Полный текст (439 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
للمعتدين، فإن أئمة الجور إنما يكيدون الصالحين باستصحاب أهل العلم. وحدثني ورقاء بن محمد العجلي قال: حدثني أبو صاعد قال: كان العتابي مجيداً مقتدراً على الشعر عذب الكلام، وكاتباً جيد الرسائل حاذقاً، وقلما يجتمع هذا لأحد، ولما اشخصه المأمون إليه دخل عليه قال له المأمون: بلغتني وفاتك فساءتني ثم بلغتني وفادتك فسرتني. فقال: يا أمير المؤمنين. لو قسمت هذه الكلمة على أهل الأرض لوسعتهم، وذلك أنه لا دين إلا بك، ولا دنيا إلا معك. فسر المأمون بكلامه وقال له: سلني. قال: يا أمير المؤمنين، يدك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة.
وحدثني جعفر المالكي قال: ما سمعت كلاماً قط. لأحد من المتكلمين أحسن من كلام العتابي. وما رأيت كاتباً تقلد الشعر مع الكتابة إلا وجدته ضعيف الشعر غيره، فإنه كان فحل الشعر جيد الكلام.
ومما يستحسن له من شعره قوله:
ردت إليك ندامتي أملي ... وثني إليك عنانة شكري
وجعلت عتبك عتب موعظة ... ورجاء عفوك منتهى عذري
ومما يستحسن
تجنب دار العامرية إنها ... تكلفه عهد الصبا والكواعب
منازل لم تنظر بها العين نظرة ... فتقلع إلا عن دموع سواكب
ولا وصل إلا أن تعاج مطية ... على دارس الأعلام عافي الملاعب
стр. 247
ومن بديع ما روي له أيضاً قوله:
ماذا عسى قائل يثني عليك وقد ... ناجاك في الوحي تقديس وتطهير
فت المدائح إلا أن ألسننا ... مستنطقات بما تخفي الضمائير
ويستحسن له أيضاً قوله:
ماذا شجاك بحوارين من طلل ... ودمنة حسرت عنها الأعاصير
شجاك حتى ضمير القلب مشترك ... والعين إنسانها بالماء مغمور
لبست أردية النوار من طلل ... وزلت أخضر تعلوك الأزاهير
ومما يستحسن له قوله:
عرفت مصيفاً من سليمى ومربعاً ... بذروة نمود فأكناف بلتعا
بلادٌ تشتاها الوحوش وترتعي ... قواماً من البهمي وجاراً مدعدعا
ترود بها الأدم المتالي وربما ... تراها محلاً من أناس ومجمعا
وله أيضاً:
صدت نوار فصد واجتنبا ... وطوت فأعرض دونها السببا
فكأنما وصلت بمقلته ... تمثالها من حيث ما ذهبا
وله أيضاً:
رمى القلب يأسٌ من سليمى فاقصدا ... وكان بها هيامة القلب مهندا
وهي قصيدة مشهورة جيدة، وأشعار العتابي كلها عيون ليست فيها بيت ساقط.
стр. 248
أخبار دعبل بن علي الخزاعي
حدَّثني أبو العباس المبرد قال: كنت منحدراً من سر من رأى، فأدركني المساء فأمرت الملاح أن يقرب الزروق مظلل قد قرب من الشط لنبيت هناك. وكان عند غروب الشمس، فإذا أنا بزورق مظلل قد قرب من الشط، فلما صار إلى الشط خرج منه خادم معه قوس بندق، قم خرج آخر معه خريطة بندق، ثم خرج بعدهم شيخ بهيّ وضيء الوجه قد انحنى على خادم، فلما رأيته قلت في نفسي: ما أشك أن هذا الرجل من أهل النعمة. وقل ما يكون من النعمة إلا أديب وإما وحيد فتبعته وقد أخذ قوس بندق، فرمى عصفوراً فأخطأ. ثم رمى فأخطأ، ثم رمى ثالثاً فأخطأ، فناول القوس بعض الخدم وقال: " نرمي العصافير فنخطيهنّ " قال المبرد: فقلت على البديهة: رمياً ضعيفاً ليس يوذيهن فقال الشيخ: من هذا الذي يجيز عليّ؟ فقلت: أنا - جعلت فداك - المبرد، فمن أنت يا سيدي؟ قال: أنا دعبل. فأسرعت إليه وقبلت يده، ولم أزل أوانسه حتى دخل بغداد، فلما أردت أن أنصرف عنه إلى منزلي منعني وقال: فبمن أسر إذا انصرفت؟ فقلت: جعلت فداك، إن مفارقتك لتشق عليّ، ولكن أنا معذور هذا الوقت، وأعود بعد فنستأنس. فأذن لي. حدَّثني اليزيدي قال: قال رجل لابن الزيات: لم لا تجيب دعبلا عن
стр. 249
قصيدته التي هجاك فيها؟ قال: إن دعبلاً قد نحت خشبته وجعلها على عنقه، يدور بها يطلب من يصلبه بها منذ ثلاثين سنة وهو لا يبالي ما قال هؤلاء وما فعل له.
وحدثني إبراهيم بن محمد قال: كان دعبل يخرج إلى خراسان والمأمون بها، والرضا ﵇ معه هناك، فيمدحها فيجزلان له العطية، وكان يجتاز بقم فيقيم عند شيعتها فيسقطون له في كل سنة خمسين ألف درهم، وكان بقم إنسان يتعاطى الشعر، يقول شيئاً ضعيفاً يضحك منه. وأنشد دعبل شيئاً من شعره، فقال للمنشد، أمسك فإن استماع هذا يصدأ منه السمع. فبلغ الرجل ذلك فصار إليه وقال له: أنت الذي رذلت شعري؟ قد قلت فيك أبياتاً. فقال له: هات، فقال:
في است دعبل بلابل ... ليس يشفى لقابل
ليس يشفيه إلا ... أير بغل بكابل
قال: فسقط في يده وقال: والله ليسرن شعر هذا الجيفة على ألسنة العامة الصبيان، وقال: أعطيك شيئاً وتكتم هذه الأبيات ولا ترويها؟ قال: وما أريد غير ذلك، وكان خفيف الحال، فقال: أعطوه مائة درهم، فقال: والله لا أخذت إلا ألفاًن فقبضه وخرج، فقلنا له: ما صنعت؟ هذا يدفع إليه من درهم إلى درهمين وقد كان يرضيه منك خمسة دراهم، فقال: دعوني من هذا، والله لو احتكم على الخمسين الألف التي قسمت لي بقم لدفعتها إليه. ثم خرج دعبل، وشاع ذلك في البلاد، فهتف به الغوغاء، والسفل
стр. 250
والعبيد، واحتاج أن يدع البلد بعد ذلك ولا يدخله.
وقصد إلى دعبل شاعر فقال: إني مدحتك، فقال: أوتعرفني؟ قال: نعم، أنت دعبل. قال: إذن فإنشد. فأنشده:
لقائل قلت وقد قال ليأكرم من تسأله دعبل
أيطلب السائل من سائل؟ ... فقال لي: السائل لا يبخل
لبئس ما قدر في نفسه ... أن يسأل الناس ولا يسأل
قال: فوصله وأكرمه.
ومما يستملح لدعبل أرجوزته في المأمون وهي فصيحة سهلة يقول فيها:
يا سلم ذات الوضح العذاب ... وربة المعصم ذي الخضاب
والكفل الرجراج في الحقاب ... والفاحم الأسود كالغراب
بحق تلك القبل في الحقاب ... بعد التجني منك والعتاب
إلا كشفت اليوم عني ما بي
ومما يستحسن له قوله:
وبدل ضيفي في الظلام على القري ... إشراق ناري أو نباح كلابي
حتى إذا واجهته ولقينه ... حيينه ببصابص الأذناب
فتكاد من عرفان ما قد عودت ... من ذاك أن يفحصن بالترحاب
وله في أبي سعد المخزومي:
إن أبا سعد على مجونه ... ورقة في عقله ودينه
стр. 251
يبترك الدهر على جبينه ... لحية تنساب في تسعينه
يزرع قثا جاره في تينه
ولدعبل في القرى:
عللاني بسماع وطلا ... وبضيف طارق يبغي القرى
نغمات الضيف أحلى عندنا ... من رغاء الشاء في ذات الرغا
ننزل الضيف إذا ما حل في ... حبة القلب وألواذ الحشا
رب ضيف تاجر أخسرته ... بعته المطعم وابتعت الثنا
أبغض المال إذا جمعته ... إن بغض المال من حب العلا
إنما العيش خلال خمسة ... حبذا تلك خلالا حبذا
خدمة الضيف، وكأس لذة ... ونديم، وفتاة، وغنا
وإذا فاتك منها واحد ... نقص العيش بنقصان الهوى
وهو صاحب القصيدة التائية في آل الرسول صلوات الله عليه وسلم، وهي التي أولها:
مدارس آيات خلت من تلاوة ... ومنزل وحي مقفر العرصات
وهي أشهر من الشمس، ولا حاجة بنا إلى تضمينها ولا تضمين شيء منها. وهو صاحب التائية الأخرى التي أولها:
طرقتك طارقة المني ببيات ... لا تظهري جزعاً فأنت بدات
في حب آل المصطفى ووصيه ... شغل عن اللذات والقينات
إن النشيد بحب آل محمد ... أزكى وأنفع لي من القنيات
стр. 252
فاحش القصيد بهم فرغ فيهم ... قلباً حشوت هواه باللذات
واقطع حباله من يريد سواهم ... في حبه تحلل بدار نجاة
وهي أيضاً طويلة مشهورة فتركنا أيرادها.
أخبار الحسين بن الضحاك الباهلي
حدَّثني أبو منصور الخزري قال: حدَّثني النوفلي قال: قال محمد بن عباد المهلبي: قال لي المأمون، وقد قدمت من البصرة: كيف خلفت ظريف مصركم، ومن بدار أبي علي حكميكم - يعني أبا نواس - قلت: ومن يعني أمير المؤمنين؟ قال: من أنت عارف به ذاك الحسين ابن الضحاك الشاعر، أليس هو القائل:
رأى الله عبد الله خير عباده ... فملكه والله أعلم بالعبد
ثم قال: اكتب إليه واستقدمه. قلت: يا أمير المؤمنين، إن علته تمنعه من ذلك. قال: فخذ كتابنا إلى عاملنا بالبصرة بألف دينار يدفعه إليه. وقال الحسين بن الضحاك: كنت يوماً من أيام الشتاء بالمسجد الجامع بالبصرة، إذ جاء أبو نواس وعليه جبة خز سرية جيدة جداً، وما كنت عهدت أنها له، فقلت: يا أبا علي، من أين لك هذه؟ قال: وما عليك
стр. 253
من حيث جاءت منه. فأفكرت في أمره، فوقع لي أنه أخذها في تلك الساعة من مويس بن عمران، لأني كنت رأيته أقبل من باب بني تميم، فقمت كأني أريد، وخرجت من المسجد، فإذا بمويس، قد لبس جبة أسرى من تلك الجبة فقلت: كيف أصبحت يا أبا عمران قال بخير صبحك الله به. قلت: يا كريم الإخاء للإخوان قال: أسمعك الله خيراً يا أخي. قلت:
إن لي حاجة فرأيك فيها ... أنا فيها وأنت لي سيان
قال: هاتها على اسم الله. قلت:
جبة من جبابك الخز كيما ... لا يراني الشتاء حيث يراني
فضم يده إلى صدره وقال: خذها على بركة الله، فخلعتها عنه ولبستها، وجئت وأبو نواس مكانه بعد، فلما رآها على قال: من أين جاءتك هذه الجبة؟ قلت: من حيث جاءت تلك. أعني ما عليه.
ومما يستحسن من شعره قوله في المجون:
وشاطري اللسان مختلق التكري ... هـ شاب المجون بالنسك
بات بغمي يرتاد صالية النا ... ر ويكني عن أبيت الملك
стр. 254
دسست صفراء كالشعاع له ... من كف علج يدين بالإفك
يحلف في طبخها بملته ... ودين موسى ومنشئ الفلك
حتى إذا رنحته سورتها ... وأبدلته السكون بالحرك
كشفت عن عجنة مزعفرة ... في لين صينية من الفنك
فكان ما كان لا أبوح به ... في الناس من هاتك ومنتهك
وقد نسب العوام هذا أبي نواس، وذلك منحول، إنما هو للحسين ابن الضحاك.
ومما يستحسن له قوله:
محب نال مكتتما مناه ... وأسعده الحبيب على هواه
فأصبح لا يلام بما جناه ... من التقصير إنسان سواه
أسر ندامة الكسعي لما ... رأت عيناه ما فعلت يداه
وله في بعض الملوك:
سيبقى فيك ما يهدي لساني ... إذا فنيت هدايا المهرجان
قصائد تملأ الآفاق مما ... أحل الله من بسط اللسان
بها ينفي الكرى السارون عنهم ... ويلهو الشرب عن وتر القيان
وله أشعار كثيرة، وهو أحد المفتنين في الشعر، جيد المدح، جيد
стр. 255
الغزل، جيد الهجو، كثير المجون، صاحب جد وهزل، وهو عندهم في بحار أبي نواس، بل هو شعراً وأقل تخليطاً منه، وهو غلام أستاذه والبة بن الحباب.
أخبار إبراهيم بن سيار النظام
حدَّثنا أحمد بن محمد الحنظلي قال: حدثني عمرو بن بحر الجاحظ قال: انصرف إلينا غلام إبراهيم بن سيار النظام يوماً وهو متعجب، فقلنا له: ما القصة؟ قال: سألني غلام من الصابئين مسألة، فزاد عليّ زيادة قطعني فيها أقبح قطع، قال لي: ما العلة في تحريم الخمر؟ قلت: إزالتها للعقل. قال: فينبغي أن يكون النوم حراماً، فإنه يزيل العقل. قلت: إن النوم قوت البدن. قال لي: فحرم منه ما فضل عن القوت. فقطعني. وحدثني إبراهيم بن محمد المدائني عن الجاحظ قال: أنشد إبراهيم النظام أبا الهذيل أبياتاً فيها هذا البيت:
رق فلو بزت سرابيله ... علقه الجو من اللطف
فقال أبو الهذيل: يا أبا إسحاق، لمن هذا البيت؟ قال: لي. قال: فيجب على هذا القياس أن ييناك بأير من خاطر.
وحدثني ابن الكوفي قال: كان مذهب إبراهيم النظام في أول أمره الشعر، وانتقل إلى الكلام ومذهب أبي نواس الكلام وانتقل إلى الشعر.
стр. 256
ومما يستحسن من شعر النظام قوله:
ألا يا خير من رأت العيون ... نظيرك لا يحس ولا يكون
وفضلك لا يحد ولا يجاري ... ولا تحوي حيازته الظنون
خلقت بلا مشاكلة لشيءٍ ... وأنت الفوق والثقلان دون
كأن الملك لم يك قبل شيئاً ... إلى أن قام بالملك الأمين
وهذا إبراهيم النظام هو القائل:
ما زلت آخذ روح الدن في لطف ... وأستبيح دماً من غير مذبوح
حتى انثنيت ولي روحان في جسدي ... والزق مطرح جسم بلا روح
وشعره قليل، وكان يستقي الشعر من الكلام والجدل.
أخبار أبي محمد اليزيدي
حدَّثني أحمد الخليل عن محمد بن هارون بن سليمان قال: اجتمع يوماً من الأيام عند عيسى بن عمر أبو محمد اليزيدي وسلم الخاسر، فقال سلم لليزيدي: اهجني على روى امرئ القيس:
رب رام من بني ثعل ... مخرج كفيه من ستره
فقال له أبو محمد - وكان عفيفاً تقياً -: مالك ولهذا؟ قال سلم: كذا أريد. قال اليزيدي: ما أغناك عن التعرض للشر. فلتسعك العافية: - وأراد سلم أن يوهم عيسى أنه عييّ مفحم لا يقدر على الشعر - قال سلم:
стр. 257
إنك لتحتجز مني غاية الاحتجاز. وهاجه، قال عيسى: بالله يا أبا محمد إلا فعلت: فأخذ نعله وقبلها وكتب تحتها:
رب مغموم بعافية ... غمط النعماء من أشره
وامرئٍ طالت سلامته ... فرماه الدهر من غيره
بسهام غير مشوية ... نقضت منه عرا مرره
وكذاك الدهر منقلب ... بالفتى حالين في عصره
يخلط العسر بميسرة ... ويسار المرء في عسره
عق سلم أمه سفهاً ... وأبا سلم على كبره
كل يوم خلفه رجل ... رامح يسعى على أثره
يولج الغرمول سبته ... كولوج الضب في جحره
قال سلم: هكذا يكون والله استدعاء الشر، ما كان أغناني عن هذا! فقال له عيسى بن عمر: لا أبعد الله غيرك، ولا أتعس إلا جدك. قد كان الرجل يستعفيك ويحتجز منك إبقاء على مروءته، فأبيت إلا أن يدخلك في حر أمك.
ومما يستحسن له من شعره:
مرضت فأمرضت شكواك قلبي ... وكنت أنام فاستعصى منامي
ولو كان المريض يزيد حسناً ... كما تزداد أنت على السقام
стр. 258
لما عيد المريض إذن، وعدت ... له الشكوى من النعم العظام
وقال وقد انصرف من مكة سالماً:
يا فرحتا إذ صرفنا أوجه الإبل ... نحو الأحبة بالإزعاج والعجل
نحثهن وما يرمين من دأب ... لكن للشوق حثاً ليس للإبل
وله في الأصمعي يهجوه:
رأيت قريباً أبا الأصمعي ... كثيراً فواضحه شامله
إذا قام يعثر في شمله ... وتقتاده أذن مائله
وما أنت هل أنت إلا امرؤ إذا صح أصلك من باهله
وله في غزله وكان لا يرغب فيه:
حبيبي لا يزور ولا يزار ... وفيه عن مواصلتي نفار
وعيني لا تجف لها دموع ... معاقبة سواكبها غزار
على وجه تطيف به صفاتي ... فتغرق في المحاسن أو تحار
كأن الخمر يغذو وجنتيه ... وحسبك ما تزينه العقار
كليل الطرف يجرحه إذا ما ... تحير فوق وجنته احمرار
قضيب البان قامته، ويخطو ... بدعص نقاً يغص به الإزار
وحدثني أبو عبد الله التنوردي قال: حدَّثنا محمد بن الأشعث
стр. 259
المكي قال: قدم علينا اليزيدي مكة في رجب فأقبل على العبادة والاجتهاد والصوم والصدقة. وكان أصحابنا من أهل الأدب مجتمعون له ليؤانسوه فيقول: ما شيء أحب إلي من مشاهدتكم ومحادثتكم، ولكن هذا بلد يتقرب فيه إلى الله بالأعمال الصالحة، وإنما أقيم شهراً أو شهرين ثم انصرف إلى بلدي، فإن رأيتم ألا تجروا في مجلسي رفثاً ولا خناً ولا هجاءً في شعر ولا غيره فافعلوا.
وقال بمكة أشعاراً كثيرة في الموعظة والحكمة، ولا يتعدى ذلك إلى غيره. وأشعاره كثيرة، وهو مؤدب المأمون.
أخبار الحارثي
واسمه عبد الملك بن عبد الرحيم. حدَّثنا أبو مالك الأنصاري قال: حدَّثني أبو الأسود الشاعر قال: كان الحارثي شاعراً مفلقاً مفوهاً مقتدراً مطبوعاً، وكان لا يشبه بشعره شعر المحدثني الحضريين. وكان نمطه نمط الأعراب. ولما قال قصيدته المعروفة العجيبة انقاد الشعراء وأذعنوا. وهو أحد من نسخ شعره بماء الذهب، والقصيدة التي ذكرناها هي هذه:
هأنذا يا طالبي ساعي ... محتضر بزي إلى الداعي
أحمي حمى من غاب من مذحجٍ ... ويحمد الشاهد إيقاعي
стр. 260
لا هلع في الحرب هاع إذا ... ريق فيها كل هلواع
قد باضت الحرب على هامتي ... وصممتني أذني واعي
واستودعتني مقلتي أرق ... لا يضع الجنب لتهجاع
مستحصد المرة ذي همة ... ضرار أقوام ونفاع
لا توجد الغرة منه وإن ... هيج به هيج بمنصاع
أشوس ينضو الدرع عن منكب ... مثل سنان الرمح شعشاع
كما ترى أفطح ذا رقطة ... تنجاب عنه هبوة القاع
فاجتمعت الشعراء والأدباء على أن هذه الأبيات ليست من نمط عصره، وأن لا أحد يطمع في مثلها، ولعمري إنه لكلام مع فصاحته وقوته يقدر من يسمعه أنه سيأتي بمثله، فإذا رامه وجده أبعد من الثريا، وكذلك الشعر المتناهي الذي ليس قبله في الجودة غاية، وقد سئل بعض العلماء فقيل له ما الشعر عندك؟ قال: السهل الممتنع.
وللحارثي قصيدة يرثي فيها أخاه سعيد بن عبد الرحيم ليست بدون قصيدة
стр. 261
متمم التي يرثي أخاه مالكاً، وهي على روي تلك، يقول فيها:
فما أم خشف أودعته قراره ... من الأرض وانساحت لترعى وتهجعا
خليس كلون الأيهقان ابن ليلة ... أمر قواه أن ينوء فيركعا
ويهتز في الممشي القريب كأنه ... قضيب من البان التوى فترعرعا
فظلت بمستن الصبا من أمامه ... تنغم في المرعى إليه ليسمعا
إذا أغفلت نادت وإن ناب نبأة ... على سامعها تذكر طلاها فتربعا
فخالفها عاري النواهق شاسب ... أخو قفرة أضحى وأمسى مجوعا
فأنهل منه بعد عل ولم يدع ... لملتمس إلا شريحاً مذعذعا
فجاء برياه نسيم من الصبا ... صباحاً ودر جر ثكلاً فأرجعا
وهذا كلام يعجز الشعراء ويفضحهم، وفيها يقول:
وأبيض وضاح الجبين كأنه ... سنا قمر أوفى على العشر أربعا
ولولا خروجنا من شرط الكتاب لكان إثبات هذه القصيدة خيراً من تركها، وإن كنا قد كتبنا في بعض المواضع القصائد الطوال، وإنما نشبت منها ما لم يكن موجوداً عند أكثر الناس، وأما الموجود المشهور فلا نورد ما طال منه،
стр. 262
وإنما نقتصر من كل قصيدة على هذه الأبيات اليسيرة، بل ربما اقتصرنا على ذكر القصيدة وبيت واحد منها فقط، كما صنعنا في أخبار السيد ونظرائه، وإنما سمينا أمهات قصائد.
ومما يستحسن له أيضاً كلمته في أخيه وهي التي يقول فيها:
إن سليما وإن ظرفاً ... وإن جريالة شمولا
نعيم دنيا وكل دنيا ... مصيرها عنه أن تزولا
إذا أرت فرحة أخاها ... مالت إلى ترحة بديلا
وكل خير وكل شرّ ... فيها قمين بأن يحولا
إن سعيداً شقيق نفسي ... أبقى لنفسي جوىً دخيلا
ومن جيد شعره وإن كان كل شعره جيداً:
أتى دون حلو الوعد من تكتم المطل ... وأيّ هوىً يبقي إذا لم يكن بذل
فقالت وأبدي الوجد ما دون صدرها ... فلم يبق باب دون سر ولا قفل
أأشعرت بي أهلي عشية زرتنا ... جهاراً، وما عذري رقد شعر الأهل
فقلت فذا قد كان ما ليس راجعاً ... فهل عندكم إلا التحفظ. والعذل
فقالت وما أزرى بنا من تحفظ ... علينا وقولي في عواقبه الذحل
стр. 263
فقلت لها ما زرتكم قاصداً لكم ... وإن كان ما في الناس لي ولكم مثل
وما جئتكم عمداً ولكن ذا الهوى ... إلى حيث يهوي القلب تهوي به الرجل
والحارثي هو القائل:
ولا يستخص القدر من دون جاره ... ليشبع والجيران يمشون جوعا
أناف بإبقاء على العرض مالهفأنجح إذ أكدى البخيل وأوضعا
له راحةٌ فيها الحبا لصديقه ... وأخرى لمن عادى بها السم منقعا
أجل عن العور الهواجر سمعه ... ونزهة من أن يقال فيسمعا
إذا نال من أقصى عرا المجد غاية ... سما طالباً من تلك أسنى وأرفعا
هذا البيت سجدة للشعراء، ولو لم يكن في كتابنا إلا شعراً الحارثي لكان جليلا.
أخبار محمد بن يسير الرياشي
حدَّثني جعفر بن إبراهيم بن نصير قال: حدثني محمد بن عامر الحنفي قال:
стр. 264
كان بين أحمد بن يوسف الكاتب وبين محمد بن يسير مودة، فكتب إليه يوماً يستزيره ليتآنسا ويتمتعا، فأجابه ابن يسير:
أجيء على شرط فإن كنت فاعلاً ... وإلا فإني راجع لا أناظر
ليسرج لي البرذون في وقت دلجتي ... وأنت بدلجاتي مع الصبح خابر
فأقضى عليه حاجتي ثم أنثنى ... إليك وحجام إذا جئت حاضر
يقصر من شعري ويحتف شاربي ... ومن بعد حمام معد وجامر
ودستيجة مملوءة بختامها ... يزودنيها طائعاً لا يعاسر
فكتب إليه أحمد بن يوسف مجيباً له:
تشرط لما جاء حتى كأنه ... مغن مجيد أو غلام مواجز
وأقسم لولا حرمة هي بيننا ... لقفد بشار قفاه وياسر
وحدثني إبراهيم بن منصور النحوي قال: حدثني ابن أبي العلاء قال: فاخر رجل من الجلة يوماً ابن يسير، فقال له الرجل: يا هذا أتفاخرني وقد ركب جدي إلى الصيد في أربعة آلاف جارية، على أربعة آلاف برذون أشهب، على يد كل جارية بازي أبيض يصطاد الطواويس من أفرخة الزعفران؟ قال ابن يسير: " ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذه إلا اختلاق ". فحمله الرجل على برذون أشهب فاره، وأمر
стр. 265
له بجارية حسنة، وكساه ثوب خز طاووسي، وحمله معه سلة زعفران. ثم قال: إن كان ما قلته باطلاً فما فعلته حق. قال ابن يسير: ما قلت أيضاً حق.
ومما يستحسن لابن يسير وسار له في العرب والعجم قوله:
لولا البنية لم أجزع من العدم ... ولم أجب في الليالي حندس الظلم
وزادني رغبة في العيش معرفتي ... ذل اليتيمة يجفوها ذوو الرحم
أخشى فظاظة عم أو جفاء أخٍ ... وكنت أخشى عليها من أذى الكلم
إذا تذكرت بنتي حين تندبني ... جرت لعبرة بنتي عبرتي بدم
تهوى بقائي وأهوى موتها شفقاً ... والموت أكرم نزال على الحرم
وهذه ألفاظ كما سمعت في عذوبة الماء الزلال، ومعان أرق من السحر الحلال.
ومما يستحسن له قوله:
تخلى بهم في الفواد دخيل ... وأقلقه عزم النوى برحيل
وأبدى له وجه المنية يغتةً ... صدود حبيب وانحراف خليل
وساوره سقم وأسهره هوىً ... وروحه واش وابتكار عذول
وأسلمه صبر وبان عزاؤه ... فصودف حياً في عيان قتيل
يرى لا طراد الدمع في صحن خده ... أخاديد شقت باستنان همول
على بدعة لما يرى الله خلقه ... فصوره فرداً بغير مثيل
стр. 266
تبدي كبدر لم يمر ببرجه ... كسوف ولم يكدر غداة أفول
أمات قلوباً واستمال بأنفس ... تكشفن منه عن ذهاب عقول
خليلي إني قد رضيت قليله ... وإن كنت لا أرضى له بقليل
خليلي جثماني بكف نحوله ... ينادمه قلبي بكأس عليل
وهذا نمط كما تراه إنما هو السحر الحلال.
ومما يستحسن له قوله:
وصاحب السوء كالداء العياء إذا ... ما ارفض في الخد يجري من هنا وهنا
يبدي ويخبر عن عوراء صاحبه ... وما يرى عنده من صالح دفنا
فإن يكن ذا فكن عنه بمعزلة ... أو مات هذا فلا تشهد له خبنا
ولمحمد بن يسير حكم كثيرة، ومواعظ حسنة، وهو أنعت الناس للحيوان والطير والشاء، وما أشبه ذلك وله مرثية طويلة في بستان أكلته الشاء، ويقال أنه بستانه كان ذراعاً في ذراع، وقال بعضهم: بل كان شعيراً تحت جرة ماء فهلك. ولم نذكرها خوف الإطالة.
أخبار أبي تمام بن أوس الطائي
حدثني أبو الأسود الموصلي قال: قال الحسن بن رجاء الضحاك: كنا مع أمير المؤمنين المؤمنين المعتصم بالرقة فجاء أبو تمام، وأنا في حراقتي، فجعل ينشدني ويلتفت إلى الخدم والغلمان
стр. 267
الوقوف بين يدي، ويلاعبهم ويغامزهم - وكان الطائي من أكثر الناس عبثاً ومزاحاً - فقلت له: يا طائي قد ظننت أنك ستصير إلى أمير المؤمنين مع الذي أرى من جودة شعرك، فانظر: إنك إن وصلت إليه لا تمازح غلاماً ولا تلتفت إليه، فإنه من أشد الناس غيرة، وإني لا آمن إن وقف منك على شيء أن يأمر غلمانه فيصفعك كل واحد منهم مائة صفعة. فقال: إذاً أخرج من عنده ببدر مملوءة صفعاً.
وحدثني عبد الصمد الراوي قال: حدثني محمد بن حسان الضبي قال: قدمت بأبي تمام معي من الشام إلى العراق، وكان معي في سفينتي منجم قد حملته في حملتي، فكان الطائي قد أولع به يضربه ويخرق ثيابه، فكنت ألومه على ذلك وأعذله، وأقول: ويحك، رجل قد صحبنا، ووجب حقه علينا، لم تفعل به مثل هذا؟ والله ما هذا فعل الكرام، ولا من شأن أهل الأدب. وكان من جوابه لي أن قال: هذا من عض بظر أمه، لو كان منجماً، وكان يعلم شيئاً كما يزعم، لما ركب معنا هذه السفينة، وأنا أضربه هذا الضرب وأوذيه هذا الأذى.
وحدثني أبو الغصن محمد بن قدامة قال: دخلت على حبيب بن أوس بقزوين وحواليه من الدفاتر ما غرق فيه فما يكاد يرى، فوقفت ساعة لا يعلم بمكاني لما هو فيه، ثم رفع رأسه فنظر إلي فسلم علي، فقلت له: يا أبا تمام إنك لتنظر إلى الكتب كثيراً وتدمن الدرس فما أصيرك عليها! فقال: والله ما لي إلف غيرها ولا لذة سواها، وإني لخليق إن اتفقدها أن أحسن.
стр. 268
وإذا بحزمتين: واحدة عن يمينه وواحدة عن شماله، وهو منهمك ينظر فيهما ويميزهما من دون سائر الكتب، فقلت: فما هذا الذي أرى من عنايتك به أؤكد من غيره؟ قال: أما التي عن يميني فاللات، وأما التي عن يساري فالعزى، أعبدهما من عشرين سنة. فإذا عن يمينه شعر مسلم بن الوليد صريع الغواني، وعن يساره شعر أبي نواس.
ومما يستملح من شعره - وشعره كله حسن - داليته في المأمون التي أولها: " كشف الغطاء فأوقدي أو أخمدي " وهي أشهر من الفرس الأبلق، وكذلك كل ما نذكر من قصائد ها هنا، فإنا نقتصر على ذكر أوائلها نحو قوله: " وأبي المنازل إنها لشجون " وقوله: " سرت تستجير الدمع خوف نوى غد " وقوله: " متى أنت عن ذهلية القوم ذاهل " وقوله: " أصغى إلى البين معتزاً فلا جرما " وقوله: " دمن ألم بها فقال سلام "
стр. 269
وقوله: " بدلت عبرة من الإيماض " وقوله: " الحق أبلج والسيوف عواري " وقوله: " السيف أصدق أنباء من الكتب " وقوله: " نسج المشيب له قناعاً مغدفا " وقوله: " خشنت عليه أخت بني خشين " وقوله: " خذي عبرات عينك من زماعي " وقوله: " يوم الفراق لقد خلقت طويلاً "
لو استقصينا ذكر أوائل قصائد الجياد التي هي عيون شعره لشغلنا قطعة من كتابنا هذا بذلك وإن لم نذكر منها إلا مصراعاً، لأن الرجل كثير الشعر جداً، ويقال إن له ستمائة قصيدة وثمانمائة مقطوعة، وأكثر ماله
стр. 270
جيد، والرديء الذي له إنما هو شيء يستغلق لفظه فقط. فأما أن يكون في شعره شيء يخلو من المعاني اللطيفة والمحاسن والبدع الكثيرة فلا، وقد أنصف البحتري لما سئل عنه وعن نفسه فقال: جيد خير من جيدي، ورديي خير من رديه، وذلك أن البحتري لا يكاد يغلظ لفظ هـ، إنما ألفاظه كالعسل حلاوة، فأما أن يشق غبار الطائي في الحذق بالمعاني والمحاسن فهيهات، بل يغرق في بحره. على أن للبحتري المعاني الغزيرة، ولكن أكثرها مأخوذ من أبي تمام، ومسروق من شعره. وأبو تمام هو الذي يقول:
يا لابساً ثوب الملاحة أبله ... فلأنت أولى لابسيه بلبسه
لم يعطيك الله الذي أعطاكه ... حتى استخف ببدره وبشمسه
رشأ إذا ما كان يطلق طرفه ... في فتكه أمر الحياء بحبسه
وأنا الذي أعطيته عض الهوى ... وضممته فأخذت عذرة أنسه
وغرسته فلئن جنيت ثماره ... ما كنت أول مجتنٍ من غرسه
مولاك، يا مولاي، صاحب لوعة ... في يومه وصبابة في أمسه
وهو القائل:
محمد بن حميد أخلقت رممه ... هريق ماء المعالي مذ هريق دمه
تنبهت لبنى نبهان يوم ثوىيد الزمان فعاثت فيهم وفمه
رأيته بنجاد السيف محتبياً ... كالبدر لما جلت عن وجهه ظلمه
في روضة قد كسا أطرافها زهر ... أيقنت عند انتباهي أنها نعمة
فقلت والدمع من حزن ومن فرح ... في اليوم قد أخضل الخدين منسجمه
ألم تمت يا شقيق النفس مذ زمن ... فقال لي: لم يمت من لم يمت كرمه
стр. 271
أخبار أبي العميثل
حدَّثني ابن أبي شبرمة قال: دخل أبو العميثل على طاهر بن الحسين وقد جلس للناس فقبل يده، فقال طاهر: ما أخشن شاربك يا أبا العميثل! فقال: أيها الأمير، إن شوك القنفذ لا يضر ببرثن الأسد. فضحك طاهر وقال: هذه الكلمة أعجب إليّ من قصيدتك. وأعطاه ألف درهم على قصيدته، وثلاثة ألف درهم على كلمته.
وحدثني محمد بن أبي يونس قال: كان أبو العميثل أحد شعراء طاهر، وكان يقدمه ويؤثره، وأنه وجد عليه في شيء فجفاه وتركه، فقال:
سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى تلين قليلا
إذا لم أجد يوماً إلى الإذن سلماً ... وجدت إلى ترك المجيء سبيلا
فرجع إليه طاهر، ولم يزل محسناً ما عاش.
ومما يستحسن من شعر أبي العميثل قوله في الفضل والحسن ابني سهل يذكرهما معاً:
كأن أشكال وجه الحزم بينهما ... ظل تلاقي عليه الشمس والقمر
وله أيضاً:
قد جار والله على جاره ... والله قد أوصاه بالجار
حتى متى يا سيدي أنت لي ... تمزج إقبالا بإدبار
يا من رأى فيمن رأى قبله ال ... دينار في راحة الدينار
وهذه أبيات فيها من خفر الوزن ما ترى.
стр. 272
أخبار أبي عيينة بن محمد بن أبي عيينة المهلبي وهو من ولد المهلب بن أبي صفرة، ويزعم آل المهلب أن أبا عيينة اسم. وقال لي شيخ منهم: كل من كان من المهالبة يدعى أبا عيينة، وكنيته أبو المنهال، وكذلك يقول بنو سدوس: إن أبا رهم هو اسم، وكثير فيهم.
حدثني إبراهيم بن سعيد قال: أخبرني أبو هاشم العبيد قال: أبو عيينة ابن محمد بن أبي عيينة هو الذي كان يهجو ابن عمه خالد بن يزيد بن حاتم المهلبي، وأخوه عبد الله بن محمد هو الذي صاحب طاهر بن الحسين فلم يرض صحبته وهجاه، وأخوه داوود بن محمد هو الذي يقول فيه وفي آل سليمان بن علي:
قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج الباب في الدار
لا يقبس الجار منهم فضل نارهم ... ولا تكف يد عن حرمة الجار
فهؤلاء الثلاثة كلهم بنو محمد شعراء.
وحدثني أبو عبد الرحمن قال: أخبرني محمد بن المظفر قال: دخل أبو عيينة يوماً على المأمون فقال له: يا أبا عيينة. هجوت ابن عمك بألف بيت ما عرضت له بمحرم ولا تجاورته إلا في بيت واجد، وددت إنك ما قلته. قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: قولك:
ولأوذينك فوق ما آذيتني ... ولأوسدن على نعاجك ذيبي
стр. 273
فقال: يا أمير المؤمنين، فإني أدرت بالنعاج بنيه لا غيرهم، فسرى عن المأمون.
وهو القائل في خالد:
بح بما قد كنت تخفي ... هـ وصرح لا خفاء
ما على هذا عزاء ... غلب الصبر العزاء
وبدا الأمر المغطى ... كاشفاً عنه الغطاء
خالد كلفني جر ... جان ظلماً واعتداء
خطة ما نلت منها ... طائلاً إلا العناء
خالد لولا أبوه ... كان والكلب سواء
لو كما ينقص يزدا ... د إذن نال السماء
وهو القائل:
يا حفص عاط أخاك عاطه ... كأساً تهيج من نشاطه
صرفاً تعود بشربها ... كالظبي أطلق من رباطه
جزع المخنث خالدٌ ... لما وقعت على نماطه
وهي طويلة جداً. وشعر أبي عيينة أنقى من الراحة، ليس فيه عيب، فلا بيت يسقط.
وهو القائل:
داوود محمود وأنت مذمم ... عجباً لذاك وأنتما من عود
فلرب عود قد يشق: لمسجد ... نصفٌ، وسائره لحش يهود
والحش أنت له، وذاك المسجد ... كم بين موضع مسلح وسجود
стр. 274
داوود يفتح كل باب مغلق ... بندي يديه وأنت قفل حديد
وأبو عيينة أحد المطبوعين الأربعة الذين لم ير في الجاهلية والإسلام أطبع منهم: وهم بشار وأبو العتاهية والسيد وأبو عيينة.
وحدثني خلف بن إسحاق الكوفي قال: حدَّثنا بعض أهل العلم: أن رجلاً من أهل البصرة تاق إلى الخروج إلى داوود بن يزيد بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب بن أبي صفرة زائراً له بالسند هو واليها، فتخير له كتباً من إخوانه وأهل بيته، ثم أتى عبد الله بن محمد أخا أبي عيينة فقال له: جعلت فداك، تكتب إلى ابن عمك داوود بن يزيد، فكتب إليه كتاباً لطيفاً ودفعه إليه، وقال له: إذا أوصلت إليه ما معك من الكتب وقرأها فادفع إليه كتابي. فلما وصل ودفع إليه الكتب وقرأها قال له: أصلحك الله، إن معي من أبي جعفر عبد الله بن محمد كتاباً إليك. قال: هات كتاب أبي جعفر، ولم أخرته؟ قال: بذلك أوصاني. ودفعه إليه ففضه فإذا فيه:
إن امرأ قصدت إليك به ... في البحر بعض مراكب البحر
تجري الرياح به فتحمله ... وتكف أحباناً فلا تجري
ويرى المنية كلما عصفت ... ريح له للخوف والذعر
للمستحق بأن تزوده ... كنت الأمان له من الفقر
قال داوود: لا جرم لا تترك حتى ترجع إليه غنياً. فأعطاه ألف دينار وخمسة آلاف درهم.
стр. 275
ولعبد الله يعاتب طاهرا:
يا ذا اليمنين ما شيء إقامته ... على الإطالة إقصاء وتقصير
وما شهاب منير قد أضر به ... هم بنارك حتى ما له نور
وله أيضاً:
أيا ذوا اليمنين إن العتا ... ب يشفي صدوراً ويغري صدورا
وكنت أرى أن ترك العتا ... ب خير وأجدر ألا يضيرا
إلى أن ظننت بأن قد ظنن ... ت أني لنفسي أرضى الحقيرا
ثم هجاه بعد ذلك:
وما طاهر إلا سفاه تحركت ... برائحة الفضل بن يحيى فمرت
فأغنت بريح الفضل كل غنائها ... بالفضل ساءت حين ساءت وسرت
أخبار إسحاق بن خلف
حدثني المبرد قال: حدثني أبو عصمة قال: كان إسحاق بن خلف أحد الشطار الذين يحملون السكاكين، ويظهرون التجلد للضرب. أخبرني غير المبرد أنه وجأ غلاماً من بني نهشل من ساكني مكة فقتله، وأنه حبس بذلك السبب، فما فارق الحبس حتى مات.
ومما رويناه واخترناه قوله يذكر الفرس:
كم كم تجرعه المنون فسلم ... لو يستطيع شكا إليك له الفم
стр. 276
في كل منبت من جسمه ... خط ينمنمه الحسام المخذم
فكأنما عقد السراة بطرفه ... وكأنه بعرا المجرة ملجم
وله في ابن كوستيذ الأصفهاني:
أترضى أن تناك وأنت مولى ... ولا ترضى بأن يزني الغلام
كأن نكاحه إياك حل ... ونيك سواك من سيما حرام
كمثل البغل يسرج ليس يأبى ... ويابي أن يغص به اللجام
إذا ما ناك مولاه غلام ... فليس على سوى المولى ملام
وله أيضاً:
موهت وصلك حتى ... إذا كتبت كتابي
تقول هجري صواب ... والهجر غير صواب
أما ترى بك وجدي ... أما رحمت انتحابي
أما رأيت حمامي ... في الحب بعد العتاب
وله في الشيب:
وذي حيلة للشيب ظل يحوطه ... فيخضبه طوراً وطوراً ينتف
وما لطفت للشيب حيلة عالم ... على الدهر إلا حيلة الشيب ألطف
стр. 277
أخبار أبي يعقوب الخريمي
وكان من نسل الأتراك. حدثني إبراهيم بن منصور عن إبراهيم بن الحكم قال: قلت لأبي يعقوب: مديحك لأبي الهيذام ولمحمد بن منصور بن زياد في حياتهما أجود أم مراثيك لهما بعد وفاتها؟ فقال: يا مجنون، أين يقع شعر الندم والرعاية من شعر المودة إذا صادفت الرغبة.
وحدثني المبرد قال: كان الخريمي شاعراً مفلقاً مقتدراً على الشعر، وكان يمدح الخلفاء والوزراء والأشراف فيعطي الكثير، وله في الغزل ملح كثيرة، ومحاسن جمة، وهو القائل يفتخر:
ثقي بجميل الصبر مني على الدهر ... ولا تثقي بالصبر مني على الهجر
أصابت فؤادي بعد خمسين حجة ... عيون الظباء العفر بالبلد القفر
ومنها:
ولست بنظار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء من جانب الفقر
ولكنني مر العداوة واتر ... كثير ذنوب الشعر والأسل السمر
رميت بها أركان قيس بن جحدر ... فطحطتها قذف المجانيق بالصخر
стр. 278
وما ظلم الغوثي بل أنا ظالم ... وهل كان فرخ الماء يثبت للصقر
ألا إنما أبكي على الشعر أنني ... أرى كل وطواط يزاحم في الشعر
ومن دونه بحر وليل يلفه ... فما ظنه بالليل في لجة البحر
إليكم إليكم عن لؤي بن غالب ... فإن لؤياً لا تبيت على الوتر
دعوا الحية النضناض لا تعرضوا لها ... فإن المنايا بين أنيابها الخضر
وقد روى قوم هذه القصيدة لأي سعد قوصرة، وليست بشيء، وإنما هي للخريمي.
ومما يستحسن له قوله:
أرض لي سوء ظنوني ... وحرارات أنيني
أنت ما تصنع بالهج ... ر كفى سوء ظنوني
أو ما يكفيك أني ... بك مقطوع القرين
وهذا الخريمي من المحسنين المجيدين للشعر، وهو من المشهورين.
أخبار أبي سعد المخزومي
حدثني إدريس بن محمد قال: لما قال أبو سعد دعي بني مخزوم في الأشعث بن جعفر الخزاعي:
أتيت بابك مرات لتأذن لي ... فصار عني إذن الباب محجوبا
стр. 279
إن كنت تحجبنا بالذئب مزدهياً ... فقد لعمري أبوكم كلم الذيبا
فكيف لو كلم الليث الهصور؟ إذا ... تركتم الناس مأكولا ومشروبا
هذا السنيدي لا تخفى دمامته ... يكلم الفيل تصعيداً وتصويبا
أني امرؤ من قريش في أرومتها ... لا يستطيع لي الأعداء تكذيبا
ولا مصاهرة الحبشان من شيمي ... ولا ترى لو وجهي الدهر غربيبا
اذهب إليك، فلن آتي عليك ولن ... ألفي ببابك طلابا ومطلوبا
فأخذه الأشعث فضربه مائتي سوط، فعوقب في ذلك فقال: إني لم أضربه للهجاء، ولكن ضربته لكذبه في الشعر وجهله، إنه جعل كلام الذئب لأبي السندي، هذا مثل ذاك؟ وحدثني بعض أصحابنا عن النوفلي قال: ادعى أبو سعد في بني مخزوم. ولم يكن منهم، ولا عرف بهم قط. وقال أبو البرق مولى خثعم وشاكر المدائني في أبي سعد:
وما تاه على الناس ... شريف يا أبا سعد
فته ما شئت إذ كنت ... بلا أصل ولا جد
стр. 280
وإذا حظك في الأشبا ... هـ بين الحر والعبد
وإذ قاذفك المفح ... ش في أمن من الحد
وقد روى بعضهم أن هذه الأبيات لدعبل في أبي سعد، والأبيات التي قبلها لابن وهيب في الأشعث.
ومن جيد يا يروي لأبي سعد قوله لمحمد بن منصور:
أظنك أطغاك الغنى ونسيتني ... ونفسك والدنيا الدنية ما تنسي
وحدثني ابن رومان الكاتب عن أبيه قال: كنت عند المطلب بن عبد الله ابن مالك الخزاعي وعنده أبو سعد، إذ أقبل دعبل، فالتفت المطلب إلى أبي سعد فقال له: حرك لي دعبلا - وكان المطلب حقد على دعبل قوله:
تنوط مصر بك المخزيات ... وتبصق في وجهك الموصل
- فقال أبو سعد: كفيتك. فلما دنا دعبل من المجلس أنشأ أبو سعد يقول:
لدعبل نعمة نمت بها ... ليست له ما حييت أنساها
أدخلنا بيته وأكرمنا ... ودس إمراته فنكناها
فغضب دعبل وقال على البديهة:
يا أبا سعد قوصرة ... زاني الأخت والمره
لو تراه وقد جثا ... خلته عقد قنطره
أو ترى الأير في أسته ... قلت: بيت بمقطره
أو تراه يلوكه ... قلت: زبد بسكره
стр. 281
أو تراه يشمه ... قلت مسك بعنبره
أجج العبد ناره ... وهو للنار كندره
أبد الدهر خلفه ... فارس في مؤخره
وحدثني يعقوب بن ناصح البردعي قال: لما قال دعبل هذه الأبيات، وخرج من عند المطلب، جعل يفرق على صبيان الكتاب الزبيب والنبق ويقول لهم: إذا مر بكم أبو سعد فصيحوا:
يا أبا سعد قوصرة ... زاني الأخت والمره
ففعلوا، فطال عليهم، فهرب من بغداد إلى الري، وأقام بها حتى مات. وحدثني أبو جعفر قال: أبو سعد يأخذ نفسه بآلات الأشراف وكان دعياً، وبآلات الشجعاء وكان جباناً، وربما جلس على مزرد. ولكن كان جيد الشعر وهو القائل لدعبل:
ولولا معد وأيامها ... وأنهم السنخ والمنصل
لضاق الفضاء على أهله ... ولم يك ناس ولا منزل
وزلزت الأرض زلزالها ... وأدخل في أست أمه دعبل
وهو كثر الشعر جيده.
стр. 282
أخبار مخلد بن بكار الموصلي
حدثني أبو الأزهر الخرزي العوفي قال: قدم مخلد على أبي تمام فقال له: هلك لك في دخول الحمام - وكان في داره حمام، وكان بيتاً واحداً طوله أربعة أذرع، وكان يوقد بسرقين حمار مريسي كان عنده، فلا يحتاج إلى غيره - فدخل فلم يلبث شيئاً أن خرج، فقال له أبو تمام: لم تلبث حتى تعرق؟ فقال مخلد: يا بن البظراء، القعود في الشتاء في السرداب يورث البواسير.
ومما رويناه له قوله:
سائلي عن كنه أمري لا تسل ... أنا عن تفسير شأني في شغل
كنت موصولا بأسباب القلى ... يدريني الهجر عن قوس الملل
فجرت تفاحة معضوضة ... بين من أهوى وبيني فوصل
لطفت لي حمرة في جنبها ... حين أومى لوصالي بالخجل
جاد لي بعد جماح فبدت ... لي في خديه آثار القبل
يا رسولا أوصل الصب به ... عش نضير الغصن يا مولى الرسل
وكان مخلد خرج إلى العراق، وبها شعراء الناس، فاجتمعوا بباب
стр. 283
المعتصم، فأذن لهم، فجعلوا ينشدون فيعطي كل واحد منهم ما بين الألف والألفين، ولم يزد واحداً منهم، وفيهم مخلد، وكان قد قدم تلك السنة، ولم يعرفه أحد من الشعراء، فأنشد المعتصم في ذلك اليوم شعراً. استحسنه، فقال له: من أنت؟ قال: أنا مخلد. قال: الموصلي؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قال قد أثبتنا كلمتك قبل خروجك إلينا. وأمر له بثلاثة آلاف درهم.
أخبار أبي الأصبغ الحصني
هو محمد بن يزيد، من أهل حصن مسلمة، وهو من ولد مسلمة ابن عبد الملك بن مروان. حدثني عبد القدوس بن إبراهيم الشامي قال: حدثني ابن أبي فنن قال: لما قال عبد الله بن طاهر قصيدته التي يفتخر فيها بأبيه طاهر ويذكر شجاعته ويفتخر بأجداده مصعب ورزيق وغيرهما وهي التي يقول فيها:
وأبي من لا كفاء له ... من يسامي مجده؟ قولوا
طحن المخلوع كلكله ... وحواليه المقاويل
قطعت عنه تمائمه ... وهو مرهوب ومأمول
قال أبو الأصبغ الحصني:
لا يرعك القال والقيل ... كل ما بلغت تحميل
стр. 284
إن عددت العذل فيّ، إذن ... أنا فيك الدهر معذول
أيها البادي بنسبته ... ما لما قد قلت تحصيل
قاتل المخلوع مقتول ... ودم القاتل مطلول
بأخي المخلوع طلت يدا ... لم يكن في باعها طول
وبنعماه التي كفرت ... فعلت تلك الأفاعيل
يا ابن بنت النار يوقدها ... ما لحاذيه سراويل
من حسين من أبوه ومن ... طاهر غالتهم غول
من رزيق إذ تعدده ... نسب في الخلق مجهول
تلك دعوى لا يناسبها ... لك آباء أراذيل
ما جرى في عود أثلتهم ... ماء مجد فهو مدخول
قدحت منه أسافله ... وأعاليه مهازيل
فبلغت القصيدة عبد الله بن طاهر، فلما خرج إلى الشام جعل طريقه على حصن مسلمة عمداً، ثم مضى مع نفر من إخوانه إلى أبي الأصبغ متنكراً من حيث لا يعرفه، فلما رآه قال له: أنت أبو الأصبغ؟ قال: نعم، قال: ما حملك على ما قلت في جواب عبد الله؟ قال: وما قلت؟ قال: عبد الله: قولك:
من حسين من أبوه ومن ... طاهر غالتهم غول
стр. 285
من رزيق إذ تعدده ... نسب والله مجهول
ففطن له الحصني وعلم أنه عبد الله فقال: أنت حملتني على ذلك يقول:
وأبي من لا كفاء له ... من يسامي مجده؟ قولوا
فلما قلت: قولوا. لم نجد بدا من أن نقول. فتبسم عبد الله وقال: صدقت، وقد عذرناك، وأمرنا لك بألف دينار، ولكن لا يغرك حلمي فتعاود هجو الأمراء، فإنك لا تدري كيف يقع، لعله يتفق لك من لا يحلم عليك. فأفرغ بعد ذلك الحصني شعره في مدح آل طاهر.
أخبار أحمد بن الحجاج
هو من موالي المنصور. حدثني أبو جعفر محمد بن ميمون المصيصي قال: أخبرني دعبل بن على الشاعر قال: لما خرجت من بغداد أريد المطلب بن عبد الله الخزاعي بمصر، فوافينا الأنبار، نزلت في بعض الخانات، فصادفت رجلاً رث الحال، في أطمار خلقان، وهو في زاوية من الخان فقلت له: من أين أنت؟ قال: من أهل بغداد. قلت: فأين تريد، قال: مصر إن شاء الله. قلت: وما تبغي بها؟ قال أريد قرابة لي هناك.
قلت: معك شيء تركبه؟ قال: ما سوى رجلي. قلت فإن المضرب بعيد.
فهل لك أن تلزم رحلنا فأعطيك بغلا من بغال الثقل، تركبه، وتتولى شراء الحوائج في هذا الطريق إلى أن ترد مصر؟ فإني أرجو ألا تذم صحبتنا. قال: ذلك لك أصلحك الله. فدفعت إليه بغلاً فركبه، وكنت معه في الطريق في عافية. لا يبقي غاية فيما يجد إليه السبيل من الاحتياط فيما يشتريه، والاسترحاض وأداء الأمانة، حتى وصلنا مصر. فقلت له يوماً
следующие страницы →