: هَذَا شرٌّ، كَيفَ أَمرتك؟ وَيلك. قَالَ: حدثت عَن ابْن عباسٍ: أَنه من صَامَ يَوْم عَرَفَة عدل صَوْمه سنة، وَقد صمته. فَضَحِك الْوَالِي وخلاه. واعتل عِلّة، وأشرف مِنْهَا إِلَى الْهَلَاك، وَأَرَادَ أَن يُوصي، فَدَعَا بعض أوليائه، وَأوصى إِلَيْهِ، وَكتب كتاب وَصيته، وَأمر للْوَصِيّ بشيءٍ؛ فَلَمَّا فرغ من الْكِتَابَة رَآهُ مزبدٌ وَهُوَ يترب الْكتاب؛ فَقَالَ وَهُوَ على تِلْكَ الْحَال: نعم يَا سَيِّدي، فَهُوَ أقضى للْحَاجة. وَنظر إِلَى قومٍ مكتفين يذهب بهم إِلَى السجْن؛ فَقَالَ: مَا قصَّة هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا: خيرٌ. قَالَ: إِن كَانَ خيرا فاكتفوني مَعَهم. وَطلب من دَاره بعض جِيرَانه ملعقةً، فَقَالَ: لَيْت لنا مَا نأكله بالأصابع. وَجلسَ يَوْمًا يَأْكُل السّمك والجبن وَقَالَ: وَمن أَيْن يعلم السّمك وَهُوَ ميتٌ أَنِّي أكلت الْجُبْن؟ وَخَاصم مرّة امْرَأَته، وَأَرَادَ أَن يطلقهَا؛ فَقَالَت لَهُ: اذكر طول الصُّحْبَة. قَالَ: وَالله مَا لَك عِنْدِي ذنبٌ غَيره. وَقَالَ يَوْمًا لامْرَأَته: اتخذي لي قريصاً فقد اشتهيته. قَالَت: فَأَيْنَ حَوَائِجه؟ قَالَ: فَلَا حصر الْبرد لفقده حَتَّى نَنْظُر فِي بَاقِي الْحَوَائِج. وَحضر مَعَ محبوبٍ مَجْلِسا فعربدوا عَلَيْهِمَا، فَقَامَ محبوبٌ يقاتلهم، ويفتري عَلَيْهِم؛ فَقَالَ مُزْبِد: اسْكُتْ يَا أخي، فَإِن الْقَوْم سكارى، يذهب شَتمنَا ضيَاعًا. وَمَرَّتْ بِهِ امرأةٌ قبيحة؛ فَقَالَ: لعنها الله، كَأَن وَجههَا وَجه إنسانٍ رأى شَيْئا فزع مِنْهُ.

стр. 649

وهبت بِالْمَدِينَةِ ريحٌ صَرْصَر، أنكرها النَّاس وفزعوا؛ فَجعل مزبدٌ يدق أَبْوَاب جِيرَانه وَيَقُول: لَا تعجلوا بِالتَّوْبَةِ؛ فَإِنَّمَا هِيَ - وحياتكم - زَوْبَعَة، وسوف تنكشف السَّاعَة. ونام مرّة بِالْمَسْجِدِ، فَدخل رجلٌ فصلى، فَلَمَّا فرغ قَالَ: يَا رب؛ أَنا أُصَلِّي وَهَذَا نَائِم. فَقَالَ مُزْبِد: يَا ابْن أم؛ سل رَبك حَاجَتك. وَلَا تحرشه علينا. وَقَالَت لَهُ امْرَأَته مرّة: قد تمزق خَفِي، وَلَا يتهيأ لي أَن أخرج. قَالَ لَهَا: أَيّمَا أحب إِلَيْك؟ أَن تشتري خفاً أَو أَنِّي. . ك اللَّيْلَة أَرْبَعَة. قَالَت: هَذَا الْخلق يتهيأ أَن يدافع بِهِ الْوَقْت. وَكَانَت لَيْلَة الْفطر مرّة، فعلا مُزْبِد مَنَارَة مَسْجِد رَسُول الله ﷺ ثمَّ نَادَى: أَلا سمع سامعٌ، إِنَّا قد شردنا رَمَضَان، فَمن آواه فقد بَرِئت مِنْهُ الذِّمَّة. فَسَمعهُ الْوَالِي؛ فَضَربهُ مائَة سوطٍ؛ فَقَالَ: مَا أُبَالِي مَا كنت لأدع لذتها. وَكَانَت بِالْمَدِينَةِ جاريةٌ، يُقَال لَهَا: بصبص، مغنية، يجْتَمع الْأَشْرَاف عِنْد مَوْلَاهَا لسَمَاع غنائها، فَاجْتمع عِنْدهَا يَوْمًا مُحَمَّد بن عِيسَى الْجَعْفَرِي، وَعبد الله بن مُصعب الزبيرِي، فِي جمَاعَة من أَشْرَاف الْمَدِينَة، فتذاكروا أَمر مُزْبِد وبخله، فَقَالَت بصبص: أَنا آخذ لكم مِنْهُ ردهماً. فَقَالَ لَهَا مَوْلَاهَا: أَنْت حرةٌ إِن لم أشتر لَك مخنقةً بِمِائَة دِينَار إِن فعلت هَذَا، وأشتري لَهُ مَعَ ذَلِك ثوب وشيٍ بِمِائَة دِينَار، وَأَجْعَل لَك مَجْلِسا بالعقيق أنحر فِيهِ بَدَنَة لم تركب، وَلم تقتب. فَقَالَت: جِيءَ بِهِ، وَأَرْفَع الْغيرَة عني. قَالَ: أَنْت حرةٌ إِن منعتك مِنْهُ وَلَو رَأَيْته قد رفع رجليك، وَلَا عاديته على ذَلِك ن حصلت مِنْهُ الدِّرْهَم؛ فَقَالَ عبد الله بن مُصعب: أَنا لكم بِهِ زعيم. قَالَ عبد الله: فَصليت الْغَدَاة فِي مَسْجِد الْمَدِينَة، فَإِذا أَنا بِهِ قد أقبل؛ فَقلت: أَبَا إِسْحَاق؛ أما تحب أَن ترى بصبص؟ فَقَالَ: بلَى وَالله. امْرَأَته طَالِق إِن لم يكن الله ساخطاً على فِي أمرهَا فقد جفتني، وَإِلَّا فَأَنا أسأله مُنْذُ سنةٍ أَن أَلْقَاهَا فَلَا تُجِيبنِي.

стр. 650

فَقلت: إِذا صليت الْعَصْر فأتني هَاهُنَا. فَقَالَ: امْرَأَته طَالِق إِن برح يَوْمه من هَاهُنَا إِلَى الْعَصْر. قَالَ: فتصرفت فِي حوائجي حَتَّى فَاتَت الْعَصْر، فَدخلت الْمَسْجِد فَوَجَدته؛ فَأخذت بِيَدِهِ فأتيتهم بِهِ، وَأكل الْقَوْم، وَشَرِبُوا حَتَّى صليت الْعَتَمَة، ثمَّ تساكروا وتناوموا. فَأَقْبَلت بصبص على مُزْبِد؛ فَقَالَت لَهُ: يَا أَبَا إِسْحَاق؛ كَأَنِّي - وَالله - فِي نَفسك تشْتَهي أَن أغنيك السَّاعَة: لقد رحلوا الْجمال ليه ... ربوا منا فَلم يئلوا. قَالَ لَهَا: امْرَأَته طَالِق إِن لم تَكُونِي تعلمين مَا فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ. فغنته إِيَّاه فَقَالَت لَهُ: أَي أَبَا إِسْحَاق كَأَنِّي بك تشْتَهي أَن أقوم من مجلسي فأجلس إِلَى جَنْبك، فَتدخل يدك فِي جلبابي، فتقرص عكني قرصاتٍ وأغنيك: قَالَت وأبثثتها وجدي فبحت بِهِ فَقَالَ لَهَا: امْرَأَته طَالِق إِن لم تَكُونِي تعلمين مَا فِي الْأَرْحَام. وَمَا تكسبه الْأَنْفس غَدا، وَبِأَيِّ أرضٍ تَمُوت. قَالَت: نعم؛ فَقَامَ فَجَلَسَ إِلَى جنبها وَأدْخل يَده فِي جلبابها، وقرصها وغنت لَهُ. ثمَّ قَالَت: برح الخفاء. أَنا أعلم أَنَّك تشْتَهي أَن تقبلني شوق التِّين، وأغنيك هزجاً: أَنا أَبْصرت بِاللَّيْلِ ... غُلَاما حسن الدل كغصن البان قد أصب ... ح مسقياً من الطل فَقَالَ: امْرَأَته طالقٌ إِن لَك تَكُونِي نبيةً مُرْسلَة فقبلها، وغنته. ثمَّ قَالَت: يَا أَبَا إِسْحَاق رَأَيْت قطّ أنذل من هَؤُلَاءِ؟ يدعونك، ويخرجوني إِلَيْك، وَلَا يشْتَرونَ لنا ريحانا بدرهم، هَلُمَّ درهما نشتري بِهِ ريحاناً. فَوَثَبَ وَصَاح: واحرباه أَي زَانِيَة أَخْطَأت استك الحفرة، انْقَطع وَالله عَنْك الْوَحْي

стр. 651

الَّذِي كَانَ يوحي إِلَيْك، ووثب من عِنْدهَا وَجلسَ نَاحيَة. فعطعط بهَا الْقَوْم، وَعَلمُوا أَن حيلتها لم تنفذ عَلَيْهِ، وعادوا لمجلسهم، وَخرج مُزْبِد من عِنْدهم فَلم يعد إِلَيْهِم. وَقيل لمزبد: أَيَسُرُّك أَن يكون عنْدك قنينة شراب؟ فَقَالَ: يَا بن أم؛ وَمن يسره دُخُول النَّار بالمجان. وضعت امْرَأَته المنخل على فرَاشه، فجَاء، فَلَمَّا رَآهُ تعلق بوتد كَانَ فِي دَاره، فَقَالَت امْرَأَته: مَا هَذَا؟ قَالَ: وجدت المنخل فِي موضعي، فصرت فِي مَوْضِعه. قَالَت امْرَأَة مزبدٍ لجارةٍ لَهَا: يَا أُخْتِي؛ كَيفَ صَار الرجل يتَزَوَّج بأربعةٍ، وَيملك من الْإِمَاء مَا يَشَاء، وَالْمَرْأَة لَا تتَزَوَّج إِلَّا وَاحِدًا وَلَا تستبد بمملوكٍ؟ . قَالَت لَهَا: يَا حبيبتي؛ قومٌ الْأَنْبِيَاء مِنْهُم، وَالْخُلَفَاء مِنْهُم، والقضاة مِنْهُم، وَالشّرط مِنْهُم، تحكموا فِينَا كَمَا شَاءُوا، وحكموا لأَنْفُسِهِمْ بِمَا أَرَادوا. قَالَ مُزْبِد: جَاءَنِي صديقٌ لي فَقَالَ: أَلا تسْأَل فلَانا التَّاجِر أَن يقرضني مائَة دِرْهَم؟ على رهن وثيق، فَإِنِّي بِضيق، مُنْقَطع بِي، فَقلت: إِنَّه يفعل، فَمَا الرَّهْن؟ قَالَ: اكْتُبْ لَهُ على نَفسِي بِالْقَذْفِ، وَأشْهد الْعُدُول، فَإِن وفيته حَقه وَقت الْمحل، وَإِلَّا استعدى عَليّ، وَأقَام الْبَيِّنَة بِأَنِّي قَذَفته، حَتَّى أحد حد الْقَاذِف. فَقلت لَهُ: يَا أخي؛ هَذَا رهنٌ تقل رَغْبَة التُّجَّار فِيهِ. كَانَ لمزبد غُلَام، وَكَانَ إِذا بَعثه فِي حاجةٍ جعل بَينه وَبَينه عَلامَة، أَن يكون إِذا رَجَعَ سَأَلَهُ فَقَالَ: حِنْطَة أَو شعير، فَإِذا كَانَ عَاد بالنحج قَالَ: حِنْطَة، وَإِن لم يقْض الْحَاجة قَالَ: شعير. فَبَعثه يَوْمًا فِي حاجةٍ، فَلَمَّا انْصَرف قَالَ: حنطةٌ أم شعير؟ قَالَ: خرا. قَالَ: وَيلك وَكَيف ذَلِك؟ قَالَ: لأَنهم لم يقضوا الْحَاجة، وضربوني وشتموك. صلى مُزْبِد ذَات يَوْم فِي منزله، وَجعل يَدْعُو فِي دبر صلَاته، وسمعته امْرَأَته. فَقَالَ: اللَّهُمَّ أصليني. فَقَالَت: أما هَذَا يَا رب فَلَا تشركني فِيهِ. فَقَالَ: يَا فاعلة، " تِلْكَ إِذا قسمةٌ ضيزى ". وَسمع رجلا يَقُول لآخر: إِذا استقبلك الْكَلْب فِي اللَّيْل فاقرأ:

стр. 652

" يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس إِن اسْتَطَعْتُم أَن تنفذوا من أقطار السَّمَوَات وَالْأَرْض فانفذوا لَا تنفذون إِلَّا بسلطانٍ " فَقَالَ مُزْبِد: الْوَجْه عِنْدِي أَن يكون مَعَك عَصا أَو حجر، فَلَيْسَ كل كلبٍ يحفظ الْقُرْآن. وَوَقع بَينه وَبَين امْرَأَته خصومةٌ، فَحلف: لَا يجْتَمع رَأْسِي ورأسك على مخدة سنة؛ فَلَمَّا طَال ذَلِك عَلَيْهِ قَالَ: نقتنع باجتماع الأرجل إِلَى وَقت حُلُول الْأَجَل. وَغَضب عَلَيْهِ بعض الْوُلَاة وَأمر بحلق لحيته؛ فَقَالَ لَهُ الْحجام: انفخ فمك حَتَّى أحلق. قَالَ: يَا بن الفاعلة؛ أَمرك أَن تحلق لحيتي أَو تعلمني الزمر؟ . واشتهت امْرَأَته فالو ذجاً، فَقَالَ: مَا أيسر مَا طلبت عندنَا من آلَته أَرْبَعَة أَشْيَاء، وَبَقِي شَيْئَانِ تحتالين فيهمَا أَنْت. قَالَ: وَمَا الَّذِي عندنَا؟ قَالَ: الطنجير والإسطام وَالنَّار وَالْمَاء. وَبَقِي: الدّهن وَالْعَسَل؛ وهما عَلَيْك. وَسُئِلَ يَوْمًا عَن عدد أَوْلَاده، فَقَالَ: عهد الله فِي رقبته إِن لم تكن امْرَأَته تَلد أَكثر مِمَّا يني. . هَا. قَالَ يَوْمًا: قد عزمت فِي هَذِه السّنة على الْحَج، وأصلحت أَكثر مَا أحتاج إِلَيْهِ، قَالُوا: وَمَا الَّذِي أصلحت؟ قَالَ: تحفظت التَّلْبِيَة. وَقيل لَهُ: كَيفَ حبك لأبي بكر وَعمر؟ قَالَ: مَا ترك الطَّعَام فِي قلبِي حبا لأحد. وَدخل على بعض العلوية؛ فَجعل يعبث بِهِ ويؤذيه، فتنفس مُزْبِد الصعداء وَقَالَ: صلوَات الله على الْمَسِيح، أَصْحَابه مِنْهُ فِي رَاحَة. لم يخلف عَلَيْهِم ولدا يؤذيهم. وَجَاء غريمٌ لَهُ يَوْمًا يُطَالِبهُ بحقٍ لَهُ؛ فَقَالَ لَهُ: لَيْسَ لَك الْيَوْم عِنْدِي شَيْء، وحشره الله كَلْبا عقوراً ينهش عراقيب النَّاس فِي الْموقف، وَلَو علقنه من الشريا بزغبة قثاءةٍ مَا أَعطيتك الْيَوْم شَيْئا. بَاعَ جَارِيَة على أَنَّهَا طباخةٌ، وَلم تحس شَيْئا فَردَّتْ، فَلم يقبلهَا، وَقدم إِلَى القَاضِي، وطولب بِأَن يحلف أَنه ملكهَا وَكَانَت تطبخ وتحسن فَانْدفع وَحلف

стр. 653

بيمينٍ غليظةٍ أَنه دفع إِلَيْهَا جَرَادَة فطبخت مِنْهَا خَمْسَة ألوانٍ وفصلت مِنْهَا شريحتين بالقديد سوى الْجنب، فَإِنَّهَا شوته. فَضَحِك من حضر، وأيس خصومه من الْوُصُول مِنْهُ إِلَى شيءٍ فخلوه. وَقَالَت لَهُ امْرَأَته فِي خُصُومَة بَينهمَا: يَا مُفلس، يَا قرنان. قَالَ: إِن صدقت فواحدةٌ من الله وَالْأُخْرَى مِنْك. وَقيل لَهُ: كم كَانَت سنك أَيَّام قتل عُثْمَان؟ فَقَالَ: كنت أول مَا قاذفت. جمع مُزْبِد بَين رجل وعشيقته فِي منزله، فعابثها سَاعَة، ثمَّ أَرَادَ أَن يمد يَده إِلَيْهَا، فَقَالَت: لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه، وَسمع مزبدٌ قَوْلهَا فَقَالَ: يَا زَانِيَة، فَأَيْنَ مَوْضِعه؟ بَين الرُّكْن وَالْمقَام؟ أم بَين الْقَبْر والمنبر؟ وَالله مَا بنيت هَذِه الدَّار إِلَّا للقحاب والقوادات، ولأدفع ثمن خشبها إِلَّا من الْقمَار، فَأَي مَوضِع للزنى أَحَق مِنْهَا؟ . وشكا إِلَيْهِ رجل سوء خلق امْرَأَته؛ فَقَالَ لَهُ مُزْبِد: بخرها بمثلثة. يُرِيد: الطَّلَاق. وَقيل لَهُ: صَوْم يَوْم عَرَفَة يعدل صَوْم سنة. فصَام إِلَى الظّهْر ثمَّ أفطر فَقَالَ: يَكْفِينِي صَوْم نصف سنةٍ فِيهِ شهر رَمَضَان. قيل لمزبد وَقد عضه كلب: إِن أردْت أَن يسكن فأطعم الْكَلْب الشريد، فَقَالَ: إِذا لَا يبْقى فِي الدُّنْيَا كلبٌ إِلَّا جَاءَنِي وعضني. وَقيل لَهُ: إِن النَّبِي ﵇ قَالَ: " إِذا رَأَيْت شخصا بِاللَّيْلِ فَكُن بالإقدام عَلَيْهِ أولى مِنْهُ عَلَيْك " قَالَ: أَخَاف أَن يكون قد سمع هَذَا الحَدِيث فأقع فِيمَا أكره. كَانَ مزبدٌ الغاضري فِي حبس مُحَمَّد بن عبد الله ﵁ حِين ظهر بِالْمَدِينَةِ؛ فَلَمَّا أَمْسَى فِي اللَّيْلَة الَّتِي قتل محمدٌ فِي صبيحتها وَجعل يَقُول: مَعنا علم الْغَيْب. قيل: وَكَيف ذَاك؟ قَالَ: مَا فِي الدُّنْيَا قومٌ يعْرفُونَ آجالهم غَيرنَا، إِذا أَصْبَحْنَا جَاءَت.

стр. 654

وَقيل لَهُ: قد بيض النَّاس جَمِيعًا فِي سَائِر الْآفَاق. فَقَالَ: وَمَا ينفعنا من ذَلِك؟ وَهَذَا عِيسَى بن مُوسَى بعقوبنا، اعْمَلُوا على أَن الدُّنْيَا كلهَا زبدة. قَالَ: فَبِهَذَا سمي مزبداً. كَانَ لامْرَأَة مُزْبِد صديقٌ فضربها وشجها، وَدخل مُزْبِد فرآها على تِلْكَ الْحَال؛ فَقَالَ لَهَا: مَالك وَيلك؟ قَالَت: سَقَطت من الدرجَة، فَقَالَ لَهَا مُزْبِد: أَنْت طالقٌ، إِنَّك لَو سَقَطت من بَنَات نعش مَا أَصَابَك هَذَا كُله. زفت إِلَى مُزْبِد امرأةٌ قبيحة، فَجَاءَت إِلَيْهِ الماشطة، فَقَالَت: بِأَيّ شيءٍ تصبحها؟ قَالَ: بِالطَّلَاق. دفع مُزْبِد إِلَى وَالِي الْمَدِينَة وَمَعَهُ زق، فَأمر بضربه، فَقَالَ: لم تضربني؟ قَالَ: لِأَن مَعَك آلَة الْخمر. قَالَ: وَأَنت - أعزّك الله - مَعَك آلَة الزِّنَى. وَجلسَ مرّة على الطَّرِيق يَبُول وَهُوَ سَكرَان، وَعَلِيهِ طيلسان خلق، فَمر بِهِ رجلٌ فَأخذ طيلسانه؛ فَالْتَفت إِلَيْهِ مُزْبِد وَقَالَ: يَا بني، صرف عَنْك السوء. قَالَ مُزْبِد لرجل: كم تعلف حِمَارك؟ قَالَ: نخرةً بِالْغَدَاةِ، ونخرة بالعشى؛ فَقَالَ: اتَّقِ الله لَا تحمر عَلَيْك. دفع مُزْبِد فِي ذنبٍ إِلَى الْوَالِي؛ فَضَربهُ خَمْسَة وَسبعين سَوْطًا، ثمَّ ظهر لَهُ بَرَاءَة ساحته، فَأحْضرهُ واستحله، فَقَالَ مُزْبِد: لَا، وَلَكِن تقاصني بهَا كلما أذنبت ذَنبا، فَكَانَ يسحب لَهُ كل مرّة إِذا أذْنب بعشرةٍ وَمثلهَا إِلَى أَن نفدت وَفضل عَلَيْهِ شَيْء. وَقَالَ مزبدٌ يَوْمًا: مجالسة الْعضَاة الْحمر الَّتِي لَا ورق لَهَا خيرٌ من مجالسة النَّاس الْيَوْم. لم يبْق إِلَّا ظروفٌ قد عصرت أَرْوَاحهم فأخرجت، وَلَيْسَ فِي أَجْسَادهم أَرْوَاح، أَطُوف نهاري أجمع مَا أرى إِلَّا ظرفا. فَقَالَ لَهُ إِنْسَان: قد بقيت فِي النَّاس بقيةٌ. فَقَالَ مُزْبِد: تِلْكَ الْبَقِيَّة مثلث البلح ثَلَاثَة فِي ثفروقٍ.

стр. 655

الْبَاب الثَّامِن نَوَادِر أبي الْحَارِث جمين قيل لَهُ: مَا تَقول فِي فالوذجة؟ قَالَ: وَالله لَو أَن مُوسَى لَقِي فِرْعَوْن بفالوذجةٍ لآمن، وَلكنه لقِيه بعصا. وَقيل لَهُ يَوْمًا: مَا تشْتَهي؟ فَقَالَ: نشيش مقلاةٍ بَين غليان قدرٍ على رَائِحَة شواءٍ. وَكَانَ لَا يَأْكُل الباذنجان، فكايده مُحَمَّد بن يحيى وَاتخذ ألوانه كلهَا باذنجان، فَجعل كلما قدم لون فرابه الباذنجان فِيهِ توقاه، وَأَقْبل على الْخبز وَالْملح؛ فَلَمَّا عَطش قَالَ: يَا غُلَام، اسْقِنِي مَاء لَيْسَ فِيهِ باذنجان. وَكتب يَوْمًا إِلَى صديق لَهُ: أوصيك بتقوى الله، إِلَّا أَن ترى غير ذَلِك خيرا مِنْهُ. وَقيل لَهُ: سبقت ببرذونك هَذَا قطّ؟ قَالَ: بلَى، مرّة، دَخَلنَا زقاقاً لَا منفذ لَهُ وَكنت آخر الْقَوْم؛ فَلَمَّا رَجعْنَا كنت أول الموكب. وَدخل جمَاعَة من إخوانه، فاشتهوا عَلَيْهِ لوناً يطبخه لَهُم، فَدَنَا أحدهم من الْقدر ليذوقها، وَأخرج قِطْعَة لحم وأكلها، وَفعل كل وَاحِد مِنْهُم كَذَلِك؛ فَقَالَ أحدهم: هِيَ طيبةٌ لَكِنَّهَا تحْتَاج إِلَى شيءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ؟ فَقَالَ أَبُو الْحَارِث: أَنا أعلم، هُوَ ذَا تحْتَاج إِلَى اللَّحْم.

стр. 656

وَحكى دعبلٌ قَالَ: بَلغنِي أَن أَبَا الْحَارِث قد فلج، فاغتممت لظرفه وملاحته، فصرت إِلَيْهِ فَوَجَدته فِي عَافِيَة؛ فحمدت الله وَسَأَلته عَن خَبره؟ فَقَالَ: دخلت الْحمام وأكلت السّمك، ودعوت المزين فَأخذ شعرى، فَظن الفالج لما رأى المزين عِنْدِي أَنِّي احتجمت؛ فَلَمَّا علم أَنه أَخذ من شعري تركني وَانْصَرف. وَنظر يَوْمًا إِلَى برذون يستقى عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَمَا الْمَرْء إِلَّا حَيْثُ يَجْعَل نَفسه لَو أَن هَذَا هملج مَا كَانَ هَذَا. وَأكل يَوْمًا مَعَ الرؤساء بيضًا مسلوقاً، فَجعل يَأْكُل الصُّفْرَة، وينحى الْبيَاض إِلَى بَين يَدي أبي الْحَارِث عَبَثا بِهِ؛ فَقَالَ لما طَال ذَلِك عَلَيْهِ - وتنفس الصعداء -: سقى الله روح العجة فَمَا أعدلها. وَدخل إِلَى بعض أصدقائه يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ: مَا تشْتَهي؟ قَالَ: أما الْيَوْم فماء حصرم، وَأما غَدا فهريسة. قَالَ بَعضهم: دخلت على جمين أعوده من مرضٍ بِهِ، فَقلت لَهُ: مَا تشْتَهي؟ فَقَالَ: أعين الرقباء، وألسن الوشاة، وأكباد الحساد. مر رجلٌ بِهِ فَسلم عَلَيْهِ بِسَوْطِهِ، فَلم يرد عَلَيْهِ؛ فَقيل لَهُ فِي ذَلِك؛ فَقَالَ: سلم عَليّ بِالْإِيمَاءِ، فَرددت عَلَيْهِ بالضمير. وَسَأَلَهُ يحيى بن خَالِد عَن مائدة ابْنه؛ فَقَالَ: أما مائدته فَمن نصف كسرة، وَأما صحافه فمنقورةٌ من قشور حب الخشخاش، وَمَا بَين الرَّغِيف والرغيف مد الْبَصَر، وَمَا بَين اللَّوْن واللون فَتْرَة مَا بَين نَبِي وَنَبِي. قَالَ: فَمن يحضرها: قَالَ: خلقٌ كثيرٌ من الْكِرَام الْكَاتِبين. قَالَ: فيأكل مَعَه أحد؟ قَالَ: نعم، الذبان. قَالَ: سوءة لَهُ هَذَا، فشوبك مخرق وَأَنت بفنائه يطور، فَلَو رقعت قَمِيصك. قَالَ: مَا

стр. 657

أقدر على إبرة، قَالَ: هُوَ يعطيك، قَالَ: وَالله لَو ملك بَيْتا من بَغْدَاد إِلَى النّوبَة مملوءاً إبراً فِي كل إبرةٍ خيطٌ، ثمَّ جَاءَ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل ومعهما يَعْقُوب النَّبِي ﵇ يسألونه إبرة يخيط بهَا يُوسُف قَمِيصه الَّذِي قد من دبرٍ مَا أَعْطَاهُم. وَجَاء إِلَيْهِ رجل يسْأَله شَيْئا، وَقَالَ: قد قطع عَليّ الطَّرِيق. قَالَ: فعلي إِذا قطع الطَّرِيق. ولقيه رجلٌ - وَقد تعلق بِهِ غُلَام - فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَارِث؛ من هَذَا؟ قَالَ: هَذَا غُلَام الْفضل بن يحيى، كنت عِنْد مولى هَذَا أمس، فَقدم إِلَيْنَا مائدةً عَلَيْهَا رغيفان عملا من نصف خشخاشة سوى مَا ذهب عِنْد النحت، وثريدة فِي سكرجةٍ، وخبيصة فِي مسعط، فتنفست الصعداء فَدخل الخوان وَمَا عَلَيْهِ فِي أنفي، فمولاه يطالبني بِالْقيمَةِ. قَالَ الرجل: اسْتغْفر الله مِمَّا تَقول، فَأَوْمأ إِلَى غلامٍ مَعَه وَقَالَ: غلامي هَذَا حرٌ إِن لم يكن لَو أَن عصفوراً وَقع على بعض قشور ذَلِك الخشخاش الَّذِي عمل مِنْهُ ذَلِك، لما رَضِي مولى هَذَا حَتَّى يُؤْتى بذلك العصفور مشوياً بَين رغيفين، والرغيفان من عِنْد العصفور. ثمَّ قَالَ: وَعلي الْمَشْي إِلَى بَيت الله الْحَرَام، إِذا عطشت بالقرعاء رجعت إِلَى دجلت العوراء حَتَّى أشْرب مِنْهَا مَاء، لَو أَن مولى هَذَا كلف فِي يَوْم قائظٍ شَدِيد الْحر أَن يصعد على سلم من زبد، حَتَّى يلتقط كواكب بَنَات نعشٍ كوكباً كوكباً؛ لَكَانَ ذَلِك أسهل عَلَيْهِ من أَن يشم شام تِلْكَ الثريدة، أَو يَذُوق ذائقٌ تِلْكَ الخبيصة. فَقَالَ الرجل: عَلَيْك لعنة الله، وَعلي إِن سَمِعت مِنْك شَيْئا بعد هَذَا. وَقيل لَهُ وَهُوَ على نَبِيذ: كل من هَذَا الطين السيراني فَإِنَّهُ نظيف؛ فَقَالَ: وَمَتى بلغك أَن فِي بَطْني وكفاً. وَقيل لَهُ: مَا تغديت عِنْد فلَان؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي مَرَرْت بِبَابِهِ وَهُوَ يتغدى. قيل: وَكَيف علمت ذَلِك؟ قَالَ: رَأَيْت غلمانه بِبَابِهِ، بِأَيْدِيهِم قسي البنادق يرْمونَ الطير فِي الْهَوَاء. وَقَالَ لَهُ الرشيد: لم لَا تدخل إِلَى مُحَمَّد بن يحيى؟ فَقَالَ: أَدخل وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَأما أكسى من الْكَعْبَة، وَأخرج وَأَنا أعرى من الْحجر الْأسود.

стр. 658

قيل لأبي الْحَارِث: مَا تَقول فِي جواذب بطٍ فِي يَوْم صَائِف؟ . قَالَ: نعم، فِي يَوْم من أَيَّام تموز فِي حمام حَار بمنى. قيل لجمين - وَقد رأى سَوْدَاء قبيحة -: ابتلاك الله بحبها قَالَ: يَا بغيض لَو ابتلاني بحبها كَانَت عِنْدِي من الْحور الْعين، وَلَكِن ابتلاك الله بِأَن تكون فِي بَيْتك وَأَنت تبغضها. وَقَالَ لَهُ الرشيد: اللوزينج أم الفالوذج؟ قَالَ: أحضرهما يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فأحضرا، فَجعل يَأْكُل من هَذَا وَهَذَا، ثمَّ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، كلما أردْت أَن أشهد لأَحَدهمَا غمزني الآخر بحاجبه. قَالَ بَصرِي لجمين: يأتينا الْمَدّ والجزر فِي كل يَوْم مرَّتَيْنِ. قَالَ: يسْتَأْذن الله فِي هلاككم مرَّتَيْنِ، وَكَأن قد. وَرَأَوا عَلَيْهِ جُبَّة قد تخرقت، فَقيل لَهُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: غنت بقول الشَّاعِر: لقا فُؤَادِي، لقد بلَى جزعاً ... قطعه الْبَين والهوى قطعا ثمَّ قيل لَهُ بعد ذَلِك: كَيفَ تغني جبتك؟ فَقَالَ: قد كَانَت تغنى، وَقد صَارَت تلطم فِي مأتم. ودعته امرأةٌ كَانَ يُحِبهَا، فَجعلت تحادثه وَلَا تذكر الطَّعَام، فَلَمَّا طَال ذَلِك بِهِ قَالَ: جعلني الله فداءك، لَا أسمع للغداء ذكرا. قَالَت لَهُ: أما تَسْتَحي أما فِي وَجْهي مَا يشغلك عَن هَذَا؟ قَالَ: جعلني الله فداءك، لَو أَن جميلاً وبثينة قعدا سَاعَة لَا يأكلان شَيْئا لبزق كل مِنْهُمَا فِي وَجه صَاحبه.

стр. 659

الْبَاب التَّاسِع نَوَادِر الجماز قَالَ الجماز لأبي شراعة: كَيفَ تجدك؟ قَالَ: أجدني وقيذاً من دماميل قد ظَهرت فِي أقبح الْمَوَاضِع. قَالَ: مَا أرى فِي وَجهك مِنْهَا شَيْئا. قَالَ بعض إخْوَان الجماز - وَقد دخل إِلَيْهِ وَهُوَ يطْبخ قدرا -: لَا إِلَه إِلَّا الله مَا أعجب الرزق فَقَالَ الجماز: أعجب مِنْهُ الحرمان. امْرَأَته طَالِق إِن ذقتها. وَقَالَ لَهُ السهري: ولد لي البارحة ابنٌ كَأَنَّهُ الدِّينَار المنقوش. فَقَالَ الجماز: لَا عَن أمه. صلى رجلٌ صَلَاة خَفِيفَة؛ فَقَالَ لَهُ الجماز: لَو رآك العجاج لسر بك. قَالَ: وَلم؟ قَالَ: لِأَن صَلَاتك رجز. وتغدى عِنْد إِنْسَان هاشمي وَمر الْغُلَام بصحفةٍ؛ فقطر مِنْهَا شيءٌ على ثوب الجماز، فَقَالَ الْهَاشِمِي: يَا غُلَام؛ اغسل ثَوْبه. فَقَالَ الجماز: دَعه، فمرقتكم لَا تدسم الثَّوْب. وَسمع مَحْبُوسًا يَقُول: اللَّهُمَّ احفظني؛ فَقَالَ: قل اللَّهُمَّ ضيعني حَتَّى تَنْفَلِت. وَقَالَت لَهُ امْرَأَته فِي يَوْم غائمٍ: مَا يطيب فِي هَذَا الْيَوْم؟ فَقَالَ: الطَّلَاق. أَدخل يَوْمًا غلاقاً إِلَى منزله، فَلَمَّا دخل ادّعى أَنه هُوَ فعل بالجماز، فَبَلغهُ ذَلِك؛ فَقَالَ: قد حرم اللواط إِلَّا بولِي وشاهدين.

стр. 660

وَدخل مَعَ صاحبٍ لَهُ إِلَى قثمٍ بن جَعْفَر؛ فتغديا عِنْده وتحدثا، وَأَرَادَ قثم أَن يقيل، فَدَعَا غُلَاما رومياً وضيئاً فَقَالَ: قف هَاهُنَا، فَقَالَ الجماز لصَاحبه: قُم بِنَا نعرج. قَالَ: إِلَى أَيْن؟ قَالَ: إِلَى السَّمَاء، فقد نزلت مَلَائِكَة اللَّيْل. رأى رجلٌ من ولد عبيد الله بن زِيَاد كَأَن النَّبِي وعلياً وَفَاطِمَة ﵈ فِي دَاره، فصَام وَتصدق تبركاً برؤياه، وقصها والجماز حَاضر؛ فَقَالَ: أَتَدْرِي لم جاءوك؟ قَالَ: لَا. قَالَ: جاءوك ليشكروك على فعل أَبِيك بابنهم، فانخذل الرجل وود أَنه لم يذكر من ذَلِك شَيْئا. وَذكر يَوْمًا رجلا قَامَ من عِنْده؛ فَقَالَ: كَأَن قِيَامه من عندنَا سُقُوط جمرةٍ من الشتَاء. وَقيل لَهُ: مَا بقى من شهوتك للنِّسَاء؟ فَقَالَ: القيادة عَلَيْهِنَّ. قَالَ الجماز: رَأَيْت عجوزاً تسْأَل وَتقول: من تصدق علينا بكسرةٍ أطْعمهُ الله من طَيّبَات بَاب الطاق. وَقَالَ: قلت لرجلٍ: قد زَاد سعر الدَّقِيق؛ فَقَالَ: أَنا لَا أُبَالِي لِأَنِّي أَشْتَرِي الْخبز. قَالَ: قلت لرجلٍ رمد الْعين: بِأَيّ شيءٍ تداوي عَيْنَيْك؟ فَقَالَ: بِالْقُرْآنِ وَدُعَاء الوالدة. قلت: اجْعَل مَعَهُمَا شَيْئا يُقَال لَهُ: العنزروت. قَالَ: رَأَيْت بِالْكُوفَةِ رجلا وقف على بقال فَأخْرج إِلَيْهِ رغيفاً صَحِيحا؛ فَقَالَ: أَعْطِنِي كسراً، وبصرفه جزرا. وَقَالَ: حرم النَّبِيذ على ثَلَاثَة عشر نفسا: على من غنى الْخَطَأ، واتكأ على الْيُمْنَى، وَأكْثر أكل النَّقْل، وَكسر الزّجاج، وسرق الريحان، وبل مَا بَين يَدَيْهِ، وَطلب الْعشَاء، وَقطع البم، وَحبس أول قدح، وَأكْثر الحَدِيث، وامتخط فِي منديل الشَّرَاب، وَبَات فِي مَوضِع لَا يحْتَمل الْمبيت. طَالب الجماز امْرَأَته بِالْجِمَاعِ، فَقَالَت: أَنا حَائِض، وتحركت فضرطت؛ فَقَالَ لَهَا: قد حرمتنا خير حرك، فاكفينا شَرّ استك.

стр. 661

قَالَ ابْن عمار: تَذَاكرنَا ضيق الْمنَازل، فَقَالَ الجماز: كُنَّا على نبيذٍ لنا، فَكَانَ أَحَدنَا إِذا دخل الكنيف، وَجَاء الْقدح، مديده إِلَى الساقي فَنَاوَلَهُ إِيَّاه. . قَالَ الجماز: مَرَرْت بنجادٍ - فِي قنطرة البردان طَوِيل اللِّحْيَة - وَامْرَأَته تطالبه بِشَيْء لَهَا عِنْده وَهُوَ يَقُول: رَحِمك الله. متاعك جافٌ وَيحْتَاج إِلَى حشوٍ كثير، وَأَنت من العجلة تمشين على أَربع. أمْلى خَالِد بن الْحَارِث أَحَادِيث حميد عَن أنس، فَكَانَت نسخته فِيهَا سقط. وَكَانَ الجماز يستملي عَلَيْهِ، فَقَالَ خَالِد: حَدثنَا حميدٌ عَن أنس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى اله عَلَيْهِ وَسلم. هَكَذَا فِي نُسْخَتي، وَهُوَ رَسُول الله إِن شَاءَ الله. فَقَالَ الجماز: حَدثكُمْ حميد بن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ . وَشك أَبُو عُثْمَان فِي الله، فَقَالَ خَالِد: كذبت يَا عَدو الله، مَا شَككت فِي الله، وتضاحك أهل الْمجْلس، وأصلحت النُّسْخَة. وَكَانَ يَأْكُل عِنْد سعيد بن سلم على مائدةٍ دون مائدته، فَإِذا رفع من مائدة سعيدٍ شَيْء وضع على الْمَائِدَة الَّتِي عَلَيْهَا الجماز؛ فَالْتَفت الجماز؛ فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرو، وَهَذِه عصبةٌ لتِلْك، كَمَا يُقَال: وَمَا بقى فللعصبة. وَقَالَ لَهُ المتَوَكل: أَي شَيْء أهديت لي يَوْم الْعِيد؟ قَالَ: حَلقَة رَأْسِي. وَأدْخل يَوْمًا غُلَاما، فَلَمَّا بطحه فسا فسوةً مُنكرَة، فَقَالَ الجماز: وَيلك هوذا، تذري من قبل أَن ندرس. وَدخل عَلَيْهِ ثقيلٌ يعودهُ من مَرضه؛ فَلَمَّا نَهَضَ قَالَ للجماز: تَأمر بشيءٍ. قَالَ: نعم بترك العودة. وَقَالَ لرجل: مَا أخرك عَنَّا؟ ؛ فَقَالَ: أصابتني خلفة؛ فَقَالَ الجماز: مَا أبين الخلفة فِي وَجهك. شهى جَعْفَر بن سُلَيْمَان أَصْحَابه؛ فتشهى كل إِنْسَان مِنْهُم جِنْسا من الطَّعَام؛ فَقَالَ للجماز: فَأَنت مَا تشْتَهي؟ قَالَ: أَن يَصح مَا اشتهوا. وَسَأَلَ يَوْمًا غُلَاما، وَأدْخلهُ مَسْجِدا؛ فَلَمَّا فرغ مِنْهُ أقبل الْمُؤَذّن، فَقَامَ الجماز، وخرى فِي الْمِحْرَاب؛ فَقَالَ الْمُؤَذّن: يَا عَدو الله، أعلم على أَنَّك

стр. 662

فجرت بالغلام فِي الْمَسْجِد؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَك بَيت. مَا حجتك فِي أَن قذرت بالمحراب؟ قَالَ: علمت أَنه يشْهد عَليّ يَوْم الْقِيَامَة، فَأَحْبَبْت أَن أجعله خصمي لِئَلَّا تقبل شَهَادَته عَليّ. وَدفع إِلَى الْقصار قَمِيصًا ليغسله، فضيقه، ورد عَلَيْهِ قَمِيصًا صَغِيرا؛ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا قَمِيصِي، قَالَ: بلَى هُوَ قَمِيصك وَلكنه توزى وَفِي كل غسلةٍ يَتَقَلَّص وَيقصر؛ فَقَالَ الجماز: فَأحب أَن تعرفنِي فِي كم غسلةٍ يصير الْقَمِيص زراً؟ . وَقيل لَهُ: لم تقصر شعرك؟ قَالَ: أَلَيْسَ قَلِيل مَا أجئ بِهِ كثيرا فِي جنب مَا يعطونني. وَحضر دَعْوَة بعض النَّاس فَجعل رب الْبَيْت يدْخل وَيخرج وَيَقُول: عندنَا سكباجةٌ تطير طيراناً، عندنَا قليةٌ تطير فِي السَّمَاء، فَلَمَّا طَال ذَلِك على الجماز وجاع قَالَ: يَا سَيِّدي، أحب أَن تخرج لي رغيفاً مقصوص الْجنَاح إِلَى أَن تقع ألوانك الطيارات. وَنظر إِلَى غُلَام؛ فَقَالَ: هَذَا كَانَ من المطففين. قيل: وَكَيف ذَاك؟ . قَالَ: كَانَ إِذا ناكه الْوَاحِد، وَكَانَ وَقت الْفَرَاغ، فرج بَين فَخذيهِ. وَوجد مَعَ غُلَام فِي مَوضِع خالٍ، وَقد حلا سراويلهما، فَقيل لَهُ: مَا تصنع؟ ، قَالَ: نتخاير بالتكك. قَالَ الجماز: اجتزت ببابٍ وَصَاحب الدَّار يُقَاتل امْرَأَته وَيَقُول: لأحملن عَلَيْك الْيَوْم مائَة رجل، فَجَلَسَ شيخ كَانَ خَلْفي على الْبَاب ينْتَظر؛ فَلَمَّا طَال دق الْبَاب وَقَالَ: تُرِيدُ أَن تحمل على هَذِه القحبة أَو انْصَرف. رأى رجلٌ الْهلَال فَاسْتَحْسَنَهُ؛ فَقَالَ لَهُ الجماز: وَمَا تستحسن مِنْهُ؟ فو الله إِن فِيهِ لخصالاً لَو كَانَت إِحْدَاهُنَّ فِي الْحمار لرد بهَا؛ قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: إِنَّه يدْخل الروازن، وَيمْنَع من الدبيب، وَيدل على اللُّصُوص، ويسخن من المَاء، ويخرق الْكَتَّان، وَيُورث الزُّكَام، وَيحل الدّين، ويزهم اللَّحْم.

стр. 663

كَانَ المتَوَكل يحدث عَن الجماز؛ فَكتب فِي حمله، فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ لم يَقع الْموقع الَّذِي ظَنّه؛ فَقَالَ المتَوَكل: تكلم فَإِنِّي أُرِيد أَن أستبرئك. فَقَالَ الجماز: بحيضةٍ أَو بحيضتين؛ فَضَحكت الْجَمَاعَة. وَقَالَ لَهُ الْفَتْح: قد كلت أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيك حَتَّى ولاك جَزِيرَة القرود، فَقَالَ لَهُ الجماز: أفلست فِي السّمع وَالطَّاعَة أصلحك الله؟ ، فحصر الْفَتْح وَسكت. فَقَالَ لَهُ بعض من حضر: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يُرِيد أَن يهب لَك جَارِيَة. فَقَالَ: لَيْسَ مثلي من غرم نَفسه، وَلَا كذب عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ. إِن أرادتني أَن أَقُود عَلَيْهَا، وَإِلَّا فمالها عِنْدِي شَيْء؛ فَأمر لَهُ المتَوَكل بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم، وَأَخذهَا وَانْحَدَرَ؛ فَمَاتَ فَرحا. وَقَالَ لَهُ بعض ولد المتَوَكل فِي هَذَا الْمجْلس: يَا شيخ، أَلا تَسْتَحي مِمَّا تَقول؟ . قَالَ: لَا. قَالَ وَلم؟ . قَالَ: حَتَّى أرى من يستحيا مِنْهُ. رئي الجماز ين. . ك غُلَاما خلف الدَّرْب من قيامٍ؛ فَقيل لَهُ: إيش تعْمل؟ . قَالَ: هُوَ ذَا أبْصر أَنا أطول أم هُوَ.

стр. 664

الْبَاب الْعَاشِر نَوَادِر المجانين قَالَ مجنونٌ - ولقى النَّاس منصرفين من الْجُمُعَة -: أَيهَا النَّاس: " إِنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم جَمِيعًا ". فَقَالَ لَهُ مجنونٌ آخر: " وَلَا تعجل بِالْقُرْآنِ من قبل أَن يقْضى إِلَيْك وحيه ". وَكَانَ بهْلُول من مجانين الْكُوفَة، وَكَانَ يتشيع؛ فَقَالَ لَهُ إِسْحَاق ابْن الصَّباح: أَكثر الله فِي الشِّيعَة مثلك. قَالَ: بل أَكثر الله فِي المرجئة مثلي، وَأكْثر فِي الشِّيعَة مثلك. وَمر مُوسَى بن أبي الروقاء، فناداه صباحٌ الموسوس: يَا بن أبي الروقاء أسمنت برذونك، وهزلت دينك، أما وَالله إِن أمامك لعقبةً لَا يجوزها إِلَّا المخف فحبس مُوسَى برذونه؛ فَقيل لَهُ: هَذَا صباحٌ الموسوس. قَالَ: مَا هُوَ بموسوس؟ . قَالَ ثُمَامَة: قَالَ لي مَجْنُون مرّة: يَا ثُمَامَة، تزْعم أَنْت أَن الِاسْتِطَاعَة إِلَيْك؟ قلت: نعم. قَالَ: فَإِن كنت صَادِقا فاخر وَلَا تبل. وقف رجلٌ على بهْلُول؛ فَقَالَ لَهُ: تعرفنِي؟ ؛ فَقَالَ بهْلُول: إِي وَالله، وأنسبك نِسْبَة الكمأة، لَا أصلٌ ثابتٌ، وَلَا فرعٌ نابت. ودعا الرشيد بهلولاً ليضحك مِنْهُ؛ فَلَمَّا دخل دَعَا لَهُ بمائدةٍ فَقدم عَلَيْهَا خبزٌ وَحده، فولى بهلولٌ هَارِبا؛ فَقَالَ لَهُ: إِلَى أَيْن؟ . قَالَ: أجيئكم يَوْم الْأَضْحَى، فَعَسَى أَن يكون عنْدكُمْ لحمٌ.

стр. 665

أخرج بِلَال بن أبي بردة من حَبسه مَجْنُونا يمازحه، فَقَالَ لَهُ: أَتَدْرِي لم أخرجتك؟ قَالَ: لَا. قَالَ: لأسخر مِنْك. قَالَ: إِن الْمُسلمين حكمُوا حكمين فَسخرَ أَحدهمَا على بِالْآخرِ. قَالَ الْمبرد: دخلت يَوْمًا دير هزقل، فَرَأَيْت فِي صحن الدَّار مَجْنُونا، فدلعت لساني فِي وَجهه، فَنظر إِلَى السَّمَاء، وَقَالَ: الْحَمد وَالشُّكْر من حلوا وَمن ربطوا. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت بحمصٍ مَجْنُونا يَقُول: يَا قوم، من يتَعَلَّم: لَا أَدْرِي؟ يَا هَذَا، تعلم: لَا أَدْرِي؛ فَإنَّك إِذا قلت: لَا أَدْرِي علموك حَتَّى تَدْرِي وَإِذا قلت: أَدْرِي سألوك حَتَّى لَا تَدْرِي. رمى بهلولٌ رجلا فَشَجَّهُ؛ فَقدم إِلَى الْوَالِي، فَقَالَ لَهُ: لم رميت هَذَا؟ . قَالَ: مَا رميته وَلكنه دخل تَحت رميتي. وَقَالَ بهلولٌ يَوْمًا: أَنا وَالله أشتهي من فالوذج وَمن سرقين، فَقَالُوا: وَالله لنبصرته كَيفَ يَأْكُل، فاشتروا لَهُ الفالوذج، وأحضروا السرقين؛ فَأقبل على الفالوذج واكتسحه، وَترك السرقين، فَقَالُوا لَهُ: لم تركت هَذَا؟ . قَالَ: أَقُول لكم، أما - وَالله - يَقع لي أَنه مسمومٌ، من شَاءَ مِنْكُم يَأْكُل ربع رطلٍ حَتَّى آكل أَنا الْبَاقِي. وَجَاء مجنونٌ فَوقف عِنْد شَجَرَة ملساء، فَقَالَ: من يعطيني نصف دِرْهَم حَتَّى أصعد؟ فَعجب النَّاس وَأَعْطوهُ، فأحرزه، ثمَّ قَالَ: هاتوا سلما. قَالُوا: مَا كَانَ السّلم فِي الشَّرْط. قَالَ: وَكَانَ بِلَا سلم فِي الشَّرْط؟ . ووقف بهْلُول على رجل، وَقَالَ: خبرني عَن قَول الشَّاعِر: وَإِذا نبا بك منزلٌ فتحول

стр. 666

كَيفَ هُوَ عنْدك؟ . قَالَ: جيدٌ. قَالَ: فَإِن كنت فِي الْحَبْس فَكيف تتحول؟ . قَالَ: فَانْقَطع الرجل، فَقَالَ بهْلُول: الصَّوَاب قَول غَيره: إِذا كنت فِي دارٍ يسوءك أَهلهَا ... وَلم تَكُ مكبولا بهَا فتحول أُصِيب إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن الصَّباح الْكِنْدِيّ بابنٍ لَهُ، فجزع؛ فَدخل أهل الْكُوفَة يعزونه، وَدخل فيهم بهْلُول؛ فَقَالَ: أَيَسُرُّك أَنه بقى وَأَنه مثلي؟ . قَالَ: لَا وَالله، وَإِنَّهَا لتعزية. قَالَ بَعضهم: جَاءَنَا جعيفران فِي سوق أَصْحَاب اللُّؤْلُؤ، فوهب لَهُ إنسانٌ حَبَّة من الْحبّ الصغار؛ فَقَالَ لَهُ رجل: أتبيعها بطسوج؟ ، فَقَالَ: إِن كَانَ بطسوج بادرونا فَنعم. هرب مَجْنُون من الصّبيان، وَدخل دهليزا، وأغلق الْبَاب فِي وُجُوههم وَجلسَ؛ فَخرج إِلَيْهِ صَاحب الدَّار، فَقَالَ: لم دخلت دَاري؟ . قَالَ: من أَيدي هَؤُلَاءِ أَوْلَاد الزِّنَى. فَدخل صَاحب الدَّار، وَأخرج طبقًا عَلَيْهِ رطب كثير، فَجَلَسَ الْمَجْنُون يَأْكُل، وَالصبيان يصيحون على الْبَاب؛ فَأخْرج الْمَجْنُون رَأسه إِلَى صَاحب الدَّار، فَقَالَ: بابٌ بَاطِنه فِيهِ الرَّحْمَة وَظَاهره من قبله الْعَذَاب. قيل لمَجْنُون كَانَ بِالْبَصْرَةِ: عدلنا مجانين الْبَصْرَة. قَالَ: كلفتموني شططا، أَنا على عد عقلائهم أقدر. كَانَ بِبَغْدَاد مجنونٌ يلبس فَرْوَة مَقْلُوبَة، فَإِذا قيل لَهُ فِي ذَلِك قَالَ: لَو علم الله أَن الصُّوف إِلَى داخلٍ أَجود عمل الصُّوف إِلَى دَاخل. قَالَ الْفَزارِيّ: رَأَيْت مَجْنُونا يسوى رَأس سَكرَان، وَيَقُول لَهُ: يؤيؤ، وَالله لَا أفلحت أبدا. قيل لمَجْنُون: أَيْن المولد؟ . قَالَ: المولد الْبَصْرَة، والمنشأدير هزقل. شدّ مجنونٌ على رجل بِالْبَصْرَةِ، فَأَخذه الرجل فَضَربهُ. فَقَالَ النَّاس: إِنَّه مَجْنُون، وَجعل الْمَجْنُون من تَحْتَهُ: وَيحكم أفهموه.

стр. 667

قيل لمَجْنُون: أَيَسُرُّك أَن تصلب فِي صَلَاح هَذِه الْأمة؟ . قَالَ: لَا، وَلَكِن يسرني أَن تصلب الْأمة فِي صلاحي. قَالَ دَاوُد الْمُصَاب لصديق لَهُ: رَأَيْت البارحة رُؤْيا نصفهَا حق، وَنِصْفهَا بَاطِل، رَأَيْت كَأَنِّي قد حملت على عَاتِقي بدرة، فَمن ثقلهَا خريت فانتبهت فَرَأَيْت الخرا، وَلم أر البدرة. سمع مجنونٌ رجلا يَقُول: اللَّهُمَّ لَا تأخذنا على غَفلَة. فَقَالَ: إِذا لَا يأخذك أبدا. قَالَ بَعضهم: كَانَ بِالشَّام مجنونٌ يستطرف حَدِيثه، قَالَ: رَأَيْته يَوْمًا وَقد رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء وَهُوَ يَقُول: النَّاس كَذَا يعْملُونَ، وهذيانٌ كثير. قيل لَهُ: مَا تَقول؟ وَيحك. قَالَ: أعاتب رَبِّي. قيل: فَكَذَا يُخَاطب الله. قَالَ: قلت لَهُ: بدل مَا خلقت مائَة وجوعتهم لَو كنت تخلق عشرَة وتشبعهم لَكَانَ خيرا. جَاءَ مجنونٌ إِلَى يزِيد بن هَارُون، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا خَالِد؛ أَلَيْسَ النَّبِي ﷺ قَالَ: " لَوْلَا أَن الْكلاب أمةٌ من الْأُمَم لأمرت بقتلها، وَلَكِن اقْتُلُوا مِنْهَا كل أسود بهيم ". قَالَ يزِيد: نعم. فَقَالَ الْمَجْنُون: أَلَيْسَ قد قَالَ الله تَعَالَى: " وَإِن من أمةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نذيرٌ ". فَمن نَذِير الْكلاب؟ قَالَ: فتحير يزِيد فِي جَوَابه. فَقَالَ لَهُ الْمَجْنُون: تحب يَا أَبَا خَالِد أَن أعرفك نَذِير الْكلاب؟ قَالَ: نعم، فَأخذ حجرا فَرمى بِهِ كَلْبا بِالْقربِ مِنْهُ؛ فَعدا الْكَلْب يعوي وينبح؛ فَقَالَ: يَا أَبَا خَالِد؛ الْحجر نَذِير الْكلاب. سَأَلَ بعض الْوُلَاة عَن أبي نصر الْهَرَوِيّ ليعبر لَهُ رُؤْيا رَآهَا، فَقيل لَهُ: هُوَ بمرو يأوي الصَّحرَاء؛ فَبعث إِلَيْهِ، فَأتي بِهِ؛ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت كَأَن فِي كمي عصافير؛ فَجعلت تفلت وَاحِدَة وَاحِدَة، وَتَطير؛ فَلَمَّا كَانَ آخر عصفورةٍ كَادَت تفلت، فحبستها. قَالَ الْمَجْنُون: أكلت عدسية، فَبت تضرط ليلتك؛ فَلَمَّا كَانَ آخرهَا أردْت أَن تسلح فحبسته. فَقَالَ الْوَالِي: اسْكُتْ قبحك الله. قَالَ: هُوَ وَالله مَا قلت. فَلَمَّا خرج قَالَ الرجل: وَالله مَا أَخطَأ شَيْئا.

стр. 668

رثي بهْلُول مغموماً يبكي؛ فَقيل: مَا يبكيك؟ . قَالَ: كَيفَ لَا أبْكِي؟ وَقد جَاءَ الشتَاء وَلَيْسَ لي جُبَّة. فَقيل: لَا تبك؛ فَإِن الله لَا يدعك بِلَا جُبَّة. قَالَ: بلَى وَالله. عَام أولٍ تركني بِلَا جُبَّة وَلَا سَرَاوِيل، وأخاف أَن يدعني الْعَام بِلَا جُبَّة وَلَا سَرَاوِيل وَلَا قلنسوة. قَالَ بَعضهم: مَرَرْت يَوْمًا ببهلول، وَهُوَ يَأْكُل فرنية حوارِي مَعَ دجَاجَة، فَقلت لَهُ: يَا بهْلُول؛ أَطْعمنِي مِمَّا تَأْكُل، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا لي - وحياتك - هَذَا دَفعته إِلَيّ أم جعفرٍ آكله لَهَا. نظر رجلٌ إِلَى جماعةٍ من المجان حول مَجْنُون، فَقَالَ لَهُ: ادخل إِلَى بعض الْمَوَاضِع حَتَّى يتفرقوا عَنْك. قَالَ: إِذا جَاعُوا انصرفوا. قيل لبهلول: تَأْخُذ درهما وتشتم فَاطِمَة؟ . قَالَ: لَا، وَلَكِن هاتوا نصف درهمٍ حَتَّى أشتم عَائِشَة، وَأَزِيدكُمْ أَبَاهَا. كَانَ الجهجاه مَجْنُونا، وَكَانَ يَدعِي الْخلَافَة، فَأدْخل على الرشيد، وَعِنْده أَبُو يُوسُف القَاضِي، فَقَالَ: جَعْفَر بن يحيى كالهازئ بِهِ: هَذَا أَمِير الضراطين. يزْعم أَنه أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: لَو كنت كَذَلِك أوسع إمرةً من صَاحبك؛ لِأَن الضراط عامٌ، وَالْإِيمَان خاصٌ. قَالَ لَهُ الرشيد: لأضربنك بالسياط حَتَّى تقر بالزندقة. قَالَ: فَإِذا أَقرَرت ترى قَتْلِي؟ . قَالَ: نعم، قَالَ: فَالْتَفت إِلَى أبي يُوسُف، وَقَالَ: يَا يَعْقُوب؛ لَيْسَ لصاحبنا فقهٌ. قيل لبهلول: أيكفي اثْنَيْنِ رأسٌ وَاحِد؟ . قَالَ: إِذا كَانَ أَحدهمَا نَائِما. وَحضر مَجْلِسا فِيهِ قوم يتذاكرون الحَدِيث، فرووا عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: لَو أدْركْت لَيْلَة الْقدر مَا سَأَلت رَبِّي إِلَّا الْعَفو الْعَافِيَة. فَقَالَ بهْلُول: وَالظفر بعليٍّ يَوْم الْجمل. وَحكى أَن صَاحب المارستان أَتَاهُ بقدح فِيهِ دَوَاء، وَقَالَ لَهُ: اشرب يَا بن الزَّانِيَة؛ فَقَالَ: هَات حَتَّى أشربه وَالله أعلم أَنَّك أَحَق بِهِ مني. وَلما حمل إِلَى المارستان سَأَلَ النَّاس أَن يأذنوا لَهُ فِي أَن يلم ببيته، ويوصي أَهله بشيءٍ، فمنعوه، فَقَرَأَ: " فَلَا يَسْتَطِيعُونَ توصيةً وَلَا إِلَى أهلهم يرجعُونَ ".

стр. 669

وَقيل لَهُ: مَا تشْتَهي من الْفَاكِهَة الرّطبَة؟ . قَالَ: لحمٌ. قيل: فَمن الْيَابِسَة؟ قَالَ: قديدٌ، قيل: فَمن الشَّرَاب؟ . قَالَ: مرقة. قيل: فَمن السماع؟ . قَالَ: نشيش المقالي. قَالَ قوم لمَجْنُون بِالْبَصْرَةِ أديب: عظنا، وهم يهزءون بِهِ؛ فَقَالَ: هَذِه قصورهم، وَهَذِه قُبُورهم. فأبكاهم. قَالَ أَبُو العيناء: حضرت أَبَا دينارٍ وَأَبا لُقْمَان الممرورين يتناظران عِنْد ابْن أبي دواد؛ فَقَالَ أَبُو لُقْمَان لأبي دِينَار: من أفضل النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ ؟ ، قَالَ ابْن دواد: أَبُو بكر الصّديق. فَقَالَ أَبُو لُقْمَان: أم الْكَاذِب زَانِيَة. قَالَ ابْن أبي دواد: هَذَا كَلَام قد انْتهى إِلَى آخِره. كَانَ بهلولٌ يجمع مَا يُوهب عِنْد مولاة لَهُ من كِنْدَة، وَكَانَت لَهُ كالأم، وَرُبمَا أُخْفِي عَنْهَا شَيْئا وَدَفنه، فجَاء يَوْمًا بِعشْرَة دَرَاهِم كَانَت مَعَه إِلَى خربة فدفنها فِيهَا، ولمحه رجلٌ، فَلَمَّا خرج بهلولٌ ذهب الرجل فَأخذ الدَّرَاهِم، وَعَاد بهْلُول فَلم يجدهَا. وَقد كَانَ رأى الرجل يَوْم دَفنهَا فَعلم أَنه صَاحبه، فجَاء إِلَيْهِ فَقَالَ: اعْلَم يَا أخي أَن لي دَرَاهِم مدفونة فِي مَوَاضِع كثيرةٍ مُتَفَرِّقَة، وَأُرِيد أَن أجمعها فِي موضعٍ دفنت فِيهِ هَذِه الْأَيَّام عشرَة دَرَاهِم؛ فَإِنَّهُ أحرز من كل مَوضِع، فَاحْسبْ بِاللَّه كم تبلغ جُمْلَتهَا. قَالَ: هَات. قَالَ: خُذ عشْرين درهما فِي مَوضِع كَذَا، وَخمسين فِي مَوضِع كَذَا، حَتَّى طرح عَلَيْهِ مِقْدَار ثلثمِائة دِرْهَم. ثمَّ قَامَ بَين يَدَيْهِ وَمر؛ فَقَالَ الرجل فِي نَفسه: الصَّوَاب أَن أرد الْعشْرَة إِلَى موضعهَا، حَتَّى يجمع إِلَيْهَا هَذِه الْجُمْلَة ثمَّ آخذها، فَردهَا. وَجَاء بهْلُول فَدخل الخربة، وَأخذ الْعشْرَة، وخرى مَكَانهَا، وغطاه بِالتُّرَابِ وَمر، وَكَانَ الرجل مترصداً لبهلول وَقت دُخُوله وَخُرُوجه؛ فَلَمَّا خرج مر بالعجلة، فكشف عَن الْموضع، وتلوثت يَده بالخرا، وَلم يجد شَيْئا، وفطن لحيلة بهْلُول عَلَيْهِ. ثمَّ إِن بهلولاً عَاد إِلَيْهِ بعد يَوْمَيْنِ فَقَالَ: احسب يَا سَيِّدي؛ عشْرين درهما، وَخَمْسَة عشر درهما، وَعشرَة دَرَاهِم، وشم يدك. فَوَثَبَ الرجل ليضربه، وَعدا بهْلُول. وَولى بعض بني هَاشم الْكُوفَة، فَلَمَّا صعد الْمِنْبَر قَالَ: الْحَمد لله، وَارْتجَّ عَلَيْهِ، فَجعل يُكَرر ذَلِك؛ فَقَالَ بهْلُول: الَّذِي ابتلانا بك.

стр. 670

وَجَاز بهْلُول بسوق البزازين، فَرَأى قوما مستجمعين على بَاب دكان ينظرُونَ إِلَى نقبٍ قد نقب على بَعضهم، فَاطلع فِي النقب، ثمَّ قَالَ: وكلكم لَا تعلمُونَ ذَا من عمل من؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَإِنِّي أعلم. فَقَالَ النَّاس: هَذَا مجنونٌ يراهم بِاللَّيْلِ وَلَا يتحاشونه، فأنعموا لَهُ القَوْل لَعَلَّه يخبر بذلك. فَسَأَلُوهُ أَن يُخْبِرهُمْ. فَقَالَ: إِنِّي جَائِع، فهاتوا أَرْبَعَة أَرْطَال رقاقٍ ورأسين، فأحضروا ذَلِك وَأكل، فَلَمَّا استوفى قَالَ: هوذا أشتهي شَيْئا حلواً، فأحضروا لَهُ رطلين فالوذج فَأَكله، وَفرغ مِنْهُ وَقَامَ وَتَأمل النقب، ثمَّ قَالَ: كأنكم السَّاعَة لَسْتُم تعلمُونَ هَذَا من عمل من؟ . قَالُوا: لَا. قَالَ: هَذَا من عمل اللُّصُوص لَا شكّ. وَعدا. ولع الصّبيان بعيناوة، وصاحوا عَلَيْهِ، ورموه، فهرب مِنْهُم فاستقبلته امرأةٌ مَعهَا صبيٌ صَغِير، فَدَنَا مِنْهَا وَلَطم الطِّفْل لطمةً كَادَت تَأتي عَلَيْهِ، فَقَالَت الْمَرْأَة: قطعت يدك إيش أذْنب هَذَا إِلَيْك. قَالَ: يَا قحبة؛ هَذَا يكون غَدا شرا من هَؤُلَاءِ الكشاخنة. ركب الْهَادِي يَوْمًا، فَنظر إِلَى مَجْنُون يلقب بكسرة؛ ويرمى من يَقُول هَذَا اللقب، وَيعْمل الْعَجَائِب؛ فَأمر بِحمْلِهِ إِلَى الدَّار، فَقَالَ لَهُ: لم تَشْتُم النَّاس إِذا قَالُوا لَك: كسرة؟ . قَالَ: وَلم تضرب الْأَعْنَاق إِذا قيل لَك: مُوسَى اطبق؟ . قَالَ: أَنا لَا أغضب من هَذَا. قَالَ: فصح أَنْت بِي ثَلَاث مراتٍ، وأصيح مرَّتَيْنِ فَنَنْظُر من يحرد. قَالَ: قد رضيت. فَقَالَ الْهَادِي: يَا كسرة؛ يَا كسرة. ثَلَاث مَرَّات، وطولها، فَلم يلْتَفت الْمَجْنُون، وَلم يَتَحَرَّك وَلم يحرد، ثمَّ صَاح: يَا مُوسَى اطبق. فَلم يَتَحَرَّك الْهَادِي، فَقَالَ الْمَجْنُون: مَا يتغافل إِلَّا من أمه قحبة. فحرد الْهَادِي، ودعا بالنطع وَالسيف، فَقَالَ الْمَجْنُون: كَيفَ رَأَيْت؟ كَانَ الْمَجْنُون وَاحِدًا، صرنا اثْنَيْنِ. وَأَنا أَيْضا هَكَذَا؛ لَو قَالُوا: يَا كسرة؛ يَا رغيف. ألف سنة مَا باليت، وَلَكِن كَذَا يَقُولُونَ لي إِذا تغافلت. فَضَحِك الْهَادِي وَأمر لَهُ بجائزة. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت مجنونين قد رفعا إِلَى بعض أَصْحَاب الشَّرْط، وَقد تواثبا وتخاصما؛ فَقَالَ لأَحَدهمَا: لم فعلت هَذَا؟ . قَالَ: لِأَنَّهُ وثب عَليّ وشجني؛
следующие страницы →