Полный текст (439 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
إن كنت للسخطة عاقبتنا ... بخالد فهو أشد العقاب
كان قضاة الناس فيما مضى ... من رحمة الله، هذا عذاب
يا عجبي من خالد كيف لا ... يغلط فينا مرة بالصواب
وله فيه أيضاً:
جعل الحاكم يا لل ... ناس من آل طليق
ضحكة يحكم في النا ... س برأي الجاثليق
أي قاض أنت للنق ... ص وتبطيل الحقوق
يا أبا الهيثم ما أن ... ت لهذا بخليق
لا ولا أنت لما حم ... لت منه بمطيق
ومرثيته في عبد المجيد قد سارت في الدنيا وذكرت في المراثي الطوال الجياد، وهي فحلة محكمة فصيحة جداً، وقد عارض بها أبا زبيد الطائي. ويقال: إنه قال لأبي عبيدة: احكم بين القصيدتين واتق الله ولا تقل: ذاك متقادم الزمان، وهذا محدث متأخر، ولكن انظر إلى الشعر واحكم لأفصحهما وأجودهما. فقال:
كل حي لاقى الحمام فمودي ... ما لحى مؤمل من خلود
لا تهاب المنون شيئاً ولا تر ... ى على والد ولا مولد
يقدح الدهر في شماريخ رضوى ... ويحط الصخور من هبود
ولقد تترك الحوادث والأيا ... م وهيا في الصخرة الجلمود
بعقل الله ما يشاء فيمضي ... ما لفعل الإله من مردود
стр. 107
فكأنا للموت ركب محث ... ون سراع لمنهل مورود
أين رب الحصن الحصين بسورا ... ء ورب القصر المنيف المشيد
شاد أركانه وبوبه يا ... بي حديد وحفه بجنود
كان يجبي إليه ما بين صنعا ... ء فبصرى فقريتي يبرود
فرمى شخصه فأقصده الده ... ر بسهم من المنايا سديد
ثم لم ينجه من الموت حصنٌ ... دونه خندق وبابا حديد
وملوك من قبله عمروا الأر ... ض أعينوا بالنصر والتأييد
وعزيز بالتاج معتصب أشو ... س يحمي الذمار جم العديد
ولو أن المنون أخلدن حيا ... لعلاء أخلدن عبد المجيد
إن عبد المجيد يوم تولى ... هد ركناً ما كان بالمهدود
ما درى نعشه ولا حاملوه ... ما على النعش من عفاف وجود
غيبوا في الصعيد حزماً وعزماً ... ولزاز الخصم الألد العنيد
ويح أيد حثث عليه وأيد ... غيبته، ما غيبت في الصعيد؟
هد ركني عبد المجيد وقد كنت بركن منه أبوء شديد
فبعبد المجيد تأمور نفسي ... عثرت بي بعد انتعاش جدودي
وسقاه ماء الشبيبة فاهت ... ز كغصن الأراكة الأملود
وسمعت نحوه العيون وما كا ... ن عليه لزائد من مزيد
فإذا ما ذكرته عرضت لي ... غصة في اللها وحبل الوريد
وكأني أدعوه وهو قريب ... حين أدعوه من مكان بعيد
стр. 108
فلئن كان لا يجيب فقد كا ... ن سميعا هشاً إذا هو نودي
يا فتىً كان للمقامات زيناً ... لا أراه في المحفل المشهود
خنتك الود لم أمت جزعاً بع ... د فإني عليك حق جليد
غير أني أبكيك ما حنت الني ... ب وحثت عيرانةٌ بقيود
لو فدى الحيّ ميتاً لفدت نفس ... ك نفسي وطارفي وتليدي
فبكرهي كنت المعجل قبلي ... وبرغمي دليت في ملحود
كنت لي عصمة وكنت سماء ... بك تحيا أرضي ويخضر عودي
تبلس الكاشح العدو على الضغ ... ن وتجزي بضعف ودّ الودود
عاد عبد المجيد رزءاً وقد كا ... ن رجاء لريب دهر كنود
كان عبد المجيد سم الأعادي ... ملء عين الصديق رغم الحسود
وهذه القصيدة طويلة جداً ولكنها موجودة مروية ومما يستحسن من شعره مرثيته هذه في عبد المجيد:
يا عين حق لك البكا ... ء لحادث الرزء الجليل
فابكى على عبد المجي ... د وأعولي كل العويل
وابكن لمبتاع الندى ... والحمد بالثمن الجزيل
لا يبعدن ذاك الفتى الف ... ياض ذو الباع الطويل
عجل الحمام به فودّ ... عنا وآذن بالرحيل
وأحثه يحدو بهحادي الحمام مع الأصيل
يحدو بمقتبل الشبا ... ب أغر كالسيف الصقيل
كسفت لفقدك شمسنا ... جزعاً وهمت بالأفول
стр. 109
لهفي على الثغر المعف ... ر منك والخد الأسيل
فاذهب فكل فتى ترا ... هـ سالكا قصد السبيل
وله في آل برمك:
أتانا بنو الأملاك من آل برمك ... فيا طيب أخبار ويا حسن منظر
لهم رحلة في كل عام إلى العدا ... وأخرى إلى البيت العتيق المستر
إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت ... بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فما خلقت إلا لجود أكفهم ... وأقدامهم إلا لأعود منبر
إذا رام يحيى الأمر ذلت صعابه ... وناهيك من داع له ومدبر
وهذه القصيدة طويلة جداً: ومما يختار له قوله:
رضينا قسمة الرحمن فينا ... لنا حسب وللثقفي مال
وما الثقفي إن جادت كساه ... وراعك شخصه إلا خيال
وابن مناذر من حذاق المحدثين ومذكوريهم وفحولهم، وإنما نورد دون أمثاله من المشهورين عند الخاصة لا العامة ولن ندع أن نأتي بصدر من شعر صالح لينتفع بذلك قارئ الكتاب ويعرف مكانه؟
أخبار أبي الشمقمق
حدثني الخصيب بن محمد الكوفي قال: حدثني ابن العلاف قال: مر أعرابي بأبي الشمقمق الشاعر فقال له: يا أعرابي. قال: ما تشاء؟ قال: أتقول الشعر؟ قال: بعضه، قال: خذ هذا الدرهم واهجني. قال:
стр. 110
فأطرق الأعرابي هنيهة ثم قال: ما رأيت أحداً يشتري الهجو بالثمن غيرك قال: وما أخذ. قال الأعرابي:
مررت بأير بغل مسبطر ... فويق الباع كالحبل المطوق
فما إن زلت أعركه بكفي ... إلى أن صار كالسهم المفوق
فلما أن طغى وربا وأندى ... ضربت به حر أم أبي الشمقمق
أزيدك، أم كفاك؟ وذاك أني ... رأيتك في التجارة لم توفق
فقال أبو الشمقمق: أعوذ بالله من الشقاء، ما كان أغناني عن هذه التجارة.
حدثني محمد بن يزيد قال: جعفر بن إسحاق المهلبي قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقول: ماتت ابنة عم للمنصور، فحضر المنصور دفنها، فلما صار على شفير القبر إذا هو بأبي الشمقمق. فقال له: ما أعددت لهذا الموضع؟ قال: ابنة عم أمير المؤمنين. فضحك المنصور في ذلك الموضع، على أنه قليل الهزل، وقد روى بعض الناس أن هذا الكلام لأبي دلامة مع المنصور.
ومما يروي له ويستحسن قوله:
عاد الشمقمق في الخسارة ... وصبا وحنّ إلى زراره
من بعد ما قيل ارعوي ... وصحا لأبواب الشطارة
من قهوة مسكية ... واللون مثل الجلنارة
стр. 111
تدع الحليم بلا نهى ... حيران ليس به إحاره
ولربما غنى بها ... يا جارتا ما كنت جاره
يا أيها الملك الذي ... جمع الجلالة والوقاره
ورث المكارم صالحاً ... والجود منه والعماره
إني رأيتك في المنا ... م وعدتني منك الزياره
فغدوت نحوك قاصداً ... وعليك تصديق العباره
أني أتاني بالندى ... والجود منك إلى البشاره
إن العيال تركتهم ... بالمصر خبزهم العصاره
وشرابهم بول الحما ... ر مزاجه بول الحماره
ضجوا فقلت تصبروا ... فالنجح يقرن بالصباره
حتى أزور الهاشم ... ي أخا الغضارة والنضارة
ولقد غدوت وليس لي ... إلا مديحك من تجاره
وله أيضاً:
ما جمع الناس لدنياهم ... أنفع في البيت من الخبز
والخبز باللحم إذا نلته ... فأنت في أمن من الترز
والقلز من بعد على إثره ... فإنما اللذات في القلز
وقد دنا الفطر وصبياننا ... ليسوا بذي تمر ولا أرز
وذاك أن الدهر عاداهم ... عداوة الشاهين للوز
كانت لهم عنز فأودي بها ... وأجدبوا من لبن العنز
стр. 112
فلو رأوا خبزاً على شاهق ... لأسرعوا للخبز بالجمز
ولو أطاقوا القفز ما فاتهم ... وكيف للجائع بالقفز
وله أيضاَ:
الحمد لله شكراً ... أمشي ويركب غيري
قد كنت آمل طرفا ... فصرت أرضى بعير
ليت الأيور دواب ... فكنت أركب أيري
لم ترض نفسي بهذا ... يا رب منك لخير
وله يهجو ابن البختكان، وكان خبيث الهجاء:
ومحتجب والناس لا يقربونه ... وقد مات هزلاً من ورا الباب حاجبه
إذا قيل: من ذا مقبلاً؟ قيل: لاحدٌ ... وإن قيل: من ذا خلفه؟ قيل كاتبه
ومما يستحسن قوله:
يبس اليدين فما يسطيع بسطهما ... كأن كفيه شدا بالمسامير
عهدي به آنفاً في مربط لهم ... يكسكس الروث عن نقر العصافير
وله في بعضهم:
وإبطك قابض الأرواح يرمي ... بسهم الموت من تحت الثياب
شرابك في الشراب إذا عطشنا ... وخبزك عند منقطع التراب
وما روحتنا لتذب عنا ... ولكن خفت مرزئة الذباب
стр. 113
وله:
ذهب الموال فلا موا ... ل وقد فجعنا بالعرب
إلا بقايا أصبحوا ... بالمصر من قشر القصب
بالقول بذوا حاتماً ... والعقل ريح في القرب
وشعر أبي الشمقمق نوادر كله.
ولما ولي المأمون خالد بن يزيد بن مزيد الموصل خرج معه أبو الشمقمق، فلما كان وقت دخوله البلد اندق اللواء، فتطير خالد لذلك، واغتم غما شديداً، فقال أبو الشمقمق فيه:
ما كان مندق اللواء لريبة ... تخشى ولا سبب يكون مزيلاً
لكن رأى صغر الولاية فانثني ... متقصداً لما استقل الموصلا
وكتب أصحاب الأخبار بذلك إلى المأمون، فولى خالداً ديار ربيعة كلها، وكتب إليه: هذا الاستقلال لوائك ولاية الموصل. وأحسن إلى أبي الشمقمق، ووصله بعشرة آلاف درهم. وتوفي أبو الشمقمق في حدود الثمانين ومائة.
أخبار أبي الينبغي
حدثني المالكي عبد الله بن إبراهيم قال: حدثني محمد بن عمران قال: مضيت أنا والوليد وابن الدرقي الشاعر - وهو مولى عبد الله بن مالك ابن يزيد - إلى باب الطاق يوماً من الأيام، فتلقانا أبو الينبغي الشاعر، فمن قبل أن تصل إليه. قال لي ابن الدورقي، هل لك في أن نسخر من
стр. 114
أبي الينبغي ساعة؟ فقلت لا تفعل، فإنه سريع الفحش، جيد البديهة خبيث اللسان. فقال: وما عسى أن يقول؟ الله ما هجاؤه بشيء. ولكن إذا دنونا منه فقل هذين الحرفين:
عجوز أبي الينبغي ... عجوز سوء بغي
فلما قربنا منه قلت ذلك. فنظر إلى ابن الدورقي نظر مغضب - وقد علم أن ذلك من فعله والبيت من قوله - فقال على بديهته من غير أن يتفكر:
وأير أبي الينبغي ... من أمك في المبزغ
وأشار بيده إلى أبن الدورقي. قال: فنظرت إليه وقد أصفر لونه. فقلت: ألم أنهك أن تفعل؟ قال: فأين الشقاء؟ ومما يستملح لأبي الينبغي قوله:
صبراً على الذل والصغار ... يا خالق الليل والنهار
كم من حمار على جواد ... ومن جواد بلا حمار
وطار له البيت الثاني في الآفاق ولهج الناس به. فهو ينشد في كل مجلس ومحفل وسوق وطريق. وإنما يرزق البيت من الشعر ذلك إنه كان جيد المعنى، عذب اللفظ، خفيفاً على اللسان.
ومما يستملح له هجوه لرجاء بن الضحاك على سخف لفظه - وإنما تعمد ذلك ليسبق إليه العامة والصبيان فيروونه - وفيه يقول:
ورجاء الجرجرائي ... لو درى ما حسن رائي
لخباني في حر أمه ... وقعد فيمن ورائي
стр. 115
وله في آل برمك:
إنما الدنيا كبيض ... عملوه نيمرش
فحشاه البرمكيو ... ن وقال الناس كشن
ومما سار له في الدنيا ورواه كل أحد لخفته على الأفواه قوله:
لا يا ملك الناس ... وخير الناس للناس
أتنهاني عن الناس ... فأغنيني عن الناس
وإلا فدع الناس ... ودعني أسأل الناس
فهل سمعت في الناس ... بشعر كله الناس
وكان أبو الينبغي سريعاً إلى أعراض الناس، يهجوهم ويقطعهم. ولما هجا الفضل بن مروان حبسه بعد أن أغرى به الواثق، وأنهى إليه أنه هجاه، فبقي في السجن حتى مات، وكان يجري عليه في السجن أجراً تاماً حسناً.
وقال أبو هفان: دخلت على أبي الينبغي وهو محبوس فقلت له: ما كانت قصتك؟ قال: أنا أبو الينبغي، قلت مالا ينبغي، فحبست حيث ينبغي.
قال أبو هفان: عرض أبو الينبغي يوماً ليحيى بن خالد في موكبه، والفضل وجعفر عن يمينه وشماله، وفي الموكب وجوه الناس، فقال له رافعاً صوته
صحبت البرامك عشراً ولا ... فخبزي شراء وبيتي كرا
стр. 116
قال فنظر يحيى إلى الفضل وجعفر وقال: سوء أبي الينبغي مما يناقش قال: فلما كان من الغد جئته فقلت: ويحك ماذا صنعت بنفسك؟ لوم تعرضت للبلاء؟ فقال لي: اسكت يا عاجز، والله ما أمسيت أمس حتى وافتني من عند الفضل بدرة، ومن عند جعفر أخرى، وقد أجرى لي كل واحد من مطبخه وظيفة.
أخبار أبي الخطاب البهدلي
حدَّثني أبو غانم قال: حدثني موسى بن سعيد بن مسلم عن أبيه قال: كان موسى الهادي لا يأذن لأحد من الشعراء مدة أيام خلافته، ولا يرغب في الشعر، ولا يلتفت إليه، وقد أنهمك في الشرب والقصف، وكان مشغوفاً بالسماع، فلما قال أبو الخطاب البهدلي رائيته سألني فأوصلتها إليه، فلما سمعها أعجب بها شديداً وقال للحاجب: اخرج إلى الباب فمر من ينادي: أين نسابة الأسد؟ ففعل. فلما سمع أبو الخطاب ذلك علم أن شعره قد وصل وعمل عمله. والشعراء مجتمعون - فقال: هأنذا. وأخذ الحاجب بيده وأدخله البيت. فقال: هات أنشدنا، فأنشده قصيدته الرائية، فاستحسنها موسى وأعجب بها، وأمر في ذلك اليوم ألا يحجب عنه شاعر، وأن يعلموا أن أبا الخطاب كان السبب في ذلك. وأمر لأبي الخطاب بألف دينار وكساه وحمله والقصيدة مشهورة وهي هذه:
ماذا يهجيك من دار بمحنية ... كالبرد غير منها الجدة العصر
عفت معارفها ريح تنسفها ... حتى كأن بقايا رسمها سطر
стр. 117
أزرى بجدتها بعدي وغيرها ... هوج الرياح التي تغدو وتبتكر
دار لواضحة الخدين ناعمة ... غرثى الوشاح لها في دلها خفر
كأنها درة أغلى التجار بها ... مكنونة، ربحوا فيها وما خسروا
قل للخليفة موسى: إن نائله ... جزل هني وما في سيبه كدر
متوج بالهدى، بالحمد ملتحف ... مسربل بالندى، بالمجد متزر
موسى الذي بذل المعروف ينهبه ... في الناس، فالجود من كفيه ينهمر
أشم تنميه آباء جحاجحه ... شم الأنوف، على ما نابهم صبروا
لن يؤمن الناس من لم يؤمنوا أبدا ... والله يؤمن من آووا ومن نصروا
لا يكسر الناس ما شدوا جبائره ... وليس يجبر طول الدهر من كسروا
أنت الدعامة يا موسى إذا احتدمت ... نيرانها وحماة الحرب تجتزر
وإن غضبت فما في الناس من بشر ... إلا على خطر ما مثله خطر
ما مخدر خدر مستأسد أسد ... ضبارم خادر ذو صولة زئر
غضنفر غضف قرضابة ثقف ... مسترعب لقلوب الناس مصطبر
ذو برثن شرث ضخم مزورة ... خبعثن الخلق في أخلاقه زعر
جأب الشراسيف رحب الجوف مفترس ... عند التجاول للأقران مهتصر
стр. 118
عفرنس أهرت الشدقين ذو حنق ... للقرن عند لقا الأقران مقتسر
جهم المحيا هموس لا ينهنهه ... صوت الرجال ولا للزجر ينزجر
في خطمه خنس في أنفه فطسكأنما وجهه من هضبة حجر
ذوالة قيسري حين تبرزه ... غشمشي فلا يبقي ولا يذر
ببالغ عشر عشر من شجاعته ... إذا تنازلت الأبطال واشتجروا
بل أنت أجرأ منه في تقدمه ... وأنت أقدم منه حين يجتئر
يا خير من عقدت كفاه حجزته ... وخير من قلدته أمرها مضر
إلا النبي رسول الله إن له ... فضلاً وأنت بذاك الفضل تفتخر
فهذا - كما ترى - مقتدر على الكلام مجيد للوصف حسن الوصف قد جمع إلى قوة الكلام محاسن المولدين ومعاني المتقدمين.
ومما يستحسن له قوله:
وقد اغتدى قبل ضوء الصباح ... وقبل ورود الغطاط الحثاث
بصاقي الثلاث قصير الثلاث ... طويل الثلاث عريض الثلاث
محجل رجلين طلق اليدين ... له غرة مثل ضوء الإراث
стр. 119
إذا احترث القوم ما عندهم ... فإن الجياد تكون احتراثي
ومما يستجاد له قوله للفضل بن يحيى بن خالد:
تشاغل الناس ببنيانهم ... والفضل في بنا العلا جاهد
كل ذوي الرأي أهل النهى ... للفضل في تدبيره حامد
ومما سار له قوله:
قلت لرجلي وهي عوجاء الخطا ... تشكو إليّ وجعاً من النسا
ومن أذى العرق وفي العرق أذى ... مري فهيهاتك من أخذ العصا
لا تطمعن في الذي لا يشتهي ... وفي تسعيك الذي لا يرتجى
كم بين قول الغانيات: يا فتى ... وقولهن: شاب هذا وانحنى
وقد نظرن اليوم من قبح الجلا ... جبين وجه وجبينا في القفا
أسره منهن كيما لا يرى ... ولو بدا رمين رأسي بالحصا
وأشعار أبي الخطاب كثيرة جيدة، وهو أحد العرجان، وقد ذكره الجاحظ في كتابه. وزعموا أنه بلغ من معرته وخوف الناس بادرة لسانه أن يبعث بعصاه إلى الأبواب في حوائجه، فلا تحجب العصا عن أحد، ولا ينهنه حتى تقضي حوائجه.
стр. 120
أخبار أبي الهندي
هو عبد الله بن ربعي بن شبث بن ربعي الرياحي. وقيل: اسمه غالب. من بني رياح بن يربوع بن حنظلة، وكان وقع إلى خراسان، واستوطن آخر عمره سجستان، وهو أحد الدهاة، فصيح جيد البديهة حاضر الجواب، وقد أدرك الدولتين وكان منهوماً بالشراب مستهتراً به، ويقال: إنه كان بخراسان يشرب على قارعة الطريق، فمر به نصر الليثي وإلي خراسان فقال له: ويحك يا أبا الهندي ألا تصون نفسك؟ قال: لو صنت نفسي أنا لما وليت خراسان.
حدثني أبو العميثل الشاعر قال: حدثني أبو الخنساء الشاعر قال: بكر أبو الهندي يوماً من الأيام إلى بيت خمار، وكان ينزل في سكة يقال لها كوى زيان، وتفسيرها بالعربية: سكة الخسران - وهي بسجستان، كان يباع فيها الخمر والفواحش، ويقال لها اليوم: سكة العدول والمستورين وأهل الصلاح - فقال أبو الهندي للخمار: " طربت إلى الصبوح فهاب عجل " فأتاه الخمار بعين الشراب وصفوه، فأعجبه حسن الشراب وعجل فسكر وما من أول النهار. ودخل إلى الخمار نفر فرأوا أبا الهندي فقالوا: من
стр. 121
هذا المطروح على وجهه؟ قال: هذا أبو الهندي، اشتهى وأسرع فسكر ونام. فقالوا للخمار هات ما سقيته وعجل حتى نلحق به، وأتاهم به فشربوا حتى سكروا وناموا. فانتبه أبو الهندي عند العصر، فسأل عنهم الخمار: فقال: قوم دخلوا فرأوك مطروحاً، وسألوني عنك فأعلمتهم عن حالك، واشتاقوا إلى مثلها فسقيتهم من الشراب الذي شربته ما أرواهم، حتى صرعوا كما تراهم، قال أبو الهندي: ويحك عجل، قال: ما تشاء؟ قال: ألحقني بهم ولا تسقني إلا المكيال، حتى سكر ونام، فانتبه القوم فقالوا للخمار: هذا بعد نائم ونحن أفقنا؟ فحدثهم حديثه، فقالوا: ويلك ألحقنا به الساعة وأسرع. فجاءهم بالشراب فشربوا حتى سكروا فتجدلوا. وأقاموا كذلك عشرة أيام في حانة ذلك الخمار، لا يلتقون معه، ولا يلتقي معهم، كلما أفاق وجدهم مصروعين، وإذا قاموا وجدوه مصروعاً كذلك. ففي ذلك يقول:
ندامى بعد عاشرة تلاقوا ... وضمهم بكوي زيان راح
رأوني في الشروق صريع كأس ... معتقة وما متع الصباح
فقالوا: أيها الخمار من ذا؟ ... فقال: أخ تخونه اصطباح
أدار الراح حتى أقصعته ... فخر كأنه عود شناح
فقالوا: قم وألحقنا وعجل ... به إنا لمصرعه نراح
وحان تنبهي فسألت عنهم ... فقال: أتى بهم قدر متاح
فقلت له: فسرع بي إليهم ... حثيثاً فالسراح هو النجاح
فما إن زال ذاك الدأب منا ... إلى عشر نفيق ونستباح
стр. 122
نقيم معاً وليس لنا تلاق ... ببيت ما لنا منه براح
وذكر أنه مذ دخل سجستان إلى أن خرج منها ما فارق كوى زيان وفي ذلك يقول:
ثبت الناس على راياتهم ... وأبو الهندي في كوى زيان
منزل يزري بمن حل به ... تستحل الخمر فيه والزواني
إنما العيش فتاة غادة ... وقعودي عاكفاً في بيت خان
أشرب الخمر وأعصى من نهى ... عن طلاب الراح والبيض الحسان
في حياتي لذة ألهو بها ... فإذا مت فقد أودى زماني
وحدثني صالح بن إبراهيم قال: حدثني جعيفران الموسوس الشاعر: قال لي صدقة البكري: شرب أبو الهندي مع قوم في قرية من قرى مرو على سطح ليس لي ستر فسكر، وكان خبيث السكر والنوم، فلما جن الظلام ومضى من الليل ما مضى، وقد سكروا وأرادوا أن يناموا، خشوا على أبي الهندي أن يسقط من السطح، فربطوا في رجله حبلا وأوثقوا، وطولوا الحبل - لسكرهم - وشدوا طرف الحبل إلى شيء في السطح على غير عمد منهم. فقام أبو الهندي في بعض الليل ليبول، فسقط فتدلىّ من السطح وهم لا يشعرون، فلما أصبحوا وجدوه متدلياً ميتاً: وقال صدقة البكري: قرأت على قبر أبي الهندي هذه الأبيات:
اجعلوا إن مت يوماً كفني ... ورق الكرم وقبري معصره
وادفنوني وادفنوا الراح معي ... واجعلوا الأقداح حول المقبره
أنني أرجو من الله غدا ... بعد شرب الراح حسن المغفرة
стр. 123
قال: ورأيت الفتيان يجتمعون عند قبره ويشربون ويصبون نصيبه على قبره.
ومما يختار لأبي الهندي كلمته التي تقول فيها:
مفدمة قزا كأن رقابها ... رقاب بنات الماء أفزعن بالرعد
جلتها الجوالي حين طاب مزاجها ... وطيبنها بالبان والعنبر الوردي
تمج سلافاً من قوارير صفقت ... وطاسات صفر كلها حسن القد
كميتا ثوت في الدن تسعين حجة ... مشعشعة في شربها واجب الحد
عقار إذا ما ذاقها الشيخ أرعشت ... مفاصله وازداد وجداً إلى وجد
ويبكي على ما فاته من شبابه ... بكاء أسير في الصفاد وفي القد
تضمنها زق أزب كأنه ... كراسيع قطع من جهينة أو نهد
إذا أنفدوا ما فيه جاءوا بمثله ... غطارفة أهل السماحة والمجد
فيومان يوم للأمير أزوره ... ويوم لقرع الصنج والراح والنرد
ومما يستحسن له في الشراب واللهو والغزل:
يا لقومي فتنتني جارتي ... بعد ما شبت وأبلاني الكبر
وأتت لي سنوات أربع ... بعد ستين تقضت لي أخر
بعد ما كنت فتى ذا مرة ... بين غزلان أثارتها البطر
شيبة أنكرن حيناً شأنها ... وأنا القرم إذا عدت مضر
حبذا الشرب بدارين إذا ... بت أسقاها وقد غاب القمر
стр. 124
عندنا صناجة رقاصة ... وغلام كلما شئنا زمر
حسن العرنين ذو قصابة ... زانه شذر وياقوت ودر
وإذا قلت له قم فاسقنا ... قام يمشي مشية الليث الهصر
وأتانا بشمول قهوة ... نتعاطاها بكاسات الصفر
وأباريق تناهت سعة ... والذي في الكف ملثوم أغر
مثل فرخ هب في غبطلة ... حذر الصقر فأقعى ونظر
أو كظبي اللصب وافى مرقبا ... حذر القانص صبحاً فنفر
فعلاً ثم استوى مرتبئاً ... قلة الطود على رأس الحجر
ومما يستحسن له، وإن كان شعره حسناً جيداً، ولا سيما إذا قال في الشراب قوله:
وفارة مسك من عذار شممتها ... يفوح علينا مسكها وعبيرها
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... غدواً ولما نلق عنها ستورها
سيغني أبا الهندي عن وطب سالم ... أباريق كالغزلان بيض نحورها
مفدمة قزا كأن رقابها ... رقاب الكراكي أفزعتها صقورها
مصبغة الأعلى كأن سرابها ... ذبائح أنصاب توافت شهورها
تلألأ في أيدي السقاة كأنها ... نجوم الثريا زينتها عبورها
стр. 125
يمج سلافاً من زقاق كأنها ... شيوخ بني حام تحنت ظهورها
ومن جملة هذه الأبيات:
أقبلها فوق الفراش كأنها ... صلاية عطار يفوح زريرها
إذا ذاقها من ذاق جاد بماله ... وقد قام ساقي القوم وهناً يديرها
خفيفاً مليحاً في قميص مقلص ... وجبة خز لم تشد زرورها
وجارية في كفها عود بربط ... يجاوبها عند الترنم زيرها
إذا حركته الكف قلت: حمامة ... تجيب على أغصان أيك تصورها
تجاوب قمريا أغن مطوقاً ... شقائقه منشورة وشكيرها
إذا غردت عند الضحاء حسبتها ... نوائح ثكلى أوجعتها قبورها
وكأس كعين الديك، قبل صياحه ... شربت بزهر لم يضرني ضريرها
فما ذر قرن الشمس حتى كأنها ... أرى قرية حولي تزلزل دورها
ومما يستحسن له قوله:
شبت جدي وجدي مؤثر ... لم ينازعني عروق المؤتشب
من بني شيبان أصلي ثابت ... وبني يربوع فرسان العرب
أجمع المال وما أجمعه ... أطلب اللذة في ماء العنب
стр. 126
وأستبائي الزق من حانوته ... شائل الرجلين معضوب الذنب
وإذا صبت لشرب خلتها ... حبشياً قطعت منه الركب
ومنها:
يا خليلي اسقياني عفوها ... بالبواطي البيض ليست بالعلب
من شراب خسرواني إذا ... ذاقه الشيخ تغنى وطرب
يترك القوم إذا ما طربوا ... في صياح ومراء وصخب
وإذا ما منتش قامت به ... رفعوا الأوصال منه بالخشب
ثم ناحوا نوحة ثم بكوا ... ثم ضجوا ضحكاً، يا للعب
قال: وكان جماعة مثل أبي نواس والخليع وأبي هفان وطبقتهم إنما اقتدروا على وصف الخمر بما رأوا من شعر أبي الهندي، وبما استبطنوا من معاني شعره ومن هذه القصيدة قوله:
وهو منكب على جبهته ... مزبد الشدقين مسترخي العصب
رفع الشرب له يافوخه ... بعد لأي ما تولى وانقلب
ساعة ثم دعوه باسمه ... فأجاب المرء صوتاً ووثب
ينفض الرأس، عليه غبرة ... من تراب ورماد وقتب
وأتوه بطهور طيب ... ليصلي فتلكا وقطب
أين ما رجله زكرته ... يتوسدها وطنبور طرب
стр. 127
وسراويل له مرفوعة ... حلق النيفق منها قد ذهب
ولأبي الهندي أيضاً:
اصبب على كبدك من بردها ... إني أرى الناس يموتونا
ودع أناساً كرهوا شربها ... ليسوا بما في الخمر يدرونا
لو شربوها فانتشوا مرة ... لأصبحوا بالخمر يهذونا
وقد عهدت الناس إذ دهرهمدهر يلوطون ويزنونا
أخبار أبي حية النميري
حدثني المبرد قال: حدَّثني ابن أبي حبرة قال: أبو حية النميري يروي عن الفرزدق، وهو من أهل البصرة، واسمه الهيثم بن الربيع، وكان من أكذب الناس. قال ابن أبي حبرة: وسمعته يوماً يقول: عن لي ظبي فرميته بسهم، فراغ الظبي عن سهمي، فعارضه السهم، ثم راغ، فراوغه والله السهم حتى قتله.
وحدثني صالح بن إبراهيم قال: حدَّثني أبو المهزم الأعرابي قال:
كان لأي حية النميري سيف يسميه لعاب المنية. وكانت المغرفة أقطع منه، فدخل بيته كلب ليلة من الليالي من حيث لا يدري به، فلما حسه في البيت توهمه لصاً، فقام في البيت وقال: أيها المغتر بنا، المجترئ علينا، جئت والله إلى خير قليل، وسيف صقيل، ونفس تأبى الضيم وتأنف العار، جارها آمن، وعدوها خائف، أما سمعت بلعاب المنية - ثكلتك أمك - مشهورة ضربته، لا تخاف نبوته، يقرب الأجل. ويبطل الأمل. أما
стр. 128
تخشى - إن كنت أوطأتك نفسك العشوة فينا، وسولت لك ما لا تجده فينا - إن أدع قساً ملأت عليك الأرض خيلاً ورجلاً. فيا طيبها وطيب كثرتها. ما أنت والله ببعيد من بائقتها، والرسوب في لجتها، إن أقمت وثبت على طغيانك، وإن هربت أدركتك.
فما زال ذلك دأبه وهو يخاف أن يدخل، وإذا به قد خرج عليه كلب يبصبص فقال له: الحمد لله الذي مسخك كلباً، وكفاني منك حرباً. ثم قعد لا يدخل البيت، فقيل له: ما لك لا تدخل؟ فقال: لعل اللص في البيت وهذا كلبه قد خرج.
ومما يستحسن لأبي حية النميري قوله:
ألا حي من بعد الحبيب المغانيا ... لبسن البلى مما لبسن اللياليا
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه شيء لا يمل التقاضا
ويستحسن أيضاً قوله:
تجود لك العينان من ذكر ما مضى ... إذا ضن بالدمع العيون الغوارز
ألوفان ينهلان من غصص الهوى ... كما انهل شق غيبته الجوارز
يهيج لي نوح الحمام صبابة ... ونوح مرنات شجتها الجنائز
لتفريق ألاف كأن عيونها ... عيون المها جازت بهن الأماعز
أولئك من بعد الهوى ... تصدع شعب بينهم فتمايزوا
стр. 129
تركن بقلبي إذ نأين حزازة ... أبت أن تجلى إذ نجلي الحزائز
ومما يستحسن له قوله:
غراب ينادي يوم لا القلب عقله ... صحيح ولا الشعب الذي أنصاع ملتقى
جزيت غراب البين شراً لطالما ... شجيت بتشحاج الغراب المطوق
ومن مختار قوله:
زمان الصبا ليت أيامنا ... رجعن لنا الخاليات القصارا
ليالي رأسي غراب غداف ... فطيرة الشيب عنّي فطارا
ولا يبعد الله ذاك الشباب ... وإن كان لا هو إلا ادكارا
فأصبح مونعه ممحلا ... جديباً خراباً يباباً قفارا
وإما مشايخ قد أفحشت ... فلا أنا أسطيع منها اعتذارا
أجارتنا إن ريب الزما ... ن قبلي أفنى الرجال الخيارا
وهازئة إذ رأت كبرةً ... تلفع رأسي بها فاستنارا
فإما ترى لمتي هكذا ... فأكثرت مما ترين النفارا
فقد اغتدى وهي هم الحسان ... وقد أسلب العطرات الخمارا
وقد كنت أسحب ذيل الصبا ... وأرخى على العقبين الإزارا
ورقراقة لا تطيق القيا ... م إلا رويداً وإلا ابتهارا
خلوت بها نتجارى الحدي ... ث شيئاً علانا وشيئاً سرارا
كأن على الشمس منها الخمار ... إذا هي لاثت عليها الخمارا
وكان أبو حية تزوج ابنة عم له. فتوفيت عنه. وكاد يخرج عليها من
стр. 130
الدنيا. وأشعاره الجياد كلها فيها في وصفها في حياتها، ومراثيها بعد مماتها. وما رأيت ذكياً ولا عاقلاً ولا كاتباً ظريفاً إلا وهو يتمثل من شعر أبي حية النميري بشيء.
فمن ذلك قوله:
فلما أبت إلا اطراقاً بودها ... وتكديرها الشرب الذي كان صافيا
شربت برنق من هواها مكدر ... وكيف يعاف الرنق من كان صادياً
وله أيضاَ:
استبق دمعك لا يود البكاء به ... واكفف بوادر من عينيك تستبق
وما الدموع وإن جادت بباقية ... ولا الجفون على هذا ولا الحدق
ومن ذلك قوله:
وألقت قناعاً دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين كفّ ومعصم
فراح وما يدري أفي طلعة الضحى ... تروح أم داجٍ من الليل مظلم
وله شعر جيد ولكن لا نخرج عن الذي رسمناه للكتاب.
توفي في حدود العشر والمائتين.
أخبار خلف الأحمر
حدَّثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدَّثني أبو كردين قال: خلف الأحمر يكني أبا محرز، وكان عالماً بالنحو والغريب والنسب وأيام
стр. 131
الناس، شاعراً مطبوعاً مفلقاً كثير الشعر جيده. ولم يكن في نظرائه من أهل العلم والأدب أكثر شعراً منه.
حدَّثني أحمد بن محمد بن جعفر بن الهيثم قال: قال أيوب بن إسحاق: قلت لخلف الأحمر: يا أبا محرز أكتبني أبياتاً على أبيات أبي أمامة العبدي. فقال لي: اكتب لفلان، رجل لا أعرفه.
أأمام إن الدهر أه ... لك صرفه إرماً وعادا
ورمى فأنزل أسعد الخ ... يرات قد جمع العبادا
بالبيض والحلق المقد ... ر سرده وحوى التلادا
فخطفته والدهر يت ... رك بعد صالحة فسادا
وكأن ذلك لم يكن ... إلا التذكر حين بادا
أأمام إن القدر لم ... تلعن أباك ولا الرمادا
فلما مرض مرضه الذي توفي فيه دخلت عليه أعوده، قال: ليست هذه الأبيات لمن ذكرتها له. وإنما هي لي، وأنا قائلها. وأنا أستغفر الله، وكان قد نسك وترك قول الشعر برهة.
وزعم غيره أنه عاد إلى قول الشعر ولم يتركه حتى مات. وقال دعبل: قال لي خلف الأحمر، وقد تجارينا في شعر تأبط شراً وذكرنا قوله:
إن بالشعب الذي دون سلع ... لقتيلاً دمه ما يطلّ
أنا والله قلتها، ولم يقلها تأبط شراً. وحدثني ابن ثمامة عن إبراهيم بن إسحاق قال: قال أبو الحسن المدائني: لما احتضر خلف الأحمر قيل له: قل: لا إله إلا الله. فسكت. فأعيد عليه فسكت. فأعيد
стр. 132
عليه ثالثاً، فقال: " جف بمقدار ما جرى قلمه " وما زال يرددها حتى مات.
حدثني أحمد بن نصر قال: حدثني الرياشي قال: قال لي الأصمعي: كان خلف الأحمر مولى أبي بردة بن أبي موسى، أعتقه وأعتق أبويه. وكان من سبي فرغانة. وفيه يقول أبو نواس:
أودي جماع العلم مذ أودى خلف ... من لا يعد العلم إلا ما عرف
كنا متى ما ندن منه نغترف ... رواية لا تجتني من الصحف
فليذم من العياليم الخسف ومما سار له قوله:
سقى حجاجنا نوء الثريا ... على ما كان من منع وبخل
هم ضموا النعال فأحرزوها ... وشدوا دونها باباً بقفل
فإن أهديت فاكهة وجدياً ... وعشر دجائج بعثوا بنعل
ومسواكين طولها ذراع ... وعشراً من رديء المقل خشل
أناس تائهون لهم رواء ... تغيم سماؤهم من غير وبل
إذا نسبوا فحي من قريش ... ولكن الفعال فعال عكل
وهو كثير الشعر مذكور، وشعره موجود في أيدي الناس، ويقال: إنه معلم الأصمعي.
стр. 133
أخبار أبي الغول
حدثني حاتم بن مطرق قال: حدثني أبو الأبرد العبدي قال: دخل أبو الغول على الرشيد فأنشده مديحاً له، فقال الرشيد: يا أبا الغول. قال: لبيك يا مولانا أمير المؤمنين، قال إن في أنفسنا من شعرك شيئاً، فلو كشفته بشيء تقوله على البديهة؟ قال: والله ما أنصفتني يا أمير المؤمنين. قال: ولم؟ وإنما هذا امتحان. قال: لأنك جمعت هيبة الخلافة وجلالة الملك وحيرة الاقتضاب، على أني أرجو أن أبلغ من ذلك ما تريد، فالتقيت فإذا الأمين قائم عن يمنه، والمأمون عن يساره فأنشأ يقول:
بنيت لعبد الله بعد محمد ... ذرا قبة الإسلام فاخضر عودها
هما طنباها بارك الله فيهماوأنت أمير المؤمنين عمودها
قال الرشيد: وأنت بارك الله فيك، أحسنت وأجدت. فقال: يا أمير المؤمنين امتحني بما شئت ليزول ما بقلبك من الريبة والشك في شعري. فقال: لا حاجة بنا إلى ذلك، أنت شاعر مقتدر، والذي قيل فيك باطل. ثم وصله بعشرة آلاف درهم وخلع عليه.
ومما يستحسن له كلمته في داوود ين يزيد بن حاتم المهلبي التي يقول فيها:
وقد كان هذا البحر ليس يجوزه ... سوى مشفق من هوله أو مخاطر
فصار على مرتاد جودك هيناً ... كأن عليه محكمات القناطر
وهذه القصيدة من أشرف ما قيل في داوود. وكان جواداً قد مدحه جماعة
стр. 134
ومما يستحسن له قوله:
إذا الريح من نحو الحبيب تنسمت ... بعيد صلاة العصر طاب نسيمها
وهبت بأحزان لنا، وتذكرت ... بها النفس أشجاناً توالى همومها
وظل يدق القلب أن نسمت له ... وفاض لها عين طويل سجومها
وحنت بنات القلب مني وأقبلت ... عليّ حديثات الهوى وقديمها
وله شعر كثير، وهو من المشهورين الذين يوجد شعرهم بكل مكان.
أخبار عمر بن سلمة
وهو المعروف بابن أبي السعلاء.
حدثني عبيد الله محمد الأنصاري قال: حدثني الخصيب بن محمد قال: اجتمعت الشعراء يوماً بباب الرشيد. فسألوا الإذن، فلم يأذن لهم، ثم بدا له، فقال للحاجب: أخرج إليهم فقل لهم: من اقتدر أن يمدحنا بالدين والدنيا في ألفاظ قليلة فليدخل. فبادر ابن أبي السعلاء فاستأذن. فقال للحاجب: ادخله. فأدخله. فقال له الرشيد: أنشدني قولك:
أغيثاً تحمل الناق ... ة تحمل هارونا
فقال: أنشدك ما اخترته وشرطته اليوم، فقال: بل أنشدني الأبيات فأنشده:
أغيثاً تحمل الناق ... ة أم تحمل هارونا
أم الشمس أم البدر ... أم الدنيا أم الدنيا
ألا لا بل أرى كل ال ... ذي عددت مقرونا
стр. 135
على مفرق هارون ... فداه الآدميونا
قال: فأجزل له في العطاء، فاجتمع عليه الشعراء ففرق عليهم صلته. وكان الرسم في ذلك الزمان إذا وصل الخليفة أحداً من الشعراء وحرم الباقين أن يصلهم ذلك الشاعر ويعطيهم على منازلهم ومراتبهم.
وكان ابن أبي السعلاء تصدى لهارون بالمدينة وهو حاج. وقد خرج عنها يريد مكة على راحلة، فارتجل هذه الأبيات التي كتبناها رافعاً بها صوته. وأعطاه عليها مالاً جزيلاً.
ومما يروي له في الرشد قصيدته التي يقول فيها - وقد قدم الرشيد قافلاً من غزاته وقد ظفر بهم وغنم:
قرت عيون المسلم ... ين بمقدم الملك الرشيد
قرت به عين القري ... ب من الرعية والبعيد
بين المنابر والمجا ... لس والمدائح والنشيد
هارون أنت خليفة ... صورت من كرم وجود
الناس من طين وأن ... ت البدر في فلك السعود
وهم كأيام الشهو ... ر وأنت فيهم يوم عيد
وهي طويلة مشهورة.
ومما يستحسن له مرثيته في الرشيد التي يقول فيها:
مات الإمام فعم أه ... ل الدين كلهم مصابة
عرين منه ركابه ... فتعطلت منه قبابه
وتفردت أجناده ... وخلا من الحراس بابه
стр. 136
وأقام في ملحوده ... لا يرتجي منه إيابه
في الرمس مقترب المح ... ل لحافه منه ترابه
ما هابه القدر الذي ... أودى به غضاً شبابه
قد كان كل الناس تر ... جوه وكلهم تهابه
فاعتاقه ريب المنو ... ن وحان من أجل كتابه
وهي أيضاً طويلة سائرة.
ومما يستحسن له مرثيته لهارون:
يا ليلة السبت التي ... طلعت كواكبها نحوسا
كنت البسوس عليهم ... بل فقت في الشؤم البسوسا
قفل الغزاة وخلفوا ... هارون في جدث حبيسا
في غربة من أهل طو ... س فليتني فارقت طوسا
ترحاً لنا إن لم نقت ... ل عند مصرعه النفوسا
وهي أيضاً طويلة سائرة.
ومما يختار له قوله في الرشيد يمدحه:
قل للإمام الهاشمي الذي ... عليه تاج الملك معقود
بلغت بالجود مدى غاية ... قد كان عنها قصر الجود
هارون بدر باهر زاهر ... تنجاب عنه، الظلم السود
ومما يستملح قوله أيضاً:
إن للموكب نوراً ... ساطعاً بغشي العيونا
أترون البدر فيه ... أم أمير المؤمنينا
وولاة العهد عطفي ... هـ شمالاً ويميناً
وأشعاره كثيرة، وهو من فحولة المحدثين المجيدين.
стр. 137
أخبار أبي الهول الحميري
حدثني إبراهيم بن محمد قال: حدثني محمد بن عبد السلام قال: غضب الفضل بن يحيى على أبي الهول في شيء وجده عليه - وكان عنده قبل ذلك في حالة رفيعة، وكان الفضل معجباً بشعره، وكان يصله بالصلات السنية - فلما غضب عليه جفاه الناس وتنكروا له، فلم يدر بمن يتحمل عليه ويستشفع حتى يرضى عنه، فلما ضاق به ذرعه قال:
سما نحونا من غضبة الفضل عارض ... له زجل فيه الصواعق والرعد
وما لي إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... من الجرم ما يخشى عليّ به الحقد
فجد بالرضى لا أبتغي منك غيره ... ورأيك فيما كنت عودتني بعد
فلما قرأ الفضل رقعته وقع فيها: رضاي عنك مقرون بإحساني إليك، فإن أردت أن أفرق بينهما لم أفعل. وحمل إليه صلة، واستغني بالأبيات عن الشفع.
مما يستملح له كلمته في العباس بن محمد يرثيه - وكان محسناً إليه:
أتحسبني باكرت بعدك لذة ... أبا الفضل أو كشفت عن عاتق سترا
أو انتفعت عيناي بعد بنظرة ... وأني من حسناء مرتشف ثغرا
جفاني إذن يرمي إلى الليل مؤنسيوأضحت يمني من مكارمها صفرا
ولكنني استشعرت ثوب استكانة ... وبت كأن الموت يحفر لي قبرا
ومما يستحسن لأبي الهول قوله في الغزل:
وواحدة الجمال بلا شريك ... لها صفة تتيه على الصفات
стр. 138
لها خلقان من ملق وتيه ... هما زفا الحياة إلى الممات
وقلب لا يجيب إذا دعونا ... وطرف يستجيب لنا مواتي
وأحيانا تموتني بصد ... فينشرني التلاحظ بالغداة
دعي ذكر الصلاة فإن ذكري ... لوجهك بالصلاة لها قراتي
أصلي ساهياً بك لست أدري ... إذا صليت كم كانت صلاتي
دهيت على المشيب بحب ريم ... يحاذر ظله حلك الفلاة
ومما يستحسن له قوله في الغزل:
إن أنل منكم ثلاث خصال ... كنت لو نلتها بأحسن حال
لا لماماً ولا لثاماً ولا وع ... داً وإن لم تفز لنا بوصال
وأنا العاشق لمتيم المش ... غوف والمستهام أخرى الليالي
يا مهني هناك جسم صحيح ... قد براني هواك بري الخلال
لو حملن الجبال عشر الذي بي ... من هواكم لأيقنت بزوال
ربما تجزع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال
ومما يروى له قوله في بعض البرامكة:
أصبحت محتاجاَ إلى الضرب ... في طلبي المعروف من كلب
قد وقح السب له وجهه ... فصار لا ينحاش للسبّ
وأبو الهول من المحدثين المجيدين المشهورين.
стр. 139
أخبار نصيب الأصغر
ويعرف أبي الحجناء.
حدثني عبد الأعلى ين عبد الله الأسدي قال: حدثني الهلالي - وكان صديقاً لأبي الحجناء الشاعر - قال: كان الرشيد ولاه بعض كور الشام، وكان أسود، قال الهلالي: فأفاد من ذلك مالاً جزيلاً وكان الرشيد يقدمه على أكثر شعرائه، وكذلك الفضل بن يحيى، وكانت صلات البرامكة لا تنقطع عنه البتة. قال الهلالي: قلت يوماً للأصمعي: ما تقول في شعر الأسود؟ قال: هو في عصرنا هذا أشعر من عبد الحسحاس في عصره. قلتك فأين شعره من شعر نصيب؟ قال: فما في قرن واحد، لأن نمطهما واحد وكان ذاك متقدم الزمان وهذا محدث.
ومما رويناه له واخترناه كلمته في إسحاق بن الصباح الكندي:
كأن ابن صباح وكندة حوله ... إذا ما بدا بدر توسط أنجما
على أن في البدر المحاق وأنه ... تمام فما يزداد إلا تتمما
ترى المنبر الشرقي يهتز تحته ... إذا ما علا أعواده وتكلما
فأنت ابن خير الناس إلا نبوة ... ومن قبلها كنت السنام المقدما
وهي طويلة جيدة.
ومما يختار له أيضاً من شعره كلمته التي طارت له في الآفاق. وقد صارت أبيات من هذه القصيدة فاكهة أهل الأدب، ونقل الملوك في مجالسهم،
стр. 140
لجوده الألفاظ والمعاني التي أوردها، وفيها يقول:
عند الملوك مضرة ومنافع ... وأرى البرامك لا تضر، وتنفع
إن العروق إذا استسر بها الثرى ... أشر النبات بها وطاب المزرع
وإذا جهلت من امرئ أعراقه ... وقديمه فانظر إلى ما يصنع
وهي طويلة جيدة. وكان الفضل بن يحيى يقول للشعراء: إذا قلتم قولوا مثل هذه الأبيات. وإذا مدحتم فامدحوا بمثل هذا الشعر.
ومما يستحسن قوله يعاتب:
أراني إذا استمطرت منك سحابة ... لترويني كانت عجاجاً وسافيا
إذا قلت ظلتني سماؤك، يا منت ... شآبيبها أو ياسرت عن شماليا
فلا ترج منّي أن تنال مودتي ... إذا كنت عنيّ بالكرامة جافيا
لقد كنت أسعى في هواك، وأبتغي ... رضاك، وأرجو منك ما لست لاقيا
وشيبتي أن لا تزال ملمة ... تقصر عنيّ أو تحل ورائيا
أتجعل فوقي من يقصر رأيه ... ومن ليس يغني عنك مثل غنائيا
كلانا غنيّ عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا
وأدليت دلوي في دلاء كثيرة ... فأين ملاء غير دلوي كما هيا
ومما سار في الدنيا قوله في وصف الناقة، وقد أفرط وتجاوز الحد في بيته هذا:
هي الريح ما خلتها غير أنها ... تبيت غوادي الريح حيث تقيل
وهو القائل أيضاً:
لقد سامني طرفي وقد ضر نفسه ... وأظهر ما أكننت بين الجوانح
стр. 141
فلم أستطع سيراً لما بي من الهوى ... ولم يخف ما أضمرت والقلب فاضحى
فيا بؤس من نتأى عن الإلف داره ... ويا بؤس من في القلب كالمتنازح
وأزداد شوقاً حين أدنو توجساً ... لغاد بوشك البين منك ورائح
وكان أبو الحجناء يجيد الغزل والمدح والهجو والوصف، ولا يقصر في شيء من ذلك. وهو مخصوص ببني برمك. كانوا يتبجحون به ويقدمونه، واشترى له الفضل داراً تقارب داره بألف دينار. وأشترى له ضيعة تغل غلة كثيرة، وكانوا يجرون عليه يعاشرونه. وكذا كانت عادة آل برمك فيمن يتصل بهم ﵏ فما خلفوا بعدهم من شق غبارهم في الجود والكرم والبر والعطاء والإحسان توفي بعد التسعين والمائة.
أخبار ربيعة الرقيّ
حدَّثني إسماعيل بن عبد الله بن مكرم قال: قال المدائني: امتدح ربيعة العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب بقصيدته، وهي قصيدة نادرة جيدة يقول فيها:
لو قيل للعباس يا ابن محمد ... قل لا وأنت مخلد ما قالها
ما إن أعد من المكارم خصلة ... إلا وجدتك عمها أو خالها
وإذا الملوك تسايروا في بلدة ... كانوا كواكبها وكنت هلالها
стр. 142
إن المكارم لم تزل معقولة ... حتى حللت براحتيك عقالها
وكان العباس بخيلاً. فبعث إليه بدينارين - وكان أمل أن يأخذ منه ألفين - فلما وصل إليه ذلك كاد يجن: واغتاظ غيظاً شديداً، وقال للرسول: خذ الدينارين فقد وهبتهما لك، على أن تحمل رقعتي إليه، فتجعلها في دواته من حيث لا يعلم ذلك. فقال له: أفعل. فأخذ الرقعة وكتب فيها:
مدحتك مدحة السيف المحلى ... لتجري في الكرام كما جريت
فهبها مدحة ذهبت ضياعاً ... كذبت عليك فيها واعتديت
ففعل الرسول ذلك، فلما وقف العباس على البيتين غضب، وقام من وقته إلى الرشيد فدخل عليه، وكان عم أبيه، وقد كان هم الرشيد أن يتزوج ابنته، وكان له مكرماً مبجلاً، فرأى الرشيد التغير في وجهه فقال: يا عم، ما شأنك؟ قال: يا أمير المؤمنين هذا ربيعة الرقي قد هجاني. فقال الرشيد: ويلي على ابن اللخناء، يهجو عمي وأعز الناس عليّ؟ وأمر بإحضاره، فأحضر والرشيد يتميز غيظاً عليه، فقال له: يا ابن اللخناء أعليّ تجترئ؟ لقد كان إذن ضرب عنقك. فقال: يا أمير المؤمنين اسمع قصتي معه، فإن وجدت عذراً، وإلا فافعل ما هممت به وأنت من دمي في حل وسعة، ثم أنشده مدحته فيه وقال: يا أمير المؤمنين كيف تراها؟ قال: ما مدح الخلفاء بمثلها حسناً. فقال: يا أمير المؤمنين إنه وصلني عنها بدينارين، فوهبتهما لرسوله وكتبت إليه البيتين. فلما سمع الرشيد ذلك خجل وأطرق، وأحب أن يتأمل القصيدة فقال: ائتني بها. فاستحى العباس وعلم أنه أخطأ،
стр. 143
فقال له الرشيد: سألتك بحقي إلا جئتني بها، فأمر غلامه بحملها إليه فتأملها وأعجب بها وقال العباس. أحقاً أن ك أثبته عليها بدينارين؟ فسكت، فقال لربيعة: ويحك يا رقيّ أصدقني. فقال: يا أمير المؤمنين وحياتك إنه وصلني بدينارين وإني وهبتهما لغلامه. فنظر إلى العباس نظراً منكراً وقال: سوءاً لك، فضحت نفسك وأسلافك. فاستحيا العباس ولم يحر جواباً. فأمر الرشيد لربيعة بثلاثين ألف درهم، وجعله نديماً، وخلع عليه فأعطاه حلتين، فلما أراد الخروج قال له: يا ربيعة. قال: لبيك يا أمير المؤمنين قال: إياك أن تذكره بعدها في شعرك.
ومما سار له في الآفاق، وصار مثلاً، قوله يمدح يزيد بن حاتم ويهجو يزيد بن أسلم السلمي:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد بن سليم الأغر ابن حاتم
يزيد سليم سالم المال والفتى ... أخو الأزد للأموال غير مسالم
فلا يحسب التمتام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم
فأما شعره في الغزل فإنه يفضل على أشعار هؤلاء من أهل زمانه جميعاً، وعلى كثير ممن قبله، وما أجد أطبع ولا أصح غزلاً من ربيعة، وهو القائل:
أنا للرحمن عاصي ... لجنوني برخاص
ثم للناس جميعاً ... من أدان وأقاصي
ورخاص الكرخ ظبي ... لم أنل منه افتراصي
стр. 144
ولقد طال بأبوا ... ب الخريمي اقتصاصي
طمعاً في صيد ظبي ... ذي شماس ملاص
صيده أعمر من صي ... د الضواري والقلاص
يا رخاصاً يا رخاص الك ... رخ يا ذات العقاص
والثنايا الغر كالبر ... ق تلالا في النشاص
ثم ردف كنقا الرم ... ل وأحشاء خماص
ما أبالي من لحاني ... فيك أو رام انتقاصي
ولقد عذبت روحي ... فمتى منك خلاصي
فاتقي الرحمن فينا ... واحذري يوم القصاص
مشهداً يؤخذ بالأق ... دام فيه والنواصي
ونديم أريحي ... واضح الوجه معاصي
قرشي من بني عب ... د مناف في العناصي
سائلي عن شعراء الن ... اس هل غاصوا مغاصي
قلت شعراً ينزل الأع ... صم من رأس الصاصي
والغواني مغويات ... مولعات باقتناصي
стр. 145
قد تواصين بحبي ... حبذا ذاك التواصي
باذل في الخير لا ين ... ظر منه في ارتخاص
مهلك الأموال في الل ... ذات مخشيّ القصاص
قد سقتني وسقته ... قينة ذات عقاص
قي أباريق لجين ... لا أباريق رصاص
ولدينا أدكن الجل ... دة كالزنجي شاصي
ذاك من معصية الل ... هـ وهمّي في المعاصي
فهذا يستحسن له قوله:
صاح إني غير صاحي ... أبداً من حب داح
صار قدحاً حب داح ... في فؤادي المستباح
جنح القلب إليها ... إن قلبي ذو جناح
وعصى في حب داح ... كل لوام ولاحي
ليت لي رسلاً من الج ... ن إليها والرياح
تبلغ الحاجات عني ... ثم بالنجاح
داح حب نصر ... آح من حبك آح
أنا والله قتيل ... لك من غير جراح
لا بسيف قتلني ... لا ولا سمر الرماح
следующие страницы →