← Тараджим

Тараджим · id 7867

طبقات الشعراء لابن المعتز

ابن المعتز

Полный текст (439 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

لما قال أبو دلف قصيدته التي يقول فيها: ناوليني الدرع قد طا ... ل عن الحرب جمامي قال الرقاشي مجيباً له: جنبيني الدرع قد طا ... ل عن القصف جمامي واكسري البيضة والمط ... رد وابدي بالحسام واقذفي في لجة البح ... ر بقوسي وسهامي وبترسي وبرمحي ... وبسرجي ولجامي واعقري مهري أصاب الل ... هـ مهري بالصدام أنا لا أطلب أن يع ... رف في الحرب مقامي وبحسبي أن تراني ... بين فتيان كرام نهزم الراح إذا ما ... هم قوم بانهزام ونخلي الضرب والطع ... ن لأجساد وهام لشقيّ قال قد طا ... ل عن الحرب جمامي والرقاشي كثير الشعر، قليل الجيد، وكان منقطعاً إلى البرامكة يمدحهم يعيش بهم، فلما زال أمرهم خرج إلى خراسان، واتصل بطاهر بن الحسين، زال بها حتى مات. أخبار أبي العتاهية حدثني أبو الخصيب قال: حدثني المزيدي قال: أبو العتاهية اسمه إسماعيل بن القاسم وكنيته أبو إسحاق وهو مولى لعنزة،

стр. 212

ويرمى بالزندقة مع كثرة أشعاره في الزهد والمواعظ، وذكر الموت والحشر والنار والجنة والذي يصح لي أنه كان ثنوياً. حدَّثني أبو رجاء البصري قال: حدَّثنا علي بن معمر التميمي قال: حدثني شيخ من قدماء الكتاب قال: كنت: آتي أبا العتاهية فأنسخ أشعاره في الزهد وغيره، وكان له بنتان: إحداهما يقال لها بالله، والأخرى لله وكان له ابن زاهد ناسك، وكان مع ذلك شاعراً، إلا أنه قد تخلى من الدنيا. حدثني أبو الأزهر التبان عن أبي العنقاء البصري قال: كان أبو العتاهية أحد المطبوعين، وممن كاد يكون كلامه شعراً كله، وغزله لين جداً مشاكل لكلام النساء، موافق لطباعهن، وكذلك كان عمر بن أبي ربيعة المخزومي، والعباس بن الأحنف، وكان أبو العتاهية يتغزل في عتبة جارية رائطة بنت أبي العباس السفاح ويظهر عشقها، وكان يجيد الوصف. فمما قاله في عتبة قوله: أعلمت عتبة أنني ... منها على شرف مطل وشكوت ما ألقى إلي ... ها والمدامع تستهل حتى إذا برمت بما ... أشكو كما يشكو الأذل قالت: فأي الناس يع ... لم ما تقول فقلت: كل أجمع أهل الأدب أنهم لم يسمعوا قافية أحق بمكانها من قوله

стр. 213

فقلت كل وهي قصيدة مشهورة يغني بها. وحدثني المبرد قال: حدثني محمد بن البصري قال: كان أبو العتاهية، لسهولة شعره وجودة طبعه فيه، ربما قال شعراً موزوناً ليس من الأعاريض المعروفة، وكان يلعب بالشعر لعباً، ويأخذ كيف شاء. وحدثني إبراهيم بن العباس الكاتب عن أبيه قال: قال أبو العتاهية: قال لي المأمون: أنت أشعر أم أبو نواس؟ فقلت: أنا من قد علمت يا أمير المؤمنين، ولوددت أن أبيات أبي نواس لي فأستعلي بها على شعراء أهل الأرض، قال: وما هي؟ قلت قوله: ومستبعد إخوانه بثرائه ... لبست له كبر أبر على الكبر متى ضمني يوماً وإياه مجلس ... رأى جانبي وعراً يزيد على الوعر وقد زادني تيهاً على الناس أنني ... أراني أغناهم وإن كنت ذا فقر قال المأمون: أحسن الرجل أحسن. وحدثني المعروسي الكوفي قال: حدثني محمد بن زياد - كان يروي لأبي العتاهية شعراً كثيراً قال: جلس أبو العتاهية يوماً إلى قصار فسمع صوت الكدين فقال باقتداره شعراً على إيقاعه، منه هذا البيت: المنون مفنيات ... واحداً فواحدا كأنه نظر إلى القصار أخذ ثوباً بعد ثوب، فشبهه بأخذ الموت إنساناً بعد إنسان، وأخذ الوزن من وقع الكدين. ومما سار له قوله: بسطت كفي نحوكم سائلاً ... ماذا تردون على السائل إن لم تنيلوه فقولوا له ... قولاً جميلاً بدل النائل

стр. 214

أو كنتم العام على عسرة ... ويلي فمنوه إلى قابل ولهذا الشعر من قلوب النساء موقع الزلال البارد من الظمآن لرقته، وحدثني أبو البلاد عن الأخوص الأصغر قال: كانت عتبة التي يسبب بها ويظهر عشقها أبو العتاهية جارية لرائطة بنت أبي العباس السفاح، وكان رائطة تحت ابن عمها المهدي بن المنصور أمير المؤمنين، فلما بلغ المهدي إكثاره في شعره من ذكرها ووصفها غضب وقال: ما يجد هذا الجرار أحداً يعبث بحرمة غيرنا؟ وكان أبو العتاهية قديماً يبيع الجرار في سوق الكوفة، ثم تأدب فارتفع بأدبه. قال: فأمر بحبسه، فعمل أبو العتاهية من قبل يزيد بن منصور خال المهدي - وكان أعز الناس إليه - حتى تخلص، فعاد إلى مثل حاله معها، فلما طال هذا دخلت رائطة على المهدي فشكته وقالت: قد شهر بجاريتي بشعره وفضحها، واحفظته عليه، فأحضره وضربه بالسياط في الدواوين بين يديه، وكان ضعيف البنية فغشى عليه، فلما أفاق رفع رأسه فإذا بعتبة واقفة تنظر إليه من سطح فقال: بخ بخ يا عتب من مثلكم ... قد قتل المهدي فيكم قتيل فتعجب المهدي ورق له ورحمه، وأمر بالإحسان إليه، ووعده بالجارية أن يستوهبها من مولاتها ويدفعها إليه، فلما علمت الجارية ذلك، وألح أبو العتاهية على المهدي يقتضيه ما وعده بشعره قالت: يا أمير المؤمنين أستجير في مروءتك وشرفك وما يلزمك من حق خدمتي وصحبتي أن تخرجني من دار النعمة إلى بائع جرار سوقي دنيء النفس، وبعد، فإنما يريد الذكر والشهرة،

стр. 215

وليس بعاشق، فإن أردت أن تعرف ما يقول فمر له بمال له خطر، فإنه سيلهيه عني ويشغله عن ذكري، فأمر له المهدي بمائة ألف، ولم يسم ورقاً ولا عيناً، فأورد أبو العتاهية توقيعة بذلك على الكتاب، فأعطوه مائة ألف درهم على أنه لم يسم شيئاً، فأبى ولم يرض وقال: أنا لا أراه وقع لي بمائة ألف دينار، فإنه لم يكن ليعوضني منها أقل من هذا، فقالوا: حتى نؤامره إذاً في هذا الكتاب، وكان يتردد شهراً يطالب به، فأشرقت عليه عتبة وقالت له: - وقد دخل الدار يقتضي ذلك -: يا صفيق الوجه، لو كنت عاشقاً لشغلك العشق عن المفاضلة بين الدراهم والدنانير. وبلغ كلامها المهدي، فعلم أنها كانت أعرف بقصة الرجل، فأمسك عن أمره. ولأبي العتاهية في الرشيد وكان وجد عليه فحبسه فكتب إليه: تفديك نفسي من كل ما كرهت ... نفسك إن كنت مذنباً فاغفر يا ليت قلبي لديك صور ما ... فيه لتستيقن الذي أضمر فرق له، ووقع في رقعته: لا بأس عليك، فاطمأن إلى ذلك. ثم تمادى مكثه في الحبس فكتب إليه: كأن الخلق ركب فوق روح ... له جسد وأنت عليه رأس أمين الله إن الحبس بأسٌ ... وقد وقعت: ليس عليك باسُ فأمر بإطلاقه. ومما كتب إليه في الحبس أيضاً هذا: إنما أنت رحمة وسلامة ... زادك الله غبطة وكرامة

стр. 216

قيل لي قد رضيت عني فمن لي ... أن أرى لي على رضاك علامه وحقيق ألا يراع بسوء ... من رآك ابتسمت منه ابتسامه لو توجعت لي فروحت عني ... روح الله عنك يوم القيامة وكان الرشيد حين حبسه جعل أمره خادم له يقال له ماهر، وكان يحسن إليه، فهو يقول: كفاني العناية من أمره ... بتشمير ما كان من غرسه وكان الشفيع إلى غيره ... فصار الشفيع إلى نفسه وحدثني بعض أهل الأدب قال: أهدي أبو العتاهية إلى الرشيد نعلاً وكتب إليه: نعل بعثت بها لتلبسها ... قدماً تسير بها إلى المجد لو كان يمكن أن أشركها ... خدي جعلت شراكها خدي وسمع رجل أبا العتاهية ينشد: فانظر بعينك حيث شئ ... ت فلن ترى إلا بخيلا أراد ما في صورة الإسراء " قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتوراً " فقال الرجل: يا أبا العتاهية بخلت بجميع الناس، قال: فأكذبني بواحد. حدثني محمد بن راشد الكاتب عن ابن جبلة البنوي قال: أتى أبو العتاهية باب أحمد بن يوسف كاتب المأمون، فحجب عنه فقال: متى يظفر الغادي بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم

стр. 217

فسار بيته هذا في الأفاق، وجعل الناس يتناشدونه، فاعتذر إليه. ومما يستحسن له في المواعظ والحكمة: وعظتك أجداث صمت ... ونعتك أزمنة خفت وتكلمت عن أوجه ... تبلى وعن صور شتت وأرتك قبرك في القبو ... ر وأنت حيّ لم تمت وله في استبطاء بعض الناس، وما سمع بأحسن منها: ما أنا إلا لمن يراني ... أرى خليلي كما يراني لست أرى ما ملكت أمري ... مكان من لا يرى مكاني من ذا الذي يرتجي الأقاصي ... إن لم ينل خيره الأداني فلي إلى أن أموت رزق ... لو جهد الخلق ما عداني لا يكرم الدهر كل من لا ... يصلح إلا على الهوان واستغن بالله عن فلان ... وعن فلان وعن فلان فالمال من حله صيان ... للوجه والعرض واللسان والفقر بيت عليه قفل ... مفتاحه العجز والتواني ولا تدع مكسباً حلالاً ... تكون منه على بيان ورزق ربي له وجوه ... هن من الله في ضمان سبحان من لم يزل عليا ... ليس له في العلو ثاني قضى على خلقه المنايا ... فكل شيء سواه فاني يا رب لم نبك من زمان ... إلا بكينا على زمان

стр. 218

وهو القائل أيضاً: نعمى نفسي إليّ من الليالي ... تصرفهن حالاً بعد حال فما لي لست مشغولاً بنفسي ... ومالي لا أخاف الموت مالي لقد أيقنت أن غير باق ... ولكني أراني لا أبالي أمالي عبرة في ذكر قوم ... تفانوا ربما خطروا ببالي كأن ممرضي قد قام يسعى ... بنعشي بين أربعة عجال وخلفي نسوة يبكين شجواً ... كأن قلوبهن على المقالي تعالى الله يا سلم بن عمرو ... أذل الحرص أعناق الرجال هب الدنيا تساق إليك عفواً ... أليس مصير ذاك إلى الزوال فما ترجو بشيء ليس يبقى ... وشيكاً ما تغيره الليالي بلوت الناس قرناً بعد قرن ... فلم أر غير خلاب وقالي وذقت مرارة الأشياء جمعاً ... فما شيء أمر من السؤال ولم أر في الأمور أشد هولاً ... وأفظع من معاداة الرجال وأشعار أبي العتاهية كثيرة جداً، إلا أنها مشهورة وموجودة، وفيما أوردناه منها كفاية. أخبار مسلم بن الوليد الأنصاري وهو صريع الغواني. حدثني صالح بن محمد العوفي قال: حدَّثنا إبراهيم بن أبي يحيى المدني الأنصاري قال:

стр. 219

كان مسلم بن الوليد صريع الغواني مداحاً محسناً مجيداً مفلقاً، وهو أول من وسع البديع، لأن بشار بن برد أول من جاء به. ثم جاء مسلم فحشا به شعره، ثم جاء أبو تمام فأفرط فيه وتجاوز المقدار. وجل مدائح مسلم في يزيد بن مزيد، وداود بن مزيد، وفي البرامكة. وقد مدح الخلفاء حدثني ابن المغير قال. كان مسلم بن الوليد مدح الرشيد باللامية السائرة، فلما دخل عليه فأنشده وبلغ قوله:؟ هل العيش إلا أن تروح مع الصبا وتغدو صريع الكأس والأعين النجل قال له: أنت صريع الغواني. فسمي بذلك حتى صار لا يعرف إلا به. ويقال: إن الرشيد كتب شعره بماء الذهب. وأول القصيدة: أديرا الكأس لا تشربا قبلي ... ولا تطلبا من عند قاتلي ذحلي وهي مشهورة سائرة جيدة عجيبة. ومما يستحسن له - على أن شعره كله ديباج حسن لا يدفعه عن ذلك أحد - قوله: فإني وإسماعيل يوم وداعه ... لكالغمد يوم الروع زايله النصل فإن أغش قوماً بعده أو أزرهم ... فكالوحش يدنيها من الأنس المحل وهذا معنى لا يتفق للشاعر مثله في ألف سنة. وهو القائل في يزيد بن مزيد في قصيدة له جيدة طويلة عجيبة. موف على مهج في يوم رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل

стр. 220

لا يرحل الناس إلا نحو حجرته ... كالبيت يضحى إليه ملتقى السبل يكسو السيوف نفوس الناكثين به ... ويجعل الروس تيجاناً على الذيل قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعنه في كل مرتحل تراه في الأمن في ردع مضاعفة ... لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل لله من هاشم في أرضه جبل ... وأنت وابنك ركنا ذلك الجبل صدقت ظني وصدقت الظنون به ... وحط جودك جل الرحل عن جملي وأول هذه القصيدة: أجررت حبل خليع في الصبا غزل ... وشمرت همم العذال في العذل وهي كما قلنا مشهورة، فتركناها إلا هذه الأبيات فإنها من عيون القصيدة، وإن كانت القصيدة كلها عينا. ومما سار له من هجوه قوله: يا ضعيف موسى أخي خزيمة صم ... أو فتزود إن كنت لم تصم أطرق لما أتيت ممتدحاً ... فلم يقل لا فضلاً على نعم فخفت إن مات أن أقاد به ... فقمت أبغي النجاة من أمم لو أن كنز البلاد في يده ... لم يدع الإعتلال بالعدم ومما يختار له أيضاً قوله: لن يبطئ الأمر ما أملت أوبته ... إذا أعانك فيه رفق متئد والدهر آخذ ما أعطي مكدر ما ... أصفى ومفسد ما أهوى له بيد فلا يغرك من دهر عطيته ... فليس يترك ما أعطي على أحد

стр. 221

ومما يستملح له قوله: شججتها بلعاب المزن فاغتزلت ... نسجين من بين محلول ومعقود أهلاً بوافدة للشيب واردة ... وإن تراءت بشخص غير مودود لا أجمع الحلم والصهباء قد سكنت ... نفسي إلى الماء عن ماء العناقيد ومما يختار له قوله للفضل بن يحيى أو الفضل بن جعفر بن يحيى: تساقط يمناه الندى وشماله ال ... ردى وعيون القول منطقه الفصل بكف أبي العباس يستمطر الغنى ... وتستنزل النعمى ويسترعف النصل متى شئت رفعت الستور عن الغنى ... إذا أنت زرت الفضل أو أذن الفضل ومن السائر الذي يروي له قوله في السفينة: كشفت أهاويل الدجى عن مهولة ... بجارية محمولة حامل بكر إذا أقبلت راعت بقلة قرهب ... وإن أدبرت راقت بقادمتي نسر أقلت بمجدافين يعتورانها ... وقومها كبح اللجام من الدبر كأن الصبا تحكي بها حين واجهتنسم الصبا مشي العروس إلى الخدر ركبنا إليه البحر في أخرياته ... فأوفت بنا من بعد بحر إلى بحر ومما يستملح له حسن تشبيه وجودة معنى قوله: إبريقنا سلب الغزالة جيدها ... وحكى المدير بمقلتيه فزالا

стр. 222

يسقيك باللحظات كأس صبابة ... ويعيدها من كفه جريالا ومن مختاراته أيضاً قوله: إذا شئتما أن تسقياني مدامة ... فلا تقتلاها، كل ميت محرم خلطنا دماً من كرمة بدمائنا ... فأظهر في الألوان منا الدم الدم ومن بديع ما يروي له قوله: إن كنت تسقين عين الراح فاسقيني ... كأساً ألذ بها من فيك تشفيني عيناك راحي وريحاني حديثك لي ... ولون خديك لون الورد يكفيني ومن بدائعه أيضاً قوله: خفين على ريب المنون وغصت ال ... رين فلم ينطق لها أبداً ححل ولما تلاقينا قضى الليل نحبه ... بوجه كوجه الشمس ما إن له مثل وخال كخال البدر في وجه مثله ... لقينا المنى فيه فحاجزنا البذل وماء كماء الشمس لا يقبل الأذى ... إذا درجت فيه الصبا خلته يغلو من الضحك الغر اللواتي إذا التقت ... تحدث عن أسراره السبل السبل صدغنا به حد الشمول وقد طغت ... فألبسها حلماً وفي حلمها جهل ومما يستحسن من لاميته في الرشيد قوله: ومانحة شرابها الملك قهوة ... يهودية الأصهار مسلمة البعل بعثنا لها منا خطيباً لبضعها ... فجاء بها يمشي العرضنة في مهل

стр. 223

قد استودعت دناّ فهو قائمٌ ... بها شغفاً بين الكروم على رجل شققنا لها في الدن عيناً فأسبلت ... كألسنة الحيات خافت من القتل ويختار من قوله هجوه لسعيد بن سلم: وأحببت من حبها الباخلي ... ن حتى ومقت ابن سلم سعيدا إذا سيل عرفاً كسا وجهه ... ثياباً من اللوم صفرا وسودا ومما السحر معناه رقة وحسناً إذا التقينا منعنا النوم أعيننا ... ولا تلائم غمضاَ حين نفترق أقر بالذنب مني لست أعرفه ... كيما أقول كما قالت فنتفق حبست دمعي على ذنب تجدده ... فكل يوم دموع العين تستبق ومن جيد ما يروى له قوله: فما سلوت الهرى جهلاً بلذته ... ولا عصيت إليه الحلم من خرق يا واشياً أحسنت فينا إساءته ... نجي حذارك إنساني من الغرق ويختار له أيضاً قوله في غلبة اليأس على النفس والرجوع إلى الطمع: أعاود ما قدمته من رجائها ... إذا عاودت باليأس منها المطامع رأتني عمى الطرف عنها فأعرضت ... وهل خفت إلا ما تشير الأصابع وما زينتها النفس لي عن لجاجة ... ولكن جرى فيها الهوى وهو طائع مللت من العذال فيها فأطرقت ... لهم أذن قد صم عنها المسامع فأقسمت أنسى الداعيات إلى الصبا ... وقد فاجأتها العين والستر واقع ومما يستحسن له في الزهد قوله: كم رأينا من أناس هلكوا ... فبكى أحبابهم ثم بكوا

стр. 224

تركوا الدنيا لمن بعدهم ... ودهم لو قدموا ما تركوا كم رأينا من ملوك سوقوا ... ورأينا سوقة قد ملكوا وضع الدهر عليهم بركة ... فاستداروا حيث دار الفلك أخبار أبان بن عبد الحميد اللاحقي حدثني عبد الرحيم بن ميمون البصري قال: حدثني أبو هفان قال: كان أبان اللاحقي شاعراً أديباً، عالماً ظريفاً منطقياً، مطبوعاً في الشعر، مقتدراً عليه، يقتضب الخطب، ويرسل الرسائل الجياد، وهو صاحب البرامكة وشاعرهم وصاحب جوائزهم للشعراء، وهو يستخرجها لهم ويفرقها عليهم، وهو الذي نقل كليلة ودمنة شعراً بتلك الألفاظ الحسنة العجيبة، وهي هذه المزدوجة التي في أيدي الناس، وكان الذي استدعى ذلك وأراده يحيى بن خالد بن برمك، وكان قد اختار أبا نواس، فصار إليه أبان اللاحقي فقال كالمنتصح: أنت رجل مغرم بهذا الشراب لا تصبر عنه وعن الاجتماع مع إخوانك عليه، وهو لذتك من الدنيا ومتعتك، وهذا الكتاب مشهور، ولم ينتقل إلى هذا الوقت من المنثور إلى الشعر، وإذا فعل ذلك تداوله الناس وطلبوه ونظروا فيه، فإن أنت توليته مع تشاغلك بلهوك ولذتك لم يتوفر عليه فكرك وخاطرك، ولم يخرج بالغاً في الجودة

стр. 225

والحسن، وإن توفرت عليه واهتممت به قطعك ذلك عن لهوك ولذتك ومتعتك. فلا تقدم عليه إلا بعد إنعام النظر في أمرك. فظن أبو نواس أنه قد نصح له، واستقال الأمر فيه، فاستعفى عنه، وتخلى به اللاحقي، ولزم بيته لا يخرج حتى فرغ منه في أربعة أشهر، وهي قريبة من خمسة آلاف بيت، لم يقدر أحد من الناس أن يتعلق عليه بخطإ في نقله، ولا أن يقول: ترك من لفظ الكتاب أو معناه. ثم حمله إلى يحيى بن خالد، فسر به سروراً عظيماً، وأعطاه على ذلك مائة ألف درهم. فحزن أبو نواس وحسده، وتبين له أنه كان احتال عليه. فهذا سبب ما كان بينهما من العداوة. وكان في جميع أحواله أرفع طبقة من أبي نواس. وقد هجاه أبو نواس بشعر كثير. فما سار له فيه شيء على شهرة شعره، ولم يقل في أبي نواس غير ثلاثة أبيات، وقد سارت في الدنيا، وهي هذه: أبو نواس بن هاني ... وأمه جلبان والناس أفطن شيءٍ ... إلى حروف المعاني إن زدت بيتاً على ذي ... ما عشت فاقطع لساني أخبار منصور النمري واسمه منصور بن سلمة بن الزبرقان، وهو من رأس العين. ويكنى أبا الفضل حدثني أبو رجاء الضحاك بن رجاء الكوفي قال: حدثني ابن عبدل قال: مر منصور النمري يوماً بالعتابي - وكان صديقاً له، وكان النمري

стр. 226

يجل العتابي ويعظمه لقناعته وديانته، ولعلمه مع ذلك وسعة أدبه - فسلم عليه فرأى به العتابي كآبة. فقال له النمري إني مغتم بامرأتي فلانة، فإنها تمخض منذ ثلاث وقد عسرت عليها ولادتها، فقال له العتابي: ويحك، فأين تركت الحزم ودواؤها عندك؟ قال: وما هو؟ فقال: تكتب على متاعها: الرشيد، حتى تسهل ولادتها فإنما عسر الولادة من ضيق المسلك. وإذا كتبت الرشيد على فرجها اتسع. فغضب النمري واختلط. وقال ويحك، أشكو إليك مثل هذا الأمر أفتستقبلني بمثل هذا، وتستخف باسم أمير المؤمنين وذكره؟ فقال العتابي: فلا تغضبن فأنت علمتنا هذا. ألست القائل في الرشيد في قصيدتك العينية: إن أخلف القطر لم تخلف مخايله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع - وهذه القصيدة عجيبة في المدح فصيحة، وتشبيبها في الشيب لم يقل مثله أحد - فاستحكم غضب النمري وغيظه عليه، ومر من وجهه ذلك إلى الرشيد فأعلمه، وحكى لفظه، ففار كما يفور المرجل غيظاً عليه، وحلف ليقتلنه. وكان جعفر بن يحيى يستخص العتابي ويقربه ويعاشره، فما زال بالرشيد حتى عفا عنه، ورضي وسكنت نفسه. وسكت العتابي على هذه مدة، حتى تمكن من الرشيد بعلمه وغزارة أدبه، فإنه كان بحراً لا ينزف، وحضر مجلسه ليلة يسامره، والنمري غائب بالرقة، فتحدث عنه طويلاً وأجرى الحديث إلى ذِكر الروافض محمداً، ثم أنشده القصيدة التي للنمري وأولها: شاء من الناس رابع هامل ... يعللون النفوس بالباطل

стр. 227

تقتل ذرية النبي وير ... جون خلود الجنات للقاتل ويلك يا قاتل الحسين لقد ... بؤت بحمل ينوء بالحامل أي حباء حبوت أحمد في ... حفرته من حرارة الثاكل بأي وجه تلقى النبي وقد ... دخلت في قتله مع الداخل هلم فاطلب غداً شفاعته ... أو لا فرد حوضه مع الناهل ما الشك عندي في حال قاتله ... لكنني قد أشك في الخاذل نفسي فداء الحسين يوم غدا ... إلى المنايا غدو لا قافل ذلك يوم أخنى بشفرته ... على سنام الإسلام والكاهل حتى متى أنتِ تعجلين: ألا ... تنزل بالقوم نقمة العاجل لا يعجل الله إن عجلت وما ... ربك عما ترين بالغافل وعاذلي أنني أحب بني ... أحمد فالترب في فم العاذل قد دِنت ما دينكم عليه فما ... وصلت من دينكم إلى طائل دينكم جفوة النبي وما ال ... جافي لآل النبي كالواصل فلما بلغ قوله في ذكر فاطمة ﵇ وأمر فدك، وذكر أبي بكر وعمر، وزعمه أنهما ظلماها في أمر فدك وهو قوله: مظلومة والإله ناصرها ... تُديرُ أرجاء مقلة حافل قال له الرشيد: يا عتابي، من قال هذا؟ قال: عدوك يا أمير المؤمنين الذي تظن أنه وليك. فقال: ويلي على ابن الفاعلة، يحض الناس على الخروج علي، يضمر عداوتي ويظهر من موالاتي ما يظهر، وقد اقتني مني هذه الأموال، ومنزلته هذه المنزلة - وكان منصور يعتزي إلى الرشيد بالخؤولة من جهة نتيلة النمرية أم العباس بن عبد المطلب، وكان يمدح الرشيد بالمدائح

стр. 228

الجياد التي ليس لأحد مثلها، وكان يصله بالصلات الجزيلة، وكان النمري يدين بالإمامة سراً، ويمدح آل الرسول، ويعرض في شعره بالسلف، والرشيد لا يعلم ذلك حتى كثر، وكان ذلك اليوم - ثم أقبل العتابي يحضه، ويذكر مذهبه، وينشد شعره في الطالبيين شيئاً بعد شيءٍ، فدعا الرشيد بأبي عصمة الشيعي وهو من الزيدية في شيعة بني العباس. فقال له: اخرج من ساعتك هذه إلى الرقة، فخذ منصوراً النمري، فسل لسانه من قفاه، واقطع يده ورجله، ثم اضرب عنقه، واحمل إلى رأسه، واصلب هناك بدنه. فخرج أبو عصمة لذلك، فلما صار بباب الرقة، وهو يدخل المدينة، إذا هو بجنازة النمري قد استقبلته فانكفأ راجعاً إلى الرشيد فاعلمه. فقال له: فألا إذ صادفته ميتاً أحرقته بالنار؟ وهو القائل بقصيدته التي يمدح فيها الرشيد: يا بن الأئمة من بعد النبي ويا أب ... ن الأوصياء أقر الناس أم دفعوا لولا عدي وتيم لم تكن وصلت ... إلى أمية تمريها وترتضعُ إن الخلافة كانت إرث والدكم ... من دون تيم وعفو الله متسع وما لآل علي في إمارتكم ... حق وما لهم في إرثكم طمع يا أيها الناس لا تغرب عقولكم ... ولا تضفكم إلى أكنافها البدع العم أولى من ابن العم فاستمعوا ... قول النصيح فإن الحق يستمع وقد أقام القيامة في تشبيب هذه القصيدة بالشباب فالتشبيب منها: أودى الشباب وفاتتني بشرته ... صروف دهر وأيام لها خدع ما كنت أوفي شبابي كنت غرته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع

стр. 229

إن كنت لم تطمعي ثكل الشباب ولم ... تشجى بغصته فالعذر لا يقع وأول هذه القصيدة: ما تنقضي حسرة مني ولا جزع ... إذا ذكرت شباباً ليس يرتجع ورووا أنه دخل على الرشيد يوماً فانشده: بني حسن وقل لبني حسينٍ ... عليكم بالسداد من الأمورِ أميطوا عنكم كذب الأماني ... وأحلاماً يعدن عدات زور مننت على ابن عبد الله يحيى ... وكان من الحتوف على شفير ولو جايت ما اقترفت يداه ... دلفت له بقاصمة الظهور يدٌ لك في رقاب بني علي ... ومن ليس بالمن الصغير وإنك حين تبلغهم أذاة وإن ظلموا لمحترق الضمير ألا لله در بني علي ... وزور من مقالتهم كبير يُسمون النبي أباً، ويأبى ... من الأحزاب سطر في سطور يريد قوله " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله " قال: فقال الرشيد لما سمع قوله: وإنك حين تبلغهم أذاةوإن ظلموا لمحترق الضمير ويحك، ما هذا؟ شيء كان في نفسي منذ عشرين سنة لم أقدر على إظهاره فأظهرته بهذا البيت. ثم قال للفضل بن الربيع: خذ بيد النمري فأدخله بيت المال، ودعه يأخذ ما شاءَ، فأدخلني وليس فيه إلا سبع وعشرون بدرة، فاحتملتها. وأخذ النمري على شعره في دفعتين ما لم يأخذه شاعر قط: إحداهما

стр. 230

هذه، والأخرى أن الرشيد كان بالرقة، وكان يستحسنها ويستطيبها، فيقيم بها، وأطال المقام بها مرة، فقالت زبيدة للشعراء: من وصف مدينة السلام وطيبها في أبيات يشوق أمير المؤمنين إليها أغنيته. فقال في ذلك جماعة، منهم النمري قال أبياتاً أولها: ماذا ببغداد من طيب أفانين ... ومن عجائب للدنيا وللدين إذا الصبا نفحت والليل معتكر ... فحرشت بين أغصان الرياحين فوقعت أبياته من بين جميع ما قالوا، وانحدر الرشيد إلى بغداد. فوهبت زبيدة للنمري جوهرة. ثم دست إليه من اشتراها، بثلاثمائة ألف درهم. ومن جيد ما قال في آل الرسول ﵈: آل الرسول ومن يحبهم ... يتطامنون مخافة القتلِ أمن النصارى واليهود وهم ... من أمة التوحيد في أزلِ وله الميمية التي يغني بها، يمدح فيها الرشيد وهي جيدة أولها: يا زائرينا من الخيامِ ... حياكما الله بالسلام لم تطرقاني وبي حراك ... إلى حلال ولا حرامِ هيهات للهو والتصابي ... وللغواني وللمدامِ أقصر جهلي وثاب حلمي ... ونهنه الشيب من عرامي لله حبي وترب حبي ... ليلة أعياهما مرامي آذنتاني بطول هجري ... وعدتاني مع السوامِ وانطوتا لي على ملامٍ ... والشيب شر من الملام

стр. 231

بورك هارون من إمام ... بطاعة الله ذو اعتصام يسعى على أمة تمنى ... أن لو تقية من الحمام لو استطاعت لقاسمته ... أعمارها قسمة السهام يا خير ماض وخير باقٍ ... بعد النبيين في الأنام وميميته في المأمون وهو ولي عهد عجيبة، قد صارت مثلاً في سائر الناس وأولها: لعل عُذراً وأنت تلومْ ... وكم لائم قد لام وهو مُليم وأشعار النمري في آل الرسول ﵈ كثيرة جيدةً، من أجود ما مُدحوا به. وكذلك ما له في المدح والغزل كله جيد. وهو من فحولة المحدثين. وله أخبار كثيرة ونوادر. أخبار البطين حدثني أبو ريحان قال: قال لي سليمان بن علي: كان طول البطين اثني عشر شبراً بأتم ما يكون من أشبار الناس، ولم ير في زمانه أحد أطول منه، وكان يرعب من رآه. وكان مع ذلك قبيح الوجه، فكان إذا أقبل لا يشك من يراه أنه شيطان، حتى يحاوره فيصيب منه آدب الناس وأفصحهم، وكان مع ذلك فاسقاً معلناً بفسقه، وكان أحمق خلق الله مع ذلك الأدب والفصاحة. حدثنا أبو عدنان قال: حدثنا عبد الصمد بن إبراهيم الخزري قال:

стр. 232

عشق البطين جارية من أهل الرملة يهودية، فرام تزوجها، فأبى قومها أن يزوجوه لإسلامه، فلما رأى امتناعهم بذلك السبب تهود، ومكث على اليهودية سنين حتى تزوجها، ثم عاد إلى الإسلام. وفي البطين يقول أبو خالد الغنوي: وإن حراً أدى البطين بزحرةٍ ... ولم تنفتق أقطاره لرحيبُ وإن زماناً أنطق الشعر مثله ... وأدخله في عدنا لعجيب ويحشر يوم البعث أما لسانه ... فعي وأما دُبره فطيب وحدثنا عن الخصيبي قال: قال البطين - وكان من أهل حمص - لما خرج أبو نواس من العراق يريد مصر زائراً للخصيب، وبلغنا أنه يجتاز بنا، لم أزل أترقب وروده حمص، حتى قيل: قد وفد، فمضيت إلى الحان فإذا برجل له هيئة، في إزار مُعصفر، وهو جالس على درجة الحان، في يده جردق من جرادق يفركها ويطرحها للعصافير، فسلمت عليه وقلت: أين نزل أبو نواس؟ قال: ويحك ألا نظرت إلى مظلمة الكفر، فلا تحتاج إن تسأل؟ فمضيت به إلى منزلي، فأقام عندي أياماً ثم شيعته أميالاً. وكان جيد الشعر محكمه، يشبه نمطه نمط الأعراب. وهو القائل: لم أقل عند الكريهة يا ... ليتني في الخفض والدعة بل تسربلتُ الحفاظ على ... ميت، في الصدر لم يمت

стр. 233

وحسام لا يطيق صداً ... كانصباب الكوكب الكفتِ وُصلتْ بالموت هبته ... كاتصال السم بالحمة فهو ما أحببت من وزرٍمطرق ما لم يهج حفتِ يا أبا العباس ليس على ... جمجمات البين من صلتِ مُنيتْ نفسي بواحدة ... منك لم تدرك ولم تفت رعية العهد التي وصلت ... بقواها قوة المقة فأذني من إضاعتها ... إن هذاك من الضعة لم يزل شكريك متصلاً ... بلساني لك والشفة فإذا قابلت معضلة ... كنت مصغاتي وملتفتي وله أيضاً: ذروني وكلباً أنني اليوم إلبها ... كما هي لي في كل نائبة إلبُ ألا لا أبالي عتب من كان عاتبا ... يمر برأسي دون ما رضيت كلبُ ومما يستحسن له قوله: لله قلب سما بحبكم ... لم يألُ في مرتقاه مرتفعا

стр. 234

لم يضع الحب غير موضعه ... ولا سعى في السلوحين سعى أحببت قلبي لما أحبكم ... وصار أمري لأمره تبعا وهذا معنى بديع قلما يرزق الشاعر مثله، وفيها يقول: شيعت قلبي إلى مشيئته ... متبعاً في الهوى ومتبعا ورب قلب يقول صاحبه ... تعساً لقلبي فبئس ما صنعا يا من تعريتُ من تعطفه ... ومن كساه وتعطفي خلعا ما هبت الريح من بلادكم ... إلا تقطعت إثركم قطعا ولا استقلت من نحو بلدتنا ... إلا تمنيت أن نكون معا ومما يستحسن له قوله أيضاً، وهي أيضاً كأنها أعرابية: رميننا خمسة ورموا نُعيماً ... وكان الموت للفتيان زينا فلما لم ندع ندباً ورمحا ... بركنا للكلاكل فارتمينا فإنك لو رأيت بني أبينا ... وشدتهم وعكرتهم علينا لعمر الباكيات على نعيم ... لقد عزت رزيته علينا فلا تبعد نعيم فكل حي ... سيلقى من صروف الدهر حينا أخبار أشجع السلمي حدثني أبو علي الحسين بن بسطام قال: قال أبو تمام الطائي: كان أشجع السلمي رديء المنظر قبيح الوجه، مصاباً بعين، وكان على قلب الرشيد ثقيلاً من بين الشعراء، فدخل عليه يوماً فقال: يا أمير المؤمنين

стр. 235

إن رأيت أن تأذن لي في إنشادك، فإني إن لم أظفر منك ببغيتي في هذا اليوم فلن أظفر بها. قال: وكيف؟ قال: لأني مدحتك بشعر لا أطمع من نفسي ولا من غيري في أجود منه، فإن أنا لم أهزك في هذا اليوم فقد حرمت منك ذلك إلى آخر الدهر. فقال: هات أذن نسمع، فأنشده قصيدته الميمية التي يقول فيها: وعلى عدوك يا ابن عم محمد ... رصدان ضوء الصبح والإظلام فإذا تنبه رعته وإذا هدا ... سلت عليه سيوفك الأحلام فلما بلغ هذين البيتين اهتز الرشيد وارتاح وقال: هذا والله المدح الجيد والمعنى الصحيح، لا ما عللت به مسامعي هذا اليوم - وكان أنشده في ذلك اليوم جماعة من الشعراء - ثم أنشده قصيدته التي على الجيم وهي قوله: ملك أبوه وأمه من نبعة ... منها سراج الأمة الوهاج شربا بمكة في ذرا بطحائها ... ماء النبوة ليس فيه مزاج فلما سمع هذين البيتين كاد يطير ارتياحاً ثم قال: يا أشجع، لقد دخلت إليّ وأنت أثقل الناس على قلبي، وإنك لتخرج من عندي وأنت أحب الناس إليّ. فقال له: فما الذي أكسبتني هذه المنزلة؟ قال له: الغنى، فاسأل ما بدا لك. قال: ألف ألف درهم. قال: ادفعوا إليه. ومما يستجاد له قوله في الرشيد: قصر عليه تحية وسلام ... نشرت عليه جمالها الأيام فيه اجتلى الدنيا الخليفة والتقت ... للملك فيه سلامة ودوام كانت كنوز مآثر فأثارها ... ملك على آرائه عزام من لي بالعصرين يعتوراني ... والعام يدفع في قفاه العام

стр. 236

أدناك من ظل النبي وسيلة ... وقرابة وشجت بها الأرحام وصلت يداك السيف يوم تعطلت ... أيدي الرجال وزلت الأقدام وهي مختارة يقول فيها: وعلى عدوك يا ابن عم محمد.......... ومختار شعره في الرشيد وف مكة. فمما له في الرشيد قوله، وقد ركب في يوم عيد ركبة لم ير الناس مثلها أحسن هيئة وأتم زينة وأكمل أداة وأكثر قواداً وجنداً: لا زلت تنشر أعياداً وتطويها ... تمضي بها لك أيام وتثنيها مستقبلاً جدة الدنيا وبهجتها ... أيامها لك نظم في لياليها العيد والعيد والأيام بينهما ... موصولة لك، لا تفنى وتفنيها ليهنك النصر والأيام مقبلة ... بالنصر والعز معقود نواصيها والقصيدة طويلة، وهي مشهورة، فاقتصرنا على ذكرها. ولأشجع في محمد بن منصور بن زياد يرثيه بقصيدته التي أولها: أنعى فتى الجود إلى الجود ... ما مثل من أنعى بموجود أنعى فتى أصبح معروفة ... منتشراً في البيض والسود أنعى فتى مص الثرى بعده ... بقية الماء من العود أنعى فتى كان بمعروفه ... يملأ ما بين ذرا البيد قد ثلم الدهر به ثلمة ... جانبها ليس بمسدود فأصبحا بعد تساميهما ... قد جمعا في بطن ملحود

стр. 237

الآن تخشى عثرات الندى ... وعدوة البخل على الجود وأشجع هو القائل في ابن صبيح: له نظر ما يغمض الأمر دونه ... تكاد ستور الغيب عنه تمزق ويختار له مرثيته في أخيه: خليلي لا تستبعدا ما انتظرتما ... فغير بعيد كل ما كان آتيا ألا تريان الليل يطوي نهاره ... وضوء النهار كيف يطوي اللياليا هما الفتيان المرديان إذا انقضت ... شبيبة يوم عاد آخر ناشيا ويمنعني من لذة العيش أنني ... أراه إذا فارقت لهوا برانيا كأن يمني يزم فارقت أحمدا ... أخي وشقيقي فارقتها شماليا وأشجع هو الذي يقول: داء قديم في بني آدم ... صبوة إنسان بإنسان أخبار العباس بن الأحنف حدَّثني إبراهيم بن معلى البصري قال: حدَّثني محمد بن عامر الحنفي قال: كان العباس بن الأحنف من بني حنيفة، وكان شاعراً ظريفاً ومفوهاً منطقياً مطبوعاً، وكان يتعاطي الفتوة على ستر وعفة، وله مع ذلك كرمٌ ومحاسن أخلاق وفضل من نفسه، وكان جواداً لا يليق درهماً ولا يحبس ما يملك، ويكنى أبا الفضل. حدَّثنا جابر بن عمرو الباهلي قال: حدثني ابن أبي العلاء قال:

стр. 238

كان العباس بن الأحنف منشؤه ببغداد وكان من بني حنيفة، ويدلك على ذلك قوله: فإن يقتلوني لا يفوتوا بمهجتي ... مصاليت قومي من حنيفة أو عجل حدَّثني عون بن جعفر عن محمد بن روح قال: وقع بين مسلم بن الوليد صريع الغواني وبين العباس بن الأحنف تهاجٍ في أمر كان بينهما، فقال له مسلم يهجوه: بنو حنيفة لا يرضى الدعي بهم ... فاترك حنيفة واطلب غيرها نسبا اذهب إلى عرب ترضى بنسبهم ... إني أرى لك وجهاً يشبه العربا وحدثني أبو مالك عن الأجلح بن يزيد قال: كان العباس بن الأحنف صاحب غزل، رقيق الشعر، يشبه في عصره بعمر بن أبي ربيعة المخزومي في عصره، ولم يكن يمدح ولا يهجو، إنما كان شعره كله، في الغزل والوصف، وهو الذي يقول: أشكو الذين أذاقوني مودتهم ... حتى إذا أيقظوني في الهوى رقدوا لأخرجن من الدنيا وحبهم ... بين الجوانح لم يشعر به أحد ألقيت بيني وبين الهم معركة ... فليس تنفد حتى ينفد الأبد ومما يستحسن له قوله: لو كنت عاتبة لسكن لوعتي ... أملي رضاك، وزرت غير مراقب لكن مللت فلم تكن لي حيلة ... صد الملول خلاف صد العاتب ما ضر من قطع الرجاء ببخله ... لو كان عللني بوعد كاذب وهذا المعنى يشبه قول الشاعر: أميتني، فهل لك أن تردى ... حياتي من مقالك بالغرور

стр. 239

أرى حبيبك ينمي كل يوم ... وجورك في الهوى عدلا فجوري ومن بديع ما للعباس وطريفه ما ليس لأحد في معناه شيء يدانيه قوله: أحرم منكم بما أقول وقد ... نال به العاشقون من عشقوا صرت كأني ذبالة نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق وهو القائل أيضاً: هبوني أغص إذا ما بدت ... وأمنع طرفي ولا أنظر فكيف استتاري إذا ما الدموع ... نطقن فبحن بما أضمر؟ ومن بدائعه المليحة قوله: بكت غير آنسة بالبكاء ... ترى الدمع في مقلتيها غريباً وأسعدها نسوة بالبكاء ... جعلن مغيض الدموع الجيوبا أيا من تعلقته ناشئاً ... وشبت وما آن لي أن أشيبا ويا من دعاني إلى حبه ... فلبيت حين دعاني مجيبا وكم باسطين إلى حبلنا ... أكفهم لم ينالوا نصيبا لعمري لقد كذب الزاعمون ... بأن القلوب تجاري القلوبا ولو كان حقاً كما يزعمون ... لما كان يشكو محب حبيبا وأنت إذا ما وطئت الترا ... ب صار ترابك للناس طيبا وذكر أن الرشيد هجر جاريته ماردة وهي أم المعتصم، وكان يموت من عشقها، فتكبر أن يبدأها بالصلح، وتكبرت هي أيضاً، فصبرا على ذلك بأمر عيش، وكاد الرشيد يتلف. وكان وزيره الفضل بن الربيع، فأحضر

стр. 240

الفضل العباس بن الأحنف، وعرفه القصة وقال: في ذلك شيئاً، فقال: العاشقان كلاهما متجنب ... وكلاهما متعتب متغضب صدت مهاجرة وصد مهاجراً ... وكلاهما مما يعالج متعب إن التجانب إن تطاول منهما ... دب السلو له فعز المطلب فبعث إليه الفضل بالأبيات، فسر بها سروراً، ولم يستتم الرشيد قراءتها حتى قال العباس أيضاً بيتين في ذلك هما: لا بد للعاشق من وقفة ... تكون بين الوصل والصرم حتى إذا الهجر تمادى به ... راجع من يهوى على الرغم فاستحسن الرشيد إصابته حالهما، وقال: والله لأصالحنها كما قال. وعرفت ماردة السبب في الشعر. ولم تدر من قائله. فسألت الرشيد فقال: لا أدري من صاحب الشعر. ولكن الفضل بن الربيع بعث به، فأرسلت إلى الفضل تسأله، فأعلمها، فأمرت له بألف دينار، وأمر له الرشيد بألفي دينار، وأمر له الفضل بخمسمائة دينار. ومن بدائعه وصفه تمشي المرآة بالهوينا: كأنها حين تمشي في وصائفها ... تمشي على البيض أو فوق القوارير أخبار سعيد بن وهب حدَّثني ابن البختكان عن أبي بكر بن العلاء البصري قال: سعيد بن وهب الشاعر من أهل البصرة، وهو مولى لربيعة. وحدثني إبراهيم بن ميمون قال: حدثني أحمد بن عبد السلام قال: وجه الرشيد بمسرور الكبير إلى يحيى بن خالد بن برمك، والفضل بن يحيى، وذوي أنسابهم، وهم في الحبس، يتعرف على حالهم، فصار إليهم،

стр. 241

فوجد الفضل بن يحيى ساجداً، فهتف به فلم يجبه، فدنا منه فوجده نائماً يغط، فرجع إلى الرشيد فأعلمه فقال له: ما كان عليه من اللباس؟ قال: كان في ثوب سمل - وكان هذا في الشتاء والبرد الشديد - فقال لمسرور: خذ ذلك الدواج فألقه عليه ولا تنبه؛ ففعل. فلما كان في الغد زاره سعيد بن وهب الشاعر، وكان يألفهم أيام نعمتهم وكانوا إليه محسنين، فكان يرعى لهم - أيام محنتهم - ذلك. فلما دخل عليهم قال: ما هذا الدواج، وقد كنت عندكم أمس ولم أره؟ فأخبروه فقال: نرجو أن يكون هذا سبب الرضا، وجلس يحدثهم، إذ مر إنسان في الشارع ينادي على خشف يبيعه، يدور به على القصور، فلما سمع الفضل ذكر الخشف غشي عليه، وصار كأنه ميت، فنضحوا الماء عليه وغمزوا أطرافه ساعة حتى أفاق، فقالوا له: ما قصتك؟ قال: سمعت ذكر الخشف - يعني جارية كان يهواها، يقال لها خشف - وهي سروري من الدنيا، فظننت أن خبرها قد رفع إلى الرشيد، وأنه عرض لها بسوء، فذهبت نفسي. فقيل له: إنما هو إنسان يبيع خشفاً. فلم يطمئن إلى ذلك حتى دعا السجان فسأله، فدعا الرجل حتى دخل عليه ومعه الخشف، فرآه بعينه فسكنت نفسه، قال لسعيد: أي شيء يشبه خبر هذا من أخبار الناس وأيامهم؟ قال سعيد: قول مجنون بني عامر حيث يقول: وداع دعا إذ نحن بالخيف من منّي ... فهيج أحزان الفؤاد وما يدري دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائراً كان في صدري قال: أحسنت والله وأجدت، هذا وأبيك يشبه ما نحن فيه، فخذ بالله

стр. 242

هذا الدواج. قال سعيد: فقلت: والله لا أخذته على هذه الحالة. فقال: والله لتأخذنه فإن وقع الرضا كان عندنا مثله كثير، وإن لم يكن إلا ما نحن فيه فأنت أحق بذلك، هذا ليس مما تتغير به حال. فقلت له: جعلت فداك، شيء برك به أمير المؤمنين، ولا شك أن السجان يمنعني من إخراجه، قال: فبعث إلى السجان فقال له: إني قد وهبته له فلا تمنعه من إخراجه، فقال السجان أنا لا أمنعه. ولكن اكتب إلى مسرور الخادم فأعلمه، قال: فكتب إليه، فكثر عجبه منه، وأعلم الرشيد بما فعل فأطرق الرشيد ملياً وقال: ما وهبته له وأنا أعترض عليه في شيءٍ يفعله به؛ ليهبه من يشاء. فلما قام سعيد ليخرج من عند الفضل قال له: ها هنا شيء قال: وما هو؟ قال: إنه سيعرض لك، ويذهب لك إلى الرشيد، فيسألك عن السبب، ويقول لك: بأي شيء وهب لك الدواج؟ فإن أنت ذكرت له خشف أهلكتني. قال له سعيد: فما أصنع؟ فقال له الفضل: قل: تحدثنا ببعض أخبارك وملحك، فإذا سألك فقل: حديث كيت وكيت، فوهبه لي. قال سعيد: والله ما أدري ما أحدثه، قال لا بد من ذلك، فتفكر في شيء يكون عندي علامة فأينا سئل عن السبب خبر به، فلم يختلف الخبران قلت: كانت لي دار، ولها باب صغير في زقاق، سوى بابي المعروف الذي إلى الشارع، وكان لا يدخل إليّ من هذا الباب الصغير إلا المرد فقط. فأتى الخادم الموكل بذلك الباب يوماً فقال لي: فتى له لحية يستأذن عليك من هذا الباب الصغير فقلت له: صيره إلى الباب الكبير، فخرج إليه ثم رجع فقال: قلت له فأبى. وزعم أنه لا يدخل إلا من هذا

стр. 243

الباب، فإن رسمه كذلك، فقمت فأطلعت من شق الباب، وإذا حريف لي غاب عن البلدة غيبة فرجع وهو ملتح وجاء للعادة من ذلك الباب، فكتبت إليه: قل لمن رام بجهل ... مدخل الظبي الغرير بعد ما علق في خدي ... هـ مخلاة الشعير انفلت وادخل إذا شئ ... ت من الباب الكبير ووجهت الرقعة إليه، فلما قرأها ضحك وجاء إلى الباب الكبير واستأذن، فأذنت له ودخل. فقال له الفضل: أحسنت والله وملحت وقام فكتب الأبيات على الحائط وقال: امض في حفظ الله: فلما خرج سعيد عرض له: فذهب به إلى الرشيد، قال سعيد بن وهب: فلما دخلت عليه، صاروا بي إلى مجلس كان بيني وبينه سجف فسلمت فرد السلام. ثم قال: يا سعيد، بم حدثت الفضل حتى وهب لك الدواج؟ فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني، فإنه كان شيء في أيام الحداثة والجهالة. قال: لا بد منه. قلت: يا أمير المؤمنين، أنت إمام، ولا يجوز أن أحدثك مثل هذا من غير أمان، أفأنا آمنٌ حتى أحدثك؟ قال: تحدث وأنت آمن. قال: فحدثته الحديث، وأنشدته الشعر. فضحك وقال: يا غلام أعط سعيداً ثلاثين ألف درهم. ثم قال: يا سعيد آنس القوم بحديثك، وأكثر من زيارتهم.

стр. 244

وكان سعيد يرمي بالأبنة، وكان شاعراً مفلقاً، يناضل أبا الصلت الشاعر، وفي سعيد يقول أبو الصلت: قولاً لفضل يا بن الأولى ملكوا ال ... أرض على رغم من ينازعها بابن وهب داء يعالجه ... أدم ظباء نجل مدامعها يغدو على صيدها وليس له ... إلا ذكور الظباء يافعها وهو بروس الظباء يهتف في النا ... س وإضماره أكارعها ومما يستحسن من شعر ابن وهب قوله: كنت يوم العيد عبداً ... لبني أم أبيها هائماً أبتعهم أو ... كنت بالعبد شبيها فلعمر الله ما ذ ... لك من حب بنيها لا ولكن لغزال ... هو مولى لأخيها وفي مجونه يقول: وقل لمن كان أمرداً يضع ال ... معروف من قبل آفة الشعر كأنهم بعد بهجة درست ... ركب عليهم عمائم السفر وصرت بعد بهجة بهم ... أصرف عنهم إذا بدوا بصري وله أيضاً صبحك الرحمن يا سيدي ... ما عشت بالخير ومساكا أحمل الدهر وأوقاته ... كل البلايا غير شكواكا خبرني من كنت ساءلته ... عن حال ممساك وحماكا بكل ما أهوى ولكنه ... قطع قلبي عند ذكراكا

стр. 245

لا خير في الدنيا إذا لم أكن ... أسمع فيها حسن نجواكا كان سعيد من المجيدين، وقد مدح الخلفاء والوزراء: وكان ذا مروءة وقدر. أخبار العتابي واسمه كلثوم بن عمرو، وهو من بني تغلب، من ولد عمرو بن كلثوم التغلبي قاتل عمر بن هند. ويكنى أبا عمرو، من أهل قنسرين. حدَّثني ابن أبي الخوصاء قال: حدثني عمي قال: حدَّثني أبو الهذيل قال: دخل العتابي على المأمول فكلمه بكلام أحسن فيه وأوجز. قلت: وما ذاك الكلام يا أبا هذيل؟ فإن كلاماً استحسنه لحسن، قال: قال له المأمون: يا عتابي تلكم، فقال: يا أمير المؤمنين الإيناس قبل الإبساس إن المرء لا يحمد أول أمره على صواب، ولا يذم على خطإ، لأنه بين حالين: من كلام قد سواه أو حصر تعناه، ولكن يبسط بالمؤانسة، ويبحث بالمناقشة. فأعجب المأمون بكلامه. وحدثني إبراهيم بن عمرو الأسدي الموصلي عن ابن جابر الكاتب قال: كتب العتابي لأبي يوسف القاضي: أما بعد، فخف الله الذي أنعم عليك بتلاوة كتابه، واحذر أن يكون لسانك عدة للفتنة، وعملك ردءا

стр. 246

للمعتدين، فإن أئمة الجور إنما يكيدون الصالحين باستصحاب أهل العلم. وحدثني ورقاء بن محمد العجلي قال: حدثني أبو صاعد قال: كان العتابي مجيداً مقتدراً على الشعر عذب الكلام، وكاتباً جيد الرسائل حاذقاً، وقلما يجتمع هذا لأحد، ولما اشخصه المأمون إليه دخل عليه قال له المأمون: بلغتني وفاتك فساءتني ثم بلغتني وفادتك فسرتني. فقال: يا أمير المؤمنين. لو قسمت هذه الكلمة على أهل الأرض لوسعتهم، وذلك أنه لا دين إلا بك، ولا دنيا إلا معك. فسر المأمون بكلامه وقال له: سلني. قال: يا أمير المؤمنين، يدك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة. وحدثني جعفر المالكي قال: ما سمعت كلاماً قط. لأحد من المتكلمين أحسن من كلام العتابي. وما رأيت كاتباً تقلد الشعر مع الكتابة إلا وجدته ضعيف الشعر غيره، فإنه كان فحل الشعر جيد الكلام. ومما يستحسن له من شعره قوله: ردت إليك ندامتي أملي ... وثني إليك عنانة شكري وجعلت عتبك عتب موعظة ... ورجاء عفوك منتهى عذري ومما يستحسن تجنب دار العامرية إنها ... تكلفه عهد الصبا والكواعب منازل لم تنظر بها العين نظرة ... فتقلع إلا عن دموع سواكب ولا وصل إلا أن تعاج مطية ... على دارس الأعلام عافي الملاعب

стр. 247

ومن بديع ما روي له أيضاً قوله: ماذا عسى قائل يثني عليك وقد ... ناجاك في الوحي تقديس وتطهير فت المدائح إلا أن ألسننا ... مستنطقات بما تخفي الضمائير ويستحسن له أيضاً قوله: ماذا شجاك بحوارين من طلل ... ودمنة حسرت عنها الأعاصير شجاك حتى ضمير القلب مشترك ... والعين إنسانها بالماء مغمور لبست أردية النوار من طلل ... وزلت أخضر تعلوك الأزاهير ومما يستحسن له قوله: عرفت مصيفاً من سليمى ومربعاً ... بذروة نمود فأكناف بلتعا بلادٌ تشتاها الوحوش وترتعي ... قواماً من البهمي وجاراً مدعدعا ترود بها الأدم المتالي وربما ... تراها محلاً من أناس ومجمعا وله أيضاً: صدت نوار فصد واجتنبا ... وطوت فأعرض دونها السببا فكأنما وصلت بمقلته ... تمثالها من حيث ما ذهبا وله أيضاً: رمى القلب يأسٌ من سليمى فاقصدا ... وكان بها هيامة القلب مهندا وهي قصيدة مشهورة جيدة، وأشعار العتابي كلها عيون ليست فيها بيت ساقط.

стр. 248

أخبار دعبل بن علي الخزاعي حدَّثني أبو العباس المبرد قال: كنت منحدراً من سر من رأى، فأدركني المساء فأمرت الملاح أن يقرب الزروق مظلل قد قرب من الشط لنبيت هناك. وكان عند غروب الشمس، فإذا أنا بزورق مظلل قد قرب من الشط، فلما صار إلى الشط خرج منه خادم معه قوس بندق، قم خرج آخر معه خريطة بندق، ثم خرج بعدهم شيخ بهيّ وضيء الوجه قد انحنى على خادم، فلما رأيته قلت في نفسي: ما أشك أن هذا الرجل من أهل النعمة. وقل ما يكون من النعمة إلا أديب وإما وحيد فتبعته وقد أخذ قوس بندق، فرمى عصفوراً فأخطأ. ثم رمى فأخطأ، ثم رمى ثالثاً فأخطأ، فناول القوس بعض الخدم وقال: " نرمي العصافير فنخطيهنّ " قال المبرد: فقلت على البديهة: رمياً ضعيفاً ليس يوذيهن فقال الشيخ: من هذا الذي يجيز عليّ؟ فقلت: أنا - جعلت فداك - المبرد، فمن أنت يا سيدي؟ قال: أنا دعبل. فأسرعت إليه وقبلت يده، ولم أزل أوانسه حتى دخل بغداد، فلما أردت أن أنصرف عنه إلى منزلي منعني وقال: فبمن أسر إذا انصرفت؟ فقلت: جعلت فداك، إن مفارقتك لتشق عليّ، ولكن أنا معذور هذا الوقت، وأعود بعد فنستأنس. فأذن لي. حدَّثني اليزيدي قال: قال رجل لابن الزيات: لم لا تجيب دعبلا عن

стр. 249

قصيدته التي هجاك فيها؟ قال: إن دعبلاً قد نحت خشبته وجعلها على عنقه، يدور بها يطلب من يصلبه بها منذ ثلاثين سنة وهو لا يبالي ما قال هؤلاء وما فعل له. وحدثني إبراهيم بن محمد قال: كان دعبل يخرج إلى خراسان والمأمون بها، والرضا ﵇ معه هناك، فيمدحها فيجزلان له العطية، وكان يجتاز بقم فيقيم عند شيعتها فيسقطون له في كل سنة خمسين ألف درهم، وكان بقم إنسان يتعاطى الشعر، يقول شيئاً ضعيفاً يضحك منه. وأنشد دعبل شيئاً من شعره، فقال للمنشد، أمسك فإن استماع هذا يصدأ منه السمع. فبلغ الرجل ذلك فصار إليه وقال له: أنت الذي رذلت شعري؟ قد قلت فيك أبياتاً. فقال له: هات، فقال: في است دعبل بلابل ... ليس يشفى لقابل ليس يشفيه إلا ... أير بغل بكابل قال: فسقط في يده وقال: والله ليسرن شعر هذا الجيفة على ألسنة العامة الصبيان، وقال: أعطيك شيئاً وتكتم هذه الأبيات ولا ترويها؟ قال: وما أريد غير ذلك، وكان خفيف الحال، فقال: أعطوه مائة درهم، فقال: والله لا أخذت إلا ألفاًن فقبضه وخرج، فقلنا له: ما صنعت؟ هذا يدفع إليه من درهم إلى درهمين وقد كان يرضيه منك خمسة دراهم، فقال: دعوني من هذا، والله لو احتكم على الخمسين الألف التي قسمت لي بقم لدفعتها إليه. ثم خرج دعبل، وشاع ذلك في البلاد، فهتف به الغوغاء، والسفل

стр. 250

والعبيد، واحتاج أن يدع البلد بعد ذلك ولا يدخله. وقصد إلى دعبل شاعر فقال: إني مدحتك، فقال: أوتعرفني؟ قال: نعم، أنت دعبل. قال: إذن فإنشد. فأنشده: لقائل قلت وقد قال ليأكرم من تسأله دعبل أيطلب السائل من سائل؟ ... فقال لي: السائل لا يبخل لبئس ما قدر في نفسه ... أن يسأل الناس ولا يسأل قال: فوصله وأكرمه. ومما يستملح لدعبل أرجوزته في المأمون وهي فصيحة سهلة يقول فيها: يا سلم ذات الوضح العذاب ... وربة المعصم ذي الخضاب والكفل الرجراج في الحقاب ... والفاحم الأسود كالغراب بحق تلك القبل في الحقاب ... بعد التجني منك والعتاب إلا كشفت اليوم عني ما بي ومما يستحسن له قوله: وبدل ضيفي في الظلام على القري ... إشراق ناري أو نباح كلابي حتى إذا واجهته ولقينه ... حيينه ببصابص الأذناب فتكاد من عرفان ما قد عودت ... من ذاك أن يفحصن بالترحاب وله في أبي سعد المخزومي: إن أبا سعد على مجونه ... ورقة في عقله ودينه
следующие страницы →