Полный текст (439 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
قال والبة: رأيت إبليس فيما يرى النائم كأنه أتاني فقال لي: ترى غلامك الحسن بن هانئ هذا؟ قلت: ما شأنه؟ قال: إنّ له لشأنا والله لأغوين به أمة محمد ﵇، ولألقين محبته في قلوبهم.
ومما يستحسن لوالبة:
أحسن من در ومرجان ... آثار إنسان بإنسان
قد عضه ذو حنق مشفق ... وقلبه ليس بغضبان
عاقبني منتقماً جهده ... وقد جزاني كلّ إحسان
لو كان يدري أنه محسنٌ ... بدل إحساناً بهجران
ولوالبة في المجون والفتك والخلاعة ما ليس لأحد، وإنما أخذ أبو نواس ذلك عنه. ومما روى لوالبة في المجون:
شبيه الفاتك العيار مثلي ... نعيم حين يشرب بالبواطي
يعاطينا الزجاجة أريحي ... رخيم الدل بورك من معاطي
أقول له على طرب ألطني ... ولو بمواجر علج نباطي
فإن الخمر ليس تطيب إلاّ ... علي وضر الجنابة باللواط
وله أيضاً في ذلك:
قد قابلتنا الكئوس ... ودابرتنا النحوس
واليوم هرمز روز ... قد عظمته المجوس
لم تخطه في حساب ... وذاك مما تسوس
стр. 72
ونحن عند عميد ... قد غاب عنا البسوس
نعير كأساً وكأساً ... أوصى بها جالنوس
أنا وجي عروس ... والكأس أيضاً عروس
يسقي العروس عروساً ... إحداهما الخندريس
حتى إذا ما انتشينا ... وهزّنا إبليس
رأيت أعجب شيءٍ ... منّا ونحن جلوس
هذا يقبّل هذا ... وذاك هذا يبوس
وهذا الشعر مما ينحله العامة أبا نواس. وذلك غلط، لأن العامة الحمقى قد لهجت بأن تنسب كل شعر في المجون إلى أبي نواس، وكذلك تصنع في أمر مجنون بني عامر كل شعر فيه ذكر ليلى تنسبه إلى المجنون.
وحدثني اليزيدي قال: حدَّثني أبو سلهب الشاعر قال: كان والبة بن الحباب ماجناً خليعاً. ما يبالي ما قال ولا ما صنع. وكان منزله في آخر زقاق لا منفذ له. فكان إذا أتاه السائل يسأله، ويتركه حتى يطيل ويكثر ولا يجيبه، فإذا علم أنه قد انصرف ومشى إلى طرف الزقاق - والزقاق طويل جداً - فتح بابه ثم ناداه، فيجيبه: لبيك لبيك، يظن أنه قد أخرج له شيئاً، ويقبل نحوه، فإذا قرب منه قال: صنع الله لك.
وحدثت أن المهدي ذكره ذات يوم فقال: ما أشعره وأملح شعره! وهو مع ذلك أديب واسع الحفظ. فقال له بعض من في مجلسه: ما يمنعك
стр. 73
من منادمته؟ قال: يمنعني من ذلك قوله:
قلت لساقينا على خلوة ... أدن كذا رأسك من رأسي
وادن فضع صدرك لي ساعة ... إني امرؤٌ أنكح جلاسي
فتريد أن ينكحنا لا أم لك.
أخبار صالح بن عبد القدوس
حدثني محمد بن يزيد قال: حدَّثني العوفيّ قال: أخذ صالح بن عبد القدوس في الزندقة، فأدخل على المهدي، فلما خاطبه أعجب به، لغزارة أدبه وعلمه وبراعته، وبما رأى من فصاحته وحسن بيانه وكثرة حكمته، فأمر بتخلية سبيله، فلما ولّى ردّه وقال: ألست القائل:
وإن من أدبته في الصبا ... كالعود يسقي الماء في غرسه
حتى تراه مورقاً ناضراً ... من بعد ما أبصرت من يبسه
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يواري في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذي الضنا عاد إلى نكسه
قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: وأنت تترك أخلاقك؟ ونحن نحكم في نفسك بحكمك. فأمر به فقتل.
وحدثت من غير هذا الوجه بما هو عندي أثبت من الأول، وذلك ما رويناه أنه أنهى إلى الرشيد عنه هذه الأبيات، يعرض فيها بالنبي صلى الله عليه وآله:
غصب المسكين زوجته ... فجرت عيناه من درره
стр. 74
ما قضى المسكين من وطرٍ ... لا ولا المعشار من وطره
عذت بالله اللطيف بنا ... أن يكون الجور من قدره
- عليه لعنة الله إن كان قالها - فقال له الرشيد: أنت القائل هذه الأبيات؟ قال: لا، والله يا أمير المؤمنين، ما أشركت بالله طرفة عين، ولا تسفك دمي على الشبهة، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله: " ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم " وأخذ يرقق قلبه، ويستنزله عما عزم عليه بفصاحته وبيانه، ويتلو القرآن، حتى رقّ له وأمر بتخلية سبيله، فلما أراد أن يخرج من بين يديه قال: أنشدني قصيدتك السينية فأنشده حتى إذا بلغ قوله:
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يواري في ثرى رمسه
قال: يا شيخ، هذا الكلام يشبه هذا الكلام، وهذا الشعر من نمط ذلك الشعر - يعني الأبيات التي نسبت إليه - ونحن نتمثل وصيتك، ثم أمر فضربت عنقه وصلب على الجسر.
وحدثني أبو جعفر قال: حدَّثني زياد بن أحمد قال: اجتمع قوم من أهل الأدب في مجلس فيهم صالح بن عبد القدوس، يتناشدون الأشعار، إلى أن حانت الصلاة، فقام القوم إلى ذلك، وقام صالح فتوضأ وأحسن ثم صلى أتم صلاة وأحسنها، فقال بعضهم: أتصلي هذه الصلاة ومذهبك ما تذكر؟ فقال: إنما هو رسم البلد، وعادة الجسد.
والله أعلم بتحقيق ذلك.
أما الرجل فله في الزهد في الدنيا، والترغيب في الجنة، والحث على الطاعة
стр. 75
لله ، والأمر بمحاسن الأخلاق، وذكر الموت والقبر، ما ليس لأحد وكان شعره كله أمثالاً وحكماً فمما يستحسن له قوله:
تأوبني هم فبت أخاطبه ... وبت أراعي النجم ثم أراقبه
لما رابني من ريب دهر أضرني ... فأنيابه يبرينني ومخالبه
وأسهرني طول التفكير، إنني ... عجيب لدهر ما تقضي عجائبه
أرى عاجزاً يدعى جليداً لغشمه ... ولو كلف التقوى لفلت مضاربه
وعفّا يسمى عاجزاً لعفافه ... ولولا التقى ما أعجزته مذاهبه
وأحمق مصنوعاً له في أموره ... يسوده إخوانه وأقاربه
على غير حزم في الأمور ولا تقى ... ولا نائل جزل تعد مواهبه
وليس بعجز المرء إخطاؤه الغنى ... ولا باحتيال أدرك المال كاسبه
ولكنه قبض الإله وبسطه ... فلا ذا يجاريه ولا ذا يغالبه
إذا كمل الرحمن للمرء عقله ... فقد كملت أخلاقه ومناقبه
فيا عجبا كيف يمكن أن يقول زنديق مثل هذا القول؟! وكيف يكون قائله زنديقاً؟ ومما يستحسن له قوله:
ألا أحد يبكي لأهل محلةٍ ... مقيمين في الدنيا وقد فارقوا الدنيا
كأنهم لم يعرفوا غير دارهم ... ولم يعرفوا غير التضايق والبلوى
ومما يختار من شعره قوله:
فو حق من سمك السماء بقدرة ... والأرض صير للعباد مهادا
إن المصر على الذنوب لهالك ... صدقت قولي أو أردت عنادا
стр. 76
وحدثني أحمد بن إبراهيم المعبر قال: رأيت صالح بن عبد القدوس في المنام ضاحكاً مستبشراً، فقلت له: ما فعل الله بك؟ وكيف نجوت مما كنت فيه؟ فقال: إني وردت على رب لا تخفى عليه خافية، فاستقبلني برحمته وقال: قد علمت براءتك مما كنت تعرف به وترمى باعتقاده.
وأشعاره كثيرة، إلا أنها موجودة عند جميع الناس مستفيضة فيهم، فاقتصرنا على ما ذكرنا منها
أخبار إبراهيم بن سيابة
حدَّثني أبن أبي قباذ قال: قال العوفي: كان سيابة حجاماً، وفيه يقول عتبة الأعور يهجوه ويذكر صناعته:
أبوك أوهى النجاد عاتقه ... كم من كمي أدمي ومن بطل
يأخذ من ماله ومن دمه ... لم يمس من ثأره على وجل
ذلت رقاب الملوك خاضعة ... من بين حاف له ومنتعل
وكان يرمي بالزندقة وكان المهدي أخذه وأحضر كتبه فلم يوجد فيها شيء من ذلك، فآمنه واستكتبه، وكان يكتب في مجلسه وبين يديه وكان من أبلغ الناس وأفصحهم ثم صح عنده أن فيه شيئاً مما كان اتهم به، فاطرحه وأقصاه، فساءت بعد ذلك حاله، واحتاج إلى مسألة الناس، وكان أحد المطبوعين، وكان محجاجاً منطيقاً.
ومما رويناه له قوله:
جاء البشير مقدم البشراء ... منه عليّ بأعظم العظماء
стр. 77
أبشر أبا إسحاق أدركت الغنى ... والسؤل منه فأعطني بشرائي
فطفقت أعطي بالبشارة ما حوت ... كفاي من صفر ومن بيضاء
حتى إذا بقيت يدي من ملكها ... صفراً وجدت بجبتي وردائي
وبكل ما يدعو ويذكر ذاكر ... وبخاتمي فضلاً على الأشياء
ضار الذي أملته ورجوته ... يأساً رهيناً قبضة العنقاء
قد كنت قبل اليوم أدعى مسلماً ... واليوم صار الكفر من أسمائي
وأشعاره جيدة وأخباره حسنة، وليس يمكن الاستقصاء على ذلك لئلا يخرج الكتاب من حد الاختصار إلى التطويل
أخبار مطيع بن إياس
حدَّثني محمد بن أحمد الزيادي قال: قال أبو نجد الشاعر:
مدح مطيع بن إياس معن بن زائدة بقصيدة فصيحة جيدة، فلما سمعها معن قال: يا ابن إياس، إن شئت أثبناك، وإن شئت مدحناك، فاستحيا مطيع من اختيار الثواب، وكره اختيار المدح وهو محتاج، فكتب إلى معن هذه الأبيات:
ثناء من أمير خير كسب ... لصاحب مغنم وأخي ثراء
ولكن الزمان برى عظامي ... ومالي كالدراهم من دواء
فلما قرأها معن ضحك وقال: صدق، ما مثل الدراهم من دواء، وأمر له بصلة. وحدثني محمد بن أحمد قال: حدَّثني أبو نجد قال: صار مطيع بن إياس إلى صديقه لحماد عجرد يعاتبها له، وقد كانت هاجرته، وكان مطيع صديقاً لحماد، فأنشأ يقول:
стр. 78
أنت معتلة عليه وما زا ... ل مهيناً لنفسه في رضاك
فقام حماد بين يدي المرأة وقبل رأسه وقال: جزاك الله خيراً من أخ، أفصحت عما في ضميري، وشفيت غليلي. والمرأة تضحك، وحماد يقول لا عدمت منك هذا البر يا أخي، ثم أنشأ مطيع يقول:
فذريه وواصلي ابن إياس ... جعلت نفسه الغداة فداك
فغضب حماد وقال: يا ابن الفاعلة ما جئت بك على هذا، الحديث لنفسك لا لي فاستفرغت المرأة ضحكاً، ورابطت مطيعاً، وفارقت حماداً، فكاد حماد يجن جنونا وجعل يشكو مطيعاً إلى الناس.
وكان مطيع بن إياس صديقاً ليحيى بن زياد، لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً، ويرى كل واحد منهما بصاحبه الدنيا مودة ومحبة، ثم فسد ما بينهما فتهاجرا، ففي ذلك يقول مطيع:
كنت ويحي كيدي واحد ... نرمي جميعاً ونرامى معا
إن عضني الدهر فقد عضه ... أو موجع نال فقد أوجعا
أو نام نامت أعين أربع ... منّا، وإن صم فلن أسمعا
حتى إذا ما الشيب في مفرقي ... لاح، وفي عارضه أسرعا
سعى سعاة بيننا دائباً ... فكاد حبل الوصل أن يقطعا
فكاد أعداء لنا لم تزل ... تطمع في تفريقنا مطمعا
حتى إذا استمكن من عثرة ... أوقد نيران القلى مسرعا
ومما يستحسن من شعره كلمته التي أولها:
فلئن كنت لست تصحب إلا ... صاحباً لا تزل ما عاش نعله
стр. 79
لا تجده ولو جهدت وأني ... بالذي لا يكاد يوجد مثله
إنما صاحبي الذي يغفر الذن ... ب ويكفيه من أخيه أقله
ليس من يظهر المودة إفكاً ... وإذا قال خالف القول فعله
وصله للصديق يومٌ فإن طا ... ل فيومان ثم يصرم حبله
ومما يستحسن له من غزله قوله:
لقد أحببت جهد الح ... ب ذات الخال والعقد
وتحكي بعد غب الن ... وم مطروقاً من الشهد
غزال أحور العين ... له خالٌ على الخد
كأن البدر ذاك الخا ... ل وافى ليلة السعد
ولمطيع بن إياس شعر كثير في جميع الفنون، وهو أحد الخلعاء المجان، وكان صاحب نوادر، ولو استقصينا كل شاعر واستوعبنا شعره زال الكتاب عن الغرض الذي قصدناه. وتوفي مطيع سنة تسع وتسعين ومائة.
أخبار الخليل بن أحمد
حدَّثني إسحاق بن الصلت الأنباري قال: حدثني المعلى بن جعفر السعدي قال: كان الخليل بن أحمد أعلم الناس بالنحو والغريب، وأكثرهم دقائق في ذلك، وهو أستاذ الناس، وواحد عصره، وأول من اخترع العروض وفتقه، وجعله ميزاناً للشعر، وكان سببه أنه مر في سكة القصارين بالبصرة
стр. 80
فسمع من وقع الكدين أصواتاً مختلفة، ففكر في هذا العلم وقال: لأضعن من هذا أصلاً لم أسبق إليه، فعمل العروض على هذه الأصوات التي في أيدي الناس، وكان ذكياً فطناً عالماً بأيام الناس وأخبارهم، وكان مع ذلك شاعراً مفلقاً، وأديباً بارعاً، وله أيضاً في الألحان والنغم كتاب معروف، وهو صاحب كتاب العين الذي جمع فيه أصول الكلام للعرب كلها.
حدثني محمد بن يزيد المبرد قال: حدثني أبان بن رزين البصري قال: زعم يونس النحوي أن الخليل بن أحمد كان يستدل بالعربية على سائر اللغات ذكاء منه وفطنة.
وحدثني أبو العباس أحمد بن عبد الله بن محمد بن جعفر قال: حدثني الحسن بن المهلبي قال:
كان الخليل بن أحمد منقطعاً إلى الليث بن نصر بن سيار، وكان الليث من أكتب الناس في زمانه، وكان بارع الأدب، بصيراً بالنحو والشعر والغريب، وكان يكتب للبرامكة، ويطير معهم في دولتهم بجناحين، وكانوا معجبين، فارتحل إليه الخليل بن أحمد، فلما عاشره وجده بحراً، فأجزل له وأغناه. وأحب الخليل أن يهدي إليه هدية تليق به، فأقبل وأدبر، وعلم أن المال والأثاث لا يقع منه موقعاً حسناً، لوجود ذلك عنده، وكثرته لديه، وأنه لا يسر بشيء سروره بمعنى لطيف من الأدب، فجهد نفسه في تصنيف كتاب العين، فصنفه لليث بن نصر دون سائر الناس، ونمقه وحبره، وأخرجه في أسرى ظرف وأحسن خط، فوقع منه موقعاً: عظيماً، وسر به سروراً شديداً، فوصله بمائة ألف درهم، واعتذر إليه من
стр. 81
التقصير، وأقبل ينظر فيه ليلاً ونهاراً، ولا يمل منه ولا يفتر، وكان يغدو ويروح على البرامكة، فكأنه على الرضف حتى يرجع إلى الكتاب وينظر فيه، إلى أن حفظ نصف الكتاب. وكانت تحته بنت عم له، وكانت سرية نبيلة موسرة جميلة، وكانت تهوى ابن عمها وتحبه، فاشترى الليث جارية نفيسة فائقة الجمال، بثمن جزيل، فأقعدها في منزل صديق له يتسرى بها، فبلغ ذلك ابنة عمه، فوجدت من ذلك أشد وجد، وحزنت وقالت: والله لأغيظنه ولا أتقي الغاية. وقالت: إن غظته في المال فهو لا يبالي به ولا يكترث له، ولكني أراه مشغوفاً بهذا الكتاب، وقد هجر كل لهو ولذة، وأقبل على النظر فيه، والله لأفجعنه به. ثم عمدت إلى الكتاب بأسره فأحرقته، فلما كان بالعشي، وراح الليث من دار البرامكة، ودخل المنزل، لم يكن له هم إلا الكتاب، فصاح بالغلام أن يحمله إليه، فلم يوجد الكتاب، وكاد يطير طيشاً، وظن أنه سرق، فجمع غلمانه وتهددهم. فقال بعضهم: يا سيدنا أخذته الحرة، فبادر إليها ليترضاها ويسترجع الكتاب، وقال لها: ردي الكتاب والجارية لك، وقد حرمتها على نفسي، فأخذت بيده، وأدخلته البيت الذي أحرقته فيه، فلما نظر إلى رماده وصح عنده أنه احترق، سقط في يديه. وظن أنه أصيب بمال عظيم أو يولد أو أعظم منه، وكان قد حفظ نصف الكتاب، ويبقى عليه نصفه - وقد مات الخليل - فطلبه في الدنيا كلها فأعجزه ذلك، ولم تكن النسخة وقعت إلى أحد، فاستدرك النصف من حفظه وجمع على النصف الباقي علماء أهل زمانه. فقالوا: ما تروم؟ قال: مثلوا عليه، فمثلوا، فلم يلحقوه، ولا شقوا غباره. فأنت ترى ما في أيدي الناس من ذلك، فإذا ما تأملته تراه
стр. 82
نصفين، النصف الأول أتقن وأحكم، والنصف الآخر مقصر عن ذلك.
ومما يستحسن للخليل بن أحمد من شعره قوله:
وما هي إلا ليلة ثم يومها ... وحول إلى حول وشهر إلى شهر
مطايا يقربن الجديد إلى البلى ... ويدنين أشلاء الكريم إلى القبر
ويتركن أزواج الغيور لغيره ... ويقسمن ما يحوي الشحيح من الوفر
ومما سار له في الدنيا قوله:
أبلغا عني المنجم أني ... كافر بالذي قضته الكواكبْ
عالم أن ما يكون وما كا ... ن قضاء من المهيمن واجبْ
ومن السائر الذي يروي له قوله:
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت تعلم ما تقول عذلتُكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا
ومما يختار له قوله لسليمان بن قبيصة بن يزيد بن المهلب وقد كتب إليه يستزيره إلى السند وكان والياً عليها:
أبلغ سليمان أني عنه في سعة ... وفي غنى غير أني لست ذا مال
الرزق عن قدر لا الضعف ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول محتال
وأهدى إليه سليمان من السند هدية برزة فردها وقال:
وخصلة يكثر الشيطان إن ذكرت ... منها التعجب جاءت من سليمانا
لا تعجبن لخير زل عن يده ... فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا
وأخبار الخليل وعجائبه كثيرة، وشعره قليل لأن شغله بالعلم كان أكثر منه بقول الشعر، وفيما أوردنا من جملة قصته كفاية.
стр. 83
أخبار سلم الخاسر
وهو سلم بن عمرو
حدثني الخاسر خالي. فقلت له: جعلت فداك، لم سمي الخاسر؟ فضحك وقال: سمي الخاسر لأنه تقرَّأ فبقي في تقرئه مدة يسيرة. فرقت حاله فاغتم لذلك، ورجع إلى شيء مما كان عليه من الفسق والمجون، وباع مصحفاً كان ورثه من أبيه، فاشترى بثمنه طنبوراً - وقيل: باع مصحفاً واشترى بثمنه دفتر شِعْر - فشاخ بالناس خبره، فسمي الخاسر بذلك، وقيل له: ويلك، في الدنيا أحد فعل ما فعلت؟ تبيع مصحفاً وتشتري بثمنه طنبوراً فقال: ما تقرب أحد إلى إبليس بمثل ما تقربت إليه، فإني أقررت عينه.
وقد قيل: إنما فعل ذلك مجوناً، ولم يكن رديء الدين. وأما الذين زعموا أنه اشترى بثمن المصحف الشعر، فقد رووا في أخباره أنه لما أفاد من الخلفاء والبرامكة بشعره ما أفاد من الأموال الجليلة قال: أنا الرابح ولست بالخاسر.
وكان من المطبوعين المجيدين. وكان تلميذاً لبشار بن برد الأعمى، ولما قال بشار بيته هذا:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهجُ
стр. 84
أخذ سلم هذا المعنى، وجاء به في أجود من ألفاظه وأفصح وأوجز فقال:
من راقب الناس مات غماً ... وفاز باللذة الجَسُورُ
وقال بشار - حين قال بيته ذلك -: ما سبقني أحد إلى هذا المعنى ولا يأتي بمثله أحد. فلما قال سَلْمٌ هذا البيت، قال راوية بشار: صرت إليه فقلت: يا أبا معاذ، قد قال سلم بيتاً أجود من بيتك الذي تعجب به. قال: وما هو؟ فأنشدته البيت، فقال: أوخ، ذهب والله بيتي، لوددت أن ولاءه لغير آل أبي بكر الصديق فأقطعه وقومه بهجوي. وهذا مما يدل أن بشارً كان صحيح الدين. ثم نحاه عن نفسه، حتى كلمه فيه بعض إخوانه فرده.
وسلم أحد المطبوعين المحسنين وكان كثير البدائع والروائع في شعره وسار بيت سلم الذي ذكرناه، ولم يسر بيت بشار.
ومن جيد ما يروى لسلم كلمته في يحيى بن خالد - ويقال: إنه أخذ عليها مالاً عظيماً ويقال: إنه من عمل بما في هذه الأبيات من قصيدته جاز أن يكون وزيراً والأبيات هذه:
بقاء الدين والدنيا جميعاً ... إذا بقي الخليفة والوزيرُ
يغار على حمى الإسلام يحيى ... إذا ما ضيع الحزم الغيور
وليس يقوم بالإسلام إلا ... معار يستجار ويستجير
كِلا يوميك من نفع وضر ... يحوط حماهما كرم وخير
وما ألهاك عما أنت فيه ... نعيم الملك والوطئ الوثير
стр. 85
إليك سبيلنا من كل وجه ... وكل الأمر أنت به بصير
بلوت الناس من عجم وعرب ... فما أحد يسير كما تسير
فكل الأمر من قول وفعل ... إذا علقت يداك به صغير
وفي كفيك مدرجة المنايا ... ومن جدواهما الغيث المطير
وأنت العز في حرب وسلم ... يضاف إلى مناكبك الطهور
عرفت الدهر من خير وشر ... فكل الرأي أنت به خبير
ولست مجازياً بالضغن ضفنا ... ولو أبدى المظاهرة الظهير
فكل الناس بين غنى وعفو ... لديك، كلاهما در درور
وما تخفى عليك وأنت طب ... بطون للأمور ولا ظهور
سرابيل المحامد ضافيات ... عليك يزينها الوشي الحبير
وما نزغتك للدنيا هنات ... إليك أعين الوزراء صور
وما إن نال من دين لدنيا ... قليل من هواك ولا كثير
وكانت قبلك الوزراء غرقى ... يؤم كبيرهم فيها الصغير
وما إن جاء مقطع كل حق ... صعود في هواك ولا حدور
تفرجت الأمور ببرمكي ... تضيء له المنابر والسرير
حملت فوادح الأعباء عنا ... عن الإسلام إن شكر الشكور
منا ملك نعم ووزير ملك ... عليه من لباس الشيب نورُ
стр. 86
بديهته وفكرته سواء ... إذا ما نابه الخطب الكبير
وأجزل ما يكون الدهر رأياً ... إذا عمي المشاور والمشير
ولا غرس الأمور ولا اجتناها ... كيحيى حين يعزم أو يسير
إذا قامت مساعي الفخر يوماً ... على الأقدام أو مدح المرير
فما نفع كنفع أبي علي ... ولا أحد يصير كما يصير
ومما يستحسن لسلم كلمته في المهدي:
حي المنابر بالسلام ... على وداع أو لمام
لم يبق منك ومنهم ... غير الجلود على العظام
ولقد سكرت من الهوى ... سكر الغوى من المدام
فالقلب مضطرب الحشا ... والعين نافرة المنام
فإذا عزمت فأمض همّ ... ك بين محمود ودام
ودع النوافخ في البري ... يسبحن في بحر الظلام
ويخضن أسراب الفلا ... قوداً أعنتها سوام
متسربلات بالحميم ... معممات باللغام
من كل خرقاء اليدي ... ن على انقضاب وانجذام
стр. 87
يهمسن في همس القطا ... ويخدن في وخد النعام
كم قد هتكن من الرجا ... ومضين بين صدى وهام
حتى رجعن من السرى ... مثل الأهلة في الحزام
لم يبق غير نواظر ... منها وأخفاف دوام
يتبعن وخد شملة ... وجناء تفسح في الزمام
فمضت تزف أمامه ... ن كما تولى سهم رام
وإلى أمير المؤمني ... ن محمد خير الأنام
جمع الخلافة والسما ... حة والشجاعة في نظام
ملك ضريبة رأيه ... أمضى من السيف الحسام
يقضي أمور المؤمني ... ن برأي حزم واعتزام
قالت قريش كلها ... وهم الكرام بنو الكرام
وخيار من وطئ الحصا ... من بين كهل أو غلام
: فضل الملوك محمد ... فضل الحلال على الحرام
فاسلم أمير المؤمني ... ن فأنت رهن بالسلام
ولك المكارم كلّها ... في دار ظعن أو مقام
أمن الحوادث من تعل ... ق ذمة الملك الهمام
стр. 88
يا خير من ضمنت يدا ... هـ كم في يديك من الذمام
كم في يديك من الندى ... وضروب ألوان الحمام
حوض الخليفة بالندى ... يشفى الغليل من الأوام
إن الخليفة في يدي ... هـ سجال عفو وانتقام
كان سلم الخاسر يذهب بالمهدي إلى أنه المهدي الذي وصف رسول الله صلى الله عليه وآله.
ومما يستحسن من شعره قصيدته في موسى الهادي بن المهدي وهي هذه:
سألت الديار وأطلالها ... وما إن تجاوب سؤالها
منازل قد أقفرت يعدنا ... وجرت بها الريح أذيالها
وصهباء تعمل في الناظرين ... شربت على الريق سلسالها
وقد كنت للكأس والغانيات ... إذا هجر القوم وصالها
وكم قد رفعت ستور الملوك ... وزاولت بالشعر أزوالها
ونلت مجالس مشهورة ... ينال الكرام بمن نالها
ولقد جعل الله في راحتيك ... حياة النفوس وآجالها
وجدناك في كتب الأولي ... ن محي النفوس وقتالها
وموسى شبيه أبي جعفر ... ومعطي الرغائب سؤالها
ولولا مكانك من بعده ... لأنكرت العوذ أطفالها
стр. 89
مما يستحسن له كلمته في نجاح الحاجة وهذه الأبيات منها:
يدير الأمور مقاديرها ... وللرزق داع إلى أهله
إذا أذن الله في حاجة ... أتاك النجاح على رسله
إذا قنع المرء نال الغنى ... وعرى المطية من رحله
ولا تسأل الناس من فضلهم ... ولكن سل الله من فضله
وحدثني، أحمد بن محمد النوفلي قال: ما وفقت إلى شاعر أعرف بأشعار الجاهلية ولا أدري لها من سلم الخاسر، وكان سلم مزاحاً لطيفاً، مداحاً للملوك والأشراف، وكانوا يجزلون له في الثواب والعطية، فيأخذ الكثير وينفقه على إخواته وغيرهم من أهل الأدب.
ولما قال أبو العتاهية أبياته التي ذكر فيها سلما وبلغه قوله:
تعالى الله يا سلم بن عمرو ... أذل الحرص أعناق الرجال
هب الدنيا تساق إليك عفوا ... أليس مصير ذاك إلى الزوال
قال سلم: ويلي ابن الفاعلة قد كنز في بيته البدور، وأنا في ثوبي هذين. وليس عندي غيرهما. هو ينسبني إلى الحرص. وأشعاره وافرة كثيرة جداً، وقد أوردنا منها ما فيه الكفاية.
أخبار ابن مَيَّادة
حدثني ابن الأخوص محمد بن عبد الملك الثقفي قال: أخبرني عمرو ابن أيوب العامري قال: وفد ابن ميادة على الوليد ين يزيد بن يزيد بن عبد الملك فأنشده شعراً له فيه،
стр. 90
فاستحسنه منه أمره بملازمته، ففعل، فلما عنده طويلاً امتدحه بقصيدته التي يقول فيها:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بحرة ليلي حيث ربتني أهلي
بلاد بها نيطت علىّ تمائمي ... وقطعن عني حيث أدركني عقلي
وهل أسمعن الدهر أصوات هجمة ... تطالعن من هجل حفيٍّ إلى هجل
فإن كنت عن تلك المواطن حابسي ... فأسبغ عليّ الرزق واجمع إذن شملي
فقال له الوليد: قد أمرنا لك بمائتي ناقة سوداء، ومائتي ناقة حمراء، تضيء هذه من هنا، وتظلم تلك من هنالك، فخذ الكتب بذلك إلى مصدّق كلب يدفعها إليك. فأخذ ابن ميادة الكتب ومضى نحوه، فلما قرأ كتابه قال له: أعفني من الجعودة وقد كان أمر له بها جعادا، فأبي أن يقبلها إلا جعادا كما أمر له، وتماحل هو المصدق في ذلك، وكتب ابن ميادة إلى الوليد يعلمه ذلك، وضمن كتابه هذين البيتين:
ألم يبلغك أن الحيّ كلباً ... أرادوا في عطيتك ارتدادا
أرادوني بها لونين شتى ... وقد أعطيتها دهماً جعادا
فكتب الوليد إلى المصدق يتوعده ويأمره أن يسلمها إليه - كما أمر - برعاتها وأدواتها. فأقبل يسوقها حتى أقبل بها على حيه.
واسمه الرماح بن أبرد، وميادة أمه، وكانت أم ولد، وهو من بني
стр. 91
مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان. وكان ابن ميادة يضرب أمه في صباه ويقول:
اعر نزمي ... مياد للقوافي
يريد أنه سيهجو الناس فيهجونه ويذكرون أمه.
وأبوه من ولد ظالم بن الحارث بن ظالم المري وهو القائل يفتخر بذلك:
سقتني سقاة من آل ظالم ... بأرشية أطرافها في الكواكب
وبقي ابن ميادة حتى أدرك أيام بني العباس. وقد مر على جعفر بن سليمان ابن علي وهو والي البصرة فأنشد:
يا جعفر الخيرات يا جعفر ... ليتك لا تنعى ولا تقبر
فلما رأى جعفر ركاكة هذا الشعر وخفته قال: يا رماح. قال: لبيك أيها الأمير. قال: أتمدح الوليد بن يزيد الفاسق بمثل ذلك الشعر وتمدحني بمثل هذا؟ قال: أيها الأمير إن مدح الشاعر على قدر العطية. وما علي من فسق الوليد وقد أعطاني أربعمائة ناقة برعاتها وعبيدها وآلاتها؟ والله لا قلت أبداً أنه فاسق ولو ضربت عنقي فإن إحسانه يمنعني عن ذلك، فأعجبه ما رأى من شكره ووفائه للرجل بعد الموت وذهاب الدولة، فأمر له بأربعمائة ناقة، وقال له: قل الآن مثل شعرك الذي تقول فيه، فقال:
كنت امرأً أرمى الزوائل مرة ... فأصبحت قد ودعت رمى الزوائل
وعطلت قوس اللهو من شرعاتها ... وصارت سهامي بين رثّ وناصل
стр. 92
إذا حل أهلي بالجناب وأهلها ... بمنعرج العلان من ذي أذابل
فقل: خلة ضنت عليك بوصلها ... تقطع منها باقيات الوصائل
يمنونني منك الوصال وقد أرى ... بأني لا ألقاك من دون قايل
وما أنس من الأشياء لا أنس قولها ... وأدمعها يذرين حشو المكاحل
تمتع بذا اليوم القصير فإنه ... رهين بأيام الشهور الأطاول
وكان ابن ميادة جيد الغزل، ونمطه نمط الأعراب الفصحاء، وكان مطبوعاً، وهو الذي يقول:
كأن فؤادي في يد علقت به ... محاذرة أن يقضب الحبل قاضبه
وأشفق من وشك الفراق وإنني ... أظن لمحمول عليه فراكبه
فوالله ما أدري: أيغلبني الهوى ... إذا جدّ جدّ البين أم أنا غالبه
فإن أستطع أغلب وما يغلب الهوى ... فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه
فهذه معان وألفاظ يعجز عنها أكثر الشعراء، فإنه قد جمع إلى اقتدار الأعراب وفصاحتهم محاسن المحدثين وملحهم، وهو القائل:
أقول لركب قافلين رأيتهم ... ببئر سليم من صراد وأشجع
ألا إن بلغتم سالمين فأبلغوا ... تحية مرميّ بسهمين موجع
ومما يختار له قوله
هاج البكاء وعاق منه صدوح ... خطباء باكية على التفراح
стр. 93
تدعو هديلا في ذرا عبرية ... عيناء ليس عيونها بصواح
ناحت بما علمت ولست بنائح ... وأبت على دأب الدلال بصاح
ومما يستحسن له قوله:
سل الله صبراً واعترف بفراق ... عسى بعد بين أن يكون تلاق
ألا ليتني قبل الفراق وبعده ... سقاني بكأس للمنية ساق
أخبار العماني
واسمه محمد بن ذؤيب، وهو من بني نهشل بن دارم من بني فقيم. حدَّثني أبو مالك عبيد الله بن محمد قال: حدثني بن الرياشي قال: قال الأصمعي: مات العماني وهو ابن ثلاثين ومائة سنة، ولم يكن عمانياً، وإنما غلب عليه العماني. وكان السبب في ذلك أن دكيناً الراجز نظر إليه وهو يسقي الإبل ويرتجز، فرآه مصفراً ضريراً فقال: من هذا العماني؟ لصفرة وجهه، فلزمه ذلك.
قال الرياشي: قال الأصمعي: دخل العماني على الرشيد لينشده، وعليه قلنسوة طويلة، وخف ساذج، فقال له الرشيد: إياك أن تنشدني إلا وعليك عمامة عظيمة وخفان دلقمان.
стр. 94
فانصرف عنه في اليوم، فلما كان من الغد غدا على الرشيد وقد تزيا بزي الأعراب، ثم أنشده وقبل يده وقال: يا أمير المؤمنين قد والله أنشدت مروان بن محمد فرأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته، ومن قبله يزيد ابن الوليد وإبراهيم بن الوليد، ثم أبا العباس السفاح، مدحته ورأيت وجهه، وقبلت يده وأخذت جائزته، ثم مدحت المنصور ثم المهدي ثم الهادي ثم إلى كثير من أشباه الخلفاء والأمراء والسادة والروساء، والله يا أمير المؤمنين أمير المؤمنين ما رأيت فيهم أبهى منظراً، ولا أحسن وجهاًن ولا أندى راحة منك يا أمير المؤمنين. قال: فأجزل له الجائزة على شعره، وأضعفها على كلامه، وأقبل عليه بوجهه وتبسم له وبسطه، حتى تمنى جميع من حضر من الشعراء والخطباء والبلغاء والوفود الذين عنده أنهم قاموا ذلك المقام. وطار اسم العماني بذلك.
وحدثني حيان بن علي البصري قال: حدثني الرياشي عن الأصمعي قال: كان العماني شاعراً قديماً مفلقاً مطبوعاً مفيداًن وكان جيد الرجز والقصيد غير أن الأغلب عليه الرجز، وكان يصف الفرس فيجيد ويحسن.
ومن قوله في ذلك:
كأن تحت البطن منها أكلبا ... بيضاً صغاراً ينتهشن القبقبا
ومما يختار له كلمته في المهدي:
الحمد لله الذي بحمده ... من على عباده بعبده
مهدينا الهادي الذي برشده ... أصبح بين غوره ونجده
стр. 95
وكل حر يرتجي من رفده ... فضل الذي بمجده
يا بن الذي كان نسيج وحده ... أثبت لهاورن مكان ورده
بمشرع يشفي الصدى ببرده ... وأشفع لنا موسى به من بعده
يا ابن أبيه وشبيه جده ... يعرف منه جده بجده
حذو الشراك قده بقده ... إنك إن عضدته بعضده
شددت زنده ساعد بزنده ... وقد جرت كواكب بسعده
قل للإمام وولي عهده ... رديت موسى بردها فرده
خليفة الله بمثل بردهوالحم الأمر له وسده
عن واجب من حقه وأده ... وادعم لنا أركان مصلخده
بمنكبيه يدفعا عن ضده ... وعن عرا الملك وعن مقوده
بالبيض تترى خلقاً من سرده ... والخير لا يعرف ما لم تبده
كالسيف لا تعرفه في غمده ... حتى ترى بصائراً من حده
ضربا يزيل الهام عن ألده ... وما على الناصح فوق جهده
ومما يستحسن له كلمته في الرشيد:
لما أتانا خبر كالشهد ... شبت بماء نقرة صلند
جاءت به البرد وغير البرد ... ودعت هنداً وقطين هند
وكنت في سلوة عيش رغد ... مع الحسان الخفرات الخرد
стр. 96
فجئت من حنظلة وسعد ... اطوي الدياميم بسير أدّ
على بنات الأرحبي الوخد ... بكل نشز وبكل وهد
إلى امرئ له أباد عندي ... واجبة الحق ولم أود
حقوقها ولو جهدت جهدي ... هارون يا فرخ فروع المجد
ويا ابن أشياخ الحطيم التلد ... القائمين الليل بعد الرقد
لله يرجون جنان الخلد ... أنت الذي عند اصطكاك الورد
لما خشيت بغي أهل الحشد ... وكدت كل حاسد صلخد
شددت زند ساعد بزند ... ببيعة تشفي غليل الكبد
يا بردها للمشتفي بالبرد ... أصبحت للإسلام خير عضد
وللمطيع عسلاً بزبد ... لما قدمت ببين باقي الجند
في وفد بيت الله خير وفد ... قالت قريش وهي أخت حتد
جاء الغنى ووثقوا بالرفد ... عن ملك نائله لا يكدى
يعطي الجزيل ويفي بالوعد ... كأنما سيمته في البرد
بين كهول هاشم والمرد ... بدر بدا بين نجوم السعد
ومما يستحسن له ويختار قوله:
لا يستوي منعم بندار ... له قيان وله حمار
стр. 97
مقصص قصصه البيطار ... يطيف في السوق به التجار
وعربي برده أطمار ... يظل في الطرف له عثار
قد نصلت من رجله الأظفار ... يأوي إلى حصن له أوار
أحدب قد مال له الجدار ... لا درهم فيه ولا دينار
يأكل هزلي الفار فيه الفار ... في بلدة عال لها الغبار
ليس على كهل بها وقار ... مثل الشياطين إذا استثاروا
لهم دنان ولهم جرار ... وفاشفارات لها قتار
في اليسر لا يطمع فيه الجار
ومما يستحسن له هذه الأبيات:
يا رب شيخ عرق الجبين ... يغدو ببغذاذ مع الغادين
بعارضيه شبه الطحين ... وليس في دنيا ولا لدين
وواقف في متواقفين ... بباب كل مخصب بطين
في ثوب قوهي وثوب لين ... إذا دعا لجمل سمين
وفاشفارات مع الطردين ... حاسر كفين بفارحين
هانت عليه حاجة المسكين وله أشياء حسان كثيرة، وكان يوزن بالعجاج ورؤبة، بل كان أطيع
стр. 98
منهما. وكان من أقرانهما في السن والزمان، وأقران دكين وأبي النجم العجلي، إلا أنه عاش وبقي حتى أدرك أيام الرشيد، وقد امتدح الحجاج بن يوسف.
أخبار الحسين بن مطير
حدثني عبد الله بن محمد الخزري قال: حدَّثني التوزي قال: قلت لأبي عبيدة: ما تقول في شعر ابن مطير؟ قال: إنه ليقع من شعره الشيء بعد الشيء فيكثر تعجبي من كثرة بدائعه، فإذا لقيته فأعلمه أن شعره من أعجب الشعر إليّ.
ومما قال:
كأننا يا سليمى لم نلم بكم ... وتحتنا علسيات ملاجيج
ولم نكلمك في الحساد قد حضروا ... وفي الكلام عن الحاجات تلحيج
ولم نقل يوم سارت عيسكم عنقاً ... والدوسري بجذب الساج مجروج
: سقى سقى الله جيرانا لنا ظعنوا ... لما دنا من رياض الحزن تهييج
لم أخش بينهم حتى غدوا حزقاً ... واستوسقت بهم البزل العناجيج
فاحتث من خلفهم حاديهم غردا ... وجددت دون من تهوى الهواديج
стр. 99
تلكم دياركم بالقف دارسة ... يستن فيها عجاج الصيف والهوج
قفراً خلاء المغاني ما يظل بها ... إلا الظباء وغربان مشاحيج
فيها أوار وآثار لعرصتها ... وماثل ناحل في الدار مشجوج
دار لناعمة بيضاء، حلتها ... عصب يمان وبرد فيه تدبيج
ومورد آجن سدم مناهله ... كأن ريق الدبى فيهن ممجوج
زارتك سلمة والظلماء داجية ... والعين هاجعة والروح معروج
فمرحباً بك من طيف ألم بنا ... وليس يا سلم بي في السلم تحريج
هل يدنينك من سلمى وجيرتها ... قلائص أرحبيات خراجيج
هدل المشافر أيديها موثقة ... زج وأرجلها زل، هزاليج
قالت: تغيرت عن ودي فقلت لها: ... لا والذي بيته يا سلم محجوج
ما أنس لا أنس منكم نظرة سلفت ... في يوم عيد ويوم العيد مخروج
فهذا، كما ترى، شعر كأنه الديباج، بل نظم الدر في حسن وصف، وإحكام رصف وهو الذي يقول:
نزل المشيب فما يريد براحا ... وقضى لبانته الشباب فراحا
لا تبعدن من أليل ذي لذة ... وغضارة تدع المراض صحاحا
ما كنت بائعه بشيء يشترى ... أبداً ولو أني أصبت رباحا
стр. 100
فعلى الشباب تحية من زائر ... يغدو ويطرق ليلة وصباحا
وبنازل لما أراد إقامة ... أهلاً، أراد مروءة وصلاحا
فدع الشباب فقد مضى بسبيله ... وانظر بعينك بارقاً لماحا
ما زال يدفعه الصبا دفع الطلا ... من لعلع حتى أضاء ولاحا
جون الرباب عصى الرياح على الربا ... متبركا من فوقها إلحاحا
فعلى كحيل بني فنان على الذرا ... حوا ودهما يستردن بطاحا
وكأن أصوات الحجيج عشية ... يبغون بالصوت الرفيع فلاحا
فيه، وأصوات الروائم فارقت ... أولادها فلججن بعد رواحا
يغشى الوحوش بمرسل من مائه ... مثل الزقاق ملأتهن رياحا
وترى صفوف الوحش في حافاتها ... كثمود يوم رغا الفصيل فصاحا
وكأن يثرب إذ علاها وبله ... بلد ثغوت أهلها لبياحا
ومما يستحسن له كلمته التي يقول له:
لقد كنت جلدا قبل أن يوقد الهوى ... على كبدي ناراً بطيئاً خمودها
ولو تركت نار الهوى لتضرمت ... ولكن شوقاً كل يوم وقودها
فقد جعلت في حبة القلب والحشا ... عهاد الهوى تولي بشوق يزيدها
وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي ... إذا قدمت أيامها وعهودها
لمرتجة الأرداف هيف خصورها ... عذاب ثناياها عجاف قيودها
стр. 101
وصفر تراقيها وحمر أكفها ... وسود نواصيها وبيض خدودها
يمنيننا حتى ترف قلوبنا ... رفيف الخزامى تحت طل يجودها
وفيهن مقلاق الوشاح كأنها ... مهاة بسران طوال قدودها
مخصرة الأطراف زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها
ومما يستحسن له قوله:
خليلي من عمرو قفا فتعرفا ... لسهمة دار بين لينة والحبل
وفيهن مقلاق الوشاحين طفلة ... مبتلة الأطراف ذات شوى خدل
حصان لها لونان جون وواضح ... وخلقان شيء من لطيف ومن عسل
وسنتها بيضاء واضحة السنا ... وذروتها مسودة الفرع والأصل
فيا عجباً مني ومن حب قاتلي ... كأني أجازيه المودة عن قتلي
ومن غنيات الحب أن كان أهلها ... أحب إلى قلبي وعيني من أهلي
ومن السائر المجاز لابن مطير كلمته في وصف السحاب والمطر - وكان من أحذق الشعراء بذلك وهي قوله:
كثرت لكثرة قطره أطباؤه ... فإذا تحلب فاضت الأطباء
وكجوف ضرته التي في جوفه ... جوف السحاب سبحلة جوفاء
стр. 102
وكأن بارقه حريق يلتقي ... ريح عليه عرفج وألاء
مستعبر بمدامع مستضحك ... بلوامع لم تمرها الأقذاء
وله بلا حزن ولا بمسرة ... ضحك يراوح بينه وبكاء
لو كان من لجج السواحل ماؤه ... لم يبق في لجج السواحل ماء
وكان سبب هذه القصيدة أن والياً كان على المدينة، دخل عليه ابن مطير - وكان قيل له: هذا أشعر الناس - فأراد أن يختبره، فقال له: قد نشأت سحابة مكفهرة يا ابن مطير، فقل فيها، فقد أرسلت عزاليها فقال هذه القصيدة التي أثبتنا منها هذه الأبيات.
ومما يختار له قوله:
خليلي هذي زفرة اليوم قد مضت ... فما بعد مي زفرة قد أطلت
ومن زفرات لو قصدن قتلنني ... تقض التي تأتي التي قد تولت
ومما يستحسن قوله:
وكنت أذود العين أن ترد البكا ... فقد وردت ما كنت عنه أذودها
خليلي ما في العيش عتب لو أنني ... وجدت لأيام الصبا منن يعيدها
وهو من المكثرين المجيدين المعروفين، وحسبنا ما أوردناه من أخباره دليلاً على سائر نمطه.
стр. 103
أخبار ابن مناذر
حدَّثني أبو الأسود محمد بن الفضل قال: حدَّثني إسحاق بن عمرو العدوي قال: كان محمد بن مناذر من أهل عدن، وكان وقع إلى البصرة لكثرة العلماء والأدباء بها، فما زال يلزم أهل الفقه وأصحاب الحديث والأدب حتى بلغ من ذلك أقصى مبلغ، وكان على ستر وصلاح وحلم ووقار، إلى أن اشتهر بعبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي ثم خرج إلى مكة بعد موت عبد المجيد وأقام بها.
قال إسحاق: فحدثني الحجاج الصواف قال: خرجت إلى مكة، وكان بيني وبين ابن مناذر بالبصرة وصحبة وصداقة، فلما وافيت مكة فسألت عنه فقيل لي هو في المسجد الحرام - قال - فأتيته وحوله أصحاب الشعر والأخبار وأهل النحو والغريب يكتبون عنه، وأنا أظن أن به من الشوق إليّ مثل الذي بي إليه، وأنه إذا عاينني قام إلي وعانقني - قال - فرفع رأسه ونظر إليّ، ثم أقبل على القوم يحادثهم ولا يحفل لي، فقلت في نفسي: تراه ذهبت عنه معرفتي؟ فأقبل أبو الصلت - وكان لنا صديقاً - فلما رآه أقبل عليّ، قال لي: أتعرف هذا؟ قلت: نعم، هذا الذي يقول فيه من قطع الله لسانه:
إذا أنت تعلقت ... بحبل من أبي الصلت
تعلقت بحبل وا ... هن القوة منبتٍّ
стр. 104
فخذ من ورق الدفلى ... وخذ من ورق القت
وخذ من جعد غيلان ... وخذ من أظفار نسخت
فأقبل ساعة ثم أقبل على القوم ساعة، ثم رفع رأسه إليّ وقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل البصرة قال: أين منزلك بها؟ قلت في ناحية بني عايش بموضع يقال له الصوافين، فقال: فتعرف ابن زانية يقال له الحجاج الصواف؟ قلت: نعم تركته ينيك ابن مناذر. فضحك ثم قام إليّ فعانقني.
وحدثني العروضي قال: قال لي أبو إسحاق: قال العتبي: رأيت محمد بن مناذر وقد قام بمكة وقت الموسم ينادي بأعلى صوته: معاشر الناس، مناذر قرية، وأنا ابن مناذر.
وحدثني محمد بن يزيد قال: حدثني محمد بن عامر الحنفي قال: كان ابن مناذر مولى لبني يربوع، وكان في أول أمره مستوراً حتى علق عبد المجيد الثقفي فانتهك ستره، فلما مات عبد المجيد خرج إلى مكة فلم يزل بها مجاوراً، وكان يجالس سفيان بن عيينة، وكان سفيان يسأله عن غريب الحديث ومعانيه فيجيبه عند ذلك.
стр. 105
وفي مدح هارون يقول ابن منذر قصيدته التي في نسبيها:
هل عندكم رخصة عن الحسن الب ... صري تروي أو ابن سيرينا
إنّ سفاهاً بذي الجلالة والشي ... بة ألا يزال مفتونا
لبست ثوب الصبا وبارقه ... وقد مضت من سني ستونا
لما رأينا هارون صار لنا الل ... يل نهاراً بضوء هارونا
فلو سألنا بحسن وجهك يا ... هارون صوب الغمام سقينا
وهو القائل في كلمة له:
ألا يا قمر المسج ... د هل عندك تنويل
شفاني منك لو تول ... تني شم وتقبيل
سلا كل فؤاد و ... فؤادي بك مشغول
لقد حملت من حب ... ك مالا يحمل الفيل
وهو يقول في آخر هذا الشعر:
وهذا الشعر في الوزن ... لمن كان له جول
مفاعيلن مفاعيلن ... مفاعيلن مفاعيل
ومن قول ابن مناذر يهجو خالد بن طليق، وكان على قضاء البصرة وكان كثير الخطإ:
قل لأمير المؤمنين الذي ... من هاشم في سرها واللباب
стр. 106
إن كنت للسخطة عاقبتنا ... بخالد فهو أشد العقاب
كان قضاة الناس فيما مضى ... من رحمة الله، هذا عذاب
يا عجبي من خالد كيف لا ... يغلط فينا مرة بالصواب
وله فيه أيضاً:
جعل الحاكم يا لل ... ناس من آل طليق
ضحكة يحكم في النا ... س برأي الجاثليق
أي قاض أنت للنق ... ص وتبطيل الحقوق
يا أبا الهيثم ما أن ... ت لهذا بخليق
لا ولا أنت لما حم ... لت منه بمطيق
ومرثيته في عبد المجيد قد سارت في الدنيا وذكرت في المراثي الطوال الجياد، وهي فحلة محكمة فصيحة جداً، وقد عارض بها أبا زبيد الطائي. ويقال: إنه قال لأبي عبيدة: احكم بين القصيدتين واتق الله ولا تقل: ذاك متقادم الزمان، وهذا محدث متأخر، ولكن انظر إلى الشعر واحكم لأفصحهما وأجودهما. فقال:
كل حي لاقى الحمام فمودي ... ما لحى مؤمل من خلود
لا تهاب المنون شيئاً ولا تر ... ى على والد ولا مولد
يقدح الدهر في شماريخ رضوى ... ويحط الصخور من هبود
ولقد تترك الحوادث والأيا ... م وهيا في الصخرة الجلمود
بعقل الله ما يشاء فيمضي ... ما لفعل الإله من مردود
стр. 107
فكأنا للموت ركب محث ... ون سراع لمنهل مورود
أين رب الحصن الحصين بسورا ... ء ورب القصر المنيف المشيد
شاد أركانه وبوبه يا ... بي حديد وحفه بجنود
كان يجبي إليه ما بين صنعا ... ء فبصرى فقريتي يبرود
فرمى شخصه فأقصده الده ... ر بسهم من المنايا سديد
ثم لم ينجه من الموت حصنٌ ... دونه خندق وبابا حديد
وملوك من قبله عمروا الأر ... ض أعينوا بالنصر والتأييد
وعزيز بالتاج معتصب أشو ... س يحمي الذمار جم العديد
ولو أن المنون أخلدن حيا ... لعلاء أخلدن عبد المجيد
إن عبد المجيد يوم تولى ... هد ركناً ما كان بالمهدود
ما درى نعشه ولا حاملوه ... ما على النعش من عفاف وجود
غيبوا في الصعيد حزماً وعزماً ... ولزاز الخصم الألد العنيد
ويح أيد حثث عليه وأيد ... غيبته، ما غيبت في الصعيد؟
هد ركني عبد المجيد وقد كنت بركن منه أبوء شديد
فبعبد المجيد تأمور نفسي ... عثرت بي بعد انتعاش جدودي
وسقاه ماء الشبيبة فاهت ... ز كغصن الأراكة الأملود
وسمعت نحوه العيون وما كا ... ن عليه لزائد من مزيد
فإذا ما ذكرته عرضت لي ... غصة في اللها وحبل الوريد
وكأني أدعوه وهو قريب ... حين أدعوه من مكان بعيد
стр. 108
فلئن كان لا يجيب فقد كا ... ن سميعا هشاً إذا هو نودي
يا فتىً كان للمقامات زيناً ... لا أراه في المحفل المشهود
خنتك الود لم أمت جزعاً بع ... د فإني عليك حق جليد
غير أني أبكيك ما حنت الني ... ب وحثت عيرانةٌ بقيود
لو فدى الحيّ ميتاً لفدت نفس ... ك نفسي وطارفي وتليدي
فبكرهي كنت المعجل قبلي ... وبرغمي دليت في ملحود
كنت لي عصمة وكنت سماء ... بك تحيا أرضي ويخضر عودي
تبلس الكاشح العدو على الضغ ... ن وتجزي بضعف ودّ الودود
عاد عبد المجيد رزءاً وقد كا ... ن رجاء لريب دهر كنود
كان عبد المجيد سم الأعادي ... ملء عين الصديق رغم الحسود
وهذه القصيدة طويلة جداً ولكنها موجودة مروية ومما يستحسن من شعره مرثيته هذه في عبد المجيد:
يا عين حق لك البكا ... ء لحادث الرزء الجليل
فابكى على عبد المجي ... د وأعولي كل العويل
وابكن لمبتاع الندى ... والحمد بالثمن الجزيل
لا يبعدن ذاك الفتى الف ... ياض ذو الباع الطويل
عجل الحمام به فودّ ... عنا وآذن بالرحيل
وأحثه يحدو بهحادي الحمام مع الأصيل
يحدو بمقتبل الشبا ... ب أغر كالسيف الصقيل
كسفت لفقدك شمسنا ... جزعاً وهمت بالأفول
стр. 109
لهفي على الثغر المعف ... ر منك والخد الأسيل
فاذهب فكل فتى ترا ... هـ سالكا قصد السبيل
وله في آل برمك:
أتانا بنو الأملاك من آل برمك ... فيا طيب أخبار ويا حسن منظر
لهم رحلة في كل عام إلى العدا ... وأخرى إلى البيت العتيق المستر
إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت ... بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فما خلقت إلا لجود أكفهم ... وأقدامهم إلا لأعود منبر
إذا رام يحيى الأمر ذلت صعابه ... وناهيك من داع له ومدبر
وهذه القصيدة طويلة جداً: ومما يختار له قوله:
رضينا قسمة الرحمن فينا ... لنا حسب وللثقفي مال
وما الثقفي إن جادت كساه ... وراعك شخصه إلا خيال
وابن مناذر من حذاق المحدثين ومذكوريهم وفحولهم، وإنما نورد دون أمثاله من المشهورين عند الخاصة لا العامة ولن ندع أن نأتي بصدر من شعر صالح لينتفع بذلك قارئ الكتاب ويعرف مكانه؟
أخبار أبي الشمقمق
حدثني الخصيب بن محمد الكوفي قال: حدثني ابن العلاف قال: مر أعرابي بأبي الشمقمق الشاعر فقال له: يا أعرابي. قال: ما تشاء؟ قال: أتقول الشعر؟ قال: بعضه، قال: خذ هذا الدرهم واهجني. قال:
стр. 110
فأطرق الأعرابي هنيهة ثم قال: ما رأيت أحداً يشتري الهجو بالثمن غيرك قال: وما أخذ. قال الأعرابي:
مررت بأير بغل مسبطر ... فويق الباع كالحبل المطوق
فما إن زلت أعركه بكفي ... إلى أن صار كالسهم المفوق
فلما أن طغى وربا وأندى ... ضربت به حر أم أبي الشمقمق
أزيدك، أم كفاك؟ وذاك أني ... رأيتك في التجارة لم توفق
فقال أبو الشمقمق: أعوذ بالله من الشقاء، ما كان أغناني عن هذه التجارة.
حدثني محمد بن يزيد قال: جعفر بن إسحاق المهلبي قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقول: ماتت ابنة عم للمنصور، فحضر المنصور دفنها، فلما صار على شفير القبر إذا هو بأبي الشمقمق. فقال له: ما أعددت لهذا الموضع؟ قال: ابنة عم أمير المؤمنين. فضحك المنصور في ذلك الموضع، على أنه قليل الهزل، وقد روى بعض الناس أن هذا الكلام لأبي دلامة مع المنصور.
ومما يروي له ويستحسن قوله:
عاد الشمقمق في الخسارة ... وصبا وحنّ إلى زراره
من بعد ما قيل ارعوي ... وصحا لأبواب الشطارة
من قهوة مسكية ... واللون مثل الجلنارة
следующие страницы →