← Тараджим

Тараджим · id 7867

طبقات الشعراء لابن المعتز

ابن المعتز

Полный текст (439 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فلم أستطع سيراً لما بي من الهوى ... ولم يخف ما أضمرت والقلب فاضحى فيا بؤس من نتأى عن الإلف داره ... ويا بؤس من في القلب كالمتنازح وأزداد شوقاً حين أدنو توجساً ... لغاد بوشك البين منك ورائح وكان أبو الحجناء يجيد الغزل والمدح والهجو والوصف، ولا يقصر في شيء من ذلك. وهو مخصوص ببني برمك. كانوا يتبجحون به ويقدمونه، واشترى له الفضل داراً تقارب داره بألف دينار. وأشترى له ضيعة تغل غلة كثيرة، وكانوا يجرون عليه يعاشرونه. وكذا كانت عادة آل برمك فيمن يتصل بهم ﵏ فما خلفوا بعدهم من شق غبارهم في الجود والكرم والبر والعطاء والإحسان توفي بعد التسعين والمائة. أخبار ربيعة الرقيّ حدَّثني إسماعيل بن عبد الله بن مكرم قال: قال المدائني: امتدح ربيعة العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب بقصيدته، وهي قصيدة نادرة جيدة يقول فيها: لو قيل للعباس يا ابن محمد ... قل لا وأنت مخلد ما قالها ما إن أعد من المكارم خصلة ... إلا وجدتك عمها أو خالها وإذا الملوك تسايروا في بلدة ... كانوا كواكبها وكنت هلالها

стр. 142

إن المكارم لم تزل معقولة ... حتى حللت براحتيك عقالها وكان العباس بخيلاً. فبعث إليه بدينارين - وكان أمل أن يأخذ منه ألفين - فلما وصل إليه ذلك كاد يجن: واغتاظ غيظاً شديداً، وقال للرسول: خذ الدينارين فقد وهبتهما لك، على أن تحمل رقعتي إليه، فتجعلها في دواته من حيث لا يعلم ذلك. فقال له: أفعل. فأخذ الرقعة وكتب فيها: مدحتك مدحة السيف المحلى ... لتجري في الكرام كما جريت فهبها مدحة ذهبت ضياعاً ... كذبت عليك فيها واعتديت ففعل الرسول ذلك، فلما وقف العباس على البيتين غضب، وقام من وقته إلى الرشيد فدخل عليه، وكان عم أبيه، وقد كان هم الرشيد أن يتزوج ابنته، وكان له مكرماً مبجلاً، فرأى الرشيد التغير في وجهه فقال: يا عم، ما شأنك؟ قال: يا أمير المؤمنين هذا ربيعة الرقي قد هجاني. فقال الرشيد: ويلي على ابن اللخناء، يهجو عمي وأعز الناس عليّ؟ وأمر بإحضاره، فأحضر والرشيد يتميز غيظاً عليه، فقال له: يا ابن اللخناء أعليّ تجترئ؟ لقد كان إذن ضرب عنقك. فقال: يا أمير المؤمنين اسمع قصتي معه، فإن وجدت عذراً، وإلا فافعل ما هممت به وأنت من دمي في حل وسعة، ثم أنشده مدحته فيه وقال: يا أمير المؤمنين كيف تراها؟ قال: ما مدح الخلفاء بمثلها حسناً. فقال: يا أمير المؤمنين إنه وصلني عنها بدينارين، فوهبتهما لرسوله وكتبت إليه البيتين. فلما سمع الرشيد ذلك خجل وأطرق، وأحب أن يتأمل القصيدة فقال: ائتني بها. فاستحى العباس وعلم أنه أخطأ،

стр. 143

فقال له الرشيد: سألتك بحقي إلا جئتني بها، فأمر غلامه بحملها إليه فتأملها وأعجب بها وقال العباس. أحقاً أن ك أثبته عليها بدينارين؟ فسكت، فقال لربيعة: ويحك يا رقيّ أصدقني. فقال: يا أمير المؤمنين وحياتك إنه وصلني بدينارين وإني وهبتهما لغلامه. فنظر إلى العباس نظراً منكراً وقال: سوءاً لك، فضحت نفسك وأسلافك. فاستحيا العباس ولم يحر جواباً. فأمر الرشيد لربيعة بثلاثين ألف درهم، وجعله نديماً، وخلع عليه فأعطاه حلتين، فلما أراد الخروج قال له: يا ربيعة. قال: لبيك يا أمير المؤمنين قال: إياك أن تذكره بعدها في شعرك. ومما سار له في الآفاق، وصار مثلاً، قوله يمدح يزيد بن حاتم ويهجو يزيد بن أسلم السلمي: لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد بن سليم الأغر ابن حاتم يزيد سليم سالم المال والفتى ... أخو الأزد للأموال غير مسالم فلا يحسب التمتام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم فأما شعره في الغزل فإنه يفضل على أشعار هؤلاء من أهل زمانه جميعاً، وعلى كثير ممن قبله، وما أجد أطبع ولا أصح غزلاً من ربيعة، وهو القائل: أنا للرحمن عاصي ... لجنوني برخاص ثم للناس جميعاً ... من أدان وأقاصي ورخاص الكرخ ظبي ... لم أنل منه افتراصي

стр. 144

ولقد طال بأبوا ... ب الخريمي اقتصاصي طمعاً في صيد ظبي ... ذي شماس ملاص صيده أعمر من صي ... د الضواري والقلاص يا رخاصاً يا رخاص الك ... رخ يا ذات العقاص والثنايا الغر كالبر ... ق تلالا في النشاص ثم ردف كنقا الرم ... ل وأحشاء خماص ما أبالي من لحاني ... فيك أو رام انتقاصي ولقد عذبت روحي ... فمتى منك خلاصي فاتقي الرحمن فينا ... واحذري يوم القصاص مشهداً يؤخذ بالأق ... دام فيه والنواصي ونديم أريحي ... واضح الوجه معاصي قرشي من بني عب ... د مناف في العناصي سائلي عن شعراء الن ... اس هل غاصوا مغاصي قلت شعراً ينزل الأع ... صم من رأس الصاصي والغواني مغويات ... مولعات باقتناصي

стр. 145

قد تواصين بحبي ... حبذا ذاك التواصي باذل في الخير لا ين ... ظر منه في ارتخاص مهلك الأموال في الل ... ذات مخشيّ القصاص قد سقتني وسقته ... قينة ذات عقاص قي أباريق لجين ... لا أباريق رصاص ولدينا أدكن الجل ... دة كالزنجي شاصي ذاك من معصية الل ... هـ وهمّي في المعاصي فهذا يستحسن له قوله: صاح إني غير صاحي ... أبداً من حب داح صار قدحاً حب داح ... في فؤادي المستباح جنح القلب إليها ... إن قلبي ذو جناح وعصى في حب داح ... كل لوام ولاحي ليت لي رسلاً من الج ... ن إليها والرياح تبلغ الحاجات عني ... ثم بالنجاح داح حب نصر ... آح من حبك آح أنا والله قتيل ... لك من غير جراح لا بسيف قتلني ... لا ولا سمر الرماح

стр. 146

أنت للناس قتول ... بالهوى لا بالسلاح وبشك وبدل ... وبغنج ومزاح وبعينين صيودي ... ن وثغر كالأقاحي ليتني كنت حماما ... لك مقصوص الجناح أيها الناس ذروني ... لست من أهل الفلاح أنا إنسان معنى ... بهوى المرج الصحاح أنا زير للغواني ... وأخو لهو وراح غير أني لست أغشى ... أبداً باب السفاح إن ربع ابن نصير ... معدن البيض الملاح فيه داح ولما في ... حب داح من جناح وفتاة غير داح ذات لهو ومزاح قد تجشمت إليها ... هول ليل ونباح فخلونا بفتاة ... غادة غرثى الوشاح فلبست العكن البيض ... من الخود الرداح ثم لما صاح ديك ... قبل إبان الصباح قلت: صح يا ديك ألفاً ... ليس ذا وقت البراح أو أرى الصبح وإن كا ... ن لفي الصبح افتضاحي وهذا أطبع ما يكون من الشعر وأسهل ما يكون من الكلام. ومما يستملح له قوله: أعثمة أطلقي العلق الرهينا ... بعيشك وارحمي الصب الحزينا

стр. 147

ربيعة مغرم بك مستهام ... يحن إليك من شوق حنينا تعرض زائراً لك فارحميه ... فقد أورثت زائرك الجنونا رآك وأنت مقبلة فلما ... رأتك العين هجت لنا فتونا وقمت تأودين وعهد عيني ... بحسنك في الحزون تأودينا فلما أن رآك الناس قالوا ... تعالى الله رب العالمينا بدت منك الروادف مشرفات ... روادف لم تدع للناس دينا وقد أعطاك ربك فاشكريه ... جمالاً فوق وصف الواصفينا فما الشمس المضيئة يوم دجنٍ ... بأحسن منك يوم تبذلينا إذا أقبلت رعت الناس حسناً ... وأن أدبرت قيدت العيونا فلو أن الملوك رأوك يوماً ... لخروا من جمالك ساجدينا ولو أن النساء ملكن أمراً ... لكنت إذن أمير المؤمنينا لقد أعطيت أردافاً ونقالاً ... وقد حملت ما لا تحملينا إذا رمت القيام تخال دعصاً ... يمانعك القيام فتقعدينا إذا صليت ثم سجدت قلنا ... ألا يا ليتها سجدت سنينا ومما يستملح له قوله - وإن كان شعره كله مليحاً عذباً مطبوعاً جيداً هينا -: حمامة بلى عني سلاما ... حبيباً لا أطيق له كلاماً وقولي للتي غضبت علينا ... علام وفيم يا سكني علاما أفي هجران بينك تصرميني ... وما رمنا لصرمكم صراما ولم أهجرك مقلية ولكن ... حللت عراقكم وحللت شاما

стр. 148

عديني أن أزورك إن داري ... ودارك لا أرى لهما التياما وإن جميع أهلك عنفوني ... ولاموني ولم أطق الملاما كرام الناس قبلي قد أحبوا ... كرائمهم وأحببن الكراما جميل والكثير قد أحبا ... وعروة من هوى لاقى حماما هم سنوا الهوى والحب قبلي ... وما ألفي لهم في الناس ذاما فيا غنام يا بصري وسمعي ... رسيس هواك أورثني سقاما لقد أقصدت حين رميتِ قلبيبسهم الحب إن له سهاما زجرت القلب عنك فلم يطعني ... ويأبى في الهوى إلا اعتزاما إذا ما قلت أقصر واسل عنها ... أبى من صرمكم إلا انهزاما ولولا فتنتي بك فاعلميهاإذا صلى ربيعة ثم صاما أقام الحب حبك في فؤادي ... وحبي في فؤادك قد أقاما كلانا وامق كلف معنى ... بصاحبه وما يبغي حراما أحب حديثها وتحب قربي ... وما إن نلتقي إلا لماما فيا ليت النهار يكون ليلاً ... وليت الصبح لا يجلو الظلاما ويا ليت الحمام مسخرات ... لنرسل في رسائلنا الحماما لعل حمامة تهدي إلينا ... كتاباً منك نجعله إماما وتبلغك المحبة من محب ... أحبك قلبك قلبه يفعاً غلاما وما ذنبي وحبك هاج هذا ... ولو ترك القطا لغفا وناما ولو أبصرت غنمة ذات يوم ... وقد سفرت وأحدرت اللثاما

стр. 149

ينوط وشاحها بقضيب بانٍ ... ويكسو مرطها دعصاً ركاما إذا ابتسمت حسبت الثغر منها ... تألق بارقٍ يجلو الظلاما جلت ببشامة برداً عذابا ... كأن عليه مسكا أو مداما فلم تزد البشامة فاكِ طيبا ... ولكن أنت طيبت البشاما وما أدماء جؤذرها تراعى ... وتدنو حين يُسمعها بغاما بأحسن منك يوم رحت عنا ... وقد بلَّتْ مدامعك اللثاما وتحتك بغلة زينت برحل ... مواشكة تنازعك اللجاما وكل الحب لغو غير حبي ... فقد أردى الحشا وبرى العظاما ومما يستملح له ويروي بكل أرض عند الخواص - لأن شعر ربيعة لم يكثر في أيدي العوام - قوله: أعلل نفسي منك بالوعد والمنى ... فهلاّ بيأس منك قلبي أُعللُ وموعدك الشهد المصفى حلاوةً ... ودون نجاز الوعد صاب وحنظل وأمنح طرف العين غيرك رقبةً ... حذار العدا والطرف نحوك أميل لكيما يقول الناس: إن أمراً رمى ... ربيعة في ليلى بسوء لمبطلُ لقد كذب الواشون بغياً عليهما ... وما منهما إلا بريء معقل فلو كنت ذا عقل لأجمعت صرمكم ... برأيي ولكني امرو لست أعقل وكيف بصبر القلب لا كيف عنكموباب فؤادي دون صرمك مقفل ومن أين لا من أين يحرم قتلكموقتلى لكم يا أم ليلى محلل أغرك أن لا صبر لي في طلابكم ... وأن ليس لي إلا عليك معول

стр. 150

ولما تبينت الذي بي من الهوى ... وأيقنت أني عنك لا أتحول ظلمت كذئب السوء إذ قال مرةً ... لسخل رأى والذئب غرثان مرمل أأنت الذي في غير جرم شتمتني؟ ... فقال: متى ذا؟ قال: ذا عام أول فقال وُلدت العام بل رمت غدرة ... فدونك كُلني لا هنا لك مأكل أتبكين من قتلي وأنتِ قتلتني ... بحبك قتلاً بينا ليس يُشكل فأنت كذباح العصافير دائباً ... وعيناه من وجد عليهن تهمُلُ فلو كان من رأفٍ بهن ورحمة ... لكف يداً ليست من الذبح تعطلُ فلا تنظري ما تهمل العين وانظري ... إلى الكف ماذا بالعصافير تفعل فهذا كما ترى لا يسمع مثله لشاعر رقةً وغزلاً. ومما يستملح له قوله: دست سعاد رسولاً غير متهم ... وصيفة فأتت إتيان مُنْكتم جاء الرسول بقرطاس بخاتمه ... وفي الصحيفة سحر خُطَّ بالقلم فيه فتون هوى لت تغيبه ... على الجهول وما يخفى على الفهم وقد فهمتُ الذي أخفت فقلت لها ... بُوحي بلا ونعم من بين الكليم قالت: تعال إذا ما شئت مستتراً ... والحكم حكمك يا رقي فاحتكم أقدم ربيعة في رحب وفي سعة ... في غير قمراء، والظلماء فاغتنم فزرتها واقعاً طرفي على قدمي ... وقد تلبستُ جلبابين من ظُلَم فكان ما كان لم يعلم به أحد ... وما جرحتُ وما عللت بالحرم زارتها واقعاً طرفي على قدمي ... وقد تلبست جلبابين من ظلم فكان ما كان لم يعلم به أحد ... وما جرحتُ وما عللت بالحرم زارتك سعدى وسعدى منك نازحة ... فأرقتك وما زارتك من أمم

стр. 151

أهلاً بطيفك يا سعدى الملم بنا ... طيف يسير بلا نجم ولا علم أنت الضجيع إذا ما نمتُ في حلميوالنجم أنت إذا ما العين لم تنم ما أكذب العين والأحلام قاطبةً ... أصادق مرة في وصلها حلمي قولي: نعم، إنها إن قلت نافعةٌ ... ليست عسى، وعسى صبر إلى نعم أنعمت نعمى علينا لست أُنكرها ... حتى أغيّب في ملحودة الرجم قلبي سقيم وداء الحب أسقمه ... ولو أردتِ شفيت القلب من سقم قالت: فؤادك بين البيض مُقتسم ... ما حاجتي في فؤاد منك مُقتسم أنت الملولُ الذي استبدلت بي بدلاً ... قصّرت بي وشريت اللؤم بالكرم قد كنت أقسمتُ أني من هواك فما ... بيني وبينك يا رقي من رحم يا ليت من لامنا في الحب جربه ... فلو يذوق الذي قد ذقت لم يلُم الحب داءٌ عياء لا دواء له ... إلا نسيمُ حبيب طيب النسم أو قبلة من فم نِيلَتْ مخالسة ... وما حرامٌ فمٌ ألصقته بفم هذا حرام لمن قد عده لَمماً ... ولن يعذبنا الرحمن باللمم هام الفؤاد بسعدي من ضلالته ... يا ليت قلبي بكم يا سعد لم يهم أنت التي أورثت قلبي مودتها ... داء دخيلاً وشوقاً غير مُنصرم خُلقتِ من مسكة والناس خَلْقُهُمُ ... من لازب الطين من صلصاله القَتِمِ ما صوَّر الله إنساناً كصورتكم ... من بعد يوسف في عُرْبٍ ولا عجم

стр. 152

أعلاك من صعدةٍ سمرا مقومة ... والمِرط فوق كثيب منك مُرْتكمِ وأنت جنةُ ريحان لها أرجٌ ... أو روضة نضحت بالوبل والديمِ أو بيضة في نَقاً أو درة خرجت ... من زاخر مزبدِ الآذى ملتطم لاقيت عند استلام الركن غانية ... غراء واضحة الخدين كالصنم مرتجة الردف مهضوم شواكلُها ... تمشي الهوينا كمشي الشارب الثلمِ تقول قيناتها، والردف يقعدها ... من خلفها: قد أتيت الركن فاستلمي فاستلمتْ ثم قامت ساعة فدعتْ ... فقمت أدعو ولولا تلك لم أقم حتى إذا انصرفت سلمت فالتفتت ... فقلت: إنك من همي ومن سدمي قالت: ومن أنت؟ قلن التابعات لها ... هذا ربيعة هذا فتنة الأمم هذا المعنى الذي كانت مناسبه ... تأتيك فاستتري بالبرد والقتم شيطان أمته لاقاك محرمة ... فبالإله من الشيطان فاعتصمي قالت: أعوذ بربي منك واستترت ... بغادة رخصة الأطراف كالعنم قلت: الذمام وعهد الله خنت به ... لا عهد للغادر الختار للذمم ألم تقولي: نعم؟ قالت: بلى. وهماً ... مني وهل يُؤخذ الإنسان بالوهم تبنا وصمنا وصلينا لخالقنا ... ولم تتب أنت من ذنب ولم تصم فلمت نفسي على بذلي لها مِقَتي ... وبخلها وقرعت السن من ندم فابعد الله إنساناً وأسحقه ... أدام وُداً لإنسان ولم يُدمِ

стр. 153

ومما يستحسن له قوله: خليلي هذا ربع ليلي فقيدا ... بعيريكما ثم أبكيا وتجلدا قفا أسعداني بارك الله فيكما ... وإن أنتما لم تفعلا ذاك فاقعدا وإلا فسيرا واتركاني وعولتي ... أقل لجنابي دمنة الدار أسعدا فقالا وقد طال الثوى عليهما: لعلك أن تنسى وأن تتجلدا فسر عنك فد عنيتنا وحبستنا ... على دمن الأطلال يوماً مطردا يلوم على ليلى خليلي سفاهة ... وما كنت أهلاً في الهوى أن أفندا لعمري أي ليلى شطت النوى ... بليلي لقد صادت فؤادي معمدا قتول بعينيها صيود بدلها ... وما تقتل الفتيان إلا تعمدا ألا حبذا ليلى وأترابها الألى ... وعدنك من ليلى ومنهن موعدا فأقبلن من شتىً ثلاثاً وأربعا ... وثنتين يمشين الهوينا تأودا يطأن مروط الخز يلحقها الحما ... ويسحبن بالأعطاف ريطاً معمدا فلما التقينا قلن أهلاً ومرحبا ... تبوأ لنا بالأبطح السهل مقعدا ومما يختار لربيعة قوله: يا غنم ردي فؤاد الهائم الكمد ... من قبل أن تطلبي بالعقل والقود تيمتني بدلال منك يقتلني ... وقد رميت فما أخطأت عن كبدي

стр. 154

إن تقتليني كذا ظلماً بلا ترة ... فلست فائتة قومي بني أسد أما الفؤاد فشيء قد ذهبت به ... فما يضرك ألا تسقمي جسدي أنت الهوى ومنى نفسي ومتعتها ... أقول ذاك ولا أخفيه عن أحد نلت الجمال ودلاً رائعاً حسناً ... فما تسمين إلا ظبية البلد وأنت طيبة في القيظ باردة ... وفي الشتاء سخون ليلة الصرد تسقي الضجيع رضابا من مقبلها ... من بارد واضح الأنياب كالبرد يا ليتني قبل موتي قد خلوت بها ... على الحشية بين السجف والنضد قد وسدتني اليد اليمنى ويارقها ... ودملج العضد اليسرى على عضد في كل يوم لنا إلمامة بكم ... وليت دارك من داري على صدد أخبار علي بن جبلة ويعرف بالعكوك حدَّثني محمد بن يزيد المبرد قال: أخبرني علي بن القاسم قال: قال علي بن جبلة: زرت أبا دلف، وكنت لا أدخل عليه إلا تلقاني ببشره، ولا أخرج من عنده إلا أتبعني ببره، فلما كثر ذلك هجرته أياماً حياء منه، فبعث إلي أخاه معقلاً فقال: يقول لك الأمير: لم هجرتنا وقعدت عنا؟ إن كنت رأيت تقصيراً فيما مضى فاعذرنا فإنا نتلافاه فيما استقبل، وأزيد فيما تحب من برك، فكتبت معه إلى أبي دلف بهذه الأبيات: هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة ... وهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر ولكنني لما أتيتك زائراً ... وأفرطت في بري عجزت عن الشكر

стр. 155

قم الآن لا آتيك إلا مسلماً ... أزورك في الشهرين يوماً أو الشهر فإن زدتني براً تزيدت جفوة ... فلا نلتقي طول الحياة إلى الحشر قال: فلما نظر فيها معقل استحسنها - وكان أديباً شاعراً. يقدم في الأدب على أبي دلف - فقال لي: جودت والله أحسنت. أما إن الأمير سيعجب بهذه المعاني، فلما أوصلها إلى أبي دلف استحسنها وكتب إليّ: ألا رب ضيف طارق قد بسطته ... وآنسته قبل الضيافة بالبشر أتاني يرجيني فما حال دونه ... ودون القرى والعرف من نائلي ستري فلم أعد أن أدنيته وابتدأته ... ببشر وإكرام وبر على بر وزودته مالاً يرجى نفاده ... وزودني مدحاً يقيم على الدهر ووجه إليّ الأبيات مع وصيف وألف دينار، وذلك حيث يقول علي بن جبلة في قصيدته الغراء، التي سارت في العرب والعجم، وهي التي يقول فيها: إنما الدنيا أبو دلف ... بين باديه ومحتضره فإذا ولي أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره حدثني ابن أبي جرير بن جبلة قال: كل من في الأرض من عرب ... بين باديه إلى حضره مستعير منك مكرمة ... يكتسيها يوم مفتخره إنما الدنيا أبو دلف ... بين باديه ومحتضره فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره استشاط من ذلك وغضب وقال: ويلي على ابن الفاعلة يزعم أنا لا نعرف مكرمة إلا مستعارة من أبي دلف، وطلبه فهرب إلى الجزيرة. فكتب في طلبه

стр. 156

وأخذه، فحمل إليه، فلما صار بين يديه قال: يا ابن اللخناء، أنت القائل للقاسم بن عيسى: كل من في الأرض من عرب ... بين باديه ومحتضره مستعير منك مكرمة ... يكتسيها يوم مفتخره فقال: يا أمير المؤمنين، عنيت أشكال قاسم وأشباهه من الناس، فأما أنتم فقد أتاكم الله بالفضل عن سائر عباده، لأنه اختصكم بالفضل والنبوة والكتاب والحكمة، وجمع لكم إلى ذلك الخلافة والصلاة والملك. وما زال يستعطفه حتى عفا عنه. وقال بعض الرواة - منهم ابن أبي فنن -: بل قتله. وذلك أنه قال: أما إني لا أستحل دمك بهذا القول. ولكن أستحله بكفرك وجرأتك على الله، إذ تقول في عبد مهين، تسوي بينه وبين رب العالمين، حين تقول: أنت الذي تنزل الأيام منزلها ... وتنقل الدهر من حال إلى حال وما مددت مدى طرف إلى أحد ... إلا قضيت بأرزاق وآجال قال: فأمر فأخرج لسانه من قفاه، ثم قتله. والأولى عندنا أثبت، إنما مات علي بن جبلة حتف أنفه. والقصيدة هذه: ذاد ورد الغي عن صدره ... فارعوى، واللهو من وطره وأبت إلا الوقار له ... ضحكات الشيب في شعره ندمي إن الشباب مضى ... لم أبلغه مدى أشره انقضت أيامه سلما ... لم أهج حربا على غيره

стр. 157

حسرت عني بشاشته ... وذوي اليانع من ثمره وصغت أذني لزاجرها ... ولما تشجي لمزدجره إذ يدي تعصي بقوتها ... لا ترى ثأراً لمثئره والصبا سرح أطيف به ... فأصيب الأنس من نفره ترعوي باسمي مسارحه ... ويلي ليلى بنو سمره وغيور دون حوزته ... حزت خلف الأمن من حذره ودم أهدرت من رشإ ... لم يرد عقلاً على هدره بات يدني لي مقاتله ... ويفديني على نفره فأتت دون الصبا هنةٌ ... قلبت فوقي على وتره جارنا ليس الشباب لمن ... راح محنياً على كبره ذهبت أشياء كنت لها ... صارفاً حلمي إلى صوره طرقت تلحى فقلت لها ... مذهب ما أنت من سوره قدك من موف على أمل ... تحسر الأبصار عن نظره إن من دون الغني جبلاً ... ستكوس العيس في وعره

стр. 158

يتناصلن السرى قذفاً ... قد كساها الميس من قتره كم دجى ليل عسفن به ... يبتعثن الصبح من كسره يتفرى عن مناسمها ... كتفري النار عن شرره دع جدا قحطان أو مضر ... في يمانيه وفي مضره وامتدح من وائل رجلاً ... عصر الآفاق من عصره المنايا في مناقبه ... والعطايا في ذرا حجره هضم الدنيا بنائله ... وأقال الدين من عثره ملك تندى أنامله ... كابتسام الروض عن زهره مستهل عن مواهبه ... كانبلاج النوء عن مطره

стр. 159

عقد الجد الأمور به ... حين لم ينهض بمتعره فكفاها واستقل بها ... لم تصف وهناً قوي مرره جبل عزت مناكبه ... أمنت عدنان في ثغره إنما الدنيا أبو دلف ... بين معراه ومحتضره فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أًثره لست أدري ما أقول له ... غير أن الأرض في خفره يا دواء الأرض إن فسدت ... ومجير اليسر من عسره رب ضافي الأمن في وزر ... قد أبت الخوف في وزره وابن خوف في حشا خمر ... نشته بالأمن من خمره وزحوف في مواكبه ... كصياح الحشر في أمره قدته والموت مكتمن ... في مذاكيه ومشتجره

стр. 160

فغدا جيلوه عنه وقد ... طوت المنشور من بطره زرته والخيل عابسة ... تحمل البوسي إلى عقره خارجات تحت رايتها ... كخروج الطير من وكره فأبحت الليل عقوته ... وقريت الطير من جزره وعلى النعمان صفوتها ... فأقمت الميل من صعره غمط النعمان صفوتها ... فرددت الصفو في كدره وبقرقور أدرت رحا ... وقعة فلت شبا أشره وتأنيت البقاء له ... فأبى المحتوم من قدره وطغى حتى رفعت له ... خطة شنعاء من ذكره قال أحمد بن محمد المظفر: قال لي شيخ من بني عجل من آل أبي دلف: كان قرقور هذا صعلوكاً، يقطع حوالي عمل أبي دلف، وكان شجاعاً بطلاً، لا يقاومه أحد، وكان قطع على مال جليل كان حمل إلى

стр. 161

أبي دلف من بعض النواحي، وقتل فرساناً كانوا مع ذلك المال، فطلبه أبو دلف فلم يقدر عليه، وذلك أنه لم يكن يقيم في موضع ينسب إليه أو يعرف به إنما كان يصبح بمكان، ويمسي بمكان غيره، فضلت فيه حيلة أبي دلف، وطال عليه أمره، وكان أكثر ما يقطع وحده، وليس معه غير غلامين، وخرج يوماً أبو دلف يتصيد. وانقطع عن أصحابه في وحش طرده، حتى دفع إلى ثنية جبل، فلم يشعر حتى أقبل قرقور على فرس جواد يخرق الأرض خرقاً، فلما نظر إليه أبو دلف سقط في يده، فإنه كان وحده وكان قرقور لا تقوم له فوارس مثل أبي دلف، وعلم أنه إن ولي عنه هلك، فحمل عليه أبو دلف ونادى: يا فتيان، اليمن اليمن. فظن قرقور أن معه خيلاً قد كمنوا له فدهش وولى هارباً، وأتبعه أبو دلف حتى وضع رمحه في ظهره، واعتمد عليه حتى أخرجه من صدره، ثم صرعه، ثم نزل إليه فاحتز رأسه، وأدخله الكرج على رأس رمح. فذلك قول علي بن جبلة: وطغى حتى رفعت له ... خطة شنعاء من ذكره ويقال: إن رمحه حمل بين اثنين حتى أدخل الكرج. ومن القصيدة: أيّ يوميك اعتزيت له ... استضاء المجد من قتره

стр. 162

لو رميت الدهر عن عرض ... ثلمت كفاك من حجره صاغك الله أبا دلف ... صيغة في الخلق من خيره كل من في الأرض من عرب ... بين باديه إلى حضره مسعير منك مكرمة ... يكتسيها يوم مفتخره وقد سارت هذه في أبي دلف مسير الشمس والريح، وأخذ منه بها مالاً جليلاً. قال أبو العباس عبد الله بن المعتز: حدثني ابن رزين قال: ولد علي بن جبلة أعمى. وقال غيره: بل كف بصره وهو صبي. وحدثني أبو حفص البصري قال: لما امتدح علي بن جبلة حميدا الطوسي واستأذن فدخل عليه ينشده قال: وما عسيت أن تقول فينا؟ وهل بقيت لأحد مدحاً بعد قولك في أبي دلف. إنما الدنيا أبو دلف ... بين معراه ومحتضره فإذا ولي حميد ... فعلى الدنيا السلام قال: فتبسم حميد ولم يقل شيئاً. وتعجب كل من حضر المجلس

стр. 163

من جودة بديهته، لأنهم علموا أنه إنما قالهما على البديهة في ذلك الوقت، فأحسن حميد جائزته وأرغد له، وسار بيتاه في أبي دلف بين الخاصة والعامة، ولم يسر بيتاه في حميد حسب ذلك، وإنما يرويهما أهل الأدب وخاصة الناس وأهدى علي بن جبلة إلى حميد الطوسي في يوم نيروز - وأهدي الناس من فنون الهدايا ما بلغ خطراً عظيماً - هذه القصيدة، فسر بها حميد وقال: والله إنها أحب إلي من جميع ما أهدي إلى في هذا اليوم. وهي هذه: دمن الدار دثور ... ليس فيهن مجير بليت منها المغاني ... مثل ما تبلى السطور قسم البين عليه ... ن رواح وبكور وليال ساجيات ... نام عنهن السمير فطوت أخبيه الحي ... كما يطوي الحبير فاستجر بهم فدوت ... من نوى البين جرور وبعينيك حمول ال ... حي والبين الشطير

стр. 164

كذرا النخل أشاعت ... رهوها الريح الدبور خلفت بالدار جور ... وغدت في الظعن حور بدلا ما استبدل الدا ... ئر فيها والمدير نفرٌ مستجفلات ... لم ترببها الخدور وبما أعتسف العي ... س أسدى أنير وأزور الكاعب الخو ... د تواريها الستور إذ عيون الدار صور ... وإذ الجيرة خير اعذلي. إن سفاهاً ... من كبير لكبير ألفت عينك عيني ... فأبى ذاك القتير لم يدع لي ولأخدا ... نك ما يخشى الغيور فارقدي ما وسنت عي ... نال، والنوم غزير قلق الجسرة والرح ... ل عليها والضفور وقران البيد بالبي ... د كما يلوي المرير

стр. 165

وقطاً نازعته المو ... رد والليل كفور لم يذر في نواحي ... هـ من الصبح ذرور بنواج حز منهنّ ... النجاء المستطير لحميد وحميد ... قمر الأرض المنير قال أبو العباس: ما سمعت أحسن من هذا التخلص من النسيب إلى المدح مع جودة هذه المعاني: لو حمى الدنيا حميد ... لم يكن فيها فقير ملك كلتا يديه ... بعطاياه درور وكلا يوميه في الأر ... ض بشير ونذير مستبد الشأو لا يب ... لغ مسعاه الفخور إن من حاول في الأف ... ق اطلاعاً لحسير وكفاه أنه يم ... تساميه البحور أريحي منهب المال ... وبالسيف شتور وركوب ثبح الخط ... ة يخشاها الجسور ضمن الأرض حميد ... فهو للأرض خفير

стр. 166

بيد تنهل خلفي ... ن فتحيي وتبير يغلق المال عليها ... وبها تشجي الدثور صامتي فرع المج ... د وزكته النجور فله الحمد المبدي ... وله الحمد الأخير كدر الناس وصا ... في النيل ما فيه كدور وعجول بعطايا ... وعلى الروع قتور ما أعز الله جاراً ... بسواه يستجير يا أبا غانم الغن ... م على من يستمير وأبا الأمن إذا ضا ... قت من الخوف الصدور بك ركن الأرض يرسو ... ورحي الملك يدور أنت للملك نصير ... ولك الله نصير رب ملتف السرايا ... غرة منك الغرور أبطرته دعة النعم ... ة والعز النمير قدته بالخيل قوداً ... يوم قيد الخيل زور

стр. 167

وخميس تقبض الأر ... ض له، ظل يسير تصل البيض خطاه ... وقنا الخط شجير ويناحي، فيه للمو ... ت أيامي تمور مثل ما لفّ إليه ... قزع المزن الصبير قد تركت الطير سا ... لمة وهو عقير يستهل العلق الصا ... يل منه العتير أنت للصبح ضياء ... ليس للصبح نكير وإلى مجدك ينمي ... كل مجد ويحور وندى كفيك بحرٌ ... منه تنشق البحور كل ذي مجد طويل ... عند مسعاك قصير وقليل من أيادي ... ك على الناس كثير فابق ما عد من الده ... ر سنوه والشهور ومما يستحسن لعلي بن جبلة في الغزل قوله: إني ليقنعني تعهد شكلة ... إن حال دون لقاء شكلة حائل ويزيدني كلفاً بها هجرانها ... ويسرني عنها الحديث الباطل وإذا تلكم عاذل في حبها ... أغرى الفؤاد به وزق العاذل

стр. 168

من أين امتحنت محاسن وجهها ... بهر العيون بها هلال مائل شجيت خلاخلها بساق خدلة ... وشجيت عمداً بالذي هو قائل ومما يختار لعلي بن جبلة قوله: أبيت فما تسعف ... وجرت فما تنصف وتحلف لي بالهوى ... وتنكث ما تحلف حبالك منحلة ... وودك مستطرف وتهجرني واثقاً ... فثق فأنا المدنف سأعطف من حيث لا ... تلين ولا تعطف وأسكت لا أشتكي ... وأعرف ما تعرف تجاوزت أقصى المنى ... فخلقك لا يوصف فما تحته مثقل ... وما فوقه أهيف حميد أبو غانم ... له الشرف الأشرف مكارمه تنتمي ... وأمواله تتلف شحيح على عرضه ... وفي ماله مسرف له كنف ضامن ... على الأرض من يكنف وقحطان تبهى به ... وتبهي به خندف وتضحي به طبيّ ... على غيرها تشرف ومما يختار له قوله في حميد أيضاً: بطاعة الله طلت الناس كلهم ... ونصح هاد أمين الملك مأمون حميد يا قاسم الدنيا بنائلة ... وسيفه بين أهل النكث والدين

стр. 169

أنت الزمان وقد يجري تصرفه ... على الأنام بتشديد وتليين لو لم تكن كانت الأيام قد فنيت ... بالمكرمات ومات المجد مذ حين طويت كل حشا منها على أمل ... إلى قرينة خوف منك مقرون قال: وتكلم الناس في هذه الأبيات واستجهلوه لأنه جعل للمخلوق قدرة الخالق. إلا أنه قد ابتدأ فقال: بطاعة الله فعلت وصنعت. فكأنه أراد أنك بلغت بالله ما بلغت. وهذا صحيح. أخبار عوف بن محلم الخزاعي قال أبو عبد الله: هذا إنما هو من بني سعد، والشيباني غيره. وكان صاحب أخبار ونوادر ومعرفة بأيام الناس، وكان طاهر بن الحسين ابن مصعب قد استخصه واختاره لمنادمته، فكان لا يفارقه في سفر ولا حضر، وكان إذا سافر فهو عديله يحادثه ويسامره، وإذا أقام فهو جليسه يذاكره العلم ويدارسه، وكان طاهراً أديباً شاعراً يحب الأدب وأهله. وكان لا ينفق عنده شيء من متعة الدنيا كما ينفق الأدب، وكان عوف من أهل حران. وقال قوم: من رأس العين. وأقام مع طاهر ثلاثين سنة

стр. 170

لا يفارقه، حتى ليسأله كثيراً أن يأذن له في الإلمام بأهله والخروج إلى وطنه، فلا يجيبه إلى ذلك، وكان يعطيه الجزيل حتى كثرت أمواله، فلما مات طاهر ظن أنه قد تخلص، وأنه يلحق بأهله، ويتمتع بما قد اقتناه ببلده. فلوى عبد الله بن طاهر عليه يده، وتمسك به، وأنزله فوق منزله التي كانت من أبيه - وكان من آدب الناس وأعلمهم بأيام العرب وأجودهم قولاً للشعر - فعاد معه عوف إلى حاله التي كان عليها مع أبيه من الملازمة في الحضر والسفر، واجتهد في التخلص فلم يقدر على ذلك، حتى خروج عبد الله بن طاهر من العراق يريد خراسان، وعوف عديله في قبة يسامره ويحادثه. فلما شارفوا الري، وقد أدلجوا سحرة، إذا بقمري يغرد على سروة. بأشجى صوت وأرق نغمة، فالتفت عبد الله إلى عوف فقال: يا أبا ملحم، أما تسمع هذا الصوت؟ ما أرقه وأشجاه! قاتل الله أبا كبير الهذلي حيث يقول: ألا يا حمام الأيك فرخك حاضر ... وغصنك مياد ففيم تنوح قال عوف: أحسن والله أبو كبير وأجاد أيها الأمير. كان في هذيل أربعون شاعراً مذكوراً محسناً سواء المتوسطين، وكان أبو كبير، من أظهرهم وأقدرهم على القول. قال عبد الله: عزمت عليك إلا أجزت هذا البيت. قال عوف: أصلح الله الأمير، شيخ مسن وأحمل على البديهة، وعلى معارضة مثل أبي كبير، وهو من قد علمت؟ قال عبد الله: عزمت عليك وسألتك بحق طاهر إلا

стр. 171

فعلت. فأنشأ يقول: أفي كل عام غربة ونزوح ... أما للنوى من ونية فتريح لقد طلح البين المشت ركائبي ... فهل أرين البين وهو طليح وأرقني بالري نوح حمامة ... فنحت وذو اللب الحزين ينوح على أنها ناحت فلم تر عبرة ... ونحت وأسراب الدموع سفوح وناحت وفرخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه فيح ألا يا حمام الأيك فرخك حاضر ... وغصنك مياد ففيم تنوح عسى جود عبد الله أن يعكس النوى ... فتضحي عصا التسيار وهي طريح فإن الغني يدني الفتى من صديقه ... وعدم الغني للمعسرين طروح فاستعبر عبد الله ورق له لما سمع من تشوقه إلى أهله وبلده، فقال: يا بن محلم ما أحسن ما تلطفت لحاجتك، واستأذنت في الرجوع إلى أهلك وولدك! وإني بك لضنين، وبقربك لشحيح، ولكن والله لا جاوزت مكانك هذا حتى ترجع إلى أهلك وولدك. وأمر له بثلاثين ألف ردهم نفقة، ورده إلى موضعه ذلك. وذلك حيث يقول: يا بن الذي دان له المشرقان ... وألبس الأمن به المغربان إن الثمانين وبلغتهاقد أحوجت سمعي إلى ترجمان وأبدلتني بالشطاط انحنا ... وكنت كالصعدة تحت السنان وعوضتني من زماع الفتى ... وهمه هم الهجين الهدان

стр. 172

وهمت بالأوطان وجدا بها ... وبالغواني، أين من الغوان فقرباني بأبي أنتمامن وطني قبل اصفرار البنان وقبل منعاي إلى نسوة ... أوطانها حران فالرقمتان سقى قصور الشادياخ الحيا ... من بعد عهدي وقصور الميان فكم وكم من دعوة لي بها ... أن تتخطاها صروف الزمان وهذه القصور التي ذكرها في شعره كلها بمرو ونيسابور، وهي مساكن آل طاهر، وكان عوف قد ألفها لكثرة غشيانه إياها، ومقامه معهم فيها، ولذلك يدعو لها. ثم ودع عبد الله وخرج من عنده على أيسر حال، فلما كان في بعض الطريق عاجلته منيته فلم يصل إلى أهله، واتصل الخبر بعبد الله فاشتد ذلك عليه وجزع له. وفي عبد الله بن طاهر يقول عوف يمدحه: إليك فما حظي لغيري بصائر ... ولا أجلي إن حم عني بقاصر أعف وأستغني وإني لمقتر ... فتستر عفاتي عليّ مفاقري وإني ليأتيني الغنى غير ضارع ... فأدنو به من صاحبي ومجاوري لساني وقلبي شاعران كلاهما ... ولكن وجهي مفحم غير شاعر ولو كان وجهي شاعراً أكسب الغنى ... ولكن وجهي مثل وجه ابن طاهر فتى يختشي أن يخدش الذم عرضه ... ولا يتقي حد السيوف البواتر غليل وقد أوردت دلوي ببحره ... ولا عيب في ورد البحور الزواخر

стр. 173

وقال يذكر عبد الله وأجداده: بنو مصعب للملك في السلم زينة ... وفي الحرب دون الملك بيض بواتر وحول رواق الملك من آل مصعب ... ليوث لأعناق الليوث هواصر فما حال عن ود الخليفة طاهر ... ولا زال حتى غيبته المقابر وخلف عبد الله للملك ناصراً ... وهل مثل عبد الله للملك ناصر فتى لو أسرت نفسه كفر نعمة ... لحاربها حتى تصح الضمائر ومما سار له في الدنيا قوله الطاهر، إذ وقف على الجسر وطاهر في حراقة ينحدر إلى دار السلطان، فقال عوف رافعاً صوته: عجبت لحراقة ابن الحس ... ين كيف تسير ولا تغرق وبحران، من تحتها واحد ... وآخر من فوقها مطبق وأعجب من ذاك عيدانها ... وقد مسها كيف لا تورق وكان عوف بن محلم سخيا على الطعام جداً، صاحب شراب ولهو وخلاعة، وكان له إخوان يتمتع بهم ومعهم، ويعاشرهم ويفضل عليهم، وكان الشعراء الأصاغر يقصدونه ويمدحونه، فيعطيهم ويصلهم، ويتوسلون به إلى طاهر فيشفع لهم ويخرج جوائزهم. وقدم مرة شاعر على عبد الله يقال له روح من البصرة، فامتدح عبد الله بقصيدة، ومدح عوفاً بأبيات، وقد أنزله عنده وأحسن إليه، فلما سمع عوف أبياته وجدها ضعيفة جداً، قال أنشدني ما قلت في الأمير - واستدل

стр. 174

بما سمع على ضعف نمط الرجل - فأنشده. فقال: لا توصلها إليه، فإن الأمير بصير بالشعر، وهو يقول منه الجيد القوي، ومثل هذا الشعر لا يقع منه موقعاً ينفعك، ولكني أقول فيه مدحه، فانتحلها والقه بها. فأبى، وظن أنه يقول ذلك حسداً، وكان الرجل رقيعاً لا يفطن لعيب نفسه، فقال له: فشأنك إذن وما تريد. فأنشد روح قصيدته عبد الله، فقال له: بمثل هذا الشعر يلقى الأمراء والملوك؟ أيقبل مثل هذا حر؟ وردها عليه، فصار إلى عوف وشكا إليه، فقال له: ألم أنصحك؟ ألم أقل لك: إنه لا يقبل مثل هذا الشعر؟ فلما دخل عوف على عبد الله قال: ويحك يا أبا ملحم، أما سمعت شعر هذا القادم علينا فينا؟ قال عوف: بلى، أعز الله الأمير، قد سمعته ونصحت له فلم يقبل. وفي ذلك يقول عوف: أنشدني روح مديحاً له ... فقلت: شعر؟ قال لي: فايش فخلت لما أن بدا منشدا ... كأنني في قبة الخيش فقلت: زدني وتغنمته ... والثلج في الصيف من العيش ومما يستحسن لعوف ويختار له من شعره - على أنه كله مختار ليس فيه بيت ساقط. ولا ناقص -: وكنت إذا صخبت ديار قوم ... صحبتهم ونيتي الوفاء فأحسن حين يحسن محسنوهم ... وأجتنب الإساءة إن أساءوا

стр. 175

وأبصر ما يريبهم بعين ... عليها من عيونهم غطاء ومما يختار له قوله: وصغيرة علقتها ... كانت من الفتن الكبار كالبدر إلا أنها ... تبقي على ضوء النهار قالت غبار قد علا ... ك فقلت ذا غير الغبار هذا الذي نقل الملو ... ك إلى القبور من الديار يا هذه أرأيت لي ... لاً يستنير بلا نهار قالت: ذهبت بحجتي ... عني بحسن الإعتذار ومما يختار له أيضاً قوله: وليلتنا طابت وطاب بها الهوى ... إلى أن بدا أو كاد منسلخ الفجر فما عدلتها ليلة ذات نعمة ... ولا ليلة الأضحى ولا ليلة الفطر إذا هي قيست بالليالي وجدتها ... يكاد يساوي فضلها ليلة القدر تمليتها حتى الصباح بطفلة ... مصورة أبهى من الشمس والبدر قتول بعينيها خلوب بدلها ... سلوب لألباب الرجال وما تدري ومما يروى له ويستحسن قوله: سألت المحبين الذين تجشموا ... تباريح هذا الحب في سالف الدهر فقلت لهم: ما يذهب الحب بعدما ... تنشب ما بين الجوانح والصدر فقالوا: شفاء الحب حب تفيده ... لآخر أو نأى طويل على الهجر

стр. 176

أو اليأس حتى تذهل النفس بعد ما ... رجت طمعاً واليأس عون على الصبر قعيدك من حب أمالك رحمة ... ولا بك عني من توان ولا فتر وقتلتني حيناً وحيناً أعشتني ... فأفنيت عمري بالأمانة والنشر ومما يستحسن له وهو من السائر المشهور له قوله: فما زالت الكأس تغتالها ... وتذهب بالأول الأول إلى أن توافت صلاة العشاء ... ونحن من السكر لم نعقل فمن كان يعرف حق النعيم ... وحق الجليس فلا يجهل وما إن جرت بيننا مزحة ... تهيج مراء على السلسل ومما يختار له أيضاً قوله: وإني لذو حلم على أن سورتي ... إذا هزني قوم حميت بها عرضي وإن طلبوا ودي عطفت عليهم ... ولا خير فيمن لا يئول ولا يغضي وما كل ذي غش يضرك غشه ... ولا كل من يؤتى كرامته يرضي ومعترض في القول غربت قوله ... وقلت له ليس القضاء كما يقضي ركبت به الأهوال حتى تركته ... بمنزل ضنك لا يكد ولا يمضي وإني لأجزي بالكرامة أهلها ... وبالحقد حقداً في الشدائد والخفض ومما يختار له قوله: وإني لمن أحببت حبي دائم ... ولست بذي لونين أسود أبلق

стр. 177

مدوف يرى الخلان منه تظرفاً ... له خلق عند البلاء ممزق يخالط إخواناً له بملاقة ... وثر الأخلاء الخئون المملق وإني لأستحيي الصديق وأتقي ... وكل امرئ لا يتقي الدمم أحمق ومما سار له قوله: ما ينزل الله بي أمراً فأكرهه ... إلا سينزل بي من بعده الفرجا يا رب أمرين قد فرجت بينهما ... من بعد ما اشتبكا في الصدر واعتلجا أخبار أبي نواس حدثني علي بن حرب أخو محمد بن حرب بن خالد بن المهزم، قال: حدثني أخي محمد بن حرب - وكان بين الأخوين قريب من خمسين سنة - أن أبا نواس - واسمه الحسن بن هانئ، ويكنى أبا علي - ولد بالأهواز، بالقرب من الجبل المقطوع المعروف براهبان سنة تسع وثلاثين ومائة، ومات ببغداد سنة خمس وتسعين ومائة، وكان عمره خمساً وخمسين سنة، ودفن في مقابر الشونيزي في تل اليهود، ومات في بيت خمارة كان يألفها. وكانت أمه أهوازية يقال لها جلبان من بعض مدن الأهواز

стр. 178

يقال لها نهر بيري وأبوه من جند مروان بن محمد، من أهل دمشق، مولى لآل الحكم بن الجراح من بني سعد العشيرة، وكان قدم الأهواز أيام مروان بن محمد لرباط الخيل، فتزوج جلبان فأولدها عدة، منهم أبو نواس وأخواه أبو محمد وأبو معاذ، وكان أبو معاذ يؤدب ولد فرج الرخجي، ومات والدهم هانئ، وأبو نواس صغير، فنقلته أمه إلى البصرة وهو ابن ست سنين، فأسلمته إلى الكتاب، فلما ترعرع خرج إلى الأهواز، فانقطع إلى والبة بن الحباب الشاعر، وكان والبة يومئذ مقيماً بالأهواز عند ابن عمه النجائي وهو واليها، فأدبه وخرجه. وكان أبو نواس وضيئاً صبيحاً. فعشقه والبة وأعجب به، وعُني بتأديبه حتى خرج منه ما خرج. ولما مات والبة لزم خلفاً الأحمر وكان خلف أشعر أهل وقته وأعلمهم، فحمل عنه علماً كثيراً وأدباً واسعاً، فخرج واحد زمانه في ذلك، وحدثني ناس عن أبي نواس أنه قال: ما ظنكم برجل لم يقل الشعر حتى روى دواوين ستين امرأة من العرب منهن الخنساء وليلى فما ظنكم بالرجال؟ وحدثت عن ابن مرزوق عن أبي هفان قال: كان أبو نواس آدب الناس وأعرفهم بكل شعر، وكان مطبوعاً، لا يستقصي، ولا يحلل شعره، ولا يقوم عليه، ويقوله على السُّكر كثيراً فشعره متفاوت، لذلك يوجد

стр. 179

فيه ما هو في الثريا جودة وحسناً قوة، وما هو في الحضيض ضعفاً وركاكة، وكان مع كثرة أدبه وعلمه خليعاً ماجناً وفتي شاطراً، وهو في جميع ذلك حلو ظريف، وكان يسحر الناس لظرفه وحلاوته وكثرة ملحه، وكان أسخى الناس، لا يحفظ ماله ولا يمسكه، وكان شديد التعصب لقحطان علي عدنان، وله فيهم أشعار كثيرة، يمدحهم ويهجو أعداءهم، وكان يُتهم برأي الخوارج، فمما يروى له في تفضيل اليمن والافتخار بهم قوله: لست لدار عفت وغيرها ... ضربان من قطرها وحاصبها وفي هذه القصيدة يقول: فنحن أرباب ناعط ولنا ... صنعاء والمسك في محاربها ودان أذواؤنا البرية من ... معترها رغبة وراهبها وكان منا الضحاك يعبده ال ... خابل والوحش في مسار بها ونحن إذ فارس تُدافع به ... رام قسطنا على مرازبها حتى جمعنا إليه مملكة ... يجتمع الطرف في مواكبها وفاظ قابوس في سلاسلنا ... سنين سبعاً وفت لحاسبها ويوم ساتيدما ضربنا بني ال ... أصفر والموت في كتائبها فافخر بقحطان غير مكتئب ... فحاتم الجود من مناقبها إذ لاذ برويز عند ذاك بنا ... والحرب تُمرى بكف حالبها يذب عنه بنو قبيصة بال ... خطى والشهب من قواضبها

стр. 180

ولا ترى فارساً كفارسها ... إذ زالت الهام عن مناكبها عمرو وقيس والأشتران وزي ... دُ الخيل أُسْدٌ لدى ملاعبها واهج نزاراً وأفر جلدتها ... وهتك الستر عن مثالبها واحبب قريشاً لحب أحمدها ... واشكر لها الجزل من مواهبها إن قريشاً إذا هي انتسبت ... كان لنا الشطر من مناسبها فأم مهدي هاشم أم مو ... سى الخير منا فافخر وسامِ بها بل مل إلى الصيد من أشاعثها ... والسادة الغر من مهالبها أما تميم فغير راحضة ... ما شلشل العبد في شواربها أول مجد لها وآخرهإن ذكر المجدُ قوس حاجيها وقيس عيلان لا أريد لها ... من المخازي سوى مُحاربها وإن أكل الأيور موبقها ... ومطلق من لسان عائبها وما لبكر بن وائل عصم ... إلا بحمقائها وكاذبها ولم تعف كلبها بنو أسد ... عبيدُ عيرانة وراكبها وتغلب تندب الطلول ولم ... تثأر قتيلاً على ائبها نيكتْ بأدنى المهور أختُهُمُ ... قسراً ولم يدم أنف خاطبها
следующие страницы →