Полный текст (1 737 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
كَيفَ هُوَ عنْدك؟ . قَالَ: جيدٌ. قَالَ: فَإِن كنت فِي الْحَبْس فَكيف تتحول؟ . قَالَ: فَانْقَطع الرجل، فَقَالَ بهْلُول: الصَّوَاب قَول غَيره: إِذا كنت فِي دارٍ يسوءك أَهلهَا ... وَلم تَكُ مكبولا بهَا فتحول أُصِيب إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن الصَّباح الْكِنْدِيّ بابنٍ لَهُ، فجزع؛ فَدخل أهل الْكُوفَة يعزونه، وَدخل فيهم بهْلُول؛ فَقَالَ: أَيَسُرُّك أَنه بقى وَأَنه مثلي؟ . قَالَ: لَا وَالله، وَإِنَّهَا لتعزية. قَالَ بَعضهم: جَاءَنَا جعيفران فِي سوق أَصْحَاب اللُّؤْلُؤ، فوهب لَهُ إنسانٌ حَبَّة من الْحبّ الصغار؛ فَقَالَ لَهُ رجل: أتبيعها بطسوج؟ ، فَقَالَ: إِن كَانَ بطسوج بادرونا فَنعم. هرب مَجْنُون من الصّبيان، وَدخل دهليزا، وأغلق الْبَاب فِي وُجُوههم وَجلسَ؛ فَخرج إِلَيْهِ صَاحب الدَّار، فَقَالَ: لم دخلت دَاري؟ . قَالَ: من أَيدي هَؤُلَاءِ أَوْلَاد الزِّنَى. فَدخل صَاحب الدَّار، وَأخرج طبقًا عَلَيْهِ رطب كثير، فَجَلَسَ الْمَجْنُون يَأْكُل، وَالصبيان يصيحون على الْبَاب؛ فَأخْرج الْمَجْنُون رَأسه إِلَى صَاحب الدَّار، فَقَالَ: بابٌ بَاطِنه فِيهِ الرَّحْمَة وَظَاهره من قبله الْعَذَاب. قيل لمَجْنُون كَانَ بِالْبَصْرَةِ: عدلنا مجانين الْبَصْرَة. قَالَ: كلفتموني شططا، أَنا على عد عقلائهم أقدر. كَانَ بِبَغْدَاد مجنونٌ يلبس فَرْوَة مَقْلُوبَة، فَإِذا قيل لَهُ فِي ذَلِك قَالَ: لَو علم الله أَن الصُّوف إِلَى داخلٍ أَجود عمل الصُّوف إِلَى دَاخل. قَالَ الْفَزارِيّ: رَأَيْت مَجْنُونا يسوى رَأس سَكرَان، وَيَقُول لَهُ: يؤيؤ، وَالله لَا أفلحت أبدا. قيل لمَجْنُون: أَيْن المولد؟ . قَالَ: المولد الْبَصْرَة، والمنشأدير هزقل. شدّ مجنونٌ على رجل بِالْبَصْرَةِ، فَأَخذه الرجل فَضَربهُ. فَقَالَ النَّاس: إِنَّه مَجْنُون، وَجعل الْمَجْنُون من تَحْتَهُ: وَيحكم أفهموه.
стр. 667
قيل لمَجْنُون: أَيَسُرُّك أَن تصلب فِي صَلَاح هَذِه الْأمة؟ . قَالَ: لَا، وَلَكِن يسرني أَن تصلب الْأمة فِي صلاحي. قَالَ دَاوُد الْمُصَاب لصديق لَهُ: رَأَيْت البارحة رُؤْيا نصفهَا حق، وَنِصْفهَا بَاطِل، رَأَيْت كَأَنِّي قد حملت على عَاتِقي بدرة، فَمن ثقلهَا خريت فانتبهت فَرَأَيْت الخرا، وَلم أر البدرة. سمع مجنونٌ رجلا يَقُول: اللَّهُمَّ لَا تأخذنا على غَفلَة. فَقَالَ: إِذا لَا يأخذك أبدا. قَالَ بَعضهم: كَانَ بِالشَّام مجنونٌ يستطرف حَدِيثه، قَالَ: رَأَيْته يَوْمًا وَقد رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء وَهُوَ يَقُول: النَّاس كَذَا يعْملُونَ، وهذيانٌ كثير. قيل لَهُ: مَا تَقول؟ وَيحك. قَالَ: أعاتب رَبِّي. قيل: فَكَذَا يُخَاطب الله. قَالَ: قلت لَهُ: بدل مَا خلقت مائَة وجوعتهم لَو كنت تخلق عشرَة وتشبعهم لَكَانَ خيرا. جَاءَ مجنونٌ إِلَى يزِيد بن هَارُون، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا خَالِد؛ أَلَيْسَ النَّبِي ﷺ قَالَ: " لَوْلَا أَن الْكلاب أمةٌ من الْأُمَم لأمرت بقتلها، وَلَكِن اقْتُلُوا مِنْهَا كل أسود بهيم ". قَالَ يزِيد: نعم. فَقَالَ الْمَجْنُون: أَلَيْسَ قد قَالَ الله تَعَالَى: " وَإِن من أمةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نذيرٌ ". فَمن نَذِير الْكلاب؟ قَالَ: فتحير يزِيد فِي جَوَابه. فَقَالَ لَهُ الْمَجْنُون: تحب يَا أَبَا خَالِد أَن أعرفك نَذِير الْكلاب؟ قَالَ: نعم، فَأخذ حجرا فَرمى بِهِ كَلْبا بِالْقربِ مِنْهُ؛ فَعدا الْكَلْب يعوي وينبح؛ فَقَالَ: يَا أَبَا خَالِد؛ الْحجر نَذِير الْكلاب. سَأَلَ بعض الْوُلَاة عَن أبي نصر الْهَرَوِيّ ليعبر لَهُ رُؤْيا رَآهَا، فَقيل لَهُ: هُوَ بمرو يأوي الصَّحرَاء؛ فَبعث إِلَيْهِ، فَأتي بِهِ؛ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت كَأَن فِي كمي عصافير؛ فَجعلت تفلت وَاحِدَة وَاحِدَة، وَتَطير؛ فَلَمَّا كَانَ آخر عصفورةٍ كَادَت تفلت، فحبستها. قَالَ الْمَجْنُون: أكلت عدسية، فَبت تضرط ليلتك؛ فَلَمَّا كَانَ آخرهَا أردْت أَن تسلح فحبسته. فَقَالَ الْوَالِي: اسْكُتْ قبحك الله. قَالَ: هُوَ وَالله مَا قلت. فَلَمَّا خرج قَالَ الرجل: وَالله مَا أَخطَأ شَيْئا.
стр. 668
رثي بهْلُول مغموماً يبكي؛ فَقيل: مَا يبكيك؟ . قَالَ: كَيفَ لَا أبْكِي؟ وَقد جَاءَ الشتَاء وَلَيْسَ لي جُبَّة. فَقيل: لَا تبك؛ فَإِن الله لَا يدعك بِلَا جُبَّة. قَالَ: بلَى وَالله. عَام أولٍ تركني بِلَا جُبَّة وَلَا سَرَاوِيل، وأخاف أَن يدعني الْعَام بِلَا جُبَّة وَلَا سَرَاوِيل وَلَا قلنسوة. قَالَ بَعضهم: مَرَرْت يَوْمًا ببهلول، وَهُوَ يَأْكُل فرنية حوارِي مَعَ دجَاجَة، فَقلت لَهُ: يَا بهْلُول؛ أَطْعمنِي مِمَّا تَأْكُل، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا لي - وحياتك - هَذَا دَفعته إِلَيّ أم جعفرٍ آكله لَهَا. نظر رجلٌ إِلَى جماعةٍ من المجان حول مَجْنُون، فَقَالَ لَهُ: ادخل إِلَى بعض الْمَوَاضِع حَتَّى يتفرقوا عَنْك. قَالَ: إِذا جَاعُوا انصرفوا. قيل لبهلول: تَأْخُذ درهما وتشتم فَاطِمَة؟ . قَالَ: لَا، وَلَكِن هاتوا نصف درهمٍ حَتَّى أشتم عَائِشَة، وَأَزِيدكُمْ أَبَاهَا. كَانَ الجهجاه مَجْنُونا، وَكَانَ يَدعِي الْخلَافَة، فَأدْخل على الرشيد، وَعِنْده أَبُو يُوسُف القَاضِي، فَقَالَ: جَعْفَر بن يحيى كالهازئ بِهِ: هَذَا أَمِير الضراطين. يزْعم أَنه أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: لَو كنت كَذَلِك أوسع إمرةً من صَاحبك؛ لِأَن الضراط عامٌ، وَالْإِيمَان خاصٌ. قَالَ لَهُ الرشيد: لأضربنك بالسياط حَتَّى تقر بالزندقة. قَالَ: فَإِذا أَقرَرت ترى قَتْلِي؟ . قَالَ: نعم، قَالَ: فَالْتَفت إِلَى أبي يُوسُف، وَقَالَ: يَا يَعْقُوب؛ لَيْسَ لصاحبنا فقهٌ. قيل لبهلول: أيكفي اثْنَيْنِ رأسٌ وَاحِد؟ . قَالَ: إِذا كَانَ أَحدهمَا نَائِما. وَحضر مَجْلِسا فِيهِ قوم يتذاكرون الحَدِيث، فرووا عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: لَو أدْركْت لَيْلَة الْقدر مَا سَأَلت رَبِّي إِلَّا الْعَفو الْعَافِيَة. فَقَالَ بهْلُول: وَالظفر بعليٍّ يَوْم الْجمل. وَحكى أَن صَاحب المارستان أَتَاهُ بقدح فِيهِ دَوَاء، وَقَالَ لَهُ: اشرب يَا بن الزَّانِيَة؛ فَقَالَ: هَات حَتَّى أشربه وَالله أعلم أَنَّك أَحَق بِهِ مني. وَلما حمل إِلَى المارستان سَأَلَ النَّاس أَن يأذنوا لَهُ فِي أَن يلم ببيته، ويوصي أَهله بشيءٍ، فمنعوه، فَقَرَأَ: " فَلَا يَسْتَطِيعُونَ توصيةً وَلَا إِلَى أهلهم يرجعُونَ ".
стр. 669
وَقيل لَهُ: مَا تشْتَهي من الْفَاكِهَة الرّطبَة؟ . قَالَ: لحمٌ. قيل: فَمن الْيَابِسَة؟ قَالَ: قديدٌ، قيل: فَمن الشَّرَاب؟ . قَالَ: مرقة. قيل: فَمن السماع؟ . قَالَ: نشيش المقالي. قَالَ قوم لمَجْنُون بِالْبَصْرَةِ أديب: عظنا، وهم يهزءون بِهِ؛ فَقَالَ: هَذِه قصورهم، وَهَذِه قُبُورهم. فأبكاهم. قَالَ أَبُو العيناء: حضرت أَبَا دينارٍ وَأَبا لُقْمَان الممرورين يتناظران عِنْد ابْن أبي دواد؛ فَقَالَ أَبُو لُقْمَان لأبي دِينَار: من أفضل النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ ؟ ، قَالَ ابْن دواد: أَبُو بكر الصّديق. فَقَالَ أَبُو لُقْمَان: أم الْكَاذِب زَانِيَة. قَالَ ابْن أبي دواد: هَذَا كَلَام قد انْتهى إِلَى آخِره. كَانَ بهلولٌ يجمع مَا يُوهب عِنْد مولاة لَهُ من كِنْدَة، وَكَانَت لَهُ كالأم، وَرُبمَا أُخْفِي عَنْهَا شَيْئا وَدَفنه، فجَاء يَوْمًا بِعشْرَة دَرَاهِم كَانَت مَعَه إِلَى خربة فدفنها فِيهَا، ولمحه رجلٌ، فَلَمَّا خرج بهلولٌ ذهب الرجل فَأخذ الدَّرَاهِم، وَعَاد بهْلُول فَلم يجدهَا. وَقد كَانَ رأى الرجل يَوْم دَفنهَا فَعلم أَنه صَاحبه، فجَاء إِلَيْهِ فَقَالَ: اعْلَم يَا أخي أَن لي دَرَاهِم مدفونة فِي مَوَاضِع كثيرةٍ مُتَفَرِّقَة، وَأُرِيد أَن أجمعها فِي موضعٍ دفنت فِيهِ هَذِه الْأَيَّام عشرَة دَرَاهِم؛ فَإِنَّهُ أحرز من كل مَوضِع، فَاحْسبْ بِاللَّه كم تبلغ جُمْلَتهَا. قَالَ: هَات. قَالَ: خُذ عشْرين درهما فِي مَوضِع كَذَا، وَخمسين فِي مَوضِع كَذَا، حَتَّى طرح عَلَيْهِ مِقْدَار ثلثمِائة دِرْهَم. ثمَّ قَامَ بَين يَدَيْهِ وَمر؛ فَقَالَ الرجل فِي نَفسه: الصَّوَاب أَن أرد الْعشْرَة إِلَى موضعهَا، حَتَّى يجمع إِلَيْهَا هَذِه الْجُمْلَة ثمَّ آخذها، فَردهَا. وَجَاء بهْلُول فَدخل الخربة، وَأخذ الْعشْرَة، وخرى مَكَانهَا، وغطاه بِالتُّرَابِ وَمر، وَكَانَ الرجل مترصداً لبهلول وَقت دُخُوله وَخُرُوجه؛ فَلَمَّا خرج مر بالعجلة، فكشف عَن الْموضع، وتلوثت يَده بالخرا، وَلم يجد شَيْئا، وفطن لحيلة بهْلُول عَلَيْهِ. ثمَّ إِن بهلولاً عَاد إِلَيْهِ بعد يَوْمَيْنِ فَقَالَ: احسب يَا سَيِّدي؛ عشْرين درهما، وَخَمْسَة عشر درهما، وَعشرَة دَرَاهِم، وشم يدك. فَوَثَبَ الرجل ليضربه، وَعدا بهْلُول. وَولى بعض بني هَاشم الْكُوفَة، فَلَمَّا صعد الْمِنْبَر قَالَ: الْحَمد لله، وَارْتجَّ عَلَيْهِ، فَجعل يُكَرر ذَلِك؛ فَقَالَ بهْلُول: الَّذِي ابتلانا بك.
стр. 670
وَجَاز بهْلُول بسوق البزازين، فَرَأى قوما مستجمعين على بَاب دكان ينظرُونَ إِلَى نقبٍ قد نقب على بَعضهم، فَاطلع فِي النقب، ثمَّ قَالَ: وكلكم لَا تعلمُونَ ذَا من عمل من؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَإِنِّي أعلم. فَقَالَ النَّاس: هَذَا مجنونٌ يراهم بِاللَّيْلِ وَلَا يتحاشونه، فأنعموا لَهُ القَوْل لَعَلَّه يخبر بذلك. فَسَأَلُوهُ أَن يُخْبِرهُمْ. فَقَالَ: إِنِّي جَائِع، فهاتوا أَرْبَعَة أَرْطَال رقاقٍ ورأسين، فأحضروا ذَلِك وَأكل، فَلَمَّا استوفى قَالَ: هوذا أشتهي شَيْئا حلواً، فأحضروا لَهُ رطلين فالوذج فَأَكله، وَفرغ مِنْهُ وَقَامَ وَتَأمل النقب، ثمَّ قَالَ: كأنكم السَّاعَة لَسْتُم تعلمُونَ هَذَا من عمل من؟ . قَالُوا: لَا. قَالَ: هَذَا من عمل اللُّصُوص لَا شكّ. وَعدا. ولع الصّبيان بعيناوة، وصاحوا عَلَيْهِ، ورموه، فهرب مِنْهُم فاستقبلته امرأةٌ مَعهَا صبيٌ صَغِير، فَدَنَا مِنْهَا وَلَطم الطِّفْل لطمةً كَادَت تَأتي عَلَيْهِ، فَقَالَت الْمَرْأَة: قطعت يدك إيش أذْنب هَذَا إِلَيْك. قَالَ: يَا قحبة؛ هَذَا يكون غَدا شرا من هَؤُلَاءِ الكشاخنة. ركب الْهَادِي يَوْمًا، فَنظر إِلَى مَجْنُون يلقب بكسرة؛ ويرمى من يَقُول هَذَا اللقب، وَيعْمل الْعَجَائِب؛ فَأمر بِحمْلِهِ إِلَى الدَّار، فَقَالَ لَهُ: لم تَشْتُم النَّاس إِذا قَالُوا لَك: كسرة؟ . قَالَ: وَلم تضرب الْأَعْنَاق إِذا قيل لَك: مُوسَى اطبق؟ . قَالَ: أَنا لَا أغضب من هَذَا. قَالَ: فصح أَنْت بِي ثَلَاث مراتٍ، وأصيح مرَّتَيْنِ فَنَنْظُر من يحرد. قَالَ: قد رضيت. فَقَالَ الْهَادِي: يَا كسرة؛ يَا كسرة. ثَلَاث مَرَّات، وطولها، فَلم يلْتَفت الْمَجْنُون، وَلم يَتَحَرَّك وَلم يحرد، ثمَّ صَاح: يَا مُوسَى اطبق. فَلم يَتَحَرَّك الْهَادِي، فَقَالَ الْمَجْنُون: مَا يتغافل إِلَّا من أمه قحبة. فحرد الْهَادِي، ودعا بالنطع وَالسيف، فَقَالَ الْمَجْنُون: كَيفَ رَأَيْت؟ كَانَ الْمَجْنُون وَاحِدًا، صرنا اثْنَيْنِ. وَأَنا أَيْضا هَكَذَا؛ لَو قَالُوا: يَا كسرة؛ يَا رغيف. ألف سنة مَا باليت، وَلَكِن كَذَا يَقُولُونَ لي إِذا تغافلت. فَضَحِك الْهَادِي وَأمر لَهُ بجائزة. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت مجنونين قد رفعا إِلَى بعض أَصْحَاب الشَّرْط، وَقد تواثبا وتخاصما؛ فَقَالَ لأَحَدهمَا: لم فعلت هَذَا؟ . قَالَ: لِأَنَّهُ وثب عَليّ وشجني؛
стр. 671
فَقَالَ: لم بَدأته بالرفس، ومددت خصيته، قَالَ: يَا ولد النَّجس من بَين الْأُمَرَاء؛ بِهَذَا اللبَاس الَّذِي عَلَيْهِ لَا تكفيه فَرد خصية؟ . ونظروا إِلَى ماني الموسوس يَأْكُل تَمرا، ويبتلع نَوَاه، فَقيل: لم لَا ترمي بالنوى؟ . قَالَ: هَكَذَا وزنوه عَليّ. قيل لبهلول: يَقع فِي الطفشيل قتٌ؟ . قَالَ: نعم إِذا كَانَ للبقل. وَكتب مَجْنُون إِلَى آخر: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. وأمتع بك؛ كتبت إِلَيْك ودجلة تطفح، وسفن الْموصل تنحدر، وَمَا يزْدَاد الصّبيان إِلَّا لعنة، وَالْحجر إِلَّا قلَّة؛ فَلَا تنم إِلَّا وَعند رَأسك حجران، وَكن كَمَا قَالَ الأول: " وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قوةٍ ". وَإِيَّاك وَالْمَوْت فَإِنَّهُ طَعَام سوءٍ. وكتبت لأَرْبَع عشر يَوْمًا بقيت إِلَى عَاشُورَاء الأول سنة افتصد عجيف. كَانَ بِمَكَّة رجلٌ يرْمى بِأَنَّهُ لقيطٌ، وَلَا يعرف لَهُ أَب، وَكَانَ مُوسِرًا، وَكَانَ بهَا مجنونٌ يَقْصِدهُ كثيرا فيبره وَيحسن إِلَيْهِ، فجَاء الْمَجْنُون يَوْمًا، فَرَآهُ قَاعِدا مَحْزُونا منقبضاً؛ فَقَالَ: جعلت فدَاك مَا لَك كَذَا؟ . قَالَ: لَا شَيْء. قَالَ الْمَجْنُون: بلَى، قد عرفت، ترى لَيْسَ بِمَكَّة ولد زنى غَيْرك. هم أَكثر ذَاك فَلَا تغتم. قيل لمَجْنُون: لم صَار الدِّينَار خيرا من الدِّرْهَم، وَالدِّرْهَم خيرا من الْفلس؟ . قَالَ: لِأَن الْفلس ثَلَاثَة أحرف، وَالدِّرْهَم أَرْبَعَة أحرف، وَالدِّينَار خَمْسَة أحرف.
стр. 672
ولى الْعَلَاء بن عَمْرو بِلَاد سَارِيَة، وَكَانَ جائراً فَأصَاب النَّاس الْقَحْط، وَأَمْسَكت السَّمَاء قطرها؛ فَخَرجُوا يستسقون، وَصعد الْعَلَاء الْمِنْبَر؛ فَقَالَ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْبلَاء والغلاء. فَوَثَبَ معتوهٌ كَانَ بهَا فَقَالَ: والْعَلَاء؛ فَإِنَّهُ شرٌّ من الغلاء، وَأَغْلظ من الْبلَاء. فَضَحِك النَّاس، وخجل الْعَلَاء وَانْصَرف. وَدخل دَاوُد الْمُصَاب بستاناً، فتعلقت بشوبه شوكةٌ، فَالْتَفت وَقَالَ: وَالله لَوْلَا أَنَّك بهيمةٌ لكسرت أَنْفك. قَالَ بَعضهم: مَرَرْت بعليان الْمَجْنُون، وَهُوَ جالسٌ فِي محلّة بني ضبة، فَقلت لَهُ: يَا أَبَا الْحسن؛ من أفضل عنْدك؟ أَبُو بكرٍ أم عَليّ؟ فَقَالَ: أما فِي بني ضبة فَأَبُو بكر. حج مُوسَى بن عِيسَى ببهلول مَعَه، فَأقبل مُوسَى يَدْعُو عِنْد الْبَيْت ويتضرع، وبهلول يَقُول: لَا لبيْك وَلَا سعديك. فَقَالَ لَهُ ابْنه الْعَبَّاس: وَيلك تَقول هَذَا القَوْل للأمير فِي مثل هَذَا الْموقف. قَالَ: أَقُول لَهُ مَا أعلم أَن الله يَقُول لَهُ. قيل لبهلول: عدلنا مجانين الْبَصْرَة. قَالَ: هَذَا يكثر وَيبعد جدا، وَلَكِن إِن أردتم عددت لكم عقلاءهم. سَأَلَ بَعضهم أَبَا لُقْمَان الممرور عَن الْجُزْء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ مَا هُوَ؟ ، فَقَالَ: الْجُزْء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ هُوَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁. فَقَالَ لَهُ: وَلَيْسَ فِي الأَرْض لَا يتَجَزَّأ غَيره. قَالَ: بلَى، حَمْزَة جزءٌ لَا يتَجَزَّأ، وجعفرٌ جزءٌ لَا يتَجَزَّأ. قَالَ: فَمَا تَقول فِي أبي بكر وَعمر؟ . قَالَ: أَبُو بكر يتَجَزَّأ، وَعمر يتَجَزَّأ، وَعُثْمَان يتَجَزَّأ مرَّتَيْنِ، وَطَلْحَة يتَجَزَّأ مرَّتَيْنِ. قَالَ: فَمَا تَقول فِي مُعَاوِيَة؟ . قَالَ: مُعَاوِيَة جُزْء لَا يتَجَزَّأ وَلَا يتَجَزَّأ. قيل لأبي زيد الْمَجْنُون: مَا الْعِشْق؟ قَالَ: نيكٌ كُله. قيل لمَجْنُون: مَا فعلت حَتَّى ضربك الصّبيان؟ قَالَ: وَإِن امْرأ يُمْسِي وَيُصْبِح سالما ... من النَّاس إِلَّا مَا جنى لسَعِيد
стр. 673
لما مَاتَ وَالِد بهْلُول خلف سِتّمائَة دِرْهَم، فحظر عَلَيْهِ القَاضِي، فَجَاءَهُ يَوْمًا، وَقَالَ: أَيهَا القَاضِي؛ ادْفَعْ إِلَيّ مائَة دِرْهَم، حَتَّى أقعد فِي الحلقات فَإِن أَحْسَنت أَن أتجربها دفعت إِلَيّ الْبَاقِي. فَدفع إِلَيْهِ ذَلِك، فَذهب وأتلفه وَعَاد إِلَى مجْلِس القَاضِي. وَقَالَ: إِنِّي قد أتلفت الْمِائَة، فتفضل بردهَا فقد أَسَأْت إِذْ دفعت إِلَيّ ذَلِك، وَلم يثبت عِنْدِي رشدي. فَقَالَ القَاضِي: صدقت، وَالْتزم الْمِائَة فِي مَاله. كَانَ مجنونٌ يُؤْذِيه الصّبيان، فَقَالَ لَهُ رجلٌ: تُرِيدُ أَن أطردهم عَنْك؟ . فَقَالَ: نعم، وتنطرد أَيْضا مَعَهم. قَالَ مجنونٌ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أجل مني، لَا أحاسب فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة. قَالَ الرشيد لبهلول: من أحب النَّاس إِلَيْك؟ فَقَالَ: من أشْبع بَطْني. فَقَالَ: أَنا أشبعك، فَهَل تحبني؟ . قَالَ: الْحبّ بِالنَّسِيئَةِ لَا يكون. كَانَ مجنونٌ يخْتَلف إِلَى المآتم، وَيَدْعُو، ورسمه أَن يعْطى دِرْهَمَيْنِ، فاتفق أَن آل الزبْرِقَان لم يمت مِنْهُم أحدٌ سِنِين كَثِيرَة، ثمَّ مَاتَ مِنْهُم وَاحِد فَحَضَرَ الْمَجْنُون، وَأعْطِي دِرْهَم وَاحِدًا. فَقَالَ: من كَثْرَة مَا تموتون حَتَّى نقصتم رسمي. وَكَانَ مجنونٌ آخر يحضر المآتم، ورسمه أَن يعْطى ثَلَاثَة أرغفة فَحَضَرَ يَوْمًا بعض الْمَوَاضِع وَأعْطِي سِتَّة أرغفة؛ فَلَمَّا أَرَادَ أَن يخرج قَالَ لأَصْحَاب التَّعْزِيَة: اذْكروا أَنه قد بقى لكم عَليّ ميتٌ آخر. قَالَ: لما ضمت الْمَدِينَة إِلَى الْحجَّاج مَعَ مَكَّة خرج إِلَيْهَا؛ فَبينا هُوَ يسير إِذْ قَالَ لأَصْحَابه: تَأَخَّرُوا حَتَّى أحدث نَفسِي؛ فتاخروا. وَمضى على حِمَاره حَتَّى انْتهى إِلَى مبقلة، فَإِذا رجلٌ جالسٌ على شَفير بئرٍ، فَوقف عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا يَقُول النَّاس فِي أَمِيرهمْ؟ . فَقَالَ: يَقُولُونَ: ظالمٌ متعدٍ ملعونٌ. قَالَ الْحجَّاج: أتعرفني؟ . قَالَ: لَا. قَالَ: أَنا الْحجَّاج. قَالَ الرجل: أتعرفني أَنْت؟ . قَالَ: لَا. قَالَ: أَنا مولى بني ثَوْر، أصرع فِي كل شهرٍ ثَلَاثَة أَيَّام، الْيَوْم أَولهَا وأشدها؛ فَضَحِك الْحجَّاج وَلم يَتَمَالَك، وَمضى، ولحقه النَّاس.
стр. 674
قيل لبهلول: أتأكل فِي السُّوق وَأَنت تجَالس جَعْفَر بن مُحَمَّد ﵁؟ . قَالَ: حَدثنِي مالكٌ عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: مطل الْغَنِيّ ظلمٌ لَقِيَنِي الْجُوع، وَالْخبْز فِي كمي؛ فَكرِهت أَن أمطله. ورثى فِي مَقْبرَة؛ فَقيل لَهُ: هلا خالطت النَّاس؟ . فَقَالَ: إِنِّي بَين قوم إِن حضرت لم يؤذوني، وَإِن غبت لم يغتابوني. قيل لَهُ: فَادع الله، فَإِن النَّاس فِي ضرّ وَشدَّة من الغلاء. فَقَالَ: وَمَا عَليّ من ذَلِك، وَلَو بلغت الْحبَّة دِينَارا، وَإِنَّمَا عَليّ أَن أعبد الله كَمَا أَمرنِي، وَعَلِيهِ أَن يَرْزُقنِي كَمَا وَعَدَني. قيل لبهلولٍ: وزن أَبُو بكر وَعمر ﵄ بالأمة فرجحا. فَقَالَ: كَانَ بالميزان غبن. وَجَاء بهلولٌ فَوقف بحذاء حَفْص بن غياث القَاضِي، فَقَالَ: هوذا، أجد الْبرد فِي قدمي ورأسي. فَأمر لَهُ بقلنسوةٍ وخفين. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّانِي وقف بهْلُول بحذائه؛ فَقَالَ لَهُ: مَالك؟ . قَالَ: جزى الله القَاضِي عَن الْأَطْرَاف خيرا؛ فَأمر لَهُ بقميصٍ وسراويلٍ. جَاءَت امْرَأَة دندان الْمَجْنُون إِلَى القَاضِي؛ فَقَالَت: أصلحك الله، إِنَّه يجيعني ويضربني. قَالَ القَاضِي: مَا تَقول؟ . قَالَ دندان: أما الضَّرْب فَنعم، وَأما الْجُوع فَهِيَ طالقٌ ثَلَاثًا إِن لم تجئ معي إِلَى منزلي مَعَ أَصْحَابك أَيهَا القَاضِي، فَقَالَ لأَصْحَابه: قومُوا بِنَا لَا يَحْنَث. فَقَامَ القَاضِي، وَذهب مَعَه، فَلَمَّا دخل جَاءَ بِهِ إِلَى مزبلة فِيهَا رجيعٌ عَظِيم، فَقَالَ: أصلحك الله. هَذَا يخرج من بطن جائعٍ؟ . قَالَ: أخزاك الله، فَإنَّك أَحمَق. قَالَ: أَحمَق مني من أطَاع المجانين. كَانَ بهْلُول يَوْمًا جَالِسا وَالصبيان يؤذونه وَهُوَ يَقُول: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه. يُعِيدهُ مرَارًا، فَلَمَّا طَال أذاهم لَهُ أَخذ عَصَاهُ وَقَالَ: حمي الْوَطِيس، وَطَابَتْ الْحَرْب، وَأَنا على بينةٍ من رَبِّي. ثمَّ حمل عَلَيْهِم وَهُوَ يَقُول: أَشد على الكتيبة لَا أُبَالِي ... أفيها كَانَ حتفي أم سواهَا
стр. 675
فتساقط الصّبيان بَعضهم على بعض، وتهاربوا، فَقَالَ: هزم الْقَوْم وولوا الدبر. أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵁ أَلا نتبع موليا، وَلَا ندفف على جريح، ثمَّ رَجَعَ وَجلسَ وَطرح عَصَاهُ، وَقَالَ: فَأَلْقَت عصاها وَاسْتقر بهَا النَّوَى ... كَمَا قر عينا بالإياب الْمُسَافِر وقفده رجلٌ كَانَت قد أَرْضَعَتْه امرأةٌ يُقَال لَهَا مجيبة، وَكَانَت رعناء، فَقَالَ بهْلُول: كَيفَ لَا تكون أرعن، وَقد أَرْضَعتك مجيبة؟ فوَاللَّه لقد كَانَت تزق لي الفرخ فَأرى الرعونة فِي طيرانه. وقف رجلٌ عَليّ بهْلُول، فَقَالَ لَهُ: قد وقفت أَنْت هَاهُنَا، والأمير يُعْطي المجانين كل وَاحِد دِرْهَمَيْنِ، فَقَالَ بهْلُول: فاعرض عَليّ درهميك. قَالَ الْفضل بن يحيى لجعيفران الْمَجْنُون: لم لَا تصير إِلَيّ؟ فَقَالَ: لأَنْت بحرٌ وَلَا أحسن أَن أسبح، فوصله بمالٍ. قيل لبهلول: مَا تَقول فِي رجل مَاتَ وَخلف أما وَزَوْجَة وبنتاً؟ فَقَالَ: للْأُم الثكل، وللابنة الْيُتْم، وللزوجة الْحَرْب، وَمَا بَقِي فللعصبة. وَقَالَ لَهُ الرشيد: أَبُو بكر وَعمر خير من عليٍّ، فَقَالَ: واحدٌ: لَا يجوز بِإِزَاءِ اثْنَيْنِ، وَلَكِن عَليّ وَالْعَبَّاس خيرٌ من أبي بكر وَعمر. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت شَيخا قد سكر وَسقط وسط الطَّرِيق، وَهُوَ ينخر، وَمَجْنُون واقفٌ على رَأسه يَقُول: يَا مخذول، تسكر وتنخر؟ . مَا تركت للصلح موضعا.
стр. 676
الْبَاب الْحَادِي عشر نَوَادِر البخلاء
قَالَ بَعضهم لبخيل: لم لَا تَدعُونِي يَوْمًا؟ . قَالَ: لِأَنَّك جيد المضغ، سريع البلع، إِذا أكلت لقْمَة هيأت أُخْرَى. قَالَ: فتريد مني إِذا أكلت لقْمَة أَن أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ أَعُود إِلَى الثَّانِيَة؟ . دخل واحدٌ إِلَى بَعضهم وَهُوَ يَأْكُل، وَمَعَهُ آخر؛ فَقَالَ الدَّاخِل: تعال كل. قد تغديت. فَقَالَ: هَذَا أَيْضا زعم أَنه تغدى. وَدخل آخر على بَعضهم وَبَين يَدَيْهِ طبق عَلَيْهِ تين؛ فَلَمَّا أحس بالداخل غطى الطَّبَق بذيله، وَأدْخل رَأسه فِي جيبه، وَقَالَ للداخل: كن أَنْت فِي الْحُجْرَة الْأُخْرَى حَتَّى أفرغ من بخوري. أكل ابْن الْمُدبر يَوْمًا عِنْد ابْن الْفَيَّاض، فَقدمت جوذابة فِي نِهَايَة الْجَوْدَة، وأمعن ابْن الْمُدبر فِيهَا؛ فَلم يصبر ابْن الْفَيَّاض حَتَّى قَالَ لَهُ: أَلَيْسَ زعمت أَنَّك لست صَاحب جوذاب؟ . قَالَ بَعضهم: حضرت مائدة بَعضهم فَضرب رب الْبَيْت يَده إِلَى رغيف. ثمَّ قَالَ: يَقُولُونَ خبري صغَار. أَي: أَخُو قحبة. يتم من هَذَا رغيفاً؟ . وَقَالَ بعض المبخلين لرجلٍ على مائدته: اكسر ذَلِك الرَّغِيف. فَقَالَ: دَعه يبتلى بِهِ غَيْرِي. دَعَا بخيلٌ قوما، وَاتخذ لَهُم طَعَاما، فَلَمَّا جَلَسُوا يَأْكُلُون وَهُوَ قَائِم يخدمهم، وأمعنوا فِي الْأكل جعل صَاحب الْبَيْت يَتْلُو فِيمَا بَينه وَبَين نَفسه: " وجزاهم بِمَا صَبَرُوا جنَّة وَحَرِيرًا ". وَكَانَ جَعْفَر بن سُلَيْمَان بَخِيلًا على الطَّعَام، فرقعت الْمَائِدَة من بَين يَدَيْهِ وَعَلَيْهَا دجَاجَة، فَوَثَبَ عَلَيْهَا بعض بنيه وَأكل مِنْهَا، وأعيدت عَلَيْهِ من غَد؛ فَلَمَّا
стр. 677
رَآهَا وَقد أكل مِنْهَا شَيْء. قَالَ: من هَذَا الَّذِي تعاطى فعقر؟ قَالُوا: ابْنك فلَان. فَقطع أرزاق بنيه كلهم، فَلَمَّا طَال عَلَيْهِم قَالَ بعض بنيه: أفتهلكنا بِمَا فعل السُّفَهَاء منا، فَأمر برد نصف أَرْزَاقهم. وقف واحدٌ على الحطيئة ليستقريه فَمَنعه، فَقَالَ: إِن الرمضاء قد أحرقت قدمي. قَالَ: بل عَلَيْهِمَا تبردا. قَالَ: وَمَا عنْدك غير هَذَا؟ . قَالَ: بلَى، هراوةٌ من أرزن معْجزَة. قَالَ: إِنِّي ضيف. قَالَ: للضيفان أعددتها. قَالَ أَبُو الْأسود الدؤَلِي - وَكَانَ بَخِيلًا -: لَو أَطعْنَا الْمَسَاكِين فِي أَمْوَالنَا كُنَّا أَسْوَأ حَالا مِنْهُم. قَالَ الجاحظ: حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا قَالَ: كُنَّا منطلقين إِلَى رجلٍ من كبار أهل الْعَسْكَر، وَقد كَانَ لبثنا عِنْده يطول؛ فَقَالَ لَهُ بَعْضنَا: إِن رَأَيْت أَن تجْعَل لنا أَمارَة إِذا ظَهرت خففنا، وَلم نتعبك بالقعود، فقد قَالَ أَصْحَاب مُعَاوِيَة مثل الَّذِي قُلْنَا لَك؛ فَقَالَ: أَمارَة ذَلِك إِذا قلت: إِذا شِئْتُم. وَقَالَ أَصْحَاب يزِيد مثل ذَلِك، فَقَالَ: إِذا قلت: على بركَة الله. وَقيل لعبد الْملك؛ فَقَالَ: إِذا ألقيت الخيزرانة من يَدي، فَأَي شَيْء تجْعَل لنا أصلحك الله؟ فَقَالَ: إِذا قلت: يَا غُلَام، الْفِدَاء. نظر الْكِنْدِيّ إِلَى رجل يكسر درهما صَحِيحا؛ فَقَالَ: وَيحك لَا تفرق بَين الله وَرَسُول. قَالَ جحظة: دخلت وَأَنا فِي بقايا علةٍ على كَاتب، فَقدم إِلَيْنَا مضيرة، فأمعنت فِيهَا، فَقَالَ: جعلت فدَاك، أَنْت عليل، وبدنك نحيل، وَاللَّبن يسحيل، فَقلت: والعظيم الْجَلِيل لَا تركت مِنْهَا كثير وَلَا قَلِيل، وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل. قَالَ رجلٌ من أهل الْمَدِينَة: أتيت صَاحب بر، وَكَانَ بَخِيلًا؛ فَقلت لَهُ: هَب لي فلسًا. قَالَ: لَيْسَ معي. قلت: فَهَب لي من هَذَا الْبر مَا أشْرب بِهِ مَاء. قَالَ: فَأَعْطَانِي خمس حبات؛ فَقلت لَهُ: لَا يسقيني الشَّارِب بهَا مَاء؛ فَقَالَ: احْمِلْ عَلَيْهِ كَمَا حملت عَليّ. كَانَ يعْمل لمعاوية لونٌ من المخ، لَا يُشَارِكهُ فِيهِ أحد، فَأتي بِهِ فَضرب عبد الله بن جَعْفَر بِيَدِهِ فِيهِ، وَقَالَ: إِنَّمَا أردْت بِهِ أنسك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ:
стр. 678
مَا آنستني، ثمَّ استحيا؛ فَأرْسل إِلَيْهِ عشرَة آلَاف؛ فَقَالَ عبد الله: كم فِي هَذِه من لون مخ؟ . وَقَالَ لرجلٍ واكله: ارْفُقْ بِيَدِك؛ فَقَالَ لَهُ: وَأَنت فاغضض بَصرك. قيل لبَعْضهِم: كَيفَ سخاء فلانٍ؟ . قَالَ: عينه دولاب اللقم فِي أَيدي الأضياف. تغدى أعرابيٌّ عِنْد مُعَاوِيَة؛ فَنظر مُعَاوِيَة إِلَى شعرةٍ فِي لقمته؛ فَقَالَ: يَا أَعْرَابِي خُذ الشعرة من لقمتك؛ فَقَالَ: وَإنَّك لتراعيني حَتَّى تبصر الشعرة فِي لقمتي، وَالله لَا أكلت مَعَك أبدا. كَانَ خَالِد بن صَفْوَان بَخِيلًا، فَحدث ذارع من أهل الْبَصْرَة قَالَ: دَعَاني خالدٌ فقسمت لَهُ مَالا، وأقمت حسابه، فَلَمَّا كَانَ عِنْد الظّهْر دَعَا بالغداء فجاءوه بدجاجةٍ، وجاءوني بزيتونٍ وبصل؛ فَقَالَ: تشْتَهي أَن تَأْكُل من هَذِه الدَّجَاجَة؟ فَقلت: وَمَا عَلَيْك لَو أكلت مِنْهَا؟ . قَالَ: إِذا كنت أَنا وَأَنت فِي مَالِي سَوَاء فَمَا يَنْفَعنِي مَالِي؟ . وَقَالَ آخر: كنت عِنْد رجلٍ من جلة النَّاس، فَقدمت لَو زينجة رطبَة، فَأكل وَاحِدَة وأكلت وَاحِدَة، ثمَّ أكل أُخْرَى وأكلت أُخْرَى؛ فَالْتَفت إِلَيّ؛ فَقَالَ: إِذا أكلت كَمَا آكل فَأَيْنَ فضل الْمَالِك؟ . أكل عِنْد بخيل، وأمعنوا فِي الْأكل، وَأَرَادَ أَن يقطعهم؛ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا أكل من يُرِيد أَن يتعشى. حقن عمر بن يزِيد الْأَسدي بحقنةٍ فِيهَا دهن؛ فَلَمَّا حركه بَطْنه كره أَن يذهب الدّهن ضيَاعًا، فَدَعَا بطستٍ وَجلسَ عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: صفوا هَذَا الدّهن فَإِنَّهُ يصلح للسراج. وَأوصى بَعضهم ابْنه؛ كن مَعَ النَّاس كلاعب الشطرنج يحفظ شَيْئه. كَانَ بِالْكُوفَةِ رجلٌ من المصلحين - وَهَذَا لقب المقدمين مِنْهُم فِي اللؤم - فَبَلغهُ أَن بِالْبَصْرَةِ رجلا من المصلحين مقدما فِي شَأْنه، فَقَامَ الْكُوفِي، وَصَارَ إِلَى الْبَصْرَة ليلقى صَاحبه، فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: من أَنْت؟ . قَالَ: أَنا مصلحٌ
стр. 679
من أهل الْكُوفَة، وَقد بَلغنِي خبرك، فَرَحَّبَ بِهِ، وَأدْخلهُ الْبَيْت وَأَجْلسهُ، وَأخذ قِطْعَة وَمر ليَشْتَرِي لَهُ شَيْئا يَأْكُلهُ، فَلَمَّا خرج إِلَى السُّوق دنا من الْبَقَّال؛ فَقَالَ: عنْدك خبز؟ فَقَالَ: عِنْدِي خبزٌ كَأَنَّهُ السّمن؛ فَقَالَ المصلح فِي نَفسه: لم لَا أَشْتَرِي مَا نَعته بِهِ؟ فَذهب إِلَى آخر، وَقَالَ: أعندك سمن؟ فَقَالَ: عِنْدِي سمنٌ كَأَنَّهُ الزَّيْت؛ فَقَالَ فِي نَفسه: أذهب فآخذ مَا نَعته بِهِ، فَذهب إِلَى بقالٍ آخر؛ فَقَالَ: عنْدك زَيْت؟ قَالَ: عِنْدِي زَيْت كَأَنَّهُ المَاء، فَقَالَ فِي نَفسه: عِنْدِي وَالله راوية مَاء. فَرجع إِلَى الْبَيْت، وَأخذ المَاء فِي غضارة وَقدمه إِلَى الْكُوفِي وَقَالَ: كل هَذَا، فَإِنَّهُ نعت النَّعْت، فَقَالَ الْكُوفِي: أَنا أشهد أَنكُمْ أحذق بالإصلاح منا بِأَلف دَرَجَة. قَالَ مزبدٌ: أهل الْكُوفَة إِذا عتق عِنْدهم التَّنور دقوه وجعلوه فِي الفتيت. قَالَ بَعضهم: بت عِنْد رجلٍ من أهل الْكُوفَة. وَهُوَ من الموسرين المعروفين بِحسن الْحَال، وَله صبيان نيامٌ بِحَيْثُ أَرَاهُم، فرأيته فِي اللَّيْل يقوم فيقلبهم من جنب إِلَى جنب؛ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قلت لَهُ: رَأَيْتُك يَا أَبَا جَعْفَر البارحة تفعل كَيْت وَكَيْت. قَالَ: نعم، هَؤُلَاءِ الصّبيان يَأْكُلُون وينامون على الْيَسَار، فيمريهم الطَّعَام فيصبحون جياعاً، فَأَنا أقلبهم من الْيَسَار إِلَى الْيَمين؛ لِئَلَّا ينهضهم مَا أكلوه سَرِيعا. قَالَ بَعضهم: دخلت الْكُوفَة فَسمِعت امْرَأَة تَقول: يَا أَبَا جَعْفَر الدقاق، حسيبك الله - وَقد اجْتمع النَّاس عَلَيْهِمَا - فَقَالَ الدقاق: مَالك؟ قَالَت: أَعْطَيْتنِي كيلجة دَقِيق مَا جَاءَ مِنْهَا إِلَّا ثَمَانُون رغيفاً. قَالَ: يَا مسرفة، إِذا كنت تخبزين رغفاناً مثل الأرحبة فَأَي ذَنْب لي؟ . وَقَالَ بَعضهم: رَأَيْت بِالْكُوفَةِ سَائِلًا يتَصَدَّق، وَمَعَهُ منهزة، فَقلت لَهُ: مَا هَذِه؟ . قَالَ: أصيد بهَا الْكسر. قَالَ: وَإِذا هُوَ كلما رموا إِلَيْهِ بكسرةٍ من تِلْكَ الروازين طارت بهَا الرّيح، فتلقاها بالمنهزة. قَالَ آخر: رَأَيْت بِالْكُوفَةِ صَبيا وَمَعَهُ قرصة، وَهُوَ يكسر لقْمَة لقْمَة، وَيَرْمِي بهَا إِلَى شقٍّ فِي بعض الْحِيطَان يخرج مِنْهُ دخانٌ، ويأكلها. قَالَ: فَبَقيت أتعجب مِنْهُ، إِذْ وقف عَلَيْهِ أَبوهُ يسْأَله عَن خَبره؛ فَقَالَ الصَّبِي: هَؤُلَاءِ قد طبخوا
стр. 680
سكباجة حامضةً كَثِيرَة التوابل؛ فَأَنا أتأدم برائحتها. قَالَ: فصفعه أَبوهُ صفعةً صلبة كَاد يقطع بهَا رَأسه وَقَالَ: تُرِيدُ تعود نَفسك من الْيَوْم أَلا تَأْكُل خبْزًا إِلَّا بأدم. انْتقل قصابٌ من بَغْدَاد إِلَى الْكُوفَة، وَفتح بهَا دكاناً، وَذبح شَاة سَمِينَة، وَقعد من غدْوَة إِلَى الْعَصْر لم يبع شَيْئا، وَلم يقف عَلَيْهِ أحدٌ؛ فَلَمَّا كَانَ الْعَصْر إِذا هُوَ بعجوزٍ مَعهَا زبيل نخالة؛ فَقَالَت لَهُ: يَا ابْني، أَعْطِنِي بِهَذِهِ النخالة لَحْمًا، وقطعه بحياتك تقطيعاً حسنا. قَالَ: فحرد الْبَغْدَادِيّ، وَقَالَ: لعن الله بَلَدا يُبَاع فِيهِ اللَّحْم بالنخالة. فَوَلَّتْ الْعَجُوز متعجبةً مِنْهُ وَهِي تَقول: ويلٌ لي. هَذَا بغداديٌّ صلف، لَا يَبِيع إِلَّا بالنوى. قَالَ: وَرَأَيْت صبيةٌ قد وقفت على بقال بِالْكُوفَةِ، وأخرجت إِلَيْهِ رغيف شعير، وَقَالَت لَهُ: قَالَت أُخْتِي: أبدل هَذَا الرَّغِيف بِالْكَسْرِ وأعطها بصرفه جزرا. قَالَ بَعضهم: احتجت بِالْكُوفَةِ إِلَى دَقِيق الْحوَاري، فَسَأَلت عَنهُ وَعَن مَوْضِعه. فَقَالُوا: لَا تصيبه إِلَّا عِنْد الصيادلة، يبيعونه للدماميل. وَقَالَ آخر: كنت عِنْد صديقٍ لي بِالْكُوفَةِ، فَإِذا بجاريةٍ أمه قد جَاءَت وَمَعَهَا كوزٌ فارغ؛ فَقَالَت: تَقول أمك إِن يَوْمنَا يومٌ شَدِيد الْحر. فاملأ لي هَذَا الْكوز من مزملتكم؛ فَقَالَ لَهَا: كذبت، فَإِن أُمِّي أَعقل من أَن تبْعَث كوزاً فَارغًا. اذهبي واملئي الْكوز من مَاء حبكم، حَتَّى نَصبه فِي حبنا، ثمَّ نملأه من المزملة، حَتَّى يكون شيءٌ بشيءٍ. قَالَ وَرَأَيْت وَاحِدًا بِالْكُوفَةِ قد دنا من بقالٍ وَأَعْطَاهُ مِقْدَار حَبَّة. وَقَالَ: أَعْطِنِي بِهَذَا جبنا؛ فَقَالَ لَهُ الْبَقَّال: شمه وَانْصَرف، وَيبقى عَلَيْك طسوج. نزل بكوفيٍّ ضيفٌ، فَقَالَ لجاريته: يَا جَارِيَة، أصلحي لضيفنا فالوذجاً. قَالَت: الْجَارِيَة: لَيْسَ عندنَا شَيْء. قَالَ: وَيلك فهاتي قطيفة إبريسم حَتَّى ينَام.
стр. 681
قَالَ الضَّيْف: يَا سَيِّدي، فَلَيْسَ بَين الفالوذج والقطيفة رغيفٌ وَقَلِيل جبنٍ؟ . وَقَالَ آخر: رَأَيْت كوفياً يُخَاصم جاراً لَهُ ويقاتله، فَقلت: مَا قصتكما؟ ؛ فَقَالَ أَحدهمَا: زارني زائرٌ، فتشهى على رُءُوسًا، فأطعمته، وَأخذت الْعِظَام؛ فرميت بهَا على بَاب دَاري أَتَجَمَّل بهَا، وَأَكَبَّتْ الْعَدو، فجَاء هَذَا، وَأَخذهَا من دَاري، وَجعلهَا على بَاب دَاره. وَكَانَ بعض المياسير مِنْهُم لَهُ والدةٌ عَجُوز: فَقيل لَهَا: كم يجْرِي عَلَيْك ابْنك؟ . قَالَت: درهما فِي كل أضحى. قيل: يَا سُبْحَانَ الله دِرْهَم فِي كل أضحى. قَالَت: نعم، وَرُبمَا أَدخل الْأَضْحَى فِي الْأَضْحَى. وَكَانَ بَعضهم يَأْكُل وَمَعَهُ على الْمَائِدَة ابْنه وَزَوجته؛ فَقَالَ: لعن الله الزحمة؛ فَقَالَ لَهُ ابْنه: يَا أبه، تعنيني؟ فَلَيْسَ هَا هُنَا غَيْرِي وَغير أُمِّي. اقل فترى أَعنِي نَفسِي؟ . خرج نفرٌ من أهل مرو فِي سفر، وصبروا على ترك السراج للارتفاق بِمَا يرجع عَلَيْهِم مِنْهُ حَتَّى أبلغ ذَلِك إِلَيْهِم، فاتفقوا على أَن يخرج كل وَاحِد مِنْهُم شَيْئا للسراج، وَامْتنع واحدٌ مِنْهُم من أَن يُعْطي شَيْئا؛ فَكَانُوا إِذا أسرجوا شدوا عَيْنَيْهِ بمنديل إِلَى وَقت النّوم وَرفع السراج. حُكيَ عَن بعض البخلاء أَنه قَالَ: إِذا رَأَيْت الْجُبْن على مائدةٍ رحمت صَاحبهَا لِكَثْرَة مَا يُؤْكَل من خبزه. ودعا آخر مِنْهُم على صَاحبه؛ فَقَالَ لَهُ: إِن كنت كَاذِبًا فعشيت السكارى بجبن، فَرَأى أَنه قد بَالغ فِي ملاعنته وَالدُّعَاء عَلَيْهِ. عمل سهل بن هَارُون كتابا مدح فِيهِ الْبُخْل، وأهداه إِلَى الْحسن ابْن سهلٍ، فَوَقع على ظَهره: قد جعلنَا ثوابك عَلَيْهِ مَا أمرت بِهِ فِيهِ. قَالَ رجلٌ لغلام: بكم تعْمل معي؟ . قَالَ: بطعامي. قَالَ لَهُ: أحسن قَلِيلا. قَالَ: فأصوم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس. قَالَ أَبُو نواس: قلت لرجلٍ من البخلاء: لم تَأْكُل وَحدك؟ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا سؤالاً، وَإِنَّمَا السُّؤَال على من أكل مَعَ الْجَمَاعَة؛ لِأَن ذَلِك تكلفٌ وَهَذَا هُوَ الأَصْل.
стр. 682
قيل لرجل: من يحضر مائدة فلَان؟ . قَالَ: الْمَلَائِكَة. قَالَ: لم أرد هَذَا. من يَأْكُل مَعَه؟ . قَالَ: الذبان. ومدح رجلٌ الْبُخْل؛ فَقَالَ: كَفاك من كرم الْمَلَائِكَة أَنه لم يبلهم بِالنَّفَقَةِ، وَقَول الْعِيَال: هَات، هَات. قَالَ دينارٌ الْحجام: حجمت أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور فِي خِلَافَته؛ فَأَعْطَانِي أَرْبَعَة دوانق فضَّة، وَأخذت شعر سعيد بن أبي عرُوبَة؛ فَأمر لي بقوصرة فارغة. قَالَ بعض البخلاء: فرحة السكر قلَّة الاحتشام، وفرحة الْخمار قلَّة الْإِنْفَاق. وَقَالَ آخر: من كثرت نَفَقَته كثر ندمه، وَمن كثر ندمه قلت دعواته. قيل على مائدة بعض البخلاء: مَا أحسن الْأَيْدِي على الْمَائِدَة؛ فَقَالَ صَاحب الْمَائِدَة: مقطعَة. قَالَ الْكِنْدِيّ: من ذل الْبَذْل أَنَّك تَقول: نعم. مطأطئاً رَأسك، وَمن عز الْمَنْع أَنَّك تَقول: لَا. رَافعا رَأسك. اشْترى كوفيٌّ مزادة ماءٍ برغيف؛ فَقَالَ لصَاحبه: كَيفَ ترى استرخاصي هَذِه المزادة؟ . قَالَ: فِيهَا غلاء غُصَّة. استسلف بعض الصيارفة من بقال كَانَ على بَابه دِرْهَمَيْنِ وقيراطا؛ فقضاه بعد سِتَّة أشهرٍ دِرْهَمَيْنِ وَثَلَاث حبات. فَقَالَ الْبَقَّال: سُبْحَانَ الله أَلا تستحيي؟ أَنْت رب مائَة ألف دِرْهَم، رأنا بقالٌ لَا أملك مائَة فلس، تنقضني بعد هَذِه الْمدَّة الطَّوِيلَة؛ فَقَالَ: مَا توهمت مِنْك مَا ظهر لي من قلَّة معرفتك بِالْحِسَابِ. أسلفتني - أبقاك الله - فِي الصَّيف دِرْهَمَيْنِ وَأَرْبع شعيرات؛ فقضيتك فِي الشتَاء دِرْهَمَيْنِ وَثَلَاث شعيرات شتوية نديةٍ أرزن من أَربع شعيرات يابسةٍ صيفية، وَمَا أَشك أَن مَعَك فضلا. دخل هِشَام بن عبد الْملك حَائِطا لَهُ فِيهِ أَشجَار فَاكِهَة، وَمَعَهُ أَصْحَابه، فَجعلُوا يَأْكُلُون مِنْهُ، وَيدعونَ لَهُ بِالْبركَةِ؛ فَقَالَ هِشَام: كَيفَ يُبَارك فِيهِ وَأَنْتُم تَأْكُلُونَ؟ ، ثمَّ قَالَ: يَا غُلَام. اقلع هَذَا واغرس مَكَانَهُ الزَّيْتُون.
стр. 683
قَالَ الْمَنْصُور للوضين بن عَطاء: مَا عِيَالك؟ . قَالَ: ثَلَاث بناتٍ وَالْمَرْأَة. قَالَ؛ فَقَالَ: أربعٌ فِي بَيْتك. قَالَ: فردد ذَلِك حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيصلني. قَالَ: ثمَّ رفع رَأسه؛ فَقَالَ أَنْت أيسر الْعَرَب، أَرْبَعَة مغازل تَدور فِي بَيْتك. أرسل مَرْوَان بن أبي حَفْصَة غُلَامه بفلس وسكرجة يَشْتَرِي لَهُ زيتاً؛ فَلَمَّا جَاءَ بالزيت استقله، وَقَالَ للغلام: خُنْتنِي يَا خَبِيث. قَالَ الْغُلَام: كَيفَ أخونك من فلس؟ . قَالَ: أخذت الْفلس لنَفسك، واستوهبت الزَّيْت. وَكَانَ مَرْوَان من أبخل الْخلق: اجتاز مرّة بامرأةٍ من الْعَرَب، فأضافته؛ فَقَالَ لَهَا: عَليّ إِن وهب لي أَمِير الْمُؤمنِينَ مائَة ألف درهمٍ أَن أهب لَك درهما، فَأعْطَاهُ سبعين ألفا، فَأَعْطَاهَا أَرْبَعَة دوانيق. وَسَقَى إنسانٌ بخيلٌ ضيفاً لَهُ نبيذاً عتيقاً على الرِّيق، فتأوه الرجل؛ فَقيل لَهُ: لم لَا تتلكم؟ فَقَالَ: إِن سكت مت، وَإِن تَكَلَّمت مَاتَ رب الْبَيْت. وَكَانَ بعض البخلاء يَأْكُل نصف اللَّيْل، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: يبرد المَاء وينقمع الذُّبَاب، وآمن فَجْأَة الدَّاخِل، وصرخة السَّائِل، وصياح الصّبيان. دخل أَبُو الْأسود الدؤَلِي السُّوق يَشْتَرِي شَيْئا، فَقَالَ الرجل: ادن أقاربك؛ فَقَالَ: إِن لم تقاربني أَنْت باعدتك أَنا. قَالَ: بكم؟ . قَالَ: طلب بِكَذَا. قَالَ: أَرَاك تحدث بخيرٍ قد فَاتَ. شكا بعض البخلاء بخله إِلَى بعض الْحُكَمَاء؛ فَقَالَ لَهُ: مَا أَنْت ببخيل؛ لِأَن الْبَخِيل هُوَ الَّذِي لَا يُعْطي من مَاله شَيْئا، وَلست أَيْضا بمتوسط الْجُود؛ لِأَن الْمُتَوَسّط هُوَ الَّذِي يُعْطي بعض مَاله، وَيمْنَع بعضه، وَلَكِنَّك فِي غَايَة الْجُود؛ لِأَنَّك تُرِيدُ أَن تُعْطِي مَالك كُله. يَعْنِي: أَنه يَدعه كُله لوَارِثه. قَالَ صعصعة: أكلت عِنْد مُعَاوِيَة لقْمَة؛ فَقَامَ بهَا خَطِيبًا. قيل لَهُ: وَكَيف ذَاك؟ . قَالَ: كنت آكل مَعَه، فَهَيَّأَ لقْمَة ليتناولها، وأغفلها، فأخذتها فَسَمعته بعد ذَلِك يَقُول فِي خطبَته: أَيهَا النَّاس، أجملوا فِي الطّلب فَرب رَافع لقمةٍ إِلَى فِيهِ تنَاولهَا غَيره.
стр. 684
اسْتَأْذن جحظة على صديقٍ لَهُ مبخلٍ؛ فَقَالَ غلمانه: هُوَ محمومٌ؛ فَقَالَ لَهُم: كلوا بَين يَدَيْهِ حَتَّى يعرق. وَقَالَ جحظة: أكلت مَعَ بخيلٍ مرّة؛ فَقَالَ لي: يَا هَذَا، مَا رَأَيْت أذلّ من الرَّغِيف فِي يدك. أصَاب أعرابيٌّ درهما فِي كناسَة الْكُوفَة؛ فَقَالَ: أبشر أَيهَا الدِّرْهَم، وقر قرارك فطالما خيض فِيك الغمار، وَقطعت فِيك الْأَسْفَار، وَتعرض فِيك للنار. أهل مروٍ موصوفون بالبخل، وَمن عَادَتهم إِذا ترافقوا فِي سفرٍ أَن يَشْتَرِي كل واحدٍ مِنْهُم قِطْعَة لحم، ويشدها فِي خيط، ويجمعون اللَّحْم كُله فِي قدرٍ، ويصبون عَلَيْهِ المَاء ويطبخونه، ويمسك كل واحدٍ مِنْهُم طرف الْخَيط الَّذِي قد شده فِي لَحْمه، فَإِذا نَضِجَتْ الْقدر جر كل وَاحِد خيطه، وَتفرد بِأَكْل مَا فِيهِ، وتسعدوا على المرقة. ويحكى أَن وَاحِدًا مِنْهُم لم يخرج ثمن البرر للسراج؛ فشدوا عينه لِئَلَّا يرى السراج. قَالَ: وَمن طرائف أُمُورهم أَنهم يستعملون الْخَادِم فِي سِتَّة أعمالٍ فِي وقتٍ واحدٍ: تحمل الصَّبِي، وَتَشْديد اليريند فِي صدرها، فتدور وتطحن وَفِي ظهرهَا سقاء تمخضه باختلافها وحركتها، وتدوس طَعَاما قد ألقِي تَحت رِجْلَيْهَا، وتلقى الْحِنْطَة فِي الرحا، وتطرد العصافير عَن طَعَام قد وكلت بِهِ. كَانَ بعض البخلاء، إِذا صَار فِي يَده خاطبه وناجاه، وفداه واستبطاه، وَقَالَ: بِأبي أَنْت وَأمي. كم من أرضٍ قطعت، وكيسٍ خرقت، وَكم من خاملٍ رفعت، وَكم من رفيع أخملت لَك عِنْدِي أَلا تعرى وَلَا تضحى، ثمَّ يلقيه فِي كيسه وَيَقُول: اسكن على اسْم الله فِي مكانٍ لَا تَزُول عَنهُ، وَلَا تزعج مِنْهُ. ذكر ثُمَامَة مُحَمَّد بن الجهم، فَقَالَ: لم يطْمع أحدا فِي مَاله إِلَّا ليشغله بالطمع فِيهِ عَن غَيره، وَلَا شفع لصديقٍ، وَلَا تكلم فِي حاجةٍ إِلَّا ليلقن الْمَسْئُول حجَّة منع، وليفتح على السَّائِل بَاب حرمَان.
стр. 685
تنَاول رجلٌ من بَين يَدي بعض الْأُمَرَاء البخلاء بَيْضَة؛ فَقَالَ: خُذْهَا؛ فَإِنَّهَا بَيْضَة الْعقر، وحجبه بعد ذَلِك. قَالَ الْوَاقِدِيّ: خرجت أَنا وَابْن أبي الزِّنَاد إِلَى بعض الْمَوَاضِع بِالْمَدِينَةِ، ورجعنا نصف النَّهَار فِي يَوْم صائفٍ؛ فَقَالَ: مَا أحوجنا إِلَى شربة ماءٍ باردٍ فَإِذا نَحن بسعيدٍ مولى ابْن أبي الزِّنَاد؛ فَقلت لَهُ: ابْعَثْ لنا شربة مَاء؛ فَقَالَ: نعم وكرامة - اجْلِسْ - وبادر مستعجلاً، فَدخل الدَّار وَمكث طَويلا، ثمَّ خرج إِلَيْنَا؛ فَقَالَ: تعودُونَ العشية إِن شَاءَ الله. قَالَ الْعُتْبِي: لَو بذلت الْجنَّة للأصمعي بدرهمٍ لَا ستنقص شَيْئا. سَأَلَ متكففٌ الْأَصْمَعِي؛ فَقَالَ: لَا أرتضي لَك مَا يحضرني؛ فَقَالَ السَّائِل: أَنا أرْضى بِهِ؛ فَقَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ، بورك فِيك. أعْطى الْمَنْصُور بَعضهم شَيْئا ثمَّ نَدم؛ فَقَالَ لَهُ: لَا تنْفق هَذَا المَال واحتفظ بِهِ؛ وَجعل يُكَرر عَلَيْهِ ذَلِك؛ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن رَأَيْت فاختمه حَتَّى أَلْقَاك بِهِ يَوْم الْقِيَامَة؛ فَضَحِك وخلاه. كَانَ رجلٌ على طَعَام بعض البخلاء؛ فَأخذ عراقاً فَلم يجد عَلَيْهِ لَحْمًا، فَوَضعه ليَأْخُذ غَيره؛ فَقَالَ صَاحب الْبَيْت: العب بمسك. قَالَ بَعضهم: فلَان عينه دولاب لقم أضيافه. قَالَ بَعضهم لغلامه: هَات الطَّعَام وأغلق الْبَاب؛ فَقَالَ الْغُلَام: هَذَا خطأ. أغلق الْبَاب، ثمَّ أقدم الطَّعَام؛ فَقَالَ: أَحْسَنت أَنْت حر. قَالَ أَبُو العيناء: أكلت مَعَ بعض أُمَرَاء الْبَصْرَة؛ فَقدم إِلَيْنَا جدي سمينٌ، فَضرب الْقَوْم بِأَيْدِيهِم إِلَيْهِ؛ فَقَالَ: ارفقوا بِهِ فَإِنَّهُ بَهِيمَة. أكل أَعْرَابِي مَعَ أبي الْأسود رطبا وَأكْثر، وَمد يَده أَبُو الْأسود إِلَى رطبةٍ يَأْخُذهَا؛ فسبقه الْأَعرَابِي إِلَيْهَا وَأَخذهَا فَسَقَطت فِي التُّرَاب؛ فَأَخذهَا وَجعل يمسحها وَيَقُول: لَا أدعها للشَّيْطَان؛ فَقَالَ أَبُو الْأسود: ولجبريل وَمِيكَائِيل لَو نزلا.
стр. 686
قَالَ بعض الْكُوفِيّين: عَلامَة نجابة الصَّبِي فِي ثلاثٍ: عرامته، وجبنه وبخله؛ فَإِنَّهُ لَا يكون شَدِيد العرامة إِلَّا من جودة نَفسه، وَلَا يبخل إِلَّا من مَعْرفَته، وَلَا يجبن إِلَّا من عقله. كَانَ زيد بن مُحَمَّد بن زيد الدَّاعِي مبخلاً؛ فَلَمَّا أسر بعد مقتل أَبِيه بجرجان، وَحمل إِلَى بُخَارى وَحبس مُدَّة، ثمَّ أفرج عَنهُ سعى بِهِ بعض أعدائه إِلَى السُّلْطَان؛ فَقَالَ: إِن زيدا قد حدث نَفسه بِالْخرُوجِ عَلَيْك وَالدُّعَاء إِلَى نَفسه، وإثارة الْفِتْنَة؛ فَقَالَ أَبُو عبد الله الجيهاني - وَكَانَ وزيراً -: إِن زيدا مَا دَامَ يبْنى الْحمام من اللَّبن والطين ببخارى لَا يسمو بِنَفسِهِ إِلَى ذَلِك. وَكَانَ قد فعل ذَلِك مَعَ عفونة أَرض بُخَارى، وَقلة ثبات الْأَبْنِيَة بهَا. فصدقوه وأمنوا جَانِبه وَلم يتَعَرَّضُوا لَهُ. سَأَلَ رجل أَبَا الْأسود شَيْئا فَمَنعه؛ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْأسود، مَا أَصبَحت حاتمياً؛ فَقَالَ: بل أَصبَحت حاتمياً. أما سَمِعت حاتماً يَقُول: أماوي، إِمَّا مانعٌ فمبين ... وَإِمَّا عطاءٌ لَا ينهنهه الزّجر كَانَ أحيحة بن الجلاح بَخِيلًا، فَكَانَ إِذا هبت الصِّبَا طلع من أطمه؛ فَنظر إِلَى نَاحيَة هبوبها، ثمَّ يَقُول: هبي هبوبك. قد أَعدَدْت لَك ثلثمِائة وَسِتِّينَ صَاعا من عَجْوَة، أدفَع إِلَى الْوَلِيد مِنْهَا خمس تمرات فَيرد عَليّ ثَلَاثًا لصلابتها. كَانَ خَالِد بن صَفْوَان قد أجْرى لوَلَده فِي الشَّهْر ثَلَاثِينَ درهما؛ فَكَانَ يَقُول: إِن الثَّلَاثِينَ لأعبث فِي المَال من السوس فِي الصُّوف فِي الصَّيف. عذل بعض البخلاء على بخله؛ فَقَالَ: يَا قوم؛ هَب النَّاس يلوموننا على التَّقْصِير فِيمَا بَيْننَا وَبينهمْ، مَا بالهم يلوموننا على التَّقْصِير فِيمَا بَيْننَا وَبَين أَنْفُسنَا؟ . سمع أَبُو الْأسود رجلا يَقُول: من يعشي الجائع؟ . فعشاه، ثمَّ ذهب السَّائِل ليخرج، فَقَالَ: هَيْهَات. على أَن تؤذي الْمُسلمين اللَّيْلَة؛ فَوضع رجله فِي الأدهم، وَقَالَ: لَا تروع مُسلما سائراً اللَّيْلَة.
стр. 687
ووقف على بَابه سائلٌ وَهُوَ يَأْكُل؛ فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم. قَالَ: كلمةٌ مقولة. قَالَ: أَدخل؟ . قَالَ: وَرَاءَك أوسع. قَالَ: إِن الرمضاء قد أحرقت رجْلي. قَالَ: بل عَلَيْهَا. وأغلق دونه الْبَاب. وَكَانَ يمر بِهِ فَتى، وَأَبُو الْأسود على بَاب دَاره، فيدعوه إِلَى الْغَدَاء فيتورك على دَابَّته وَيَأْكُل وَأَبُو الْأسود على دكانٍ لَهُ صَغِير؛ فَلَمَّا كثر ذَلِك دس إِلَيْهِ إنْسَانا مَعَه دبة فِيهَا حَصى؛ فَلَمَّا تورك الْفَتى ليَأْكُل حرك الدبة فنفرت الدَّابَّة وَسقط الْفَتى، فاندقت عُنُقه. أرْسلت امرأةٌ من قوم أبي الْأسود ابْنهَا إِلَيْهِ أَنه يعيرها الْقدر، ويعلمه أَن أمه نذرت أَن تجْعَل للحي طَعَاما؛ فَقَالَ أَبُو الْأسود: سلوها؛ فَإِن كَانَت قَدرنَا دخلت فِي نذرها، وَإِلَّا فلتطلب غَيرهَا. وقف أَعْرَابِي على أبي الْأسود وَهُوَ يتغدى، فَسلم عَلَيْهِ، فَرد عَلَيْهِ، ثمَّ أقبل على الْأكل، وَلم يعرض عَلَيْهِ؛ فَقَالَ لَهُ الْأَعرَابِي: أما إِنِّي قد مَرَرْت بأهلك. قَالَ: ذَاك كَانَ طريقك. قَالَ: هم صَالِحُونَ. قَالَ: كَذَاك فَارَقْتهمْ. قَالَ: وامرأتك حُبْلَى. قَالَ: كَذَاك عهدتها. قَالَ: ولدت. قَالَ: مَا كَانَ لَهَا بُد من أَن تَلد. قَالَ: ولدت غلامين. قَالَ: كَذَاك كَانَت أمهَا. قَالَ: مَاتَ أَحدهمَا. قَالَ: مَا كَانَت تقوى على إِرْضَاع اثْنَيْنِ. قَالَ: ثمَّ مَاتَ الآخر. قَالَ: مَا كَانَ ليبقى بعد أَخِيه. قَالَ: وَمَاتَتْ الْأُم. قَالَ: حزنا على وَلَدهَا. قَالَ: مَا أطيب طَعَامك. قَالَ: ذَلِك حداني على أكله. قَالَ: أُفٍّ لَك مَا ألأمك. قَالَ: من شَاءَ سبّ صَاحبه. سَأَلَ رجلٌ يحيى بن أَكْثَم شَيْئا؛ فَقَالَ: كَيفَ أُعْطِيك وَفِي أَربع خلال: أَنا تميمي، ومولدي الْبَصْرَة، ومنشئي بمرو، وَأَنا قاضٍ. وَذكر بَعضهم أَنه أكل مَعَه، فَأتوا بثريدة عَظِيمَة؛ فَلَمَّا أمعن فِيهِ وجد فِي وَسطهَا قَصْعَة مكبوبة، والثريد فَوْقهَا. وَذكر بعض من كَانَ ينادم بعض كبراء هَذَا الْوَقْت. قَالَ: أكلت مَعَه من قَصْعَة واحدةٍ؛ فَكَانَ الَّذِي يَلِيهِ من الثَّرِيد خبز حوارِي، وَالَّذِي يليني خبز خشكار.
стр. 688
قَالَ أَبُو سهل الرَّازِيّ القَاضِي: دخلت على يحيى بن أَكْثَم يَوْمًا، والمائدة بَين يَدَيْهِ، والغلام وَاقِف؛ فَقَالَ لي: يَا مُحَمَّد، هَذَا غلامي، يَأْتِي عَليّ وقتٌ لَا أَدْرِي مَا اسْمه؛ وَهَذَا حدا سلم الْحَادِي بالمنصور فِي طَرِيقه إِلَى الْحَج؛ فحدا يَوْمًا بقول الشَّاعِر: أغر بَين حاجبيه نوره ... يزينه حياؤه وخيره ومسكه يشوبه كافوره. فطرب الْمَنْصُور حَتَّى ضرب بِرجلِهِ الْمحمل، ثمَّ قَالَ: يَا ربيع؛ أعْطه نصف دِرْهَم؛ فَقَالَ سلم: نصف درهمٍ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ وَالله لقد حدوت لهشامٍ فَأمر لي بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم؛ فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور: مَا كَانَ لَهُ أَن يعطيك ثَلَاثِينَ ألف درهمٍ من بَيت مَال الْمُسلمين. يَا ربيع، وكل بِهِ من يسْتَخْرج مِنْهُ هَذَا المَال. قَالَ الرّبيع: فَمَا زلت أَسْفر بَينهمَا حَتَّى شَرط عَلَيْهِ أَلا يلْزمه مئونةً فِي خُرُوجه وقفوله، ويحدو لَهُ. تزوج عَمْرو بن حُرَيْث ابْنة أَسمَاء بن خَارِجَة؛ فَقَالَت لَهُ يَوْمًا: مَا أحسبك وَأبي تقرآن من كتاب الله إِلَّا حرفين. قَالَ: وَمَا هما؟ . قَالَت: كَانَ أبي يقْرَأ: " وَمَا أنفقتم من شيءٍ فَهُوَ يخلفه وَهُوَ خير الرازقين " وَأَنت تقْرَأ: " إِن المبذرين كَانُوا إخْوَان الشَّيَاطِين ". قَالَ أَبُو العيناء: دَعَاني جارٌ إِلَى وليمةٍ، وَكَانَ بَخِيلًا، فرأيته يَدُور على الْمَائِدَة ويتنفس الصعداء، وَيَقُول: " وجزاهم بِمَا صَبَرُوا جنَّة وَحَرِيرًا ". قَالَ مُحَمَّد بن أبي الْمعَافى: كَانَ أبي متنحياً عَن الْمَدِينَة، وَكَانَت إِلَى جنبه مزرعةٌ فِيهَا قثاء، وَكنت صَبيا قد ترعرعت؛ فَجَاءَنِي من جيراننا أقرانٌ لي، وَكلمت أبي ليهب لي درهما أَشْتَرِي لَهُم بِهِ قثاء، فَقَالَ لي: أتعرف حَال الدِّرْهَم؟ كَانَ فِي حجرٍ فِي جبلٍ، فَضرب بالمعاول حَتَّى استخرج، ثمَّ طحن، ثمَّ أَدخل الْقُدُور، وصب عَلَيْهِ المَاء، وَجمع بالزئبق، ثمَّ أَدخل النَّار فسبك، ثمَّ
стр. 689
أخرج فَضرب، وَكتب فِي أحد شقيه: لَا إِلَه إِلَّا الله. وَفِي الآخر: محمدٌ رَسُول الله. ثمَّ صير إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأمر بإدخاله بَيت مَاله، ووكل بِهِ عوج القلانس، صهب السبال، ثمَّ وهبه لجاريةٍ حسناء جميلَة. وَأَنت وَالله أقبح من قرد، أَو رزقه رجلا شجاعاً، وَأَنت وَالله أجبن من صفرر، فَهَل يَنْبَغِي لَك أَن تمس الدِّرْهَم إِلَّا بثوبٍ؟ . حكى بَعضهم أَنه أكل على مائدة بَعضهم، قَالَ: فطافت علينا هرةٌ وصاحت: فألقيت إِلَيْهَا لقْمَة من حوارِي؛ فَقَالَ صَاحب الدَّار: إِن كَانَ وَلَا بُد فَمن الخشكار. وَذكر غَيره أَنه كَانَ فِي دَعْوَة بعض التُّجَّار المياسير، فَألْقى للسنور لقْمَة خبزٍ، ثمَّ أَرَادَ أَن يثنيها؛ فَقَالَ التَّاجِر: دع، فَلَيْسَتْ الْهِرَّة لنا، إِنَّمَا هِيَ للجيران. كَانَ زِيَاد بن عبيد الله الْحَارِثِيّ على الْمَدِينَة، وَكَانَ فِيهِ جفاءٌ وبخلٌ، فأهدى إِلَيْهِ كاتبٌ لَهُ سلاسلاً فِيهَا أَطْعِمَة، قد تنوق فِيهَا، فوافقه وَقد تغدى، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ . قَالُوا: غذاءٌ بعث بِهِ الْكَاتِب، فَغَضب وَقَالَ: يبْعَث أحدهم ابْن اللخناء بالشَّيْء فِي غير وقته. يَا خَيْثَم بن مَالك - يَعْنِي: صَاحب الشَّرْط - ادْع أهل الصّفة يَأْكُلُون هَذَا. فَبعث خَيْثَم الحرس يدعونَ أهل الصّفة. فَقَالَ الرَّسُول الذب جَاءَ بالسلال: أصلح الله الْأَمِير. لَو أمرت بِهَذِهِ السلال تفتح وَينظر إِلَى مَا فِيهَا. قَالَ: اكشفوها، فَكشفت؛ فَإِذا طعامٌ حسنٌ من سمكٍ ودجاج وفراخٍ وجداء، وأخبصة وحلوى؛ فَقَالَ: ارْفَعُوا هَذِه السلال. قَالَ: وَجَاء أهل الصّفة؛ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ . قَالُوا: أهل الصّفة، أَمر الْأَمِير بإحضارهم؛ فَقَالَ: يَا خَيْثَم، اضربهم عشرَة أسواط. فَإِنَّهُ بَلغنِي أَنهم يفسون فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ .
стр. 690
الْبَاب الثَّانِي عشر كَلَام الشطار وَمن يجْرِي مجراهم، ونوادرهم
حكى بَعضهم أَن شاطراً افتخر. قَالَ: فَحفِظت من كَلَامه: أَنا الموج الكدر، أَنا القفل الْعسر، هَذَا وَجْهي إِلَى الْآخِرَة، تَأمر بِشَيْء؟ لَك حَاجَة إِلَى مالكٍ خَازِن النَّار؟ . أَنا النَّار، أَنا الْعَار، أَنا الرحا إِذا دَار، أَنا مشيت مشيت سبوعين بِلَا رَأس، لَوْلَا أَنِّي عليلٌ لنخرت نخرة نصفهَا صَاعِقَة وَنِصْفهَا زَلْزَلَة. أضعك فِي جيبي، وأنساك حَتَّى تعفن السَّاعَة، أقطف رَأسك وأجعله زر قَمِيصِي، أَو أستنشقك فَلَا أعطسك إِلَّا فِي الْجِيم، أَو أشربك فَلَا أبولك إِلَّا على الصِّرَاط إِذا صَاح آدم: وامفقوداه. والك لَو كلمني الْفِيل لم يخرس، أَبُو الْبَحْر لم ييبس، أَو عضني الْأسد لم يضرس، أَو رَآنِي نمروذٌ لم يتقدس. أصدقائي أَكثر من خوص الْبَصْرَة، وخردل مصر، وعدس الشَّام، وحصى الجزيرة، وَشَوْك القاطول، وحنطة الْموصل وقصب البطائح، ونبق الأهواز، وزيتون فلسطين. والك أَنا أشْرب الرمل أُخْرَى صخرا، أبلع النَّوَى أُخْرَى نخلا. قَالَ: وَسمعت واعظأً مِنْهُم يَقُول: يَا بني، لوطوا؛ فَإِن النَّاس يلوطون، وازنوا؛ فَإِن النَّاس يزنون، وَإِيَّاكُم أَن تنا. . وَا؛ فو الله مَا يسرني أَن رجلا أَوْمَأ إِلَى استي بأيرٍ من خُرَاسَان، وَأَنه بُويِعَ لي بالخلافة. سَمِعت فَقِيها لَهُم يَقُول: سَأَلت سابلويه الباقلاني: لم لَا يجوز الن. . ك بَين الفخذين؟ فَقَالَ: لِأَنَّهُ يكره الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ. قَالَ سعيد بن حميد: رَأَيْت حارساً يشكو إِلَى آخر وَاحِدًا مِنْهُم خبب غُلَامه؛ فَأطَال الشكاية، ثمَّ تنفس الصعداء وَأَنْشَأَ يَقُول: كلما قلت قد رضى ... وتعشى وكل شي جَاءَ عَمْرو فخببه ... وَبَقينَا بِغَيْر شي
стр. 691
قَالَ بَعضهم: مَرَرْت بِبَاب الطاق، وحارسان يأكلان، فَمر بهما حارسٌ آخر وَخَلفه كلب؛ فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه: رَأَيْت مثل هَذَا الْكَلْب؟ أجرش أبرش حسن الشية، أعزل الذَّنب. فَقَالَ الآخر: لَا وَنور الله إِن كَانَ الْكَلْب كَلْبه، وَإِنَّمَا استعاره يتجمل بِهِ. قَالَ بَعضهم: نزلت فِي معسكرٍ بِإِزَاءِ قومٍ من الْجند، وَمَعَهُمْ مغنٍّ يتَغَنَّى بالعجائب، سمعته يُغني: من لقلبٍ مَا يفِيق من ألمٍ ... هائماً يهذي بخراز الْأدم قَالَ: فطرب أحدهم وَقَالَ ويلاه سنة. وحاتك، أَلِمَنْ الشّعْر؟ سَيِّدي. قَالَ: للخنساء. قَالَ: وَمن الخنساء؟ . قَالَ: فَتى من الأنباء. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت يَوْمًا مكارياً - وَهُوَ عُرْيَان - وَعَلِيهِ سَرَاوِيل خلقٌ متمزقٌ وفية تكة تَسَاوِي دِينَارا؛ فَقلت: لَو بِعْت هَذِه التكة فَقَالَ: لَا تفعل يَا شاطر مروة الرجل تكته. قَالَ: وَرَأَيْت وَاحِدًا مِنْهُم وَقد قَامَ فِي جماعةٍ من أَصْحَابه؛ فَقَالَ: يَا فتيَان هوذا، أشْرب وأسقكيم؛ فَقَالَ لَهُ وَاحِد مِنْهُم: اشرب فديتك كلنا، واسق أَي بَعْضنَا شِئْت. قَالَ: وَرَأَيْت شاطراً وَقد وقف على قبر شاطر؛ فَقَالَ: رَحِمك الله أَبَا لاش. كنت وَالله - مَا علمت - حاد السكين، فاره الصّديق، إِن نقبت فجرذٌ، وَإِن تسلقت فسنور، وَإِن استلبت فحدة، وَإِن ضربت فأرضٌ، وَإِن شربت فحب، وَلَكِنَّك الْيَوْم وَقعت فِي زَاوِيَة سوء. قيل لبَعض الشطار: كلما شهد شَاهد قبلت شَهَادَته؟ . قَالَ: لَا حَتَّى أعلم أَنه ابتلى فَصَبر، وَأَنه لَا يخبب على الأصدقاء، وَلَا يسرق الْجِيرَان. وَقَالَ بَعضهم: إِن الله ﵎ كَانَ أرْحم بالفتيان أَن يَجْعَل النَّاس كلهم فتياناً؛ فَإِنَّهُ لَا يجوز لفتىً أَن يسرق مَتَاع فَتى، وَلَا يخبب صديق فَتى، وَلَا يطْلب أثر فَتى إِلَّا أَن يكون الْغُلَام هُوَ الَّذِي يُريدهُ، وَنحن لَا بُد لنا من مالٍ ننفقه، وصديق نتخذه، فَلَو كَانَ النَّاس كلهم فتياناً هلكنا.
стр. 692
ضرب حارسٌ أمه، فعوتب على ذَلِك؛ فَقَالَ: قد قلت لَهَا عشْرين مرّة، وَهَذِه الثَّالِثَة: إِذا كنت سَكرَان فَلَا تكلميني، فَإِن الشَّيْطَان نارٌ يرتعد. وَذكر بَعضهم أَنه حضر مَجْلِسا فِيهِ غُلَام وضيء الْوَجْه أديب، وَهُنَاكَ شَاب مخنجر اللِّحْيَة يتشطر، فَأخذ الْغُلَام تفاحة، فعبث بهَا سَاعَة، ثمَّ حَيا بهَا الْفَتى الشاطر، فَلم ينهنه أَن أكلهَا والغلام ينظر إِلَيْهِ؛ فَقَالَ الْغُلَام: سوءةً لَك ولوماً، أتأكل التَّحِيَّات؟ فَقَالَ: إِي وَالله، والصلوات الطَّيِّبَات. قَالَ بَعضهم: كنت فِي بَيت قمري الخبني، وداخل عَلَيْهِ صاحبٌ لَهُ، فَبَلغهُ عَن آخر من أَصْحَابه أَنه زِنَاهُ؛ فاغتاظ، وَجعل يلعنه؛ فَقُلْنَا لَهُ: زنه كَمَا زناك أَو اسْكُتْ. قَالَ: أَنا لَا أزنيه، وَلَا أكون سَفِيها، وَلَكِنِّي أَرْجُو أَن يزينه الله من فَوق سبع سموات. قَالَ: سَمِعت حارساً يَقُول: أَنا أَنِّي ... ك أم من زعم أَن النَّار فِي النّوم لَيْسَ هِيَ سُلْطَان عزلت، فَرَأَيْت فِي النّوم كَأَن النَّار أحرقت كوخي، وشرائح عَمَلي حَتَّى لَا تتْرك لي قَصَبَة؛ فَفَزِعت فَلم أصبح حسنا، حَتَّى سَمِعت دق الْبَاب فَإِذا نوفيل المصلحي قد وضع فِي يَدي المزراق، ومقود قلادة قرطاس، وَخَاتم طين بتسلم الْعَمَل، فَإِن الْملك عقيم. قَالَ بَعضهم: كَانَ لي صديقٌ يقامر، وَكنت أوبخه وألومه أبدا على ذَلِك؛ فَأَتَانِي يَوْمًا وَقَالَ: يَا أَبَا فلَان. تَقول لي: لَا تقامر. قد رهنت وَالله منديلي الَّذِي اشْتَرَيْته بِثَلَاثَة عشر درهما على عشْرين درهما، وَهَذَا يَا أَبَا فلَان ربح عَظِيم. قَالَ بَعضهم: سَمِعت بِبَاب الطاق شَيخنَا من سفلَة النَّاس يَقُول لآخر أَسْفَل مِنْهُ: وَيحك يَا مُحَمَّد، لَا تتعجب من ابْني عفويه، أَخَوَيْنِ أحدهم: مرعوشي وَالْآخر فضلي. قَالَ لَهُ: وإيش فِي هَذَا - هوذا - الْقُرْآن فِيهِ جيدٌ وَفِيه رديءٌ. قَالَ: وَيحك: كَيفَ يكون الردئ فِي الْقُرْآن؟ قَالَ: نعم: " قل هُوَ الله أحدٌ " بِأَلف دِينَار، وبجنبها " تبت " تَسَاوِي حبتين أسْتَغْفر الله.
стр. 693
قَالَ بَعضهم: قلت لشاطرٍ: فلانٌ لَيْسَ يعدك شَيْئا؛ فَقَالَ: وَالله لَو كنت لَيْسَ أَنا أَنا، وَأَنا ابْن من أَنا مِنْهُ لَكُنْت أَنا أَنا وَأَنا ابْن من أَنا مِنْهُ. فَكيف؟ وَأَنا أَنا وَأَنا ابْن من أَنا مِنْهُ. اخْتصم اثْنَان من الشطار إِلَى قاضٍ لَهُم، يَقُول كل وَاحِد: أَنا أفتى مِنْك؛ فَقَالَ القَاضِي لأَحَدهمَا: الخبيص أحب إِلَيْك أم الفالوذج؟ فَقَالَ: الخبيص. وَقَالَ الآخر: الفالوذج. فَحكم للَّذي فضل الفالوذج، فَسئلَ عَن الْحجَّة؛ فَقَالَ: لِأَن الخبيص يعْمل من السكر، وَالسكر من القند، والقند من الْقصب، والقصب يمصه الصّبيان فِي الكتاتيب، وَالصبيان لَيْسَ لَهُم فتوة؛ والفالوذج يعْمل من الْعَسَل، وَالْعَسَل من الشهد، والشهد من النَّحْل، والنحل يأوي الْجَبَل، والجبل يكون فِيهِ الصعاليك والصعاليك فتيَان. قَالَ الجماز: رَأَيْت شاطراً وقف على جمَاعَة وَقد جرد سكينه وَقَالَ: من كلم مِنْكُم حمدَان الْغُلَام؟ ؛ فَقَالَ أحدهم: أَنا. قَالَ: فَلَا حسنٌ وَلَا جميل. قَالَ: فاجهد جهدك؛ فَقَالَ: خذلني الله لَو كَانَ غَيْرك. قَالَ: أَنا غَيْرِي. قَالَ: وَالله لَو كَانَ غير هَذَا الْموضع. قَالَ: فَنحْن بفرغانة. فَرد صَاحبه السكين فِي قرَابه وَقَالَ: وَيحك، أَنْت طَالب شرٍّ فتيَان بَاب الشَّام كلهم سعاتر. مَالك كَذَا روش؟ أَي: جدبة. اجْتمع أَرْبَعَة نفرٍ من الشطار يُقَال لأَحَدهم: صحناة، وَلآخر حَرْمَلَة، وللثالث: غزون، وللرابع طفشيةٌ، وَمَعَهُ غُلَام أَمْرَد يُرِيد أَن يَنْقَطِع إِلَى وَاحِد مِنْهُم. وكل واحدٍ يَطْلُبهُ لنَفسِهِ؛ فَتَحَاكَمُوا إِلَى شيخ مِنْهُم؛ فَقَالَ الشَّيْخ: ليذكر كل واحدٍ مَا فعله، وَمَا يقدر عَلَيْهِ حَتَّى أخير الْغُلَام؛ فَيصير إِلَى من أحب؛ فَقَامَ صحناة؛ فَقَالَ: وَال أمك، لَو تراني، ضبعوني فِي عَيْنك، يَا بن الْعَلامَة. أَنا هامان أَنا فِرْعَوْن، أَنا عَاد، أَنا الشَّيْطَان الأقلف، أَنا الدب الأكشف، أَنا الْبَغْل الحرون، أَنا الْحَرْب الزبون، أَنا الْجمل الهائج، أَنا الكركدن المعالج، أَنا الْفِيل المغتلم، أَنا الدَّهْر المصطلم، أَنا العير الشارد، أَنا، السَّبع الْوَارِد، أَنا سرداب
стр. 694
التضريب، أَنا بوق الْحَرْب، أَنا طبل الشغب، محبوسٌ شَرْقي غربي، مضربٌ قَائِم نَائِم مبطوط الإليتين، معطل الدفتين. أبلغ أسنةً أُخْرَى جواشن، لَو ضرب رَبك عنقِي مَا مت بعد سنة. وَهَذَا حمدَان فروجٌ فِي حجري بالْأَمْس، حَتَّى جنى جِنَايَة رزق الطّلب، وحملان - وبيته - ضرب ألفا فَمَا عبس عَسى ينْطق أحد. فَقَالَ حَرْمَلَة: يَا بن الصفعان، أَنا حبست فِي أجمةٍ، أكلت مَا فِيهَا من السبَاع، وَجعلت الْحَشِيش نقلى، أَنا طوف الله الجائح فِي بَحر قلزم. لَو كلمني رجلٌ يعثر بسباله لعقدت شعر أَنفه إِلَى شعر استه، وأديره حَتَّى يشم فساه، يابه الْقُنْفُذ؛ لَو كلمني رجل لم الكمه لكمة فأبدد عِظَامه قلا تَجْتَمِع فِي شهر لَو كلمني رجلٌ لم أخرج أَنفه وأحرزه فِي قربةٍ، وأصفعه صفعة، فأبلع رَأسه مَعَ رطلين خرا. يابه الجرادة املأ عَيْنك مني والك وَأَنت زُرَيْق الجنى: طَعَامي الصَّبْر، وريحاني الدَّم، ونقلي أدمغة الأفاعي. أَنا أسست الشطارة، أَنا بويت العيارة. يَا بن الزارعة الفارشة الهارشة القلاشة النفاشة. من يتَكَلَّم؟ . قُولُوا. فَقَامَ غزون وَقَالَ: إيش تَقول لي يَا بن الطبزدانة؟ ، أَنا الْقدر والجذر والممزوج بالضجر، أَنا أَبُو إيوَان كسْرَى، حولت المحابس والمطابق، وَقطعت أكباد الْخَلَائق، أَنا أخرق الصفين، وأضرب العسكرين، رفيقي صياح الْكَلم، وجعفر ابْن الْكَلْب، ومُوسَى سلحة، وَعِيسَى ركبة، وكردويه الباقلاني. وفروج السماط، ودكرويه المكاري. انفوني - وَنور الله - إِلَى الشاش وفرغانة، وردوني إِلَى: طنجة، وإفرنجة، وأندلس، وإفريقية. ابْعَثُوا بِي إِلَى قَاف، وَخلف الرّوم وَإِلَى السد، وَإِلَى يَأْجُوج وَمَأْجُوج إِلَى مَوضِع لم يبلغ ذُو القرنين، وَلم يعرفهُ الْخضر، أَنا شهِدت الغول عِنْد نفَاسهَا، وحملت جَنَازَة الشَّيْطَان غير جبان، أَنا فِرْعَوْن ذُو الْأَوْتَاد. إِن لم أَقبض روحك مشيت سَبْعَة بِلَا رَأس، قطع ذَنبي فِي كل كرم، قطعت عروقي بِكُل خنجر، رضت عِظَامِي بِكُل منجل، لَو نخرت نخرةً لخرت صوامع النَّصَارَى، وتحطمت قُصُور بني إِسْرَائِيل. لَو عضني - وَنور الله - الْأسد لضرس، وَلَو كلمني إِبْلِيس لخرس، وَلَو رَآنِي العفريت لخنس.
стр. 695
قَالَ طفشية: أَنا قتلت ألف، وجرحت ألف، وَأَنا فِي طلب ألف، يَا بن الخادمة، يتهيأ لفرعون أخي القحبة أَن يقطب فِي وَجْهي، أَو يقوم بقربي، أَو يناظرني كلمة وَكلمَة، رَأْسِي مُدَوَّرَة ولحيتي خنجرية، وسبالي مفصلي، واستي خرساء، وَأَنا مَشْهُور فِي الْآفَاق بِضَرْب الْأَعْنَاق، لَا يجوز عَليّ المخراق؛ أَنا الرّبيع إِذا قحط النَّاس، أَنا العنى إِذا كثر الإفلاس، أَنا أشهر من الْعِيد، سل عني الْحَدِيد، وَفِي المطبق الْجَدِيد. الْبَيْضَة مني تسوي ألف، لَو حضنت خرج مِنْهَا ألف شَيْطَان، أَنا شققت شدق النمر، وصيرت على الْأسد الإكاف، يَا كلب انبح، أَنا الشّجر، أَنا الأبحر، أَنا تنور يسجر، صديق صديقي، وزورٌ من عنتر، من الجلندا، من كركر، من الْأسد، من طَاهِر الْأَعْوَر. إِبْلِيس إِذْ آنى قطر. وَلَو كلمني رجلٌ رَأسه من نُحَاس، وَرجلَيْهِ من رصاص، أصفعه صفعةً فأصير أَنفه فِي قَفاهُ، أَنا السهل الهاطل، أَنا المقت الشاطر، أَنا بلاع القناطر، إِن لم أَلعَب بك فِي الطبطاب، وأفسيك فسو الصعو فِي الرطاب باسم شيطاني مستلاب، أَنا أقسى من الْحجر، وَأهْدى من القطاة، وأزهى من الْغُرَاب، وَأحذر من العقعق، وأولع من الذُّبَاب، وألج من الخنفساء، وَأحد من النورة وأغلى من الترياق، وأعز من السم، وَأمر من العلقم، وَأشهر من الزرافة. أَنا الموج الكدر، أَنا القفل الْعسر، رَأْسِي سندان، نابي سكين جزار، يَدي مطرقة حداد: إيش تَقول؟ صادقني وسل عني، أَنا صعصعة الْحَيّ. أَنا خيرٌ لَك من غَيْرِي. هوذا وَجْهي إِلَى الْآخِرَة، لَك حاجةٌ إِلَى رَبك؟ هوذا أجد ريح الدَّم. إيش ترَوْنَ؟ من ينْطق؟ . فَسكت الْقَوْم، وبادر الْغُلَام وَأخذ بِيَدِهِ وصادقه. كَانَ بمرو رجلٌ يتفتى ويتشطر، وَلم يكن لَهُ يومٌ من أَيَّام الفتيان قطّ وَلَا فتكةٌ من فتكانهم، إِلَى أَن وَقع بَينه وَبَين رجل قصارٍ ضعيفٍ شَرّ، فَضَربهُ ضربا وجيعاً وأذله فَكَانَ يفتخر بذلك ويتطاول عِنْد الفتيان بِهِ، فتأذى جِيرَانه بِوَاحِد
стр. 696
قصابٍ جلد؛ فجاءوه وَقَالُوا: فلَان قد تأذينا بِهِ، فتكشف عَنَّا شَره وتذله. وتكفيناه. فَقَالَ: لَا أَدْرِي من فلَان؟ ، وَلَكِن إِذا شِئْتُم ضربت لكم الْقصار وأنزلت كل مَكْرُوه بِهِ. وَقع بَين شاطرٍ وَشبه لَهُ كلامٌ؛ فَقَالَ أَحدهمَا للْآخر: لَوْلَا أَنَّك أكبر سنا مني لجرحتك، ثمَّ مضى غير بعيد، فَوَقع بَينه وَبَين آخر. فَقَالَ: وَالله لَوْلَا أَنَّك أَصْغَر مني لقاتلتك، فَقَالَ لَهُ رَفِيقه: يَا بن الزَّانِيَة، مَتى يتَّفق لَك توأمٌ تُقَاتِلهُ؟ . قَالَ بَعضهم: مَرَرْت بواحدٍ وَهُوَ يَقُول: يَا من أمه زورق تسع ألف كرٍّ بالمعدل خَرْدَل. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت شاطراً يضْرب بالقلس، وَهُوَ ينظر إِلَى الأَرْض؛ فَلَمَّا بلغ الضَّرْب مائَة قَالَ لَهُ الْوَالِي: ارْفَعْ رَأسك. فَقَالَ: يَا سَيِّدي، بَقِي رَأسهَا. قَالَ: وَمَا معنى: بَقِي رَأسهَا؟ . قَالَ الجلاد: كنت أضربه وَهُوَ يصور بِرجلِهِ فِي الأَرْض بطةً وَقد بَقِي رَأسهَا. قَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي: دخلت على فتيانٍ من أهل الْمَدِينَة يشربون، وَإِذا هم متكئون على كلابٍ كردية؛ فَقَالَ بَعضهم: هاتوا وسَادَة لأبه مُحَمَّد؛ فَجَاءُوا بكلب؛ فَلَمَّا اتكأت عَلَيْهِ قَالُوا: هاتوا لَهُ أَيْضا مخدةً؛ فَجَاءُوا بجرو؛ فلكا تناولوا الأقداح جَاءَ غلامٌ وَفِي يَده قداحة يقْدَح فِي لحية من يحبس الْقدح. عزل حارس ناحيةٍ؛ فجَاء قومٌ إِلَى الْمَعْزُول يتوجعون لَهُ؛ فَقَالَ بَعضهم: لَو كَانَ غَرِيبا عذرناه، وَإِنَّمَا الْعجب أَنه أَخُوك؛ فَقَالَ: اعذروه فَإِن الْملك عقيقٌ، يُرِيد عقيم. كَانَ عُثْمَان الْخياط من كبار الفتيان والشطار؛ فَقَالَ: مَا سرقت جاراً قطّ وَلَو كَانَ عدوا، وَلَا سرقت كَرِيمًا رأنا أعرفهُ، وَلَا خُنْت من خانني. وَلَا كافأت غدراً بغدر، وَلَقَد قتلت بيَدي أَكثر من مائَة خناق ومبنج؛ لِأَنَّهُمَا لَا يقتلان وَلَا يسلبان إِلَّا عِنْد وجوب الْحُرْمَة، وَعند الاسترسال والثقة.
стр. 697
وَكَانَ يُسمى الْخياط لِأَنَّهُ نقب نقباً فَأخْرج كل شيءٍ كَانَ فِي الْبَيْت، حَتَّى دثار الدَّار صَاحب الدَّار وشعاره، ثمَّ خرج وسد النقب، وسواه تَسْوِيَة كَأَنَّهُ خاطه أَو رفاه، فلقب بالخياط. وَكَانَ سُلَيْمَان بن طرادٍ مِنْهُم، وَكَانَ لَا يقْعد فِي دهليزه، وَلَا يشرب من جنَاحه، بل يصير فِي قصرٍ من قُصُور الأبلة، وَلَا يطلع فِي كوةٍ، وَيَأْمُر بذلك أصدقاءه وَأَصْحَابه، وَيَقُول: إِن تعودتم النّظر إِلَى المَاء وَالْخُرُوج إِلَى المتنزهات جزعتم من الْحَبْس لم تدفعوا ضيماً، وَلم تكسبوا مَالا. وَكَانَ يَقُول: لَا يُعجبنِي الْفَتى يكون لحاظاً. وَكَانَ صَاحب إطراقٍ. وَكَانَ يَقُول: إيَّاكُمْ وفضول النّظر، يَدْعُو إِلَى فضول القَوْل وَالْعَمَل. وَمِنْهُم بابويه؛ وَكَانَ شَيخا كَبِيرا ذَا رَأْي ونجدة، وَصدق وَأَمَانَة، وهمةٍ بعيدَة، وأنفةٍ شَدِيدَة. وَكَانَ مَحْبُوسًا بعدة دِمَاء فَلَمَّا نقب حمير بن مَالك السجْن، وَقَامَ على بَاب النقب يشرب النَّاس ويحميهم؛ ليستتم الْكَرَامَة، وَجَاء رَسُوله إِلَى بابويه، فَقَالَ: أَبُو نعَامَة ينتظرك، وَلَيْسَ لَهُ هم سواك، وَمَا بردت مِسْمَار، وَلَا فَككت حَلقَة، وَأَنت قَاعد غير مكترثٍ وَلَا محتفلٍ وَقد خرج النَّاس حَتَّى الضُّعَفَاء؛ فَقَالَ بابويه: لَيْسَ مثلي يخرج فِي الغمار، وتدفع عَنهُ الرِّجَال. لم أشاور وَلم أؤامر. ثمَّ يُقَال لي الْآن: كن كالظعينة، وَالْأمة، وَالشَّيْخ الفاني. وَالله لَا أكون فِي الْجنَّة تَابعا ذليلاً. فَلم يبرح، وَخرج سَائِر النَّاس - وإجرامه وَحده كإجرام الْجَمِيع - فَلَمَّا جَاءَ الْأَمِير وَدخل السجْن فَلم ير فِيهِ غَيره قَالَ للحرس: مَا بَال هَذَا؟ . فقصوا عَلَيْهِ الْقِصَّة؛ فَضَحِك وَقَالَ لَهُ: خُذ أَي طَرِيق شِئْت؛ فَقَالَ بابويه: هَذَا عَاقِبَة الصَّبْر.
стр. 698
الْبَاب الثَّالِث عشر العي ومكاتبات الحمقى
كتب بعض الرؤساء إِلَى وكيلٍ لَهُ فِي ضيعةٍ: وَقد وصلت النعاج، وَهِي: تسع نعاج. وتسع نعاجٍ أربعٌ ونصفٌ نعاج. وَكتب فلَان ابْن فلَان فِي الْوَقْت المؤرخ فِيهِ. قَالَ بَعضهم: مَا من شرٍّ من دين؛ فَقيل لَهُ: وَلم ذَاك؟ . قَالَ: من جراء يتعلقون. قَالَ قَاسم التمار فِي كَلَام لَهُ: بَينهمَا كَمَا بَين السَّمَاء إِلَى قريبٍ من الأَرْض. وَقَالَ أَيْضا: لَو رَأَيْت إيوَان كسْرَى كَأَنَّمَا رفعت عَنهُ الْأَيْدِي أول من أمس. وَقَالَ الجاحظ: قَالَ لي ابْن بركَة: يَا أَبَا عُثْمَان، لَا تثقن بقحبةٍ وَلَو كَانَت أمك. قَالَ: فَلم أر تأديباً قطّ أبعد من جَمِيع الرشد من هَذَا. قَرَأت لبَعض كتاب الزَّمَان فِي كتاب سُلْطَان أنشأن: مَا سمع قرعي هَذَا. يُرِيد: مَا قرع سَمْعِي. وَبَعض كتاب الْأُمَرَاء يُوقع فِي الصكاك والمناشير: اللَّهُمَّ ألبسنا الْعَافِيَة. وَكَانَ بعض أكَابِر كتاب عضد الدولة يُوقع فِي الصكاك: الْحَمد لله فتاح المغاليق؛ فَكتب بعض البغداديين تَحت توقيعه: شربي وشربك مذ جِئْنَا على الرِّيق.
стр. 699
تظلم أهل قُم إِلَى عبد الله القمي وَزِير ركن الدولة من أَخِيه - وَكَانَ واليهم - وَرفعُوا إِلَيْهِ رقْعَة؛ فَوَقع فِي قصتهم: من دفع فِي أخي درهما دفعت فِيهِ دِينَارا؛ فَإِن ودى ودى، وَإِن لَا ودى خرج من دقه وَجلده حَتَّى ودى؛ وَالسَّلَام. قَالَ بَعضهم: جِئْت إِلَى كاتبٍ وَسَأَلته كتاب شفاعةٍ إِلَى بعض أصدقائه؛ فَكتب: يجب أَن تصونه وتحوطه، وَترد عَلَيْهِ خطوطه. قَالَ: فَقلت: الرجل لم يعرفنِي قطّ وَلَيْسَ مَعَه شيءٌ من خطوطي؛ فَقَالَ: إِن أردْت أَن تَأْخُذ الْكتاب فَخذه، وَإِلَّا فَإِنِّي لَا أضيع سجعي. قَالَ بَعضهم: كتب إِلَى جَامع الصيدلاني كتابا؛ فَكتب جَوَابه. وَجعل عنوانه مني إِلَى ذَاك الَّذِي كتب إِلَيّ. كتب ابْن المتَوَكل إِلَى مُحَمَّد بن عبيد الله يطْلب فهداً؛ فَكتب إِلَيْهِ: نحرت عِنْد مقَام لَا إِلَه إِلَّا الله؛ صلى الله على سَيِّدي فديته، إِن كَانَ عِنْدِي مِمَّا طلبته وزن دنقٍ فَلَا تظن يَا سَيِّدي أَنِّي أبخل عَلَيْك بِالْقَلِيلِ دون الْكثير فضلا عَن الْكثير، وَالسَّلَام. وَكتب مُعَاوِيَة بن مراون - وَكَانَ محمقاً - إِلَى الْوَلِيد بن عبد الْملك: قد بعثت إِلَيْك بقطيفةٍ حَمْرَاء حَمْرَاء حَمْرَاء؛ فَكتب فِي جَوَابه: قد وصلت، وَأَنت أَحمَق أَحمَق أَحمَق. قَالَ أَبُو العيناء: كتب بَعضهم إِلَى صديقٍ لَهُ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. وأمتع بك، حفظك الله واتقي لَك من للنار سوء الْحساب. كتبت إِلَيْك والدجلة تطفح، وسفن الْموصل هَاهُنَا، وَالْخبْز رطلين؛ فَعَلَيْك بتقوى الله، وَإِيَّاك وَالْمَوْت؛ فَإِنَّهُ طَعَام سوءٍ، وَالسَّلَام. وَكتب بعض الهاشميين إِلَى السندي بن شاهك. باسم الله وأمتع بك: إِن أَخا خادمي أَخذ رجلا من الشَّرْط بِسَبَب كلب يُقَال لَهُ مُوسَى، ومُوسَى لَيْسَ عندنَا يداعى؛ فَإِن رَأَيْت أَن تَأمر بسبيل تخليته فعلت إِن شَاءَ الله.
стр. 700
وَكتب بعض ولد المتَوَكل إِلَى أبي أَحْمد الْمُوفق: أَطَالَ الله بَقَاءَك يَا عمي، وأدام عزك وأبقاك: أَنا " - وَحقّ النَّبِي ﷺ أحبك أَشد من المتَوَكل وَأَشد من وَالِدي، وَلَا أحتشمك أَيْضا. وَقد جابوا لَك مطبوخ من عكبرا، فَأحب أَن تبْعَث إِلَيّ مِنْهُ خمس دنان وَإِلَّا ثَلَاث خماسيات، وَلَا تردني فأحرد بحياتي. وَكتب بعض الهاشميين إِلَى عَليّ بن يحيى بن المنجم: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. أستوهب الله المكاره كلهَا فِيك يَا سَيِّدي برحمته، وَأحب يَا سَيِّدي أَنْت أَن تسقيني زبيب نبيذٍ وعسلٍ، فَإِنِّي عِنْدِي رجلٌ يشرب الْمَطْبُوخ إِن شَاءَ الله. وَكتب إِلَى صديقٍ لَهُ: فدتك نَفسِي. أَنا وحدي، والجواري عِنْدِي، وَأَنا وَأَبُو إِسْحَاق وَأبي الْعَبَّاس فِي الْبُسْتَان، موفقاً إِن شَاءَ الله. وَكتب إِلَى آخر يستعير مِنْهُ دَابَّة: أردْت الرّكُوب فِي حاجةٍ إِن شَاءَ الله؛ فَكتب إِلَيْهِ الرجل: فِي حفظ الله. قَالَ أَبُو العيناء: شكا بعض جيران مُحَمَّد بن عبيد الله بن الْمهْدي إِلَيْهِ أَذَى غلمانه للجيران؛ وَسَأَلَهُ أَن ينهاهم. فَكتب إِلَيْهِ مُحَمَّد قبل كل شَيْء؛ فصحبك الله، أمالي بخيرٍ حِين تَشْكُو الغلمان بِسَبَب الْجِيرَان لم هم مملوكين. وَكم ثمن دَارك؟ . لَو كَانَت مثل قصر الْخَلِيفَة حَتَّى، لم أكن أمتنع من هبتها لغلامك وَلَو خرجت عَن دُخُول بَغْدَاد. إِنِّي وَالله لَو كنت حارس الْكَلْب إِذا كنت غَائِبا عَنْهَا. وَأَعُوذ بِاللَّه لَو كلمتك عشر سِنِين؛ فَانْظُر الْآن أَنْت إِلَيّ، عَليّ الْمَشْي إِلَى بَيت الله - أَعنِي بِهِ الطَّلَاق - وَثَلَاثِينَ حجَّة أَحْرَار لوجه الله، وسبيلي حبسٌ فِي دَوَاب الله. فعلت موفقاً إِن شَاءَ الله. قَالَ: وَكتب زنقاح - وَهُوَ مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَليّ بن الْمهْدي - إِلَى طبيبه: وَيلك يَا بو حنا، وَأتم نعْمَته عَلَيْك. قد شربت الدَّوَاء خمسين مقْعدا، المغص والتقطيع يقتلان بَطْني، وَالرَّأْس فَلَا تسل لَهُ مصدعاً بعصابةٍ مذ بعد أمس، فَلَا تُؤخر احتباسك عني. فَسَوف أعلم أَنِّي سأموت، وَتبقى أَنْت بِلَا أَنا. فعلت موفقاً إِن شَاءَ الله.
стр. 701
وَكتب إِلَى صديقٍ لَهُ يطْلب مِنْهُ بخوراً. شممت مِنْك الْيَوْم - وَحقّ الله عزك الله - رَائِحَة طيبَة وَذَلِكَ وحياتك بإطراح الحشمة موفقاً، إِن شَاءَ الله. قَالَ: وَكتب آخر إِلَى أَبِيه من الْبَصْرَة: كتابي هَذَا وَلم يحدث علينا إِلَّا خير وَالْحَمْد لله، إِلَّا أَن حائطنا وَقع، فَقتل أُمِّي وأختي وجاريتنا، ونجوت أَنا والسنور وَالْحمار. فعلت إِن شَاءَ الله. قَالَ أَبُو العيناء: شكا بعض الْكتاب فِي نكبته وَكَانَ قد وزر فَقَالَ: أخذُوا مَالِي، وقلعوا أسناني إِلَّا أَن دَاري لم تَبْرَح مَكَاني. قَالَ أَبُو هفان: سَمِعت بعض الحمقى يُخَاصم امْرَأَته، وَفِي جيرتهم أَحمَق آخر، فَاطلع عَلَيْهِم؛ فَقَالَ: مَا هَذَا، اعْمَلْ مَعَ هَذِه كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: " إِمَّا إمساكٌ بإيش اسْمه، وَإِمَّا تسريحٌ بإيش يُقَال لَهُ " فَضَحكت من حسن بَيَانه. وَكتب آخرٌ إِلَى صديقٍ لَهُ يعزيه عَن دَابَّته: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. جعلني الله فدَاك، بَلغنِي منيتك بدابتك، وَلَوْلَا علةٌ نسيتهَا إِلَيْك حَتَّى أعزيك فِي نَفسِي. جَاءَ رجلٌ إِلَى الرشيد؛ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنِّي قد هجوت الرافضة. فَقَالَ: هَات. فَأَنْشد: رغيفاً وَسمنًا وَزَيْتُونًا ومظلمة ... من أَن ينالوا من الشَّيْخَيْنِ طغيانا فَقَالَ: وَيلك فسره لي. قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَعَك مائَة ألف رجل من الْجند لَا تعرفه، كَيفَ أعرفهُ أَنا وحدي؟ . قَالَ أَبُو عُثْمَان: حَدثنِي مسْعدَة بن طَارق قَالَ: وَالله إِنَّا لوقوفٌ على حُدُود دَار فلَان للْقِسْمَة - وَنحن فِي خصومةٍ - إِذا أقبل سيد بني تَمِيم وموسرهم، وَالَّذِي يُصَلِّي على جنائزهم؛ فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ مُقبلا أمسكنا عَن الْكَلَام؛ فَأقبل علينا؛
стр. 702
فَقَالَ: حَدثُونِي عَن هَذِه الدَّار هَل ضم مِنْهَا بعضٌ إِلَى بعضٍ أحدا؟ . قَالَ مسْعدَة: فَأَنا مُنْذُ سِتِّينَ سنة أفكر فِي كَلَامه، مَا أَدْرِي مَا عَنى بِهِ. كَانَت عَلامَة أبي الْحمار لما تقلد ديوَان الْخراج فِي سنة الْفِتْنَة، الَّتِي كَانَ يوقعها فِي الصكاك: لَا إِلَه إِلَّا الله. مَا أعجب مَا نَحن فِيهِ. فَكَانَ بعض الْكتاب بعد ذَلِك يَقُول: لَا وَالله، مَا نَحن إِلَّا فِي عَلامَة أبي الْحمار. حكى عَن حَمْزَة بن نصير - مَعَ جلالته عِنْد سُلْطَانه، وموضعه من ولائه -: أَنه دخل على امْرَأَته، وَعِنْدهَا ثوب وشى؛ فَقَالَت لَهُ: كَيفَ هَذَا الثَّوْب؟ . قَالَ: بكم اشْتَرَيْته؟ . قَالَت: بِأَلف دِرْهَم. قَالَ: قد - وَالله - وضعُوا فِي استك مثل ذَا، وَأَشَارَ بكفه مَقْبُوضَة مَعَ ساعده؛ فَقَالَت: لم أزن الثّمن بعد. قَالَ: فخاصهم بعد فِي يدك. قَالَت: فأختك قد اشترت شرا مِنْهُ بِأَلفَيْنِ. قَالَ: إِن أُخْتِي تضرط من استٍ وَاسِعَة. قَالَت: وَلَكِن أمك عرض عَلَيْهَا فَلم ترده. قَالَ: لِأَن تِلْكَ فِي استها شَعْرَة. قَالَ أَحْمد بن الطّيب: هَذَا كَلَام الخرس أحسن مِنْهُ. قَالَ أَبُو هفان: رَأَيْت شَيخا بِالْكُوفَةِ قَاعِدا على بَاب دَار، وَله زِيّ وهيئة وَفِي الدَّار صُرَاخ. فَقلت: يَا شيخ، مَا هَذَا الصُّرَاخ؟ ، فَقَالَ: هَذَا رجلٌ افتصد فَبلغ المبضع شادروانه فَمَاتَ. يُرِيد: بلغ المبضع شريانه. وصف بَعضهم امْرَأَة؛ فَقَالَ: عينهَا الْأُخْرَى أكبر من عينهَا الْأُخْرَى. كتب بعض من وزر بِالريِّ آنِفا كتابا فِي معنى أَبِيه إِلَى صديق لَهُ بِبَغْدَاد - وَكَانَ قد حج أَبوهُ -: هَذَا الْكتاب يوصله فلانٌ ابْن فلَان، وَهُوَ وَالِدي، وقديم الصُّحْبَة لي، وَاجِب الْحق عَليّ، ولي بأَمْره عناية. وَدخل أَبُو طَالب صَاحب الطَّعَام على هاشمية جَارِيَة حمدونة بنت الرشيد، على أَن يَشْتَرِي طَعَاما من طعامهم فِي بعض البيادر؛ فَقَالَ لَهَا: إِنِّي قد رَأَيْت متاعك. فَقَالَ هاشمية: قل طَعَامك. قَالَ: وَقد أدخلت فِيهِ يَدي فَإِذا متاعك قد خم وَحمى. وَقد صَار مثل الجيفة. قَالَت: يَا أَبَا طَالب، أَلَيْسَ قد قلبت الشّعير، فَأَعْطِنَا مَا شِئْت، وَإِن وجدته فَاسِدا.
стр. 703
وَدخل أَبُو طَالب هَذَا على الْمَأْمُون؛ فَقَالَ: كَانَ أَبوك يَا با خيرا لنا مِنْك، وَأَنت يَا با لَيْسَ تعدنا، وَلَيْسَ تبْعَث إِلَيْنَا، وَنحن يَا با تجارك وَجِيرَانك. والمأمون فِي كل ذَلِك يتبسم. قَالَ الجاحظ: كتب رجلٌ إِلَى صديقٍ لَهُ: بَلغنِي أَن فِي بستانك آساً بهمنياً فَهَب أَي أمرا من أَمر الله الْعَظِيم. قَالَ: وَهُوَ الَّذِي قَالَ: كَانَ عياشٌ وثمامة حَتَّى يعظمني تَعْظِيمًا لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مثله. فَلَمَّا مَاتَ ثُمَامَة صَار لَيْسَ يعظمني تَعْظِيمًا لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مثله. وَكَانَ ابنٌ لسعيدٍ الْجَوْهَرِي يَقُول: صلى الله ﵎ على محمدٍ ﷺ . وَكَانَ بِالريِّ وراقٌ حسن الْخط، وَكَانَ إِذا كتب اسْم الله تَعَالَى أَو اسْم النَّبِي فِي الْقُرْآن أَو الشّعْر بعدهمَا مَا يَكْتُبهُ الانسان فِي سَائِر الْمَوَاضِع فَكَانَ يكْتب فِي الْقُرْآن: " إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان ". " وَمَا محمدٌ ﷺ إِلَّا رسولٌ قد خلت من قبله الرُّسُل ". وَكَانَ يكْتب فِي الشّعْر: إِن تقوى رَبنَا خير نفلوبإذن الله ﵎ ريثي وَعجل وَيكْتب: هجوت مُحَمَّدًا ﷺ فأجبت عَنهُ: وَعند الله تَعَالَى فِي ذَاك الْجَزَاء
стр. 704
وَقَالَ الجاحظ قلت لنفيس غلامي: بَعَثْتُك إِلَى السُّوق فِي حاجةٍ فَلم تقضها؛ فَقَالَ: يَا مولَايَ، أَنا ناقةٌ من مرضِي، وَلَيْسَ فِي ركبتي دماغ. وَقَالَ الجاحظ: قَالَ الْحجَّاج لأبي الجهير الْخُرَاسَانِي النخاس: أتبيع الدَّوَابّ المعيبة من جند السُّلْطَان؟ ؛ فَقَالَ: شريكاتنا فِي هوازها وشريكاتنا فِي مدائنها، وكما يَجِيء يكون. قَالَ الْحجَّاج: مَا تَقول؟ . قَالَ بعض من كَانَ قد اعْتَادَ الْخَطَأ وَكَلَام العلوج بِالْعَرَبِيَّةِ: يَقُول: شركاؤنا بالأهواز وبالمدائن يبعثون إِلَيْنَا هَذِه الدَّوَابّ؛ فَنحْن نبيعها على وجوهها. قَالَ ابْن أبي فنن: طلبت من عبد الله بن أَحْمد بن الخصيب بخوراً؛ فَكتب إِلَيْهِ: فدتك نَفسِي من السوء برحمته، كتابي إِلَيْك وَأَنا وحدي، والجواري عِنْدِي؛ فَأَما البخور فَإِن أَبَا الْعَبَّاس فِي الْحمام إِن شَاءَ الله. وَكتب بعض الشُّيُوخ الْفُضَلَاء إِلَى شيخ من الْعُدُول بِالريِّ نفقت بغلته: نبئت أَن الشَّيْخ قد مَاتَ بغلته، هَيْهَات هَيْهَات. وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل، وَالْحَمْد لله وَحده، وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد نبيه وعَلى آله الطاهرين وَسلم تَسْلِيمًا. / الْفَصْل الرَّابِع
стр. 705
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا إِلَى الْجنَّة بتوفيقه وتوقيفه، وَعدل بِنَا عَن النَّار بتحذيره وتخويفه، وَأرْسل رسله مبشرين برحمته الواسعة، ومنذرين بنعمته النازعة، وَخص مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله من بَينهم فِي الْآخِرَة بالحوض والشفاعة، والشرف والكرامة. وبالدرجات الْعلَا، وبسدرة الْمُنْتَهى وَفِي الدُّنْيَا بالبرهان الباهر، وَالسُّلْطَان القاهر، والمعجز الساطع، وَالسيف الْقَاطِع، والصراط الْمُسْتَقيم، والسبع المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم، وَجعل أمته أَكثر الْأُمَم عددا، وأوسطهم سددا، وأطولهم أمدا، وأهداهم قصدا، وأبينها رشدا، وَنسخ بملته الْملَل، وبنحلته النَّحْل، وَوصل شَرِيعَته بِالْيَوْمِ الآخر، وَجعلهَا خَاتِمَة الشَّرَائِع والأوامر. وأيده بِسَيْفِهِ المهند، وسهمه المسدد، وشباته المرهفة، وقناته المثقفة، خاصف النَّعْل، وآكل الطير، وقسيم الْجنَّة وَالنَّار، فَقتل غطارفة قُرَيْش، وجبابرة هوَازن وَثَقِيف، وطواغيت قُرَيْظَة وَالنضير، حَتَّى أذعن المعاند، وَأقر الجاحد، وذل الْبَاذِل وتطامن الشماخ، وَظهر دين الله، وَتب أَعدَاء الله، " وَقيل بعدا للْقَوْم الظَّالِمين ". اللَّهُمَّ إِنَّا نشكرك على نِعْمَتك الَّتِي نرى توفيقك لشكرها نعْمَة أُخْرَى، هِيَ بِالْحَمْد لَهَا أولى، وبالثناء عَلَيْهَا أَحْرَى، أَنْعَمت علينا بِحَسب قدرتك المطيفة بالخلق، وكلفتنا من الشُّكْر بِقدر قوتنا الضعيفة على أَدَاء الْحق، ورضيت منا بالميسور من الْحَمد، وبالعفو من الشُّكْر دون الْجهد، فَأَنت الْمَحْمُود على نِعْمَتك، والمعبود لعزتك، والمدعو وَحدك لَا شريك لَك، أحَاط علمك بالخفية، وانبسطت يدك بِالْعَطِيَّةِ، وأذل عزك الْجَبَابِرَة، وقهر ملكك الْمُلُوك الْقَاهِرَة، مَالك الْخلق. الْأَمر، ومنشئ السَّحَاب ومنزل الْقطر.
следующие страницы →