← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

رأيت نواجذه (١). رابعاً: عن عبد الله ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن أشد الناس عذاباً عند الله المصورون» (٢). خامساً: عن عبد الله بن عمر-﵄-أن رسول الله ﷺ قال: «إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم» (٣). سادساً: عن عائشة-﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا متستِّرة بقرام (٤) فيه صورة، فتلون وجهه، ثم تناول الستر فهتكه، ثم قال: «إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة، الذين يشبهون بخلق الله» (٥).

стр. 2592

وفي رواية عنها، قالت: (قدم رسول الله ﷺ من سفر، وقد سترت على بابي درنوكاً (١) فيه الخيل ذوات الأجنحة، فأمرني فنزعته) (٢). سابعاً: عن عائشة-﵂: (أن النبي ﷺ لم يكن يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه) (٣). ثامناً: عن ابن عباس ﵄-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفساً، فتعذبه في جهنم» (٤). تاسعاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: سعمت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي؟ فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة» (٥).

стр. 2593

عاشراً: عن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الصورة في البيت، ونهى أن يصنع ذلك) (١). حادي عشر: عن جابر ﵁ (أن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب ﵁ زمن الفتح وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها النبي ﷺ حتى محيت كل صورة فيها) (٢). ثاني عشر: عن أبي الهياج الأسدي (٣)، قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ، أن لا تدع تمثالاً (٤) إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) (٥).

стр. 2594

وفي رواية عنه ﵁ قال: (ولا صورة إلا طمستها) (١). ويستدل منها على النسخ: بأن أحاديث عائشة-﵂-الثلاثة الأولى تدل على جواز اتخاذ اللعب والبنات من اللعب للبنات، والأحاديث المذكورة بعدها تدل على النهي عن الصور، وعلى تحريم صنعها واتخاذها، وعلى طمسها ومحوها أينما كانت، فتكون هذه الأحاديث ناسخة لما يدل عليه الأحاديث الثلاثة الأولى من جواز اتخاذ اللعب والبنات للبنات؛ لتأخرها عليها؛ حيث إن أحاديث عائشة-﵂ الثلاثة الأولى كانت عند دخول النبي ﷺ وبنائه عليها، وقبل غزوة خيبر، والأحاديث الدالة على النهي عن الصور وعلى تحريم اتخاذها كانت بعد ذلك؛ لأن ابن عباس ذكر أنه سمع النبي ﷺ يقول: «كل مصور في النار» وابن عباس ﵁ كان سماعه من النبي ﷺ بعد فتح مكة، كما أن أمر النبي ﷺ لعمر ﵁ بمحو الصور في حديث جابر ﵁، كان زمان الفتح. وهذا كان بعد غزوة خيبر؛ لذلك تكون الأحاديث الدالة على النهي عن الصور وعلى تحريم اتخاذها ناسخة لما يدل على جواز اتخاذ اللعب والبنات للبنات (٢).

стр. 2595

واعترض عليه: بأن ما ذكر من وجه الاستدلال للنسخ احتمال، ويحتمل أن يكون اتخاذ اللعب للبنات مخصوصاً من عموم النهي عن اتخاذ الصور، والنسخ لا يثبت بالاحتمال (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز اتخاذ اللعب للبنات، ولعبهن بها (٢). وذلك لما سبق في دليل القول بالنسخ من أحاديث عائشة ﵂ الثلاثة الأولى، ورأوا ذلك مخصصاً ومستثنى من عموم النهي عن اتخاذ الصور (٣). وذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز اتخاذ اللعب للبنات (٤).

стр. 2596

وذلك لعموم أحاديث النهي عن التصوير واتخاذ الصور، ورأوا أحاديث عائشة-﵂ في اللعب بالبنات من اللعب منسوخة بأحاديث النهي عن اتخاذ الصور (١). الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة، وأدلتهم، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الأولى هو القول بعدم جواز اتخاذ اللعب للبنات، وذلك لما يلي: أ- للأحاديث الكثيرة الصحيحة والصريحة في تحريم اتخاذ الصور، والأمر في بعضها بطمس الصور والتماثيل ومحوها، وهي أحاديث عامة تشمل اللعب للبنات إذا كانت صورة وتمثالاً، ولم يرد في واحد من تلك الأحاديث استثناء اللعب والبنات للبنات، فهو مما يدل على تعميم النهي والتحريم. ب- ولأن الأحاديث في تقرير النبي ﷺ لعائشة على اتخاذ اللعب المصورة تحتمل كونها قبل الأمر بمحو الصور وطمسها، فيكون ذلك منسوخاً بالأحاديث التي فيها الأمر بمحو الصور وطمسها، كما ذهب إليه غير واحد من أهل العلم (٢). ج- ولأن ما يدل على إباحة اتخاذ اللعب يحتمل أن يكون مخصوصة من النهي عن اتخاذ الصور، ويحتمل عدم ذلك، فصار متردداً بين الإباحة

стр. 2597

والتحريم، فكان تركه أولى؛ لقول النبي ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (١). ثانياً: إن القول بنسخ ما يدل على إباحة اتخاذ اللعب والبنات ذات الصورة للبنات، بالأحاديث التي تدل على محو الصور وطمسها، وعلى تحريم اتخاذها، قول له وجه واحتمال؛ وذلك لوجود قرائن تدل على تأخر تلك الأحاديث، إلا أنه يتطرق إليها احتمال تخصيصها بما يدل على الإباحة؛ لذلك لا يقطع فيها بالنسخ، إلا أن احتماله احتمال قوي. والله أعلم.

стр. 2598

المطلب الحادي عشر وضع الرجُل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره ذهب بعض أهل العلم إلى أن النهي من أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره قد نسخ؛ لذلك لا بأس بذلك. وممن صرح بالنسخ: الطحاوي (١)، وابن بطال (٢)، وأيده ابن عبد البر (٣)، وقواه العيني (٤). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلاف الآثار فيها سبب آخر لاختلافهم فيها (٥). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن جابر ﵁: (أن رسول الله ﷺ نهى عن اشتمال الصماء (٦)،

стр. 2599

والاحتباء (١) في ثوب واحد، وأن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى، وهو مستلق على ظهره) (٢). وفي رواية عنه ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يستلقيَنّ أحدكم ثم يضع إحدى رجليه على الأخرى» (٣). ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ (أنه نهى أن يثني الرجل إحدى رجليه على الأخرى) (٤). ثالثاً: عن أبي وائل (٥)، قال: كان الأشعث (٦)، وجرير بن عبد الله،

стр. 2600

وكعب، قعوداً فرفع الأشعث إحدى رجليه على الأخرى وهو قاعد، فقال له كعب بن عجرة: (ضمها، فإنه لا يصلح لبشر) (١). رابعاً: عن عبد الله بن زيد (٢) ﵁: (أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقياً في المسجد، واضعاً إحدى رجليه على الأخرى) (٣). خامساً: عن سعيد بن المسيب: (أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان-رضي الله عنهما-كانا يفعلان ذلك) (٤). سادساً: عن الحسن أنه قيل له: قد كان يكره أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى، فقال: (ما أخذوا ذلك إلا عن اليهود) (٥).

стр. 2601

ويستدل منها على النسخ بالوجهين التاليين: الوجه الأول: أن حديث جابر، وأبي هريرة، وكعب-﵃ يدل على النهي عن أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره، وحديث عبد الله بن زيد ﵁ يدل على جواز ذلك؛ حيث فعله النبي ﷺ ، فيكون ما يدل عليه حديث جابر ﵁ وما في معناه، منسوخاً بما يدل عليه حديث عبد الله بن زيد ﵁ لتأخره عليه؛ يدل على ذلك عمل الخلفاء بعد النبي ﷺ ؛ حيث جاء عن عمر، وعثمان-﵄-أنهما كانا يفعلان ذلك بعد النبي ﷺ ، ولا يجوز أن يخفي عليهما الناسخ من المنسوخ من سنن النبي ﷺ (١). واعترض عليه: بأن ما ذكر احتمال، ويمكن الجمع بين الحديثين بأن يحمل النهي حيث تبدو العورة، والجواز حيث يؤمن ذلك، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، كما لا يصار إليه مع إمكان الجمع بين الأدلة (٢). الوجه الثاني: أن حديث جابر ﵁ وما في معناه، يدل على النهي عن أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره، وحديث عبد الله بن زيد ﵁ يدل على جواز ذلك؛ حيث فعله النبي ﷺ ، فيكون ما

стр. 2602

يدل عليه حديث جابر ﵁ وما في معناه، منسوخاً بما يدل عليه حديث عبد الله بن زيد ﵁ لتأخره عليه؛ حيث يحتمل أن يكون ما يدل عليه حديث جابر ﵁ وما في معناه أنه كان من شريعة موسى ﵇، فكانت اليهود على ذلك؛ كما يدل عليه ما روي عن الحسن، فأُمر رسول الله ﷺ باتباع ما كانوا عليه، حتى يحدث الله له شريعة تنسخ ذلك، ثم أُمر رسول الله ﷺ بخلاف ذلك، وإباحة ذلك الفعل لما أباح الله له ما قد كان حظره على من قبله. ويدل على أن إباحة ذلك هو الناسخ، ما روي عن أبي بكر، وعمر وعثمان-﵃ أنهم كانوا يفعلونه بعد رسول الله ﷺ ، ولم ينكر عليهم أحد، وهم لا يخفى عليهم الناسخ من المنسوخ من سنن رسول الله ﷺ لقربهم من رسول الله ﷺ وعلمهم بأمره (١). ويعترض عليه بما اعترض به على الوجه الأول للنسخ. هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز وضع إحدى الرجلين على الأخرى عند الاستلقاء إذا أمن كشف العورة (٢).

стр. 2603

وذلك لحديث عبد الله بن زيد ﵁ وعمل عمر وعثمان، وجمع من الصحابة غيرهما-﵃-على وفقه، ثم حمل بعضهم النهي عنه في حديث جابر ﵁ وما في معناه، على ما إذا كان ينكشف به العورة، وحمله بعضهم على أنه كان ثم نسخ بالجواز (١). وذهب بعض أهل العلم إلى النهي عن وضع إحدى الرجلين على الأخرى عند الاستلقاء (٢). وذلك لحديث جابر ﵁ وما في معناه في النهي عنه (٣). ويعترض عليه: بأن تلك الأحاديث تدل على النهي عن أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى عند الاستلقاء، لكن جاء عن النبي ﷺ ما يخالفه، فيكون النهي في تلك الأحاديث إما منسوخاً كما سبق ذكره، أو أن النهي لعلة كشف العورة، فيختص به (٤). الراجح بعد عرض القولين، والأدلة في المسألة، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:

стр. 2604

أولاً: إنه يجوز وضع إحدى الرجلين على الأخرى عند الاستلقاء إذا أمن كشف العورة، وذلك لما يلي: أ- لحديث عبد الله بن زيد ﵁، ولما روى عن جمع من الصحابة-﵃ منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان-﵃ أنهم كانوا بعد رسول الله ﷺ يفعلون ذلك، ولا يرون به بأساً، مع قربهم من رسول الله ﷺ وعلمهم بهديه وسنته (١). ب- ولأن هذا القول يمكن أن يجمع به بين جميع الأدلة، وذلك بحمل ما يدل على النهي على ما إذا كان فيه كشف العورة، وحمل ما يدل على الجواز إذا عدم ذلك (٢). ج- ولأن النهي عن وضع إحدى الرجلين على الأخرى عند الاستلقاء على الظهر لا يخلو من وجهين، هما: ١ - أنه كان مطلقاً، فيكون منسوخاً بما يدل على الإباحة؛ لعمل الخلفاء الراشدين-﵃-عليه بعد رسول الله ﷺ ، كما سبق ذكره (٣). ٢ - أنه كان لعلة كشف العورة، لا مطلقاً، فيكون النهي مخصوصاً به (٤)،

стр. 2605

ويدل على ذلك ما روى عن الحسن أنه كان يفعله، وقال: (إنما كره له ذلك أن يفعله بين يدي القوم، مخافة أن ينكشف) (١). ثانياً: إن القول بأن ما يدل على النهي عن وضع إحدى الرجلين على الأخرى عند الاستلقاء قد نسخ، قول له احتمال، لكن الأولى عدم القول به، وذلك لما يلي: أ- لأنه احتمال، والنسخ لا يثبت به، كما سبق ذكره. ب- إنه يمكن الجمع بين الأدلة الواردة في المسألة، كما سبق ذكره، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة فإنه لا يصار معه إلى النسخ (٢). والله أعلم.

стр. 2606

المطلب الثاني عشر: قتل حيات البيوت ذهب بعض أهل العلم إلى أن النهي عن قتل حيات البيوت ناسخ لعموم الأمر بقتل الحيات، فيقتل جميع الحيات إلا حيات البيوت، فمن رأى منها شيئاً فلا يقتله حتى يحرج عليه ثلاثة أيام، فإن ظهر بعد ذلك فيجوز قتله. وممن قال بنحو هذا: ابن عبد البر (١)، والحازمي (٢)، وأبو حامد الرازي (٣)، وأبو إسحاق الجعبري (٤). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسالة (٥). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اقتلوا الحيات كلهن، فمن خاف ثأرهن فليس منّي» (٦). ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ما سالمناهن منذ

стр. 2607

حاربناهن، ومن ترك شيئاً منهن خيفة فليس منّا» (١). ثالثاً: عن ابن عمر-﵄-أنه سمع النبي ﷺ يخطب على المنبر يقول: «اقتلوا الحيات، واقتلوا ذا الطفيتين (٢) والأبتر (٣)، فإنهما يطمسان البصر، ويسقطان الحبل» قال عبد الله: فبينا أنا أطارد حية لأقتلها فناداني أبو لبابة (٤): لا تقتلها. فقلت: إن رسول الله ﷺ قد أمر بقتل الحيات، فقال: (إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت، وهي العوامر) (٥). رابعاً: عن أبي لبابة ﵁ (أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل الجان التي تكون

стр. 2608

في البيوت، إلا أن يكون ذا الطفيتين والأبتر، فإنهما يخطفان البصر، ويطرحان ما في بطون النساء) (١). خامساً: عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة (٢)، أنه دخل على أبي سعيد الخدري ﵁ في بيته، قال: فوجدته يصلي، فجلست انتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكاً في عراجين في ناحية البيت، فالتفَتُّ فإذا حية، فوثبت لأقتلها، فأشار إليّ أن اجلس. فجلست. فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار، فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم. قال: كان فيه فتى منّا حديث عهد بعرس، قال: فخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنصاف النهار، فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يوماً، فقال له رسول الله ﷺ : «خذ عليك سلاحك، فإني أخشى عليك قريظة» فأخذ الرجل سلاحه، ثم رجع فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به، وأصابته غيرة، فقالت له: أكفف عليك رمحك، وادخل البيت حتى تنظر مالذي أخرجني. فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدار، فاضطربت عليه، فما يُدرى أيهما كان أسرع موتاً الحية أم الفتى، قال: فجئنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا

стр. 2609

ذلك له، وقلنا: ادع الله يحييه لنا، فقال: «استغفروا لصاحبكم» ثم قال: «إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان» (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن بالمدينة نفراً من الجن قد أسلموا، فمن رأى شيئاً من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثاً، فإن بدا له بعد فليقتله، فإنه شيطان» (٢). ويستدل منها على النسخ: بأن بعض هذه الأحاديث يدل على قتل جميع الحيات سواء كانت من ذوات البيوت أم لا، وبعضها يدل على أنه لا يقتل منها ذوات البيوت غير ذي الطفيتين والأبتر، فيكون ما يدل على النهي عن قتل ذوات البيوت ناسخاً لعموم ما يدل على قتل جميعهن، لتأخره عليه؛ بدليل حديث أبي لبابة ﵁: (إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت، وهي العوامر)؛ فإنه يدل على تأخر النهي عن قتل ذوات البيوت على الأمر بقتل جميعهن (٣). هذا كان قول من فال بالنسخ، ودليله.

стр. 2610

وقد اختلف أهل العلم في قتل الحيات جملة على قولين: القول الأول: تقتل الحيات كلها في الصحاري، وتقتل ذو الطفيتين والأبتر في البيوت، ولا تقتل غيرهما من ذوات البيوت حتى يحرج عليهن ثلاثة أيام. وهو قول جمهور أهل العلم (١). وذلك للأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ؛ حيث إنها تدل على قتل الحيات إلا حيات البيوت غير ذي الطفيتين والأبتر، حتى يحرج عليها ثلاثاً (٢). القول الثاني: إن الحيات تقتل كلها في الصحاري والبيوت، في المدينة وغير المدينة. وهو قول بعض أهل العلم (٣). وذلك لأحاديث كثيرة تدل على قتل الحيات عامة، ومنها ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ من حديث ابن مسعود وأبي هريرة-رضي

стр. 2611

الله عنهما- (١). واعترض عليه: بأن تلك الأحاديث وإن كانت عامة إلا أنه جاء ت أحاديث تخصص عموم تلك الأحاديث، فيتعين القول بموجبها (٢). الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وأدلتهم، يظهر لي-والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إنه يقتل من الحيات ذو الطفيتين والأبتر أينما وجدت، ويقتل غيرها في الصحاري، ولا تقتل ذوات البيوت حتى يحرج عليها ثلاثة أيام، وذلك لما يلي: أ- لأن على هذا القول يجمع بين جميع الأحاديث الواردة في قتل الحيات، وحديث أبي لبابة مفسر لذلك ومبين له (٣). ب- إنه وإن جاءت أحاديث مطلقة وعامة في قتل الحيات، إلا أنه جاء بعد ذلك استثناء حيات البيوت، فيكون ذلك مخصصاً أو ناسخاً لعمومها، كما سبق ذكره. ثانياً: إن النهي عن قتل حيات البيوت جاء بعد الأمر بقتل الحيات عامة، كما جاء ذلك مصرحاً في حديث أبي لبابة ﵁، فبعض أهل العلم

стр. 2612

يسمي ذلك مخصصاً للعموم، ولا يطلق عليه نسخاً، وبعض أهل العلم يسميه نسخاً. لكن إذا كان كل ما يحتمله العموم داخلاً في الأمر أو النهي عن الشي، ومراداً به، فإن إخراج بعضه يعتبر نسخاً (١). وعلى هذا فإن القول بنسخ عموم الأمر بقتل الحيات بالنهي عن حيات البيوت قول صحيح ومعتبر؛ لأن بعض الأحاديث ومنها حديث ابن عمر ﵁ يدل على أن الأمر بقتل الحيات كان عاماً، وشاملاً لجميع الحيات، ثم أخرج من هذا العموم حيات البيوت بالنهي عن قتلها، فيكون ذلك ناسخاً لقتل حيات البيوت، كما ذهب إليه غير واحد من أهل العلم (٢). والله أعلم.

стр. 2613

المطلب الثالث عشر: قول (ما شاء الله وشئت) أو (شاء فلان) ذهب بعض أهل العلم إلى أن قول الرجل: (ما شاء الله وشئت) أو قوله: (ما شاء الله وشاء فلان) كان يجوز أولاً، ثم نهي عن ذلك فأُمر بقول: (ما شاء الله ثم شئت) أو قول: (ما شاء الله ثم شاء فلان) فنسخ بذلك الإباحة السابقة، وصار محرماً. وممن قال بنحو هذا ورآه: الحازمي (١)، وأبو حامد الرازي (٢)، وأبو إسحاق الجعبري (٣). وجمهور أهل العلم وإن لم يصرحوا بالنسخ، إلا أنه لا خلاف بين الجميع في عدم جواز أن يقال: (ما شاء الله وشئت، أو شاء فلان) بل يقول: (ما شاء الله ثم شئت، أو شاء فلان) (٤). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن الطفيل بن سخبرة (٥) ﵁ أخي عائشة لأمها أنه قال:

стр. 2614

رأيت فيما يرى النائم كأني أتيت على رهط من اليهود، فقلت: من أنتم؟ فقالوا: نحن اليهود. فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله. قالوا: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم أتيت على رهط من النصارى، فقلت: من أنتم؟ فقالوا: نحن النصارى. فقلت: إنكم تقولون: المسح ابن الله. فقالوا: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبح أخبر بها من أخبر، ثم أخبر بها النبي ﷺ فقال: «هل أخبرت بها أحداً؟» قلت: نعم. فقام رسول الله ﷺ خطيباً فحمد الله وأثني عليه، ثم قال: «أما بعد، فإن طفيلاً رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم، وإنكم تقولون الكلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد» (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: قال رجل من المشركين لرجل من المسلمين: نعم القوم أنتم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فسمع النبي ﷺ فقال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ثم

стр. 2615

شاء محمد» (١). ثانياً: عن حذيفة بن اليمان-﵄: أن رجلاً من المسلمين رأى في النوم أنه لقي رجلاً من أهل الكتاب فقال: نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. وذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «أما والله إن كنت لأعرفها لكم، قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد» (٢). ثالثاً: عن قُتَيلة-﵂ امرأة من جهينة-أن يهودياً أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تُندِّدون، وإنكم تشركون؛ تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة!. (فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ويقولون: ما شاء الله ثم شئت) (٣). وفي رواية عنها-﵂-قالت: أتى حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا

стр. 2616

محمد، نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون. قال: «سبحان الله، وما ذاك؟» قال: تقولون إذا حلفتم: والكعبة. قالت: فأمهل رسول الله ﷺ شيئاً، ثم قال: «إنه قد قال، فمن حلف فليحلف برب الكعبة». ثم قال: يا محمد، نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله نداً، قال: «سبحان الله، وما ذاك؟» قال: تقولون: ما شاء الله وشئت. قال: فأمهل رسول الله ﷺ شيئاً، ثم قال: «إنه قد قال، فمن قال: ما شاء الله فليفصل بينهما: ثم شئت» (١). رابعاً: عن ابن عباس-﵄: أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما شاء الله وشئت. فقال: «جعلتني لله عدلاً، بل ما شاء الله وحده» (٢). وفي رواية عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا حلف أحدكم فلا يقل: ما شاء الله وشئت، ولكن ليقل: ما شاء الله ثم شئت» (٣). خامساً: عن عائشة-﵂-أنها قالت: قالت اليهود: نعم القوم قوم محمد لولا أنهم يقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فقال ﷺ : «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده) (٤). ويستدل منها على النسخ: بأن في بعض هذه الأحاديث ما يدل على أن النبي ﷺ أقرهم على قول ما شاء الله وشئت، فهو يدل على إباحته، ثم نهاهم عن ذلك، كما يدل عليه جميع تلك الأحاديث، فيكون الإباحة السابقة

стр. 2617

منسوخة بالنهي اللاحق؛ لتأخره عليها (١). ولا خلاف بين أهل العلم في عدم جواز أن يقال: (ما شاء الله وشئت، أو شاء فلان) بل يقول: (ما شاء الله ثم شئت، أو شاء فلان) (٢). وذلك للأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ، والتي تدل على النهي عن ذلك، كما سبق ذكره (٣). ويظهر -والله أعلم بالصواب- صحة قول النسخ؛ لأن بعض تلك الأحاديث يدل على سكوت النبي ﷺ عمن قال تلك المقالة، وهو دليل الإباحة، ثم نهى عنها بعد ذلك، فنُسخ به الإباحة السابقة (٤). والله أعلم.

стр. 2618

المطلب الرابع عشر: كتابة الأحاديث ذهب بعض أهل العلم إلى أن النبي ﷺ كان نهى أولاً عن كتابة الأحاديث؛ وذلك خشية أن يختلط الوحي الذي يُتلى بالوحي الذي لا يُتلى، فلما أمن ذلك أذن في كتابة الأحاديث، فنُسخ به النهي السابق (١). وممن صرح بالنسخ: ابن شاهين (٢)، وابن القيم (٣). ورجحه ابن حجر (٤). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، كما أن تعارض الآثار سبب آخر للاختلاف فيها (٥). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» (٦).

стр. 2619

ثانياً: عن زيد بن ثابت ﵁: (أن النبي ﷺ نهى أن يكتب حديثه) (١). ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ يقول: (ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثاً عنه منّي، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب) (٢). رابعاً: عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي ﵁: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أُعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: (العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر) (٣). خامساً: عن أبي هريرة ﵁ قال: لما فتح الله عز جل على رسول الله ﷺ مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لن تحل لأحد كان قبلي، وإنها أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي، فلا ينفَّر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد. ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفدى وإما أن يقتل» فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله،

стр. 2620

فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله ﷺ : «إلا الإذخر»، فقام أبو شاه (١) رجل من أهل اليمن، فقال: اكتبوا لي يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : «اكتبوا لأبي شاه» (٢). سادساً: عن ابن عباس ﵁ قال: لما حُضر رسولُ الله ﷺ ، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، فقال النبي ﷺ : «هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده»، فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت. فاختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ كتاباً لن تضلوا بعده. ومنهم من يقول ما قال عمر. فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : «قوموا» (٣). ويستدل منها على النسخ: بأن حديثي أبي سعيد، وزيد بن ثابت ﵄-يدلان على النهي عن كتابة الأحاديث، والأحاديث

стр. 2621

المذكورة بعدهما تدل على جوازه، فتكون هذه الأحاديث ناسخة للنهي في حديثيهما؛ لتأخر هذه الأحاديث على حديثهما؛ لأن عبد الله بن عمرو ﵁ لم يزل يكتب بعد أن أذن له النبي ﷺ في الكتابة، ومات وعنده كتابته، وأمر النبي ﷺ بكتابة خطبته لأبي شاه عام فتح مكة، وقال عند موته: «هلم اكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده». فدل ذلك على جواز كتابة الأحاديث ونسخ النهي السابق؛ لأن النهي كان حين كان الخوف من التباس الحديث واختلاطه بالقرآن، فلما عرفوا الفرق بينهما وميزوا، أذن لهم في كتابة الأحاديث، فرفع به النهي السابق (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وكتابة الأحاديث وإن كان فيه خلاف بين السلف عملاً وتركاً، إلا أن الأمر استقر بعدهم، وانعقد الإجماع على جواز كتابة الأحاديث بل على استحبابه (٢). وذلك لأحاديث كثيرة تدل على جوازه، وقد سبق بعضها في دليل

стр. 2622

القول بالنسخ (١). والذي يظهر- والله أعلم بالصواب- هو صحة قول من قال بنسخ النهي عن كتابة الأحاديث، وذلك لتأخر ما يدل على جواز الكتابة، كما سبق ذكره. والله أعلم.

стр. 2623

الخاتمة

стр. 2624

[الخاتمة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي هدانا للإسلام، ووفقنا إلى الهداية، وجنبنا الغواية والضلالة، ووفقني لإتمام هذا البحث، فله الحمد والمنة أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً. وبعد: فمع الرحلة الممتعة الطويلة مع البحث في موضوع النسخ ومسائله عرضاً واستطراداً، وشرحاً وتفصيلاً، ونقداً وترجيحاً، أذكر في الخاتمة أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال دراسة الموضوع، فأقول وبالله التوفيق وله المنة والفضل: ١ - إن معرفة الناسخ والمنسوخ في الشريعة الإسلامية من الأهمية بمكان؛ والدليل على ذلك وعلى فضيلة علمه أن معرفته من الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيراً كثيراً. وأن أهل العلم لم يجوزوا لمن لم يعرف الناسخ والمنسوخ أن يفتي؛ ولذلك جعلوا معرفته من شروط الاجتهاد. كما أن اعتبار مسألة منسوخة أو عدم ذلك، له أثر بارز في اختلاف أهل العلم في كثير من المسائل الفقهية. ٢ - إن النسخ في اللغة يأتي بمعنى الانعدام، والمحو، والإبطال، والنقل والتحويل، والتبديل. أما النسخ شرعاً فقد اختلف فيه الاصطلاحات والاطلاقات عند المتقدمين و المتأخرين. ولقد بدا لي أن أعرفه بأنه: رفع حكم دليل أحد الوحيين، أو لفظ دليل الوحي المتلو، أو لفظه وحكمه معاً، بدليل من

стр. 2625

الوحيين، مع تراخيه عنه. ٣ - يفرق بين النسخ والتخصيص بفروق منها: أن النسخ لا بد فيه أن يكون الناسخ متراخياً عن المنسوخ، ومتأخراً عنه، بخلاف التخصيص. ومنها: أن النسخ لا يدخل الأخبار ولا يقع فيها، ولا يكون إلا بدليل من الكتاب أو السنة، بخلاف التخصيص. ومنها: أن النسخ يرفع حكم العام والخاص، أما التخصيص فلا يدخل في غير العام. ٤ - البداء يطلق في اللغة على الظهور بعد الخفاء، ويطلق على نشأة رأي جديد، لم يكن موجوداً من قبل. وكلا المعنيين يستلزم سبق الجهل وحدوث العلم، وكلاهما محال على الله تعالى. ويفرق بين البداء والنسخ: بأن في البداء يأمر الآمر، وهو لا يدري ما يؤول إليه الحال، بخلاف النسخ. كما أن سبب النسخ لا يوجب إفساد الموجب لصحة الخطاب الأول، والبداء يكون سببه دالاً على إفساد الموجب لصحة الأمر الأول. كما يفرق بينهما بأن النسخ يدل على قدرة الله ، وأن له ملك السماوات والأرض، فله أن يأمر بما يشاء، ويقرر ما يشاء، ويمحو ما يشاء؛ لأنه المالك والمليك. أما البداء فإن صاحبه إنما يأمر بخلاف أمره الأول لمصلحة أخطأه وجهله في الأمر الأول.

стр. 2626

٥ - قد دل على مشروعية النسخ أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، كما دل عليه أدلة من العقل. ولا خلاف في مشروعيته وجوازه عقلاً، ووقوعه شرعاً، إلا ما روي عن بعض اليهود إنكارهم للنسخ؛ حيث زعم بعضهم عدم جوازه عقلاً وشرعاً، وزعم بعضهم جوازه عقلاً لا شرعاً، وزعم بعضهم عكس ذلك. ويرد على مزاعمهم: بأن النسخ وجد في شريعة موسى ﵇؛ حيث إن الشحوم كانت مباحة لهم، وكذلك الاصطياد يوم السبت، ثم حرم ذلك عليهم. وروي كذلك عن شرذمة من المسلمين إنكارهم للنسخ، لكنهم لم ينكروا نسخ الشرائع السابقة بشريعة الإسلام، بل أنكروا وقوع النسخ في الشريعة الإسلامية. ويرد عليهم: بأن قولهم مخالف للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، كما أنه مخالف للواقع. ٦ - وقوع النسخ في الشريعة له حِكَم كثيرة، منها: الحفاظ على مصالح العباد، و التدرج في تشريع الأحكام، والرحمة بالعباد والتخفيف عنهم، وبيان كمال الشريعة الإسلامية وأنها تفي بحاجات الإنسانية في مرحلتها التي انتهت إليها، وأنها تصلح للأفراد والمجتمعات بجميع أشكالها وألوانها، وتصلح لكل زمان ومكان. ٧ - من شروط النسخ: أن يكون بدليل شرعي، وأن يكون المنسوخ

стр. 2627

حكماً شرعياً، وأن لا يكون الحكم السابق مقيداً بوقت، وأن يكون الحكم في الناسخ متناقضاً لحكم المنسوخ بحيث لا يمكن العمل بهما جميعاً، وأن يكون الحكم المنسوخ متقدماً قبل ثبوت الحكم الناسخ، وأن يكون الناسخ منفصلاً عن المنسوخ ومتراخياً عنه. ٨ - النسخ الواقع في القرآن على ثلاثة أنواع: ما نُسخ تلاوته وحكمه معاً، وما نُسخ حكمه دون تلاوته، وما نُسخ تلاوته دون حكمه. ٩ - نسخ القرآن بالقرآن لا خلاف في جوازه ووقوعه بين من قال بجواز النسخ. أما نسخ القرآن بالسنة ففيه قولان لأهل العلم: الجواز وعدمه. لكن الأظهر أنه لا مانع من نسخ القرآن بالسنة، وإن كان في وقوعه خلاف قوي. ١٠ - لا خلاف في جواز نسخ السنة المتواترة بالمتواترة، والآحادية بالمتواترة، والآحادية بالآحادية. أما نسخ السنة المتواترة بالآحادية، فذهب الجمهور إلى عدم جوازه. وذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك ووقوعه، ويظهر رجحان هذا القول لقوة دليله. ١١ - يجوز نسخ السنة بالقرآن عند أكثر أهل العلم، وذهب بعض أهل العلم إلى عدم جوازه، وقول الجمهور أقوى وأرجح؛ لوقوع نسخ السنة بالقرآن في مسائل كثيرة، وعدم وجود دليل واضح يمنع من ذلك.

стр. 2628

١٢ - الأحكام الشرعية التكليفية يقع نسخها على أوجه مختلفة، فالفرض والواجب قد ينسخ من الوجوب إلى المنع، وقد ينسخ إلى الاستحباب، وقد ينسخ إلى الإباحة. والمندوب والمستحب قد ينسخ من الاستحباب إلى الوجوب، وقد ينسخ إلى التحريم، وقد ينسخ إلى الإباحة. والمباح قد ينسخ من الإباحة إلى التحريم، وقد ينسخ إلى الكراهة، وقد ينسخ إلى الوجوب. والحرام قد ينسخ من التحريم إلى الاستحباب والندب، وقد ينسخ إلى الإباحة. ١٣ - النسخ قد يكون إلى بدل من حكم شرعي، وقد يكون إلى غير بدل، ثم النسخ إلى بدل قد يكون إلى مثله في التخفيف والتغليظ، وقد يكون إلى بدل أخف على نفس المكلف من الحكم السابق، وقد يكون إلى أغلظ وأثقل من الحكم السابق. ١٤ - لا يكون النسخ إلا في زمن النبي ﷺ ؛ لأنه لا يكون إلا بدليل من الكتاب أو السنة، وهو قد انقطع بموت النبي ﷺ . أما الإجماع فليس بناسخ؛ لأنه لا يصح إلا بعد موت النبي ﷺ ، لكن الإجماع قد يكون دليلاً على النسخ. ثم النسخ في زمن النبي ﷺ قد يكون بعد العلم والعمل بالمنسوخ،

стр. 2629

وهو يجوز بلا خلاف، وقد يكون بعد العلم بالمنسوخ واعتقاد وجوبه، وقبل العمل به، أو قبل التمكن من العمل به، وهو يجوز عند جمهور أهل العلم، وهو الصحيح والأقوى لوجود ما يدل على وقوعه. أما النسخ قبل العلم بالمنسوخ واعتقاد وجوبه فلا يجوز بلا خلاف. ١٥ - يدخل النسخ ويقع في الأمر والنهي- ولو بلفظ الخبر- الدالان على الأحكام الشرعية العملية من العبادات والمعاملات. ولا يقع النسخ في أصول الاعتقاد، وأصول العبادات والمعاملات، وأمهات الأخلاق، ومدلولات الأخبار المحضة. ١٦ - لمعرفة النسخ طرق، منها: أن يكون في أحد النصين ما يدل على تعيين المتأخر منهما، سواء كان في اللفظ ما يصرح بذلك، أو يكون لفظ النص متضمناً التنبيه على النسخ. ومنها: إجماع الأمة على أن هذا الحكم منسوخ، وأن ناسخه متأخر. ومنها: أن يرد عن طريق صحيح عن أحد من الصحابة ما يصرح بتقدم أحد النصين على الآخر. ومنها: أن ينقل ويثبت عن النبي ﷺ حكم شيء، ثم يثبت عنه من فعله حكماً يخالف الحكم السابق. ومنها: أن يعلم بالتاريخ تقدم أحد الدليلين على لآخر، فيكون المتأخر ناسخاً للمتقدم. أما قول أحد الصحابة: هذا ناسخ وهذا منسوخ، فهو أحد طرق معرفة

стр. 2630

النسخ عند بعض أهل العلم، وليس هو من طرق معرفة النسخ عند الجمهور. وليس من طرق معرفة النسخ أن يكون الراوي لأحد النصين أسلم بعد موت الراوي للنص المعارض له، كما ليس من طرقه كون أحد الراويين أسلم قبل الآخر، أو أن يكون من أحداث الصحابة دون الراوي للنص الآخر، أو أن يكون أحد النصين قبل الآخر في المصحف. كما ليس من طرق معرفته عند الجمهور كون أحد النصين موافقاً للبراءة الأصلية دون الآخر، وهو الأقوى والأرجح. أما إذا روى الصحابي حديثاً عن النبي ﷺ ثم عمل أو أفتى على خلافه، فهو أحد طرق معرفة النسخ عند بعض أهل العلم، وليس هو من طرقه عند الجمهور، وهو الأقوى والأرجح لأن عمله على خلاف ما رواه محتمل عدة احتمالات، فلا يتعين النسخ. كما أن عمل أهل المدينة على خلاف حكم شرعي لا يدل على نسخه عند الجمهور، خلافاً للبعض؛ وذلك لأن عملهم على خلاف حكم ليس بإجماع حتى يكون دليلاً على النسخ، كما أنه ليس دليلاً آخر مما ينسخ به. ١٧ - لأهمية موضوع النسخ بدء فيه التأليف منذ زمن مبكر؛ ثم بعض أهل العلم ألف في ناسخ القرآن ومنسوخه، وبعضهم ألف في ناسخ الحديث ومنسوخه، وبعضهم ألف في كليهما تأليفا مفردا ومستقلا.
следующие страницы →