Полный текст (439 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
هو الجبل الذي كانت نزار ... تهد من العدو به جبالا
تعطلت الثغور لفقد معنٍ ... وقد يروي بها الأسل النهالا
وأظلمت العراق وأورثتها ... مصيبته المجللة اختلالا
وظل الشام يرجف جانباه ... لركن العز حين وهى ومالا
وكادت من تهامة كل أرض ... ومن نجدٍ تزول غداة زالا
فإن يعل البلاد له خشوع ... فقد كانت تطول به اختيالا
أصاب الموت يوم أصاب معناً ... من الأحياء أكرمهم فعالا
وكان الناس كلهم لمعنٍ ... إلى أن زار حفرته عيالا
ولم يك طالب للعرف ينوي ... إلى غير ابن زائدة ارتحالا
مضى من كان يحمل كل ثقل ... ويسبق فيض نائلة السؤالا
وما عمد الوفود لمثل معن ... ولا حلوا بساحته الرحالا
ولا بلغت أكفّ ذوي العطايا ... يميناً من يديه ولا شمالا
وما كانت تجف له حياض ... من المعروف مترعة سجالا
فليت الشامتين به فدوه ... وليت العمر مدّ له فطالا
ولم يك كنزه ذهباً ولكن ... سيوف الهند والحلق الفضالا
وذابلة من الخطيّ سمراً ... ترى فيهن ليناً واعتدالا
وذخراً من محامد باقياتٍ ... وفضل لهاً به الإفضال نالا
стр. 37
مضى لسبيله من كنت ترجو ... به عثرات دهرك أن تقالا
وقائلة رأت جسمي ولوني ... معاً عن عهدها قلبا فحالا
أرى مروان عاد كذي نحولٍ ... من الهندي قد فقد الصقالا
رأت رجلاً براه الحزن حتى ... أضر به وأورثه خبالاً
وأيام المنون لها صروف ... تقلب بالفتى حالا فحالا
كأن الليل واصل بعد معنٍ ... ليالي قد قرن به فطالا
فلهف أبي عليك إذ العطايا ... جعلن مني كواذب واعتلالا
ولهف أبي عليك إذ اليتامى ... غدوا شعثاً كأن بهم سلالا
ولهف أبي عليك لكل هيجا ... غدت تلقى حواضنها السمالا
ولهف أبي عليك إذ القوافي ... لممتدح بها ذهبت ضلالا
أقمنا باليمامة إذ يئسنا ... مقاماً لا نريد له زيالا
وقلنا: أين نرحل بعد معن ... وقد ذهب النوال فلا نوالا
سيذكرك الخليفة غير قالٍ ... إذا هو بالأمور بلا الرجالا
حباك أخو أمية بالمراثي ... مع المدح اللواتي كان قالا
أقام وكان نحوك كل عام ... يطيل بواسط الكور اعتقالا
وألقى رحلة أسفاً وآلى ... يميناً لا يشد له حبالا
وأشعار مروان كثيرة جدّاً، ولو أوردنا عيون شعره لطال بها الكتاب، فليس له إلاّ كل عينٍ، ولسنا نخرج عن الحدّ الذي استنناه من الإيجاز والاختصار.
стр. 38
أخبار أبي دلامة
اسمه زند بن الجون، بالنون، وقال بعضهم: زيد بالباء وقد غلط. هكذا رواه العلماء بالنون، وكان أبو دلامة مطبوعاً مفلقاً ظريفاً كثير النوادر في الشعر وكان صاحب بديهة، يداخل الشعراء ويزاحمهم في جميع فنونهم، ينفرد في وصف الشراب والرياض وغير ذلك بما لا يجرون معه، وكان مداحاً للخلفاء.
حدَّثنا أبو مالك عبيد الله بن محمد قال: حدَّثنا أبي قال: لما توفي أبو العباس السفاح دخل أبو دلامة على أبي جعفر المنصور والناس عنده تعزيه فأنشأ يقول:
أمسيت بالأنبار يا بن محمد ... لا تستطيع إلى البلاد حويلا
ويلي عليك وويل أهلي كلهم ... ويلا يكون إلى الممات طويلاً
مات الندى إذ مت يا بن محمد ... فجعلته لك في التراب عديلاً
أني سألت الناس بعدك كلهم ... فوجدت أسمح من رأيت بخيلا
ألشقوتي أخرت بعدك للذي ... يدع السمين من العيال هزيلا
فأبكى الناس قوله، فغضب المنصور غضباً شديداً وقال: لئن سمعتك بعدها تنشد هذه القصيدة لأقطعن لسانك. فقال أبو دلامة: إن أبا العباس كان لي مكرماً، وهو الذي جاء بي من البدو، كما جاء الله
стр. 39
يوسف ﵇، بإخوته، فقل كما قال: " لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " فقال له: أقلناك فسل حاجتك. فقال أبو دلامة: قد كان أبو العباس أمر لي بعشرة آلاف درهم وخمسين ثوباً في مرضه، ولم أقبضها، فقال المنصور: ومن يعلم ذلك؟ فقال: هؤلاء وأشار بيده إلى جماعة ممن حضره، فقام سليمان بن مجالد وأبو الجهم فقالا: يا أمير المؤمنين، صدق أبو دلامة ونحن نعلم ذلك.
فقال المنصور لأبي أيوب الخازن: يا سليمان أدفعها إليه وأخرجه في هذا الجيش الخارج إلى الطاغية، يعني عبد الله بن علي - وكان قد أظهر الخلاف بالشام ودعا إلى نفسه وجمع جمعاً كثيراً وبقايا أصحاب مروان: خلقاً من أهل الشام. وخاف المنصور أن يتمادى أمره - فوثب أبو دلامة وقال: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تخرجني مع هذا العسكر فإن والله مشئوم، فقال المنصور: إن يمني يغلب شؤمك فاخرج مع العسكر فقال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين، ما أحب لك أن تجرب ذلك، فإني لا أدري أي المنزلتين تحصل، ولا آمن أن يغلب شؤمي، فقال له: دع عنك هذا، فما لك بد من المسير في الجيش، قال: يا أمير المؤمنين والله لأصدقنك، إني شهدت تسعة عساكر كلها هزمت، فأنا أعيذك بالله أن يكون العاشر. فاستفرغ ضحكاً أبو جعفر، وأمره بالمقام مع عيسى بن موسى بالكوفة.
وحدثني محمد بن خالد البصري قال: حدَّثني ابن أبي العوجاء قال: أراد موسى بن داوود بن علي بن عبد الله بن عباس الخروج إلى الحج. فدعا
стр. 40
أبا دلامة وقال تأهب للخروج معي إلى هذا الوجه المبارك، فإنما هو الحج وأعطاه عشرة آلاف درهم وقال: إن كان عليك دينٌ فاقضه وخلف لعيالك ما يكفيهم واخرج - وكان طمع في أن يعادله فيتمتع بفوائده وملحه ونوادره، فإنه كان من أتراب الملوك - فأخذ المال وأجابه إلى ذلك، فلما حضر خروج موسى طلبه فلم يقدر عليه، ففتش عن أمره، فقيل له: إنه بسواد الكوفة يتقلب في حانات الخمارين، وخاف موسى أن يفوته الحج فقال: اتركوه إلى لعنة الله، وخرج فلما شارف القادسية إذا هو بأبي دلامة قد خرج من قرية يريد الحيرة، فقال: ائتوني بعدو الله الفاسق، هرب من الحق إلى الباطل، ومن الحج إلى حانات الخمارين، فجيء به إليه، فقيده وألقاه في بعض المحامل، وساروا، فلما رأى أبو دلامة ذلك أنشأ يقول:
يا أيها الناس قولوا أجمعين معاً ... صلّى الإله على موسى بن داوود
كأن ديباجي خديه من ذهب ... إذا تشرف في أثوابه السود
أما أبوك فعين الجود نعرفه ... وأنت أشبه خلق الله بالجود
نبئت أن طريق الحج معطشة ... من الطلاء وما شربي بتصريد
والله ما بي من خير فتطلبني ... في المسلمين وما ديني بمحمود
إني أعوذ بداوود وتربته ... من أن أحج بكرهٍ يا بن داوود
فقال موسى القوه عن المحمل لعنه الله حتى يذهب حيث يشاء، فألقوه عن المحمل ومضى لوجهه، فما زال أبو دلامة في السواد حتى أتلف ذلك المال؛ وانصرف موسى. فدخل أبو دلامة عليه مهنئاً فقال له: يا محارف
стр. 41
ماذا فاتك من تلك المشاهد؟ فقال: يا سيدي والله فاتني أفاضلها، يعني الحانات.
حدَّثني ابن داوود قال: حدَّثني العوفي قال: دخل أبو دلامة على المهدي وعنده عيسى بن موسى والعباس بن محمد وناس من بني هاشم، فقال له المهدي: اهج أينا شئت. فنظر إلى القوم وتصفحهم، فكلما مر نظره إلى رجل غمز بعينه: إني على رضاك ولا تفعل. فمكث هنيهة ثم أنشأ يقول:
ألا أبلغ لديك أبا دلامة ... فلست من الكرام ولا كرامة
جمعت دمامة وجمعت لؤماً ... كذاك اللؤم تتبعه الدمامة
فإن تك يا عليج أصبت مالاً ... فيوشك أن تقوم بك القيامة
إذا لبس العمامة قلت قرد ... وخنزير إذا وضع العمامة
فضحك المهدي وتعجب من حسن ما أتى به من التخلص مما كان دفع إليه، فلم يبق أحد في القوم إلا وصله وأهدى إليه.
وخرج أبو دلامة مع روح بن حاتم في بعض الحروب، فلما التقى الجمعان قال أبو دلامة: لو أنّ تحتي فرساً من خيلك، وفي وسطي ألف دينار، لأشجيت عدوك نجدة وإقداما. قال روح: ادفعوا إليه ذلك فلما أخذه أنشأ يقول:
إني أعوذ بروح أن يقدمني ... إلى القتال فتشقى بي بنو أسد
إن الملهب حب الموت أورثكم ... ولم أرث نجدة في الحرب عن أحد
فأجابه روح، وكان شاعراً أديباً بطلا شجاعاً هزبراً ليثاً:
هون عليك فلن أريدك في وغى ... لتطاعن وتناوش وضراب
كن واقفاً في الجيش آخر آخر ... فإن انهزمت مضيت في الهراب
стр. 42
حدَّثني محمد بن الصلت الكوفي قال: اختصم أبو دلامة مع رجل إلى عافية قاضى أبي جعفر المنصور، فأدعى الرجل عليه، فقال له القاضي: ما تقول؟ قال: اسمع أولاً، وأنشأ يقول:
لقد خاصمتني دهاة الرجال ... وخاصمتها سنة وافيه
فما أدحض الله لي حجةً ... ولا خيب الله لي قافيه
فمن خفت من جوره في القضاء ... فلست أخافك يا عافيه
فغضب وقال: لأشكونك إلى أمير المؤمنين. قال أبو دلامة: ولم تشكوني؟ قال: لأنك هجوتني قال: إذن والله يعزلك. قال عافيه: ولم يعزلني؟ قال: لأنك لا تعرف المدح من الهجاء.
قال: ومدح أبو دلامة المهدي، فلما أنشده سر بذلك وقال: سل حاجتك. فقال له: يا أمير المؤمنين تأمر لي بكلب صيد، قال المهدي: يا ابن الحمقاء وما تصنع بكلب؟ وأية حاجة هذه؟ قال: يا أمير المؤمنين، الحاجة لي أم لك؟ قال: بل لك. قال: فإني أسألك أن تهب لي كلب صيد. فأمر له بكلب، فقال: يا أمير المؤمنين وإن تهيأ لي أن أخرج إلى الصيد أفاخرج راجلاً؟ فأمر له بدابة قال: ومن يسوس الدابة؟ قال: أعطوه سائس. قال: فمن يطبخ لنا في صيدنا؟ قال: أعطوه طباخاً. قال: وهؤلاء كلهم من يعولهم؟ قال: اكتبوا له بمائتي جريب غامرة قال: فما الغامرة يا أمير المؤمنين؟ قال: التي لا شيء فيها، فأنا أكتب لأمير المؤمنين بمائة ألف جريب من صحراء مزيقيا. قال: فمن أبن تريد أن أجعلها لك؟ قال: هب لي جريباً واحداً من بيت المال،
стр. 43
قال: على ألا تخرج ما فيه، قال: إذن يكون غامراً. فضحك منه وقال: قد جعلناها لك عامرة كلها، قال: يا أمير المؤمنين ناولني يدك أقبلها. قال: أما هذه فدعها. قال: والله ما منعت عيالي شيئاً هو أهون عليهم من هذا. فضحك منه حتى استلقى.
وحدث أبو مالك عبيد الله بن محمد عن أبيه قال: أنشد أبو دلامة أبا جعفر المنصور شعراً استحسنه جداً، فجعل من عنده من ندمائه يظهرون استحسانه، فلما أفرطوا قال أبو دلامة: والله يا أمير المؤمنين إنهم لا يعرفون رديئة من جيده، وإنما يستحسن منه باستحسانك، وإن شئت بينت لك ذلك، قال: افعل. فأنشده:
أنعت مهراً كاملا في قدره ... مركباً عجانه في ظهره
حتى فرغ منها، فاستحسنوها، فقال أبو دلامة: ألم أخبرك يا أمير المؤمنين؟ قال المنصور: صدق والله أبو دلامة، كيف يكون عجانه في ظهره؟ قال الحنفي: خرج أبو دلامة مع المهدي وعلى بن سليمان إلى الصيد - وكان أبو دلامة صاحب نوادر - فرمى المهدي بنشابة فأصاب ظبياً. ورمى علي بن سليمان فأصاب كلب صيد. فضحك المهدي فنظر إلى أبي دلامة فقال: قد وجدت مقالا فقل ولك حكمك. فقال:
قد رمى المهدي ظبياً ... شكّ بالسهم فؤاده
وعليٌّ بن سليما ... ن رمى كلباً فصاده
فهنيئاً لكما كلّ ... امرئٍ يأكل زاده
стр. 44
فاستفرغ المهدي ضحكاً وقال لعلي بن سليمان: لأحكمنك على حكمه، قال: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين. فقال: لا بد من ذلك. قال فإني أحكم أبا دلامة. قال: نعم إذن. وافتدى منه بمال.
أخبرنا أبو العباس بن محمد قال: قال لي محمد بن منصور قال لي سعيد بن مسلم: ما رأيت شاعراً أحسن زياً من أبي دلامة، ولا أظهر مروءة منه، ولا أنظف لباساً.
ومما يستحسن له مرثيته للمنصور وتهنئة المهدي في قصيدته، يذكر في كل بيت المعنيين. والقصيدة جيدة، وهي التي يقول فيها:
عينان: واحدة ترى مسرورة ... بإمامها جذلى وأخرى تذرف
تبكي وتضحك مرّة، ويسوءها ... ما أبصرت ويسرها ما تعرف
فيسوءها موت الخليفة محرماً ... ويسرها أن قام هذا الأرأف
ما إن رأيت ولا سمعت كما أرى ... شعراً أرجله وآخر أنتف
هلك الخليفة يا لأمة أحمد ... فأتاكم من بعده من يخلف
أهدى لهذا الله فضل خلافة ... ولذاك جنات النعيم تزخرف
فابكوا لمصرع خيركم ووليكم ... واستشرفوا لمقام ذا وتشرفوا
حدَّثني نصر بن محمد الخزري عن بعض رواة الأخبار قال: كان أبو العباس مولعاً بأبي دلامة، لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً لحسن أدبه، وجودة شعره، وكثرة ملحه، ومعرفته بأخبار الناس وأيامهم، وكان أبو دلامة خليعاً ماجنا، وكان يهرب منه، ويأتي حانات الخمارين، فيشرب مع إخوانه. ويكره مجالس الخلفاء لما في ذلك من المشقة والتعب وشدة التوقي،
стр. 45
أبو دلامة يحب أن ينبسط ويتكلم، وكان لا يتهيأ ذلك له في مجلس الخلافة، فهرب، فعاتبه أبو العباس على ذلك وقال: ويحك، أراك تحيد عنا وعن مجالسنا، وتهرب منا. فليت شعري لم ذاك؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، ما الخير والشرف والعز والفضل إلا في مجالستك، والوقوف على أبوابكم، ولزوم خدمتكم، ونكره مع ذلك أن تملونا، فنقبض على أنفسنا بعض القبض، ليكون أبقى لحالنا عندكم. قال أبو العباس: ما مللتك قطّ، وما ذاك كما ذكرت، ولكن قد اعتدت حانات الخمارين والخلعاء والمجان. ثم وكل به، وألزمه ألا يبرح حضرته، وكان يصلي معه الصلوات كلها، فأضر ذلك به. ففي ذلك يقول أبو دلامة:
ألم تعلمي أن الخليفة لزني ... بمسجده والقصر، مالي وللقصر
أصلي به الأولى مع العصر دائباً ... فويلي من الأولى وويلي من العصر
ويحبسني عن مجلس استلذه ... أعلل فيه بالسماع وبالخمر
ووالله ما بي نية في صلاته ... ولا البر والإحسان والخير من أمري
وما ضره والله يصلح أمره ... لو أن ذنوب العالمين على ظهري
فلما سمع أبو العباس الأبيات قال: والله ما يفلح هذا أبداً، فذروه وأصحابه. ومن شعر أبي دلامة يهجو عليّ بن صالح وقد كان وعده شيئاً ولم يف له به:
لعلي بن صالح بن عليّ ... حسب لو يعينه بسماح
ومواعيده الرياح فهل أن ... ت بكفيك قابض للرياح
стр. 46
وبنو صالح كثير ولكن ... مالنا في عديدهم من صلاح
غير فضل فإن للفضل فضلاً ... مستبيناً على قريش البطاح
ومن السائر الجيد قوله:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرمٍ ... قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس
ثم ارتقوا في شعاع الشمس وارتفعوا ... إلى السماء فأنتم سادة الناس
ولأبي دلامة في بنية له - يقال لها أم دلام مدلله - يقول فيها ساعة ولدت:
فما ولدتك مريم أم عيسى ... ولم يكفلك لقمان الحكيم
ولكن قد تضمك أم سوء ... إلى لباتها وأب لئيم
ولأبي دلامة كلمته السائرة في أبي مسلم صاحب الدعوة، وكان توعده بالقتل لشيء بلغه عنه. فلما قتله المنصور دخل أبو دلامة، ورأسه في الطست فأنشأ:
أبا مجرم ما غير الله نعمة ... على عبده حتى يغيرها العبد
أبا مجرم خوفتني القتل فانتحى ... عليك بما خوفتني الأسد الورد
أفي دولة المنصور حاولت غدره ... ألا إن أهل الغدر أباؤك الكرد
وهو الذي يحكي عن امرأته:
ناشدتها بكتاب الله حرمتنا ... ولم تكن بكتاب الله ترتدع
فاخر نطمت ثم قالت وهي مغضبةٌ ... أأنت تتلو كتاب الله يا لكع
اذهب تبغ لنا نخلا ومزدرعاً ... كما لجيراننا نخل ومزدرع
إيت الخليفة فاخدعه بمسألهٍ ... إنّ الخليفة للسؤال ينخدع
وأخبار أبي دلامة وشعره كثيرة، وفيما ذكرنا منه كفاية ونهاية.
стр. 47
أخبار أبي نخلية
قال أبو إسحاق النوفلي: بني أبو نخلية داراً شراها، ثم جاء إلى خالد ابن صفوان، فقال: أحب أن تصير معي إليها لتنظير إلى بنائها، فجاء معه، فلما دخلها ورآها قال: كيف تجدها يا أبا صفوان؟ قال إن صدقتك يا أبا نخلية غضبت. قال: ما كنت بالذي أفعل. فقال خالد - وكان من أفصح الناس - رأيتك تسأل الناس إلحافاً، وتنفق إسرافاً، فملأت إحدى يديك سلحاً، وجعلت الأخرى سطحاً، وقلت: من لم يعمر سطحي، ملأته بسلحي. نخجل أبو نخيلة ولم يحر جواباً.
قال محمد بن إبراهيم الحنظلي، ما مدح أبو نخيلة إلا خليفة أو وزيراً، وكان من أفصح الناس وأشعرهم، وكان مطبوعاً مقتدراً كثير البدائع والمعاني غزيراً جداً، وكان الغالب عليه الرجز ومع ذلك لا يقصر في القصيد.
حدثني إبراهيم بن عامر النوفلي عن بعضهم قال: رأيت أبا نخيلة قد خرج من عند الوليد بن يزيد راكباً، وبين يديه رجالة قد تقدموه وقد حمل معه مال كثير كان الوليد قد وصله به، وهو يفرق يميناً وشمالاً ويتصدق، حتى أتى منزلة وقد فرق منه شيئاً كثيراً، ثم دفع إلى الرجالة الذين كانوا بين يديه مائة دينار. وكان الوليد يحبه حبه شديداً وهو الذي علم الوليد الشعر.
стр. 48
قال: ومما يستحسن من شعر أبي نخيلة كلمته التي يفتخر فيها ويذكر قومه بني تميم:
نحن ضربنا الأزد بالعراق ... والحيّ من ربيعة المراق
ضرباً يقيم صعر الأعناق ... بغير أطماع ولا أرزاق
إلا بقايا كرم الأعراق وهي طويلة يذكر فيها حرب الأزد وتميم بالبصرة ومما يستحسن من رجزه ويستطرف كلمته التي يقول لها:
لما رأيت الدين ديناً يؤفك ... وأمست القبة لا تستمسك
ترتج من أرجائها وتهتك ... سرت إلى الباب فسار الدكدك
فيها الدجوجي وفيها الأرمك ... كالليل إلا أنها تحرك
وهذه الأبيات مشهورة فاقتصرنا على ذكرها.
ومما يستحسن من شعره قصيدته التي يمدح فيها مسلمة بن عبد الملك، وهي جيدة فيها معان حسنة، وفيها يقول:
أمسلم أني يا ابن خير خليفة ... ويا فارس الدنيا ويا جبل الأرض
شكرتك إن الشكر حبل من التقى ... وما كل من أوليته نعمة يقضي
وألقيت لما جئت بابك زائراًرواقاً مديداً سامق الطول والعرض
وأنبهت لي ذكري وما كان خاملاً ... ولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض
стр. 49
ومما سار من رجزه واشتهر في أبي العباس يهنئه بالخلافة وهي قوله:
الآن مسّ المنبر القرارا ... وطابت الدنيا وصارت دارا
إذا نزل الخليفة الأنبارا
ومن أراجيزه المشهورة في أيدي الناس قوله:
يا عمرو غم الماء ورد يدهمه ... يوم تلاقي شاؤه ونعمه
واختلفت أمراسه وقيمه ... فأبلنا منك بلاء نعلمه
فإنما أنت أخ لا نعدمه ... صاحب خلان كريم شيمه
مترفٌ كان أبوه يكرمه ... لم يتجشأ من طعام يتخمه
ولم تبت حمّى به توصمه ... تدك مدماك الطوى قدمه
أيهات من هامته مخدمه
стр. 50
ولأبي نخيلة في طرد عشر نعائم يصفهن:
أنعت مهراً سبط القرات ... ورداً طمرا مدمج السراة
يغدو بنهد في اللجام عات ... نعائما عشراً مطردات
صك العراقيب هجنعات ... فانصاع وانصعن موليات
ما كان إلا هاكه وهات ... حتى اجتمعن متناغصات
بالسهب والغدر من الحماة ... واختل حضنا هيقة شوشات
فانعقرت من آخر الهيقات ... بغير تكبير ولا صلاة
كأنهما خالفة السراة
وله في الطرد أراجيز كثيرة مشهورة، منها اللامية التي يقول فيها:
فانصاع يسعى بالصعيد الهايل ... يلحن من ذي ميعة معاجل
стр. 51
حتى دنا من وهج القساطل ... من ذات زف ساقط الخمايل
فاختلفنا تحت جناح المايل ... بضربة حديثه في الصاقل
منقوشة الرقين والخصايل ... فهو مقيط كمقاط الفايل
وأعاجيب أبي نخيلة في القنص وغيره كثيرة، وفيما أوردنا من ذلك دليل على باقية. وشعره موجود كثير، فمن أراده لم يعوزه ذلك.
أخبار حماد عجرد
قال أبو العباس المبرد: حدثني أبو يعقوب الباهلي قال:
هجا حماد عجرد محمد بن سليمان الهاشمي بقصيدته التي يقول فيها:
له جسم برغوث وعقل مكاتب ... وغلمه سنور يبيت. يولول
فأهدر محمد بن سليمان دمه، فعلم حماد عجرد أنه لا مقام له بالبصرة، فمضى إلى قبر أبيه سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس مستجيراً به وقال في ذلك:
لم أجد لي من الأنام مجيراً ... فاستجرت القبور والأحجارا
غير أني جعلت قبر أبي أي ... وب لي من حوادث الدهر جارا
وحقيق لمن يجاور ذاك ال ... قبر أن يأمن الرّدى والعثارا
حدثني المهدي الشاعر قال: قيل لبشار الأعمى: ما أقبح ما هجاك به حماد عجرد؟ فقال قوله:
ويا أقبح من قرد ... إذا ما عمى القرد
стр. 52
وقد قيل: لم يشتد عليه من هجائه إياه شيءٍ كما اشتد عليه هذان البيتان:
لو طليت جلدته عنبرا ... لنتنت جلدته العنبرا
أو طليت مسكاً ذكياً إذن ... لحول المسك عليه خرا
ومما يستسحن لحماد عجرد كلمته التي يقول فيها:
كم من أخ لك لست تنكره ... ما دمت من دنياك في يسر
متصنع لك في مودته ... يلقاك بالترحيب والبشر
يطري الوفاء ويل ... حى الغدر مجتهداً وذا الغدر
فإذا عدا والدهر ذو غيردهر عليك عدا مع الدهر
فارفض بإهمال أخوة من ... يقلي المقل ويعشق المثري
وعليك من حالاه واحدة ... في العسر إما كنت واليسر
فلقد خبرت وما استوى رجلٌ ... خبر وآخر غير ذي خبر
فوجدت من أحببت متهماً ... متصرفاً لتصرف الدهر
إلا القليل قد وجدت ذوي ... عهد وشكر أيما شكر
ومما يستحسن لحماد من الشعر ويختار له قوله:
ألست بودي واثقاً لك إنني ... بودك مني واثق بي فاعلما
أما والذي نادى من الطور عبده ... وكرم بالإنجيل عيسى ابن مريما
وخص بآيات القران محمداً ... نبي الهدى صلى عليه وسلما
لقد حزت من قلبي مكاناً ممنعاً ... أرى لك فيه أن أريق لك الدما
стр. 53
أرى ذاك من غنمٍ، ولست أرى الذي ... يرى الناس من غنم المكاسب مغنما
سأشرب كأسيك اللتين سقيتني ... وإن كانتا والله صابا وعلقما
وأدخل كفي إثر كفك في الذي ... عراك ولو أدخلتها ثقب أرقما
أخبار الحمادين
حماد عجرد وحماد بن الزبرقان وحماد الراوية، وكانوا في عصر واحد، وكلهم شاعر مفلق وخطيب مبرز.
حدثني أحمد بن محمد الثقفي قال: حدثني إبراهيم بن عمر الكوفي قال: كان حماد عجرد مولى لبني سوءة بن عامر بن صعصعة وكان معلماً ثم شهر بالشعر وامتدح الملوك. وكان بالكوفة ثلاثة يقال لهم الحمادون: حماد عجرد وحماد بن الزبرقان وحماد الراوية يتنادمون على الشراب، ويتناشدون الأشعار، ويتعاشرون أجمل عشرة، كانوا كأنهم نفس واحدة، وكانوا جميعاً يرمون بالزنذقة، وإذا رأى الناس واحداً منهم قالوا: زنديق. اقتلوه. وكان حماد بن الزبرقان عتب على حماد الراوية في شيءٍ فهجاه، فقال فيما يهجوه، وينسبه إلى شرب الخمر
نعم الفتى لو كان يعرف قدره ... ويقيم وقت صلاته حماد
هدلت مشافرة الدنان فأنفه ... مثل القدوم يسنها الحداد
وابيض من شرب المدامة وجهه ... وبياضه يوم الحساب سواد
وحماد عجرد هو القائل:
إن الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنياً وهو مجهود
стр. 54
وللبخيل على أمواله عِللٌ ... زرق العيون عليها أوجه سود
إذا تكرهت أن تعطى القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود
أورق بخير يرجى للنوال فما ... ترجى الثمار إذا لم يورق العود
بث النوال ولا تمنعك قلته ... فكل ما سد فقراً فهو محمود
وهو القائل أيضاً وهي مليحة سائرة:
حُريث أبو الفضل ذو خبرة ... بما يصلح المعد الفاسده
تخوف تخمة أضيافه ... فعودهم أكلة واحده
ومما يختار له أيضاً قوله:
لست بغضبان ولكنني ... أعرف ما شأنك يا صاحِ
لأن تركت الراح جانبتني ... ما كان حبيك على الراحِ
قد كنت من قبل وأنت الذي ... يعنيك إمسائي وإصباحي
لم تر عيني منك إلا الذي ... أفسدني من بعد إصلاحي
أنت من الناس وإن عبتهم ... دونكها مني بإفصاحي
ومما يختار لحماد عجرد قصيدته التي يعاتب فيها أبا يزيد ويحيى وهي:
قد جفاني أبو يزيد ويحيى ... ولعمري ما خفت أن يجفواني
واصلاني فيما مضى فلغير ال ... ود فيما مضى واصلاني
غير أني كنت في ظل سلطا ... ن فكان الوصال للسلطان
ثم لما حال الزمان بسلطا ... ني حالوا مع احتيال الزمان
وقال يمدح محمد بن أبي العباس السفاح وهو والي المنصور على البصرة:
أدعوك بعد أبي العباس إذ بانا ... يا أكرم الناس أعراقاً وعيدانا
стр. 55
فأنت أكرم من يمشي على قدم ... وأنضر الناس عند المحل أغصانا
لو مج عود على قوم عصارته ... لمج عودك فينا المسك والبانا
وهي طويلة. ومما يستحسن من شعر حماد كلمته التي يهجو بها بعض الأمويين:
زرتُ امرأً في بيته مرةً ... له حياء وله خِيرُ
يكره أن يتخم أضيافه ... إن أذى التخمة محذورُ
ويشتهي أن يؤجروا عنده ... بالصوم والصائم مأجورُ
حدثني محمد بن عامر الحنفي قال: حدثني اليحصبي قال: شرب حماد عجرد مع أبي دلامة يوماً، فسكرا من الخمر فطلبوهما، فأما أبو دلامة فهرب وأما حماد فأخذ فأُتي به المهدي فقال: استنكهوه. ففعلوا فشموا منه رائحة الخمر، فأحب أن يعبث به، فقال: يا عدو الله أتشرب الخمر وتسكر؟ إني سأقيم عليك الحد ولا تأخذني في الله لومة لائم. وقال: احبسوه حتى يصحو. فمضي به إلى بيت فيه دجاج بعد أن وُجئ عنقه ومزق رداؤه، فكتب إلى المهدي:
أمير المؤمنين فدتك نفسي ... علام حبستني وخرقت ساجي
أقاد إلى السجون بغير ذنب ... كأني بعض عمال الخراجِ
ولو معهم حبست لهان وجدي ... ولكني حبست مع الدجاج
أمن صهباء، ريح المسك منها ... ترقرق في الإناء لدى المزاج
стр. 56
عُقارٌ مثل عين الديك صرف ... كأن شعاعها لهب السراج
وقد طبخت بنار الله حتى ... لقد كنت من النطف النضاج
وقد كانت تحدثني ظنوني ... بأني من عقابك غير ناج
على أني وإن لاقيت شراً ... لخيرك بعد ذاك الشر راج
فأخرجه ووصله، فلما ولي قال الربيع: أما فهمتَ قوله:
وقد طبخت بنار الله حتى ... لقد صارت من النطف النضاج
قال: بلى، فما أراد؟ قال: إنما أراد الشمس، وقال المهدي: ردوه. فردوه فقال: ما أردت بقولك: وقد طبخت بنار الله ...
تعني بها الشمس؟ قال: لا، ولكن نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، وهي على الربيع موصدة، فضحك منه وأمر بإطلاقه.
وأشعار حماد كثيرة واسعة، وهو من المشهورين.
أخبار أبي الشيص
هو محمد بن عبد الله بن رزين الخزاعي، ابن عم دعبل: قال أحمد بن إبراهيم الأسدي: قال لي أبو عَصيدة: اجتمع مسلم ابن الوليد صريع الغواني وأبو فراس وأبو الشيص ودعبل بن علي بن رزين في مجلس على الشراب فقالوا: ينشد كل واحد منكم أجود ما قال. ثم قالوا لمسلم: كأنا بك يا أبا الوليد وقد جئت بقولك:
стр. 57
إذا ما علت منا ذؤابة واحد ... تمشت به مشى المقيد في وحلِ
هل العيش إلا أن تروح مع الصبا ... وتغدو صريع الكأس والأعين النُّجْل
ومن هنا سمى صريح الغواني، سماه بذلك الرشيد، وله مع ذلك قصة عجيبة سنذكرها في أخباره - ثم قالوا لأبي نواس: كأنا بك يا أبا علي قد جئت بقولك:
لا تبكِ ليلى ولا تطرب إلى هند ... واشرب على الورد من حمراء كالوردِ
كأساً إذا انحدرت من كف شاربها ... أجدته حمرتها في العين والخد
فالكأس ياقوتة والخمر للؤلؤة ... من كفة لؤلؤة ممشوقة القد
تسقيك من عينها خمراً ومن يدها ... خمراً فمالك من سكرين من بد
لي سكرتان وللندمان واحدة ... شيء خصصت به من بينهم وحدي
ثم قالوا لدعبل: كأنك قد جئت بقولك:
لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
ومنها:
لا تأخذوا بظلامتي أحداً ... طرفي وقلبي في دمي اشتركا
ثم قالوا لأبي الشيص: كأنك قد جئت بقول:
حُلي عقال مطيتي لا عن قلى ... وأمضى فإني يا أميمة ماضي
اثنان لا تصبو النساءُ إليهما ... ذو شيبة ومحالف الإنفاض
قال أبو الشيص: بل أنشدكم أبياتاً قلتها في هذه الأيام. قالوا: هات. فأنشدهم:
стр. 58
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدمُ
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبّاً لذكرك فليلُمني اللومُ
وأهنتني فأهنت نفسي جاهداً ... ما مَن يهون عليك ممن يكرم
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم
قال أبو نواس: أحسنت والله وملحت ولتعلمن أني سآخذ منك هذا المعنى فيشتهر ما أقول ولا يشتهر ما قلت. فأخذه وضمنه قوله في الخصيب:
فما جازه جود وما حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير
فسار هذا لأبي نواس ولم يسر بيت أبي الشيص إلا دون ذلك.
وحدثني أبو مالك عبيد الله بن محمد قال: قال ابن الأعمش كان أبو الشيص عند عقبة بن جعفر بن الأشعث الخزاعي وكان من أكرم الناس عليه، لانقطاعه إليه ومدحه إياه، ولما بينهما من العشرة وكان لعقبة بن الأشعث خادم يحبه حباً شديداً، فشرب أبو الشيص ليلة مع عقبة فسكر وبات. فلما كان في بعض الليل دب إلى الخادم، فوجأه الخادم بالسكين فأصاب مقتله، فقال له أبو الشيص: ويحك قتلتني، فأما إذ قد فعلت فلا تفضحني ونفسك. فقال الخادم: وما أصنع؟ قال: هات قراباً فاكسره تحتي لأموت فوقه فيقال: إنه كان سكران فوقع عليه فمات. ففعل ذلك. ومات أبو الشيص من ساعته، فلم يأت على الخادم إلا أيام يسيرة حتى حدث مولاه الحديث فلم يُنَهنِه عقبة أن قتل الخادم.
وكان أبو الشيص أحد شعراء الرشيد ممن قد مدحه مدائح كثيرة
стр. 59
ثم لما مات الرشيد رثاه ومدح محمداً الأمين فمما قال في ذلك:
جرت جوار بالسعد والنحس ... فنحن في وحشة وفي أنسِ
العين تبكي والسن ضاحكة ... فنحن في مأتم وفي عرسِ
يضحكنا القائم الأمين ويُب ... كينا وفاةُ الإمام بالأمس
بدران: بدر هذا ببغداد في ال ... خلد وبدر بطوس في الرمس
ومما يختار من شعره قوله:
أبقى الزمان به ندوب عضاض ... ورمى سواد قرونه ببياضِ
نفرت به كأس النديم وأغمضت ... عنه الكواعب أيما إغماض
ولربما جُعلت محاسن وجهه ... لجفونها غرضاً من الأغراض
حسر المشيب قناعه عن رأسه ... فرمينه بالصد والإعراض
اثنان لا تصبو النساء إليهما ... ذو شيبة ومحالف الإنفاض
فوعودهن إذا وعدنك باطل ... وبروقهن كواذب الإيماض
لا تنكري صدى ولا إعراضي ... ليس المقل على الزمان براض
حُلّى عِقال مطيتي لا عن قلى ... وأمضى فإني يا أميمة ماض
عُوِّضتُ عن برد الشباب ملاءةً ... خَلَقاً وبئس معوضة المعتاض
أيام أفراس الشباب جوامحٌ ... تأبى أعنتها على الرواض
وركائبٍ صرفت إليك وجوهها ... نكبات دهر للفتى عضاض
شدوا بأعواد الرحال مطيهم ... من كل أهوج للحصى رضاض
يرمين بالمرء الطريق وتارة ... يَحذفن وجه الأرض بالرضراض
стр. 60
قطعوا إليك رياض كل تنوفة ... ومهامه ملس المتون عراض
أكل الوجيف لحومها ولحومهم ... فأتوك أنقاضاً على أنقاض
ولقد أتتك على الزمان سواخطاً ... فرجعن عنك وهن عنه رواض
إن الأمان من الزمان وريبه ... يا عُقبَ شطا بحرك الفياض
بحر يلوذ المعتفون بنيله ... فعم الجداول مُترع الأحواض
ثبت المقام إذا التوى بعدوه ... لم يخش من زلل ولا إدحاض
غيث توشحت الرياض عهاده ... ليث يطوف بغابة وغياض
ومشمرٍ للموت ذيلَ قميصه ... قاني القناة إلى الردى خواض
لأبي محمد المرجى راحتا ... ملك إلى أعلى العلا نهاض
فيد تدفق بالندى لوليه ... ويد على الأعداء سم قاض
وجناح مقصوص وتحيف ريشه ... ريبُ الزمان تحيُّفَ المِقراض
أنهضته ووصلت ريش جناحه ... وجبرته يا جابر المنهاض
نفسي فداؤك أي ليث كتيبة ... يرمى بها بين القنا المرفاض
ومن مختار أبي الشيص قوله:
خلع الصبا عن منكبيه مشيبُ ... فطوى الذوائب رأسه المخضوب
стр. 61
نشر البلى في عارضيه عقارباً ... بيضاً لهن على القرون دبيبُ
ومما يستحسن له قوله:
نهى عن خُلة الخمر ... بياض لاح في الشعرِ
وقد أغدو وعين الشم ... س في أثوابها الصفر
على جرداء قباء ال ... حشا ملهبة الحضرِ
بسيف صارم الحد ... وزق احدب الظهرِ
وظبي يعطف الأزرَ ... ويثنيها على الخصر
على ألطف ما شدت ... عليه عقد الأزر
مهاة ترتمي الألبا ... ب عن قوس السحر
لها طرف يشوب الخم ... ر للندمان بالخمر
عفيف اللحظ والأعضا ... ء في الصحو وفي السكر
على عذراء لم تفتق ... بنار لا ولا قدر
عجوز نسج الماء ... لها طوقاً من الشذرِ
كأن الذهب الأحم ... ر في حافاتها يجري
وليل تركب الركبا ... ن في أجوافه الخضر
بأرض تقطع الحير ... ة فيها بالقطا الكدر
تمسكت على أهوا ... لها بالله والصبر
وإعمال بنات الري ... ح في المهمة والقفر
شماليل يصافحن ... متون الصخر بالصخر
стр. 62
بإيجاف يقد اللي ... ل عن ناصية الفجر
ومما طار لأبي الشيص في الدنيا وسارت به الركبان هذه:
أشاقك والليل ملقى الجران ... غراب ينوح على غصن بان
أحمُّ الجناح شديد الصياحِ ... يبكي بعينين لا تهملانِ
وفي نعبات الغراب اغترابٌ ... وفي البان بين بعيد التدان
لعمري لئن فزعت مقلتاك ... إلى دمعة قطرها غير وان
فحق لعينيك ألا تجف ... دموعهما وهما تطرفان
ومن كان في الحي بالأمس منك ... قريب المكان بعيد المكان
فهل لك يا عيش من رجعة ... بأيامك المونقات الحسان
فيا عيشنا، والهوى مورق ... له غصن أخضر العود دانِ
لعل الشباب وريعانه ... يسود ما بيض القادمان
وهيهات يا عيش من رجعة ... بأغصانك المائلات الدواني
لقد صدع الشيب ما بيننا ... وبينك صدع الرداء اليماني
عليك السلام فكم ليلة ... جموحٍ وليل خليعِ العنان
قصرت بك اللهو في جانبيه ... بقرع الدفوف وعزف القيان
وعذراء لم تفترعها السقاة ... ولا استامها الشرب في بيت حان
ولا احتلبت درها أرجل ... ولا وسمتها بنار يدان
ولكن غذتها بألبانها ... ضروع يحف بها جدولان
إلى أن تحول عنها الصبا ... وأهدى الفطام لها المرضعان
فلم تزل الشمس مشغولة ... بصبغتها في بطون الدنان
стр. 63
ترشحها للثام الرجال ... إلى أن تصدى لها الساقيان
ففضا الخواتيم عن جونة ... صدوف عن الفحل بكر عوان
عجوز غذا المسك أصداغها ... مضمخة الجلد بالزعفران
يطوف علينا بها أحور ... يداه من الكأس مخضوبتان
ليالي تحسب لي من سنيَّ ... ثمان وواحدة واثنتان
غلام صغير أخو شرةٍ ... يطير معي للهوى طائران
جرور الإزار خليل العذار ... على لعهد الصبا بردتان
أصيب الذنوب ولا أتقي ... عقوبة ما يكتب الكاتبان
تنافس في عيون الرجال ... وتعثر بي في الحجول الغواني
فأقصرت لما نهاني المشيبُ ... وأقصر عن عذلي العاذلان
وعافت عيوف وأترابها ... رُنُوي إليها وملت مكاني
وراجعت لما أطار الشباب ... غرابان عن مفرقي طائران
رأت رجلاً وَسَمَتْه السنون ... بريب المشيب وريب الزمان
فصدت وقالت: أخو شيبة ... عديم. ألا بئست الحالتان
فقلت: كذلك من عضه ... من الدهر ناباه والمخلبان
وعجت إلى جمل بازل ... رحيب رحى الزور فحل هجان
سبوح اليدين طموح الجران ... غؤول لأنساعه والبطان
فعضيت أعواد رحلي به ... وناباه من زمع يضربان
стр. 64
فلما استقل بأجرانه ... ولان على السير بعض الليان
قطعت به من بلاد الشآم ... خروقاً يضل بها الهاديان
إلى ملك من بني هاشم ... كريم الضرائب سبط البنان
إلى علم البأس، في كفه ... من الجود عينان نضاختان
ومما يستحسن من شعره قوله هذه اللامية:
ختلته المنون بعد اختيال ... بين صفين من قناً ونصال
في رداء من الصفيح صقيل ... وقميص من الحديد مذال
لأبي الشيص في الرشيد مرثية عجيبة:
غربت في المشرق الشم ... س فقل للعين تدمع
ما رأينا قطّ شمساً ... غربت من حيث تطلع
وهي طويلة. ولو ذهبنا نسوق قصائد خرج الكتاب عن حدّ قصدناه، وإنما نأتي بالبيت والبيتين دليلاً على قصيدة مشهورة ونتفرق في خلال ذلك القصيدة - في الفرط - إذا كانت رائعة كثيرة الفوائد ليكون أحفظ. للناظر في الكتاب إذا أراد الحفظ.
ومن قلائد أبي الشيص كلمته في عقبة بن الأشعث يمتدحه:
مرت عينه للشوق فالدمع منسكب ... طلول ديار الحيّ مغترب
كسا الدهر برديها البلى ولربما ... لبسنا جديديها وأعلامنا قشب
стр. 65
فغير مغناها ومحت رسومها ... سماء وأرواح ودهر لها عقب
تربع في أطلالها بعد أهلها ... زمان يشت الشمل، في صرفه عجب
تبدلت الظلمان بعد أنيسها ... وسوداً من الغربان تبكي وتنتحب
وعهدي بها غناء مخضرة الربا ... يطيب الهوى فيها ويستحسن اللعب
وفي عرصات الحي أظبٍ كأنها ... موائد أغصان تأود في كثب
عواتق قد صان النعيم وجوها ... وخفرها خفر الحواضن والحجب
عفائف لم يكشفن ستراً لغدرةٍ ... ولم تنتح الأطراف منهن بالريب
فأدرجهم طيّ الجديدين فانطووا ... كذاك انصداع الشعب ينأى ويقترب
وكأس كسا الساقي لنا بعد هجعة ... حواشيها مامج من ريقه العنب
كميت أجادت جمرة الصيف طبخها ... فآبت بلا نار تحش ولا حطب
لطيمة مسك فت عنها ختامها ... معتقة صهباء حيرية النسب
ربيبة أحقاب جلا الدهر وجههافليس بها إلا تلأ لؤها ندب
إذا فرجات الكاس منها تخليت ... تأملت في حافاتها شعل اللهب
كأنّ اطراد الماء في جنباتها ... تتبع ماء الدر في سبك الذهب
سقاني بها والليل قد شاب رأسهغزال بحناء الزجاجة مختضب
يكاد إذا ما ارتج ما في إزاره ... ومالت أعاليه من اللين ينقضب
стр. 66
لطيف الحشى عبل الشوى مدمج القرى ... مريض جفون العين في طيه قبب
أميل إذا ما قائد الجهل قادني ... إليه وتلقاني الغواني فتصطحب
فورعني بعد الجهالة والصبا ... عن الجهل عهد بالشبيبة قد ذهب
وأحداث شيب يفترعن عن البليودهر تهر الناس أيامه كلب
فأصبحت قد نكبت عن طرق الصبا ... وجانبت أحداث الزجاجة والطرب
يحطان كأساً للنديم إذا جرت ... عليّ وإن كانت حلالاً لمن شرب
ولو شئت عاطاني الزجاج أحورٌ ... طويل قناة الصلب منخزل العصب
ليالينا بالطف إذ نحن جيرة ... وإذ للهوى فينا وفي وصلنا آزب
تخالسني اللذات أيدي عواطل ... وجوف من العيدان تبكي وتصطخب
إلى أن رمى بالأربعين مشبها ... ووقرني قرع الحوادث والنكب
وكفكف من غربي مشيب وكبرة ... وأحكمني طول التجارب والأدب
وبحر يحار الطرف فيه قطعته ... بمهنوءة من غير عر ولا جرب
ملاحكة الأضلاع محبوكة القرى ... مداخلة الرايات بالقار والخشب
موثقة الألواح لم يدم متنها ... ولا صفحيتها عقد رحل ولا قتب
стр. 67
عريضة زور الصدر دهماء رسلة ... سناد خليع الرأس مزمومة الذنب
جموح الصلاة موارة الصدر جسرة ... تكاد من الإغراق في السير تلتهب
مجفرة الجنبين جوفاء جونة ... نبيلة مجرى العرض في ظهرها حدب
معلمة لا تشتكي الأين والوجي ... ولا تشتكي عض النسوع ولا الدأب
ولم يدم من جذب الخشاشة أنفها ... ولا خانها رسم المناسب والنقب
مرققة الأخفاف صم عظامها ... شديدة طي الصلب معصوبة العصب
يشق حباب الماء حد جرانها ... إذا ما تفرى عن مناكبها الحبب
إذا اعتلجت والريح في بطن لجةً ... رأيت عجاج الموت من حولها يثب
ترامى بها الخلجان من كل جانب ... إلى متن مقتر المسافة منجذب
ومثقوبة الأخفاف تدمي أنوفها ... معرفة الأصلاب مطوية القرب
صوادع للشعب الشديد التيامه ... شواعب للصدع الذي ليس ينشعب
ومن قلائد أبي الشيص البالغة السائرة في الأرض قوله:
يا دار مالك ليس فيك أنيس ... إلا معالم آيهن دروس
стр. 68
الدهر غالك أم عراك من البلى ... بعد النعيم خشونة ويبوس
ما كان أخصب عيشنا بك مرة ... أيام ربعك آهل مأنوس
فسقاك يا دار البلي متجرف ... فيه الرواعد والبروق هجوس
دار جلا عنها النعيم فربعها ... خلق تمر به الرياح يبيس
طلل محت آي السماء رسومه ... فكأن باقي محوهن دروس
ما استحلبت عينيك إلا دمنة ... ومخرب عنه الشرى منكوس
ومخيس في الدار يندب أهله ... رث القلادة في التراب دسيس
أنس الوحوش بها فليس بربعها ... إلا النعام تروده وتحوس
ربع تربع في جوانبه البلى ... وعفت معالمه فهنّ طموس
يدعو الصدى في جوفه فيجيبه ... ربد النعام كأنهن قسوس
ولربما جر الصبا لي ذيله ... فيه، وفيه مألف وأنيس
من كل ضامرة الحشا مهضومة ... لحبالها بحبالنا تلبيس
متسترات بالحياء لوابس ... حلل العفاف عن الفواحش شوس
وسبيئةٌ من كرمها حيريةٌ ... عذراء من لمس الرجال شموس
لم يفتق النعمان عذرتها ولم ... يرشف مجاجة كأسها قابوس
كتب اليهود على خواتم دنها ... يا دن أنت على الزمان حبيس
стр. 69
ذمية صلّى وزمزم حولها ... من آل برمك هربد ومجوس
تجلو الكئوس إذا جلت عن وجههاشمساً غذاها الشمس فهي عروس
عكفت بها عفر الظباء كأنها ... بأكفهن كواكب وشموس
من كل مرتج الروادف أحور ... كسرى أبوه وأمه بلقيس
رخو العنان، إذا ابتديت فخادم ... وإذا صبوت إليه فهو جليس
يسعى بإبريق كأن فدامه ... من لونها في عصفر مغموس
يسقيك ريق سبيئة حيرية ... مما استباه لفصحه القسيس
بين الخورنق والسدير محلة ... للهو فيها منزل مطموس
فالند من ريحانها متضوعٌ ... والظهر من غزلانها مدحوس
نحس الزمان بأهلها فتصدعوا ... إن الزمان بأهله لنحوس
كنّا نحل به ونحن بغبطة ... أيام للأيام فيه حسيس
فبنى عليه الدهر أبنية البلى ... فعلى رباه كآبة وعبوس
وصريع كأس بت أرقبه وقد ... نهشته من أفعى المدام كئوس
عقل الزجاج لسانه وتخاذلت ... رجلاه فهو كأنه مطسوس
سطت العقار به فراح كأنما ... مجّ الرّدى في كأسه الفاعوس
مما يختار له من قصيدته:
جلا الصبح أوني الكرى عن جفونه ... وفي صدره مثل السهام القواصد
стр. 70
تمكن من غراته الحب فانتحى ... عليه بأيد أيدات حواشد
إذا خطرات الشوق قلبن قلبه ... شددن بأنفاس شداد المصاعد
يذكره خفض الهوى ونعيمه ... سوالف أيام وليس بعائد
وبلغني أن هذه القصيدة أنشدت عند المأمون فأفرط في استحسانها، ثم أنشد في ذلك المجلس لجماعة من حذاق المحدثين، مثل بشار ومسلم ابن الوليد ونظرائهما، فلم يهش لشيء من ذلك، وفضل عليهم أبا الشيص. وأشعاره ونوادره وملحه كثيرة جدّاً، ولكنا لا نخرج من شرط الكتاب، لئلا يمله القارئ إذا طال عليه الفنّ الواحد، وليحفظ هذه النكت والنوادر والملح، وليستريح من أخبار المتقدمين وأشعارهم فإن هذا شيءٍ قد كثرت رواية الناس له فملوه، وقد قيل: لكل جديد لذة، والذي يستعمل في زماننا إنما هو أشعار المحدثين وأخبارهم، فمن ها هنا أخذنا من كل خبر عينه ومن كل قلادة حبتها.
أخبار والبة بن الحباب
حدَّثني عبد الكريم بن عبد الرحيم الأنباري قال: حدَّثني إسماعيل العمري قال: رأيت الحسن بن هانئ غلاماً مع والبة بن الحباب صغيراً مليحاً نادراً، يخدمه ويتصرف في حوائجه الخفاف. ووالبة هو الذي أدب أبا نواس. وحدثني محمد بن الهيثم الموصلي قال: حدَّثني العامري وإبراهيم بن عقيل قالا:
стр. 71
قال والبة: رأيت إبليس فيما يرى النائم كأنه أتاني فقال لي: ترى غلامك الحسن بن هانئ هذا؟ قلت: ما شأنه؟ قال: إنّ له لشأنا والله لأغوين به أمة محمد ﵇، ولألقين محبته في قلوبهم.
ومما يستحسن لوالبة:
أحسن من در ومرجان ... آثار إنسان بإنسان
قد عضه ذو حنق مشفق ... وقلبه ليس بغضبان
عاقبني منتقماً جهده ... وقد جزاني كلّ إحسان
لو كان يدري أنه محسنٌ ... بدل إحساناً بهجران
ولوالبة في المجون والفتك والخلاعة ما ليس لأحد، وإنما أخذ أبو نواس ذلك عنه. ومما روى لوالبة في المجون:
شبيه الفاتك العيار مثلي ... نعيم حين يشرب بالبواطي
يعاطينا الزجاجة أريحي ... رخيم الدل بورك من معاطي
أقول له على طرب ألطني ... ولو بمواجر علج نباطي
فإن الخمر ليس تطيب إلاّ ... علي وضر الجنابة باللواط
وله أيضاً في ذلك:
قد قابلتنا الكئوس ... ودابرتنا النحوس
واليوم هرمز روز ... قد عظمته المجوس
لم تخطه في حساب ... وذاك مما تسوس
стр. 72
ونحن عند عميد ... قد غاب عنا البسوس
نعير كأساً وكأساً ... أوصى بها جالنوس
أنا وجي عروس ... والكأس أيضاً عروس
يسقي العروس عروساً ... إحداهما الخندريس
حتى إذا ما انتشينا ... وهزّنا إبليس
رأيت أعجب شيءٍ ... منّا ونحن جلوس
هذا يقبّل هذا ... وذاك هذا يبوس
وهذا الشعر مما ينحله العامة أبا نواس. وذلك غلط، لأن العامة الحمقى قد لهجت بأن تنسب كل شعر في المجون إلى أبي نواس، وكذلك تصنع في أمر مجنون بني عامر كل شعر فيه ذكر ليلى تنسبه إلى المجنون.
وحدثني اليزيدي قال: حدَّثني أبو سلهب الشاعر قال: كان والبة بن الحباب ماجناً خليعاً. ما يبالي ما قال ولا ما صنع. وكان منزله في آخر زقاق لا منفذ له. فكان إذا أتاه السائل يسأله، ويتركه حتى يطيل ويكثر ولا يجيبه، فإذا علم أنه قد انصرف ومشى إلى طرف الزقاق - والزقاق طويل جداً - فتح بابه ثم ناداه، فيجيبه: لبيك لبيك، يظن أنه قد أخرج له شيئاً، ويقبل نحوه، فإذا قرب منه قال: صنع الله لك.
وحدثت أن المهدي ذكره ذات يوم فقال: ما أشعره وأملح شعره! وهو مع ذلك أديب واسع الحفظ. فقال له بعض من في مجلسه: ما يمنعك
стр. 73
من منادمته؟ قال: يمنعني من ذلك قوله:
قلت لساقينا على خلوة ... أدن كذا رأسك من رأسي
وادن فضع صدرك لي ساعة ... إني امرؤٌ أنكح جلاسي
فتريد أن ينكحنا لا أم لك.
أخبار صالح بن عبد القدوس
حدثني محمد بن يزيد قال: حدَّثني العوفيّ قال: أخذ صالح بن عبد القدوس في الزندقة، فأدخل على المهدي، فلما خاطبه أعجب به، لغزارة أدبه وعلمه وبراعته، وبما رأى من فصاحته وحسن بيانه وكثرة حكمته، فأمر بتخلية سبيله، فلما ولّى ردّه وقال: ألست القائل:
وإن من أدبته في الصبا ... كالعود يسقي الماء في غرسه
حتى تراه مورقاً ناضراً ... من بعد ما أبصرت من يبسه
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يواري في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذي الضنا عاد إلى نكسه
قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: وأنت تترك أخلاقك؟ ونحن نحكم في نفسك بحكمك. فأمر به فقتل.
وحدثت من غير هذا الوجه بما هو عندي أثبت من الأول، وذلك ما رويناه أنه أنهى إلى الرشيد عنه هذه الأبيات، يعرض فيها بالنبي صلى الله عليه وآله:
غصب المسكين زوجته ... فجرت عيناه من درره
стр. 74
ما قضى المسكين من وطرٍ ... لا ولا المعشار من وطره
عذت بالله اللطيف بنا ... أن يكون الجور من قدره
- عليه لعنة الله إن كان قالها - فقال له الرشيد: أنت القائل هذه الأبيات؟ قال: لا، والله يا أمير المؤمنين، ما أشركت بالله طرفة عين، ولا تسفك دمي على الشبهة، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله: " ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم " وأخذ يرقق قلبه، ويستنزله عما عزم عليه بفصاحته وبيانه، ويتلو القرآن، حتى رقّ له وأمر بتخلية سبيله، فلما أراد أن يخرج من بين يديه قال: أنشدني قصيدتك السينية فأنشده حتى إذا بلغ قوله:
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يواري في ثرى رمسه
قال: يا شيخ، هذا الكلام يشبه هذا الكلام، وهذا الشعر من نمط ذلك الشعر - يعني الأبيات التي نسبت إليه - ونحن نتمثل وصيتك، ثم أمر فضربت عنقه وصلب على الجسر.
وحدثني أبو جعفر قال: حدَّثني زياد بن أحمد قال: اجتمع قوم من أهل الأدب في مجلس فيهم صالح بن عبد القدوس، يتناشدون الأشعار، إلى أن حانت الصلاة، فقام القوم إلى ذلك، وقام صالح فتوضأ وأحسن ثم صلى أتم صلاة وأحسنها، فقال بعضهم: أتصلي هذه الصلاة ومذهبك ما تذكر؟ فقال: إنما هو رسم البلد، وعادة الجسد.
والله أعلم بتحقيق ذلك.
أما الرجل فله في الزهد في الدنيا، والترغيب في الجنة، والحث على الطاعة
стр. 75
لله ، والأمر بمحاسن الأخلاق، وذكر الموت والقبر، ما ليس لأحد وكان شعره كله أمثالاً وحكماً فمما يستحسن له قوله:
تأوبني هم فبت أخاطبه ... وبت أراعي النجم ثم أراقبه
لما رابني من ريب دهر أضرني ... فأنيابه يبرينني ومخالبه
وأسهرني طول التفكير، إنني ... عجيب لدهر ما تقضي عجائبه
أرى عاجزاً يدعى جليداً لغشمه ... ولو كلف التقوى لفلت مضاربه
وعفّا يسمى عاجزاً لعفافه ... ولولا التقى ما أعجزته مذاهبه
وأحمق مصنوعاً له في أموره ... يسوده إخوانه وأقاربه
على غير حزم في الأمور ولا تقى ... ولا نائل جزل تعد مواهبه
وليس بعجز المرء إخطاؤه الغنى ... ولا باحتيال أدرك المال كاسبه
ولكنه قبض الإله وبسطه ... فلا ذا يجاريه ولا ذا يغالبه
إذا كمل الرحمن للمرء عقله ... فقد كملت أخلاقه ومناقبه
فيا عجبا كيف يمكن أن يقول زنديق مثل هذا القول؟! وكيف يكون قائله زنديقاً؟ ومما يستحسن له قوله:
ألا أحد يبكي لأهل محلةٍ ... مقيمين في الدنيا وقد فارقوا الدنيا
كأنهم لم يعرفوا غير دارهم ... ولم يعرفوا غير التضايق والبلوى
ومما يختار من شعره قوله:
فو حق من سمك السماء بقدرة ... والأرض صير للعباد مهادا
إن المصر على الذنوب لهالك ... صدقت قولي أو أردت عنادا
следующие страницы →