← Адаб

Адаб · id 7853

نثر الدر في المحاضرات

الآبي

Полный текст (1 737 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الْيمن، فَكَانَ يقدم بكرا فَقَالَ تَمِيم: أَيهَا الْملك؛ إِن هَذَا ابْن أُخْتِي فَلَا تعطه شَيْئا إِلَّا أَعْطَيْتنِي مثله. قَالَ: فَقَالَ بكر: أَيهَا الْملك، خَالِي هَذَا أَسْوَأ النَّاس ظنا فَلَا تعطني عَطِيَّة إِلَّا أضعفتها لَهُ. فَقَالَ: نعم. فَفعل فَلَمَّا رَضِي تَمِيم قَالَ بكر: أُرِيد أَن تقلع إِحْدَى عَيْني وتقلع عَيْني تَمِيم. فَرجع هَذَا أَعور وَذَاكَ أعمى. حِيلَة مُعَاوِيَة فِي بيعَة يزِيد قَالَ سعيد بن جُبَير: لما حج مُعَاوِيَة وَقد ذكر بيعَة يزِيد فَقَالَ: قد اجْتمع النَّاس غير أَرْبَعَة: الْحُسَيْن بن عَليّ وَابْن عمر وَابْن الزبير وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكر فَأرْسل إِلَيْهِم فِي ذَلِك، وَقَالَ: من يرد عَليّ فِي ذَلِك؟ فَقَالُوا: يرد ابْن الزبير. فَقَالَ مُعَاوِيَة لَهُم: مَا تَقول؟ قَالَ: اختر منا ثَلَاث خِصَال: سنة رَسُول الله ﷺ ، أَو سنة أَبُو بكر، أَو سنة عمر. أما النَّبِي ﵇ فتوفى وَلم يسْتَخْلف أحدا، فَاجْتمع الْمُسلمُونَ على أفضلهم أبي بكر، وَاخْتَارَ هُوَ خَيرهمْ عمر، ثمَّ جعلهَا عمر شُورَى، وَله يَوْمئِذٍ ولد خير من ولدك مِمَّن صحب النَّبِي ﵇ وَهَاجَر فَلم يفعل ذَلِك. وَأَنت أَخْبَرتنِي يَا مُعَاوِيَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: إِذا بُويِعَ لخليفتين فَاقْتُلُوا الْأَخير مِنْهُمَا. فَلَمَّا رأى مُعَاوِيَة ذَلِك قَالَ: تَسْمَعُونَ لي وتطيعون؟ قَالُوا: نعم. فَخَطب فَقَالَ: إِن هَؤُلَاءِ الْقَوْم قد بايعوني على مَا أردْت. ثمَّ انحدر فَركب رواحله وَانْطَلق فَحسب النَّاس أَنهم قد بَايعُوهُ. حِيلَة مُعَاوِيَة فِي أَمر ابْن الزبير كتب ابْن الزبير إِلَى مُعَاوِيَة: قد علمت أَنِّي صَاحب الدَّار وَأَنِّي الْخَلِيفَة بعد عُثْمَان وَلَأَفْعَلَن وَلَأَفْعَلَن. فَقَالَ مُعَاوِيَة ليزِيد: مَا ترى؟ قَالَ: أرى: وَالله أَن لَو كنت أَنْت وَابْن الزبير على سَوَاء مَا كَانَ يَنْبَغِي أَن ترْضى بِهَذَا. قَالَ: فَمَا ترى؟ قَالَ: أرى أَن توجه إِلَيْهِ جَيْشًا. قَالَ: إِن أهل الْحجاز لَا يسلمونه فكم ترى أَن أوجه إِلَيْهِ؟ قَالَ: أَرْبَعِينَ ألفا. قَالَ: لهَؤُلَاء دَوَاب، وكل دَابَّة تحْتَاج إِلَى مخلاة. فكم ثمن المخلاة؟ قَالَ: دِرْهَم. فَقَالَ: هَذِه أَرْبَعُونَ ألف دِرْهَم. ثمَّ قَالَ: يَا غُلَام؛ اكْتُبْ إِلَى ابْن الزبير: قد وَجه إِلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ ثَلَاثِينَ ألفا فاستمتع إِلَى أَن يَأْتِيك رَأْيه.

стр. 807

فَكتب إِلَيْهِ ابْن الزبير قد وصل إِلَيْنَا المَال، فوصل أَمِير الْمُؤمنِينَ رحما. فَقَالَ مُعَاوِيَة ليزِيد: قد ربحنا على ابْن الزبير فِي المخالي عشرَة آلَاف. نصح أبي بكرَة لِأَخِيهِ زِيَاد اسْتَأْذن زِيَاد مُعَاوِيَة فِي الْحَج فَأذن لَهُ وَبلغ ذَلِك أَبَا بكرَة وَكَانَ أَخَاهُ من أمةٍ اسْمهَا سميَّة وَكَانَ حلف أَلا يكلم زياداً حَيْثُ رَجَعَ عَن الشَّهَادَة على الْمُغيرَة وَألا يظله وإياه سقف بَيت أبدا. فَدخل أَبُو بكرَة دَار الْإِمَارَة على زِيَاد، فَأمر زِيَاد بكرسيين فوضعا فِي صحن الْقصر ليمينه، فَجَلَسَ أَبُو بكرَة على أَحدهمَا وَزِيَاد على الآخر وَمَعَ زِيَاد بني لَهُ حَيْثُ مَشى. فَقَالَ أَبُو بكرَة لِابْنِهِ: تعال يَا بن أخي. فجَاء الصَّبِي فَجَلَسَ فِي حجره فَقَالَ لَهُ: كَيفَ أَنْت؟ كَيفَ أهلك؟ اسْمَع مني يَا بن أخي - وَإِنَّمَا يُريدَان أَن يسمع ٤٠٤ زياداً - إِن أَبَاك هَذَا أَحمَق، قد فجر فِي الْإِسْلَام ثَلَاث فجرات مَا سمعنَا بمثلهن؛ أما أولَاهُنَّ فجحوده الشَّهَادَة على الْمُغيرَة، وَالله يعلم أَنه قد رأى مَا رَأينَا فكتم، وَقد قَالَ الله: " وَمن يكتمها فَإِنَّهُ آثم قلبه ". فَحَلَفت أَلا ُأكَلِّمهُ أبدا؛ وَأما الْأُخْرَى فانتفاوه من عبيد، وادعاؤه إِلَى أبي سُفْيَان، وَأقسم لَك بِاللَّه - يَا بن أخي - صدقا مَا رأى أَبُو سُفْيَان سميَّة قطّ فِي ليل وَلَا نَهَار، وَلَا فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام؛ وَأما الثَّالِثَة فأعظمهن. إِنَّه يُرِيد أَن يوافي الْعَام الْمَوْسِم، وَأم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان زوج النَّبِي ﵇ تَأتي الْمَوْسِم كل عَام، فَإِن هُوَ أَتَاهَا فَأَذنت لَهُ كَمَا تَأذن الْأُخْت لأَخِيهَا فأعظم بهَا مُصِيبَة على رَسُول الله ﷺ ! وَإِن هِيَ حَجَبته وتسترت مِنْهُ فأعظم بهَا حجَّة عَلَيْهِ ثمَّ نَهَضَ. فَقَامَ زِيَاد فِي إثره وَأخذ بِقَمِيصِهِ وَقَالَ: جَزَاك الله من أَخ خيرا، فَمَا تركت النَّصِيحَة لأخيك على حَال. وَترك الْحَج. اسْتعْمل عمر الْمُغيرَة بن شُعْبَة على الْبَحْرين ثمَّ عَزله، فَقَالَ دهقان الْقرْيَة لأَهْلهَا - وَكَانَ مُطَاعًا فيهم: اجْمَعُوا لي مائَة ألف دِرْهَم آتِي بهَا عمر فَفَعَلُوا، فَقَالَ عمر: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أودعناه الْمُغيرَة. فَقَالَ عمر للْمُغِيرَة: مَا هَذَا؟ قَالَ: إِنَّهَا

стр. 808

مِائَتَا ألف دِرْهَم. فَقَالَ للدهقان: قد تسمع. فَقَالَ: وَالله مَا أودعنا شَيْئا، إِلَّا أننا خفنا أَن ترده إِلَيْنَا. فَقَالَ عمر للْمُغِيرَة: مَا دعَاك إِلَيّ مَا قلت؟ قَالَ: أَحْبَبْت أَن أخزيه إِذْ كذب عَليّ. كَانَ سعد الْقرظ زنجياً عبدا لعمَّار بن يَاسر، وَكَانَ على نَخْلَة يجتبي مِنْهَا فَسمع الزنج يَتَكَلَّمُونَ فِيمَا بَينهم فَأذن، فَاجْتمع إِلَى النَّبِي ﷺ أَصْحَابه فَقَالَ: مَا حملك على الْأَذَان؟ فَقَالَ: خفت عَلَيْك فَأَذنت ليجتمع إِلَيْك أَصْحَابك. فَأمره بعد ذَلِك بِالْأَذَانِ فَكَانَ مُؤذنًا. قَالَ عَبَّاس بن سهل السَّاعِدِيّ: لما ولي عُثْمَان بن حَيَّان المري الْمَدِينَة عرض ذَات يَوْم بِذكر الْفِتْنَة، فَقَالَ لَهُ بعض جُلَسَائِهِ: عَبَّاس بن سهل كَانَ شيعَة لِابْنِ الزبير وَكَانَ قد وَجهه فِي جَيش إِلَى الْمَدِينَة. قَالَ: فتغيظ عَليّ، وآلى ليقتلنني. فبلغني ذَلِك فتواريت عَنهُ حَتَّى طَال عَليّ ذَلِك، فَلَقِيت بعض جُلَسَائِهِ، فشكوت ذَلِك إِلَيْهِ، وَقلت لَهُ: قد آمنني أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الْملك. فَقَالَ لي: مَا يخْطر ذكرك إِلَّا تغيظ عَلَيْك وأوعدك، وَهُوَ ينبسط للحوائج على طَعَامه، فتنكر وأحضر طَعَامه ثمَّ كَلمه بِمَا تُرِيدُ. فَفعلت، فَأتى بِجَفْنَة ضخمة فِيهَا ثردة عَلَيْهَا اللَّحْم. فَقلت: لكَأَنِّي أنظر إِلَى جَفْنَة حَيَّان بن معبد وتكاوس النَّاس على بباحته. ووصفت لَهُ باحته فَجعل يَقُول: أرأيته؟ فَقلت: لعمري كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ حِين تخرج علينا وَعَلِيهِ مطرف خَز يجر هدبه يتعلقه حسك السعدان مَا يكفه عَنهُ، ثمَّ يُؤْتِي بِجَفْنَة، فَكَأَنِّي أنظر إِلَى النَّاس يتكاوسون عَلَيْهَا؛ مِنْهُم الْقَائِم وَمِنْهُم الْقَاعِد. قَالَ: وَمن أَنْت رَحِمك الله قلت: آمني آمنك الله. قَالَ: قد آمنتك، قلت: أَنا عَبَّاس بن سهل الْأنْصَارِيّ. قَالَ: فمرحباً بك وَأهلا، أهل الشّرف وَالْحق. قَالَ عَبَّاس: فرأيتني وَمَا بِالْمَدِينَةِ رجل أوجه عِنْده مني. قَالَ: فَقَالَ بعض الْقَوْم بعد ذَلِك: يَا عَبَّاس؛ أَأَنْت رَأَيْت حَيَّان بن معبد يتكاوس النَّاس على جفنته. فَقلت: وَالله لقد رَأَيْته ونزلنا باحته فَأَتَانَا فِي رحالنا وَعَلِيهِ عباءة قطوانية، فَجعلت أذوده بِالسَّوْطِ عَن رحالنا خيفة أَن يسرقنا.

стр. 809

الْبَاب الرَّابِع نكت من كَلَام الْحُكَمَاء قيل لبَعْضهِم: أخرج هَذَا الْغم من قَلْبك. فَقَالَ: لَيْسَ بإذني دخل. قَالَ رجل لشبيب من شيبَة: أَنا وَالله أحبك يَا أَبَا معبد. قَالَ: أشهد على صدقك. قَالَ: وَكَيف ذَاك، قَالَ: لِأَنَّك لست بجار قريب، وَلَا ابْن عَم نسيب، وَلَا مشاكل فِي صناعَة. قَالُوا: صَاحب السوء قِطْعَة من النَّار. وَلذَلِك لما قَالَ الْقَائِل: مَا رَأينَا فِي كل خير وَشر خيرا من صَاحب. قَالَ الآخر: وَلَا رَأينَا فِي كل خير وَشر شرا من صَاحب. قَالَ أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ: أَتَت عَليّ مائَة وَثَلَاثُونَ سنة، مَا من شَيْء إِلَّا وَأَنا أجد فِيهِ النَّقْص إِلَّا أملي فَإِنِّي أَجِدهُ كَمَا أَو يزِيد. قَالَ بَعضهم: الْعَالم يعرف الْجَاهِل لِأَنَّهُ كَانَ جَاهِلا، وَالْجَاهِل لَا يعرف الْعَالم لِأَنَّهُ لم يكن عَالما. سُئِلَ بَعضهم عَن الْغنى فَقَالَ: شَرّ مَحْبُوب وَعَن الْفقر فَقَالَ: ملك لَيْسَ فِيهِ محاسبة. الفرصة مَا إِذا حاولته فأخطاك نَفعه لم يصل إِلَيْك ضره. بُلُوغ أَعلَى الْمنَازل بِغَيْر اسْتِحْقَاق من أكبر أَسبَاب الهلكة. كل شَيْء يعز إِذا قل، وَالْعقل كلما كَانَ أَكثر كَانَ أعز وأغلى. قَالَ عَامر بن عبد الْقَيْس: الْكَلِمَة إِذا خرجت من الْقلب وَقعت فِي الْقلب، وَإِذا خرجت من اللِّسَان لم تجَاوز الآذان.

стр. 810

قَالُوا: مقتل الرجل بَين لحييْهِ. التثبت نصف الْعَفو. قَالَ أَكْثَم: الْكَرم حسن الفطنة. واللؤم سوء التغافل. قيل: أَسْوَأ النَّاس حَالا من اتسعت مَعْرفَته، وبعدت همته، وَضَاقَتْ مقدرته. كَانَ عبد الْملك بن الْحجَّاج: يَقُول: لأَنا للعاقل الْمُدبر أرجا مني للأحمق الْمقبل. وَقَالُوا: أَمْرَانِ لَا ينفكان من الْكَذِب: كَثْرَة المواعيد وَشدَّة الِاعْتِذَار. قَالَ الفضيل بن عِيَاض لِسُفْيَان الثَّوْريّ: دلَّنِي على من أَجْلِس إِلَيْهِ. قَالَ: تِلْكَ ضَالَّة لَا تُوجد. قيل لعبد الله بن كرز: هلا أجبْت أَمِير الْمُؤمنِينَ حِين سَأَلَك عَن مَالك. قَالَ: إِنَّه إِن استكثره حسدني، وَإِن استقله حقرني. قَالَ بَعضهم: عِيَادَة النوكى الْجُلُوس فَوق الْقدر، والمجيء فِي غير وَقت. قَالَ مُحَمَّد بن وَاسع: مَا آسى من الدُّنْيَا إِلَّا على ثَلَاث؛ بلغَة من عَيْش لَهُ لَيْسَ لأحد فِيهَا منَّة، وَلَا لله عَليّ فِيهَا تبعة، وَصَلَاة فِي جمَاعَة أكفى سهوها ويدخر لي أجرهَا، وَأَخ إِذا مَا أعوججت قومني. مر عمر بن ذَر بِابْن عَيَّاش المنتوف وَكَانَ قد سفه عَلَيْهِ ثمَّ أعرض عَنهُ، فَتعلق بِثَوْبِهِ وَقَالَ: يَا هَناه؛ إِنَّا لم نجد لَك إِذا عصيت الله فِينَا خيرا من أَن نطيع الله فِيك. قَالَ بَعضهم: مَا نصحت لأحد إِلَّا وجدته يفتش عَن عيوبي. قَالَ لبَعْضهِم: أَي النَّاس أحلم؟ قَالَ: سُفَهَاء لقوا أكفاءهم. قَالَ خَليفَة بن عبد الله التغلبي: مَا خَاصَمت أَحمَق وَلَا كيسا إِلَّا رَأَيْته بَصيرًا بِمَا يسوءني. سَأَلَ ابْن أبي بكرَة: أَي شَيْء أدوم إمتاعاً؟ قَالَ: المنى. وَقَالَ عَبَايَة مَا يسرني بنصيبي من المنى حمر النعم.

стр. 811

وَقَالَ ابْن أبي الزِّنَاد: المنى والحلم أَخَوان. وَقَالَ بَعضهم: الْأَمَانِي للنَّفس مثل الترهات للسان. قَالَ عَمْرو بن الْحَارِث: ٤٠٦ كُنَّا نبغض من الرِّجَال ذَا الرِّيَاء والنفج وَنحن الْيَوْم نتمناهما. قَالَ صَالح المري: تَغْدُو الطير خماصاً، وَتَروح شباعاً، وائقة بِأَن لَهَا فِي كل غدْوَة رزقا لَا يفوتها. وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو غدوتم إِلَى أسواقكم على مثل إخلاصه لرجعتكم ودينكم أبطن من بطُون الْحَوَامِل. قَالَ خَالِد بن صَفْوَان: السّفر عتبات؛ فأولها: الْعَزْم، وَالثَّانيَِة: الْعدة، وَالثَّالِثَة: الرحيل، وأشدهن الْعَزْم. قَالَ أَكْثَم بن صَيْفِي: الْعَافِيَة الْملك الْخَفي. وَقَالَ الْفضل بن سهل؛ لَيست الفرصة إِلَّا مَا إِذا أخطأك نَفعه لم ينلك ضَرَره. قَالُوا: سوء حمل الْغنى يُورث مقتاً، وَسُوء حمل الْفَاقَة يضع شرفاً. وَقَالَ أَكْثَم: من جزع على مَا خرج من يَده فليجزع على مَا لم يصل إِلَيْهِ قَالَ بَعضهم: ظفر الْكَرِيم عَفْو، وعفو اللَّئِيم عُقُوبَة. كَانَ يُقَال: لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يدع الحزم لظفر ناله عَاجز، وَلَا يرغب فِي التضييع لنكبة دخلت على حَازِم. وَكَانَ يُقَال: لَيْسَ من حسن التَّوَكُّل أَن تقال عَثْرَة ثمَّ يركبهَا ثَانِيَة قيل: لَوْلَا الإغضاء وَالنِّسْيَان، مَا تعاشر النَّاس لِكَثْرَة الأضغان. قَالُوا: ثَلَاث يرغمن الْعَدو: كَثْرَة العبيد، وأدب الْوَلَد، ومحبة الْجِيرَان. يُقَال: سوء القالة فِي الْإِنْسَان إِذا كَانَ كذبا نَظِير الْمَوْت؛ لفساد دُنْيَاهُ، وَإِذا كَانَ صدقا أَشد من الْمَوْت لفساد آخرته.

стр. 812

قَالُوا: يرضى الْكِرَام الْكَلَام، ويصاد اللئام بِالْمَالِ: ويسبى النَّبِيل بالإعظام، ويستصلح السفلة بالهوان. قَالُوا: أَمْرَانِ أنس بِالنَّهَارِ وَحْشَة بِاللَّيْلِ: المَال والبستان. قَالُوا: لَا يزَال الْمَرْء مُسْتَمر مَا لم يعثر، فَإِذا عثر مرّة فِي الْخِيَار لج بِهِ العثار وَلَو كَانَ فِي جدد قَالَ بَعضهم: مَا شيبتني السنون، وَلَكِن شكري من أحتاج أَن أشكره. قَالُوا: المتواضع كالوهدة يجْتَمع فِيهَا قطرها وقطر غَيرهَا، والمتكبر كالربوة لَا يقر عَلَيْهَا قطرها وَلَا قطر غَيرهَا. يُقَال: إِنَّه لَا يصبر وَيصدق فِي اللِّقَاء إِلَّا ثَلَاثَة: مستبصر فِي دين، أَو غيران على حُرْمَة، أَو ممتعض من ذل. قَالَ بَعضهم: فِي مجاوزتك من يَكْفِيك فقر لَا مُنْتَهى لَهُ حَتَّى تَنْتَهِي عَنهُ. وَكَانَ يُقَال: العفاف زِينَة الْفقر، وَالشُّكْر زِينَة الْغنى. اعتذار من منع خير من وعد ممطول. خير المزاح لَا ينَال، وشره لَا يُقَال. وَإِنَّمَا سمي مزاحا لِأَنَّهُ أزيح عَن الْحق. الْيَأْس من أعوان الصَّبْر. قيل لبَعض الْحُكَمَاء: أَي الْأُمُور أعجل عُقُوبَة وأسرع لصَاحِبهَا صرعة؟ قَالَ: ظلم من لَا نَاصِر لَهُ إِلَّا الله ، ومجاورة النعم بالتقصير واستطالة الْغَنِيّ على الْفَقِير. يُقَال: من سَعَادَة الْمَرْء أَن يضع معروفه عِنْد من يشكره. قَالُوا: شَيْئَانِ لَا يعرف طعمهما إِلَّا بعد فقدهما: الْعَافِيَة والشباب.

стр. 813

نظر شَاب إِلَى شيخ يُقَارب خطاه فَقَالَ لَهُ: من قيدك؟ قَالَ: الَّذِي تركته يفتل قيدك. قيل لشيخ قد ذهب مِنْهُ المأكل وَالْمشْرَب وَالنِّكَاح: هَل تشْتَهي أَن تَمُوت؟ قَالَ: لَا. قيل: وَلم ذَاك؟ قَالَ: أحب أَن أعيش وأسمع الْأَعَاجِيب. قيل لبَعْضهِم: مَا بَال الشَّيْخ أحرص على الدُّنْيَا من الشَّاب؟ ٤٠٧ قَالَ: لِأَنَّهُ قد ذاق من طعم الدُّنْيَا مَا لم يذقه الشَّاب. قَالُوا: الدّين عقلة الشريف، مَا اسْترق الْكَرِيم أفظ من الدّين. اخْتصم رجلَانِ إِلَى سعيد بن الْمسيب فِي النُّطْق والصمت: أَيهمَا أفضل؟ فَقَالَ: بِمَاذَا أبين لَكمَا؟ فَقَالَا: بالْكلَام. فَقَالَا: إِذا الْفضل لَهُ. وَقيل لبَعْضهِم: السُّكُوت أفضل أم النُّطْق؟ فَقَالَ: السُّكُوت حَتَّى يحْتَاج إِلَى النُّطْق. قيل: الْعقل يَأْمُرك بالأنفع، والمروءة تأمرك بالأجمل. قيل لبَعْضهِم: مَا جماع الْعقل؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْته مجتمعاً فِي أحد فأصفه، وَمَا لَا يُوجد كَامِلا فَلَا حد لَهُ. قَالَ الزُّهْرِيّ: إِذا أنْكرت عقلك فاقدحه بعاقل. وَقيل: عظمت المئونة فِي عَاقل متجاهل، وجاهل متعاقل. وَقيل: إِنَّك تحفظ. الأحمق من كل شَيْء إِلَّا من نَفسه. قيل لبَعْضهِم: الْعقل أفضل أم الْجد؟ فَقَالَ: الْعقل من الْجد. قَالَ بَعضهم: يَنْبَغِي للعاقل أَن يطْلب طَاعَة غَيره وَطَاعَة نَفسه عَلَيْهِ ممتنعة. قيل لآخر: أَتُحِبُّ أَن تهدى إِلَيْك عيوبك؟ فَقَالَ: أما من نَاصح فَنعم، وَأما من شامت فَلَا. قيل لآخر: هَل شَيْء أضرّ من التواني؟ قَالَ: الِاجْتِهَاد فِي غير مَوْضِعه. وَقيل: الْعَجز عجزان عجز التَّقْصِير. وَقد أمكن الْأَمر، وَالْجد فِي طلبه وَقد فَاتَ.

стр. 814

وَقيل لآخر: أَسَأْت الظَّن. فَقَالَ: إِن الدُّنْيَا لما امْتَلَأت مكاره وَجب على الْعَاقِل أَن يملأها حذرا. تَأمل حَكِيم شَيْبه فَقَالَ: مرْحَبًا بزهرة الحنكة، وَثَمَرَة الْهدى، ومقدمة الْعِفَّة، ولباس التَّقْوَى. قيل: لَا يسود الرجل حَتَّى لَا يُبَالِي فِي أَي ثوبيه ظهر. سمع حَكِيم رجلا يَدْعُو لآخر وَيَقُول: لَا أَرَاك الله مَكْرُوها. فَقَالَ: دَعَوْت لَهُ بِالْمَوْتِ فَإِن من عَاشَ لَا بُد لَهُ فِي الدُّنْيَا من مَكْرُوه. قَالُوا: من صِفَات الْعَاقِل أَلا يتحدث بِمَا يُسْتَطَاع تَكْذِيبه. قيل لبَعْضهِم: مَتى يحمد الْكَذِب؟ فَقَالَ: إِذا قرب بَين المتقاطعين. قيل: فَمَتَى يذم الصدْق. قَالَ: إِذا كَانَ غيبَة. دنا رجل من آخر فساره فَقَالَ: لَيْسَ هَا هُنَا أحد، فَقَالَ: من حق السرَار التداني. وَكَانَ مَالك بن مسمع إِذا ساره إِنْسَان قَالَ لَهُ: أظهر؛ فَلَو كَانَ فِيهِ خير لما كَانَ مكتوماً. قيل: السعيد من وعظ بِغَيْرِهِ والشقي من اتعظ بِهِ غَيره. قيل: مِمَّا يدل على كرم الرجل سوء أدب غلمانه. أفحش الظُّلم ظلم الضَّعِيف. العَبْد من لَا عهد لَهُ. قيل: إِن ذَا الهمة وَإِن حط نَفسه يأبي إِلَّا الْعُلُوّ، كالشعلة من النَّار يخفيها صَاحبهَا وتأبى إِلَّا ارتفاعاً. قيل: الْجد أجدى، وَالْجد أكدى. وَقَالُوا: الدّين غل لله فِي أرضه فَإِذا أَرَادَ أَن يذل عبدا جعله فِي عُنُقه وَقيل: تعرف مُرُوءَة الرجل بِكَثْرَة دُيُونه.

стр. 815

قيل: الْعَاقِل إِذا تكلم بِكَلِمَة أتبعهَا مثلا، والأحمق إِذا تكلم بِكَلِمَة أتبعهَا حلفا. قيل: الْحَرَكَة نِكَاح الْجد الْعَقِيم. قيل: أَرْبَعَة لَا يستحيى من الْخَتْم عَلَيْهَا؛ المَال لنفي التهم، والجوهر لنفاسته، وَالطّيب للأبدان، والدواء للِاحْتِيَاط. قيل: إِذا أَيسَرت فَكل رجل رجلك، وَإِذا افْتَقَرت أنكرك أهلك. قَالُوا: لَو جعل المَال للعقلاء مَاتَ الْجُهَّال، فَلَمَّا صَار فِي أَيدي الْجُهَّال اسْتَنْزَلَهُمْ الْعُقَلَاء عَنهُ بلطفهم. قيل: نعم الْغَرِيم الْجُوع. ٤٠٨ كلما أعطي أَخذ. قَالَ بَعضهم: مَا رددت أحدا عَن حَاجَة إِلَّا تبينت الْعِزّ فِي قَفاهُ والذل فِي وَجهه. قيل: الِابْتِدَاء بالصنيعة نَافِلَة، وربها فَرِيضَة. الْعَدو المبطن للعداوة كالنحل يمج الدَّوَاء ويحتقب الدَّاء. سُئِلَ ابْن الْقرْيَة: مَا الدهاء؟ قَالَ: تجرع الغصة، وتوقع الفرصة. قيل: الْحَاسِد يرى زَوَال نِعْمَتك نعْمَة عَلَيْهِ. الْحَسَد دَاء يَأْكُل الْجَسَد. التَّوَاضُع أحد مصايد الشّرف. تواضع الرجل فِي مرتبته ذب للشماتة عِنْد سقطته. كم من صلف أدّى إِلَى تلف. سوء الْخلق يعدي، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَدْعُو غَيره إِلَى أَن يُقَابله بِغَيْرِهِ. صحب رجل آخر سيئ الْخلق فَلَمَّا فَارقه قَالَ: قد فارقته وخلقه لَا يُفَارِقهُ.

стр. 816

المزاح فَحل لَا ينْتج إِلَّا الشَّرّ. الْمُرُوءَة التَّامَّة مباينة الْعَامَّة. أَسْوَأ مَا فِي الْكَرِيم أَن يمنعك نداه، وَأحسن مَا فِي اللَّئِيم أَن يكف عَنْك أَذَاهُ. السّفل إِذا تعلمُوا تكبروا، وَإِذا تمولوا استطالوا، والعلية إِذا تعلمُوا تواضعوا، وَإِذا افتقروا صالوا. ثَلَاث لَا يستصلح فسادهن بِشَيْء من الْحِيَل: الْعَدَاوَة بَين الْأَقَارِب، وتحاسد الْأَكفاء، وركاكة الْمُلُوك. قيل لحكيم: أَي شَيْء من أَفعَال الْعباد يشبه لأفعال الله؟ قَالَ: الْإِحْسَان إِلَى النَّاس. يُقَال: السخي شُجَاع الْقلب، والبخيل شُجَاع الْوَجْه. الْبَخِيل يعِيش عَيْش الْفُقَرَاء، وَيُحَاسب محاسبة الْأَغْنِيَاء، الْعُزْلَة توفر الْعرض، وتستر الْفَاقَة، وترفع ثقل الْمُكَافَأَة. مَا احتنك أحد قطّ إِلَّا أحب الْخلْوَة. خير النَّاس من لم تجربه، كَمَا أَن خير الدّرّ مَا لم تثقبه. قَالَ بَعضهم: خالطت النَّاس خمسين سنة فَمَا وجدت رجلا غفر لي زله، وَلَا أقالني عَثْرَة، وَلَا ستر لي عَورَة، وَلَا أمنته إِذا غضب. الْكَرِيم لَا يلين على قصر، وَلَا يقسو على يسر. الْمَرْأَة إِذا أحبتك آذتك، وَإِذا أبغضتك خانتك، فحبها أَذَى، وبغضها دَاء بِلَا دَوَاء. الْمَرْأَة تكْتم الْحبّ أَرْبَعِينَ سنة، وَلَا تكْتم البغض سَاعَة وَاحِدَة. وَالرجل على عكس هَذَا.

стр. 817

شاور رجل حكيماً فِي التَّزَوُّج فَقَالَ لَهُ: إياك وَالْجمال. وَأنْشد: وَلنْ تصادف مرعى ممرعاً أبدا ... إِلَّا وجدت بِهِ آثَار مَأْكُول قَالَ رجل: مَا دخل دَاري شَرّ قطّ. فَقَالَ حَكِيم: فَمن أَيْن دخلت امْرَأَتك؟ قيل لبَعض الْحُكَمَاء: مَا أحسن أَن يصبر الْإِنْسَان عَمَّا يَشْتَهِي. فَقَالَ: أحسن مِنْهُ أَلا يَشْتَهِي إِلَّا مَا يَنْبَغِي. قيل: شَرّ أَخْلَاق الرِّجَال الْجُبْن وَالْبخل وهما خير أَخْلَاق النِّسَاء. قيل: الممتحن كالمختنق؛ مَتى ازْدَادَ اضطراباً ازْدَادَ اختناقاً. قيل: إِذا رَأَيْت الزَّاهِد يستروح إِلَى طلب الرُّخص فَاعْلَم أَنه قد بدا لَهُ فِي الزّهْد. قيل: أجل مَا ينزل من السَّمَاء التَّوْفِيق، وَأجل مَا يصعد إِلَى السَّمَاء الْإِخْلَاص. قيل: كل مَال لَا ينْتَقل بانتقالك فَهُوَ كَفِيل. وَقيل: مَا دَار من يشتاق إِلَى السّفر بدار سَلامَة. قَالَ حَكِيم: من الَّذِي بلغ جسيماً فَلم يبطر، وَاتبع الْهوى فَلم يعطب، وجاور النِّسَاء فَلم يفتتن، وَطلب إِلَى اللئام فَلم يهن، وواصل الأشرار فَلم ينْدَم، وَصَحب السُّلْطَان فدامت سَلَامَته. ٤٠٩ - اثْنَان يهون عَلَيْهِمَا كل شَيْء؛ الْعَالم الَّذِي يعرف العواقب، وَالْجَاهِل الَّذِي يجهل مَا هُوَ فِيهِ. وَقيل: شَرّ من الْمَوْت مَا إِذا نزل تمنيت لنزوله الْمَوْت، وَخير من الْحَيَاة مَا

стр. 818

إِذا فقدته أبغضت لفقده الْحَيَاة. لتكن النوائب مِنْك ببال؛ فَأكْثر المكاره فِيمَا لم يحْتَسب. قَالَ سُفْيَان: مَا وضع أحد يَده فِي قَصْعَة غَيره إِلَّا ذل لَهُ وَقَالَ أَبُو حَمْزَة السكونِي: قَالَ لي أَبُو عبيد الله: من أكل من ثريدنا وطئنا رقبته. قَالَ رجل لمعروف: يَا أَبَا مَحْفُوظ، أتحرك لطلب الرزق أم أَجْلِس؟ قَالَ: لَا بل تحرّك؛ فَإِنَّهُ أصلح لَك. فَقَالَ: أمثلك يَقُول هَذَا يَا أَبَا مَحْفُوظ؟ فَقَالَ: مَا أَنا قلته وَلَا أمرت بِهِ، وَلَكِن الله تَعَالَى قَالَه وَأمر بِهِ حَيْثُ قَالَ لِمَرْيَم: " وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة تساقط عَلَيْك رطبا جنيا " وَلَو شَاءَ أَن ينزله عَلَيْهَا بِلَا هز لفعل. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت عِكْرِمَة بِبَاب بَلخ فَقلت لَهُ: مَا جَاءَ بك إِلَى هَهُنَا؟ فَقَالَ: بَنَاتِي. قَالَ وهب: الدَّرَاهِم خَوَاتِيم رب الْعَالمين بمعاش بني آدم؛ لَا تُؤْكَل وَلَا تشرب، وَأَيْنَ ذهبت بِخَاتم رَبك قضيت حَاجَتك. قيل لبَعْضهِم: لم تحب الدَّرَاهِم وَهِي تدنيك من الدُّنْيَا؟ قَالَ: هِيَ وَإِن أدنتني من الدُّنْيَا فقد صانتني عَنْهَا. قيل لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة: مَا أَشد حبك للدرهم! فَقَالَ: مَا أحب أَن يكون أحد أَشد حبا لما يَنْفَعهُ مني. قيل لبَعْضهِم: أَيْن بلغت فِي الْعُلُوم؟ قَالَ: إِلَى الْوُقُوف على الْقُصُور عَنْهَا. قَالُوا: الْمَرْأَة كالنعل، يلبسهَا الرجل إِذا شَاءَ هُوَ لَا إِذا شَاءَت. قَالَ ابْن السماك: الْكَمَال فِي خمس؛ أَلا يعيب الرجل أحدا بِعَيْب فِيهِ مثله حَتَّى يصلح ذَلِك الْعَيْب من نَفسه، فَإِنَّهُ لَا يفرغ من إصْلَاح عيب وَاحِد حَتَّى يهجم على آخر فتشغله عيوبه عَن عيب النَّاس، وَالثَّانيَِة أَلا يُطلق لِسَانه وَيَده حَتَّى يعلم أَفِي طَاعَة ذَاك أَو فِي مَعْصِيّة، وَالثَّالِثَة أَلا يلْتَمس من النَّاس إِلَّا مثل مَا يعطيهم من نَفسه، وَالرَّابِعَة أَن يسلم من النَّاس باستشعار مداراتهم، وتوفيتهم حُقُوقهم،

стр. 819

وَالْخَامِسَة أَن ينْفق الْفضل من مَاله ويمسك الْفضل من قَوْله. وَقَالَ آخر: عجبا لمن عومل فأنصف، إِذا عَامل كَيفَ يظلم، وأعجب مِنْهُ من عومل فظلم إِذا عَامل كَيفَ يظلم. قَالُوا: صديق الْبَخِيل من لم يجربه. قَالُوا: الصَّبْر مر، لَا يتجرعه إِلَّا حر. قرئَ من حجر منقور: من الْخَيط الضَّعِيف يفتل الْحَبل الحصيف، وَمن مقدحة صَغِيرَة تحرق سوق كَبِيرَة، وَمن لبنة لينَة تبنى مَدِينَة حَصِينَة. قيل: أبْصر النَّاس بعوار النَّاس المعوور. وَقَالَ بَعضهم: إِن الله تَعَالَى تفرد بالكمال، وَلم يعر أحدا من خلقه من النُّقْصَان. قيل لبَعْضهِم: مَتى يحمد الْغَنِيّ؟ قَالَ: إِذا اتَّصل بكرم. قيل: فَمَتَى تذم الفطنة؟ قَالَ: إِذا اقترنت بلؤم. قَالَ آخر: عجبا لمن قيل فِيهِ الْخَيْر وَلَيْسَ فِيهِ كَيفَ يفرح. عجبا لمن قيل فِيهِ الشَّرّ وَهُوَ فِيهِ كَيفَ يغْضب. ثَلَاث موبقات: الْكبر؛ فَإِنَّهُ حط إِبْلِيس عَن مرتبته، والحرص؛ فَإِنَّهُ أخرج آدم من الْجنَّة، والحسد فَإِنَّهُ دَعَا ابْن آدم إِلَى قتل أَخِيه. قَالَ ابْن السماك: الْفِطَام عَن الحطام شَدِيد. قَالُوا: إِذا أَقبلت الدُّنْيَا أَقبلت على حمَار قطوف مديني، وَإِذا أَدْبَرت أَدْبَرت على الْبراق. التؤدة حَسَنَة ٤١٠ فِي كل شَيْء إِلَّا فِي الْمَعْرُوف فَإِنَّهَا تنغصه. أصَاب متأمل أَو كَاد، وَأَخْطَأ مستعجل أَو كَاد. .

стр. 820

قيل لبَعْضهِم: كَيفَ لَا يجْتَمع المَال وَالْحكمَة؟ قَالَ: لعزة الْكَمَال. كَانَ يُقَال: لكل جَدِيد لَذَّة إِلَّا من الإخوان. الْعَجز عجزان: التَّقْصِير فِي طلب الْأَمر وَقد أمكن، وَالْجد فِي طلبه وَقد فَاتَ. قَالَ يزِيد بن أسيد: أسر السرُور قفلة على غَفلَة. قيل: سِتَّة لَا تخطئهم الكآبة: فَقير حَدِيث عهد بالغنى، ومكثر يخَاف على مَاله، وطالب مرتبَة فَوق قدرته، والحسود والحقود وخليط. أهل الْأَدَب وَهُوَ غير أديب. . قَالَ خَالِد بن صَفْوَان: من لم تكن لَهُ دَابَّة كثرت ألوان دوابه. قَالَ عبد الله بن أبي بكر: لَو كنت شَاعِرًا لبكيت على الْمُرُوءَة. وَقَالَ بَعضهم: طلبت الرَّاحَة لنَفْسي فَلم أجد شَيْئا أروح لَهَا من ترك مَا لَا يعنيها، وتوحشت فِي الْبَريَّة فَلم أر وَحْشَة أَشد من قرين سوء، وَشهِدت الزحوف وَلَقِيت الأقران فَلم أر قرنا أغلب للرجل من امْرَأَة سوء، وَنظرت إِلَى كل مَا يذل الْعَزِيز ويكسره فَلم أر شَيْئا أذلّ لَهُ وَلَا أكسر من الْفَاقَة. قَالُوا: أول أَمر الْعَاقِل آخر أَمر الْجَاهِل. قَالَ رجل لعبد الحميد: أَخُوك أحب إِلَيْك أم صديقك؟ قَالَ: إِنَّمَا أحب أخي إِذا كَانَ صديقا. قَالُوا: أَسْوَأ من فِي الْكَرِيم أَن يكف عَنْك خَيره، وَأحسن مَا فِي اللَّئِيم أَن يكف عَنْك شَره. كَانَ الْكِنْدِيّ يَقُول: المسترشد موتِي والمحترس ملقي. وَكَانَ يَقُول: العَبْد حر مَا قنع وَالْحر عبد مَا طمع. قيل لمُحَمد بن الجهم بعد مَا أَخذ من مَاله: أما تفكر فِي ذهَاب نِعْمَتك؟ فَقَالَ: لَا بُد من الزَّوَال؛ فَلِأَن تَزُول نعمتي وَأبقى خير من أَن أزول عَنْهَا وَتبقى.

стр. 821

قَالَ الشَّافِعِي: اغتنموا الفرصة فَإِنَّهَا خلس أَو غصص. أغْلظ سَفِيه لحليم فَقيل لَهُ: لم لم تغْضب؟ فَقَالَ: إِن كَانَ صَادِقا فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَن أغضب، وَإِن كَانَ كَاذِبًا فبالحري أَلا أغضب. قَالَ بَعضهم: مَا أحسن حسن الظَّن إِلَّا أَن مِنْهُ الْعَجز، وَمَا أقبح سوء الظَّن إِلَّا أَن فِيهِ الحزم. قَالَ قَيْصر: مَا الْحِيلَة فِيمَا أعيا إِلَّا الْكَفّ عَنهُ، وَلَا الرَّأْي فِيمَا لَا ينَال إِلَّا الْيَأْس مِنْهُ. قَالَ سهل بن هَارُون: مَا زلت أَدخل فِيمَا يرغب بِي عَنهُ مَتى اسْتَغْنَيْت عَمَّا يرغب لي فِيهِ. كَانَ يُقَال: الأحمق إِذا حدث ذهل، وَإِذا تكلم عجل، وَإِذا حمل على الْقَبِيح فعل. قيل: لَيْسَ الْمُوسر من ينقص على النَّفَقَة مَاله، وَلَكِن الْمُوسر من يزكو على الْإِنْفَاق مَاله. قَالَ أَبُو يُوسُف: إِثْبَات الْحجَّة على الْجَاهِل سهل وَلَكِن إِقْرَاره بهَا صَعب. قيل لبَعْضهِم: مَا الكلفة؟ قَالَ: طَلَبك مَا لَا يواتيك، ونظرك فِيمَا لَا يَعْنِيك قَالَ آخر: كَمَا أَن أواني الفخار تمتحن بأصواتها فَيعرف الصَّحِيح مِنْهَا من المنكسر، كَذَلِك يمْتَحن الْإِنْسَان بمنطقه فَيعرف حَاله وَأمره. قَالَ آخر: احْتِمَال الْفقر أحسن من احْتِمَال الذل على أَن الرِّضَا بالفقر قناعة وَالرِّضَا بالذل ضراعة. سمع بَعضهم رجلا يذكرهُ بِسوء فَقَالَ: مَا علم الله منا أَكثر مِمَّا تَقول. ابْن المقفع: إِن مِمَّا سخى بِنَفس الْعَاقِل عَن الدُّنْيَا علمه بِأَن الأرزاق لم تقسم على قدر الأخطار. قَالُوا: الدُّنْيَا حمقاء لَا تميل إِلَّا إِلَى أشباهها.

стр. 822

لما قبض ابْن عُيَيْنَة صلَة الْخَلِيفَة قَالَ: يَا أَصْحَاب الحَدِيث؛ قد وجدْتُم مقَالا فَقولُوا. مَتى رَأَيْت أَبَا عِيَال أَفْلح؟ وَقَالَ: كَانَت لنا هرة لَيْسَ لَهَا جراء فَكَانَت لَا تكشف الْقُدُور، وَلَا تعيث فِي الدّور، فَصَارَ لَهَا جراء فَكشفت عَن الْقُدُور، وأفسدت فِي الدّور. قَالَ بَعضهم: إِذا أَنا فعلت مَا أمرت بِهِ وَكَانَ خطأ لم أذمم عَلَيْهِ، وَإِذا فعلت مَا لم أومر بِهِ وَكَانَ صَوَابا لم أَحْمد عَلَيْهِ. قَالَ آخر مَا استنبط الصَّوَاب بِمثل المشورة، وَلَا حصنت النعم بِمثل الْمُوَاسَاة، وَلَا اكْتسبت البغضة بِمثل الْكبر. قيل لروح بن زنباع: مَا معنى الصّديق؟ قَالَ: هُوَ لفظ بِلَا معنى. يَعْنِي لعوزه. وَقَالَ آخر: السّفر ميزَان الْأَخْلَاق. قَالَ عَليّ بن عُبَيْدَة: الْعقل ملك والخصال رَعيته، فَإِذا ضعف عَن الْقيام عَلَيْهَا وصل الْخلَل إِلَيْهَا. قَالُوا: الْكذَّاب يخيف نَفسه وَهُوَ آمن. قَالَ بَعضهم: لَو لم أدع الْكَذِب تأثماً لتركته تكرماً. وَقَالَ آخر: لَو لم أدع الْكَذِب تعففاً لتركته تظرفاً. وَقَالَ آخر: لَو لم أدع الْكَذِب تحوباً لتركته تأدباً. وَقَالَ آخر: لَو لم أدع الْكَذِب تورعاً لتركته تصنعاً. كَانَ الثَّوْريّ يَقُول: النَّاس عدُول إِلَّا الْعُدُول. كَانَ بَعضهم يَقُول: اللَّهُمَّ احفظني من أصدقائي. فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ: إِنِّي أحفظ نَفسِي من أعدائي. قيل لبَعْضهِم: مَا الْمُرُوءَة؟ قَالَ: إِظْهَار الزي. قيل: فَمَا الفتوة؟ قَالَ: طَهَارَة السِّرّ. يحْكى ذَلِك عَن البوشنجي شيخ خُرَاسَان. سُئِلَ بَعضهم: أَي الرُّسُل أَحْرَى بالنجح؟ قَالَ: الَّذِي لَهُ جمال وعقل.

стр. 823

قَالُوا: الْحِيلَة اعطف المتجني أعْسر من نيل التَّمَنِّي. قَالَ ابْن السماك: لَوْلَا ثَلَاث لم يسل سيف وَلم يَقع حيف: سلك أدق من سلك، وَوجه أصبح من وَجه، ولقمة أسوغ من لقْمَة. قَالَ بكر بن عبد الله: مَا رَأَيْت أحدا إِلَّا رَأَيْت لَهُ الْفضل عَليّ؛ لِأَنِّي من نَفسِي على يَقِين وَأَنا من النَّاس فِي شكّ. قيل لِابْنِ هُبَيْرَة: مَا حد الأحمق؟ قَالَ: لَا حد لَهُ. أُتِي ابْن عون بِمَاء يصب على يَده قبل الطَّعَام فَقَالَ: مَا أَحسب غسل الْيَد قبل الطَّعَام إِلَّا من توقير النِّعْمَة. قَالَ بَعضهم: تَعْرِيف الْجَاهِل أيسر من تَقْرِير الْمُنكر. كَانَ بَعضهم يَقُول: مَا بَقِي أحد يأنف أَن يؤنف مِنْهُ. كل شَيْء إِذا كثر رخص؛ غير الْعقل فَإِنَّهُ إِذا كثر غلا. قَالَ آخر: يحسن الامتنان إِذا وَقع الكفران، وَلَوْلَا أَن بني إِسْرَائِيل كفرُوا النِّعْمَة مَا قَالَ الله تَعَالَى لَهُم: " اذْكروا نعمتي الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم " قيل لرجل مستهتر بِجمع المَال: مَا هَذَا كُله؟ قَالَ: إِنَّمَا أجمعه لروعة الزَّمَان، وجفوة السُّلْطَان، وبخل الإخوان، وَدفع الأحزان. قَالَ خَالِد بن صَفْوَان: أَنا لَا أصادق إِلَّا من يغْفر لي زللي، ويسد خللي، وَيقبل عللي. قَالَ بَعضهم: أول صناعَة الْكَاتِب كتمان السِّرّ. قَالُوا: الْخَوْف على ثَلَاثَة أنحاء: دين يخَاف معادا، وحر يخَاف عارا، وسفلة يخَاف ردعا. قَالَ عَليّ بن عُبَيْدَة: إِن أخذت عَفْو الْقُلُوب زكا ريعك، وَإِن استقصيت أكديت. قيل: الْحسن الْخلق قريب عِنْد الْبعيد، والسيئ الْخلق بعيد عِنْد أَهله.

стр. 824

قَالَ الثَّوْريّ: إِذا رَأَيْت الرجل مَحْمُودًا فِي جِيرَانه فَاعْلَم أَنه يداهنهم. قيل لحكيم: كَيفَ للْإنْسَان بألا يغْضب؟ قَالَ: ليكن ذَاكِرًا فِي كل وَقت أَنه لَيْسَ يجب أَن يطاع قطّ، بل أَن يُطِيع؛ وَأَنه لَيْسَ يجب أَن يحْتَمل خَطؤُهُ فَقَط، بل أَن يحْتَمل الْخَطَأ عَلَيْهِ؛ وَأَنه لَيْسَ يجب أَن يصبر عَلَيْهِ فَقَط، بل أَن يصبر هُوَ ٤١٢ أَيْضا؛ وَأَنه بِعَين الله دَائِما، فَإِنَّهُ إِذا فعل ذَلِك لم يغْضب، وَإِن غضب كَانَ غَضَبه أقل. قَالَ بَعضهم: الإفراط فِي الزِّيَارَة مُمل كَمَا أَن التَّفْرِيط فِيهَا مخل. قَالَ الْعُتْبِي: إِذا تناهى الْغم انْقَطع الدمع. وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن أدهم: أَنا مُنْذُ عشْرين سنة فِي طلب أَخ إِذا غضب لم يقل إِلَّا الْحق فَمَا أجد. وَقَالَ غَيره: إِذا ولى صديق لَك ولَايَة فَأَصَبْته على الْعشْر من صداقته فَلَيْسَ بِأَخ سوء. قصد ابْن السماك رجلا فِي حَاجَة لرجل فتعسر، فَقَالَ لَهُ: اعْلَم أَنِّي أَتَيْتُك فِي حَاجَة، وَإِن الطَّالِب وَالْمَطْلُوب إِلَيْهِ عزيزان إِن قضيت، وذليلان إِن لم تقض، فاختر لنَفسك عز الْبَذْل على ذل الْمَنْع، واختر لي عز النجح على ذل الرَّد. فقضاها لَهُ. وَقصد آخر مرّة فِي حَاجَة فتلوى، فكاد ينكل عَن الْكَلَام، ثمَّ سبق إِلَى معنى فخبره وَقَالَ للمسئول: أَخْبرنِي حِين غَدَوْت إِلَيْك فِي حَاجَتي، أحسن بك الظَّن، وأصوغ فِيك الثَّنَاء، وأتخير لَك الشُّكْر، وأمشي إِلَيْك بقدم الإجلال، وأكلمك بِلِسَان التَّوَاضُع، أصبت أم أَخْطَأت؟ قَالَ: فاقتحم الرجل وَقَالَ: بل أصبت. وَقضى حَاجته وَسَأَلَهُ المعاودة. قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة: قلت لعَلي بن الْهَيْثَم: مَا يجب للصديق؟ قَالَ: ثَلَاث خلال: كتمان حَدِيث الْخلْوَة، والمواساة عِنْد الشدَّة، وإقالة العثرة. قيل: سوء حمل الْغنى يُورث الْمَدْح، وَسُوء حمل الْفَاقَة قد بضع الشّرف. قيل: الْهوى شريك الْعَمى.

стр. 825

قيل لصوفي: مَا صناعتك؟ قَالَ: حسن الظَّن بِاللَّه وَسُوء الظَّن بِالنَّاسِ. ثَلَاثَة لم يمن بهَا أحد فَسلم: صُحْبَة السُّلْطَان، وإفشاء السِّرّ إِلَى النِّسَاء وَشرب السم للتجربة. لكل شَيْء مَحل، وَمحل الْعقل مجالسة النَّاس. أعجب الْأَشْيَاء بديهة أَمن وَردت فِي مقَام خوف. قَالَ ابْن المقفع: الْحِرْص مُحرمَة، والجبن مقتلة. فَانْظُر فِيمَن رَأَيْت أَو سَمِعت: من قتل فِي الْحَرْب مُقبلا أَكثر أم من قتل مُدبرا وَانْظُر من يطْلب بالإجمال والتكرم أَحَق أَن تسخو نَفسك لَهُ أم من يطْلب بالشره والحرص. قَالَ أَبُو بكر بن الْمُعْتَمِر: إِذا كَانَ الْعقل تِسْعَة أَجزَاء أحتاج إِلَى جُزْء من جهل ليقدم على الْأُمُور؛ فَإِن الْعَاقِل أبدا متوان مُتَوَقف مترقب متخوف. قيل: سِتَّة لَا يخطئهم الكآبة: فَقير قريب عهد بغنى، ومكثر يخَاف على مَاله، وطالب مرتبَة فَوق قدره، والحسود والحقود وخليط أهل الْأَدَب وَهُوَ غير أديب. قَالَ ابْن المقفع: عمل الرجل. بِمَا يعلم أَنه خطأ هوى، والهوى آفَة العفاف، وَتَركه للْعَمَل بِمَا يعلم أَنه صَوَاب تهاون، والتهاون آفَة الدّين. وإقدامه على مَا لَا يدْرِي أصواب هُوَ أم خطأ لجاج، واللجاج آفَة الْعقل. قَالُوا: مَا من مُصِيبَة إِلَّا وَمَعَهَا أعظم مِنْهَا؛ إِن جزع فالوزر، وَإِن صَبر فالثواب. قيل: ضعف الْعقل أَمَان من الْغم. لَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يمدح امْرَأَة حَتَّى تَمُوت، وَلَا يمدح طَعَاما حَتَّى يستمرئه، وَلَا يَثِق بخليل حَتَّى يستقرضه. لَيْسَ من حسن الْجوَار ترك الْأَذَى، وَلَكِن حسن الْجوَار الصَّبْر على الْأَذَى. لَا يتأدب العَبْد بالْكلَام إِذا وثق بِأَنَّهُ لَا يضْرب. مَا السَّيْف الصارم فِي كف شُجَاع بِأَعَز لَهُ من الصدْق.

стр. 826

إِذا كثرت خزان الْأَسْرَار ٤١٣ ضيَاعًا. ثَمَرَة القناعة الرَّاحَة، وَثَمَرَة التَّوَاضُع الْمحبَّة. الْكَرِيم يلين إِذا استعطف، واللئيم يقسو إِذا ألطف. أنكأ لعدوك أَلا تريه أَنَّك تتخذه عدوا. عذابان لَا يكترث لَهما: السّفر الْبعيد؛ وَالْبناء الْكَبِير. قَالُوا: " سَوف " جند من جنود إِبْلِيس أهلك بهَا بشرا كثيرا. وَقيل لبَعض الزهاد: أوصنا. فَقَالَ: إيَّاكُمْ " وسوف ". سُئِلَ بَعضهم: أَي الصدْق السُّكُوت عَنهُ أمثل؟ قَالَ: تَزْكِيَة الْمَرْء نَفسه. وَكَانَ يُقَال: ثَلَاثَة يؤثرون المَال على أنفسهم: تَاجر الْبَحْر، وَالْعَامِل بِالْأَجْرِ، والمرتشي على الحكم. قَالُوا: قبح الله الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا إِذا أَقبلت على الْإِنْسَان أَعطَتْهُ محَاسِن غَيره، وَإِذا أَدْبَرت عَنهُ سلبته محَاسِن نَفسه. أعجز النَّاس من قصر فِي طلب صديقه، وأعجز مِنْهُ من وجده فضيعه. قَالَ رجل لأبي عبيد الله: لَئِن أَصبَحت الدُّنْيَا بك مَشْغُولَة لتمسين مِنْك فارغة. فَقَالَ: أنْفق مَا يكون التَّعَب إِذا وعد كَذَّاب حَرِيصًا. اجْتمع عُلَمَاء الْعَرَب والعجم على أَنه لَا يدْرك نعم إِلَّا ببؤس، وَلَا رَاحَة إِلَّا بتعب. الْعَادَات قاهرات، فَمن اعْتَادَ شَيْئا فِي سره وخلواته فضحه فِي عَلَانِيَته وَعند الْمَلأ. قيل: المنى تخلق الْعقل، وتفسد الدّين، وتزرى بالقناعة. قَالَ قُتَيْبَة لحصين: مَا السرُور؟ قَالَ: عقل يقيمك، وَعلم يزينك وَولد يَسُرك، وَمَال يسعك، وَأمن يريحك، وعافية تجمع لَك المسرات.

стр. 827

أسر رجل إِلَى صديق لَهُ حَدِيثا فَلَمَّا استقصاه قَالَ لَهُ: أفهمت؟ قَالَ: بل نسيت. وَقيل لآخر: كَيفَ كتمانك للسر؟ فَقَالَ: أجحد للْخَبَر وأحلف للمستخبر. وَالْعرب تَقول: من ارتاد لسره فقد أذاعه. وَيُقَال: للقائل على السَّامع جمع البال، والكتمان، وَبسط الْعذر. قَالُوا: كَثْرَة السرَار من أَسْوَأ الْآدَاب. وَقَالُوا: الْأَخ الْبَار مغيض الْأَسْرَار. قيل لبَعْضهِم: إِن فلَانا لَا يكْتب، وَقَالَ: تِلْكَ الزمانة الْخفية. قَالَ بَعضهم: قديم لبحرمة وَحَدِيث التَّوْبَة يمحقان مَا بَينهمَا من الْإِسَاءَة. قَالُوا: ركُوب الْخَيل عز، وركوب البراذين ذلة، وركوب الْبَغْل مهرمة، وركوب الْحمير ذل. قَالُوا: أَربع يسودن العَبْد: الصدْق وَالْأَدب وَالْفِقْه وَالْأَمَانَة. قَالَ الزُّهْرِيّ: الْكَرِيم لَا تحكمه التجارب. قَالُوا: الْعقل يظْهر بالمعاملة، وشيم الرِّجَال تعرف بِالْولَايَةِ. قَالَ رجل من قُرَيْش لشيخ: عَلمنِي الْحلم. فَقَالَ: هُوَ الذل أفتصبر عَلَيْهِ؟ . وَيُقَال: مَا قل سُفَهَاء قوم إِلَّا ذلوا. قَالَ مُحَمَّد بن عمرَان التَّيْمِيّ: مَا شَيْء أَشد على الْإِنْسَان حملا من الْمُرُوءَة؟ قيل لَهُ: وَمَا الْمُرُوءَة؟ فَقَالَ: أَلا تعْمل فِي السِّرّ شَيْئا تَسْتَحي مِنْهُ فِي الْعَلَانِيَة. قَالَ أَكْثَم: الانقباض من النَّاس مكسبة للعداوة، وإفراط الْأنس مكسبة لقرناء السوء. قيل لِابْنِ أبي الزِّنَاد: لم تحب الدَّرَاهِم وَهِي تدنيك من الدُّنْيَا؟ فَقَالَ: إِنَّهَا وَإِن أدنتني مِنْهَا فقد صانتني عَنْهَا. قيل لبَعْضهِم: إِن فلَانا أَفَادَ مَالا عَظِيما. قَالَ: فَهَل أَفَادَ مَعَه أَيَّامًا يُنْفِقهُ فِيهَا؟ قيل لرجل: مَا لَك تنزل فِي الْأَطْرَاف؟ فَقَالَ: منَازِل الْأَشْرَاف فِي الْأَطْرَاف؛

стр. 828

يتناولهم من يريدهم بِالْحَاجةِ. قطيعة الْجَاهِل تعدل صلَة الْعَاقِل. قَالَ الشّعبِيّ: عِيَادَة النوكى أَشد على الْمَرِيض من وَجَعه ٤١٤. وَقَالَ أَبُو بكر بن عبد الله لقوم عادوه فَأَطَالُوا عِنْده الْقعُود: الْمَرِيض يُعَاد وَالصَّحِيح يزار. عزى رجل رجلا فَقَالَ: لَا أَرَاك الله بعد هَذِه الْمُصِيبَة مَا ينسيكها. وعزى رجل الرشيد فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، كَانَ لَك الْأجر لَا بك وَكَانَ العزاء لَك لَا عَنْك. كَانَ يُقَال: لَك ابْنك ريحانك سبعا، وخادمك سبعا، ثمَّ عَدو أَو صديق قَالَ الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان: أفضل الْعِصْمَة أَلا تَجِد. قيل لبَعض الْحُكَمَاء: مَا الشَّيْء الَّذِي لَا يحسن أَن يُقَال وَإِن كَانَ حَقًا؟ فَقَالَ: مدح الْإِنْسَان نَفسه. جلس بعض الزهاد إِلَى تَاجر ليَشْتَرِي مِنْهُ شَيْئا، فَمر بِهِ رجل يعرفهُ، فَقَالَ للتاجر: هَذَا فلَان الزَّاهِد فأرخص مَا تبيعه مِنْهُ. فَغَضب الزَّاهِد وَقَامَ وَقَالَ: إِنَّمَا جِئْنَا لنشتري بدراهمنا لَا بمذاهبنا. قيل لبَعْضهِم: مَا الشَّيْء الَّذِي لَا يَسْتَغْنِي عَنهُ فِي حَال من الْأَحْوَال؟ فَقَالَ: التَّوْفِيق. قيل لبَعض من يطْلب الْأَعْمَال: مَا تصنع؟ قَالَ: أخدم الرَّجَاء، حَتَّى ينزل الْقَضَاء. قَالَ بَعضهم: أوسع مَا يكون الْكَرِيم مغْفرَة، إِذا ضَاقَتْ بالمذنب المعذرة. قَالَ آخر: أمتع الجلساء الَّذِي إِذا عجبته عجب، وَإِذا فكهته طرب، وَإِذا أَمْسَكت تحدث، وَإِذا فَكرت لم يلمك. قيل لبَعْضهِم: مَتى يحمد الْغنى؟ قَالَ: إِذا اتَّصل بكرم. قيل: فَمَتَى تذم الفطنة؟ قَالَ: إِذا اقترنت بلؤم.

стр. 829

قَالَ بَعضهم: ستر مَا عاينته أحسن من إِشَاعَة مَا ظننته. قيل لجميل بن مرّة: مذ كم هجرت النَّاس قَالَ: مذ خمسين سنة. قيل لَهُ: لم ذَاك؟ قَالَ: صحبتهم أَرْبَعِينَ سنة، فَلم أر فيهم غافراً لزلة وَلَا راحماً لعبرة، وَلَا مقيلاً لعثرة، وَلَا ساتراً لعورة، وَلَا حَافِظًا لخلة، وَلَا صَادِقا فِي مَوَدَّة، وَلَا رَاعيا لزمام حُرْمَة، وَلَا صَادِقا فِي خَبره، وَلَا عادلاً فِي حُكُومَة؛ فَرَأَيْت الشّغل بهم حمقاً، والانقطاع عَنْهُم رشدا. كَانَ بَعضهم يَقُول: اللَّهُمَّ احفظني من أصدقائي. فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ: إِنِّي حَافظ نَفسِي من أعدائي. قَالَ آخر: إساءة المحسن أَن يمنعك جدواه، وإحسان الْمُسِيء أَن يكف عَنْك أَذَاهُ. قيل لعبد الله بن الْمُبَارك: مَا التَّوَاضُع؟ قَالَ: التكبر على المتكبرين. قيل: من لَا ينفذ تدبيرك عَلَيْهِ فِي إذلاله، فتوفر على توخي إجلاله. قَالَ الشَّافِعِي: مَا رفعت أحدا فَوق مَنْزِلَته إِلَّا حط مني بِقدر مَا رفعت مِنْهُ. قَالَ الْمسيب بن وَاضح: صَحِبت ابْن الْمُبَارك مقدمه من الْحَج فَقَالَ لي: يَا مسيب، مَا أَتَى فَسَاد الْعَامَّة إِلَّا من قبل الْخَاصَّة. قلت: وَكَيف ذَاك رَحِمك الله؟ قَالَ: لِأَن أمة مُحَمَّد ﵇ على طَبَقَات خمس: فالطبقة الأولى هم الزهاد، وَالثَّانيَِة الْعلمَاء، وَالثَّالِثَة الْغُزَاة، وَالرَّابِعَة التُّجَّار وَالْخَامِسَة الْوُلَاة. فَأَما الزهاد فهم مُلُوك هَذِه الْأمة، وَأما الْعلمَاء فهم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء، وَأما الْغُزَاة فهم أسياف الله ، وَأما التُّجَّار فهم الْأُمَنَاء، وَأما الْوُلَاة فهم الرُّعَاة. فَإِذا كَانَ الزَّاهِد طامعاً فالتائب بِمن يَقْتَدِي؟ وَإِذا كَانَ الْعَالم رَاغِبًا فالجاهل بِمن يَهْتَدِي؟ وَإِذا كَانَ الْغَازِي مرائياً فَمَتَى يظفر بالعدو؟ وَإِذا كَانَ التَّاجِر خائناً فعلام يؤتمن الخونة! وَإِذا كَانَ الرَّاعِي ذئباً فالشاة من يحفظها؟ قَالَ الْحُكَمَاء: خَمْسَة لَا تتمّ إِلَّا لقرنائها ٤١٥: الْجمال لَا يتم إِلَّا بالحلى، والحسب لَا يتم إِلَّا بالأدب، والغنى لَا يتم إِلَّا بالجود، والبطش لَا يتم إِلَّا بالجرأة، وَالِاجْتِهَاد لَا يتم إِلَّا بالتوفيق.

стр. 830

قيل لبَعْضهِم: مَتى تطيعك الدُّنْيَا؟ قَالَ: إِذا عصيتها. قَالَ آخر: رب مغبوط بِنِعْمَة هِيَ داؤه، وَرب مَحْسُود على حَال هِيَ بلاؤه، وَرب مَرْحُوم من سقم هُوَ شفاؤه. قَالُوا: إِذا أَرَادَ الله أَن يُسَلط على عَبده عدوا لَا يرحمه سلط عَلَيْهِ حَاسِدًا. وَكَانَ يُقَال فِي الدُّعَاء على الرجل: طَلَبك من لَا يقصر دون الظفر، وحسدك من لَا ينَام دون الشَّقَاء. قَالَ مُحَمَّد بن كَعْب: إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا زهده فِي الدُّنْيَا وفقهه فِي الدّين، وبصره عيوبه. قَالَ مَالك بن دِينَار: من طلب الْعلم لنَفسِهِ فالقليل يَكْفِي، وَمن طلبه للنَّاس فحوائج النَّاس كَثِيرَة. قَالَ رجل لآخر: إِنِّي أَتَيْتُك فِي حَاجَة فَإِن شِئْت قضيتها وَكُنَّا جَمِيعًا كريمين، وَإِن شِئْت منعتها وَكُنَّا جَمِيعًا لئيمين. قَالَ بعض النساك: قد أعياني أَن أنزل على رجل يعلم أَنِّي لَا آكل من رزقه شَيْئا. قيل: مثل شرب الدَّوَاء مثل الصابون للثوب ينقيه وَلَكِن يخلقه. كَانَ يُقَال: النّظر يحْتَاج إِلَى الْقبُول، والحسب إِلَى الْأَدَب، وَالسُّرُور إِلَى الْأَمْن، والقربى إِلَى الْمَوَدَّة، والمعرفة إِلَى التجارب، والشرف إِلَى التَّوَاضُع والنجدة إِلَى الْجد. قَالَ بَعضهم: أَعْنَاق الْأُمُور تشابه فِي الغيوب؛ قرب مَحْبُوب فِي مَكْرُوه ومكروه فِي مَحْبُوب. وَكم من مغبوط بِنِعْمَة هِيَ داؤه، ومرحوم من دَاء فِيهِ شفاؤه. وَقيل: رب خير فِي شَرّ، ونفع فِي ضرّ.

стр. 831

قَالَ ابْن المقفع: الْحَسَد خلق دني، وَمن دناءته أَنه يُوكل بالأقرب فَالْأَقْرَب. قَالَ قَتَادَة: لَو كَانَ أحد مكتفياً من الْعلم لاكتفى نَبِي الله مُوسَى ﵇ إِذْ قَالَ: " هَل أتبعك على أَن تعلمن وَمِمَّا علمت رشدا ". قَالَ دَغْفَل بن حَنْظَلَة: إِن للْعلم أَرْبعا: آفَة ونكداً وإضاعة واستجاعة فآفته النسْيَان، ونكده الْكَذِب، وإضاعته وَضعه فِي غير مَوْضِعه، واستجاعته أَنَّك لَا تشبع مِنْهُ. قَالَ أَبُو عُثْمَان الجاحظ: وَإِنَّمَا عَابَ الاستجاعة لِأَن الروَاة شغلوا عقولهما بالازدياد وَالْجمع عَن تحفظ مَا قد حصلوه، وتدبر مَا قد دونوه. قَالَ بَعضهم: عِيَادَة النوكى الْجُلُوس فَوق الْقدر، والمجيء فِي غير وَقت. قَالَ أَكْثَم بن صَيْفِي: مَا أحب أَن أكفى كل أَمر الدُّنْيَا. قَالُوا: وَإِن أسمنت وألبنت؟ قَالَ: نعم. أكره عَادَة الْعَجز. قَالَ أَبُو عُثْمَان: كتب شيخ من أهل الرّيّ على بَاب دَاره: جزى الله من لَا يعرفنا وَلَا نعرفه خيرا، فَأَما أصدقاؤنا الْخَاصَّة فَلَا جزاهم الله خيرا؛ فَإنَّا لم نُؤْت قطّ إِلَّا مِنْهُم. قيل لرجل من أهل الْبَصْرَة: مَالك لَا ينمى مَالك؟ قَالَ: لِأَنِّي اتَّخذت الْعِيَال قبل المَال، وَاتخذ النَّاس المَال قبل الْعِيَال. كَانَ خَالِد بن صَفْوَان يكره المزاح وَيَقُول: يُصِيب أحدهم أَخَاهُ ويصكه بأشد من الْحَدِيد، وأصلب من الجندل، ويفرغ عَلَيْهِ أحر من الْمرجل ثمَّ يَقُول إِنَّمَا مازحته. قَالَ إِبْرَاهِيم المحلمي: فِيك حِدة. فَقَالَ: أسْتَغْفر الله مِمَّا أملك وأستصلحه مَا لَا أملك. قيل لرجل: إِن فلَانا يشتمك. قَالَ: هُوَ فِي حل. قيل لَهُ: تحله وَقد

стр. 832

شتمك؟ فَقَالَ: مَا أحب أَن أثقل ميزاني بأوزار إخْوَانِي. قَالَ الغاضري: أَعْطَانَا الْمُلُوك الْآخِرَة طائعين، وأعطيناهم الدُّنْيَا كارهين. قَالَ بَعضهم: الصَّبْر عَن النِّسَاء أيسر من الصَّبْر عَلَيْهِنَّ. ذكرت الْعَامَّة للأوزاعي فَقَالَ: هِيَ كالبحر، إِذا هاج لم يسكنهُ إِلَّا الله. قَالَ بَعضهم لصَاحب لَهُ: إِذا كنت لَا ترْضى مني بالإساءة فَلم رضيت من نَفسك بالمكافأة؟ . قَالَ بَعضهم: كل شَيْء يحْتَاج إِلَى الْعقل، وَالْعقل يحْتَاج إِلَى التجربة. قيل لبَعْضهِم: مَا الصدْق؟ قَالَ: اسْم لَا يُوجد مَعْنَاهُ. كَانَ يُقَال: طول اللِّحْيَة أَمَان من الْعقل. قَالُوا: إِذا قعدت وَأَنت صَغِير حَيْثُ تحب، قعدت وَأَنت كَبِير حَيْثُ تكره. قَالَ بَعضهم: شَرّ المَال مَا لزمك إِثْم مكسبه، وَحرمت لَذَّة إِنْفَاقه. قيل للعتابي: مَا الْمُرُوءَة؟ فَقَالَ: ترك اللَّذَّة. قيل: فَمَا اللَّذَّة؟ قَالَ: ترك الْمُرُوءَة. قيل لصوفي: كَيفَ أَنْت؟ قَالَ: طلبت فَلم أرزق، وَحرمت فَلم أَصْبِر. قَالَ أَحْمد بن المعذل لِأَخِيهِ عبد الصَّمد: أَنْت كالإصبع الزَّائِدَة إِن تركت شانت، وَإِن قطعت آلمت. قَالَ بَعضهم: إِن الْغنى والعز خرجا يجولان فلقيا القناعة فاستقرا. قَالَ بَعضهم: أَنا بِالصديقِ آنس مني بالأخ. فَقَالَ لَهُ ابْن المقفع: صدقت:

стр. 833

الصّديق نسيب الرّوح، وَالْأَخ نسيب الْجِسْم. قَالَ أَبُو الْعَالِيَة الريَاحي: إِذا دخلت الْهَدِيَّة صر الْبَاب وضحكت الأسكفة. قَالُوا: جِزْيَة الْمُؤمن كِرَاء منزله، وعذابه سوء خلق امْرَأَته. سمع رجل رجلا يَقُول لصَاحبه: لَا أَرَاك الله مَكْرُوها. فَقَالَ: كَأَنَّك دَعَوْت على صَاحبك بِالْمَوْتِ. أما مَا صَاحب صَاحبك الدُّنْيَا فَلَا بُد لَهُ من أَن يرى مَكْرُوها. قَالَ معن بن زَائِدَة: مَا أَتَانِي رجل قطّ فِي حَاجَة فرددته عَنْهَا إِلَّا تبين لي غناهُ عني إِذا أدبر. قَالَ بعض الصُّوفِيَّة: بالخلق يُسْتَفَاد الْكَوْن، وبالخلق يُسْتَفَاد الْخلد. أَرَادَ ملك سفرا فَقَالَ: لَا يصحبني ضخم جبان، وَلَا حسن الْوَجْه لئيم، وَلَا صَغِير رغيب. نظر أَعْرَابِي إِلَى خَالِد بن صَفْوَان وَهُوَ يتَكَلَّم فَقَالَ: كَيفَ لم يسد هَذَا مَعَ بَيَانه؟ فَقَالَ خَالِد: منعتم مَالِي، وكرهت السَّيْف. يُقَال: الْوَعْد وَجه والإنجاز محاسنه. قَالُوا: الْهَالِك على الدُّنْيَا رجلَانِ: رجل نافس فِي عزها، وَرجل أنف من ذلها. قَالَ مَيْمُون: الطَّالِب فِي حِيلَة، وَالْمَطْلُوب فِي غَفلَة، وَالنَّاس مِنْهُمَا فِي شغل. كَانَ ابْن السماك يَقُول: دلا أَدْرِي أأوجر على ترك الْكَذِب أم لَا لِأَنِّي أتركه أَنَفَة. قيل: إِن الرمد لَا يُعَاد، وَالسَّبَب فِيهِ أَلا يرَاهُ العواد وَمَا فِي منزله وَهُوَ لَا يراهم.

стр. 834

قَالَ ابْن شهَاب: لَيْسَ بِكَذَّابٍ من دَرأ عَن نَفسه. قَالَ الْحجَّاج لِابْنِ قَرْيَة: مَا الأرب؟ قَالَ: الصَّبْر على كظم الغيظ حَتَّى تمكن الفرصة. قَالُوا: ثَلَاث لَا غربَة مَعَهُنَّ: مجانبة الريب، وَحسن الْأَدَب، وكف الْأَذَى. وَكَانَ يُقَال: عَلَيْكُم بالأدب، فَإِنَّهُ صَاحب فِي السّفر، ومؤنس فِي الْوحدَة، وجمال فِي المحفل، وَسبب إِلَى طلب الْحَاجة. قَالَ عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة: مَا أحسن الْحَسَنَات فِي آثَار السَّيِّئَات، وأقبح السَّيِّئَات فِي آثَار الْحَسَنَات، وأقبح من هَذَا وَأحسن من ذَاك السَّيِّئَات فِي آثَار السَّيِّئَات، والحسنات فِي آثَار الْحَسَنَات. قَالَ أَبُو إِدْرِيس الْخَولَانِيّ: الْمَسَاجِد مجَالِس الْكِرَام. قيل: الْمِنَّة ٤١٧ تهدم الصنيعة. وَكَانَ يُقَال: كتمان الْمَعْرُوف من الْمُنعم عَلَيْهِ كفر لَهُ، وَذكره من الْمُنعم تكدير لَهُ. كَانَ مَالك بن دِينَار يَقُول: مَا أَشد فطام الْكَبِير! كَانَ يُقَال: أنعم النَّاس عَيْشًا من عَاشَ فِي عيشة غَيره. قَالَ رجل لرجل من قُرَيْش: وَالله مَا أمل الحَدِيث. فَقَالَ: إِنَّمَا يمل الْعَتِيق. يرْوى عَن أَسمَاء بن خَارِجَة أَنه قَالَ: لَا أشاتم رجلا وَلَا أرد سَائِلًا، فَإِنَّمَا هُوَ كريم أَسد خلته، أَو لئيم أشترى عرضي مِنْهُ. كَانَ ابْن شبْرمَة إِذا نزلت بن نازلة قَالَ: سَحَابَة ثمَّ تتقشع. كَانَ يُقَال: أَربع من كنوز الْجنَّة: كتمان الْمُصِيبَة، وكتمان الصَّدَقَة، وكتمان الْفَاقَة: وكتمان الوجع. قيل: لَيْسَ للجوج تَدْبِير، وَلَا لسيىء الْخلق عَيْش، وَلَا لمتكبر صديق والْمنَّة تفْسد الصنيعة. كَانَ يُقَال: لَا يَنْبَغِي لعاقل أَن يشاور وَاحِدًا من خَمْسَة: الْقطَّان والغزال

стр. 835

والمعلم وراعي الضَّأْن وَلَا الرجل الْكثير المحادثة للنِّسَاء. وَقيل فِي مثل هَذَا: لَا تدع أم صبيك تضربه؛ فَإِنَّهُ أَعقل مِنْهَا وَإِن كَانَ طفْلا. قَالَ رجل لِابْنِ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: مَا ترك لَك أَبوك؟ قَالَ: ترك لي مَالا كثيرا. فَقَالَ: لَا أعلمك شَيْئا هُوَ خير لَك مِمَّا ترك أَبوك؟ إِنَّه لَا مَال لعاجز، وَلَا ضيَاع على حَازِم، وَالرَّقِيق جمال وَلَيْسَ بِمَال، فَعَلَيْك من المَال بِمَا يعولك وَلَا تعوله. وَقيل الخريم الناعم: مَا النِّعْمَة؟ فَقَالَ: الْأَمْن؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لخائف عَيْش؛ والغنى؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لفقير عَيْش. وَالصِّحَّة؛ فَإِنَّهُ لسقيم عَيْش قيل: ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ: لَا مزِيد بعْدهَا. قيل: خير الْكَلَام مَا أغْنى اختصاره عَن إكثاره. قيل: النمام سهم قَاتل. أَرَادَ رجل الْحَج، فَأتى شُعْبَة بن الْحجَّاج فودعه فَقَالَ لَهُ شُعْبَة: أما إِنَّك إِن لم ترى الْحلم ذلاً، والسفه أنفًا سلم حجك. روى عَن بعض الْأَئِمَّة أَنه قَالَ: الْإِنْصَاف رَاحَة، والإلحاح قحة، وَالشح شناعة، والتواني إِضَاعَة، وَالصِّحَّة بضَاعَة، والخيانة وضاعة، والحرص مفقرة، والدناءة محقرة، وَالْبخل غل، والفقر ذل، والسخاء قربَة، واللؤم غربَة، والذلة استكانة، وَالْعجز مهانة، وَالْأَدب رياسة، والحزم كياسة، وَالْعجب هَلَاك، وَالصَّبْر ملاك، والعجلة زلل، والإبطاء ملل. ثَلَاثَة أَشْيَاء لَا ثبات لَهَا: المَال فِي يَد من يبذر، وسحابة الصَّيف، وَغَضب العاشق. قيل للشبلي: مَا الْفرق بَين رق الْعُبُودِيَّة ورق الْمحبَّة؟ فَقَالَ: كم بَين عبد

стр. 836

إِذا أعتق صَار حرا، وَبَين عبد كل مَا أعتق ازْدَادَ رقا. قَالُوا: الزَّاهِد فِي الدِّينَار وَالدِّرْهَم أعز من الدِّينَار وَالدِّرْهَم. وَقيل لمُحَمد بن وَاسع: كَيفَ أَنْت؟ قَالَ: كَيفَ أكون، وَأَنا إِذا كنت فِي الصَّلَاة فَدخل إِنْسَان غَنِي أوسع لَهُ بِخِلَاف مَا أوسع للْفَقِير. سُئِلَ بَعضهم: أَيّمَا أَحْمد فِي الصَّبِي الْحيَاء أم الْخَوْف؟ فَقَالَ: الْحيَاء لِأَن الْحيَاء يدل على عقل وَالْخَوْف يدل على جبن. قَالُوا: رب حَرْب جنيت بِلَفْظِهِ، وَرب ود غرس بلحظة. شكا رجل إِلَى بشر بن الْحَارِث كَثْرَة الْعِيَال فَقَالَ لَهُ: فرغك فَلم تشكره، فعاقبك بِالشغلِ. كَانَ يُقَال: إِذا تزوج الرجل فقد ركب الْبَحْر، فَإِن ولد لَهُ فقد كسر بِهِ. قَالَ يُونُس بن عبيد: مَا سَمِعت بِكَلِمَات أحسن من كَلِمَات ثَلَاث قالهن ابْن سِيرِين ومورق الْعجلِيّ وَحسان بن أبي سِنَان أما ابْن سِيرِين فَقَالَ: مَا حسدت على شَيْء قطّ، وَأما مُورق فَقَالَ: ٤١٨ مَا قلت فِي الْغَضَب شَيْئا فندمت عَلَيْهِ فِي الرِّضَا. وَأما حسان فَقَالَ: مَا شَيْء أَهْون من الْوَرع؛ إِذا رَابَك شَيْء فَدَعْهُ. قَالَ ابْن مسعر: كنت أَمْشِي مَعَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فَسَأَلَهُ سَائل؛ فَلم يكن مَعَه مَا يُعْطِيهِ، فَبكى فَقلت لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّد؛ مَا يبكيك؟ قَالَ: وَأي مُصِيبَة أعظم من أَن يؤمل فِيك رجل خيرا فَلَا يُصِيبهُ مِنْك. قَالَ: كفى نصرا لمُؤْمِن أَن يرى عدوه يعْمل بمعاصي الله.

стр. 837

قيل: ثَلَاثَة تعرض فِي الأحمق: سرعَة الْجَواب، وَكَثْرَة الِالْتِفَات، والثقة بِكُل أحد. قيل: صَلَاح كل ذِي نعْمَة فِي خلاف مَا فسد عَلَيْهِ. قيل لبَعْضهِم: كم آكل؟ قَالَ: فَوق الشِّبَع. قَالَ: فكم أضْحك قَالَ: حَتَّى يسفر وَجهك وَلَا يسمع صَوْتك. قَالَ: فكم أبْكِي قَالَ: لَا تمل أَن تبْكي من خشيَة الله. قَالَ: فكم أُخْفِي من عَمَلي؟ قَالَ: حَتَّى يرى النَّاس أَنَّك لَا تعْمل حَسَنَة. قَالَ: فكم أظهر من عَمَلي؟ قَالَ: حَتَّى يَقْتَدِي بك الْبر ويؤمن عَلَيْك قَول النَّاس. الْعُزْلَة عَن النَّاس توفر الْعرض، وتبقي الْجَلالَة، وتستر الْفَاقَة وترفع مُؤنَة الْمُكَافَأَة. وَنعم صومعة الرجل بَيته، يكف فِيهِ سَمعه وبصره وَلسَانه ويقل فكره. أنعم النَّاس عَيْشًا من تحلى بالعفاف، ورضى بالكفاف وَتجَاوز مَا يخَاف إِلَى مَالا يخَاف. قيل لرجل: مَا السَّيِّد فِيكُم؟ قَالَ: الْبَاذِل لنداه، الْكَاف لأذاه، النَّاصِر لمَوْلَاهُ. قيل: التَّوَاضُع نعْمَة لَا يفْطن لَهَا الْحَاسِد. قَالَ خَالِد بن صَفْوَان: يَنْبَغِي للعاقل أَن يمْنَع معروفه الْجَاهِل واللئيم وَالسَّفِيه؛ أم الْجَاهِل فَلَا يعرف الْمَعْرُوف وَالشُّكْر، وَأما اللَّئِيم فأرض سبخَة لَا تنْبت وَلَا تصلح، وَأما السَّفِيه فَإِنَّهُ يَقُول: أَعْطَانِي فرقا من لساني. خير الْعَيْش مَالا يُطْغِيك وَلَا يُلْهِيك. قَالَ سعيد بن عبد الْعَزِيز: مَا ضرب الْعباد بِسَوْط أوجع من الْفقر. قَالَ فَيْرُوز بن حُصَيْن: إِذا أَرَادَ الله تَعَالَى أَن يزِيل عَن عبد نعْمَة كَانَ أول مَا يُغير مِنْهُ عقله. قيل لمُحَمد بن كَعْب الْقرظِيّ: مَا عَلامَة الخذلان؟ قَالَ: أَن يستقبح الْمَرْء من الْأَمر مَا كَانَ عِنْده حسنا ويستحسن مَا كَانَ عِنْده قبيحاً.

стр. 838

قَالَ شيخ من أهل الْمَدِينَة: المعرض بِالنَّاسِ أتقي صَاحبه وَلم يتق ربه. قيل لشيخ هم أَي شَيْء تشْتَهي؟ قَالَ: أسمع الْأَعَاجِيب. قَالُوا: عشر خِصَال فِي عشرَة أَصْنَاف أقبح مِنْهَا فِي غَيرهم: الضّيق فِي الْمُلُوك والغدر فِي الْأَشْرَاف، وَالْكذب فِي الْقَضَاء، والخديعة فِي الْعلمَاء، وَالْغَضَب فِي الْأَبْرَار، والحرص فِي الْأَغْنِيَاء، السَّفه فِي الشُّيُوخ وَالْمَرَض فِي الْأَطِبَّاء والتهزي فِي الْفُقَرَاء، وَالْفَخْر فِي الْقُرَّاء. قَالَ ابْن أبي ليلى: لَا أماري أخي فَأَما أَن أكذبه أَو أغضبهُ. قَالَ حضين بن الْمُنْذر: لَوَدِدْت أَن لي أساطين مَسْجِد الْجَامِع ذَهَبا وَفِضة لَا أنتفع مِنْهُ بِشَيْء. قيل لَهُ: لما يَا أَبَا ساسان؟ قَالَ: يخدمني وَالله عَلَيْهِ موقان الرِّجَال. قَالَ بَعضهم: خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فِي خَصْلَتَيْنِ: التقي والغني. وَشر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة خَصْلَتَيْنِ: الْفُجُور والفقر. سُئِلَ بعض الْحُكَمَاء: أَي النَّاس أَحَق أَن يتقى؟ قَالَ: الْعَدو وَالْقَوِي، وَالصديق المخادع، وَالسُّلْطَان والغشوم. قيل لرجل: مَا أذهب مَالك؟ فَقَالَ: شرائي مَا لَا أحتاج إِلَيْهِ، وبيعي على الضَّرُورَة. عَاد قوم أَعْرَابِيًا ٤١٦ وَقد بلغ مائَة وَخمسين سنة. فَسَأَلُوهُ عَن سنه فَأخْبرهُم فَقَالَ بَعضهم: عمر وَالله. فَقَالَ الشَّيْخ: لَا نقل ذَاك، فوَاللَّه لَو استكملتها لاستقللتها. قَالُوا: أَصْبِر النَّاس الَّذِي لَا يفشي سره إِلَى صديقه مَخَافَة أَن يَقع بَينهمَا شَيْء فيفشيه. قَالُوا: ثَمَانِيَة إِذا أهينوا فَلَا يلوموا إِلَّا أنفسهم: الْآتِي طَعَاما لم يدع إِلَيْهِ

стр. 839

والمتآمر على رب الْبَيْت فِي بَيته، وطالب الْمَعْرُوف من غير أَهله، وراجي الْفضل من اللئام، والداخل بَين اثْنَيْنِ لم يدْخلَاهُ، والمستخف بالسلطان، والجالس مَجْلِسا لَيْسَ لَهُ بِأَهْل، والمقبل بحَديثه على من لَا يسمعهُ. قَالُوا: ثَمَرَة القناعة الرَّاحَة، وَثَمَرَة التَّوَاضُع الْمحبَّة، وَثَمَرَة الصَّبْر الظفر. قَالَ بَعضهم: نَحن فِي دهر الْإِحْسَان فِيهِ من الْإِنْسَان زلَّة، والجميل غَرِيب، وَالْخَيْر بِدعَة، والشفقة ملق، وَالدُّعَاء صلَة، وَالثنَاء خداع، وَالْأَدب مَسْأَلَة، وَالْعلم شبكة، وَالدّين تلبيس، وَالْإِخْلَاص رِيَاء، وَالْحكمَة سفه، وَالْقَوْل هذر، والإطراق ترهب، وَالسُّكُوت نفاق، والبذل مُكَافَأَة، وَالْمَنْع حزم، والإنفاق تبذير. جلس رجل إِلَى سهل بن هَارُون فَجعل يسمعهُ كلَاما سخيفاً من صنوف الْهزْل، فَقَالَ لَهُ: تَنَح عني؛ فَإِنَّهُ لَا شَيْء أميل إِلَى ضِدّه من الْعقل. قيل لبَعض الْعلمَاء: أَي علق أنفس؟ فَقَالَ: عقل صرف إِلَيْهِ حَظّ. قَالُوا: الِاعْتِبَار يفيدك الرشاد؛ وَكَفاك أدباً لنَفسك مَا كرهت من غَيْرك. الْجزع من أعوان الزَّمَان. الْجُود حارس الْأَعْرَاض. وَالْعَفو زَكَاة الْقلب. اللطافة فِي الْحَاجة أجدى من الْوَسِيلَة. من أشرف أَفعَال الْكَرِيم غفلته عَمَّا يعلم. احْتِمَال نخوة الشّرف أَشد من احْتِمَال بطر الْغنى وذلة الْفقر مَانِعَة من الصَّبْر، كَمَا أَن عز الْغنى مَانع من كرم الْإِنْصَاف إِلَّا لمن كَانَ فِي غريزته فضل قُوَّة أَو أعراق تنازعه إِلَى بعد الهمة. قيل لبَعْضهِم: من أبعد النَّاس سفرا؟ قَالَ: من كَانَ فِي طلب صديق يرضاه. قَالَ يُونُس بن عبيد: أعياني شَيْئَانِ: دِرْهَم حَلَال وَأَخ فِي الله. قَالَ الْأَصْمَعِي: كل امْرِئ كَانَ ضره خَاصّا فَهُوَ نعْمَة عَامَّة، وكل امْرِئ كَانَ نَفعه خَاصّا فَهُوَ بلَاء عَام. استشارة الْأَعْدَاء من بَاب الخذلان.

стр. 840

قَالُوا: إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد هَلَاكًا أهلكه بِرَأْيهِ، وَمَا اسْتغنى أحد عَن المشورة إِلَّا هلك. قَالَ أَكْثَم بن صَيْفِي: الْحر لَا يكون صريع بَطْنه وَلَا فرجه. قيل: سِتّ خِصَال تعرف فِي الْجَاهِل: الْغَضَب من غير شَيْء، وَالْكَلَام من غير نفع، والعطية فِي غير مَوضِع، وَلَا يعرف صديقه من عدوه، وإفشاء السِّرّ، والثقة بِكُل أحد. قَالَ مُحَمَّد بن وَاسع: إِنِّي لأغبط الرجل لَيْسَ لَهُ شَيْء وَهُوَ رَاض عَن الله. قَالُوا: سوء الْعَادة كمين لَا يُؤمن. الْعَادة طبيعة ثَانِيَة. التجني وَافد القطيعة. مِنْك من نهاك، وَلَيْسَ مِنْك من أغراك. ياعجبا من غَفلَة الحساد عَن سَلامَة الأجساد. من سَعَادَة الْمَرْء أَن يطول عمره وَيرى فِي عدوه مَا يسره. تورث الضغائن كَمَا تورث الْأَمْوَال. كم من عَزِيز أذله خرقه، وعزيز أذله خلقه. لَا يصلح اللَّئِيم لأحد وَلَا يَسْتَقِيم إِلَّا من فرق أَو حَاج؛ فَإِذا اسْتغنى أَو ذهبت الْهَيْئَة عَاد إِلَى جوهره. ثَلَاثَة فِي الْمجْلس لَيْسُوا فِيهِ: الْمُسِيء الظَّن بأَهْله ٤٢٠ والضيق الْخُف، والحافر. قيل لبَعْضهِم: مَا أبقى الْأَشْيَاء فِي أنفس النَّاس؟ قَالَ: أما فِي أنفس الْعلمَاء فالندامة على الذُّنُوب، وَأما فِي أنفس السُّفَهَاء فالحقد. إِذا انْقَضى ملك الْقَوْم جبنوا فِي آرائهم. الضَّعِيف المحترس من الْعَدو الْقوي أقرب إِلَى السَّلامَة من الْقوي المغتر بالعدو الضَّعِيف.

стр. 841

الْحزن سوء استكانة وَالْغَضَب لؤم قدرَة. كل مَا يُؤْكَل ينتن، وكل مَا يُوهب يأرج. لَا يصعب على القوى حمل، وَلَا على اللبيب عمل، وَلَا على المتواضع أحد. الطرش فِي الْكِرَام، والهوج والشجاعة فِي الطوَال، والكيس فِي الْقصار والملاحة فِي الْحول، والنبل فِي الربعة، والذكاء فِي الخرس، وَالْكبر فِي العور، والبهت فِي العميان. بالكلفة يكْتَسب الأصدقاء وَبِكُل شَيْء يُمكن اكْتِسَاب الْأَعْدَاء. أفقر النَّاس أَكْثَرهم كسباً من حرَام؛ لِأَنَّهُ اسْتَدَانَ بالظلم مَا لَا بُد لَهُ من رده، وأنفد فِي اكتسابه أَيَّام عمره، وَمنعه فِي حَيَاته من حَقه، وَكَانَ خَازِنًا لغيره، وَاحْتمل الدّين على ظَهره، وطولب بِهِ فِي حِين فقره. الْأُم النَّاس من سعى بِإِنْسَان ضَعِيف إِلَى سُلْطَان جَائِر أعْسر الْحِيَل تَصْوِير الْبَاطِل فِي صُورَة الْحق عِنْد الْعَاقِل الْمُمَيز. الرِّيبَة ذل حَاضر، والغيبة لؤم بَاطِن. الْقلب الفارغ يبْحَث عَن السوء، وَالْيَد الفارغة تنَازع إِلَى الْإِثْم. لَا يصرف الْقَضَاء إِلَّا خَالق الْقَضَاء. لَا كثير مَعَ إِسْرَاف، وَلَا قَلِيل مَعَ احتراف، وَلَا ذَنْب مَعَ اعْتِرَاف. من كل شَيْء يقدر أَن يحفظ الْجَاهِل إِلَّا من نَفسه. المتعبد على غير فقه كحمار الرَّحَى يَدُور وَلَا يبرح. الْمحرم من طَال نَصبه، وَكَانَ لغيره مكسبه. كَيفَ يحب الدُّنْيَا من تغره، وتسوئه أَكثر مِمَّا تسرهُ.

стр. 842

مَعَ العجلة الخطار، وَرُبمَا خطئَ المخاطر بِالْقضَاءِ. شَرّ أَخْلَاق الرِّجَال الْبُخْل والجبن وهما خير أَخْلَاق النِّسَاء. إِذا جَاءَ زمَان الخذلان انعكست الْعُقُول. سَعَة السمحاء أحد الخصبين، وَكَثْرَة المَال عِنْد البخلاء أصعب الجدبين. من سوء الْأَدَب مؤانسة من احتشمك، وكشف خلة من سترهَا عنْدك، والنزوع إِلَى مشورة لم تدع إِلَيْهَا. قَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ: نعم الْقَوْم السُّؤَال؛ يدقون أبوابكم وَيَقُولُونَ: هَل توجهون إِلَى الْآخِرَة شَيْئا بِشَيْء؟ فِي الِاعْتِبَار غنى عَن الاختبار. غيظ الْبَخِيل على الْجواد أعجب من بخله. أذلّ النَّاس معتذر إِلَى لئيم. أَشْجَع النَّاس أثبتهم عقلا فِي بداهة الْخَوْف. قَالَ مطرف: المعاذر، والمعاتب مغاضب. قَالَ بَعضهم: الْمُرُوءَة يَهْدِمهَا الْيَسِير، لَا يبنيها إِلَّا الْكثير. قَالَ ابْن المقفع: الْمُرُوءَة بِلَا مَال كالأسد الَّذِي يهاب وَلم يفرس، وكالسيف الَّذِي يخَاف وَهُوَ مغمد، وَالْمَال بِلَا مُرُوءَة كَالْكَلْبِ الَّذِي يجْتَنب عقراً وَلم يعقر. وَقَالَ: اطْلُبُوا الْأَدَب؛ فَإِن كُنْتُم ملوكاً برزتم، وَإِن كُنْتُم وسطا فقتم وَإِن أعوزتم الْمَعيشَة عشتم بأدبكم. وَقَالَ أَبُو الْأسود: لَيْسَ شَيْء أعز من الْعلم، والملوك حكام على النَّاس وَالْعُلَمَاء حكام على الْمُلُوك.

стр. 843

وَقَالَ بَعضهم: لَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يكون إِلَّا فِي إِحْدَى منزلتين: إِمَّا فِي الْغَايَة القصوى من مطَالب الدُّنْيَا، وَإِمَّا فِي غَايَة القصوى من التّرْك لَهَا. من أفضل أَعمال الْبر الْجُود ٤٢١ فِي الْعسرَة، والصدق فِي الْغَضَب، وَالْعَفو عِنْد الْقُدْرَة. الْبُخْل خير من الْفقر، وَالْمَوْت خير من الْبُخْل. قَالَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ: إِن الله أنعم على الْعباد بِقدر قدرته، وكلفهم من الشُّكْر بِقدر طاقتهم. قَالَ مُحَمَّد بن حَرْب الْهِلَالِي: وجدت الْعَيْش فِي ثَلَاث: فِي صديق لَا يتَعَلَّم فِي صداقتك مَا يرصد بِهِ عداوتك، وَفِي امْرَأَة تسرك إِذا دخلت عَلَيْهَا وَتحفظ غيبك إِذا غبت عَنْهَا، وَفِي مَمْلُوك يَأْتِي على مَا فِي نَفسك كَأَنَّهُ قد علم مَا تُرِيدُ. قَالُوا: تحْتَاج الْقَرَابَة إِلَى مَوَدَّة وَلَا تحْتَاج الْمَوَدَّة إِلَى قرَابَة. مُخَالطَة الأشرار خطر، والصابر على صحبتهم كراكب الْبَحْر الَّذِي إِن سلم بِبدنِهِ من التّلف، لم يسلم بِقَلْبِه من الحذر. لَا يلْعَب الهموم إِلَّا مُرُور الْأَيَّام ولقاء الإخوان. شَرّ النَّاس من ضايق جليسه وَصديقه فِيمَا لَا يضرّهُ وَلَا يَنْفَعهُ. لأخيك عَلَيْك إِذا حزبه أَمر أَن تُشِير عَلَيْهِ بِالرَّأْيِ مَا أطاعك، وتبذل لَهُ النُّصْرَة إِذا عصاك. سُئِلَ خَالِد بن صَفْوَان عَن ابْن لَهُ فَقَالَ: كفاني أَمر دنياي، وفرغني لأمر آخرتي. قَالُوا الْغَيْبَة ربيع اللئام. أطول النَّاس نصبا الْحَرِيص إِذا طمع، والحقود إِذا منع. ثَلَاثَة أَشْيَاء يَنْبَغِي للمرء أَن يدْفع شينها بِمَا قدر عَلَيْهِ: فورة الْغَضَب وكلب الْحِرْص، وَعلل الْبُخْل.

стр. 844

الشريف يقبل دون حَقه، وَيُعْطى فَوق الْحق الَّذِي عَلَيْهِ. من العجيب أَن يفشي الْإِنْسَان سره ويستكتم غَيره. يَنْبَغِي للرجل أَن يكون ضنيناً بِالْكَذِبِ، فَإِن احْتَاجَ إِلَيْهِ نَفعه. الحسود غَضْبَان على الْقدر وَالْقدر لَا يعتبه.

стр. 845

الْبَاب الْخَامِس جنس آخر من الْأَدَب وَالْحكم وَهُوَ مَا جَاءَ لَفظه على لفظ الْأَمر وَالنَّهْي كَانَ يُقَال: إِذا غضب الْكَرِيم فألن لَهُ الْكَلَام، وَإِذا غضب اللَّئِيم فَخذ لَهُ الْعَصَا. وَقَالَ بَعضهم: غضب الْعَاقِل فِي فعله، وَغَضب الْجَاهِل فِي قَوْله. قَالَ بَعضهم وَقد رأى رجلا يتَكَلَّم فيكثر: أنصف أذنيك من فمك؛ فَإِنَّمَا جعل لَك أذنان وفم وَاحِد لتسمع أَكثر مِمَّا تَقول. قَالُوا: دع المعاذر فَإِن أَكْثَرهَا مفاجر. وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: دع الِاعْتِذَار فَإِنَّهُ يخالطه الْكَذِب. قَالُوا: مَكْتُوب فِي الْحِكْمَة: اشكر لمن أنعم عَلَيْك، وأنعم على من شكرك. قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: سل مَسْأَلَة الحمقى، واحفظ حفظ الأكياس يَعْنِي الْعلم. قَالُوا: مروا الْأَحْدَاث بالمراء، والكهول بالفكر، والشيوخ بِالصَّمْتِ. وَقَالَ: عود نَفسك الصَّبْر على جليس السوء؛ فَإِنَّهُ لَا يكَاد يخطئك. قَالَ حَاتِم لعدي ابْنه: يَا بني إِنِّي رَأَيْت الشَّرّ يتركك إِن تركته، فَاتْرُكْهُ. وَكَانَ يُقَال: لَا تَطْلُبُوا الْحَاجة إِلَى ثَلَاثَة: إِلَى كذوب، فَإِنَّهُ يقربهَا وَإِن كَانَت
следующие страницы →