Полный текст (1 737 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
الْحزن سوء استكانة وَالْغَضَب لؤم قدرَة. كل مَا يُؤْكَل ينتن، وكل مَا يُوهب يأرج. لَا يصعب على القوى حمل، وَلَا على اللبيب عمل، وَلَا على المتواضع أحد. الطرش فِي الْكِرَام، والهوج والشجاعة فِي الطوَال، والكيس فِي الْقصار والملاحة فِي الْحول، والنبل فِي الربعة، والذكاء فِي الخرس، وَالْكبر فِي العور، والبهت فِي العميان. بالكلفة يكْتَسب الأصدقاء وَبِكُل شَيْء يُمكن اكْتِسَاب الْأَعْدَاء. أفقر النَّاس أَكْثَرهم كسباً من حرَام؛ لِأَنَّهُ اسْتَدَانَ بالظلم مَا لَا بُد لَهُ من رده، وأنفد فِي اكتسابه أَيَّام عمره، وَمنعه فِي حَيَاته من حَقه، وَكَانَ خَازِنًا لغيره، وَاحْتمل الدّين على ظَهره، وطولب بِهِ فِي حِين فقره. الْأُم النَّاس من سعى بِإِنْسَان ضَعِيف إِلَى سُلْطَان جَائِر أعْسر الْحِيَل تَصْوِير الْبَاطِل فِي صُورَة الْحق عِنْد الْعَاقِل الْمُمَيز. الرِّيبَة ذل حَاضر، والغيبة لؤم بَاطِن. الْقلب الفارغ يبْحَث عَن السوء، وَالْيَد الفارغة تنَازع إِلَى الْإِثْم. لَا يصرف الْقَضَاء إِلَّا خَالق الْقَضَاء. لَا كثير مَعَ إِسْرَاف، وَلَا قَلِيل مَعَ احتراف، وَلَا ذَنْب مَعَ اعْتِرَاف. من كل شَيْء يقدر أَن يحفظ الْجَاهِل إِلَّا من نَفسه. المتعبد على غير فقه كحمار الرَّحَى يَدُور وَلَا يبرح. الْمحرم من طَال نَصبه، وَكَانَ لغيره مكسبه. كَيفَ يحب الدُّنْيَا من تغره، وتسوئه أَكثر مِمَّا تسرهُ.
стр. 842
مَعَ العجلة الخطار، وَرُبمَا خطئَ المخاطر بِالْقضَاءِ. شَرّ أَخْلَاق الرِّجَال الْبُخْل والجبن وهما خير أَخْلَاق النِّسَاء. إِذا جَاءَ زمَان الخذلان انعكست الْعُقُول. سَعَة السمحاء أحد الخصبين، وَكَثْرَة المَال عِنْد البخلاء أصعب الجدبين. من سوء الْأَدَب مؤانسة من احتشمك، وكشف خلة من سترهَا عنْدك، والنزوع إِلَى مشورة لم تدع إِلَيْهَا. قَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ: نعم الْقَوْم السُّؤَال؛ يدقون أبوابكم وَيَقُولُونَ: هَل توجهون إِلَى الْآخِرَة شَيْئا بِشَيْء؟ فِي الِاعْتِبَار غنى عَن الاختبار. غيظ الْبَخِيل على الْجواد أعجب من بخله. أذلّ النَّاس معتذر إِلَى لئيم. أَشْجَع النَّاس أثبتهم عقلا فِي بداهة الْخَوْف. قَالَ مطرف: المعاذر، والمعاتب مغاضب. قَالَ بَعضهم: الْمُرُوءَة يَهْدِمهَا الْيَسِير، لَا يبنيها إِلَّا الْكثير. قَالَ ابْن المقفع: الْمُرُوءَة بِلَا مَال كالأسد الَّذِي يهاب وَلم يفرس، وكالسيف الَّذِي يخَاف وَهُوَ مغمد، وَالْمَال بِلَا مُرُوءَة كَالْكَلْبِ الَّذِي يجْتَنب عقراً وَلم يعقر. وَقَالَ: اطْلُبُوا الْأَدَب؛ فَإِن كُنْتُم ملوكاً برزتم، وَإِن كُنْتُم وسطا فقتم وَإِن أعوزتم الْمَعيشَة عشتم بأدبكم. وَقَالَ أَبُو الْأسود: لَيْسَ شَيْء أعز من الْعلم، والملوك حكام على النَّاس وَالْعُلَمَاء حكام على الْمُلُوك.
стр. 843
وَقَالَ بَعضهم: لَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يكون إِلَّا فِي إِحْدَى منزلتين: إِمَّا فِي الْغَايَة القصوى من مطَالب الدُّنْيَا، وَإِمَّا فِي غَايَة القصوى من التّرْك لَهَا. من أفضل أَعمال الْبر الْجُود ٤٢١ فِي الْعسرَة، والصدق فِي الْغَضَب، وَالْعَفو عِنْد الْقُدْرَة. الْبُخْل خير من الْفقر، وَالْمَوْت خير من الْبُخْل. قَالَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ: إِن الله أنعم على الْعباد بِقدر قدرته، وكلفهم من الشُّكْر بِقدر طاقتهم. قَالَ مُحَمَّد بن حَرْب الْهِلَالِي: وجدت الْعَيْش فِي ثَلَاث: فِي صديق لَا يتَعَلَّم فِي صداقتك مَا يرصد بِهِ عداوتك، وَفِي امْرَأَة تسرك إِذا دخلت عَلَيْهَا وَتحفظ غيبك إِذا غبت عَنْهَا، وَفِي مَمْلُوك يَأْتِي على مَا فِي نَفسك كَأَنَّهُ قد علم مَا تُرِيدُ. قَالُوا: تحْتَاج الْقَرَابَة إِلَى مَوَدَّة وَلَا تحْتَاج الْمَوَدَّة إِلَى قرَابَة. مُخَالطَة الأشرار خطر، والصابر على صحبتهم كراكب الْبَحْر الَّذِي إِن سلم بِبدنِهِ من التّلف، لم يسلم بِقَلْبِه من الحذر. لَا يلْعَب الهموم إِلَّا مُرُور الْأَيَّام ولقاء الإخوان. شَرّ النَّاس من ضايق جليسه وَصديقه فِيمَا لَا يضرّهُ وَلَا يَنْفَعهُ. لأخيك عَلَيْك إِذا حزبه أَمر أَن تُشِير عَلَيْهِ بِالرَّأْيِ مَا أطاعك، وتبذل لَهُ النُّصْرَة إِذا عصاك. سُئِلَ خَالِد بن صَفْوَان عَن ابْن لَهُ فَقَالَ: كفاني أَمر دنياي، وفرغني لأمر آخرتي. قَالُوا الْغَيْبَة ربيع اللئام. أطول النَّاس نصبا الْحَرِيص إِذا طمع، والحقود إِذا منع. ثَلَاثَة أَشْيَاء يَنْبَغِي للمرء أَن يدْفع شينها بِمَا قدر عَلَيْهِ: فورة الْغَضَب وكلب الْحِرْص، وَعلل الْبُخْل.
стр. 844
الشريف يقبل دون حَقه، وَيُعْطى فَوق الْحق الَّذِي عَلَيْهِ. من العجيب أَن يفشي الْإِنْسَان سره ويستكتم غَيره. يَنْبَغِي للرجل أَن يكون ضنيناً بِالْكَذِبِ، فَإِن احْتَاجَ إِلَيْهِ نَفعه. الحسود غَضْبَان على الْقدر وَالْقدر لَا يعتبه.
стр. 845
الْبَاب الْخَامِس جنس آخر من الْأَدَب وَالْحكم وَهُوَ مَا جَاءَ لَفظه على لفظ الْأَمر وَالنَّهْي
كَانَ يُقَال: إِذا غضب الْكَرِيم فألن لَهُ الْكَلَام، وَإِذا غضب اللَّئِيم فَخذ لَهُ الْعَصَا. وَقَالَ بَعضهم: غضب الْعَاقِل فِي فعله، وَغَضب الْجَاهِل فِي قَوْله. قَالَ بَعضهم وَقد رأى رجلا يتَكَلَّم فيكثر: أنصف أذنيك من فمك؛ فَإِنَّمَا جعل لَك أذنان وفم وَاحِد لتسمع أَكثر مِمَّا تَقول. قَالُوا: دع المعاذر فَإِن أَكْثَرهَا مفاجر. وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: دع الِاعْتِذَار فَإِنَّهُ يخالطه الْكَذِب. قَالُوا: مَكْتُوب فِي الْحِكْمَة: اشكر لمن أنعم عَلَيْك، وأنعم على من شكرك. قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: سل مَسْأَلَة الحمقى، واحفظ حفظ الأكياس يَعْنِي الْعلم. قَالُوا: مروا الْأَحْدَاث بالمراء، والكهول بالفكر، والشيوخ بِالصَّمْتِ. وَقَالَ: عود نَفسك الصَّبْر على جليس السوء؛ فَإِنَّهُ لَا يكَاد يخطئك. قَالَ حَاتِم لعدي ابْنه: يَا بني إِنِّي رَأَيْت الشَّرّ يتركك إِن تركته، فَاتْرُكْهُ. وَكَانَ يُقَال: لَا تَطْلُبُوا الْحَاجة إِلَى ثَلَاثَة: إِلَى كذوب، فَإِنَّهُ يقربهَا وَإِن كَانَت
стр. 846
بعيدَة ويباعدها وَهِي قريبَة، وَلَا إِلَى أَحمَق، فَإِنَّهُ يُرِيد أَن ينفعك فيضرك؛ وَلَا إِلَى رجل لَهُ إِلَى صَاحب الْحَاجة حَاجَة، فَإِنَّهُ يَجْعَل حَاجَتك وقاية لِحَاجَتِهِ وَقَالُوا: لَا تصرف ٤٢٢ حَاجَتك إِلَى من معيشته من رُؤُوس المكاييل وألسنة الموازين. وَكَانَ يُقَال: إياك وَصدر الْمجْلس وَإِن صدرك صَاحبه، فَإِنَّهُ مجْلِس قلعة. قَالُوا: احْذَرُوا صولة الْكَرِيم إِذا جَاع، واللئيم إِذا شبع. قَالَ بَعضهم: سرك دمك، فَلَا تجرينه فِي غير أوداجك. كَانَ يُقَال: إياك وَعزة الْغَضَب، فَإِنَّهَا تصيرك إِلَى ذلة الِاعْتِذَار. قَالَ بَعضهم: إِذا أرْسلت لتأتي ببعر فَلَا تأت بثمر، فيؤكل تمرك، وتعنف على خِلافك. قَالُوا: إِذا وَقع فِي يدك يَوْم السرُور فَلَا تخله فَإنَّك إِذا وَقعت فِي يَد يَوْم الْغم لم يخلك. قَالَ آخر: احفظ سيئك مِمَّن لَا تنشده. أَي مِمَّن تَسْتَحي أَن تسأله عَنهُ. وَمثله لِابْنِ المقفع: احذر من تأمن فَإنَّك مِمَّن تخَاف على حذر. قَالُوا: إِذا أردْت أَن تؤاخي رجلا فَانْظُر من عدوه. وَإِذا أردْت أَن تعادي رجلا فَانْظُر من وليه. قيل: إِذا قلدت أحدا مهما فَعجل لَهُ مَنْفَعَة، وأجمل لَهُ فِي الْعدة، وابسط لَهُ فِي الْمنية. قَالَ بَعضهم: الانقباض من النَّاس مكسبة للعداوة، والانبساط مجلبة لقرين السوء، فَكُن بَين المنقبض والمسترسل؛ فَإِن خير الْأُمُور أوساطها. كَانَ يُقَال: اجْعَل عمرك كَنَفَقَة دفعت إِلَيْك، فَأَنت لَا تحب أَن يذهب مَا تنْفق ضيَاعًا، فَلَا تذْهب عمرك ضيَاعًا.
стр. 847
قيل: من أظهر شكرك فِيمَا لم تأت إِلَيْهِ فاحذر أَن يكفرك فِيمَا أسديت إِلَيْهِ. لَا تستعن فِي حَاجَتك بِمن هُوَ للمطلوب أنصح مِنْهُ لَك. لَا يؤمننك من شَرّ جَاهِل قرَابَة وَلَا إلْف، فَإِن أخوف مَا تكون لحريق النَّار أقرب مَا تكون مِنْهَا. لَا ترفع نَفسك عَن شَيْء قربك إِلَى رئيسك. كن فِي الْحِرْص على تفقد عيبك كعدوك. عَلَيْك بِسوء الظَّن فَإِن أصَاب فالحزم، وَإِن أَخطَأ فالسلامة. رضَا النَّاس غَايَة لَا تدْرك، فتحر الْخَيْر بجهدك، وَلَا تكره سخط من يرضيه الْبَاطِل. إِذا رَأَيْت الرجل على بَاب القَاضِي من غير حَاجَة فاتهمه. رأى رجل ابْنه يماكس فِي ابتياع لحم، فَقَالَ: يَا بني، ساهل فَمَا تضيعه من عرضك أَكثر مِمَّا تناله من غرضك. وَقَالَ بَعضهم: الدّين رق، فَلَا تبذل رقك لمن لَا يعرف حَقك. وَقَالَ بَعضهم: احذر كل الحذر أَن يخدعك الشَّيْطَان فيمثل لَك التواني فِي صُورَة التَّوَكُّل، ويورثك الهوينا بالإحالة على الْقدر، فَإِن الله أمرنَا بالتوكل عِنْد انْقِطَاع الْحِيَل، وبالتسليم للْقَضَاء بعد الْإِعْذَار فَقَالَ: " خُذُوا حذركُمْ. وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " وَقَالَ النَّبِي ﵇: " اعقل وتوكل ". قَالُوا: لتكن عنايتك بِحِفْظ مَا اكتسبته كعنايتك باكتسابه، وَلَا تصْحَب غَنِيا؛ فَإنَّك إِن ساويته فِي الْإِنْفَاق أضرّ بك، وَإِن تفضل عَلَيْك استذلك. إِذا سَأَلت كَرِيمًا حَاجَة فَدَعْهُ يتفكر؛ فَإِنَّهُ لَا يفكر إِلَّا فِي خير. وَإِذا سَأَلت لئيماً حَاجَة فغافصه وَلَا تَدعه يتفكر فيتغير. وَفِي ضد ذَلِك:
стр. 848
إِذا سَأَلت لئيماً حَاجَة فَأَجله حَتَّى يروض نَفسه. الْعَدو عدوان: عَدو ظلمته، وعدو ظلمك. . فَإِن اضطرك الدَّهْر إِلَى أَحدهمَا فَاسْتَعِنْ بِالَّذِي ظلمك؛ فَإِن الآخر موتور. لَا تستصغرن أَمر عَدوك إِذا حاربته، لِأَنَّك إِن ظَفرت بِهِ لم تحمد، وَإِن ظفر بك لم يعْذر، والضعيف المحترس من الْعَدو الْقوي أقرب إِلَى السَّلامَة من الْقوي ٤٢٣ المغتر بالضعيف. لَا تصْحَب من تحْتَاج أَن مَا يعرفهُ الله مِنْك. صن الاسترسال مِنْك حَتَّى تَجِد لَهُ مُسْتَحقّا، وَاجعَل أنسك آخر مَا تبذله من ودك. لَا تسل غير الله فَإِنَّهُ إِن أَعْطَاك أَغْنَاك. الصاحب كالرقعة فِي الثَّوْب فالتمسه مشاكلاً. إياك وَكَثْرَة الإخوان؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤْذِيك إِلَّا من يعرفك. قَالَ بَعضهم: لَا تسبوا الغوغاء؛ فَإِنَّهُم يطفئون الْحَرِيق، وَيخرجُونَ الغريق؛ ويسدون البثوق. قَالَ ابْن السماك: دع الْيَمين لله إجلالاً، وَلِلنَّاسِ جمالاً، وَاعْلَم أَن الْعَادَات قاهرات، فَمن اعْتَادَ شَيْئا فِي سره فضحه فِي عَلَانِيَته. قَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن مُصعب: إِذا كَانَ لَك صديق فَلم تحمد إخاءه ومودته فَلَا تظهر ذَلِك للنَّاس؛ فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَة السَّيْف الكليل فِي منزل الرجل، ويرهب بِهِ عدوه، وَلَا يعلم الْعَدو أقاطع هُوَ أم كليل. قَالُوا: دع الذُّنُوب قبل أَن تدعك. كَانَ مُعَاوِيَة بن الْحَارِث يَقُول: لَا يطمعن الخب فِي كَثْرَة الصّديق، وَلَا ذُو الْكبر فِي حسن الثَّنَاء.
стр. 849
قيل: من مدحك بِمَا لَيْسَ فِيك فَلَا تأمن بَهته لَك، وَمن أظهر لَك شكر مَا لم تأت فاحذر أَن يكفر نِعْمَتك. قَالَ عبد الحميد: لَا تركب الْحمار؛ فَإِنَّهُ إِن كَانَ فارهاً أتعب يدك، وَإِن كَانَ بليداً أتعب رجلك. كَانَ ابْن المقفع يَقُول: إِذا نزل بك مَكْرُوه فَانْظُر، فَإِن كَانَ لَهُ حِيلَة فَلَا تعجز، وَإِن كَانَ مِمَّا لَا حِيلَة فِيهِ فَلَا تجزع. قَالَ آخر: تصفح طلاب حكمك، كَمَا تتصفح خطاب حَرمك. قَالَ آخر: تعلمُوا الْعلم فَإِنَّهُ زين للغني، وَعون للْفَقِير. إِنِّي لَا أَقُول يطْلب بِهِ وَلَكِن يَدعُوهُ إِلَى القناعة. لَا ترض قَول أحد حَتَّى ترْضى فعله، وَلَا ترض فعل أحد حَتَّى ترْضى عقله، وَلَا ترض عقل أحد حَتَّى ترْضى حياءه؛ فَإِن ابْن آدم مطبوع على كرم ولؤم، فَإِذا قوي الْحيَاء قوي الْكَرم، وَإِذا ضعف الْحيَاء قوي اللؤم. تعلمُوا الْعلم وَإِن لم تنالوا بِهِ حظاً؛ فَلِأَن يذم الزَّمَان لكم أحسن من أَن يذم بكم. اجْعَل سرك إِلَى وَاحِد ومشورتك إِلَى ألف. قَالَ بَعضهم: إِن الله خلق النِّسَاء من عي وعورة؛ فداووا العي بِالسُّكُوتِ واستروا الْعَوْرَة بِالْبُيُوتِ. قَالَ رجل لِابْنِهِ: تزي بزِي الْكتاب، فَإِن فيهم أدب الْمُلُوك، وتواضع السوقة. قَالَ الزُّهْرِيّ: سَمِعت رجلا يَقُول لهشام بن عبد الْملك: لَا تعدن يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عدَّة لَا تثق من نَفسك بإنجازها. وَلَا يغرنك المرتقى السهل إِذا كَانَ المنحدر وعراً. وَاعْلَم أَن للأعمال جَزَاء، فَاتق العواقب، وَأَن للأمور بغتات فَكُن على حذر.
стр. 850
قَالَ آخر: لَا تُجَاهِد الطّلب جِهَاد المغالب، وَلَا تتكل إتكال المستسلم؛ فَإِن ابْتِغَاء الْفضل من السّنة، والإجمال فِي الطّلب من الْعِفَّة. وَلَيْسَت الْعِفَّة بدافعة رزقا، وَلَا الْحِرْص بجالب فضلا. سمع بَعضهم إنْسَانا يتَكَلَّم بِمَا لَا يعنيه فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا إِنَّمَا تملي على حافظيك، وتكتب إِلَى رَبك؛ فَانْظُر على من تملى، وَإِلَى من تكْتب. قَالَ بَعضهم: أقِم الرَّغْبَة إِلَيْك مقَام الْحُرْمَة بك، وَعظم نَفسك عَن التعظم، وتطول وَلَا تتطاول. قَالَ آخر: عاملوا الْأَحْرَار بالكرامة الْمَحْضَة، والأوساط بالرغبة والرهبة والسفل بالهوان. كن لِلْعَدو المكاتم أَشد حذرا مِنْك لِلْعَدو المبارز. قَالَ سلم بن قُتَيْبَة لأهل بَيته: لَا تمازحوا فيستخف بكم السوقة، وَلَا تدْخلُوا ٤٢٤ الْأَسْوَاق فتدق أخلاقكم وَلَا ترجلوا فيزدريكم أكفاؤكم. قَالَ آخر: احفظ شيئك مِمَّن تستحيي أَن تسأله عَن شَيْء إِن ضَاعَ لَك. إِذا كنت فِي مجْلِس فَلم تكن الْمُحدث وَلَا الْمُحدث فَقُمْ. كَانَ يُقَال: لَا تستصغرن حَدثا من قُرَيْش، وَلَا صَغِيرا من الْكتاب، وَلَا صعلوكاً من الفرسان، وَلَا تصادقن ذِمِّيا وَلَا خَصيا وَلَا مؤنثاً؛ فَإِنَّهُ لَا ثبات لموداتهم. قَالُوا: لَا تدخل فِي مشورتك بَخِيلًا فيقصر بعقلك، وَلَا جَبَانًا فيخوفك مَا لَا يخَاف. وَلَا حَرِيصًا فيعدك مَا لَا يُرْجَى؛ فَإِن الْجُبْن وَالْبخل والحرص طبيعة وَاحِدَة يجمعها سوء الظَّن. قَالَ عون بن عبد الله: لَا تكن كمن تغلبه نَفسه على مَا يظنّ وَلَا يغلبها على مَا يستيقن.
стр. 851
قَالَ رجل لِابْنِهِ: يَا بني؛ اعص هَوَاك وَالنِّسَاء واصنع مَا بدا لَك. كَانَ مَالك بن مسمع إِذا ساره إِنْسَان فِي مَجْلِسه يَقُول: أظهره فَلَو كَانَ خيرا أَو حسنا مَا كتمته. وَكَانَ يُقَال: مَا كنت كاتمه من عَدوك فَلَا تظهر عَلَيْهِ صديقك. قَالَ: كل من الطَّعَام مَا تشْتَهي، والبس من الثِّيَاب مَا يَشْتَهِي النَّاس. قَالُوا فِي الدَّار: لتكن أول مَا يبْتَاع وَآخر مَا يُبَاع. قَالَ الثَّوْريّ: من كَانَ فِي يَده شَيْء فليصلحه، فَإِنَّكُم فِي زمَان إِذا احْتَاجَ الرجل فِيهِ إِلَى النَّاس كَانَ أول مَا يبذله لَهُم دينه. قَالَ الْحر الْعقيلِيّ لِابْنِهِ: إِذا قدمت الْمصر فَاسْتَكْثر من الصّديق، وَأما الْعَدو فَلَا يهمنك. قَالَ ابْن المقفع: ابذل لصديقك دمك وَمَالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك وللعامة بشرك وتحيتك. ولعدوك عدلك وإنصافك. واضنن بِدينِك وعرضك عَن كل حد. وَقَالُوا: رو بحزم، فَإِذا استوضحت فاعزم. قَالَ صعصعة لِابْنِ أَخِيه: إِذا لقِيت الْمُؤمن فخالطه، وَإِذا لقِيت الْفَاجِر فخالفه، وَدينك فَلَا تكلمنه. قَالُوا: لَا تَزَوَّجن حرمتك إِلَّا عَاقِلا؛ إِن أحبها أكرمها، وَإِن أبغضها أنصفها. دخل عبد الْعَزِيز بن زُرَارَة الْكلابِي على مُعَاوِيَة فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ جَالس الألباء أَعدَاء كَانُوا أَو أصدقاء؛ فَإِن الْعقل يَقع على الْعقل. قَالَ أَبُو السَّرَايَا لأبى الشوك غُلَامه: كن بحيلتك أوثق مِنْك بشدتك وبحذرك أفرح مِنْك بنجدتك؛ فَإِن الْحَرْب حَرْب المتهور وغيمة المتحدر. قَالَ بَعضهم: قَرَأت على قَائِم بحمص مَكْتُوبًا: إِذا عز أَخُوك فهن. وَتَحْته مَكْتُوبًا: قَالَ هامان: - وَكَانَ أعلم وأعقل وَأحكم: إِذا عز أَخُوك فأهنه. قَالُوا: النعم وحشية فقيدوها بِالْمَعْرُوفِ.
стр. 852
قَالَ الرّبيع بن زِيَاد: من أَرَادَ النجابة فَعَلَيهِ بالمق الطوَال، وَمن أَرَادَ التَّلَذُّذ فَعَلَيهِ بالقصار؛ فَإِنَّهُنَّ كنائن الْجِمَاع. قَالَ الشَّافِعِي: احذر من تأمنه، فَأَما من تحذره فقد كفيته. وَقَالَ: إِذا أَخْطَأتك الصنيعة إِلَى من يَتَّقِي الله فاصنعها إِلَى من يَتَّقِي الْعَار. قَالَ ابْن السماك: لَا تشتغل بالرزق الْمَضْمُون عَن الْعَمَل الْمَفْرُوض. وَقَالَ عون بن عبد الله: لَا تكن كمن تغلبه نَفسه على مَا يظنّ وَلَا يغلبها على مَا يستيقن. قَالَ ابْن المقفع: إِذا أكرمك النَّاس لمَال أَو سُلْطَان فَلَا يعجبنك ذَلِك؛ فَإِن زَوَال الْكَرَامَة بزوالهما، وَلَكِن ليعجبك إِن أكرموك لأدب أَو دين. كَانَ مطرف يَقُول: انْظُرُوا قوما إِذا ذكرُوا بِالْقِرَاءَةِ لَا تَكُونُوا مِنْهُم، وقوماً إِذا ذكرُوا بِالْفُجُورِ لَا تَكُونُوا مِنْهُم، وَلَكِن كونُوا بَين هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء ٤٢٥ قَالَ بَعضهم: من سَأَلَك لم يكرم وَجهه عَن مسألتك فَأكْرم وَجهك عَن رده. قَالَ مَيْمُون بن مَيْمُون: لَا تَطْلُبن إِلَى بخيل حَاجَة؛ فَإِن طلبت إِلَيْهِ فَأَجله حَتَّى يروض نَفسه. قَالَ ابْن المقفع: إياك ومشاورة النِّسَاء؛ فَإِن رأيهن إِلَى أفن، وعزمهن إِلَى وَهن، وأكفف عَلَيْهِنَّ من أبصارهن بحجابك إياهن، فَإِن شدَّة الْحجاب خير لَك من الارتياب وَلَيْسَ خروجهن بأشد من دُخُول من لاتثق بِهِ عَلَيْهِنَّ؛ فَإِن اسْتَطَعْت أَن لَا يعرفن غَيْرك افْعَل. وَلَا تملكن امْرَأَة من الْأَمر مَا جَاوز نَفسهَا، فَإِن ذَلِك أنعم لحالها، وأرخى لبالها. وَإِنَّمَا الْمَرْأَة رَيْحَانَة وَلَيْسَت بقهرمانة؛ فَلَا تعد بكرامتها نَفسهَا، وَلَا تعطها أَن تشفع لغَيْرهَا. وَلَا تطل الْخلْوَة مَعَ النِّسَاء فيمللنك وتملهن، واستبق من نَفسك بَقِيَّة؛ فَإِن إمساكك عَنْهُن وَهن يردنك باقتدار خير من أَن يهجمن مِنْك على انكسار. وَإِيَّاك والتغاير فِي غير مَوضِع غيرَة، فَإِن ذَلِك يَدْعُو الصَّحِيحَة مِنْهُنَّ إِلَى السقم.
стр. 853
قَالَ ابْن المقفع: الْخَتْم حتم؛ فَإِذا أردْت أَن تختم على كتاب فأعد النّظر فِيهِ فَإِنَّمَا تختم على عقلك. وَقَالَ: الدّين رق، فَانْظُر عِنْد من تضع نَفسك. كَانَ يُقَال: إِذا قَالَ أحدكُم: وَالله. فَلْينْظر مَا يضيف إِلَيْهَا. دخل عبد الْعَزِيز بن زُرَارَة الْكلابِي على مُعَاوِيَة فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ جَالس الألباء؛ أَعدَاء كَانُوا أَو أصدقاء، فَإِن الْعقل يَقع على الْعقل. كَانَ بَعضهم يَقُول: أحيوا الْحيَاء بمجالسة من يستحيا مِنْهُ. كَانَ يُقَال: إِذا وجدت الشَّيْء فِي السُّوق فَلَا تطلبه من صديق. قَالَ الْعَبَّاس بن الْحسن الْعلوِي: اعْلَم أَن رَأْيك لَا يَتَّسِع لكل شَيْء، ففرغه للمهم من أمورك؛ وَأَن مَالك لَا يُغني النَّاس كلهم، فاخصص بِهِ أهل الْحق؛ وَأَن كرامتك لَا تطبق الْعَامَّة، فتوخ بهَا أهل الْفضل، وَأَن ليلك ونهارك لَا يستوعبان حوائجك فَأحْسن قسمتك بَين عَمَلك ودعتك. وَكَانَ يُقَال: أحيوا الْمَعْرُوف بإماتته. وَقَالَ قيس بن عَاصِم: يَا بني اصحبوا من يذكر إحسانكم إِلَيْهِ: وينسى أياديه لديكم. وَكَانَ مَالك بن دِينَار يَقُول: جاهدوا أهواءكم كَمَا تجاهدون أعداءكم. إِذا رغبت فِي المكارم فاجتنب الْمَحَارِم. من كَانَ فِي وَطن فليوطن غَيره وَطنه ليرتع فِي وَطن غَيره فِي غربته. أَرَادَ رجل سفرا فَقَالَ لَهُ بَعضهم: إِن لكل رفْقَة كَلْبا يشركهم فِي فضلَة الزَّاد، ويهر دونهم؛ فَإِن قدرت أَلا تكون كلب رفقتك فافعل، وَإِيَّاك وَتَأْخِير الصَّلَاة عَن وَقتهَا فَإنَّك مصليها لَا محَالة، فصلها وَهِي تقبل مِنْك. قَالَ ابْن السماك: إِن من النَّاس نَاسا غرهم السّتْر، وفتنهم الثَّنَاء. فَلَا يغلبن جهل غَيْرك بك علمك بِنَفْسِك. قيل: لَا تثقن كل الثِّقَة بأخيك؛ فَإِن صرعة الاسترسال لَا تستقال.
стр. 854
من أَمْثَال التّرْك: اسْكُتْ تربح مَا عنْدك، وشاور تربح مَا عِنْد غَيْرك. قيل: لَا تكن مثل من تغلبه نَفسه على مَا يظنّ وَلَا يغلبها على مَا يستقين. انتقم من الْحِرْص بالقناعة كَمَا ينتصر من الْعَدو بِالْقصاصِ. أوصى أَبُو الْهُذيْل أَصْحَابه فَقَالَ: لَا تدْخلُوا فِي الشَّهَادَة فتصيروا أسراء ٤٢٦ الْحُكَّام، وَلَا فِي الْقَضَاء؛ فَإِن فرحة الْولَايَة لَا تفي بترحة الْعَزْل، وَلَا فِي رِوَايَة الحَدِيث فيكذبهم الْجُهَّال وَالصبيان، وَلَا فِي وَصِيَّة فيطعن عَلَيْكُم بالخيانة، وَلَا فِي إِمَامَة الصَّلَاة فَمن شَاءَ صلى وراءكم وَمن شَاءَ لم يصل. وَقَالَ: لَا تجالسوا من لَا يوثق بِدِينِهِ وأمانته، وَلَا تبدءوا الْمُخَالفين بِالسَّلَامِ فَإِنَّهُم إِن لم يجيبوا تقاصرت إِلَيْكُم نفوسكم ولحقتكم خجلة. قَالُوا: إِذا قصرت يدك عَن الْمُكَافَأَة فليطل لسَانك بالشكر. قَالَ بَعضهم لمؤدب وَلَده: فقههم فِي الْحَلَال وَالْحرَام، فَإِنَّهُ حارس من أَن يظلموا، ومانع من أَن يظلموا. كن إِلَى الِاسْتِمَاع أسْرع مِنْك إِلَى القَوْل، وَمن خطأ القَوْل أَشد حذرا من خطأ السُّكُوت. قَالَ بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ: اجتهدوا بِالْعَمَلِ، فَإِن قصر بكم ضعف فكفوا عَن الْمعاصِي. وَقَالَ بَعضهم: من لم ينشط بحديثك فارفع عَنهُ مئونة الِاسْتِمَاع مِنْك. قَالُوا: من ثقل عَلَيْك بِنَفسِهِ، وغمك فِي سُؤَاله، فألزمه أذن صماء، وعيناً عمياء. وَقَالَ عبد الله بن شَدَّاد: أرى دَاعِي الْمَوْت لَا يقْلع، وَأرى من مضى لَا
стр. 855
يرجع. وَلَا تزهدن فِي مَعْرُوف؛ فَإِن الدَّهْر ذُو صروف، فكم من رَاغِب قد كَانَ مرغوباً إِلَيْهِ. وطالب أصبح مَطْلُوبا إِلَيْهِ، وَالزَّمَان ذُو ألوان، وَمن يصحب الزَّمَان ير الهوان وَإِن غلبت يَوْمًا على المَال فَلَا تغلبن على الْحِيلَة على كل حَال. وَكن أحسن مَا تكون فِي الظَّاهِر حَالا أقل مَا تكون فِي الْبَاطِن مَالا. وَقَالَ آخر: لَا يكونن مِنْكُم الْمُحدث لَا يستمع مِنْهُ، وَلَا الدَّاخِل فِي سر اثْنَيْنِ لم يدْخلَاهُ فِيهِ، وَلَا الْآتِي دَعْوَة لم يدع إِلَيْهَا، وَلَا جَالس فِي مجْلِس لَا يسْتَحقّهُ، وَلَا طَالب الْفضل من أَيدي اللئام، وَلَا المتعرض للخير من عِنْد عدوه، وَلَا المتحمق فِي الدَّالَّة. قَالُوا: اطْلُبُوا الْمَعيشَة فَإِن الْفقر أول مَا يبْدَأ بدين الْإِنْسَان. إِذا خالطت فخالط حسن الْخلق؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْعُو إِلَّا إِلَى خير، وَلَا تخالط سيء الْخلق؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْعُو إِلَّا إِلَى شَرّ. اطبع الطين مَا دَامَ رطبا، واغرس الْعود مَا دَامَ لدنا. قَالَ ابْن السماك: خف الله حَتَّى كَأَنَّك لم تطعه، وَأَرْجُو الله حَتَّى كَأَنَّك لم تعصه. قَالَ رجل لآخر: كَيفَ أسلم على الإخوان؟ فَقَالَ: لَا تبلغ بهم النِّفَاق وَلَا تقصر بهم عَن الإستحقاق. قَالَ بعض الْعَرَب: إِذا وضعت طَعَامك فافتح بابك، وَإِذا وضعت شرابك فأغلقه؛ فَإِن النَّبِيذ رضَاع فَانْظُر من تراضع. انصح لكل مستشر، وَلَا تستشر إِلَّا الناصح اللبيب. استشر عَدوك تعرف مِقْدَار عداوته. لَا تشَاور إِلَّا الحازم غير الحسود، واللبيب غير الحقود. قَالَ زِيَاد بن أبي حسان: لَا تطلب من نَفسك الْعَام مَا عودتك عَام أول. عاشروا النِّسَاء بِأُمُور ثَلَاثَة: ألزموهن الْبيُوت، واتهموهن على الْأَسْرَار، واطووا عَنْهُن الْأَحَادِيث.
стр. 856
صن عقلك بالحلم، ومروءتك بالعفاف، ونجدتك بمجانبة الْخُيَلَاء، وجهدك بالإجمال فِي الطّلب. لَا تملك الْمَرْأَة من أمرهَا مَا جَاوز نَفسهَا، فَإِن ذَلِك أنعم بِحَالِهَا وأرخى لبالها وأدوم لجمالها، وَلَا تطمعها فِي الشَّفَاعَة لغَيْرهَا فيميل من شفعت لَهُ عَلَيْك مَعهَا. ٤٢٧ - عود نَفسك السماح، وتخير لَهَا من كل خلق أحْسنه؛ فَإِن الْخَيْر عَادَة، وَالشَّر لجاجة، والصدود آيَة المقت، والعلل آيَة الْبُخْل. كن سَمحا وَلَا تكن مبذراً، وَكن مُقَدرا وَلَا تكن مقتراً. إياك والمرتقى السهل إِذا كَانَ المنحدر وعرا. رُوِيَ ذَلِك عَن مُحَمَّد بن عَليّ ﵇. احترس من ذكر الْعلم عِنْد من لَا يُريدهُ، وَمن ذكر الْقَدِيم عِنْد من لَا قديم لَهُ؛ فَإِن ذَلِك يحدث التعيير، وبالحري أَن تتخذه سلما إِلَى الضغن عَلَيْك. إِذا زللت فَارْجِع، وَإِذا نَدِمت فأقلع، وَإِذا أَسَأْت فاندم، وَإِذا مننت فاكتم، وَإِذا منعت فأجمل. وَمن يسلف الْمَعْرُوف يكن ربحه الْحَمد. اطلب الرَّحْمَة بِالرَّحْمَةِ. اتَّقِ العثار بِحسن الِاعْتِبَار. لَا تستأنس بِمن لم تبل خلائقه. لَا تأمن الْعَدو على حَال. لَا تغتر بِفضل قوتك على الضَّعِيف لتشتد وحشتك من اللَّطِيف الموتور. أعدد السَّيِّئَات للتراث. لَا تفرح بالرجاء فَإِنَّهُ غرور، وَلَا تتعجل الْغم بالخوف فَإِنَّهُ شكّ. حاسب نَفسك تسلم وتسعد. لن يخلوا أحد من ذمّ، فاجهد أَن تخلوا من ذمّ الأخيار.
стр. 857
حَارب عَدوك مَا حاربك بشخصه، فَإِذا أخْفى شخصه فاحرس نَفسك مِنْهُ؛ لِأَن من يعلم أَنه لَا ينجيه مِنْك إِلَّا الْمَوْت لَا ينجيك مِنْهُ إِلَى مثل ذَلِك، والمستسلم للْمَوْت لَا يُبَالِي على مَا أقدم. احذر فلتات المزاحي وصرعات البغى. لَا تُجَاهِد الطّلب جِهَاد المغالب، وَلَا تتكل على الْقدر إتكال المستسلم فَإِن ابْتِغَاء الْفضل سنة، وإجمال الطّلب عفة، وَلَيْسَت الْعِفَّة بدافعة رزقا، وَلَا الْحِرْص بجالب فضلا، والرزق مَقْدُور وَالْأَجَل مَوْقُوف، وَفِي استعجال الْحَرِيص اكْتِسَاب المآثم. لَا تشبهن رضاك بِغَضَبِك؛ فَتكون مِمَّن لَا يضر غَضَبه وَلَا ينفع رِضَاهُ. اغتنم الْعَمَل مَا دَامَت نَفسك سليمَة، وَأَجْعَل كل سَاعَة بشغلها لآخرتك غنيمَة. لَا تكونن لغير الله عبدا مَا وجدت من الْعُبُودِيَّة بدا. احم نَفسك الْقنُوط، وأتهم الرَّجَاء. لَا تغير أَخَاك وَأحمد الَّذِي عافاك. أنظر مَا عنْدك فَلَا تضعه إِلَّا فِي حَقه، وَمَا لَيْسَ عنْدك فَلَا تَأْخُذهُ إِلَّا بِحقِّهِ. احْتمل مِمَّن أدل عَلَيْك وَأَقْبل مِمَّن أعْتَذر إِلَيْك. ليكن عَمَلك فِيمَا بَيْنك وَبَين أعدائك الْعدْل، وَفِيمَا بَيْنك وَبَين أصدقائك الرِّضَا؛ فَإِن الْعَدو خصم تصرفه بِالْحجَّةِ، وتغلبه بالحكم. وَالصديق لَيْسَ بَيْنك وَبَينه قَاض، وَإِنَّمَا هُوَ رِضَاهُ وَحكمه. إِذا أردْت أَن تخدع النَّاس فتغاب عَلَيْهِم. إِذا صافاك عَدوك رِيَاء مِنْهُ فتقلق مصافاته إياك بأوكد مَوَدَّة؛ فَإِنَّهُ إِذا ألف ذَلِك واعتاده خلصت لَك مودته. فكر قبل أَن تعزم، وَأعْرض قبل إِن تصرم، وتدبر قبل أَن تهجم، وشاور قبل أَن تقدم. اسع فِي طلب رضَا الْأَحْرَار فَإِن رضَا اللئام غير مَوْجُود. اقتصد وداوم وَأَنت الْجواد السَّابِق. لَا تألف الْمَسْأَلَة فيألفك الْمَنْع.
стр. 858
لَا يغلبن جهل غَيْرك بك علمك بِنَفْسِك؛ فَإِن أَقْوَامًا غرهم ستر الله وفتنهم حسن الثَّنَاء. قَالَ ابْن ضبارة: لَيْسَ للأحرار ثمن إِلَّا الْكَرَامَة، فأكرموا الْأَحْرَار تملكوهم. اطلب الْحَاجة إِلَى إخوانك، قبل تَأَكد مَوَدَّتهمْ لَك؛ فَإنَّك ٤٢٨ إِذا طلبتها مِمَّن قد وثق بك اتكل على الدَّالَّة، وردك عَن حَاجَتك بالثقة. لَا تسْأَل الْحَوَائِج غير أَهلهَا، وَلَا تسألها فِي غير حينها، وَلَا تسْأَل مَا لست لَهُ مُسْتَحقّا؛ فَتكون للحرمان مستوجباً. إِذا غشك صديقك فاجعله مَعَ عَدوك. إِذا غلبك عَدوك على صديقك فَخَل عَنهُ. لَا تعدن من إخوانك من آخاك فِي أَيَّام مقدرتك للمقدرة. وَاعْلَم أَنه يتثقل عَلَيْك فِي أَحْوَال ثَلَاث: فَيكون صديقا يَوْم حَاجته إِلَيْك، وَمَعْرِفَة يَوْم استغنائه عَنْك، ومتجنياً عدوا يَوْم حَاجَتك إِلَيْهِ. لَا تسرن بِكَثْرَة الإخوان مَا لم يَكُونُوا خياراً؛ فَإِن الإخوان عِنْد المتخيرين بِمَنْزِلَة النَّار، الَّتِي قليلها مَتَاع وكثيرها بوار. ارع حق الإخوان وَحقّ الْأَخ على الْأَخ أَن يحوطه غَائِبا، ويعضده شَاهدا ويخلف عَلَيْهِ محروباً، ويعوده مَرِيضا، ويواسيه مُحْتَاجا، ويضحك فِي وَجهه مُقبلا، وَيَدْعُو لَهُ مُدبرا. ليشتد عطفك على سقطات إخوانك. ارْض بِالْعَفو من إخوانك، وأبذل لَهُم مجهودك، واستزد من الْجَمِيع. إِذا دفعتم عَن حقكم فَاطْلُبُوا أَكثر مِنْهُ، وَإِذا بخع لكم بِهِ فصيروا إِلَيْهِ. جالسوا الألباء أصدقاء كَانُوا أَو أَعدَاء، فَإِن الْعُقُول تلقح الْعُقُول. لَا يغلبهن عَلَيْكُم سوء الظَّن فيدعكم ومالكم من صديق.
стр. 859
الْبَاب السَّادِس جنس آخر من الحكم والأمثال والآداب وَهُوَ مَا كَانَ فِي أَوله " من "
من كثرت نعْمَة الله عِنْده كثر عدوه. من يصحب الزَّمَان ير الهوان. من لم يمت لم يفت. من صدق النَّاس كرهوه. من يطلّ ذيله ينتطق بِهِ. من فَسدتْ بطانته كَانَ كمن غص بِالْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَو غص بِغَيْرِهِ أجَاز بِهِ غصته. من أَكثر أسقط. من اتبع غي النَّاس كَانَ أغوى. من لَقِي النَّاس بِمَا يكْرهُونَ، قَالُوا فِيهِ مَا لَا يعلمُونَ. من أحب الذّكر فليستعمل الصَّبْر. وَمن شح على دينه فليستعمل الْخَوْف، وَمن ضن بعرضه فليمسك عَن المراء. من صفا قلبه صفا لِسَانه. من خلط خلط لَهُ. من لم يضن بِالْحَقِّ عَن أَهله فَهُوَ عين الْجواد. وَقَالَ الصَّادِق ﵁: من أيقظ فتْنَة فَهُوَ أكلهَا. وَمن كَلَام أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵁: من اشتاق إِلَى الْجنَّة سلا عَن الشَّهَوَات، وَمن أشْفق من النَّار كف عَن الْمَحَارِم، وَمن زهد فِي الدُّنْيَا تهاون بالمصائب، وَمن ارتقب الْمَوْت سارع فِي الْخَيْر.
стр. 860
وَقَالُوا: من اسْتغنى كرم عَن أَهله. من قرب السفلة واطرح ذَوي الأحساب والمروءات اسْتحق الخذلان. من انتقم انتصف، وَمن عَفا تفضل، وَمن شفا غيظه لم يذكر فِي النَّاس فَضله. من كظم غيظه فقد حلم، وَمن حلم فقد صَبر، وَمن صَبر فقد ظفر. من طلب الدُّنْيَا بِعَمَل الْآخِرَة خسرهما ٤٢٩، وَمن طلب الْآخِرَة بِعَمَل الدُّنْيَا ربحهما. قَالَ بَعضهم: من ملك نَفسه عِنْد أَربع حرمه الله على النَّار: حِين يغْضب وَحين يرغب، وَحين يرهب، وَحين يَشْتَهِي. قَالَ بكر بن عبد الله: من كَانَ لَهُ من نَفسه واعظ عَارضه سَاعَة الْغَفْلَة وَحين الحمية. من أمل أحدا هابه، وَمن قصر عَن شَيْء عابه. قيل لحكيم: من أَسْوَأ النَّاس حَالا؟ قَالَ: من لم يَثِق بِأحد لسوء ظَنّه، وَلَا يَثِق بِهِ أحد لسوء أَثَره. قيل لبَعْضهِم: من أحب النَّاس إِلَيْك؟ قَالَ: من كثرت أياديه عِنْدِي قَالَ: فَإِن لم يكن؟ قَالَ: من كثرت أيادي عِنْده. كَانَ يُقَال: من طَال صمته اجتلب من الهيبة مَا يَنْفَعهُ، وَمن الوحشة مَالا يضرّهُ. من طلب موضعا لسره فقد أفشاه. قيل لحكيم: من أنعم النَّاس عَيْشًا؟ فَقَالَ: من كفي أَمر دُنْيَاهُ، وَلم يهتم بِأَمْر آخرته. وَقيل: من زَاد عقله نقص حَظه. وَمَا جعل الله لأحد عقلا وافراً إِلَّا احتسب عَلَيْهِ من رزقه.
стр. 861
قيل لبَعْضهِم: من السَّيِّد؟ فَقَالَ: من إِذا حضر هابوه، وَإِذا غَابَ اغتابوه. من عمل بِالْعَدْلِ فِيمَن دونه رزق الْعدْل مِمَّن فَوْقه. من طلب عزا بذل وظلم وباطل، أورثه الله ذلاً بإنصاف وَحقّ. من حسد من دونه قل عذره، وَمن حسد من فَوْقه أتعب بدنه. وَمن وطئته الْأَعْين وطئته الأرجل. من عجز عَن تَقْوِيم نَفسه فَلَا يَلُومن من لم يستقم لَهُ. من رجى الْفرج لَدَيْهِ، صرفت أَعْنَاق الرِّجَال إِلَيْهِ. من قصر فِي أمره لم يسع لَهُ غَيره. من رباه الهوان أبطرته الْكَرَامَة. من ساسه الْإِكْرَام لم يصبر على المذلة. من انتجعك مؤملاً فقد أسلفك حسن الظَّن بك. من استكده الْجد استراح إِلَى بعض الْهزْل. من أحب أَن يطاع، سَأَلَ مَا يُسْتَطَاع. من أعذر كمن أنجح. وَمن لم يصن نَفسه لم يصن أَهله. من أَدخل نَفسه فِي عِظَام الْأُمُور بِغَيْر نظر وَلَا روية أوشك أَلا يخرج مِنْهَا. من كسل عَن عمله طمع فِي كل غَيره. من لم يرب مَعْرُوفَة لم يصنعه وَمن لم يَضَعهُ فِي أَصله فقد أضاعه. قَالَ بَعضهم: عاتبت غَسَّان بن عباد عَن اقتصاده فِي لبسه وزيه فَقَالَ: من عظمت مئونته فِي نَفسه قل فَضله على غَيره. من حمل الشَّيْء جملَة أَلْقَاهُ جملَة. من كَانَت الدُّنْيَا همه، كثر فِي الْقِيَامَة غمه. من أجمل فِي الطّلب أَتَاهُ رزقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب. من حصن شَهْوَته صان قدره.
стр. 862
من ضَاقَ خلقه مله أَهله. من ركب العجلة لم يَأْمَن الكبوه. من لم يَثِق لم يوثق بِهِ. من أقاده الدَّهْر أقاد مِنْهُ. من أَخطَأ مَوضِع قدمه، تعفر خداه بدمه. من ألحف أدّى. من استطال على الْأَكفاء فَلَا يثقن مِنْهُم بالصفاء. من أَكثر ذكر الضغائن اكْتسب الْعَدَاوَة. من لم يحمد صَاحبه على حسن النِّيَّة لم يحمده على حسن الصنيعة. ثَلَاثَة من كن فِيهِ اسْتكْمل الْإِيمَان: من إِذا غضب لم يُخرجهُ غَضَبه إِلَى الظُّلم، وَمن إِذا رضى لم يُخرجهُ رِضَاهُ عَن الْحق، وَمن إِذا قدر لم يتَنَاوَل مَا لَيْسَ لَهُ. من ضعف عَن عمله اتكل على زَاد غَيره. من أَطَالَ الحَدِيث عرض أَصْحَابه للسآمة وَسُوء الِاسْتِمَاع. قيل لبَعض السّلف: من الْكَامِل؟ فَقَالَ: من لم يبطر فِي الْغنى ٤٣٠ وَلم يستكن للفاقة، وَلم تهده المصائب، وَلم يَأْمَن الدَّوَائِر وَلم ينس الْعَافِيَة وَلم يغتر بالشبيبة. قَالُوا: من أطرق فِي أمله فرط فِي عمله. قَالَ ابْن المقفع: من أَدخل نَفسه فِيمَا لَا يعنيه ابْتُلِيَ فِيهِ بِمَا يعنيه. من استخار ربه، وَاسْتَشَارَ نصيحه، واجتهد رَأْيه، فقد أدّى مَا يجب عَلَيْهِ لنَفسِهِ، وَيَقْضِي الله فِي أمره مَا أحب. من أصبح لَا يحْتَاج إِلَى حُضُور بَين السُّلْطَان لحَاجَة، أَو طَبِيب لضر، أَو صديق لمسألة فقد عظمت عِنْده النِّعْمَة. من كَانَت لَهُ غلَّة يستغلها فَإِنَّمَا يستغل عمره. قَالُوا: من كَانَ فِيهِ وَاحِدَة من ثَلَاث كَانَ محروماً: الْبَغي وَالْمَكْر والنكث. قَالَ
стр. 863
الله تَعَالَى: " إِنَّمَا بَغْيكُمْ على أَنفسكُم " وَقَالَ: " وَلَا يَحِيق الْمَكْر السَّيئ إِلَّا بأَهْله ". وَقَالَ: " فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه ". قَالَ وهب: من لم يسْخط نَفسه فِي شَهْوَته لم يرض ربه فِي طَاعَته. قَالَ نصر بن سيار: من لم يحقد لم يشْكر. وَقَالَ غَيره: من لم يمْنَع لم يكن لَهُ مَا يُعْطي. قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: من كنى ذِمِّيا فقد هدم شُعْبَة من الْإِيمَان. قَالَ حَكِيم: من ذَا الَّذِي بلغ جسيماً فَلم يبطر، وَاتبع الْهوى فَلم يعطب، وجاور النِّسَاء فَلم يفتتن، وَطلب إِلَى اللئام فَلم يهن، وواصل الأشرار فَلم ينْدَم، وَصَحب السُّلْطَان فدامت سَلَامَته؟ قَالَ أَبُو حَازِم: ثَلَاث من كن فِيهِ كمل عقله: من عرف نَفسه وَملك لِسَانه وقنع بِمَا رزقه ربه. كَانَ شبيب بن شيبَة يَقُول: من سمع كلمة يكرهها فَسكت عَنْهَا انْقَطع عَنهُ مَا كره، وَإِن أجَاب عَنْهَا سمع أَكثر مِمَّا كره. وَكَانَ يتَمَثَّل: وتجزع نفس الْمَرْء من وَقع شتمة ... ويشتم ألفا بعْدهَا ثمَّ يصبر قَالَ الزهاد: من عرف نَفسه لم يذمم أحدا، وَمن عرف النَّاس لم يمدح أحدا. قَالَ عون بن عبد الله: كَانَ يُقَال: من كَانَ فِي صُورَة حَسَنَة ومنصب لَا يشينه، ووسع عَلَيْهِ فِي الرزق كَانَ من خَالِصَة الله. من أطَاع الْهوى نَدم. من لانت كَلمته وَجَبت محبته من لم يقدمهُ حزم أَخّرهُ عجز. من حبس الدَّرَاهِم كَانَ لَهَا وَمن أنفقها كَانَت لَهُ. من لم يكن فِيهِ خمس فَلَا ترجه: من لم يعرف بالوثاقة فِي أرومته وَالْكَرم فِي طَبِيعَته، والتثبت فِي بضيرته، والدماثة فِي خلقه، والنبل فِي همته.
стр. 864
من لم تؤدبه الْكَرَامَة قومته الإهانة. من أنعم على الكفور كثر غيظه. من اقتصد فِي الْغنى والفقر فقد استعد لنوائب الدَّهْر. من لم ينشط لحديثك فارفع عَنهُ مؤونة الِاسْتِمَاع مِنْك. . من حذر شمر. من أَمن تهاون. من توقى سلم، وَمن تهور نَدم. من لم يتبع لم يشْبع. من شاخ باخ. من لم ينْتَفع بتجاربه اغْترَّ بالدهر ونوائبه. من ادّعى كرماً بعده لؤم فَلَا كرم لَهُ، من رَضِي بلؤم بعده كرم فَلَا لوم عَلَيْهِ. من تواضع للْعلم نبله، وَمن تعزز عَلَيْهِ ذلله. من قَالَ: لَا أَدْرِي. وَهُوَ يتَعَلَّم أفضل مِمَّن يدْرِي وَهُوَ يتعظم. من انتحل من الْعلم الْغَايَة لم يكن لجهله نِهَايَة. من يدع الْعلم جله أَعقل مِمَّن يَدعِيهِ كُله. ٤٣١ - من جَاع بَاعَ. وَمن أحسن الِاسْتِمَاع استعجل الِانْتِفَاع. من حلم سَاد. من اعْترف بالجريرة فقد اسْتحق الغفيرة. من رغب عَن الإخوان جسر على الزَّمَان. من اتبع هَوَاهُ أضلّهُ. من جهل النعم عرف النقم. من أبْصر أقصر. من أَكثر أَهجر. من دَامَ لَفظه كثر سقطه. من تفكر أبْصر. من كَانَت لَهُ فكرة فَلهُ من كل شَيْء عِبْرَة. من انتهز الفرصة أَمن الغصة. من كَانَ فِي الشدَّة فَهُوَ حقيق بالحدة. من سكت فَسلم كَانَ كمن قَالَ فغنم. من كره النطاح لم ينل النجاح. من كَانَ لَهُ فِي نَفسه واعظ كَانَ لَهُ من الله حَافظ. من نَالَ استطال. من جاد سَاد. من كَسَاه الْحيَاء ثَوْبه، حجب عَن الْعُيُون عَيبه.
стр. 865
من كرم محتده حسن مشهده. من خبث عنصره سَاءَ محضره. من خَان هان. من أدمن قرع الْبَاب ولج. من استوطأ مركب الصَّبْر فلج. من أَخذ من أُمُوره بِالِاحْتِيَاطِ سلم من الِاخْتِلَاط. من نشر صبره طوى أمره. من امتن بمعروفه أفْسدهُ. من قل حياؤه كثر ذَنبه. من لَان عوده كثرت أغصانه. من حسن خلقه كثر إخوانه. من يُبرئ بصيرتك من الْعَمى أكمل مِمَّن يَصح بَصرك من القذى. من غرس الطَّعَام جنى الأسقام. من بَالغ فِي المزاح أَثم. من قصر فِيهِ خصم. من غض عينه حصن دينه. من أثقل عَلَيْك فأوله أذنا صماء وعيناً عمياء. من غره الشَّبَاب تقطعت بِهِ الْأَسْبَاب. من ختم البضاعة أَمن الإضاعة. من خلب جلب. . من عز بز. من نظر بِعَين الْهوى حَار، وَمن حكم بِحكم الْهوى جَار. من سَاءَ خلقه عذب نَفسه. من حب طب. من أحبك نهاك، وَمن أبغضك أغراك. من زرع الْمهل حصد الجذل. من أحسن الِاعْتِذَار اسْتوْجبَ الاغتفار. من طَال صبره ضَاقَ صَدره. من احْتَاجَ إِلَيْك ثقل عَلَيْك. من زرع شَيْئا حصده، وَمن قدم خيرا وجده. من تنزه عَن المطامع لم يعتبد. من لم يحْتَمل بشاعة الدَّوَاء دَامَ ألمه. من لم يصلحه الْخَيْر أصلحه الشَّرّ. من لم يصلحه الطالي أصلحه الكاوي. من تعلل بالمنى أفلس. من اغتاب خرق، وَمن اسْتغْفر رقع. من يرحم يرحم. من يصمت يسلم. من يقل الْخَيْر يغنم. من يكره الشَّرّ يعْصم. من لَا يملك لِسَانه ينْدَم. من بخل عَلَيْك ببشره لم يجد عَلَيْك ببره. من كف عَنْك شَره فَاصْنَعْ بِهِ مَا سره. من كف ضيره فقد بذل خَيره. من تشاغل بالسلطان لم يتفرغ إِلَى الإخوان. من حصن سره كَانَ الْخِيَار فِي يَده. من بدا جَفا. من تنقل تبقل، وَمن سعى رعى، وَمن نَام رأى الأحلام.
стр. 866
من اسْتغنى بِرَأْيهِ فقد خاطر. من عرف الْأَيَّام لم يغْفل الاستعداد لَهَا. من أحب من لَا يعرفهُ فَإِنَّمَا يمازح نَفسه. من حصن شَهْوَته صان قدره. من ضَاقَ خلقه مله أَهله. من ركب العجلة لم يَأْمَن الكبوة. من تقدم بِحسن النِّيَّة بَصَره التَّوْفِيق. من قَارب النَّاس فِي عُقُولهمْ ٤٣٢ سلم من غوائلهم. من سَاد عز. من التحف بالقناعة حالفه الْعِزّ. من كَانَت لَهُ إِلَى النَّاس حَاجَة فقد خذل. من عالج الشوق لم يستبعد الدَّار. من يزرع الشوك لَا يحصد بِهِ الْعِنَب. من اطْمَأَن قبل الاختبار نَدم. من وصلك وَهُوَ معدم خير مِمَّن جفاك وَهُوَ مكثر. من لم يغض على القذى لم يرض أبدا. من تقلبت بِهِ الْأَحْوَال علم جَوَاهِر الرِّجَال. من طمع ذل. من حفظ مَاله فقد حفظ الأكرمين: الدّين وَالْعرض. من تأدب صَغِيرا انْتفع كَبِيرا. من سره بنوه ساءته نَفسه. من أَسَاءَ لَفظه غبن حَظه. من عذل سَفِيها عرض للشتم نَفسه. من اتبع عَورَة أَخِيه الْمُسلم فضحه الله فِي بَيته. من قل حياؤه قل ورعه. من أَكثر من المزاح استخف بِهِ، وَمن أَكثر الضحك اجترئ عَلَيْهِ. من أَكثر من شَيْء عرف بِهِ. من طلب الْعلم بالنجوم تزندق. من طلب المَال بالكيميا أفلس. من طلب غرائب الحَدِيث كذب. من زنى زني بِهِ. من عتب على الدَّهْر طَالَتْ معتبته. من سَأَلَ فَوق قدره اسْتحق الحرمان. من شتم حَلِيمًا رَجَعَ ذَمِيمًا. من كفر النِّعْمَة منع الزِّيَادَة. من شَاب شيب لَهُ. من طلب عَظِيما خاطر بعظيمته. من يلق خيرا يحمد النَّاس أمره. من ملك اسْتَأْثر. من لم يشاور نَدم. من أصبح على الدُّنْيَا حَزينًا أصبح على الله ساخطاً. من شكا ضراً نزل بِهِ فَإِنَّمَا يشكو الله.
стр. 867
من لم يدار عيشه مَاتَ قبل أَجله. من لاحى الرِّجَال ذهبت كرامته. من اتخذ التَّقْوَى صاحباً كَانَت لَهُ ردْءًا من الملمات. من كتم الْأَطِبَّاء مَرضه فقد غش نَفسه. من أحب أَن يصرم أَخَاهُ فاليقرضه ثمَّ يتقاضاه. من حقر حرم. من أحبك لشَيْء زَالَ حبه بزواله. من قَالَ فِي النَّاس مَا يكْرهُونَ قَالُوا فِيهِ مَا لَا يعلمُونَ. من عرف بِالصّدقِ جَازَ كذبه. من طلب مَا عِنْد السُّلْطَان بالغلظة لم يَزْدَدْ مِنْهُ إِلَّا بعدا. من عَامل النَّاس فَلم يظلمهم، وَحَدَّثَهُمْ فَلم يكذبهم، وَوَعدهمْ فَلم يخلفهم، فقد حرمت غيبته، وكملت مروءته، وَظَهَرت عَدَالَته، وَوَجَبَت أخوته. من استحيا من غَيره وَلم يستح من نَفسه فَلَيْسَ لنَفسِهِ عِنْده مِقْدَار. من أدب وَلَده صَغِيرا سر بِهِ كَبِيرا. من كثر خَيره كثر زَائِره. من أدب وَلَده أرْغم حاسده. من عرف حق أَخِيه دَامَ إخاؤه، وَمن تكبر على النَّاس وَرَجا أَن يكون لَهُ صديق فقد غر نَفسه. من بسط بِالْخَيرِ لِسَانه انبسطت فِي الْقُلُوب محبته. قَالُوا: أَصْبِر النَّاس من صَبر على كتمان سره فَلم يُبْدِهِ لصديق فيوشك أَن يكون عدوا فيذيعه. قَالَ ابْن السماك: من فكر فِي أمره نهج لَهُ طَرِيق رشده. من سل سيف الْبَغي قتل بِهِ. من أَطَالَ الأمل أَسَاءَ الْعَمَل. من بذل حُلْو كَلَامه وَمر فعاله فَذَلِك الْعَدو. من قصر عَن الفضول نَالَ من دهره كل مأمول. من جمع الْحيَاء والسخاء فقد استجد الْإِزَار والرداء. من لَا يبال بالشكاية فقد اعْترف بالدناءة. من رَجَعَ فِي هِبته فقد استحكم اللؤم. من جهل قدر نَفسه فَهُوَ بِقدر النَّاس أَجْهَل. من أنف من عمل نَفسه ٤٣٣ اضْطر إِلَى عمل غَيره. من استنكف من أَبَوَيْهِ فقد انْتَفَى من الرشدة. من اسْتغنى بِرَأْيهِ
стр. 868
فقد خاطر بِنَفسِهِ. وَمن اسْتعْمل وُجُوه الآراء عرف مواقع الْخَطَأ. من عرف بالحكمة لاحظته الْعُيُون بالوقار. من عرف الْأَيَّام لم يغْفل الاستعداد. من قاسى الْأُمُور عرف المستور. من رغب عَن الرشا اشْتَدَّ ظَهره عِنْد الْخِصَام. من لزم العفاف لزمَه الْعَمَل. من أكل قَلِيلا عمل طَويلا. من تعسف النِّعْمَة نفرت عَنهُ. من أدل على السُّلْطَان استثقله، وَمن امتن عَلَيْهِ عَادَاهُ. من كذب السُّلْطَان فقد خانه، وَمن أذاع سره فقد خاطر بِنَفسِهِ. من صحب السُّلْطَان لم يزل مرغوباً. من اجْتهد رَأْيه وشاور صديقه واستخار ربه فقد قضى الَّذِي عَلَيْهِ. وَلنْ يقْضِي الله إِلَّا مَا يحب فِي أمره. من قل طمعه صَحَّ جِسْمه. قَالَ أَكْثَم: من جَاع صَحَّ. من خَافَ الْكَذِب أقل من المواعيد. من أدْلج ولج. من طلب الْحَلَال خفت مئونته وَقل كبرياؤه. وَمن قدر على خير فَلم يعْمل بِهِ لَزِمته الْإِسَاءَة. من لم ينْتَفع بِهِ أحد لم يعظمه أحد، وَمن لم يعظمه أحد استخف بِهِ كل أحد، وَمن استخف بِهِ لَقِي الذل عيَانًا. من كثر ذامه اضْطر إِلَى مدح نَفسه. من كافأ الْإِحْسَان تنوفس فِي الْإِحْسَان إِلَيْهِ. من أنْفق سَرفًا يُوشك أَن يَمُوت أسفا. من تَأَول كَلَام النَّاس على السخط كثرت ذنُوب النَّاس إِلَيْهِ. من رغب فِي حسن الثَّنَاء طَابَ نفسا عَن الثراء. من أَمن الزَّمَان خانه، وَمن تعظم عَلَيْهِ أهانه، وَمن تضعضع لريبه قدعه وَمن لَجأ إِلَيْهِ أسلمه، وَمن كابره عطب. من سَبَقَك إِلَى الْخَيْر فاطلب أَثَره. وَمن ملك نَفسه لم تملكه شهواته، وَلم
стр. 869
يصرعه هَوَاهُ، وَلم يملكهُ غَضَبه. من خَافَ شَيْئا اتَّقَاهُ. من أحب شَيْئا أَكثر ذكره. من وثق بِعَمَلِهِ اشتاق إِلَى الْجَزَاء. من خَافَ غير الله فَهُوَ غير واثق بِاللَّه. من طلب الْعِزّ بِلَا ذل، ذل من حَيْثُ يطْلب الْعِزّ. من أَطَالَ الحَدِيث عرض نَفسه للملالة وَسُوء الِاسْتِمَاع. من أظهر شكرك فِيمَا لم تأت إِلَيْهِ فاحذر أَن يكفر نِعْمَتك فِيمَا أسديت إِلَيْهِ. من تحدث بِحَدِيث قبل أَن يتدبره لم يسلم من عَيبه. من نظر فِي العواقب لم يشف غيظه. من زوج كريمته من سَفِيه فقد عقها. من منع بره قل أنصاره. من أطلق لِسَانه أهْدر دَمه. من تذكر قدرَة الله عَلَيْهِ لم يسْتَعْمل قدرته فِي ظلم عباده. من منع النَّاس مَا يُرِيد مِنْهُم مثله ظلم نَفسه. من استوحش فِي نَفسه بِالظَّنِّ أوحش من نَفسه بِالْيَقِينِ. من استقصى على النَّاس قل صديقه، وَمن أغضى على العوراء سهل طَرِيقه. من نظر فِي دينه إِلَى من هُوَ فَوْقه يستصغر عمله، وَنظر فِي دُنْيَاهُ إِلَى من هُوَ دونه ليستكثر مَا أعْطى فقد وفْق لحظه. من منع المَال من الْحَمد أورثه من لَا يحمده. من اقْتصر على قدره كَانَ أبقى لحاله. من سعى بالنميمة حذره الْغَرِيب، ومقته الْقَرِيب. من أَطَالَ النّظر أدْرك الْغَايَة. من أزعجه الْخَوْف أَمن. ٤٣٤ من ضَاقَ قلبه اتَّسع لِسَانه. قَالَ يحيى بن أَكْثَم: من لم يرج إِلَّا مَا هُوَ مستوجب كَانَ قمنا أَن يدْرك حَاجته. من عرف ثمار الْأَعْمَال فَهُوَ جدير أَلا يغْرس إِلَّا طيبا. من صحب الْحُكَمَاء ظفر بِحسن الثَّنَاء. من اغْترَّ بالعدو الأريب خَان نَفسه. من عدم مَاله أنكرهُ أَهله ومعارفه. من جَانب هَوَاهُ صَحَّ رَأْيه. من عاقب بَرِيئًا فنفسه عاقب.
стр. 870
من عرضت لَهُ بلية رحم، وَمن جناها ذمّ. من لم يجلس فِي شبيبته حَيْثُ يهوى جلس فِي كبره حَيْثُ لَا يهوى. من لم يركب المصاعب لم ينل الرغائب. من كَانَ أغلب خصاله عَلَيْهِ الْإِحْسَان اغتفرت زلته، وأقيلت عثرته. من عتب على الدَّهْر طَالَتْ معتبته. من لم يأس على مَا فَاتَهُ تودع بدنه، وَمن قنع بِمَا هُوَ فِيهِ قرت عينه. من رد الْكَرَامَة نصب شركا وثيقاً للعداوة. من بخل بِدِينِهِ عظم ربحه. من قاهر الْحق قهر. من ترك التوقي فقد استسلم لقَضَاء السوء. من أكدى فَكَأَنَّهُ لم يعْمل. من تياسر عَن الْقَصْد هجم على الضلال. من طلب بِاللَّه أدْرك. من لم تؤدبه المواعظ أدبته الْحَوَادِث. من تعود الْكِفَايَة لم يعرف مِقْدَار الرَّاحَة. من أَمن الزَّمَان ضيع ثغراً مخوفا. من استكفى من يتهمه خَان نَفسه. من أَمن مكايد الْأَعْدَاء لم يعد فِي الْعُقَلَاء. من لم يعرف قدره أوشك أَن يذل، وَمن لم يدبر مَاله أوشك أَن يفْتَقر. من رق وَجهه رق علمه. من لم يتحرز بعقله من عقله هلك من قبل عقله. من حرم الْعقل فَلَا خير لَهُ وَلَا للنَّاس فِي حَيَاته، وَمن حرم الْجُود فَلَا خير لَهُ وَلَا للنَّاس فِي سُلْطَانه، وَمن حرم الْفَهم فَلَا خير لَهُ وَلَا للنَّاس فِي قَضَائِهِ. من رَضِي عَنهُ الْجَمِيع المختلفون اسْتحق اسْم الْعقل. من احتقر مَا أعْطى فَهُوَ تَمام مَا أعْطى، وَمن استكثر مَا أَتَى إِلَيْهِ فقد قضى مَا عَلَيْهِ. من لم يحْتَمل زلل صديقه عَاشَ بِلَا صديق. من قَادَهُ الزَّمَان إِلَى صداقة عدوه فليكثر تيقظه. من حاول صديقا يَأْمَن زلته، ويدوم اغتباطه بِهِ كَانَ كضال الطَّرِيق الَّذِي لَا يزْدَاد لنَفسِهِ إتعاباً إِلَّا ازْدَادَ من غَايَته بعدا. من رَضِي بِصُحْبَة من لَا خير فِيهِ لم يرض بِصُحْبَتِهِ من فِيهِ خير. من جمع الْحِرْص على الدُّنْيَا وَالْبخل بهَا استمسك بعمودي اللؤم. من استثقل أَن يُقَال لَهُ الْحق كَانَ الْعَمَل بِهِ عَلَيْهِ أثقل.
стр. 871
الْبَاب السَّابِع فِي سياسة السُّلْطَان وأدب الرّعية
قَالَ بعض الْحُكَمَاء: إِن قُلُوب الرّعية خَزَائِن واليها فَمَا أودعهُ وجده فِيهَا. قَالُوا: صنفان متباينان إِن صلح أَحدهمَا صلح الآخر: السُّلْطَان والرعية. قَالَ بعض الْحُكَمَاء: إِذا صَحِبت السُّلْطَان فلتكن مداراتك لَهُ مداراة الْمَرْأَة القبيحة لزَوجهَا؛ فَإِنَّهَا لَا تدع التصنع لَهُ فِي كل حَال. قَالَ الْأَعْمَش: إِذا رَأَيْت الْعَالم يَأْتِي بَاب السُّلْطَان فَاعْلَم أَنه لص. ٤٣٥ قَالَ بعض الْحُكَمَاء: ليغلق السُّلْطَان بَاب الْأنس بَينه وَبَين كفاته الَّذين تنفذ أُمُورهم فِي ملكه؛ فَإِن مؤانسته إيَّاهُم تبْعَث عَلَيْهِ بهم الجرأة وعَلى الرّعية الغشم. قَالُوا: صنفان لَو صلحا صلح جَمِيع النَّاس الْفُقَهَاء والأمراء. قيل: من دَاخل السُّلْطَان يحْتَاج أَن يدْخل أعمى وَيخرج أخرس. قيل للعتابي: لم لَا تقصد الْأَمِير؟ قَالَ: لِأَنِّي أرَاهُ يُعْطي وَاحِدًا لغير حَسَنَة وَلَا يَد، وَيقتل آخر بِلَا سَيِّئَة وَلَا ذَنْب. وَلست أَدْرِي أَي الرجلَيْن أكون أَنا، وَلست أَرْجُو مِنْهُ مِقْدَار مَا أخاطر بِهِ. قيل: الْعَاقِل من طلب السَّلامَة من عمل السُّلْطَان، فَإِنَّهُ إِن عف جنى عَلَيْهِ العفاف عَدَاوَة الْخَاصَّة، وَإِن بسط جنى عَلَيْهِ الْبسط أَلْسِنَة الْعَامَّة. قَالَ سعيد بن حميد: مجْلِس السُّلْطَان كالحمام؛ من فِيهِ يُرِيد الْخُرُوج وَمن هُوَ خَارج يُرِيد الدُّخُول فِيهِ. ابْن المقفع: إقبال السُّلْطَان تَعب، وإعراضه مذلة.
стр. 872
وَقَالَ آخر: السُّلْطَان إِن أرضيته أتعبك، وَإِن أغضبته أعطبك. قَالُوا: يَنْبَغِي للْملك أَن يتفقد أَمر خاصته فِي كل يَوْم، وَأمر عامته فِي كل شهر، وَأمر سُلْطَانه فِي كل سَاعَة. قَالَ بَعضهم: إِذا كنت حَافِظًا للسُّلْطَان فِي ولايتك، حذرا مِنْهُ عِنْد تقريبه لَك، أَمينا لَهُ إِذا ائتمنك، تشكر لَهُ وَلَا تكلفه الشُّكْر لَك، تعلمه وكأنك تتعلم مِنْهُ، وتؤدبه وَكَأَنَّهُ يؤدبك، بَصيرًا بهواه، مؤثراً لمنفعته، ذليلا إِن ضامك، رَاضِيا إِن أَعْطَاك، قانعاً إِن حَرمك، وَإِلَّا فابعد مِنْهُ كل الْبعد. قَالَ حَكِيم: مَحل الْملك من رَعيته مَحل الرّوح من الْبدن، وَمحل الرّعية مِنْهُ مَحل الْبدن من الرّوح. فالروح تألم لألم كل عُضْو من أَعْضَاء الْبدن، وسائره لَا يألم لألم غَيره، وَفِي فَسَاد الرّوح فَسَاد جَمِيع الْبدن، وَقد يفْسد بعض الْبدن وَغَيره من سَائِر الْبدن صَحِيح. قَالَ سهل بن هَارُون: يَنْبَغِي للنديم أَن يكون كَأَنَّمَا خلق من قلب الْملك؛ يتَصَرَّف بشهواته، ويتقلب بإرادته، إِذا جد جد، وَإِذا تطلق تطلق؛ لَا يمل المعاشرة، وَلَا يسأم المسامرة، إِذا انتشى تحفظ، وَإِذا صَحا تيقظ. وَيكون كَاتِما لسره، ناشراً لبره، وَيكون للْملك دون العَبْد؛ لِأَن العَبْد يخْدم نَائِبا والنديم يحضر دائباً. كَانَ مَسْرُوق بن الأجدع يُنْهِي عَن عمل السُّلْطَان، فَدَعَاهُ زِيَاد وولاه السلسلة، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: اجْتمع عَليّ زِيَاد وَشُرَيْح والشيطان، فَكَانُوا ثَلَاثَة وَكنت وَاحِدًا فغلبوني. قيل لبَعض من يتَصَرَّف مَعَ السُّلْطَان: لَا تصحبهم؛ فَإِن مثلهم مثل قدر أسود كلما مَسّه إِنْسَان سوده. فَقَالَ: إِن كَانَ خَارج الْقدر أسود فَإِن دَاخله لحم سمين، وَطَعَام لذيذ. كَانَ يُقَال: لَا سُلْطَان إِلَّا بِرِجَال، وَلَا رجال إِلَّا بِمَال، وَلَا مَال إِلَّا بعمارة، وَلَا عمَارَة إِلَّا بِعدْل وَحسن سياسة. قَالَ بعض الْمُلُوك فِي خطْبَة: إِنَّمَا نملك الأجساد لَا النيات، ونحكم بِالْعَدْلِ
стр. 873
لَا بِالرِّضَا، ونفحص عَن الْأَعْمَال لَا عَن السرائر. قيل: أفضل من عوشر بِهِ الْمُلُوك قلَّة الْخلاف وَتَخْفِيف المئونة. قيل: لَا يقدر على صُحْبَة السُّلْطَان ٤٣٦ إِلَّا من يسْتَقلّ لما حملوه، وَلَا يلحف إِذا سَأَلَهُمْ، وَلَا يغتر بهم إِذا رَضوا عَنهُ، وَلَا يتَغَيَّر لَهُم إِذا سخطوا عَلَيْهِ، وَلَا يطغى إِذا سلطوه، وَلَا يبطر إِذا أكرموه. قيل لبَعض الْمُلُوك وَقد زَالَ عَنهُ ملكه: مَا الَّذِي سلبك مَا كنت فِيهِ؟ قَالَ: دفع عمل الْيَوْم إِلَى غده، والتماس عدَّة بتضييع عدد، وبذل أبطر وأضغن. ابْن المقفع: النَّاس على دين السُّلْطَان إِلَّا الْقَلِيل؛ فَلْيَكُن للبر والمروءة عِنْده نفاق فسيكسد بذلك الْفُجُور والدناءة. وَفِيمَا قَالَ أَبُو حَازِم لِسُلَيْمَان بن عبد الْملك: السُّلْطَان سوق؛ فَمَا نفق عِنْده أَتَى بِهِ. قَالُوا: شَرّ الْأُمَرَاء أبعدهم من الْقُرَّاء، وَشر الْقُرَّاء أقربهم من الْأُمَرَاء. قيل: إِذا جعلك السُّلْطَان أَخا فاجعله رَبًّا، وَإِن زادك فزده. قَالَ مُسلم بن عَمْرو: يَنْبَغِي لمن خدم السُّلْطَان أَلا يغتر بهم إِذا رَضوا وَلَا يتَغَيَّر لَهُم إِذا سخطوا عَلَيْهِ، وَلَا يستثقل مَا حملوه، وَلَا يلحف فِي مسألتهم. قَالُوا: مثل صَاحب السُّلْطَان مثل رَاكب الْأسد؛ يهابه النَّاس وَهُوَ لمركبه أهيب. لِلْكَاتِبِ على الْملك ثَلَاث: رفع الْحجاب عَنهُ، واتهام الوشاة عَلَيْهِ، وإفشاء السِّرّ إِلَيْهِ. يجب على الْملك أَن يعْمل بِثَلَاث خِصَال: تَأْخِير الْعقُوبَة فِي سُلْطَان الْغَضَب، وتعجيل مُكَافَأَة المحسن، وَالْعَمَل بالأناة فِيمَا يحدث، فَإِن لَهُ فِي تَأْخِير الْعقُوبَة إِمْكَان الْعَفو، وَفِي تَعْجِيل الْمُكَافَأَة بِالْإِحْسَانِ المسارعة فِي الطَّاعَة من الرّعية، وَفِي الأناة انْفِسَاخ الرَّأْي واتضاح الصَّوَاب.
стр. 874
قَالَ رجل لبَعض السلاطين: أَسأَلك بِالَّذِي أَنْت بَين يَدَيْهِ أذلّ مني بَين يَديك، وَهُوَ على عقابك أقدر مِنْك على عقابي، إِلَّا نظرت فِي أَمْرِي نظر من يرى برئي أحب إِلَيْهِ من سقمي وبراءتي أحب إِلَيْهِ من جُرْمِي. ابْن المقفع: لَا يَنْبَغِي للْملك أَن يغْضب؛ لِأَن الْقُدْرَة من وَرَاء حَاجته. وَلَا يكذب؛ فَإِنَّهُ لَا يقدر أحد على استكراهه على غير مَا يُرِيد، وَلَا يبخل فَإِنَّهُ يخَاف الْفقر، وَلَا يحقد لِأَن خطره قد جلّ عَن المجازاة. قَالَ أَبُو حَازِم: للسُّلْطَان كحل يكحل بِهِ من يوليه، فَلَا يبصر حَتَّى يعْزل. حُكيَ عَن بَعضهم أَنه قَالَ: حَاجِب السُّلْطَان نصفه، وكاتبه كُله. وَيَنْبَغِي لصَاحب الشرطة أَن يُطِيل الْجُلُوس، ويديم العبوس، ويستخف بالشفاعات. ابنلي بعض الْمُلُوك بصمم فَقَالَ: لَئِن كنت أصبت بسمعي، فَلَقَد متعت ببصري. ثمَّ نَادَى مناديه: من ظلم فليلبس ثوبا مصبوغاً وليقم حَيْثُ أرَاهُ فأدعو بِهِ وَأنْظر فِي أمره. كَانَ يُقَال، إِن الْمُلُوك من الْفرس وَغَيرهم كَانُوا يهنئون بالعافية، وَلَا يعادون من الْعلَّة؛ لِأَن عللهم كَانَت تستر نظرا وإبقاء عَلَيْهِم، وَلَا يعلمهَا إِلَّا خواصهم. وَكَانَت عافيتهم تشتهر؛ لما للنَّاس من الصّلاح بهَا، ودوام الألفة، واستقامة الْأُمُور عَنْهَا. قَالَ بَعضهم: إِذا صَحِبت السُّلْطَان فلتكن مداراتك مداراة الْمَرْأَة القبيحة للزَّوْج الْمُبْغض لَهَا؛ فَإِنَّهَا لَا تدع التصنع لَهُ بِكُل حِيلَة. قَالَ فيلسوف: إِذا قربك السُّلْطَان فَكُن مِنْهُ على حد السنان، وَإِن استرسل إِلَيْك فَلَا تأمن انقلابه عَلَيْك، وارفق بِهِ رفقك بِالصَّبِيِّ، وَكَلمه بِمَا يَشْتَهِي. وَدخل يزِيد بن عمر بن هُبَيْرَة على الْمَنْصُور فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ توسع توسعاً قرشياً، وَلَا تضق ٤٣٧ ضيقا حجازياً. وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن سلطانكم حَدِيث، وإمارتكم جَدِيدَة، فأذيقوا النَّاس حلاوة عدلها، وجنبوهم مرَارَة جورها، فوَاللَّه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لقد مخضت لَك. ثمَّ نَهَضَ فَنَهَضَ مَعَه تِسْعمائَة من قيس، فأتأره الْمَنْصُور بَصَره ثمَّ قَالَ: لَا يعز ملك فِيهِ مثل هَذَا.
стр. 875
قَالُوا: عدل السُّلْطَان أَنْفَع للرعية من خصب الزَّمَان. كَانَ الْفضل بن الرّبيع يَقُول: مساءلة الْمُلُوك عَن أَحْوَالهم من كَلَام النوكى فَإِذا أردْت أَن تَقول: كَيفَ أصبح الْأَمِير؟ فَقل: صبح الله الْأَمِير بالكرامة. وَإِن أردْت أَن تَقول كَيفَ يجد الْأَمِير نَفسه؟ فَقل: وهب الله الْأَمِير الْعَافِيَة وَنَحْو هَذِه الْأَشْيَاء فَإِن المساءلة توجب الْجَواب فَإِن لم يجبك اشْتَدَّ عَلَيْك وَإِن جابك اشْتَدَّ عَلَيْهِ. قيل لِابْنِ عَبَّاس: إِن النَّاس قد فسدوا وَلَا يصلحهم إِلَّا الشَّرّ. قَالَ: بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ للجور أشب للشر، وَالْعدْل أطفأ للجور. وَفِي الْعدْل كِفَايَة، وَإِلَيْهِ انْتَهَت السياسة. وَقد يُصِيب الْوَالِي فِي رَعيته بِأَرْبَع من نَفسه وَأَرْبع من أنفسهم؛ فَأَما الْأَرْبَع اللواتي مِنْهُم فالرغبة والرهبة وَالْأَمَانَة والنصيحة. وَأما الْأَرْبَع اللواتي من نَفسه فإعطاء من نصحه، وَالْجَزَاء لمن أبلاه، وعقوبة ذِي الذَّنب بِقدر ذَنبه، والتنكيل بِمن تعدى أمره. فَإِن هُوَ لم يفعل ذَلِك وتراخى ابتلى مِنْهُم بِأَرْبَع: بالغش والخذلان والخيانة والنكد. قيل: ليعلم من نَالَ شرف الْمنزلَة من السُّلْطَان وَهُوَ دني الأَصْل أَنه ثأر الْأَشْرَاف، وَأَنه لَا نجاة لَهُ مِنْهُم إِلَّا أَن يعمرهم بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِم. إِذا كَانَ الْملك ضَعِيفا، والوزير شَرها، وَالْقَاضِي كذوباً فرقوا الْملك شعاعاً. ملك عسوف أجدى على الرّعية من ملك مقتصد السِّيرَة ضَعِيف؛ لِأَن العسوف الْقوي قد يدْفع عَن الْبَيْضَة بقوته، وَمَعَهُ أَنَفَة يحمي بهَا حوزته، والضعيف لَا يستقصي حقة، وَلَا يَأْخُذ حُقُوق رَعيته، وَلَا قُوَّة بِهِ على دفع عدوه وعدوهم. إِذا قنع الْملك بإفساد دينه لم تقنع رَعيته إِلَّا بِإِزَالَة ملكه. ظلم الرّعية استجلاب البلية. أحزم الْمُلُوك من ملك جده هزله، وقهر رَأْيه هَوَاهُ، وَعبر عَن ضَمِيره فعله، وَلم يخدعه رِضَاهُ عَن حَظه، وَلَا غَضَبه عَن كَيده.
стр. 876
قَالُوا: أَرْبَعَة أَشْيَاء تقبح بِأَهْلِهَا: ضيق ذرع الْملك، وَسُرْعَة غضب الْعَالم، وبذاء النِّسَاء، وَكذب الْقُضَاة. خير الْمُلُوك من حمل نَفسه على خير الْآدَاب، ثمَّ حمل رَعيته على الإقتداء بِهِ. أعجز الْمُلُوك أضعفهم عَن إصْلَاح بطانته. إِذا اضْطر الْملك إِلَى الْكَذِب فليهرب من ملكه. الْعجب مِمَّن استفسد رَعيته وَهُوَ يعلم أَن عزه بطاعتهم. إِذا رغب الْملك عَن الْعدْل رغبت رَعيته عَن طَاعَته. إِذا لم يرجع الْملك إِلَّا إِلَى رأى وزيره، فالوزير هُوَ الْملك، وَالْملك سوقة مسخر. من لم يصلح نَفسه من الْمُلُوك عسر عَلَيْهِ إصْلَاح رَعيته، وَكَيف يعرف رشد غَيره من يعمى عَن ذَات نَفسه؟ لَا تخف صولة الْأُمَرَاء مَعَ صداقة الوزراء. طَال حزن من غضب على الْمُلُوك وَهُوَ لَا يقدر على الانتقام مِنْهُم. صُحْبَة السُّلْطَان بِلَا أدب كركوب الْبَريَّة بِغَيْر مَاء. اثْنَان يَنْبَغِي للْملك أَن يحذرهما: الزَّمَان ٤٣٨ والأشرار. إِذا امتهنت خَاصَّة الْملك فالملك هُوَ الممتهن. يَنْبَغِي لصَاحب السُّلْطَان أَن يستعد لعذر مَا لم يجنه، وَأَن يكون آنس مَا يكون بِهِ أوحش مَا يكون مِنْهُ. فَإِذا سلمت الْحَال عِنْده فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يَأْمَن ملالته. أقوى الْمُلُوك فِي الدُّنْيَا أعلمهم بضعفه فِي الْآخِرَة. لَا أحد أَمر عَيْشًا وَأكْثر نصبا وأطول فكرة من الْملك الْعَارِف بالعواقب، الموقن بالمعاد. موت الْملك الجائر خصب شَامِل، لِأَنَّهُ لَا قحط أَشد من جور السُّلْطَان. إِذا تفرغ الْملك للهوه تفرغت رَعيته لإفساد ملكه.
стр. 877
إِذا وقفت الرّعية على سرائر الْمُلُوك هان عَلَيْهَا أمرهَا. يَنْبَغِي للْملك أَن يأنف من أَن يكون فِي رَعيته من هُوَ أفضل دينا مِنْهُ، كَمَا يأنف أَن يكون فيهم من هُوَ أنفذ أمرا مِنْهُ. أعجب الْأَشْيَاء ملك يطْلب نصيحة رَعيته مَعَ ظلمهم. ليعلم الْملك أَن الَّذِي لَهُ عِنْد رَعيته مثل الَّذِي لرعيته عِنْده. وضع الشدَّة فِي مَوضِع اللين سوء بصر بِالتَّدْبِيرِ، والاستسلام لرأي الوزراء هُوَ الْعَزْل الْخَفي. إِذا لم يشرف الْملك على أُمُوره فَليعلم أَن أغش النَّاس لَهُ وزيره. من استكفى الْأُمَنَاء ربح التُّهْمَة. قَضَاء حق المحسن أدب للمسيء، وعقوبة الْمُسِيء حسن جَزَاء المحسن. لن تَجِد الْحَرْب الغشوم أسْرع فِي اجتياح الْملك من تَضْييع الْمَرَاتِب، حَتَّى يُصِيبهَا أهل النذالة والفسولة، ويزهد فِيهَا أولو الْفضل، ويطمع فِيهَا الأراذل. قَالُوا: إِذا أَرَادَ الله إِزَالَة ملك عَن قوم جبنهم فِي آرائهم. الْعجب من سُلْطَان يَبْتَدِئ على رَعيته وَالسيف وَالسَّوْط بِيَدِهِ. لَا شَيْء أذهب بالدول من تَوْلِيَة الأشرار. الْملك لَا تصلحه إِلَّا الطَّاعَة والرعية لَا يصلحها إِلَّا الْعدْل. دخل أَبُو مجلز على قُتَيْبَة بخراسان وَهُوَ يضْرب رجلا بالعصا فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير؛ إِن الله جعل لكل شَيْء قدرا، وَوقت لَهُ وقتا؛ فالعصا للأنعام والهوام
стр. 878
والبهائم الْعِظَام، وَالسَّوْط للحدود وَالتَّعْزِير، والدرة للأدب، وَالسيف لقِتَال الْعَدو والقود. قَالُوا: عمل السُّلْطَان حَدِيث فَكُن حَدِيثا حسنا. إِذا ضيعت الْمُلُوك سنَن أديانها أَنَّهَا تهدم أساس ملكهَا. لَا يَنْبَغِي للْملك أَن يكون سَفِيها وَمِنْه يلْتَمس الْحلم، وَلَا جائراً وَمِنْه يلْتَمس الْعدْل. إِذا لم يثب الْملك على النَّصِيحَة غشته الرّعية. وَفد على مُعَاوِيَة عبيد بن كَعْب النميري فَسَأَلَهُ عَن زِيَاد وسياسته فَقَالَ: يسْتَعْمل على الْجد وَالْأَمَانَة دون الْهوى، ويعاقب فَلَا يعدو بالذنب قدره ويسمر ليستجم بِحَدِيث اللَّيْل تَدْبِير النَّهَار قَالَ: أحسن. إِن التثقيل على الْقلب مضرَّة بِالرَّأْيِ. فَكيف رَأْيه فِي حُقُوق النَّاس فِيمَا عَلَيْهِ وَله؟ قَالَ: يَأْخُذ مَاله عفوا وَيُعْطِي مَا عَلَيْهِ عفوا. قَالَ: فَكيف عطاياه؟ قَالَ: يُعْطي حَتَّى يُقَال جواد، وَيمْنَع حَتَّى يُقَال بخيل. قَالُوا: التذلل للملوك دَاعِيَة الْعِزّ والتعزز عَلَيْهِم ذل الْأَبَد. كَثْرَة أعوان السوء مضرَّة للأعمال. الدَّالَّة على الْمُلُوك تعرض للسقوط. خير الْمُلُوك من ملك جَهله بحلمه، وخرقه برفقه، وعجلته باناته، وعقوبته ٤٣٩ بعفوه، وعاجله بمراقبة آجله، وَأمن رَعيته بعدله، وسد ثغورهم بهيبته، وجبر فاقتهم بجوده. يعلم وَكَأَنَّهُ لَا يعلم، ويحسم الدَّاء من حَيْثُ استبهم. بغض الْمُلُوك كي لَا يبرأ، وحسدهم عر يتفشى. السُّلْطَان فِي تنقله وتنقل النَّاس مَعَه كالظل الَّذِي تأوي إِلَيْهِ السابلة. شدَّة الانقباض من السُّلْطَان تورث التُّهْمَة، وسهولة الانبساط تورث الملالة.
стр. 879
من سَعَادَة جد الْمَرْء أَلا يكون فِي الزَّمَان الْمُخْتَلط مُدبرا للسُّلْطَان. من سَكَرَات السُّلْطَان أَن يرضى عَمَّن اسْتوْجبَ السخط، ويسخط على من اسْتوْجبَ الرِّضَا من غير سَبَب مَعْلُوم. بلغ بعض الْمُلُوك حسن سياسة ملك فَكتب إِلَيْهِ: قد بلغت من حسن السياسة مبلغا لم يبلغهُ ملك فِي زَمَانك، فأفدني الَّذِي بلغكه. فَكتب إِلَيْهِ: " لم أهزل فِي أَمر وَلَا نهي، وَلَا وعد وَلَا وَعِيد، واستكفيت أهل الْكِفَايَة، وَأثبت على الْغناء لَا على الْهوى، وأودعت الْقُلُوب هَيْبَة لم يشبها مقت، ووداً لم يشبه كذب، وعممت بالقوت ومنعت الفضول ". أَمْرَانِ جليلان لَا يصلح أَحدهمَا إِلَّا بالتفرد بِهِ، وَلَا يصلح الآخر إِلَّا بالتعاون عَلَيْهِ: وهما الْملك والرأى؛ فَإِن استقام الْملك بالشركاء استقام الرَّأْي بالتفرد بِهِ. لَا شَيْء أهلك للسُّلْطَان من صَاحب يحسن القَوْل وَلَا يحسن الْعَمَل. اصحب السُّلْطَان بإعمال الحذر، ورفض الدَّالَّة، وَالِاجْتِهَاد فِي النصح واصحبه بِثَلَاث: بِالرِّضَا وَالصَّبْر والصدق. اعْلَم أَن لكل شَيْء حدا، فَمَا جاوزه كَانَ سَرفًا، وَمَا قصر عَنهُ كَانَ عَجزا. فَلَا تبلغ بك نصيحة السُّلْطَان أَن تعادي حَاشِيَته من أَهله وخاصته؛ فَإِن ذَلِك لَيْسَ من حَقه عَلَيْك. وَلَكِن أقضى لحقه عَنْك، وأدعى للسلامة إِلَيْك أَن تستصلح أُولَئِكَ جهدك، فَإنَّك إِذا فعلت ذَلِك شكرت نعْمَته، وَأمنت حجَّته، وفللت عَدوك عِنْده. إِذا جاريت عِنْد السُّلْطَان كفئاً من أكفائك فلتكن مجاراتك إِيَّاه بِالْحجَّةِ، وَإِن عضهك، وبالرفق وَإِن خرق بك؛ وَاحْذَرْ أَن يستلجك فتحمى، فَإِن الْغَضَب يعمي عَن الفرصة، وَيقطع عَن الْحجَّة، وَيظْهر عَلَيْك الْخصم. احترس أَن يعرفك السُّلْطَان بِاثْنَيْنِ: بِكَثْرَة الإطراء للنَّاس عِنْده، وبكثرة
стр. 880
ذمهم؛ فيعد ذَلِك غلاً مِنْك فَإِنَّهُ إِذا رأى كَثْرَة إطرائك للنَّاس وذمهم ضرّ ذَلِك صديقك وَإِن كَانَ محقاً، وَأمن عَدوك كيدك وَإِن كَانَ معوراً. وَعَلَيْك بِالْقَصْدِ والتحرز؛ فَإِنَّهُ إِن يعرفك بِهِ كنت لعدوك أضرّ ولصديقك أَنْفَع. لاتتورد على السُّلْطَان بالدالة وَإِن كَانَ أَخَاك، وَلَا بِالْحجَّةِ وَإِن وثقت أَنَّهَا لَك، وَلَا بِالنَّصِيحَةِ وَإِن كَانَت لَهُ دُونك فَإِن السُّلْطَان تعرض لَهُ ثَلَاث: الْقُدْرَة دون الْكَرم، وَالْحمية دون النصفة، واللجاج دون الْحَظ. سُئِلَ بَعضهم: أَي شَيْء أرفع بِذكر الْمُلُوك؟ قَالَ: تدبيرهم أَمر الْبِلَاد بِعدْل، ومنعهم إِيَّاهَا بعز. قيل: فَمَا الَّذِي على الْمُلُوك لرعيتهم، وَمَا الَّذِي على الرّعية لملوكهم؟ قَالَ: على الْمُلُوك لرعيتهم ٤٤٠ مَا تأمن عَلَيْهِ أنفسهم ويرغد عَلَيْهِ عيشهم. وللملوك على رعيتهم الشُّكْر والنصيحة. اعْلَم أَن الْمُلُوك تحْتَاج إِلَى الْوَزير، وَأَشْجَع الرِّجَال يحْتَاج إِلَى السِّلَاح وأجود الْخَيل يحْتَاج إِلَى السَّوْط، وَأحد الشفار يحْتَاج إِلَى المسن. صَلَاح الدُّنْيَا بصلاح الْمُلُوك، وَصَلَاح الْمُلُوك بصلاح الوزراء، وَلَا يصلح الْملك إِلَّا لأَهله وَلَا تصلح الوزارة إِلَى لمستحقها. أفضل عدد الْمُلُوك صَلَاح الوزراء الكفاة؛ لِأَن فِي صَلَاحهمْ صَلَاح قُلُوب عوامهم لَهُم. خير الوزراء أَصْلحهم للرعية، وأصدقهم نِيَّة فِي النَّصِيحَة، وأشدهم ذباً عَن المملكة، وأشدهم بَصِيرَة فِي الطَّاعَة، وآخذهم لحقوق الرّعية من نَفسه وسلطانه. لَيْسَ شَيْء للملوك أولى بالفرح وَالسُّرُور بِهِ فِي ملكهَا من سيرة حَسَنَة يسيرونها، وَسنة صَالِحَة يجرونها، ووزير صَالح يؤيدون بِهِ. الْوَزير الْخَيْر لَا يرى أَن صَلَاحه فِي نَفسه كَائِن صلاحاً حَتَّى يتَّصل بصلاح الْملك ورعيته، وَتَكون عنايته فِيمَا عطف الْملك على عامته، وَفِيمَا استعطف قُلُوب الْعَامَّة على الطَّاعَة لملكه، وَفِيمَا قوم أَمر الْملك والمملكة من تَدْبيره، حَتَّى يجمع إِلَى أَخذ الْحق وتقديمه عُمُوم الْأَمْن والسلامة، وَيجمع إِلَى صَلَاح الْملك صَلَاح أَتْبَاعه. وَإِذا طرقت الْحَوَادِث، ودهمت المظائم، كَانَ للْملك عدَّة وعتاداً، وللرعية
следующие страницы →