Полный текст (1 737 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وَكتب إِلَى صديقٍ لَهُ يطْلب مِنْهُ بخوراً. شممت مِنْك الْيَوْم - وَحقّ الله عزك الله - رَائِحَة طيبَة وَذَلِكَ وحياتك بإطراح الحشمة موفقاً، إِن شَاءَ الله. قَالَ: وَكتب آخر إِلَى أَبِيه من الْبَصْرَة: كتابي هَذَا وَلم يحدث علينا إِلَّا خير وَالْحَمْد لله، إِلَّا أَن حائطنا وَقع، فَقتل أُمِّي وأختي وجاريتنا، ونجوت أَنا والسنور وَالْحمار. فعلت إِن شَاءَ الله. قَالَ أَبُو العيناء: شكا بعض الْكتاب فِي نكبته وَكَانَ قد وزر فَقَالَ: أخذُوا مَالِي، وقلعوا أسناني إِلَّا أَن دَاري لم تَبْرَح مَكَاني. قَالَ أَبُو هفان: سَمِعت بعض الحمقى يُخَاصم امْرَأَته، وَفِي جيرتهم أَحمَق آخر، فَاطلع عَلَيْهِم؛ فَقَالَ: مَا هَذَا، اعْمَلْ مَعَ هَذِه كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: " إِمَّا إمساكٌ بإيش اسْمه، وَإِمَّا تسريحٌ بإيش يُقَال لَهُ " فَضَحكت من حسن بَيَانه. وَكتب آخرٌ إِلَى صديقٍ لَهُ يعزيه عَن دَابَّته: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. جعلني الله فدَاك، بَلغنِي منيتك بدابتك، وَلَوْلَا علةٌ نسيتهَا إِلَيْك حَتَّى أعزيك فِي نَفسِي. جَاءَ رجلٌ إِلَى الرشيد؛ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنِّي قد هجوت الرافضة. فَقَالَ: هَات. فَأَنْشد: رغيفاً وَسمنًا وَزَيْتُونًا ومظلمة ... من أَن ينالوا من الشَّيْخَيْنِ طغيانا فَقَالَ: وَيلك فسره لي. قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَعَك مائَة ألف رجل من الْجند لَا تعرفه، كَيفَ أعرفهُ أَنا وحدي؟ . قَالَ أَبُو عُثْمَان: حَدثنِي مسْعدَة بن طَارق قَالَ: وَالله إِنَّا لوقوفٌ على حُدُود دَار فلَان للْقِسْمَة - وَنحن فِي خصومةٍ - إِذا أقبل سيد بني تَمِيم وموسرهم، وَالَّذِي يُصَلِّي على جنائزهم؛ فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ مُقبلا أمسكنا عَن الْكَلَام؛ فَأقبل علينا؛
стр. 702
فَقَالَ: حَدثُونِي عَن هَذِه الدَّار هَل ضم مِنْهَا بعضٌ إِلَى بعضٍ أحدا؟ . قَالَ مسْعدَة: فَأَنا مُنْذُ سِتِّينَ سنة أفكر فِي كَلَامه، مَا أَدْرِي مَا عَنى بِهِ. كَانَت عَلامَة أبي الْحمار لما تقلد ديوَان الْخراج فِي سنة الْفِتْنَة، الَّتِي كَانَ يوقعها فِي الصكاك: لَا إِلَه إِلَّا الله. مَا أعجب مَا نَحن فِيهِ. فَكَانَ بعض الْكتاب بعد ذَلِك يَقُول: لَا وَالله، مَا نَحن إِلَّا فِي عَلامَة أبي الْحمار. حكى عَن حَمْزَة بن نصير - مَعَ جلالته عِنْد سُلْطَانه، وموضعه من ولائه -: أَنه دخل على امْرَأَته، وَعِنْدهَا ثوب وشى؛ فَقَالَت لَهُ: كَيفَ هَذَا الثَّوْب؟ . قَالَ: بكم اشْتَرَيْته؟ . قَالَت: بِأَلف دِرْهَم. قَالَ: قد - وَالله - وضعُوا فِي استك مثل ذَا، وَأَشَارَ بكفه مَقْبُوضَة مَعَ ساعده؛ فَقَالَت: لم أزن الثّمن بعد. قَالَ: فخاصهم بعد فِي يدك. قَالَت: فأختك قد اشترت شرا مِنْهُ بِأَلفَيْنِ. قَالَ: إِن أُخْتِي تضرط من استٍ وَاسِعَة. قَالَت: وَلَكِن أمك عرض عَلَيْهَا فَلم ترده. قَالَ: لِأَن تِلْكَ فِي استها شَعْرَة. قَالَ أَحْمد بن الطّيب: هَذَا كَلَام الخرس أحسن مِنْهُ. قَالَ أَبُو هفان: رَأَيْت شَيخا بِالْكُوفَةِ قَاعِدا على بَاب دَار، وَله زِيّ وهيئة وَفِي الدَّار صُرَاخ. فَقلت: يَا شيخ، مَا هَذَا الصُّرَاخ؟ ، فَقَالَ: هَذَا رجلٌ افتصد فَبلغ المبضع شادروانه فَمَاتَ. يُرِيد: بلغ المبضع شريانه. وصف بَعضهم امْرَأَة؛ فَقَالَ: عينهَا الْأُخْرَى أكبر من عينهَا الْأُخْرَى. كتب بعض من وزر بِالريِّ آنِفا كتابا فِي معنى أَبِيه إِلَى صديق لَهُ بِبَغْدَاد - وَكَانَ قد حج أَبوهُ -: هَذَا الْكتاب يوصله فلانٌ ابْن فلَان، وَهُوَ وَالِدي، وقديم الصُّحْبَة لي، وَاجِب الْحق عَليّ، ولي بأَمْره عناية. وَدخل أَبُو طَالب صَاحب الطَّعَام على هاشمية جَارِيَة حمدونة بنت الرشيد، على أَن يَشْتَرِي طَعَاما من طعامهم فِي بعض البيادر؛ فَقَالَ لَهَا: إِنِّي قد رَأَيْت متاعك. فَقَالَ هاشمية: قل طَعَامك. قَالَ: وَقد أدخلت فِيهِ يَدي فَإِذا متاعك قد خم وَحمى. وَقد صَار مثل الجيفة. قَالَت: يَا أَبَا طَالب، أَلَيْسَ قد قلبت الشّعير، فَأَعْطِنَا مَا شِئْت، وَإِن وجدته فَاسِدا.
стр. 703
وَدخل أَبُو طَالب هَذَا على الْمَأْمُون؛ فَقَالَ: كَانَ أَبوك يَا با خيرا لنا مِنْك، وَأَنت يَا با لَيْسَ تعدنا، وَلَيْسَ تبْعَث إِلَيْنَا، وَنحن يَا با تجارك وَجِيرَانك. والمأمون فِي كل ذَلِك يتبسم. قَالَ الجاحظ: كتب رجلٌ إِلَى صديقٍ لَهُ: بَلغنِي أَن فِي بستانك آساً بهمنياً فَهَب أَي أمرا من أَمر الله الْعَظِيم. قَالَ: وَهُوَ الَّذِي قَالَ: كَانَ عياشٌ وثمامة حَتَّى يعظمني تَعْظِيمًا لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مثله. فَلَمَّا مَاتَ ثُمَامَة صَار لَيْسَ يعظمني تَعْظِيمًا لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مثله. وَكَانَ ابنٌ لسعيدٍ الْجَوْهَرِي يَقُول: صلى الله ﵎ على محمدٍ ﷺ . وَكَانَ بِالريِّ وراقٌ حسن الْخط، وَكَانَ إِذا كتب اسْم الله تَعَالَى أَو اسْم النَّبِي فِي الْقُرْآن أَو الشّعْر بعدهمَا مَا يَكْتُبهُ الانسان فِي سَائِر الْمَوَاضِع فَكَانَ يكْتب فِي الْقُرْآن: " إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان ". " وَمَا محمدٌ ﷺ إِلَّا رسولٌ قد خلت من قبله الرُّسُل ". وَكَانَ يكْتب فِي الشّعْر: إِن تقوى رَبنَا خير نفلوبإذن الله ﵎ ريثي وَعجل وَيكْتب: هجوت مُحَمَّدًا ﷺ فأجبت عَنهُ: وَعند الله تَعَالَى فِي ذَاك الْجَزَاء
стр. 704
وَقَالَ الجاحظ قلت لنفيس غلامي: بَعَثْتُك إِلَى السُّوق فِي حاجةٍ فَلم تقضها؛ فَقَالَ: يَا مولَايَ، أَنا ناقةٌ من مرضِي، وَلَيْسَ فِي ركبتي دماغ. وَقَالَ الجاحظ: قَالَ الْحجَّاج لأبي الجهير الْخُرَاسَانِي النخاس: أتبيع الدَّوَابّ المعيبة من جند السُّلْطَان؟ ؛ فَقَالَ: شريكاتنا فِي هوازها وشريكاتنا فِي مدائنها، وكما يَجِيء يكون. قَالَ الْحجَّاج: مَا تَقول؟ . قَالَ بعض من كَانَ قد اعْتَادَ الْخَطَأ وَكَلَام العلوج بِالْعَرَبِيَّةِ: يَقُول: شركاؤنا بالأهواز وبالمدائن يبعثون إِلَيْنَا هَذِه الدَّوَابّ؛ فَنحْن نبيعها على وجوهها. قَالَ ابْن أبي فنن: طلبت من عبد الله بن أَحْمد بن الخصيب بخوراً؛ فَكتب إِلَيْهِ: فدتك نَفسِي من السوء برحمته، كتابي إِلَيْك وَأَنا وحدي، والجواري عِنْدِي؛ فَأَما البخور فَإِن أَبَا الْعَبَّاس فِي الْحمام إِن شَاءَ الله. وَكتب بعض الشُّيُوخ الْفُضَلَاء إِلَى شيخ من الْعُدُول بِالريِّ نفقت بغلته: نبئت أَن الشَّيْخ قد مَاتَ بغلته، هَيْهَات هَيْهَات. وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل، وَالْحَمْد لله وَحده، وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد نبيه وعَلى آله الطاهرين وَسلم تَسْلِيمًا. / الْفَصْل الرَّابِع
стр. 705
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا إِلَى الْجنَّة بتوفيقه وتوقيفه، وَعدل بِنَا عَن النَّار بتحذيره وتخويفه، وَأرْسل رسله مبشرين برحمته الواسعة، ومنذرين بنعمته النازعة، وَخص مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله من بَينهم فِي الْآخِرَة بالحوض والشفاعة، والشرف والكرامة. وبالدرجات الْعلَا، وبسدرة الْمُنْتَهى وَفِي الدُّنْيَا بالبرهان الباهر، وَالسُّلْطَان القاهر، والمعجز الساطع، وَالسيف الْقَاطِع، والصراط الْمُسْتَقيم، والسبع المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم، وَجعل أمته أَكثر الْأُمَم عددا، وأوسطهم سددا، وأطولهم أمدا، وأهداهم قصدا، وأبينها رشدا، وَنسخ بملته الْملَل، وبنحلته النَّحْل، وَوصل شَرِيعَته بِالْيَوْمِ الآخر، وَجعلهَا خَاتِمَة الشَّرَائِع والأوامر. وأيده بِسَيْفِهِ المهند، وسهمه المسدد، وشباته المرهفة، وقناته المثقفة، خاصف النَّعْل، وآكل الطير، وقسيم الْجنَّة وَالنَّار، فَقتل غطارفة قُرَيْش، وجبابرة هوَازن وَثَقِيف، وطواغيت قُرَيْظَة وَالنضير، حَتَّى أذعن المعاند، وَأقر الجاحد، وذل الْبَاذِل وتطامن الشماخ، وَظهر دين الله، وَتب أَعدَاء الله، " وَقيل بعدا للْقَوْم الظَّالِمين ". اللَّهُمَّ إِنَّا نشكرك على نِعْمَتك الَّتِي نرى توفيقك لشكرها نعْمَة أُخْرَى، هِيَ بِالْحَمْد لَهَا أولى، وبالثناء عَلَيْهَا أَحْرَى، أَنْعَمت علينا بِحَسب قدرتك المطيفة بالخلق، وكلفتنا من الشُّكْر بِقدر قوتنا الضعيفة على أَدَاء الْحق، ورضيت منا بالميسور من الْحَمد، وبالعفو من الشُّكْر دون الْجهد، فَأَنت الْمَحْمُود على نِعْمَتك، والمعبود لعزتك، والمدعو وَحدك لَا شريك لَك، أحَاط علمك بالخفية، وانبسطت يدك بِالْعَطِيَّةِ، وأذل عزك الْجَبَابِرَة، وقهر ملكك الْمُلُوك الْقَاهِرَة، مَالك الْخلق. الْأَمر، ومنشئ السَّحَاب ومنزل الْقطر.
стр. 706
نَعُوذ بك من الخضوع والقنوع، والقلة والذلة، والمهانة والاستكانة، والطبع والطمع، وَمن الْحَسَد المضنى، وَمن الْحِرْص الْمَعْنى، وَمن الغضاضة فِي النَّفس، والخصاصة فِي الْحَال، وَمن سوء المآب وَشر المَال، وَمن كل مَا تطأطأ لَهُ الرُّءُوس وتطامن لَهُ النُّفُوس. كَمَا نَعُوذ بك من الْبَصَر والأشر، والبذخ والنخوى، وَسُوء احْتِمَال الْغنى والثروى، والاستئثار بِالْخَيرِ وَالنعْمَة، وقساوة الْقلب وَقلة الرَّحْمَة، وَمن استضعاف العائل، وانتهار السَّائِل، وَمن سوء الملكة عِنْد الاقتدار، وَمن التَّعَدِّي عِنْد الانتصاف، والاعتداء عِنْد الِانْتِصَار، وَمن الاستهانة بِذِي الْقُرْبَى الضَّعِيف، وَالْجَار المهين، والاستطالة على مَا ملكتنا رقابة من ملك الْيَمين. اللَّهُمَّ أَنْت أعلم بمصالح أحوالنا وعواقب أَعمالنَا، فسددنا لما فِيهِ خير الدُّنْيَا وَخير الاخرة، وصل على مُحَمَّد النَّبِي وعترته الطاهرة هَذَا هُوَ الْفَصْل الرَّابِع من كتاب نشر الدّرّ، وَهُوَ أحد عشر بَابا: الْبَاب الاول: كَلَام شرائف النِّسَاء الْبَاب الثَّانِي: نكت من كَلَام سَائِر نسَاء الْعَرَب وجواباتهن المستحسنة الْبَاب الثَّالِث: الْحِيَل والخدائع الْبَاب الرَّابِع: نكت من كَلَام الْحُكَمَاء الْبَاب الْخَامِس: جنس آخر من الحكم والآداب، وَهُوَ مَا جَاءَ على لفظ الْأَمر والنهى الْبَاب السَّادِس: جنس آخر من الحكم والأمثال الْبَاب السَّابِع: نكت فِي سياسة السُّلْطَان وأدب الرّعية الْبَاب الثَّامِن: نَوَادِر الجوارى وَالنِّسَاء المواجن الْبَاب التَّاسِع: نَوَادِر الْقصاص الْبَاب الْعَاشِر: نَوَادِر الْقَضَاء وَمن يتَقَدَّم إِلَيْهِم الْبَاب الْحَادِي عشر: نَوَادِر لأَصْحَاب النِّسَاء والزناة والزواني.
стр. 707
الْبَاب الأول كَلَام للنِّسَاء الشرائف
فَاطِمَة ابْنة رَسُول الله ﵍ خطبتها لما منعهَا أَبُو بكر فدكا
قَالُوا: لما بلغ فَاطِمَة ﵍ إِجْمَاع أبي بكر منعهَا فدكا لاثت خمارها على رَأسهَا، واشتملت بجلبابها، وَأَقْبَلت فِي لمة من حفدتها وَنسَاء قَومهَا، تطَأ ذيولها، مَا تخرم مشيتهَا مشْيَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ، حَتَّى دخلت على أبي بكر وَهُوَ فِي حشد من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَغَيرهم، فنيطت دونهَا ملاءة، ثمَّ أَنْت أنة أجهش لَهَا الْقَوْم بالبكاء، وَارْتجَّ الْمجْلس ثمَّ أمهلت هنيهة، حَتَّى إِذا سكن نشيج الْقَوْم، وهدأت فورتهم افتتحت كَلَامهَا بِحَمْد الله وَالثنَاء عَلَيْهِ ٣٤٧ وَالصَّلَاة على رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَت: " لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم ". فَإِن تعرفوه تَجِدُوهُ أبي دون آبائكم، وأخا ابْن عمي دون رجالكم، فَبلغ الرسَالَة صادعاً بالنذارة، بَالغا بالرسالة، مائلاً عَن سنَن الْمُشْركين، ضَارِبًا لشبحهم، يَدْعُو إِلَى سَبِيل ربه بالحكمة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة، آخِذا بأكظام الْمُشْركين، يهشم الْأَصْنَام ويفلق الْهَام،
стр. 708
حَتَّى انهزم الْجمع وولوا الدبر، حَتَّى تفرى اللَّيْل عَن صبحه، وأسفر الْحق عَن محضه، ونطق زعيم الدّين، وخرست شقاشق الشَّيْطَان، وتمت كلمة الْإِخْلَاص، " وكنتم على شفا حُفْرَة من النَّار "، ثهزة الطامع، ومذقة الشَّارِب، وقبسة العجلان، وموطئ الْأَقْدَام، تشربون الطّرق، وتقتاتون الْقد، أَذِلَّة خَاسِئِينَ، يخطفكم النَّاس من حَوْلكُمْ، حَتَّى أنقذكم الله بِرَسُولِهِ صلى الله عَلَيْهِ بعد اللتيا واللتي، وَبعد أَن مني ببهم الرِّجَال وذؤبان الْعَرَب، ومردة أهل الْكتاب " كلما أوقدوا نَارا للحرب أطفأها الله ". أَو نجم قرن للشَّيْطَان، أَو فغرت فاغرة للْمُشْرِكين، قذف أَخَاهُ فِي لهواتها، فَلَا ينكفئ حَتَّى يطَأ صماخها بأخمصه، ويطفئ عَادِية لهبها بِسَيْفِهِ - ويخمد لهيبها بحده مكدوداً فِي ذَات الله. وَأَنْتُم فِي رفاهة فكهون آمنون وادعون. حَتَّى إِذا اخْتَار الله لنَبيه صلى الله عَلَيْهِ دَار أنبيائه ظَهرت حسكة النِّفَاق، وسمل جِلْبَاب الدّين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الأقلين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر فِي عرصاتكم، وأطلع الشَّيْطَان رَأسه صَارِخًا بكم، فدعاكم فألقاكم لدعوته مستجيبين، وللغرة ملاحظين؛ ثمَّ استنهضكم فوجدكم خفافاً وأحمشكم فألفاكم غضاباً؛ فوسمتم غير إبلكم، وأوردتم غير شربكم، هَذَا والعهد قريب والكلم رحيب، وَالْجرْح لما يندمل. أبماذا زعمتم: خوف الْفِتْنَة؟ " أَلا فِي الْفِتْنَة سقطوا وَإِن جَهَنَّم لمحيطة بالكافرين "، فهيهات فِيكُم، وأنى بكم، وأنى تؤفكون، وَكتاب الله بَين أظْهركُم، زواجره بَيِّنَة، وشواهده لائحة، وأوامره وَاضِحَة، أرغبة عَنهُ تُرِيدُونَ؟ أم بِغَيْرِهِ تحكمون؟ " بئس للظالمين بَدَلا " " وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين " ثمَّ لم تلبثوا إِلَّا ريث أَن تسكن نفرتها تشربون حسوا فِي ارتغاء، ونصير مِنْكُم على مثل حز المدى وَأَنْتُم الْآن تَزْعُمُونَ لَا إِرْث لنا " أَفَحكم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ وَمن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " إيها معشر الْمسلمَة المهاجرة؛ أأبتز إِرْث أَبِيه؟ أَبى الله فِي الْكتاب يَا بن قُحَافَة، أَن تَرث أَبَاك وَلَا أرث أَبِيه. لقد جِئْت شَيْئا فرياً، فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يَوْم حشرك، فَنعم الحكم لله، والزعيم مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ، والموعد
стр. 709
الْقِيَامَة، وَعند السَّاعَة يخسر المبطلون " وَلكُل نبأ مُسْتَقر وسوف تعلمُونَ " ثمَّ انكفأت على قبر أَبِيهَا صلى الله عَلَيْهِ فَقَالَت: قد كَانَ بعْدك أنباء وهنبشة ... لَو كنت شَاهدهَا لم تكْثر الْخطب إِنَّا فقدناك فقد الأَرْض وابلها ... واختل أهلك فاحضرهم وَلَا تغب وَذكر أَنَّهَا لما فرغت من كَلَام أبي بكر والمهاجرين عدلت إِلَى مجْلِس الْأَنْصَار فَقَالَت: يَا معشر الفئة، وأعضاد ٣٤٨ الْملَّة، وحضنة الْإِسْلَام، مَا هَذِه الفترة فِي حَقي؟ وَالسّنة فِي ظلامتي؟ أما كَانَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ أَن يحفظ فِي وَلَده؟ لسرع مَا أحدثتم! وعجلان ذَا إهانة أتقولون: مَاتَ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ؟ فَخَطب جليل استوسع وهيه، واستنهر فتقه وفقد راتقه، وأظلمت الأَرْض لغيبته، واكتأبت خيرة الله لمصيبته، وخشعت الحبال، وأكدت الآمال، وأضيع الْحَرِيم، وأزيلت الْحُرْمَة عِنْد مماته صلى الله عَلَيْهِ، وَتلك نازلة علن بهَا كتاب الله فِي أفنيتكم فِي ممساكم ومصبحكم، تهتف فِي أسماعكم ولقبله مَا حلت بِأَنْبِيَاء الله وَرُسُله صلى الله عَلَيْهِم. " وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم على أعقابكم وَمن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ فَلَنْ يضر الله شَيْئا وسيجزي الله الشَّاكِرِينَ ". إيها بني قيلة؛ أأهتضم تراث أَبِيه وَأَنْتُم بمرأى مني ومسمع؟ تلبسكم الدعْوَة، وتشملكم الْحيرَة، وَفِيكُمْ الْعدَد وَالْعدة، وَلكم الدَّار، وعندكم الجنن، وَأَنْتُم الألى نخبة الله الَّتِي انتخب لدينِهِ، وأنصار رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ، وَأهل الْإِسْلَام والخيرة الَّتِي اخْتَار الله لنا أهل الْبَيْت فنابذتم الْعَرَب، وناهضتم الْأُمَم، وكافحتم البهم، لَا نَبْرَح نأمركم فتأتمرون، حَتَّى دارت لكم بِنَا رَحا الْإِسْلَام، ودر حلب الْأَيَّام وخضعت نعرة الشّرك، وباخت نيران الْحَرْب، وهدأت دَعْوَة الْهَرج، واستوسق نظام الدّين،
стр. 710
فَأنى حرتم بعد الْبَيَان، ونكصتم بعد الْإِقْدَام، وأسررتم بعد التِّبْيَان، لقوم نكثوا " أَيْمَانهم اتخشونهم فَالله أَحَق أَن تخشوه إِن كُنْتُم مُؤمنين ". أَلا قد أرى أَن قد أخلدتم إِلَى الْخَفْض، وركنتم إِلَى الدعة، فعجتم عَن الدّين، ومججتم الَّذِي وعيتم، ولفظتم الَّذِي سوغتم " إِن تكفرُوا أَنْتُم وَمن فِي الأَرْض جَمِيعًا فَإِن الله لَغَنِيّ حميد " أَلا وَقد قلت الَّذِي قلته عَن معرفَة مني بالخذلان الَّذِي خامر صدوركم، واستشعرته قُلُوبكُمْ. وَلَكِن قلته فيضة النَّفس، ونفثة الغيظ. وبثة الصَّدْر، ومعذرة الْحجَّة فدونكموها فاحتقبوها مُدبرَة الظّهْر، ناقبة الْخُف، بَاقِيَة الْعَار مرسومة بشنار الْأَبَد، مَوْصُولَة بِنَار الله الموقدة، الَّتِي تطلع على الأفئدة. فبعين الله مَا تَفْعَلُونَ " وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون "، وَأَنا ابْنة نَذِير لكم بَين يَدي عَذَاب شَدِيد، فاعلموا إِنَّا عاملون، وَانْتَظرُوا إِنَّا منتظرون.
قَوْلهَا عِنْد احتضارها
قَالُوا: لما مَرضت فَاطِمَة ﵍ دخل النِّسَاء عَلَيْهَا وقلن: كَيفَ أَصبَحت من علتك يَا بنة رَسُول الله؟ قَالَت: أَصبَحت وَالله عائفة لدنياكم، قاليةً لرجالكم؛ لفظتهم بعد أَن عجمتهم وشنئتهم بعد أَن سبرتهم، فقبحاً لفلول الْحَد، وخطل الرَّأْي " ولبئس مَا قدمت لَهُم أنفسهم أَن سخط الله عَلَيْهِم وَفِي الْعَذَاب هم خَالدُونَ " لَا جرم لقد قلدتهم ربقتها، وشنت عَلَيْهِم غارتها فجدعاً وعقراً وبعداً للْقَوْم الظَّالِمين. ويحهم. أَيْن زحزحوها عَن رواسي الرسَالَة وقواعد النُّبُوَّة ومهبط الرّوح الْأمين، والطبن بِأَمْر الدُّنْيَا وَالدّين " أَلا ذَلِك هُوَ الخسران الْمُبين " مَا الَّذِي نقموا من أبي الْحسن؟ نقموا وَالله نَكِير سَيْفه، وَشدَّة وطأته، ونكال وقعته وتنمرة فِي ذَات الله، وتالله لَو تكافوا عَن زِمَام نبذه إِلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ لاعتقله، ولسار بهم سجحاً لَا يكلم خشاشه وَلَا يتعتع ٣٤٩ رَاكِبه، ولأوردهم
стр. 711
منهلاً روياً فضفاضاً، تطفح ضفتاه، ولأصدرهم بطاناً، وَقد تحيز بهم الرَّأْي، غير مستحل مِنْهُ بطائل، إِلَّا بغمر الناهل، أَو دعة سُورَة الساغب، ولفتحت عَلَيْهِم بَرَكَات من السَّمَاء، وسيأخذهم الله بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. أَلا هَلُمَّ فاستمع. وَمَا عِشْت أَرَاك الدَّهْر عجبا وَإِن تعجب فَعجب لحادث إِلَى ملْجأ لجئوا واستندوا، وَبِأَيِّ عُرْوَة تمسكوا، " لبئس الْمولى ولبئس العشير ". واستبدلوا وَالله الذنابى بالقوادم، وَالْعجز بالكاهل، فرغماً لمعاطس قوم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا " أَلا إِنَّهُم هم المفسدون وَلَكِن لَا يَشْعُرُونَ " ويحهم " أَفَمَن يهدي إِلَى الْحق أَحَق أَن يتبع أَمن لَا يهدي إِلَّا أَن يهدى فَمَا لكم كَيفَ تحكمون ". أما لعمر إلهك لقد لقحت فنظرة ريث مَا تنْتج، ثمَّ احتلبوا طلاع الْقَعْب دَمًا عبيطا، وذعافاً ممقراً، فهنالك يخسر المبطلون، وَيعرف التالون غب مَا أسس الْأَولونَ، ثمَّ طيبُوا عَن أَنفسكُم أنفساً، وطامنوا للفتنة جأشاً، وَأَبْشِرُوا بِسيف صارم، وبهرج شَامِل، واستبداد من الظَّالِمين، يدع فيئكم زهيداً، وجمعكم حصيداً فيا حسرة بكم، وَقد عميت عَلَيْكُم " أنلزمكموها وَأَنْتُم لَهَا كَارِهُون ".
عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂
روى أَنه لما كَانَ يَوْم الْجمل قَامَت عَائِشَة فتكلمت فَقَالَت: أَيهَا النَّاس، إِن لي عَلَيْكُم حق الأمومة وَحقّ الموعظة، لَا يتهمني إِلَّا من
стр. 712
عصى ربه. قبض رَسُول الله ﷺ بَين سحرِي وَنَحْرِي، وَأَنا إِحْدَى نِسَائِهِ فِي الْجنَّة، لَهُ ادخرني رَبِّي، وخصني من كل بضع وَبِي ميز مؤمنكم من منافقكم، وَفِي رخص لكم فِي صَعِيد الْأَبْوَاء وَأبي رَابِع أَرْبَعَة من الْمُسلمين، وَأول مُسَمّى صديقا. قبض رَسُول الله ﷺ وَهُوَ عَنهُ رَاض فوقذ النِّفَاق، وأغاض نبع الرِّدَّة، وأطفأ مَا حشت يهود، وَأَنْتُم حِينَئِذٍ جحظ تنتظرون العدوة، وتستمعون الصَّيْحَة، فراب الثأي، وأوذم العطلة، وامتاح من المهوات، واجتهر دفن الرواء؛ فَقَبضهُ الله واطئاً على هَامة النِّفَاق، مذكياً نَار حَرْب الْمُشْركين، يقظان فِي نصْرَة الْإِسْلَام، صفوحاً عَن الْجَاهِلين. وَرُوِيَ أَنَّهَا قَالَت: تبرأت إِلَى الله من خطب جمع شَمل الْفِتْنَة، وَفرق أَعْضَاء مَا جمع الْقُرْآن أَنا نصب الْمَسْأَلَة عَن مسيري؟ هَذَا، أَلا وَإِنِّي لم أجرد وإثماً أدرعه، وَلم أدلس فتْنَة أوطئكموها. أَقُول قولي هَذَا صدقا وعذراً واعتذاراً وتعذيراً، وأسأل الله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله، وَأَن يخلفه فِي أمته أفضل خلَافَة الْمُرْسلين. قَالَ: فَانْطَلق رجل بمقالتها هَذِه إِلَى الْأَحْنَف، فَقَالَ الْأَحْنَف أبياتاً كَثِيرَة يَقُول فِيهَا: فَلَو كَانَت الأكنان دُونك لم يحد ... عَلَيْك مقَالا ذُو أذاةٍ يَقُولهَا فَبلغ عَائِشَة مقَالَته فَقَالَت: لقد استفرغ حلم الْأَحْنَف هجاؤه إيَّايَ إِلَيّ كَانَ يستجم مثابة سفهه؟ إِلَى الله أَشْكُو عقوق أبنائي.
خطْبَة أُخْرَى لَهَا حِين سَأَلت عَن عُثْمَان
قَالَ بَعضهم: شهِدت عَائِشَة يَوْم الْجمل وَقد ثاب إِلَيْهَا النَّاس فَقَالُوا: يَا أم الْمُؤمنِينَ، أَخْبِرِينَا عَن عُثْمَان، فَقَالَت: إِنَّا نقمنا على عُثْمَان ٣٥٠ ثَلَاثًا: إمرة الْفَتى، وَضرب السَّوْط، وموقع الغمامة
стр. 713
المتحاماة، حَتَّى إِذا أعتبنا مِنْهُنَّ مصتموه موص الثَّوْب بالصابون، ثمَّ عدوتم بِهِ الفواقر، أَو الْفقر الثَّلَاث: حُرْمَة الْإِسْلَام، وَحُرْمَة الْخلَافَة، وَحُرْمَة الشَّهْر الْحَرَام. وَالله لعُثْمَان كَانَ أَتْقَاهُم للرب، وأوصلهم للرحم، وأعفهم لِلْفَرجِ، أَقُول قولي هَذَا وَأَسْتَغْفِر الله لي وَلكم.
قَوْلهَا فِي أَبِيهَا أبي بكر
وَرُوِيَ أَنه بلغَهَا أَن نَاسا يتناولون أَبَا بكر، فَأرْسلت إِلَى أزفلة من النَّاس، فَلَمَّا حَضَرُوا أسدلت أستارها، وأعلت وسادها، ثمَّ دنت فحمدت الله، وأثنت عَلَيْهِ، وصلت على نبيه ﷺ ، وعذلت وقرعت وَقَالَت: أبي وَمَا أَبِيه ﴿أبي وَالله لَا تعطوه الْأَيْدِي، طود منيف، وظل مديد، هَيْهَات هَيْهَات﴾ ! كذبت الظنون. أنجح وَالله إِذْ أكديتم، وَسبق إِذْ ونيتم سبق الْجواد إِذا استولى على الأمد فَتى قُرَيْش ناشئاً، وكهفها كهلاً، يريش مملقها، ويفك عانيها ويلم شعثها ويرأب صَدعهَا حَتَّى حلته قلوبها، ثمَّ استشرى فِي دينه فَمَا بَرحت شَكِيمَته فِي ذَات الله، حَتَّى اتخذ بفنائه مَسْجِدا يحيى فِيهِ مَا أمات المبطلون. وَكَانَ رَحْمَة الله عَلَيْهِ غزير الدمعة، وقيذ الجوانح شجي النشيج، فانفضت إِلَيْهِ نسوان مَكَّة وولدانها، يسخرون مِنْهُ، ويستهزئون بِهِ. " الله يستهزئ بهم ويمدهم فِي طغيانهم يعمهون " وأكبرت ذَلِك رجالات قُرَيْش، فحنت إِلَيْهِ قسيها، وفوقت لَهُ سهامها وامتثلوه غَرضا فَمَا حُلْو لَهُ صفاة، وَلَا قصفوا لَهُ قناة، وَمر على سيسائه حَتَّى إِذا ضرب الدّين بجرانه، وَألقى بركه، ورست أوتاده، وَدخل النَّاس فِيهِ أَفْوَاجًا، وَمن كل شرعة أشتاتاً وأرسالاً اخْتَار الله جلّ اسْمه لنَبيه
стр. 714
صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه وتحياته مَا عِنْده، فَلَمَّا قبض الله رَسُوله ضرب الشَّيْطَان برواقه، وَمد طنبه، وَنصب حبائله، وأجلب بخيله وَرجله، واضطرب حَبل الْإِسْلَام، ومرج عَهده، وماج أَهله وبغى الغوائل، وظنت رجال أَن قد أكثبت نهزها، ولات حِين الَّتِي يرجون، وأنى وَالصديق بَين أظهرهم؟ فَقَامَ حاسراً مشمراً قد جمع حاشيتيه، وَرفع قطريه، فَرد نشز الدّين على غره، وَلم شعثه بطبه، وَأقَام أوده بثقافه، فامذقر النِّفَاق بِوَطْئِهِ، وانتاش الدّين فنعشه. فَلَمَّا أراح الْحق على أَهله، وَأقر الرُّءُوس على كواهلها، وحقن الدِّمَاء فِي أهبها حَضرته منيته، نضر الله وَجهه، فسد ثلمته بنظيره فِي الرَّحْمَة ومقتفيه فِي السِّيرَة والمعدلة؛ ذَلِك ابْن الْخطاب، لله أم حملت بِهِ، وَدرت عَلَيْهِ. لقد أوحدت، ففنخ الْكَفَرَة ودنخها، وشرد الشّرك شذر مذر وبعج الأَرْض ونجعها، فقأت أكلهَا، ولفظت خبأها؛ ترأمه ويصدف عَنْهَا، وتصدى لَهُ ويأباها، ثمَّ وزع فَيْئهَا فِيهَا، وودعها كَمَا صحبها. فأروني مَاذَا ترتأون. وَأي يومي أبي تَنْقِمُونَ؟ أيوم إِقَامَته إِذْ عدل فِيكُم أَو يَوْم ظعنه إِذْ نظر لكم. أَقُول قولي هَذَا وَأَسْتَغْفِر الله لي وَلكم. وَقَالَت: لَو نزل بالجبال الراسيات مَا نزل بِأبي لهاضها، قبض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ، فاشرأب النِّفَاق، وارتدت الْعَرَب قاطبة. وَعَاد أَصْحَاب مُحَمَّد كَأَنَّهُمْ معزى مطيرة فِي خفش، فَمَا اخْتلفُوا فِيهِ من أَمر إِلَّا طَار أبي بغلائه وغنائه. وَمن رأى ابْن الْخطاب علم أَنه كَانَ عوناً لِلْإِسْلَامِ، كَانَ وَالله أحوذياً نَسِيج وَحده، قد أعد للأمور أقرانها. وَلما هلك أَبُو بكر الصّديق ﵀ قَامَت على قَبره فَقَالَت: نضر الله وَجهك، وشكر لَك صَالح سعيك؛ فقد كنت للدنيا مذلاً بإدبارك عَنْهَا، وَكنت للآخرة معزاً بإقبالك عَلَيْهَا. وَلَئِن كَانَ أعظم المصائب بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ رزؤك، وأكبر الْأَحْدَاث بعد فقدك، إِن كتاب الله ليعد بِحسن العزاء عَنْك حسن الْعِوَض مِنْك، فَنحْن نتنجز من الله موعوده بِالصبرِ عَلَيْك، ونستعيضه مِنْك
стр. 715
بالاستغفار لَك؛ أما لَئِن كَانُوا قَامُوا بِأَمْر الدُّنْيَا لقد قُمْت بِأَمْر الدّين حِين وهى شعبه وتفاقم صدعه، ورجفت جوانبه، فَعَلَيْك سَلام الله سَلام توديع غير قاليةٍ لحياتك، وَلَا زارية على الْقَضَاء فِيك.
حَدِيثهَا مَعَ ابْن عَبَّاس
رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: بَعَثَنِي عَليّ ﵇ بعد دُخُوله الْبَصْرَة إِلَى عَائِشَة يأمرها بالرحيل إِلَى بلادها، فأتيتها فَدخلت عَلَيْهَا، فَلم يوضع لي شَيْء أَجْلِس عَلَيْهِ، فتناولت وسَادَة كَانَت فِي رَحلهَا فَقَعَدت عَلَيْهَا، فَقَالَت: يَا بن عَبَّاس: أَخْطَأت السّنة؛ قعدت على وسادتنا فِي بيتنا بِغَيْر إذننا. فَقلت: مَا هَذَا بَيْتك الَّذِي أَمرك الله أَن تقري فِيهِ، وَلَو كَانَ بَيْتك مَا قعدت على وِسَادَتك إِلَّا بإذنك. ثمَّ قلت: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَرْسلنِي إِلَيْك يَأْمُرك بالرحيل إِلَى بلادك. قَالَت: وَأَيْنَ أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ ذَاك عمر. فَقلت: ذَاك عمر وَعلي. قَالَت: أَبيت أَبيت. قلت: أما وَالله مَا كَانَ إباؤك إِلَّا قصير الْمدَّة، عَظِيم التبعة، قَلِيل الْمَنْفَعَة، ظَاهر الشؤم: بَين النكد. وَمَا عَسى أَن يكون إباؤك؟ وَمَا كَانَ أَمرك إِلَّا كحلب شَاة، حَتَّى صرت لَا تأمرين وَلَا تنهين، وَلَا تأخذين وَلَا تعطين، وَمَا كَانَ مثلك إِلَّا كَقَوْل أخي بني أَسد: مازال إهداء الضغائن بَيْننَا ... نثو الحَدِيث وَكَثْرَة الألقاب حَتَّى تركت كَأَن صَوْتك فيهم ... فِي كل نائبة طنين ذُبَاب قَالَ: فَبَكَتْ حَتَّى سَمِعت نحيبها من وَرَاء الْحجاب ثمَّ قَالَت: إِنِّي مُعجلَة الرحيل إِلَى بلادي إِن شَاءَ الله؛ وَالله مَا من بلد أبْغض إِلَيّ من بلد أَنْتُم بِهِ. قَالَ: قلت: وَلم ذَاك؟ فوَاللَّه لقد جعلناك للْمُؤْمِنين أما، وَجَعَلنَا أَبَاك صديقا. قَالَت: تكلمني يَا بن عَبَّاس أتمن على رَسُول الله ﷺ . فَقلت: مَا لي لَا أَمن عَلَيْك بِمن لَو كَانَ مِنْك لمننت بِهِ عَليّ. قَالَ: فَأتيت عليا فَأَخْبَرته بِقَوْلِي وَقَوْلها. فَقبل بَين عَيْني ثمَّ قَالَ: " ذُرِّيَّة بَعْضهَا من بعض وَالله سميع عليم ".
стр. 716
وَرُوِيَ أَن عَائِشَة قَالَت: مَكَارِم الْأَخْلَاق عشر: صدق الحَدِيث، وَصدق الْبَأْس، وَأَدَاء الْأَمَانَة، وصلَة الرَّحِم، والمكافأة بالصنيع، وبذل الْمَعْرُوف، والتذمم للْجَار، والتذمم للصاحب، وقرى الضَّيْف، ورأسهن الْحيَاء. رُوِيَ عَن هَوْذَة بن نَافِع قَالَ: سَأَلت عَائِشَة مَا الَّذِي حملك على قتال أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب. قَالَت: لأَنْت أجرأ من خاصي الْأسد. وكتبت إِلَيْهَا أم سَلمَة لما هَمت بِالْخرُوجِ إِلَى الْبَصْرَة: يَا عَائِشَة؛ إِنَّك جنَّة بَين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَبَين أمته، وحجابك مَضْرُوب على حرمته، قد جمع الْقُرْآن ذيلك فَلَا تملخيه، وسكني عقيراك فَلَا تصحريها لَو ذكرتك قولةً من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ لتهششت تهشش الرقشاء المطرقة. مَا كنت قائلة لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ لَو لقيك ناصةً قعُودا من منهل إِلَى منهل؟ قد بَرحت عهيداه، وهتكت ستره. إِن عَمُود الدّين لَا يرأب بِالنسَاء، وَلَا يُقَام بِهن إِذا انصدع. حماداهن خفض الْأَعْرَاض، وَقصر ٣٥٢ الوهازة. اجعلي قَاعِدَة الْبَيْت قبرك حَتَّى تلقيه وَأَنت على ذَلِك. فَقَالَت عَائِشَة: يَا أم سَلمَة، مَا أعرفني بنصحك! وأقبلني لوعظك وَلَيْسَ الْأَمر حَيْثُ تذهبين، مَا أَنا بمغترة بعد قعُود، فَإِن أقِم فَفِي غير حرج، وَإِن أخرج فَفِي إصْلَاح بَين فئتين من الْمُسلمين متشاحنتين. وَقيل لعَائِشَة إِن قوما يشتمون أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ فَقَالَت: قطع الله عَنْهُم الْعَمَل مَا أحب أَن يقطع عَنْهُم الْأجر. وَرَأَتْ رجلا متماوتاً فَقَالَت: قطع الله عَنْهُم الْعَمَل مَا أحب أَن يقطع عَنْهُم الأجرولأت رجلا متماوتاً. مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: زاهد. فَقَالَت: قد كَانَ عمر ﵁ زاهداً، فَكَانَ إِذا قَالَ أسمع وَإِذا مَشى أسْرع، وَإِذا ضرب فِي ذَات الله أوجع. وَذكر أَنَّهَا لما احتضرت جزعت. فَقيل لَهَا: أتجزعين يَا أم الْمُؤمنِينَ وَأَنت زَوْجَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَأم الْمُؤمنِينَ وَابْنَة أبي بكر الصّديق؟ فَقَالَت: إِن يَوْم الْجمل معترض فِي حلقي. لَيْتَني مت قبله أَو كنت نسياً منسياً.
стр. 717
بَينهَا وَبَين عمرَان بن حُصَيْن
وَرُوِيَ عَن أبي الْأسود قَالَ: أنفذني عُثْمَان بن حنيف مَعَ عمرَان بن حُصَيْن إِلَى عَائِشَة فَقُلْنَا: يَا أم الْمُؤمنِينَ، أَخْبِرِينَا عَن مسيرك هَذَا أَعهد عَهده رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ أم رَأْي رَأَيْته؟ قَالَت: بل رَأْي رَأَيْته حِين قتل عُثْمَان إِنَّا نقمنا عَلَيْهِ ضَرْبَة السَّوْط. وموقع السحابة المحمية، وإمرة سعيد والوليد فعدوتم عَلَيْهِ فاستحللتم مِنْهُ الْحرم الثَّلَاث، حُرْمَة الْبَلَد، وَحُرْمَة الْخلَافَة، وَحُرْمَة الشَّهْر الْحَرَام، بعد أَن مصناه كَمَا يماص الْإِنَاء فاستتبناه، فركبتم مِنْهُ هَذِه ظالمين. أغضبنا لكم من سَوط عُثْمَان وَلَا نغضب لعُثْمَان من سيفكم؟ قلت: مَا أَنْت وسيفنا وسوط عُثْمَان؟ وَأَنت حبيس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ. أَمرك أَن تقري فِي بَيْتك، فَجئْت تضربين النَّاس بَعْضًا بِبَعْض. قَالَت: وَهل أحد يقاتلني أَو يَقُول غير هَذَا؟ قلت: نعم. قَالَت: وَمن يفعل ذَلِك؟ أزنيم بن عَامر؟ هَل أَنْت مبلغ عني يَا عمرَان؟ قَالَ: لَا لست مبلغا عَنْك خيرا وَلَا شرا، قلت: لكني مبلغ عَنْك. هَات مَا شِئْت. قَالَت: اللَّهُمَّ اقْتُل مذمماً قصاصا بعثمان، وارم الأشتر بِسَهْم من سهامك لَا يشوى، وَأدْركَ عماراً بحفرته فِي عُثْمَان. وَرُوِيَ أَنَّهَا كَانَت تَقول: لَا تَطْلُبُوا مَا عِنْد الله من عِنْد غير الله بِمَا يسْخط الله. وَكَانَت تَقول: لله در التَّقْوَى، مَا تركت لذِي غيظ شِفَاء. وَقَالَت يَوْم الْحكمَيْنِ: رَحِمك الله يَا أَبَت، فلئن أَقَامُوا الدُّنْيَا فَلَقَد أَقمت الدّين وهى شعبه، وتفاقم صدعه، ورجفت جوانبه، وانقبضت عَمَّا إِلَيْهِ أصغوا، وشمرت فِيمَا عَنهُ ونوا، واستصغرت من دنياك مَا أعظموا، ورغبت بِدينِك عَمَّا أغفلوا؛ أطالوا عنان الْأَمْن واقتعدت مطي الحذر، فَلم تهضم دينك، وَلم تنس غدك، ففاز عِنْد المساهمة قدحك، وخف مِمَّا استوزروا ظهرك.
قَوْلهَا لما قتل عُثْمَان
وَرُوِيَ أَنه لما قتل عُثْمَان قَالَت: أقتل أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالُوا: نعم، قَالَت: فرحمه الله وَغفر لَهُ. أما وَالله لقد كُنْتُم إِلَى تسديد الْحق وتأييده، وإعزاز الْإِسْلَام وتأكيده، أحْوج مِنْكُم إِلَى مَا نهضتم إِلَيْهِ، من طَاعَة من خَالف عَلَيْهِ، وَلَكِن كلما
стр. 718
زادكم الله نعْمَة فِي دينكُمْ ازددتم تثاقلاً فِي نصرته طَمَعا فِي دنياكم. أما وَالله لهدم النِّعْمَة أيسر من بنائها، وَمَا الزِّيَادَة إِلَيْكُم بالشكر بأسرع من زَوَال النِّعْمَة عَنْكُم بالْكفْر، وأيم الله لَئِن كَانَ فني أكله، واخترم أَجله، لقد كَانَ عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ كذراع ٣٥٣ الْبكر الْأَزْهَر، وَلَئِن كَانَت الْإِبِل أكلت أوبارها إِنَّه لصهر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ، وَلَئِن كَانَ برك عَلَيْهِ الدَّهْر بزوره وأناخ عَلَيْهِ بكلكله، إِنَّهَا النوائب تترى تلعب بِأَهْلِهَا وَهِي جادة وتجذبهم وَهِي لاعبة، أما وَالله لقد حاط الْإِسْلَام وأكده، وعضد الدّين وأيده، وَلَقَد هدم الله بِهِ صياصي الْكفْر، وَقطع بِهِ دابر الْمُشْركين، ووقم بِهِ أَرْكَان الضَّلَالَة، فَللَّه الْمُصِيبَة بِهِ مَا أفجعها والفجيعة بِهِ مَا أوجعها! صدع الله بمقتله صفاة الدّين، وثلمت مصيبته ذرْوَة الْإِسْلَام.
من أقوالها وأخبارها
وَقَالَت: من أرْضى الله بإسخاط النَّاس كَفاهُ الله مَا بَينه وَبَين النَّاس، وَمن أرْضى النَّاس بإسخاط الله ذكره وَكله الله إِلَى النَّاس. وَقَالَت: إِنَّمَا النِّكَاح رق فَلْينْظر امرء من يرق كريمته. وَقَالَت: خرجت أقفو آثَار النَّاس يَوْم الخَنْدَق، فَسمِعت وئيد الأَرْض خَلْفي، فَالْتَفت فَإِذا أَنا بِسَعْد بن معَاذ. وَقَالَت لَهَا امْرَأَة: أأقيد جملي؟ قَالَت: نعم، قَالَت: أقيد جملي؟ فَلَمَّا علمت مَا تُرِيدُ قَالَت: وَجْهي من وَجهك حرَام؛ تَعْنِي بالجمل زَوجهَا أَي أوحده عَن النِّسَاء. وَقَالَت: لَا تُؤدِّي الْمَرْأَة حق زَوجهَا حَتَّى لَو سَأَلَهَا نَفسهَا وَهِي على ظهر قتب لم تَمنعهُ وَقَالَت: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ يقبل ويباشر وَهُوَ صَائِم وَلكنه كَانَ أملككم لإربه وَسمعت يَوْم الْجمل تَكْبِيرا عَالِيا فَقَالَت: اسْكُتُوا؛ فَإِن التَّكْبِير فِي هَذَا الْموضع فشل.
стр. 719
قَوْلهَا حِين قتل عَليّ
وَرُوِيَ عَن زَيْنَب بنت أبي سَلمَة قَالَت: كنت يَوْمًا عِنْد عَائِشَة، إِذْ دخل رجل معتم عَلَيْهِ أثر السّفر. فَقَالَ: قتل عَليّ بن أبي طَالب ﵇ فَقَالَت عَائِشَة: إِن تَكُ ناعياً فَلَقَد نعاه ... نعي لَيْسَ فِي فَمه التُّرَاب ثمَّ قَالَت: من قَتله؟ قَالَ: رجل من مُرَاد. قَالَت: رب قَتِيل لله بيَدي رجل مُرَاد. قَالَت زَيْنَب: فَقلت: سُبْحَانَ الله! أتقولين مثل هَذَا لعَلي مَعَ سابقته وفضله. فَضَحكت وَقَالَت: بِسم الله، إِذا نسيت فذكريني.
زَيْنَب بنت عَليّ ﵇
قيل: لما قتل الْحُسَيْن ﵇، وَوجه ابْن زِيَاد لَعنه الله رَأسه والنسوة إِلَى يزِيد لَعنه الله، أَمر بِرَأْس الْحُسَيْن ﵇ فأبرز فِي طست، وَجعل ينكت ثناياه بقضيب وينشد: لَيْت أشياخي ببدر شهدُوا ... الأبيات الْمَعْرُوفَة. فَقَالَت زَيْنَب بنت عَليّ ﵍: صدق الله وَرَسُوله يَا يزِيد " ثمَّ كَانَ عَاقِبَة الَّذين أساءوا السوأى أَن كذبُوا بآيَات الله وَكَانُوا بهَا يستهزءون " أظننت يَا يزِيد أَنه حِين أَخذ علينا بأطراف الأَرْض وأكناف السَّمَاء، فأصبحنا نساق كَمَا يساق الْأُسَارَى، أَن بِنَا هواناً على الله، وَبِك كَرَامَة؟ وَأَن هَذَا لعَظيم خطرك؟ فشمخت بأنفك، وَنظرت فِي عطفك، جذلان فَرحا حِين رَأَيْت الدُّنْيَا مستوسقة
стр. 720
لَك، والأمور متسقة عَلَيْك، وَقد مثلت ونفست. وَهُوَ قَول الله ﵎ " وَلَا يَحسبن الَّذين كفرُوا إِنَّمَا نملى لَهُم خير لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نملى لَهُم ليزدادوا إِثْمًا وَلَهُم عَذَاب مهين ". أَمن الْعدْل يَا بن الطُّلَقَاء تخديرك نِسَاءَك وإماءك، وسوقك بَنَات رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ؟ قد هتكت ستورهن ٣٥٤، وضحكت بحوجهن مكتئبات تخدى بِهن الأباعر، ويحدو بِهن الأعادي، من بلد إِلَى بلد لَا يراقبن وَلَا يؤوين، يتشوفهن الْقَرِيب والبعيد، لَيْسَ مَعَهُنَّ ولي من رِجَالهنَّ، وَكَيف يستبطأ فِي بغضتنا من نظر إِلَيْنَا بالشنف والشنان، والإحن والأضغان؟ أَتَقول: لَيْت أشياخي ببدر شهدُوا غير متأثم وَلَا مستعظم، وَأَنت تنكت ثنايا أبي عبد الله بمخصرتك؟ وَلم لَا تكون كَذَلِك وَقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة، بإهراقك دِمَاء ذُرِّيَّة مُحَمَّد صلى الله عله ونجوم الأَرْض من آل عبد الْمطلب، ولتردن على الله وشيكاً موردهم، ولتؤدن أَنَّك عميت وبكمت، وَإنَّك لم تقل: فاستهلوا وأهلوا فَرحا اللَّهُمَّ، خُذ بحقنا، وانتقم لنا مِمَّن ظلمنَا! وَالله مَا فريت إِلَّا فِي جِلْدك وَلَا خرزت إِلَّا فِي لحمك، وسترد على رَسُول الله برغمك، وعترته وَلحمَته فِي حَظِيرَة الْقُدس، يَوْم يجمع الله شملهم ملمومين من الشعث، وَهُوَ قَول الله ﵎: " وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فرحين " وَسَيعْلَمُ من بوأك ومكنك من رِقَاب الْمُؤمنِينَ، إِذا كَانَ الحكم الله والخصيم مُحَمَّد، وجوارحك شاهدة عَلَيْك. فبئس للظالمين بَدَلا، وَأَيكُمْ شَرّ مَكَانا وأضعف جنداً، مَعَ أَنِّي - وَالله - يَا عَدو الله وَابْن عدوه أستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، غير أَن الْعُيُون عبرى، والصدور حرى وَمَا يجْرِي ذَلِك أَو يُغني عَنَّا، وَقد قتل
стр. 721
الْحُسَيْن ﵇، وحزب الشَّيْطَان يقربنا إِلَى حزب السُّفَهَاء، ليعطوهم أَمْوَال الله على انتهاك محارم الله، فَهَذِهِ الْأَيْدِي تنطف من دمائنا، وَهَذِه والأفواه تتحلب من لحومنا، وَتلك الجثث الزواكي يعتامها عسلان الفلوات. فلئن اتخذتنا مغنماً لتجدننا مغرماً، حِين لَا تَجِد إِلَّا مَا قدمت يداك، تستصرخ يَا بن مرْجَانَة ويستصرخ بك، وتتعاوى وأتباعك عِنْد الْمِيزَان، وَقد وجدت أفضل زَاد زودك مُعَاوِيَة قَتلك ذُرِّيَّة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ؛ فوَاللَّه مَا اتَّقَيْت غير الله، وَلَا شكواي إِلَّا إِلَى الله، فكد كيدك، وَاسع سعيك، وناصب جهدك، فوَاللَّه لَا يرحض عَنْك عَار مَا أتيت إِلَيْنَا أبدا، وَالْحَمْد لله الَّذِي ختم بالسعادة وَالْمَغْفِرَة لسادات شُبَّان الْجنان، فَأوجب لَهُم الْجنَّة. أسأَل الله أَن يرفع لَهُم الدراجات، وَأَن يُوجب لَهُم الْمَزِيد من فَضله فَإِنَّهُ ولي قدير.
أم كُلْثُوم بنت عَليّ
رُوِيَ عَن بَعضهم قَالَ: رَأَيْت أم كُلْثُوم بنت عَليّ بِالْكُوفَةِ، وَلم أر خفرة وَالله أنطق مِنْهَا، كَأَنَّمَا تنطق وتقرع عَن لِسَان أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵁، وَقد أَوْمَأت إِلَى النَّاس وهم يَبْكُونَ على الْحُسَيْن ﵁ أَن اسْكُتُوا فَلَمَّا سكنت فورتهم، وهدأت الْأَجْرَاس. قَالَت: أبدأ بِحَمْد الله وَالصَّلَاة على أَبِيه. أما بعد، يَا أهل الْكُوفَة يَا أهل الختر والخدل؛ أَلا فَلَا رقأت الْعبْرَة، وَلَا هدأت الرنة، إِنَّمَا مثلكُمْ كَمثل الَّتِي " نقضت غزلها من بعد قُوَّة أنكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانكُم دخلا بَيْنكُم " أَلا وَهل فِيكُم إِلَّا الصلف والشنف، ملق الْإِمَاء وغمر الْأَعْدَاء وَهل أَنْتُم إِلَّا كمرعى على دمنة، وكفضة على ملحودة. أَلا سَاءَ مَا قدمت لكم أَنفسكُم أَن سخط الله
стр. 722
عَلَيْكُم وَفِي الْعَذَاب أَنْتُم خَالدُونَ. أتبكون؟ إِي وَالله، فابكوا؛ فَإِنَّكُم وَالله أحرياء بالبكاء، فابكوا كثيرا ٣٥٥ واضحكوا قَلِيلا، فَلَقَد فزتم بعارها، وشنارها، وَلنْ ترحضوها بِغسْل بعْدهَا أبدا، وأنى ترحضون قتل سليل خَاتم النُّبُوَّة، ومعدن الرسَالَة، وَسيد شباب الْجنَّة، ومنار محجتكم، ومدرة حجتكم، ومفزع نازلتكم؟ فتعساً ونكساً! لقد خَابَ السَّعْي، وخسرت الصَّفْقَة، وبؤتم بغضب من الله، وَضربت عَلَيْكُم الذلة والمسكنة. " لقد جئْتُمْ شَيْئا إدا تكَاد السَّمَاوَات يتفطرن مِنْهُ وتنشق الأَرْض وتخر الْجبَال هدا ". مَا تَدْرُونَ أَي كبد لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ فريتم، وَأي كريم لَهُ أبرزتم، وَأي دم لَهُ سفكتم. لقد جئْتُمْ بهَا شوهاء خرقاء طلاع الأَرْض وَالسَّمَاء، أفعجبتم أَن قطرت السَّمَاء دَمًا، " ولعذاب الْآخِرَة أخزى وهم لَا ينْصرُونَ " فَلَا يستخفنكم الْمهل، فَإِنَّهُ لَا تحفزه الْمُبَادرَة، وَلَا يخَاف عَلَيْهِ فَوت الثأر كلا إِن رَبك لنا وَلَهُم لبالمرصاد. ثمَّ ولت عَنْهُم. قَالَ: فَرَأَيْت النَّاس حيارى وَقد ردوا أَيْديهم إِلَى أَفْوَاههم وَرَأَيْت شَيخا كَبِيرا من بني جعفي وَقد اخضلت لحيته من دموع عَيْنَيْهِ، وَهُوَ يَقُول: كهولهم خير الكهول ونسلهم ... إِذا عد نسل ل يبور وَلَا يخزي
حَفْصَة أم الْمُؤمنِينَ خطبتها عَن عمر
خطبت حَفْصَة بنت عمر فَقَالَت: الْحَمد لله الَّذِي لَا نَظِير لَهُ والفرد الَّذِي لَا شريك لَهُ.
стр. 723
وَأما بعد، فَكل الْعجب من قوم زين الشَّيْطَان أفعالهم، وارعوى إِلَى صنيعهم، ودب فِي الْفِتْنَة لَهُم، وَنصب حبائله لختلهم، حَتَّى هم عَدو الله بإحياء الْبِدْعَة، ونبش الْفِتْنَة، وتجديد الْجور بعد دروسه، وإظهاره بعد دثوره، وإراقة الدِّمَاء، وَإِبَاحَة الْحمى، وانتهاك محارم الله بعد تحصينها، فتضرم وهاج وتوغر وثار غَضبا لله نصْرَة لدين الله، فأخسأ الشَّيْطَان ووقم كَيده، وكفف إِرَادَته، وقدع محبته، وصعر خَدّه السبقة إِلَى مشايعة أولى النَّاس بخلافة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ، الْمَاضِي على سنته، الْمُقْتَدِي بِدِينِهِ، الْمُقْتَص لأثره؛ فَلم يزل سراجه زاهراً؛ وضوؤه لامعاً ونوره ساطعاً. لَهُ من الْأَفْعَال الْغرَر، وَمن الآراء المصاص، وَمن التَّقَدُّم فِي طَاعَة الله اللّبَاب، إِلَى أَن قَبضه الله إِلَيْهِ، قالياً لما خرج مِنْهُ، شانئاً لما نزل من أمره، شنفاً لما كُنَّا فِيهِ، صبا إِلَى مَا صَار إِلَيْهِ، وائلاً إِلَى مَا دعِي إِلَيْهِ، عَاشِقًا لما هُوَ فِيهِ. فَلَمَّا صَار إِلَى الَّتِي وصفت، وعاين مَا ذكرت أَوْمَأ بهَا إِلَى أَخِيه فِي المعدلة ونظيرة فِي السِّيرَة، وشقيقه فِي الدّيانَة، وَلَو كَانَ غير الله أَرَادَ لأمالها إِلَى ابْنه، ولصيرها فِي عقبه، وَلم يُخرجهَا من ذُريَّته، فَأَخذهَا بِحَقِّهَا، وَقَامَ فِيهَا بقسطها، لم يؤده ثقلهَا، وَلم يبهظه حفظهَا، مشرداً للكفر عَن موطنه ونافراً لَهُ عَن وَكره، ومثيراً لَهُ من مجثمه، حَتَّى فتح الله على يَدَيْهِ أقطار الْبِلَاد، وَنصر الله يقدمهُ، وَمَلَائِكَته تكنفه، وَهُوَ بِاللَّه معتصم، وَعَلِيهِ متوكل، حَتَّى تأكدت عرا الْحق عَلَيْكُم عقدا، واضمحلت عرا الْبَاطِل عَنْكُم حلا، نوره فِي الدجنات سَاطِع، وضوؤه فِي الظُّلُمَات لامع، قالياً للدنيا إِذْ عرفهَا، لافظاً لَهَا إِذْ عجمها، وشانئاً لَهَا إِذْ سبرها؛ تخطبه ويقلاها، وتريده ويأباها، لَا تطلب سواهُ بعلاً، وَلَا نبغي سواهُ نحلاً ٣٥٦ أخْبرهَا أَن الَّتِي يخْطب أرغد مِنْهَا عَيْشًا، وأنضر مِنْهَا حبوراً، وأدوم مِنْهَا سُرُورًا، وَأبقى مِنْهَا خلوداً، وأطول مِنْهَا أَيَّامًا، وأغذق مِنْهَا أَرضًا، وأنعث مِنْهَا جمالاً، وَأتم مِنْهَا بلهنية، وأعذب مِنْهَا رفنية فبشعت نَفسه بذلك لعادتها، واقشعرت
стр. 724
مِنْهَا لمخالفتها، فعركها بالعزم الشَّديد حَتَّى أجابت وبالرأي الجليد حَتَّى انقادت، فَأَقَامَ فِيهَا دعائم الْإِسْلَام، وقواعد السّنة الْجَارِيَة، ورواسي الْآثَار الْمَاضِيَة وأعلام أَخْبَار النُّبُوَّة الظَّاهِرَة، وظل خميصاً من بهجتها، قالياً لأثاثها، لَا يرغب فِي زبرجها وَلَا تطمح نَفسه إِلَى جدَّتهَا حَتَّى دعِي فَأجَاب، وَنُودِيَ فأطاع على تِلْكَ الْحَال؛ فاحتذى فِي النَّاس بأَخيه فأخرجها من نَسْله، وصيرها شوري بَين إخْوَته، فَبِأَي أَفعاله يتعلقون؟ وَبِأَيِّ مذاهبه يتمسكون؟ أبطرائقه القويمة فِي حَيَاته، أم بعدله فِيكُم عِنْد وَفَاته، ألهمنا الله وَإِيَّاكُم طَاعَته، وَإِذا شِئْتُم فَفِي حفظ الله وكلاءته.
عَائِشَة بنت عُثْمَان خطبتها بعد مقتل عُثْمَان
قَالَ: كَانَ عَليّ بن أبي طَالب ﵇ فِي مَاله بينبع فَلَمَّا قتل عُثْمَان بن عَفَّان خرج إِلَيْهِ عنق من النَّاس يتساعون، تشتد بهم دوابهم فاستطاروا فَرحا، واستفزهم الجذل، حَتَّى قدمُوا بِهِ فَبَايعُوهُ، فَلَمَّا بلغ ذَلِك عَائِشَة ابْنة عُثْمَان صاحت بِأَعْلَى صَوتهَا: يَا ثَارَاتِ عُثْمَان ﴿إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ أفنيت نَفسه، وطل دَمه فِي حرم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ، وَمنع من دَفنه؟ اللَّهُمَّ لَو يَشَاء لامتنع، وَوجد من الله حَاكما، وَمن الْمُسلمين ناصرأ، وَمن الْمُهَاجِرين شَاهدا، حَتَّى يفئ إِلَى الْحق من شَذَّ عَنهُ، أَو تطيح هامات وتفرى غلاصم وتخاض دِمَاء، وَلَكِن استوحش مِمَّا أنستم بِهِ، واستوخم مَا استمرأتموه. يَا من اسْتحلَّ حرم الله وَرَسُوله، واستباح حماه، لقد كره عُثْمَان مَا أقدمتم عَلَيْهِ، وَلَقَد نقمتم عَلَيْهِ أقل مِمَّا أتيتم إِلَيْهِ، فراجع فَلم تراجعوه، واستقال فَلم تقيلوه. رَحْمَة الله عَلَيْك يَا أبتاه. أحتسبت نَفسك وَصَبَرت لأمر رَبك، حَتَّى لحقت
стр. 725
بِهِ. وَهَؤُلَاء الْآن قد ظهر مِنْهُم تراوض الْبَاطِل، وَإِذ كاء الشنآن، وكوامن الأحقاد، وَإِدْرَاك الإحن والأوتار. وَبِذَلِك وشيكاً كَانَ كيدهم وتبغيهم وسعي بَعضهم بِبَعْض، فَلَمَّا أقالوا عاثراً، وَلَا استعتبوا مذنباً، حَتَّى اتَّخذُوا ذَلِك سَبِيلا إِلَى سفك الدِّمَاء، وَإِبَاحَة الْحمى، وَجعلُوا سَبِيلا إِلَى البأساء والعنت. فَهَلا علنت كلمتكم، وَظَهَرت حسدتكم، إِذْ ابْن الْخطاب قَائِم على رءوسكم، ماثل فِي عرصاتكم؛ يرعد ويبرق بإرغائكم، يقمعكم غير حذر من تراجعكم إِلَّا فِي بَيْنكُم؛ وهلا نقمتم عَلَيْهِ عوداً وبدءاً إِذْ ملك، وتملك عَلَيْكُم من لَيْسَ مِنْكُم بالخلق اللين، والخصم العضل يسْعَى عَلَيْكُم، وَينصب لكم، لَا تنكرون ذَلِك مِنْهُ خوفًا من سطوته، وحذراً من شدته، أَن يَهْتِف بكم متقسوراً، أَو يصْرخ بكم متعذوراً. إِن قَالَ صَدقْتُمْ قالته وَإِن سَأَلَ بذلتم سَأَلته، يحكم فِي رِقَابكُمْ وَأَمْوَالكُمْ كأنكم عَجَائِز صلع، وإماء قصع، فَبَدَأَ مفلتاً ابْن أبي قُحَافَة بِإِرْث نَبِيكُم على بعد رَحمَه وضيق بَلَده، وَقلة عدده فرقأ الله شَرها، زعم الله دره مَا أعرفهُ لما صنع؛ أَو لم يخصم الْأَنْصَار بقيس؟ ثمَّ حكم بِالطَّاعَةِ لمولى أبي حُذَيْفَة؟ يتمايل بكم يَمِينا وَشمَالًا، قد خطب عقولكم، واستمهر وجلكم، ٣٥٧ ممتحنا لكم، ومعترفاً أخطاركم، وَهل تسمو هممكم إِلَى منازعته وَلَوْلَا تيك لَكَانَ قسمه خسيساً وسعيه تعيساً؛ لَكِن بدر بِالرَّأْيِ، وثنى بِالْقضَاءِ وَثلث بالشوري ثمَّ غَدا سامراً مسلطاً درته على عَاتِقه فتطأطأتم لَهُ تطأطؤ الحقة، ووليتموه أدباركم حَتَّى علا أكتافكم ينعق بكم فِي كل مرتع، ويشد مِنْكُم على كل مخنق، لَا يبتعث لكم هتاف وَلَا يأتلق لكم شهَاب يهجم عَلَيْكُم بالسراء، ويتورط بالحوباء عَرَفْتُمْ أَو أنكرتم، لَا تألمون وَلَا تستنطقون، حَتَّى إِذا عَاد الْأَمر فِيكُم وَلكم، فِي مونقة من الْعَيْش، عرقها وشيج، وفرعها عميم، وظلها ظَلِيل تتناولون من كثب ثمارها أَنى شِئْتُم رغداً، وحلبت عَلَيْكُم عشار الأَرْض درراً، واستمرأتم أكلكم من فَوْقكُم وَمن تَحت أَرْجُلكُم، فِي خصب غدق، وأوق شَرق، تنامون فِي الْخَفْض وتستلينون الدعة، ومقتم زبرجة الدُّنْيَا وحرجتها، واستحليتم غضارتها ونضرتها وظننتم أَن ذَلِك سَيَأْتِيكُمْ من كثب عفوا، ويتحلب عَلَيْكُم رسلًا، قانتضبتم سُيُوفكُمْ، وكسرتم جفونكم، وَقد أَبى الله أَن تشام سيوف جردت بغياً وظلماً، ونسيتم قَول الله " إِن الْإِنْسَان خلق هلوعاً إِذا مَسّه الشَّرّ جزوعاً وَإِذا مَسّه الْخَيْر
стр. 726
منوعاً. " فَلَا يهنينكم الظفر. وَلَا يستوطنن بكم الْحَضَر، فَإِن الله بالمرصاد، وَإِلَيْهِ الْمعَاد، وَالله مَا يقوم الظليم إِلَّا على رجلَيْنِ، وَلَا ترن الْقوس إِلَّا على سيتين فأثبتوا فِي الغرز أَرْجُلكُم، فقد هدَاكُمْ فِي المتيهة الخرقاء كَمَا أضلّ أدحيته الحسل. وَسَيعْلَمُ كَيفَ يكون إِذا كَانَ النَّاس عباديد، وَقد نازعتكم الرِّجَال واعترضت عَلَيْكُم الْأُمُور، وساورتكم الحروب بالليوث، وقارعتكم الْأَيَّام بالجيوش، وحمي عَلَيْكُم الْوَطِيس، فيوماً تدعون من لَا يُجيب، وَيَوْما تجيبون من لَا يَدْعُو. وَقد بسط باسطكم كلتا يَدَيْهِ يرى أَنَّهُمَا فِي سَبِيل الله؛ فيد مَقْبُوضَة وَأُخْرَى مَقْصُورَة، والرؤوس تندر عَن الطلى، والكواهل كَمَا ينقف التنوم. فَمَا أبعد نصر الله من الظَّالِمين وَأَسْتَغْفِر الله مَعَ المستغفرين.
أروى بنت الْحَارِث حَدِيثهَا مَعَ مُعَاوِيَة
قيل: دخلت أروى بنت الْحَارِث بن عبد الْمطلب على مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان بِالْمَوْسِمِ وَهِي عَجُوز كَبِيرَة، فَلَمَّا رَآهَا قَالَ: مرْحَبًا بك يَا عمَّة. قَالَت: كَيفَ أَنْت يَا بن أخي، لقد كفرت بعدِي النِّعْمَة، وأسأت لِابْنِ عمك الصُّحْبَة، وتسميت بِغَيْر اسْمك، وَأخذت غير حَقك، بِغَيْر بلَاء كَانَ مِنْك وَلَا من آبَائِك فِي الْإِسْلَام؛ وَلَقَد كَفرْتُمْ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ. فأتعس الله الجدود، وَصغر مِنْكُم الخدود، حَتَّى رد الله الْحق إِلَى أَهله، وَكَانَت كلمة الله هِيَ الْعليا، وَنَبِينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ هُوَ الْمَنْصُور على من ناوأه وَلَو كره الْمُشْركُونَ. فَكُنَّا أهل الْبَيْت أعظم النَّاس فِي الدّين حظاً ونصيباً وَقدرا، حَتَّى قبض الله نبيه صلى الله عَلَيْهِ مغفوراً ذَنبه، مَرْفُوعَة دَرَجَته، شريفاً عِنْد الله مرضياً، فصرنا أهل
стр. 727
الْبَيْت مِنْكُم بِمَنْزِلَة قوم مُوسَى فِي آل فِرْعَوْن، يذبحون أَبْنَاءَهُم ويستحيون نِسَاءَهُمْ؛ وَصَارَ سيد الْمُسلمين فِيكُم بعد نَبينَا بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى، حَيْثُ يَقُول: " ابْن أم إِن الْقَوْم استضعفوني وكادوا يقتلونني " وَلم يجمع بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ لنا شَمل، وَلم يسهل لنا وعر، وغايتنا الْجنَّة، وغايتكم النَّار. فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ: أيتها الْعَجُوز الضَّالة أقصري من قَوْلك، وغضي من طرفك. قَالَت: وَمن أَنْت ٣٥٨ لَا أم لَك؟ قَالَ: عَمْرو بن الْعَاصِ. قَالَت: يَا بن اللخناء النَّابِغَة، أتكلمني؟ ارْبَعْ على ظلعك، واعن بشأن نَفسك، فوَاللَّه مَا أَنْت من قُرَيْش فِي اللّبَاب من حسبها، وَلَا كريم منصبها. وَلَقَد ادعاك سِتَّة من قُرَيْش كلهم يزْعم أَنه أَبوك، وَلَقَد رَأَيْت أمك أَيَّام منى بِمَكَّة مَعَ كل عبد عاهر، فَأَنت فَأَتمَّ بهم، فَإنَّك بهم أشبه. فَقَالَ مَرْوَان: أيتها الْعَجُوز الضَّالة؛ ساخ بَصرك مَعَ ذهَاب عقلك إِذْ لَا تجوز شهادتك. قَالَت: يَا بني؛ أتتكلم؟ فوَاللَّه لأَنْت بسفيان بن الْحَارِث بن كلدة أشبه مِنْك بالحكم، وَإنَّك لشبهه فِي زرقة عَيْنَيْك، وَحُمرَة شعرك، مَعَ قصر قامته، وَظَاهر دمامته. وَلَقَد رَأَيْت الحكم ماد الْقَامَة ظَاهر الهامة سبط الشّعْر. وَمَا بَيْنكُمَا قرَابَة إِلَّا كقرابة الْفرس الضامر من الأتان المقرب فاسأل أمك عَمَّا ذكرت لَك فَإِنَّهَا تخبرك بشأن أَبِيك إِن صدقت.
رُؤْيا رقيقَة
قَالَ مخرمَة بن نَوْفَل: حَدَّثتنِي أُمِّي رقيقَة بنت أبي صَيْفِي بن هَاشم بن عبد منَاف، قَالَت: تَتَابَعَت على قُرَيْش سنُون أقحلت الضَّرع وأرقت اللَّحْم، وأدقت الْعظم فَبينا أَنا نَائِمَة، لاهم أَو مهمومة إِذا أَنا بهاتف يَهْتِف بِصَوْت صَحِلَ اقشعر لَهُ جلدي: معاشر
стр. 728
قُرَيْش إِن النَّبِي الْأُمِّي الْمَبْعُوث مِنْكُم قد أَظَلَّتْكُم أَيَّامه، وَهَذَا أَوَان نجومه أَلا فحي هلا بِالْخصْبِ والحيا؛ أَلا فانظروا مِنْكُم رجلا وَسِيطًا عظاماً جِسَامًا أَبيض بضاً أَوْطَفُ الْأَهْدَاب، أَشمّ الْعرنِين سهل الْخَدين، لَهُ نجر يَكْظِم عَلَيْهِ وَسنة تهدى. إِلَيْهِ أَلا فليدلف هُوَ وَولده، وليدلف مَعَه من كل بطن رجل، فليشنوا من المَاء، وليمسوا من الطّيب ثمَّ ليستلموا الرُّكْن، وليرقوا أَبَا قبيس، وليدع، وليؤمن الْقَوْم على دُعَائِهِ، فغثتم مَا شِئْتُم. قَالَت: فَأَصْبَحت - علم الله - مَذْعُورَة قد وَله قلبِي، واقشعر جلدي لما رَأَيْت فِي مَنَامِي فقصصت رُؤْيَايَ، ونمت فِي شعاب مَكَّة، فوالحرمة وَالْحرم، مَا بَقِي أبطحي إِلَّا قَالَ: هَذَا شيبَة الْحَمد، هَذَا عبد الْمطلب. فتنامت إِلَيْهِ رجالات قُرَيْش، وَهَبَطَ إِلَيْهِ من كل بطن رجل، فَشُنُّوا وَمَسُّوا واستلموا، ثمَّ ارْتَقَوْا أَبَا قبيس، وَطَفِقُوا يزفون حواليه؛ مَا إِن يبلغ سَعْيهمْ مهله، حَتَّى إِذا اسْتَووا بِذرْوَةِ الْجَبَل قَامَ عبد الْمطلب، وَمَعَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ، غُلَام قد أَيفع أَو كرب، فَرفع يَده إِلَى السَّمَاء وَقَالَ: اللَّهُمَّ كاشف الْكُرْبَة، وساد الْخلَّة، أَنْت عَالم غير معلم، مسئول غير مبخل هَذِه عبداك وإماؤك بِعَذِرَاتٍ حَرمك، يَشكونَ إِلَيْك سنتهمْ الَّتِي أذهبت الظلْف والخف، فاسمعن اللَّهُمَّ لنا، وأمطرن غيثاً مُغْدِقًا مريعاً. فَمَا راموا الْكَعْبَة حَتَّى تَفَجَّرَتْ السَّمَاء بِمَائِهَا، وكظ الْوَادي بشجيجه فلسمعت شَيْخَانِ قُرَيْش وجلتها؛ عبد الله بن جدعَان، وَحرب بن أُميَّة، وَهِشَام بن الْمُغيرَة يَقُولُونَ لعبد الْمطلب: هَنِيئًا لَك أَبَا الْبَطْحَاء هَنِيئًا لَك.
هِنْد بنت عتبَة وصف من خطب هندا ليعرف أَبوهَا رأيها
قَالَت هِنْد بنت عتبَة لأَبِيهَا: إِنِّي امْرَأَة قد ملكت أَمْرِي، فَلَا تزَوجنِي رجلا
стр. 729
حَتَّى تعرضه عَليّ فَقَالَ: لَك ذَاك. وَقَالَ لَهَا ذَات يَوْم: إِنَّه قد خَطبك رجلَانِ من قَوْمك، وَلست مسمياً لَك وَاحِدًا مِنْهُمَا، حَتَّى أصفه لَك؛ أما الأول فَفِي الشّرف الصميم، والحسب الْكَرِيم، تخالين بِهِ هوجاً من غفلته، وَذَلِكَ إسجاح من شيمته، حسن ٣٥٩ الصَّحَابَة، سريع الْإِجَابَة، إِن تابعته تابعك، وَإِن ملت كَانَ مَعَك، تقضين عَلَيْهِ فِي مَاله، وتكتفين بِرَأْيِك عَن مشورته. وَأما الآخر فَفِي الْحسب الحسيب، والرأي الأريب، بدر أرومته، وَعز عشيرته، يُؤَدب أَهله وَلَا يؤدبونه؛ إِن اتَّبعُوهُ أسهل بهم، وَإِن جانبوه توعر عَنْهُم، شَدِيد الْغيرَة، سريع الطَّيرَة، صَعب حجاب الْقبَّة إِن حَاج فَغير منزور، وَإِن نوزع فَغير مقسور، قد بنيت لَك كليهمَا. قَالَت: أما الأول فسيد مضياع لكريمته، موَات لَهَا؛ فَمَا عَسى إِن لم تعتص أَن تلين بعد إبائها، وتضيع تَحت خبائها إِن جَاءَتْهُ بِولد أحمقت وَإِن أنجبت فَعَن خطأ مَا أنجبت. أطو ذكر هَذَا عَنى لَا تسمه لي. وَأما الآخر فبعل الْحرَّة الْكَرِيمَة، إِنِّي لأخلاق هَذَا لوامقة، وَإِنِّي لَهُ لموافقة، وَإِنِّي لآخذه بأدب البعل، مَعَ لزومي قبتي وَقلة تلفتي، وَإِن السَّلِيل بيني وَبَينه لحري أَن يكون المدافع عَن حَرِيم عشيرته، الذائد عَن كتيبتها المحامي عَن حَقِيقَتهَا، الْمُثبت لأرومتها، غير متواكل وَلَا زميل عِنْد صعصعة الحروب. قَالَ: ذَلِك أَبُو سُفْيَان بن حَرْب. قَالَت: فَزَوجهُ وَلَا تلقني إِلَيْهِ إِلْقَاء الشكس وَلَا تسمه سوم الضرس، ثمَّ استخر الله فِي السَّمَاء يخرلك فِي الْقَضَاء. فَزَوجهَا أَبَا سُفْيَان. وَكَانَ الآخر سُهَيْل بن عَمْرو. قيل: إِنَّه لما نخس هَبَّار بِزَيْنَب بنت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ بلغ هنداً، فَقَامَتْ مُسندَة ظهرهَا إِلَى الْكَعْبَة وَقَالَت: أبابنة مُحَمَّد يَفْعَلُونَ هَذَا! أَفِي السّلم أعياراً جفَاء وغلظة ... وَفِي الْحَرْب أَمْثَال النِّسَاء العوارك
стр. 730
قَوْلهَا حِين سَمِعت رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة، أَنه قَالَ: لما كَانَ الْفَتْح قَالَ لي خَالِد بن الْوَلِيد: يَا أَبَا هُرَيْرَة، اذْهَبْ بِنَا إِلَى هِنْد بنت عتبَة، لَعَلَّك تقْرَأ عَلَيْهَا بعض الْقُرْآن لينفعها الله. قلت: انْطلق. فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا كَأَنَّهَا وَالله فرس عَرَبِيّ، وَكَأن وَرَاء عجيزتها رجلآً جَالِسا. فَقَالَ لَهَا خَالِد بن الْوَلِيد: يَا أم مُعَاوِيَة؛ هَذَا أَبُو هُرَيْرَة صَاحب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ، جئْتُك بِهِ ليتلو عَلَيْك الْقُرْآن ويذكرك أَمر الْإِسْلَام. قَالَت: هَات. قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: فَقلت: " بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ": " تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك وَهُوَ على كل شَيْء قدير ". حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى قَوْله جلّ وَعز: " يَنْقَلِب إِلَيْك الْبَصَر خاسئاً وَهُوَ حسير ". فَقَالَت: لأوسدن الْكَعْبَة. مَا سمعنَا بشاعر قطّ ينتحل خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا شَاعِرهمْ هَذَا. قَالَ: فَقَالَ خَالِد: قُم يَا أَبَا هُرَيْرَة، فوَاللَّه لَا تسلم هَذِه أبدا. فقمنا فخرجنا من عِنْدهَا. وَكَانَت هِنْد تَقول: النِّسَاء أغلال فليختر الرجل غلاً ليده. وَكَانُوا يشبهون عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ بهند فِي عقلهَا.
رُؤْيا عَاتِكَة بنت عبد الْمطلب
كَانَت عَاتِكَة بنت عبد الْمطلب عمَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ، سَاكِنة بِمَكَّة مَعَ أَخِيهَا الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، فرأت رُؤْيا قبل يَوْم بدر، وَقبل قدوم ضَمْضَم عَلَيْهِم، فَفَزِعت مِنْهَا، فَأرْسلت إِلَى أَخِيهَا الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب من لَيْلَتهَا، فَجَاءَهَا فَقَالَت: رَأَيْت اللَّيْلَة رُؤْيا قد أشفقت مِنْهَا، وخشيت على قَوْمك الهلكة. قَالَ: وماذا رَأَيْت؟ قَالَت: لن أحَدثك حَتَّى تعاهدني أَلا تذكرها لقَوْمك؛ فَإِنَّهُم إِن سمعوها آذونا وأسمعونا مَالا نحب. فعاهدها الْعَبَّاس فَقَالَت:
стр. 731
رَأَيْت رَاكِبًا أقبل على رَاحِلَة من أَعلَى مَكَّة يَصِيح بِأَعْلَى صَوته: يَا آل غدر، اخْرُجُوا فِي لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاث، ثمَّ أقبل يَصِيح حَتَّى دخل الْمَسْجِد على رَاحِلَته، فصاح ثَلَاث صيحات، وَمَال عَلَيْهِ الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالصبيان، وفزع النَّاس لَهُ أَشد الْفَزع. قَالَت: ثمَّ أرَاهُ مثل ظهر الْكَعْبَة على رَاحِلَته فصاح ثَلَاث صيحات فَقَالَ: يَا آل غدر، يَا آل فجر اخْرُجُوا فِي لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاث. ثمَّ أرَاهُ مثل عَليّ أبي قبيس كَذَلِك يَقُول: يَا آل غدر وَيَا آل فجر حَتَّى أسمع من بَين الأخشبين من أهل مَكَّة، ثمَّ عمد لصخرة عَظِيمَة فنزعها من أَصْلهَا ثمَّ أرسلها على أهل مَكَّة، فَأَقْبَلت الصَّخْرَة لَهَا حس شَدِيد، حَتَّى إِذا كَانَت عِنْد أصل الْجَبَل ارفضت، فَلَا أعلم بِمَكَّة بَيْتا وَلَا دَارا إِلَّا وَقد دَخَلتهَا فلقَة من تِلْكَ الصَّخْرَة. فقد خشيت على قَوْمك. فَفَزعَ من رؤياها الْعَبَّاس ثمَّ خرج من عِنْدهَا، فلقي الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي ربيعَة من آخر تِلْكَ اللَّيْلَة، وَكَانَ خَلِيلًا للْعَبَّاس، فَقص عَلَيْهِ رُؤْيا عَاتِكَة وَأمره أَلا يذكرهَا لأحد، فَذكرهَا لِأَبِيهِ عتبَة، وَذكرهَا عتبَة لِأَخِيهِ شيبَة، فارتفع الحَدِيث حَتَّى بلغ أَبَا جهل واستفاض فِي أهل مَكَّة. فَلَمَّا أَصْبحُوا غَدا الْعَبَّاس يطوف، فَوجدَ فِي الْمَسْجِد أَبَا جهل، وَأَبا البخترى فِي نفر من قُرَيْش يتحدثون، فَلَمَّا نظرُوا إِلَى الْعَبَّاس ناداه أَبُو جهل: يَا أَبَا الْفضل؛ إِذا قضيت طوافك فَهَلُمَّ إِلَيْنَا. فَلَمَّا قضى طَوَافه جَاءَهُم فَجَلَسَ إِلَيْهِم، فَقَالَ لَهُ أَبُو جهل: مَا رُؤْيا عَاتِكَة؟ قَالَ: مَا رَأَتْ من شَيْء قَالَ أَبُو جهل: أما رَضِيتُمْ يَا بني هَاشم بكذب الرِّجَال حَتَّى جئتمونا بكذب النِّسَاء. إِنَّا كُنَّا وَأَنْتُم كفرسي الرِّهَان، فاستبقنا الْمجد مُنْذُ حينٍ. فَلَمَّا تحاكت الركب قُلْتُمْ: منا نَبِي. فَمَا بَقِي إِلَّا أَن تَقولُوا: منا نبية. لَا أعلم فِي قُرَيْش أهل بَيت أكذب رجلا وَلَا امْرَأَة مِنْكُم. فآذوه أَشد الْأَذَى وَقَالَ أَبُو جهل: زعمت عَاتِكَة أَن الرَّاكِب قَالَ: اخْرُجُوا فِي لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاث، فَلَو قد مَضَت هَذِه الثَّلَاث تبينت قُرَيْش كذبكم، وكتبنا سجلاً أَنكُمْ أكذب بَيت فِي الْعَرَب رجلا وَامْرَأَة. أما رَضِيتُمْ يَا بني قصي أَن ذهبتم بالحجابة والندوة والسقاية واللواء والرفادة حَتَّى جئتمونا بِنَبِي مِنْكُم. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس: هَل أَنْت منته، فَإِن الْكَذِب فِيك وَفِي أهل الْبَيْت. فَقَالَ من حضرهما: مَا كنت يَا أَبَا الْفضل
стр. 732
جهولاً وَلَا خرقاً. ولقى الْعَبَّاس من عَاتِكَة فِيمَا أفشى عَلَيْهَا من رؤياها أَذَى شَدِيدا. فَلَمَّا كَانَ مسَاء اللَّيْلَة الثَّالِثَة من اللَّيَالِي الَّتِي رَأَتْ فِيهَا عَاتِكَة الرُّؤْيَا جَاءَهُم الرَّاكِب الَّذِي بعث بِهِ أَبُو سُفْيَان وَهُوَ ضَمْضَم بن عَمْرو الْغِفَارِيّ فَصَرَخَ: يَا آل غَالب ابْن فهر؛ انفروا فقد خرج مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَأهل يثرب لأبي سُفْيَان فاحذروا عِيركُمْ. فَفَزِعت قُرَيْش أَشد الْفَزع وَأَشْفَقُوا من رُؤْيا عَاتِكَة. وَقَالَ الْعَبَّاس: هَذَا زعمتم كذبي وَكذب عَاتِكَة. فنفروا على كل صَعب وَذَلُول، فأظفر الله رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ ببدر.
فَاطِمَة بنت عبد الْملك بن مَرْوَان
روى عَن عَطاء قَالَ: قلت لفاطمة بنت عبد الْملك: أَخْبِرِينِي عَن عمر بن عبد الْعَزِيز. قَالَت: أفعل، وَلَو كَانَ حَيا مَا فعلت. إِن عمر ﵀ كَانَ قد فزع للْمُسلمين نَفسه، ولأمورهم ذهنه ٣٦١، فَكَانَ إِذا أَمْسَى مسَاء لم يفرغ فِيهِ من حوائج النَّاس فِي يَوْمه دَعَا بسراجه الَّذِي كَانَ يسرج لَهُ من مَاله ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ أقعى وَاضِعا رَأسه على يَدَيْهِ، تسيل دُمُوعه على خديه يشهق الشهقة تكَاد ينصدع لَهَا قلبه، أَو تخرج لَهَا نَفسه، حَتَّى يرى الصُّبْح. وَأصْبح صَائِما فدنوت مِنْهُ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ ألشيء كَانَ مِنْك مَا كَانَ؟ قَالَ: أجل، فَعَلَيْك بشأنك، وخليني وشأني. فَقلت: إِنِّي أَرْجُو أَن أتعظ. قَالَ: إِذا أخْبرك، إِنِّي نظرت قد وجدتني وليت أَمر هَذِه الْأمة أحمرها وأسودها، ثمَّ ذكرت الْفَقِير الجائع، والغريب الضائع، والأسير المقهور، وَذَا المَال الْقَلِيل والعيال الْكثير، وَأَشْيَاء من ذَلِك فِي أقاصي الْبِلَاد، وأطراف الأَرْض، فَعلمت أَن الله سائلي عَنْهُم، وَأَن رَسُول الله ﷺ حجيجي، لَا يقبل الله مني فيهم معذرة، وَلَا يقوم لي مَعَ رَسُول الله ﷺ حجَّة، فرحمت وَالله يَا فَاطِمَة نَفسِي رَحْمَة دَمَعَتْ لَهَا عَيْني، ووجع لَهَا قلبِي، فَأَنا كلما ازددت ذكرا ازددت خوفًا فأيقظي أودعي.
стр. 733
أم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ
فِي حَدِيث أم سَلمَة أَنَّهَا أَتَت عَائِشَة لما أَرَادَت الْخُرُوج إِلَى الْبَصْرَة فَقَالَت لَهَا: إِنَّك سدة بَين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَأمته، وحجابك مَضْرُوب على حرمته، وَقد جمع الْقُرْآن ذيلك فَلَا تندحيه وَسكن عقيراك فَلَا تصحريها. الله من وَرَاء هَذِه الْأمة، لَو أَرَادَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ أَن يعْهَد إِلَيْك عهدا. علت علت بل قد نهاك رَسُول الله ﷺ عَن الفرطة فِي الْبِلَاد؛ إِن عَمُود الْإِسْلَام لَا يُثَاب بِالنسَاء إِن مَال، وَلَا يرأب بِهن أَن صدع، حماديات النِّسَاء غض الْأَطْرَاف وخفر الْأَعْرَاض، وَقصر الوهازة. مَا كنت قائلة لَو أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ عارضك بعض الفلوات ناصة قلوصاً من منهل إِلَى آخر أَن يعين الله مهواك، وعَلى رَسُوله تردين قد وجهت سدافته. - ويروى سجافته - وَتركت عهيداه. لَو سرت مسيرك هَذَا ثمَّ قيل: ادخلي الفردوس لاستحييت أَن ألْقى مُحَمَّدًا، هاتكة حِجَابا قد ضربه عَليّ. اجعلي حصنك بَيْتك، ووقاعة السّتْر قبرك، حَتَّى تلقيه وَأَنت على تِلْكَ أطوع مَا تكونين لله مَا لَزِمته، وأنصر مَا تكونين للدّين مَا جَلَست عَنهُ، لَو ذكرتك قولا تعرفينه نهسته نهش الرقشاء المطرقة. فَقَالَت عَائِشَة: مَا أقبلني لوعظك! وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا تظنين، ولنعم الْمسير مسير فزعت فِيهِ إِلَيّ فئتان متناجزتان - أَو متناحرتان - إِن أقعد فَفِي غير حرج، وَإِن أخرج فَإلَى مَا لَا بُد من الازدياد مِنْهُ. قَوْلهَا: قد جمع الْقُرْآن ذيلك فَلَا تندحيه أَي لَا توسعيه بالحركة وَالْخُرُوج يُقَال: ندحت الشَّيْء: إِذا وسعته. وَمِنْه يُقَال: أَنا فِي مندوحة عَن كَذَا. أَي فِي سَعَة. وَمن رَوَاهُ فَلَا تبدحيه فَإِنَّهُ من البداح وَهُوَ المتسع من الأَرْض وعقيراك: من عقر الدَّار.
стр. 734
وعلت من الْعَوْل، وَهُوَ الْميل. وَمن رَوَاهُ: علت بِالْكَسْرِ فَهُوَ من عَال فِي الْبِلَاد يعيل. والفرطة: من الفرط. وَهُوَ السَّبق والتقدم. لَا يُثَاب: لَا يرد يُقَال ثَبت إِلَى كَذَا أَي عدت إِلَيْهِ. حماديات: جمع حمادي مثل قَوْلك قصاراك. الوهازة: قيل هُوَ الخطو. السدافة: الْحجاب والستر، من أسداف اللَّيْل: إِذا ستر بظلمته.
ملتقطات من كلامهن
قَالَت هِنْد بنت عتبَة وَقد عزيت عَن يزِيد بن أبي سُفْيَان لما مَاتَ فَقيل لَهَا: إِنَّا لنَرْجُو أَن يكون فِي مُعَاوِيَة خلفا مِنْهُ. قَالَت: أومثل مُعَاوِيَة يكون خلفا من أحد؟ وَالله لَو جمعت الْعَرَب من أقطارها ثمَّ رمي بِهِ فِيهَا لخرج من أَيهَا شَاءَ. قَالَت خالدة بنت هَاشم بن عبد منَاف لأخ لَهَا - وَقد سمعته تجهم صديقا لَهُ: أَي أخي، لَا تطلع من الْكَلَام إِلَّا مَا قد روأت فِيهِ قبل ذَلِك، ومزجته بالحلم، وداويته بالرفق؛ فَإِن ذَلِك أشبه بك. فَسَمعَهَا أَبوهَا هَاشم فَقَامَ إِلَيْهَا فاعتنقها وَقبلهَا وَقَالَ: واهاً لَك يَا قبَّة الديباج. فلقبت بذلك. قَالَت عَائِشَة للنَّبِي ﵇ وَقد دخل عَلَيْهَا: أَيْن كنت يَا رَسُول الله؟ قَالَ: كنت عِنْد أم سَلمَة. قَالَت: أما تشبع. فَتَبَسَّمَ. وَقَالَت: يَا رَسُول الله؛ لَو مَرَرْت بعدوتين إِحْدَاهمَا عَافِيَة لم يرعها أحد، وَأُخْرَى قد رعاها النَّاس، أَيهمَا كنت تنزل؟ قَالَ: بالعافية الَّتِي لم يرعها النَّاس. قَالَت: فلست كَأحد من نِسَائِك.
عمر وَأَبُو سُفْيَان
رُوِيَ أَن عمر نهى أَبَا سُفْيَان عَن رش بَاب منزله لِئَلَّا يمر بِهِ الْحَاج فيزلقون فِيهِ، فَلم ينْتَه. وَمر عمر فزلق بِبَابِهِ فعلاه بِالدرةِ وَقَالَ: ألم آمُرك أَلا تفعل هَذَا.
стр. 735
فَوضع أَبُو سُفْيَان سبابته على فِيهِ. فَقَالَ عمر: الْحَمد لله الَّذِي أَرَانِي أَبَا سُفْيَان ببطحاء مَكَّة أضربه فَلَا ينتصر، وآمره فيأتمر. فَسَمعته هِنْد بنت عتبَة فَقَالَت: احمده يَا عمر فَإنَّك إِن تحمده فقد أَرَاك عَظِيما. كَانَت زَيْنَب بنت سُلَيْمَان بن عَليّ تَقول: من أَرَادَ أَن يكون الْخلق شفعاءه إِلَى الله فليحمده. ألم تسمع إِلَى قَوْلهم: سمع الله لمن حَمده. فخف الله لقدرته عَلَيْك واستحي مِنْهُ لقُرْبه مِنْك. وَقَالَت زَيْنَب: لَو أدْرك الْمَنْصُور مَا سَاس بِهِ الْمَأْمُون بني أبي طَالب لخرج لَهُ عَمَّا يملك. لما تزوجت خَدِيجَة رضوَان الله عَلَيْهَا برَسُول الله ﷺ كست أَبَاهَا حلَّة وخلقته ونحرت جزوراً، فَلَمَّا أَفَاق الشَّيْخ قَالَ: مَا هَذَا الحبير وَهَذَا العبير وَهَذَا العقير؟ فَقَالَت خَدِيجَة: زوجتني مُحَمَّدًا وَهُوَ كساك هَذَا.
حَال ابْنة عبد الله بن جَعْفَر بعد زواجها من الْحجَّاج
قيل: مَا رئيت ابْنة عبد الله بن جَعْفَر ضاحكة بعد أَن تزَوجهَا الْحجَّاج فَقيل لَهَا: لَو تسليت، فَإِنَّهُ أَمر قد وَقع. فَقَالَت: كَيفَ وَبِمَ؟ فوَاللَّه لقد ألبست قومِي عاراً لَا يغسل درنه بِغسْل. وَلما مَاتَ أَبوهَا لم تبك عَلَيْهِ. فَقيل لَهَا: أَلا تبكين على أَبِيك؟ قَالَت: وَالله إِن الْحزن ليبعثني وَإِن الغيظ ليصمتني. مَاتَ ابْن لِزَيْنَب بنت سُلَيْمَان بن عَليّ فَوجه الْمَأْمُون بِصَالح بن الرشيد للصَّلَاة عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا صَالح: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام وَيَقُول لَك: قد كنت على الرّكُوب، فعرضت لي عِلّة، وَقد وجهت صَالحا ليقوم مقَامي، عظم الله أجرك، فَإِنَّمَا فقدت شخصه، وثوابه مذخور لَك. قَالَ: فَظهر غَضَبهَا، وَرفعت ابْنا لابنها الْمَيِّت فَقَالَت: صل على أَبِيك وَقَالَت: سبكناه ونحسبه لجيناً ... فأبدى الْكِير عَن خبث الْحَدِيد
стр. 736
أما إِنَّه لَو كَانَ يحيى بن الْحُسَيْن بن زيد لوضعت ذيلك فِي فِيك، وعدوت خلف جنَازَته.
الْمَأْمُون وَأم جَعْفَر
لما دخل الْمَأْمُون بَغْدَاد دخلت عَلَيْهِ أم جَعْفَر فَقَالَت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ٣٦٣ أهنئك بخلافة قد هنأت بهَا نَفسِي عَنْك قبل أَن أَرَاك. وَلَئِن فقدت ابْنا خَليفَة لقد عوضت ابْنا خَليفَة لم ألده. وَمَا خسر من اعتاض مثلك، وَلَا ثكلت أم مَلَأت يَدهَا مِنْك، فأسأل الله أجرا على مَا أَخذ، ومتاعاً بِمَا وهب. دخلت فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن على هِشَام بن عبد الْملك، فَقَالَ لبَعض جُلَسَائِهِ: حركها بِشَيْء تغْضب مِنْهُ. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِنَّهَا لَا تعرف الشَّرّ. فَقَالَت لَهُ: أَيهَا عَنْك. علمي بِهِ جنبنيه.
من أَعمال وأقوال فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن
روى عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عمر بن عُثْمَان قَالَ: جمعتنَا أمنا فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن ﵇ فَقَالَت: يَا بني؛ إِنَّه وَالله مَا نَالَ أحد من أهل السَّفه بسفههم شَيْئا وَلَا أدركوه من لذاتهم إِلَّا وَقد ناله أهل المروءات، فاستتروا بستر الله. وَذكر أَن فَاطِمَة أَعْطَتْ وَلَدهَا من حسن بن حسن مَا ورثته مِنْهُ، وأعطت وَلَدهَا من عبد الله بن عَمْرو بن عُثْمَان مورثها مِنْهُ، فَوجدَ ولد حسن بن حسن فِي أنفسهم لِأَن مَا ورثت من عبد الله بن عَمْرو كَانَ أَكثر فَقَالَت لَهُم: يَا بني، إِنِّي كرهت أَن يرى أحدكُم شَيْئا من مَال أَبِيه بيد أَخِيه، فيجد من ذَلِك فِي نَفسه فَلذَلِك فعلت مَا فعلت. وَدخلت مَعَ أُخْتهَا سكينَة على هِشَام بن عبد الْملك، فَقَالَ هِشَام لفاطمة: صفي لنا يَا بنة حُسَيْن ولدك من ابْن عمك، وصفي لنا ولدك من ابْن عمنَا قَالَ: فَبَدَأت بِولد الْحسن قَالَت: أما عبد الله فسيدنا وشريفنا والمطاع فِينَا، وَأما الْحسن فلساننا ومدرهنا وأشبه النَّاس برَسُول الله ﷺ شمائل وتقلعاً ولوناً - وَكَانَ
стр. 737
رَسُول الله ﵇ إِذا مَشى تقلع فَلَا تكَاد عقباه تقعان بِالْأَرْضِ - وَأما الذان من ابْن عمكم فَإِن مُحَمَّدًا جمالنا الَّذِي نباهي بِهِ، وَالقَاسِم عارضتنا الَّتِي نمتنع بهَا، وأشبه النَّاس بِأبي الْعَاصِ بن أُميَّة عارضة ونفساً. فَقَالَ: وَالله لقد أَحْسَنت صفاتهم يَا بنة حُسَيْن. ثمَّ وثب فجبذت سكينَة بردائه فَقَالَت: وَالله يَا أَحول لقد أَصبَحت تهكم بِنَا. أما وَالله مَا أبرزنا لَك إِلَّا يَوْم الطف، قَالَ: أَنْت امْرَأَة كَثِيرَة الشَّرّ.
стр. 738
الْبَاب الثَّانِي نكت من كَلَام النِّسَاء ومستحسن جواباتهن وألفاظهن
جَوَاب امْرَأَة لبَعض الساخرين من بني نمير
مرت امْرَأَة جميلَة على مَسْجِد بني نمير بِالْبَصْرَةِ وَعَلِيهِ جمَاعَة مِنْهُم فَقَالَ بَعضهم: مَا أكبر عجيزتها، وَقَالَ آخر: إِنَّهَا ملفوفة. وَقَالَ آخر: أَنا أجيئكم بخبرها. فتبعها وَضرب يَده على عجيزتها. قَالَ: فالتفتت إِلَيْهِ وَقَالَت: " الْحق من رَبك فَلَا تكونن من الممترين " ثمَّ انصرفت إِلَى بني نمير فَقَالَت: يَا بني نمير؛ وَالله مَا حفظتم فِي قَول الله جلّ وَعز، وَلَا قَول الشَّاعِر؛ قَالَ الله ﵎: " قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم " وَقَالَ الشَّاعِر: فغض الطّرف إِنَّك من نمير ... فَلَا كَعْبًا بلغت وَلَا كلاباً ٣٦٤ - قَالَت امْرَأَة من نمير وحضرتها الْوَفَاة، وَأَهْلهَا مجتمعون: من الَّذِي يَقُول: لعمرك مَا رماح بني نمير ... بطائشة الصُّدُور وَلَا قصار قَالُوا: زِيَاد الْأَعْجَم. قَالَت: فَإِنِّي أشهدكم أَن لَهُ الثُّلُث من مَالِي. وَكَانَ الثُّلُث كثيرا. وَقَالَت امْرَأَة لزَوجهَا: إِن أكلك لاقتفاف، وَإِن شربك لاشتفاف، وَإِن ضجعك لالتفاف. تنام لَيْلَة تخَاف، وتشبع لَيْلَة تُضَاف.
стр. 739
وصف امْرَأَة لزَوجهَا وَوَصفه لَهَا
طلق أَعْرَابِي امْرَأَته فَقَالَت لَهُ: جَزَاك الله خيرا؛ لقد كنت كثير المرق، طيب الْعرق، قَلِيل الأرق، قَالَ: وَأَنت فجزاك الله خيرا؛ لقد كنت لذيذة المعتنق عِنْد الْكرَى والأرق، وَلَكِن مَا قضى الله قد سبق. تزوج أَعْرَابِي امْرَأَة أشرف مِنْهُ حسباً ونسباً فَقَالَ: يَا هَذِه: إِنَّك مَهْزُولَة. فَقَالَت: هزالي أولجني بَيْتك. لما قتل حَاجِب بن زُرَارَة قراد بن حنيفَة قَالَت قبائل بني دارم لحاجب: إِمَّا أَن تقيد من نَفسك، وَإِمَّا أَن تدفع إِلَيْنَا رجلا من رهطك. فَأمر فَتى من بني زُرَارَة بن عدس أَن يذهب إِلَيْهِم حَتَّى يُقَاد. فَمروا بالفتى على أمه وحسبوها تجزع فَيدْفَع حَاجِب إِلَيْهِم غَيره. فَقَالَت: إِن حَيْضَة وَقت حاجباً الْمَوْت لعظيمة الْبركَة. قَالَت أعرابية وَقد دفع إِلَيْهَا علك لتمضغه: مَا فِيهِ إِلَّا تَعب الأضراس وخيبة الحنجرة. قيل لرملة بنت الزبير: مَا لَك أهزل مَا تكونين إِذا كَانَ زَوجك شَاهدا؟ قَالَت: إِن الْحرَّة لَا تضاجع بَعْلهَا بملء بَطنهَا. كَأَنَّهَا لم تأمن قرقرة الْبَطن وَغير ذَلِك. نظر رجل إِلَى امْرَأتَيْنِ يتلاعبان فَقَالَ: مرا لَعَنَكُمَا الله فَإِنَّكُنَّ صواحبات يُوسُف. فَقَالَت إِحْدَاهمَا: يَا عمي فَمن رمى بِهِ فِي الْجب: نَحن أم أَنْتُم؟ وَمَرَّتْ جَارِيَة بِقوم وَمَعَهَا طبق مغطى فَقَالَ بَعضهم: أَي شَيْء مَعَك على الطَّبَق؟ قَالَت: فَلم غطيناه؟ قَالَ الجاحظ: من الأسجاع الْحَسَنَة قَول الأعرابية حِين خَاصَمت ابْنهَا إِلَى عَامل المَاء: أما كَانَ بَطْني لَك وعَاء؟ أما كَانَ حجري لَك فنَاء؟ أما كَانَ ثديي لَك سقاء. وَقَالَت امْرَأَة: أَصْبَحْنَا مَا يرقد لنا فرس، وَلَا ينَام لنا حرس.
قَول امْرَأَة فِي رثاء ابْنهَا
مر رجل بِامْرَأَة من غاضرة، وَإِذا ابْن لَهَا مسجى بَين يَديهَا، وَهِي تَقول:
стр. 740
يَرْحَمك الله يَا بني. فوَاللَّه مَا كَانَ مَالك لبطنك، وَلَا أَمرك لعرسك، وَلَا كنت إِلَّا لين العطفة، يرضيك أقل مِمَّا يسخطك. قَالَ: فَقَالَ لَهَا: يَا أمه، أَلَك مِنْهُ خلف؟ قَالَت: بلَى مَا هُوَ خير مِنْهُ: ثَوَاب الله وَالصَّبْر على الْمُصِيبَة. وَلما قتل الْفضل بن سهل دخل الْمَأْمُون إِلَى أمه يعزيها فِيهِ، وَقَالَ: يَا أمه؛ لَا تحزني على الْفضل؛ فَإِنِّي خلف لَك مِنْهُ. فَقَالَت لَهُ: وَكَيف لَا أَحْزَن على ولد عوضني خلفا مثلك، فتعجب الْمَأْمُون من جوابها. وَكَانَ يَقُول: مَا سَمِعت جَوَابا قطّ كَانَ أحسن مِنْهُ وَلَا أخلب للقلب.
قَول أعرابية حِين شربت النَّبِيذ
حُكيَ أَن عجوزاً من الْأَعْرَاب جَلَست فِي طَرِيق مَكَّة إِلَى فتيَان من قُرَيْش يشربون نبيذاً لَهُم، فسقوها قدحاً فطابت نَفسهَا وتبسمت ثمَّ سقوها قدحاً آخر، فاحمر وَجههَا وضحكت فسقوها قدحاً ثَالِثا، فَقَالَت: أخبروني عَن نِسَائِكُم بالعراق، أيشربن من هَذَا الشَّرَاب؟ قَالُوا: نعم. قَالَت: زنين وَرب الْكَعْبَة. ٣٦٥ - سُئِلت أعرابية فَقيل لَهَا: أتعرفين النُّجُوم؟ قَالَت: سُبْحَانَ الله أما أعرف أشياخاً وقوفاً عَليّ كل لَيْلَة؟ قيل لامْرَأَة أُصِيبَت بِوَلَدِهَا: كَيفَ أَنْت والجزع؟ . قَالَت: لَو رَأَيْت فِيهِ دركاً مَا اخْتَرْت عَلَيْهِ، وَلَو دَامَ لي لدمت لَهُ. مر أَعْرَابِي بِجَارِيَة جابة تمدر حوضاً لَهَا، فَقَالَ: من دلّ على بعير بعنقه علاط. وبأنفه خزام، تتبعه بكرتان سمراوان؟ فَقَالَ الْقَوْم: حفظ الله علينا وَأمْسك عَلَيْك. وَالله مَا أحسسنا لَهَا خَبرا. . فَقَالَت الْجَارِيَة: لَا حفظ الله عَلَيْك يَا عَدو الله. فَقيل لَهَا: مَا ذَاك؟ قَالَت: إِنَّه ينشد سوءته. قَالَ بَعضهم: شهِدت امْرَأَة بالبادية، وَبَين يَديهَا ابْن لَهَا يجود بِنَفسِهِ فَوَثَبت عَلَيْهِ فأغمضته وعصبته وترحمت عَلَيْهِ، ثمَّ تنحت. فَقَالَت: مَا حق من ألبس
следующие страницы →