Полный текст (439 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله الذي أقحم مصاقع الفصحاء بمعجز كلامه، وأخرس شقاشق البلغاء بترتيبه ونظامه، وبهر العرب العرباء باختراع مفتحه وختامه، الذي لا يرتقي نز الأوهام إلى زلازل كنه جبروته، ولا يستحوذ لهام الأفهام على سبر نقطة من مساحة بيداء ملكوته، ولا تؤمل أفكار الحكماء الراسخين، إدراك لمعة من أثيريات لاهوته.
ميز نوع الإنسان عن جنسه بفصل الكلام، وفضلّ منه صنف الملوك فعظمت فضائلهم المشتركة بين الخاص والعام. واختص من خلقه نبينا محمداً عليه أفضل الصلاة والسلام.
أحمده حمد معترف بالقصور عن أداء ما يجب منه عليه، وأشكره شكر مغترف من بحور فضله منيباً بكليته إليه. والصلاة والسلام على من اهتزت بأرواح نصرة أعطاف دولة العرب، فماج بها خضم دول الأكاسرة والقياصرة فاضطرب، وخضع من إعمال حسامه ربّ التاج والسرير لصاحب
стр. 2
الشاة والبعير، فعطست العرب فرحاً بأنف العز الشامخ، وجرت مرحاً ذيل الشرف الباذخ الذي أبكى بمولده عيون الكفرة فخمدت نار فارس، وضعضع دعائم الفجرة فأصبح إيوان كسرى وهو طلل دارس، محمد المبعوث لامتطاء العباد جادة الرشاد، المبلغ عن الخالق إلى الخلائق قوانين الصواب والقواعد السداد، وعلى آله الذين شيدوا من بيوت الدين قواعد، وشرفوا بأقدامهم أعواد المنابر وساحات المساجد، وأصحابه أئمة الدين ورؤساء أهل اليقين بدور التمام ومصابيح الظلام، ما لمع البرق وغنّى الحمام، وأضحك الروض بكاء الغمام وبعد: فيقول أفقر العباد إلى الله عبد الله بن المعتز بالله بن المتوكل على الله بن محمد المعتصم بالله بن الرشيد بن هارون بن المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ﵁: عقد الفكر طرفي ليلة بالنجوم، لوارد ورد عليّ من الهموم، نفض عن عيني كحل الرقاد، وألبس مقلتي حلل السهاد، فتأملت فخطر على الخاطر في بعض الأفكار، أن أذكر في نسخة ما وضعته الشعراء من الأشعار، في مدح الخلفاء والوزراء والأمراء من بني العباس، ليكون مذكوراً عند الناس، متابعاً لما ألفه ابن نجيم قبلي بكتابه المسمى طبقات الشعراء الثقات، مستعيناً بالله المسهل الحاجات، وسميته طبقات الشعراء المتكلمين، من الأدباء المتقدمين.
стр. 3
فكان أول ترجمة ابن نجيم بشار بن برد وما له من الأشعار والآثار فنظرت في ذلك أن أجمعهم في هذا الكتاب، فرأيت الاختصار لأشعارهم عين الصواب، ولو اقتصيت جميع ما لهم من الأشعار لطال الكتاب، وخرج عن حد القصد، فاختصرت ذلك وذكرت ما كان شاذاً من دواوينهم، وما لم يذكر في الكتب من أشعارهم، واقتصرت على ما كان من مطولات قصائدهم، وبالله الاستعانة والتوفيق، وإليه المرجع والمآب، وما توفيقي إلا بالله، وعليه فليتوكل المتوكلون، ومنه يطلب الطالبون، وهو حسبي ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.
стр. 4
أخبار ابن هرمة
هو إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر بن هرمة القرشي، أحد بني قيس بن الحارث بن فهر، ويقال لهم: الخلج. حجازي سكن المدينة، ويكنى أبا إسحاق.
قال الأصمعي: ختم الشعر بابن هرمة، فإنه مدح ملوك بني مروان، وبقي إلى آخر أيام المنصور.
فمن شعره في عبد الواحد بن سليمان:
إذا قيل من خير من يجتدى ... لمعترّ فهرٍ ومحتاجها
ومن يعجل الخيل يوم الوغى ... بإلجامها قبل إسراجها
أشارت نساء بني مالك ... إليك بها قبل أزواجها
وكانت له مدائح في عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب وفي حسن بن زيد ﵉، وكان منقطعاً إليهما، فلما خرج محمد ابن عبد الله علي المنصور قعد عنه وقيل له يوماً، وقد أتهم في التشيع أنت القائل:
ومهما ألام على حبّة ... فإني أحبّ بني فاطمة
стр. 5
بني بنت من جاء بالمحكما ... ت والدين والسنة القائمة
فقال: قائلها من عضَ بظر أمه، فقال له ابنه، يا أبت ألست تقولهما في وقت كذا وكذا؟ فقال: يا بني أيهما خير، أعض بظر أمي، أم يأخذني ابن قحطبة؟ وله في الحكم بن المطلب يمدحه:
لا عيب يوجد فيك إلا أنني ... أمسى عليك من المنون شفيقا
قال ابن المعتز: ومما يستجاد من شعره قوله:
قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه ... خلق وجيب قميصه مرقوع
بشار بن برد
كان شاعراً مجيداً مفلقاً ظريفاً محسناً، خدم الملوك وحضر مجالس الخلفاء، وأخذ فوائدهم، وكان يمدح المهدي ويخضر مجلسه، وكان يأنس به ويدنيه ويجزل في العطايا، وكان صاحب صوت حسن ومنادمة، وكان حضر المهدي في مجلس مع جواريه بعث إليه لأجل المسامرة والمحادثة وكان بشار يعد من الخطباء البلغاء الفصحاء وله قصائد وأشعار كثيرة، فوشى به بعض من يبغضه إلى المهدي بأنه يدين بدين الخوارج فقتله المهدي. وقيل: بل قيل للمهدي: إنه يهجوك، فقتله والذي صح من الأخبار في قتل بشار أنه كان يمدح المهدي، والمهدي ينعم عليه، فرمي بالزندقة فقتله. وقيل: ضربه سبعين سوطاً فمات؛ وقيل ضرب عنقه. وكانت وفاته سنة سبع، وقيل: ثمان وستين ومائة في أيام المهدي.
стр. 6
ولما توفي تذكره المهدي وحسن معاشرته له. كان أنيس مجلسه وقد كان معجباً به وبشعره، وكان يدنيه، وكان بشار كفيفاً قبل موته بأربعين سنة، ولهذا كان يحضر المجلس والجواري عند المهدي لكونه لا يبصرهن. وحكى أن المهدي لما قتل بشاراً ندم على قتله وأحبّ أن يجد شيئاً يتعلق به، فبعث إلى كتبه، فأحضرها وأمر بتفتيشها طمعاً في أن يجد فيها شيئاً مما حزبه عليه، فلم يجد من ذلك شيئاً، ومرّ بطومار مختوم، فظن أن فيه شيئاً، فأمر بنشره، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، إني أردت أن أهجو آل سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، فذكرت قرابتهم من رسول الله ﷺ وآله، فمنعني ذلك من هجوهم، ووهبت جرمهم لله ، وقد قلت بيتين لم أذكر فيهما عرضاً ولم أقدح في دين، وهما:
دينار آل سليمان ودرهمهم ... كالبابليين شدّاً بالعفاريت
لا يوجدان ولا يرجى لقاؤهما ... كما سمعت بهاروت وماروت
فقال: الآن والله صح الندم.
وحدثني أبو جعفر قال: قال ابن أبي أفلح: قال رجل لبشار: إن الله ما سلب أحداً كريمتيه إلا عوضه عنهما حسن صوت أو ذكاء، فأنت فماذا عوضك من بصرك؟ فقال: عوضني فقدان النظر إلى ابن زانية مثلك منذ أربعين سنة.
قال السدري: كان عمي بشار من أفقه الناس وأعلمهم بكتاب الله،
стр. 7
فعاشر قوماً من الحرانيين فخبث دينه. وكان مفتنا بارعاً، وكان من الشعر بمكان لم يكن به أحد غيره، وكان يقول: ما أعلم شيئاً مما عندي أقل من الشعر.
حدَّثني ابن أبي أفلح قال: أخبرني أبو حاتم السجستاني قال: سئل أبو عبيدة - وأنا حاضر - عن شعر بشار فقال شذرة ونقرة.
قال: ودخل المهدي أيام خلافته على جماعة من جواريه، وهن مجتمعات في حجرة بعضهن، فجلس عندهن يشرب، فقلن له: لو أذنت لبشار في الدخول علينا لنسامره ونحادثه - وكان من أحسن الناس حديثاً وأظرفهم مجلساً، وأكثرهم ملحا - فأمر به فأحضر. واجتمعن عليه فحدثهن، وجعل يسرد عليهن من نوادره وملحه وينشدهن عيون شعره، فسررن بذلك سروراً شديداً، وقلن له: يا بشار، ليتك أبونا فلا نفارقك أبداً. قال: نعم، وأنا على دين كسرى. فضحك منه المهدي، وأمر له بجائزة.
واطلع المهدي يوماً على بعض جواريه، وهي عريانة تغتسل، فأحست به، فضمت فخذيها، وسترت متاعها بكفيها، فلم يشملاه، حتى انثنت
стр. 8
فسترته بعكن بطنها، فخرج المهدي ضاحكاً، وبشار في الدار، فقال: أجز هذا البيت. " أبصرت عيني لحيني " فقال بشار على البديهة:
................. ... منظراً وافق شيني
سترته إذ رأتني ... تحت بطن الراحتين
فبدت منهُ فضول ... لم توار باليدين
فانثنت حتى توارت ... بين طيٍّ العكنتين
فقال المهدي: والله ما أنت إلاّ ساحر، ولولا أنك أعمى لضربت عنقك، ولقد حكيت الأمر على وجهه حتى كأنك رأيته، ولكني أعلم أن ذلك من فرط ذكائك، وجودة فطنتك.
وكان بشار مولى لبنى عقيل. وقال بعضهم: لبنى سدوس، وكان يلقب المرعث. والمرعث: المقرط، والرعاث: القرط. وكان يرمي بالزندقة، وهو القائل:
كيف يبكي لمحبس في طلول ... من سيبكي لحبس يوم طويل
إنّ في البعث والحساب لشغلا ... عن وقوف برسم دارٍ محيل
وهذان البيتان يدلان على صحة إيمانه بالبعث. وكان مطبوعاً جدّاً لا يتكلف، وهو أستاذ المحدثين وسيدهم، ومن لا يقدم عليه، ولا يجارى في ميدانه. والصحيح عند أهل العلم أن المهدي قتله بهجوه يعقوب بن داوود وزيره بقوله:
стр. 9
بني أمية هبوا طال نومكم ... إنّ الخليفة يعقوب بن داوود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الزقّ والعود
وقال قوم: بل قتله على قوله:
لا يؤيسنك من مخبأة ... قول تغلظه وإن قبحا
عسر النساء إلى مياسرة ... والصعب يمكن بعدما جمحا
فقال المهدي: رميت جميع نساء العالمين بالفاحشة. والقول الأول أثبت.
وكان حماد عجرد يهجو بشاراً ولا يلتفت إليه حتى قال فيه:
ويا أقبح من قرد ... إذا ما عمي القرد
وما اشتد عليه قوله:
لو طليت جلدته عنبرا ... لنتنت جلدته العنبرا
أو طليت مسكاً ذكياً إذا ... تحول المسك عليه خرا
وكان حماد مفلقاً مجيداً، إلا أن موضعه لم يدان بشاراً ولا يقاربه.
ومن جيد شعر بشار كلمته في عمر بن العلاء:
إذا نبهتك حروب العداة ... فنبه لها عمراً ثم نم
ولولا الذي زعموا لم أكن ... لأمدح ريحانة قبل شمّ
وحضر بشار يوماً مجلس عقبة بن سلم الهنائي، وقد حضر عقبة بن رؤبة بن العجاج ينشده أرجوزة، فاستحسنها بشار. فقال عقبة: يا أبا معاذ، هذا طراز لا تحسنه أنت ولا نظراؤك، فغضب بشار فقال: تقول هذا؟ والله إني لأرجز منك ومن أبيك ومن جدك. ثم غدا على عقبة ابن سلم الهنائي بأرجوزته الدالية التي يقول فيها:
يا طلل الدار بذات الصمد ... بالله خبر كيف كنت بعدي
стр. 10
وفيها يقول:
الحر يلحى والعصا للعبد ... وليس للمحلف مثل الردّ
وصاحب كالدمل الممد ... حملته في رقعة في جلد
فأعجب به عقبة، وقال لأبن رؤبة: والله ما قلت أنت ولا أبوك ولا جدك مثل هذا. ووصل بشاراً وأجزل له العطية.
وكان بشار أستاذ أهل عصره من الشعراء غير مدافع، ويجتمعون إليه وينشدونه ويرضون بحكمه.
وتشبيهاته - على أنه أعمى لا يبصر - من كل ما لغيره أحسن. ومن ذلك قوله:
كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوت كواكبه
ومن خبيث هجائه قوله:
فلا تبخلا بخل ابن قزعة إنه ... مخافة أن يرجي نداه حزين
إذا جئته للعرف أغلق بابه ... فلم تلقه إلا وأنت كمين
فقل لأبي يحيى: من تبلغ العلا ... وفي كل معروف عليك يمين؟
وفيه يقول:
بجدك يا بن قزعة نلت مالاً ... ألا إن اللئام بهم جدود
стр. 11
ومن حذر الزيادة في الهدايا ... أقمت دجاجة فيمن يزيد
ومما يستحسن لبشار، لإحكام رصفه، وحسن وصفه كلمته التي يقول فيها بيته الذي ذكرناه في التشبيه، فأولها:
جفا جفوة فازور إذ مل صاحبه ... وأزرى به أن لا يزال يصاحبه
خليلي لا تستكثرا لوعة الهوى ... ولا لوعة المحزون شطت حبائبه
شفى النفس ما يلقى بعبدة مغرماً ... وما كان يلقى قلبه وضرائبه
فأقصر عن داعي الفؤاد وإنما ... يميل به أمس الهوى ويطالبه
إذا كان ذواقاً أخوك الهوى ... توجّهه في كلّ أوب ركائبه
فخّل له وجه الطريق ولا تكن ... مطيّة رحّال كثير مذاهبه
أخوك الذي إن ربته قال إنما ... أربت وإن عاتبته لان جانبه
إذا كنت في كل الأمور معاتباً ... أخاً لك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه؟
من الحيّ قيس قيس عيلان إنها ... عيون الندى منها تروي سحائبه
وما زال منها ممسك بمدينة يراقب أو ثغر تخاف مرازبه
стр. 12
إذا الملك الجبار صعر خدّه ... مشينا إليه بالسيوف نعاتبه
وكنّا إذا دبّ العدوّ لسخطنا ... وراقبنا في ظاهر لا نراقبه
غدونا له جهراً بكلّ مثقف ... وأبيض تستسقي الدماء مضاربه
كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوت كواكبه
وأرعن يعشى الشمس لون حديده ... وتخلس أبصار الكماة كتائبه
تغص به الأرض الفضاء إذا غدا ... تزاحم أركان الجبال مناكبه
تركنا به كلبا وقحطان تبتغي ... مجيراً من الهبل المطلّ مغالبه
وكان بشار يعد في الخطباء والبلغاء. ولا أعرف أحداً من أهل العلم والفهم دفع فضله ولا رغب عن شعره. وكان شعره أنقى من الراحة، وأصفى من الزجاجة وأسلس على اللسان من الماء العذب. ومما يستحسن من شعره - وإن كان كله حسناً - قوله:
أمن تجنّي حبيب راح غضبانا ... أصبحت في سكرات الموت سكرانا
لا تعرف النوم، من شوق إلى شجن ... كأنما لا ترى للناس أشجانا
أود من لم ينلني من مودته ... إلا سلاماً يردّ القلب حيرانا
يا قوم أذني لبعض الحيّ عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
стр. 13
وهذا معنى بديع لم يسبقه إليه أحد. وهذه قصيدة طويلة وقد قدمنا في كتابنا هذا أنا نروم الإيجاز والاختصار.
ومما يستحسن من شعره أيضاً وهو المعنى الذي لم يسبق إليه:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفى عني الكرى طيف ألمّ
فاهجر الشوق إلى رؤيتها ... أيها المهجور إلا في الحلم
حدثني عن كتابٍ جاءني ... منك بالذم وما كنت أذم
ومن مستحسن شعره رائيته العجيبة البديعة المعاني الرفيعة المباني:
رأيت صحابتي بخناصرات ... حمولا بعد ما متع النّهار
فكاد القلب من طرب إليهم ... ومن طول الصّبابة يستطار
وفي الحيّ الذين رأيت خود ... خلوب الدل آنسةٌ نوار
برود العارضين كأن فاها ... بعيد النوم عانقه عقار
كأنّ فؤاده كرةٌ تنزّى ... حذار البين لو نفع الحذار
يروّعه السرار بكلّ شيءٍ ... مخافة أن يكون به السّرار
وودّا لليل زيد إليه ليلٌ ... ولم يخلق له أبداً نهارُ
جفت عيني عن التغميض حتّى ... كأنّ جفونها عنها قصار
وبلغني أن مسلم بن الوليد وجماعة، منهم أبو الشيص وأبو نواس وغيرهما، كانوا عند بعض الخلفاء، فسألهم عن ديباج الشعر الذي لا يتفاوت نمطه،
стр. 14
فأنشدوه لجماعة من المتقدمين والمحدثين، فكأنه لم يقع منه بالغرض، وسأل عن أحسن من ذلك، فقال أبو نواس: أنا لها يا أمير المؤمنين. وأنشد هذه الأبيات الرائية لبشار، فاستحسنها جدّاً، وقال: ومما أجاد فيه وأفرط قوله في الافتخار:
إذا ما غضبنا غضبة مضريّةٌ ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دماً
إذا ما أعرنا سيّداً من قبيلة ... ذرى منبر صلّى علينا وسلّما
ومما يستحسن له قوله في عقبة بن سلم:
حيّيا صاحبيّ أمّ العلاء ... واحذرا طرف عينها الحوراءِ
إن في طرفها دواء وداءً ... لمحبّ، والداء قبل الدواء
عذبتني بالحب عذبها الل ... هـ بما تشتهي من الأهواء
يقع الطير حيث يلتقط الح ... ب وتغشى منازل الكرماء
إنما همة الجواد ابن سلم ... في عطاء وموكب أو لقاء
ليس يعطيك للرجاء وللخو ... ف ولكن يلذ طعم العطاء
ومما يختار من مديحه قوله في ابن العلاء
فتى لا يبيت على دمنة ... ولا يلعق الشهد إلا بسمّ
ثم يأخذ في الافتخار في قوله منها:
ألا أيّها السائلي جاهلاً ... لتعرفني أنا أنف الكرم
стр. 15
نمتني الجياد: بنو عامر ... فروعي وأصلي قريش العجم
وإنّي لأغني مقام الفتى ... وأصبي الفتاة ولا تعتصم
ومن غزله الطيب الحسن المليح قوله:
يا منية القلب إنّي لا أسميك ... أكني بأخرى أسميها وأعنيك
يا أطيب الناس ريقاً غير مختبر ... إلاّ شهادة أطراف المساويك
قد زرتنا زورة في الدّهر واحدة ... فاثني ولا تجعليها بيضة الديك
يا رحمة الله حلّى في منازلنا ... حسبي برائحة الفردوس من فيك
ومن بدائعه قوله:
وخريدة سودٍ ذوائبها ... قد ضمخت بالمسك والورس
أقبلن في رأد الضحاء بها ... فسترن عين الشمس بالشمس
وله القصيدة المشهورة التي يقول فيها هذا البيت " يا رحمة الله ... الخ " وقد ضمنه أبو نواس بشعره وهو هذا البيت:
يا رحمة الله حلي في منازلنا ... وجاورينا فدتك النفس من جار
وأخبار بشار كثيرة ونوادره في الشعر وطرائفه أكثر من أن يتضمنها هذا الكتاب على ما قدمنا فيه من إيثارها الإيجاز والاختصار وقد أتينا بما يستدل على ما سواه.
стр. 16
أخبار السيد الحميري
هو إسماعيل ين محمد بن يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري، وكان شاعراً ظريفاً حسن النمط مطبوعاً جدّاً، محكم الشعر مع ذلك، وكان أحذق الناس بسوق الأحاديث والأخبار المناقب في الشعر. لم يترك لعلي بن أبي طالب ﵇ فضيلة معروفة إلا نقلها إلى الشعر.
حدَّثني محمد بن عبد الله السدوسي عن المدائني قال: كان أبو هاشم ينال من هذا الشراب، وولي سليمان بن حبيب بن المهلب الأهواز - وكان للسيد صديقاً - فرحل إليه من الكوفة، فأكرمه ورفع مجلسه ونادمه، وأقام عنده حيناً، وكان سليمان لا يشرب الشراب ويمنع من شربه ويتشدد فيه. فامتنع السيد من شربه فأضر ذلك به وتغير لونه، فقال له يوماً: أراك قد تغيرت عن الحال التي قدمت عليها، فقال: أصدقك أيها الأمير، كنت أنال من هذا الشراب فيمرئ طعامي ويشد عضدي ويقوي بدني، فأمسكت عنه مساعدة للأمير أصلحه الله، فصرت إلى ما ترى. فتبسم سليمان وقال: أحق ما يجب علينا من حق من يمدح آل الرسول صلى الله عليه وآله أن نحتمل له شرب النبيذ، فأصب منه فإنه غذاؤك. ثم كتب إلى عامله بالجبل أن احمل إلى أبي هاشم مائتي دورق ميفختج. ودفع الرقعة إلى السيد فقال: أصلح الله الأمير، البليغ من يوجز الكلام ويختصره، قال سليمان: وما رأيت من العيّ؟ قال: جمعك بين كلمتين مستغني بإحداهما، دع
стр. 17
" مي " وامح فختج فقال: صدقت وحمل إليه ما أراد.
وحدثني محمد بن عبد الله قال: قال لي السيد: اختصم رجلان في أبي بكر وعلي فأطالا ثم رضيا بأن يحكم بينهما أول طالع يطلع عليهما. فكنت ذاك - وأنا على بغلة، وهما لا يعرفانني - قال محمد: وكان السيد وسيماً جسيماً - فابتدر إليّ الشيعيّ منهما وقال: أصلحك الله، إنا اختلفنا؟ في شيء ورضينا بأول طالع علينا حكماً فقلت ففي ماذا اختلفتما قال: أنا أقول: إن علياً خير الناس بعد رسول الله. قال: فقلت: فماذا يقول هذا ابن الزانية؟ وحدثني محمد بن عبد الله قال: قال السدري راوية السيد: كان السيد أول زمانه كيسانياً يقول برجعة محمد بن الحنيفة وأنشدني في ذلك:
حتى متى؟ وإلى متى؟ ومتى المدى؟ ... يا بن الوصيّ وأنت حيّ ترزق
والقصيدة مشهورة.
وحدثني محمد بن عبد الله قال: قال السدري: ما زال السيد يقول: بذلك حتى لقي الصادق ﵇. بمكة أيام الحج، فناظره وألزمه الحجة فرجع عن ذلك. فذلك قوله في تركه تلك المقالة، ورجوعه عما كان عليه ويذكر الصادق ﵇:
تجعفرت باسم الله والله أكبر ... وأيقنت أن الله يعفو ويغفر
ويثبت مهما شاء ربي بأمره ... ويمحو ويقضي في الأمور ويقدر
وقال الأنصاري: قال العتبي: ادعى رجل على رجلٍ مالاً عند سوار
стр. 18
القاضي، فطالبه سوار بالبينة، فلم يكن له شاهد إلا السيد ورجل آخر، فأحضرهما؛ فقال سوار: قد قبلنا شهادة أبي هاشم ولكن زدنا في الشهود، فظن السيد أنه رد الشاهد الآخر، فلما خرجا قال له الرجل: والله ما رد إلا شهادتك ولم يفصح بذلك خوفاً من لسانك وتبين الأمر على ما قال: فغضب السيد على سوار وهجاه وخرقه، وفيه يقول:
يا أمين الله يا من ... صور يا خير الولاة
إنّ سوار بن عبد الل ... هـ من شر القضاة
إن سواراً الأعمى ... من ذوي جهر جناة
جملي نعثلي ... لكم غير موات
جدّه سارق عنز ... فجرة من فجرات
لرسول الله والقا ... ذفه بالمنكرات
والذي قام ينادي ... من وراء الحجرات
يا هناه أخرج إلينا ... إننا أهل هناة
فاكفنيه لا كفاه الل ... هـ شرّ الطارقات
فهجوناه ومن نه ... ج يصب بالفاقرات
стр. 19
وبعث هذه الأبيات إلى المنصور. وكتب إليه سوار: يا أمير المؤمنين إن السيد رافضي يقول بالرجعة ويرى المتعة. فكتب إليه المنصور: إن بعثناك قاضياً ولم نبعثك ساعياً. وعزله وأقطع السيد أرضاً بالبصرة من أراضي الحجاج.
ومن جيد شعره قصيدته التي تسمى المذهبة وهي التي أولها:
ين التطرف بالولاء وبالهوى ... أإلى الكواذب من بروق الخلب
إلى أمية؟ أم إلى الشيع التي ... جاءت على الجمل الخدب الشوقب
تهوي من البلد الحرام فنبهت ... بعد الهدو كلاب أهل الحوأب
وهي قصيدة مشهورة جداً، فاقتصرنا على ما أردناه منها. ومن مستحسن شعره في آل رسول الله صلى الله عليه وآله:
أتى حسناً والحسين الرسولُ ... وقد برزا ضحوة يلعبان
وضمّهما ثم فدّاهما ... وكان لديه بذاك المكان
وطأطأ تحتهما عاتقيه ... فنعم المطية والراكبان
стр. 20
والقصيدة أيضاً مشهورة، فاقتصرنا على ما ذكرناه فقط، وقصائد الجياد كثيرة لو اشتغلنا بذكرها لطال شغلنا، وقد حكوا عن بعضهم أنه قال: رأيت حمالاً عليه حمل ثقيل وقد جهده. فقلت: ما هذا؟ قال: ميميات السيد. وحكى عن السدري، أنه كان له أربع بنات، وأنه كان حفظ. كل واحدة منهن أربعمائة قصيدة من شعره، فحسبك هذا.
وحدثني الأنصاري قال: أخبرني المنذري قال: لما احتضر السيد نظر إليه غلامه وبكى، فقال له: ما يبكيك؟ قال: وكيف لا أبكي وأنت تموت وليس لك كفن؟ فقال: إذا أنا قضيت فصر إلى صف الخزازين، فقل ألا أن السيد الحميري مادح آل رسول الله صلى الله عليه وآله قد مات ففعل، فوافاه سبعون كفنا فيها الوشي والدبيقي. فهذا خبره، وكان شعره ﵀.
стр. 21
أخبار سديف
كان سديف شاعراً مفلقاً وأديباً بارعاً وخطيباً مصقعاً، وكان مطبوع الشعر حسنه. حدَّثني العوفي قال: حدَّثني أحمد بن إبراهيم الرياحي قال: سلم سديف بن ميمون على رجل من بني عبد الدار فقال له الرجل: من أنت؟ قال سديف: أصلحك الله أنا أحد أهلك، أنا سديف بن ميمون. قال العبدي: والله ما أعرف في أهلي ميموناً قال سديف ولا مباركاً.
وحدثني جعفر بن إبراهيم الجعفري: كان سديف مولى لامرأة من خزاعة وكان لها زوج من اللهبيين وادعى سديف بذلك ولاء بني هاشم، وزعم المدائني أنه مولى بني العباس وشاعرهم.
وكان سديف في أيام بني أمية يقول: هو برئ من جورهم وظلمهم وعدوانهم، اللهم صار فيئنا دولة بعد القسمة، وإمارتنا غلبة بعد المشورة
стр. 22
وعهدنا ميراثاً بعد الاختيار للأمة، واشتريت المعازف والملاهي بمال اليتيم والأرملة، وحكم في أبشار المسلمين أهل الذمة، وتولى القيام بأمرهم فاسق كل محلة، فلا ذائد يذود عن هلكة، ولا مشفق ينظر إليهم بعين الرحمة، ولا رادع يردع من أوى إليهم بمظلمة، ولا ذو شفقة يشبع الكبد الحرى من السغب، فهم أهل ضرع وضيعة وحلفاء كآبة وذلة قد استحصد زرع الباطل وبلغ نهايته، واستجمع طريده، واستوسق، وضرب بجرانه. اللهم فأتح له يداً من الحق حاصدة تجتث سنامه، وتهشم سوقه، وتبدد شمله وتفرق كلمته، ليظهر الحق في أحسن صورته، وأتم نوره، وأعظم بركته. اللهم - وقد عرفنا من أنفسنا خلالاً تقعد بنا عن استجابة الدعوة، وأنت المفضل على الخلائق أجمعين، والمتولى الإحسان إلى السائلين - فآت لنا من أمرنا حسب كرمك وجودك وامتنانك، فإنك تقضي ما تشاء، وتفعل ما تريد.
حدَّثني جعفر ابن إبراهيم بن ميمون قال: حدَّثني إسحاق بن منصور قال: حدَّثني أبو الخصيب الأسدي قال: لما تناهت أيام بني أمية وانقضت دولتهم وأفضت الخلافة إلى بني العباس، وولى منهم السفاح - وهو ابن الحارثية - اتصل الخبر بسديف وهو إذ ذاك بمكة، فاستوى على راحلته وتوجه نحو أبي العباس - وكان به عارفاً - فلما وصل إليه قال له: من أنت؟ قال: أنا سديف بن ميمون. قال: مولاي سديف؟ نعم يا أمير المؤمنين، ثم هنأه بالخلافة، ودعا له بالبركة، وأنشده قصيدة التي أولها:
стр. 23
أصبح الملك ثابت الآساس ... بالبهاليل من بني العباس
لا تقيلن عبد شمس عثاراً ... واقطعن كل رقلة وغِراس
ولقد ساءني وساءَ سوائي ... قربهم من منابر وكراسي
فاذكروا مصرع الحسين وزيد ... وقتيلاً بجانب المهراس
والقتيل الذي بحران أضحى ... رهن رمس وغربة وتناسى
ذلهما أظهر التودد منها ... وبها منكم كحز المواسي
أنزلوها بحيث أنزلها الل ... هـ بدار الإتعاس والإنكاس
فعملت كلمته في أبي العباس وحركت منه، وعنده قوم من بني أمية فقالوا: أعرابي جلف جاف لا يدري ما يخرج من رأسه. فتفرق القوم على ذلك، فلما كان من الغد، وجه أبو العباس إليهم: أن اجتمعوا واغدوا على أمير المؤمنين مع سيدكم سليمان بن هشام ليفرض لكم ويجيزكم - وكان سليمان يكنى أبا الغمر، وكان صديقاً لأبي العباس من قبل أن تفضى إليه الخلافة، يكاتبه ويقضي حوائجه - فلما أصبحوا تهيئوا بأجمعهم، وبكروا إلى أبي العباس مع أبي الغمر، فأذن لهم ورفع مجالسهم، وأجلس أبا الغمر سليمان بن هشام عن يمينه على سريره، وجاء سديف حين سمع باجتماعهم حتى استأذن عليه، فلما مثل بين يديه ونظر إلى مجالسهم كهيئتها بالأمس ورأى أبا الغمر على السرير - وفيهم رجل من كلب من أخوال أبي الغمر، وكان منعه الحاجب وقت دخولهم، فنادى: يا أبا الغمر هذا يمنعني من
стр. 24
الدخول، فقال أبو الغمر: هذا رجل من أخوالي فاتركه، فقال له الحاجب: ويلك ارجع فهو خير لك، فقال لا والله لأدخلن، قال: أنت أعلم - ثم أنشأ سديف يقول:
لا يغرنك ما ترى من رجال ... إن تحت الضلوع داءً دوياً
فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا
واستمر في القصيدة حتى أتى على آخرها، وأبو العباس يغتاظ. ويحنق ويتلون. فقال سليمان بن هشام لسديف: يا ابن الفاعلة ألا تسكت؟ فلما قال ذلك اشتد غضب أبي العباس. ونظر إلى رجال خراسان وهم وقوف بالأعمدة فقال لهم بالفارسية: دهيد، يعني اضربوا. فشدخوا رءوسهم بالأعمدة حتى أتوا على آخرهم، ثم نظر إلى سليمان وقال له: يا أبا الغمر مالك في الحياة خير بعد هؤلاء، فقال: أجل، فشدخوا رأسه وجروه برجله حتى ألقوه مع القوم، وصاج الرجل الكلبي فقال: يا أمير المؤمنين أنا رجل من كلب، فقال أبو العباس: ساعدت القوم في سرائهم فساعدهم في ضرائهم، وأومأ أن اضربوه فإذا هو مع القوم، ثم جمعهم وأمر بالأنطاع فبسطت عليهم ثم جلس فوقهم، ودعا بالغداء فتغدى، وإن بعض القوم ليتحرك، وفيهم من يسمع أنينه، فلما فرغ من غدائه قيل له هلا أمرت بهم فدفنوا أو حولوا إلى مكان آخر فإن رائحتهم تؤذيك؟ قال: والله إن هذه الرائحة لأطيب عندي من رائحة المسك والعنبر الآن سكن غليلي.
ومما يستحسن من قول سديف في الغزل:
أعيب التي أهوى وأطري جواريا ... يرين لها فضلا عليهن بينا
стр. 25
برغمي أطيل الصد عنها إذا بدت ... أحاذر آذاناً عليها وأعينا
ومن قول سديف في أمير كان على مكة من بني جمح:
وأمير من بني جمح ... طيب الأعراق ممتدح
إن أبحناه مدائحنا ... عاضنا منهن بالوضح
ولما ظهر إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بالبصرة صار إليه سديف هارباً من المنصور، وأظهر عداوة بني العباس. وصعد يوماً المنبر يخطب فقام سديف مقبلاً عليه بوجهه وقال:
إيه أبا إسحاق مليتها ... في صحة منك وعمر طويل
اذكر هداك الله ذحل الألى ... يسرى بهم في مصمتات الكبول
يعني أباه ومن حمل معه. فلما قتل إبراهيم هرب سديف وتوارى حتى
стр. 26
سكنت تلك الفورة ثم كتب إلى المنصور يسأله أن يمن عليه بالعفو وكتب إليه بهذه الأبيات:
أيها المنصور يا خير العرب ... خير من ينميه عبد المطلب
أنا مولاكم وأرجو عفوكم ... فاعف عني اليوم قبل العطب
فوقع المنصور في كتابه بخطه:
لم يلدني محمد بن علي ... إن تسميت بعدها بوليّ
ثم كتب إلى عبد الصمد بن علي عمه يأمره بقتله فيقال: أنه قطع يديه ورجليه ثم ضرب عنقه، وقيل أيضاً: إنه حمل إلى المنصور فدفنه حياً. وحدثني محمد بن حازم عن النمري الشاعر - وكان كثير الرواية لشعر سديف - قال: ما كان في زمان سديف أشعر منه ولا أطبع منه ولا أقدر على ما يريده من الشعر. وكان النمري ينكر أن يكون المنصور قتله ويقول:
ويحكم، ما نزل ببني أمية ما نزل إلا بسديف، وكان يقول: ما فارق سديف أبا العباس ثم من بعده المنصور إلى أن مات. قال: وأشعاره ونوادره كثيرة، ولكن اقتصرنا منه على هذه الجملة.
أخبار مروان بن أبي حفصة
هو مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة: وكان أبو حفصة مولى لمروان بن الحكم أعتقه يوم الدار لأنه أبلى
стр. 27
يومئذ. والدليل على ذلك قول مروان يذكر عتق أبي حفصة:
بنو مروان قوم أعتقوني ... وكل الناس بعدهم عبيد
حدَّثني عبد الرحمن بن محمد التميمي عن أبيه محمد بن حنظلة قال: قال شراحيل بن معن بن زائدة: عرضت في طريق مكة ليحيى بن خالد وهو في قبة وعديله يوسف القاضي وهما يريدان الحج، فإني لأسير تحت القبة إذ عرض له رجل من بني أسد في شارة حسنة فأنشده شعراً؛ فقال يحيى في بيت: ألم أقل لك ألا ترجع إلى مثل هذا المعنى؟ ثم قال: يا أخا بني أسد، إذا قلت الشعر فقل كقول الذي يقول:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسودٌ لها في بطن خفّان أشبل
همُ يمنعون الجار حتى كأنّما ... لجارهم بين السماكين منزل
لهاميم في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأوّلهم في الجاهلية أوّل
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
وما يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا
ثلاث بأمثال الجبال حباهم ... وأحلامهم منها لدى الوزن أثقل
فقال له أبو يوسف: - وقد أعجبته الأبيات -: من قائل هذه الأبيات يا أبا علي؟ قال يحيى: قائلها مروان بن أبي حفصة يمدح أبا هذا الفتى الذي تحت القبة؛ قال شراحيل: فرمقني أبو يوسف بعينه وأنا على فرسي.
стр. 28
وقال: من أنت يا فتى حياك الله؟ قلت: شراحيل بن معن بن زائدة. قال شراحيل: فوالله ما مرت عليّ ساعة قط. كانت أقر لعيني من تلك الساعة ارتياحاً وسروراً.
وكان يحيى بن أبي حفصة تزوج عمرة بنت إبراهيم بن النعمان بن بشير الأنصاري على صداق عشرين ألف درهم، وسير إليها مهرها قبل أن يبنى بها، ولام الناس إبراهيم في ذلك وقالوا: زوجت عبداً وفضحت نفسك وأباك.
وأرادوه على انتزاعها فأبى وعظم الأمر في ذلك جداً ففي ذلك يقول إبراهيم:
فما تركت عشرون ألفاً لقائل ... مقالاً ولم أحفل مقالة لائم
فإن كنت قد زوجت مولى فقد مضت ... به سنّةٌ قبلي وحب الدراهم
ويقال: إن أبا حفصة كان يهودياً، فأسلم على يدي عثمان، فأثرى وكثر ماله، وتولى الخزن لبني أمية، وتزوج خولة بنت مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم، وكان قيس بن عاصم سيد أهل الوبر، فقال في ذلك القلاخ الشاعر يهجو مقاتل بن طلبة:
نبئت خولة قالت حين أنكحها ... لطالما كنت منك العار أنتظر
أنكحت عبدين ترجو فضل مالهما ... في فيك مما رجوت الترب والحجر
لله در جياد أنت قائدها ... برذنتها وبها التحجيل والغرر
стр. 29
ومروان من المجيدين المحككين للشعر ومما يستحسن له مراثيه في معن بن زائدة، ومدائحه أيضاً العجيبة فيه. ويقال: إنه دخل على جعفر ابن يحيى البرمكي، وقد امتدحه بهذه القصيدة، فوقف ينشد:
أبر فما يرجو جواد لحاقه ... أبو الفضل سباق اللهاميم جعفر
وزير إذا ناب الخليفة حادث ... أشار بما عنه الخليفة يصدر
فقال ويحكّ! أنشدني مرثيتك في معن:
وكان الناس كلهم لمعن إلى أن زار حفرته عيالا
فأنشده إياها حتى فرغ من القصيدة، وجعفر يرسل دموعه، فلما سكن قال: أثابك أحد من ولده وأهله على هذه شيئاً؟ قال: لا. قال جعفر: فلو كان معن حياً ثم سمعها منك، كم كان يثيبك عليها؟ قال: أربعمائة دينار. قال جعفر: لكني أظن أنه كان لا يرضى لك بذاك، وقد أمرنا لك عن معن بضعف ما قلت، وزدنا نحن مثل ذلك، فاقبض من الخازن ألفاً وسبعمائة دينار قبل أن تنصرف إلى رحلك. فقال مروان يذكر ذلك، ويمدح جعفر، وزادها في مرثيته لمعن:
نفحت مكارماً عن قبر معن ... لنا ممّا تجود به سجالا
فعجلت العطية يا بن يحيى ... بتأدية ولم ترد المطالا
فكافي عن صدى معن جواد ... بأجواد راحةٍ بذلت نوالا
стр. 30
بني مالك خالد وأبوك يحيى ... بناء في المكارم لن ينالا
كأنّ البرمكي بكلّ مال ... تجود به يداه يفيد مالا
ومن قلائده وأمهات قصائده كلمته في معن بن زائده - وهو معن بن زائده بن عبد الله بن زائدة بن مطر بن شريك بن عمرو بن قيس ابن شراحيل بن همام بن مرّة بن ذهل بن شيبان - والقصيدة مختارة أولها:
أمسى المشيب من الشباب بديلاً ... ضيفاً أقام فما يريد رحيلاً
والشيب إذ طرد السواد بياضه ... كالصبح أحدث للظلام أفولا
وقال مروان يفتخر، وليس له فخر قديم ولا حديث غير الشعر، وكان ناصبياَّ معرّضاً في شعره بآل الرسول صلى الله عليه وعليهم:
ذهب الفرزدق بالفخار وإنما ... حلو القصيد ومره لجرير
ولقد هجا فأمض أخطل تغلب ... وحوى اللها ببيانه المشهور
كل الثلاثة قد أبر بمدحه ... وهجاؤه قد سار كل مسير
ولقد جريت مع الجياد ففتها ... بعنان لا شبم ولا مبهور
ما نالت الشعراء من مستخلف ... ما نلت من جاه وأخذ بدور
عزت معاً عند الملوك مقالتيما قال حيهم مع المقبور
стр. 31
ولقد حبيت بألف ألف تثب ... إلا بسيب خليفة وأمير
ما زلت آنف أن أؤلف مدحه ... إلا لصاحب منبر وسرير
ما ضرني حسد اللئام ولم يزل ... ذو الفضل يحسده ذو والتقصير
وتظل للإحسان ضامنة القرى ... من كل تامكة السنام عقيري
أروى الظماء بكل حوض مفعم ... جوداً وأترع للسغاب قدوري
أعطى اللها متبرعاً عوداً على ... بدءٍ وذاك عليّ غير كثير
وإذا أهدرت مع القروم محاضراً ... في موطن فضح القروم هديري
ومما يستحسن لمروان قوله:
يا من بمطلع شمس ثم مغربها ... إن السخاء عليكم غير مردود
قل للعفاة أريحوا العيس من طلب ... ما بعد معن حليف الجود من جود
قل للمنية لا تبقي على أحد ... إذ مات معن فما ميت بمفقود
والقصيدة مشهورة، وهي طويلة وإنما ذكرت فقراً وعيوناً ومن أراد شعر القوم على الوجه فإن دواوينهم موجودة، ولا سيما هؤلاء المشهورين عند أكثر الناس، فأما من ليس يوجد شعره إلا عند الخواص فسنضمن الكتاب
стр. 32
لهم قطعة صالحة، وصدراً وافراً، ليكون أكمل للفائدة عندنا، وسنورد من شعر مروان وطبقته من المعروفين القصائد التي يقل وجودها عند أكثر الناس، مثل كافيته وما أشبهها من مخزون شعره، والكافية هذه، وأولها:
لام في أم مالك عاذلا كا ... ولعمر الإله ما أنصفاكا
وكلا عاذليك أصبح مما ... بك خلوا، هواه غير هواكا
عذلا في الهوى، ولو جرباه ... أسعدا إذ بكيت أو عذراكا
كلما قلت: بعض ذا اللوم قالا ... إن جهلاً بعد المشيب صباكا
بثّ في الرأس حرثه الشيب لما ... حان إبان حرثه فعلاكا
فاسل عن أم مالك، وأنه قلباً ... طالما في طلابه عنّاكا
أصبح الدهر بعد عشر وعشر ... وثلاثين حجة قد رماكا
ما ترى البرق نحو قران إلا ... هاج شوقاً عليك فاستبكاكا
قد نأتك التي هويت وشطت ... بعد قرب نواهم من نواكا
وغدت فيهم أوانس بيض ... كعواطي الظباء تعطوا الأراكا
كنت ترعى عهودهن وتعصي ... في هواهن كل لاح لحاكا
إذ تلاقي من الصبابة برحا ... وتجيب الهوى إذا ما دعاكا
عدّ عن ذكرهن واذكر هماما ... بقوى حبله عقدت قواكا
أين لا أين مثل زائدة الخيرات إلا أبوه؟ لا أين ذاكا
يا بن معن يفكُّ كلّ أسير ... مسلم لا يبيت يرجو الفكاكا
стр. 33
وبه تفعض الرئيس لدى المو ... ت إذا اصطكت العوالي اصطكاكا
مطري أغر تلقاه بالعر ... ف قؤولا وللخنا تراكا
من يرم جاره يكن مثل ما را ... م بكفّيه أن ينال السماكا
لم تزل عند موطن يا بن معنعن مقام تقومه قدماكا
إنّ معناً يحمي الثغور ويعطي ... ما له في العلا وأنت كذاكا
لا يضر امرأً إذا نال ودّا ... منك ألا يناله من سواكا
ما عدا المجتدي أباك. وما من ... راغب يجتديه إلا اجتداكا
ودّ كل امرئ من الناس لو كا ... ن أبوه لدى الفخار أباكا
قد وفى البأس والندى لك بالعق ... د، كما قد وفيت إذ حالفاكا
وأجاباك إذ دعوت بلبيك كما قد أجبت إذ دعواكا
فهما دون من له تخلص الود، وترعى إخاءه أخواكا
لست ما عشت والوفاء سناءٌلهما مخفراً ولن يخفراكا
رفعت في ذرا المعالي قديماً ... فوق أيدي الملوك طرّاً يداكا
وسما الفرع منك في خير أصل ... من نزار فطاب منه ثراكا
فبمعن تسمو، وزائدة الخي ... ر، وعبد الإله، كل نماكا
زين ما قدموا. ولم تلف صعبا ... في سلاليم مجدهم مرتقاكا
стр. 34
أعصمت منكم نزارٌ بحبل ... لم يريدوا بغيره استمساكا
ورأبتم صدوعها بحلومٍ ... راجحات دفعن عنها الهلاكا
فأشارت معاً إليكم وقالت ... إنما يرأب الصدوع أولاكا
يئس الناس أن ينالوا قديماً ... في المعالي لسعيكم إدراكا
إن معنا كما كساه أبوه ... عزة السابق الجواد كساكا
كم به عارفاً يخالك أيا ... هـ، وطوراً يخاله إياكا
لك من فضل بأسه يعرف البأ ... س، كما من نداه فضل نداكا
كل من قد رآه يعرف منه ... نسم الخير فيك حين يراكا
سبق الناس إذ جرى ثم صلي ... ت كما من أبيه جاء كذاكا
دانياً من مدى أبيه مداه ... مثل ما من مداه أمسى مداكا
ماجدا النيل نيل مصر إذا ما ... طم آذيه كبعض جداكا
زاد نعمى أبي الوليد تماماً ... فضل ما كان من جدي نعماكا
سخطك الحتف حين تسخط، والغنم إذا ما رضيت يوماً رضاكا
كل ذي طاعة من الناس يرجو ... ك كما كل مجرمٍ يخشاكا
وهذه القصيدة تسمى الغراء أخذ عليها من ابن معن مالاً كثيراً. ويقال
стр. 35
ما أخذ أحدٌ من الشعراء المتقدمين ولا المحدثين ما أخذ مروان بالشعر. كان رسمه على الخلفاء مائة ألف درهم.
ومن قلائده وأمهات شعره هذه اللامية:
كأن التي يوم الرحيل تعرضت ... لنا من ظباء الرمل أدماء مغزل
تصدّ لمكحول المدامع لابنٍ ... إذا خلفته خلفها، الطرف يعمل
وأشعاره كثيرة، ونوادره جمة.
وحدثني أبو مالك عن أبيه أن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله أتى الحسن بن علي فقال: أنا مولاك - وكان قديماً يكتب لعلي بن أبي طالب ﵇. فقال فيه مولى لتمام بن العباس بن عبد المطلب:
جحدت بني العباس حقٌ أبيهم ... فما كنت في الدعوى كريم العواقب
متى كان أولاد البنات كوارث ... يحوز ويدعى والداّ في المناسب
فسرق مروان هذا المعنى، وأودعه قصيدته التي يقول فيها:
أنّى يكون وليس ذاك بكائن ... لبني البنات وراثة الأعمام؟
فأخذ بهذا البيت مالاً عظيماً.
ومما يستحسن من شعره كلمته في معن يرثيه ويذكر فعاله، وذلك قوله:
مضى لسبيله معنٌ وأبقى ... مكارم لن تبيد ولن تنالا
كأنّ الشمس يوم أصيب معنٌ ... من الإظلام ملبسه جلالا
стр. 36
هو الجبل الذي كانت نزار ... تهد من العدو به جبالا
تعطلت الثغور لفقد معنٍ ... وقد يروي بها الأسل النهالا
وأظلمت العراق وأورثتها ... مصيبته المجللة اختلالا
وظل الشام يرجف جانباه ... لركن العز حين وهى ومالا
وكادت من تهامة كل أرض ... ومن نجدٍ تزول غداة زالا
فإن يعل البلاد له خشوع ... فقد كانت تطول به اختيالا
أصاب الموت يوم أصاب معناً ... من الأحياء أكرمهم فعالا
وكان الناس كلهم لمعنٍ ... إلى أن زار حفرته عيالا
ولم يك طالب للعرف ينوي ... إلى غير ابن زائدة ارتحالا
مضى من كان يحمل كل ثقل ... ويسبق فيض نائلة السؤالا
وما عمد الوفود لمثل معن ... ولا حلوا بساحته الرحالا
ولا بلغت أكفّ ذوي العطايا ... يميناً من يديه ولا شمالا
وما كانت تجف له حياض ... من المعروف مترعة سجالا
فليت الشامتين به فدوه ... وليت العمر مدّ له فطالا
ولم يك كنزه ذهباً ولكن ... سيوف الهند والحلق الفضالا
وذابلة من الخطيّ سمراً ... ترى فيهن ليناً واعتدالا
وذخراً من محامد باقياتٍ ... وفضل لهاً به الإفضال نالا
стр. 37
مضى لسبيله من كنت ترجو ... به عثرات دهرك أن تقالا
وقائلة رأت جسمي ولوني ... معاً عن عهدها قلبا فحالا
أرى مروان عاد كذي نحولٍ ... من الهندي قد فقد الصقالا
رأت رجلاً براه الحزن حتى ... أضر به وأورثه خبالاً
وأيام المنون لها صروف ... تقلب بالفتى حالا فحالا
كأن الليل واصل بعد معنٍ ... ليالي قد قرن به فطالا
فلهف أبي عليك إذ العطايا ... جعلن مني كواذب واعتلالا
ولهف أبي عليك إذ اليتامى ... غدوا شعثاً كأن بهم سلالا
ولهف أبي عليك لكل هيجا ... غدت تلقى حواضنها السمالا
ولهف أبي عليك إذ القوافي ... لممتدح بها ذهبت ضلالا
أقمنا باليمامة إذ يئسنا ... مقاماً لا نريد له زيالا
وقلنا: أين نرحل بعد معن ... وقد ذهب النوال فلا نوالا
سيذكرك الخليفة غير قالٍ ... إذا هو بالأمور بلا الرجالا
حباك أخو أمية بالمراثي ... مع المدح اللواتي كان قالا
أقام وكان نحوك كل عام ... يطيل بواسط الكور اعتقالا
وألقى رحلة أسفاً وآلى ... يميناً لا يشد له حبالا
وأشعار مروان كثيرة جدّاً، ولو أوردنا عيون شعره لطال بها الكتاب، فليس له إلاّ كل عينٍ، ولسنا نخرج عن الحدّ الذي استنناه من الإيجاز والاختصار.
стр. 38
أخبار أبي دلامة
اسمه زند بن الجون، بالنون، وقال بعضهم: زيد بالباء وقد غلط. هكذا رواه العلماء بالنون، وكان أبو دلامة مطبوعاً مفلقاً ظريفاً كثير النوادر في الشعر وكان صاحب بديهة، يداخل الشعراء ويزاحمهم في جميع فنونهم، ينفرد في وصف الشراب والرياض وغير ذلك بما لا يجرون معه، وكان مداحاً للخلفاء.
حدَّثنا أبو مالك عبيد الله بن محمد قال: حدَّثنا أبي قال: لما توفي أبو العباس السفاح دخل أبو دلامة على أبي جعفر المنصور والناس عنده تعزيه فأنشأ يقول:
أمسيت بالأنبار يا بن محمد ... لا تستطيع إلى البلاد حويلا
ويلي عليك وويل أهلي كلهم ... ويلا يكون إلى الممات طويلاً
مات الندى إذ مت يا بن محمد ... فجعلته لك في التراب عديلاً
أني سألت الناس بعدك كلهم ... فوجدت أسمح من رأيت بخيلا
ألشقوتي أخرت بعدك للذي ... يدع السمين من العيال هزيلا
فأبكى الناس قوله، فغضب المنصور غضباً شديداً وقال: لئن سمعتك بعدها تنشد هذه القصيدة لأقطعن لسانك. فقال أبو دلامة: إن أبا العباس كان لي مكرماً، وهو الذي جاء بي من البدو، كما جاء الله
стр. 39
يوسف ﵇، بإخوته، فقل كما قال: " لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " فقال له: أقلناك فسل حاجتك. فقال أبو دلامة: قد كان أبو العباس أمر لي بعشرة آلاف درهم وخمسين ثوباً في مرضه، ولم أقبضها، فقال المنصور: ومن يعلم ذلك؟ فقال: هؤلاء وأشار بيده إلى جماعة ممن حضره، فقام سليمان بن مجالد وأبو الجهم فقالا: يا أمير المؤمنين، صدق أبو دلامة ونحن نعلم ذلك.
فقال المنصور لأبي أيوب الخازن: يا سليمان أدفعها إليه وأخرجه في هذا الجيش الخارج إلى الطاغية، يعني عبد الله بن علي - وكان قد أظهر الخلاف بالشام ودعا إلى نفسه وجمع جمعاً كثيراً وبقايا أصحاب مروان: خلقاً من أهل الشام. وخاف المنصور أن يتمادى أمره - فوثب أبو دلامة وقال: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تخرجني مع هذا العسكر فإن والله مشئوم، فقال المنصور: إن يمني يغلب شؤمك فاخرج مع العسكر فقال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين، ما أحب لك أن تجرب ذلك، فإني لا أدري أي المنزلتين تحصل، ولا آمن أن يغلب شؤمي، فقال له: دع عنك هذا، فما لك بد من المسير في الجيش، قال: يا أمير المؤمنين والله لأصدقنك، إني شهدت تسعة عساكر كلها هزمت، فأنا أعيذك بالله أن يكون العاشر. فاستفرغ ضحكاً أبو جعفر، وأمره بالمقام مع عيسى بن موسى بالكوفة.
وحدثني محمد بن خالد البصري قال: حدَّثني ابن أبي العوجاء قال: أراد موسى بن داوود بن علي بن عبد الله بن عباس الخروج إلى الحج. فدعا
стр. 40
أبا دلامة وقال تأهب للخروج معي إلى هذا الوجه المبارك، فإنما هو الحج وأعطاه عشرة آلاف درهم وقال: إن كان عليك دينٌ فاقضه وخلف لعيالك ما يكفيهم واخرج - وكان طمع في أن يعادله فيتمتع بفوائده وملحه ونوادره، فإنه كان من أتراب الملوك - فأخذ المال وأجابه إلى ذلك، فلما حضر خروج موسى طلبه فلم يقدر عليه، ففتش عن أمره، فقيل له: إنه بسواد الكوفة يتقلب في حانات الخمارين، وخاف موسى أن يفوته الحج فقال: اتركوه إلى لعنة الله، وخرج فلما شارف القادسية إذا هو بأبي دلامة قد خرج من قرية يريد الحيرة، فقال: ائتوني بعدو الله الفاسق، هرب من الحق إلى الباطل، ومن الحج إلى حانات الخمارين، فجيء به إليه، فقيده وألقاه في بعض المحامل، وساروا، فلما رأى أبو دلامة ذلك أنشأ يقول:
يا أيها الناس قولوا أجمعين معاً ... صلّى الإله على موسى بن داوود
كأن ديباجي خديه من ذهب ... إذا تشرف في أثوابه السود
أما أبوك فعين الجود نعرفه ... وأنت أشبه خلق الله بالجود
نبئت أن طريق الحج معطشة ... من الطلاء وما شربي بتصريد
والله ما بي من خير فتطلبني ... في المسلمين وما ديني بمحمود
إني أعوذ بداوود وتربته ... من أن أحج بكرهٍ يا بن داوود
فقال موسى القوه عن المحمل لعنه الله حتى يذهب حيث يشاء، فألقوه عن المحمل ومضى لوجهه، فما زال أبو دلامة في السواد حتى أتلف ذلك المال؛ وانصرف موسى. فدخل أبو دلامة عليه مهنئاً فقال له: يا محارف
следующие страницы →