← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

وقد سبق ما يعترض به على وجه الاستدلال من هذه الأدلة. دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو عدم جواز التكني بأبي القاسم مطلقاً-بما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ، من حديث أنس، وجابر، وأبي هريرة، ومحمد بن فضالة، ﵃؛ فإنها تدل على عدم جواز التكني بأبي القاسم (١). وذكروا: أن حديث علي ﵁ من خصوصيته، وأن حديث عائشة ﵂ ضعيف (٢). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث-وهو عدم جواز التكني بأبي القاسم لمن اسمه محمد، وجوازه لغيره- بما يلي: أولاً: عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من تسمّى باسمي فلا يكتني بكنيتي، ومن تكنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي» (٣).

стр. 2557

ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ (أن النبي ﷺ نهى أن يجمع أحد بين اسمه وكنيته، ويسمى: محمداً أبا القاسم) (١). قالوا: فهذان الحديثان يدلان على أن الممنوع هو الجمع بين اسم النبي ﷺ وكنيته، فمن لم يكن اسمه محمداً، فلا بأس بأن يكنى بأبي القاسم، وتكون هذان الحديثان مقيدة ومفسرة للأحاديث التي جاء فيها النهي عن التكنية بأبي القاسم مطلقاً (٢). واعترض عليه: بأن أحاديث النهي عن التكني بأبي القاسم مطلقاً أكثر، وأصح طريقاً (٣). دليل القول الرابع ويستدل للقول الرابع- وهو أن النهي عن التكني بأبي القاسم للتنزيه، فيجوز التكني به لكنه يكره وخلاف الأدب-بجميع الأحاديث السابقة في

стр. 2558

هذه المسألة. ووجه الاستدلال منها: أن بعض تلك الأحاديث تدل على النهي عن التكني بأبي القاسم، وبعضها يدل على جوازه، فيجمع بينهما بحمل ما يدل على النهي على الكراهة وخلاف الأدب، وحمل ما يخالفها على الجواز (١). واعترض عليه: بأن النبي ﷺ قد أمر من سم ابنه بالقاسم أن يغير اسمه حتى لا يكنى به، فعن جابر بن عبد الله-﵄ يقول: ولد لرجل منا غلام، فسماه القاسم، فقلنا: لا نكنيك أبا القاسم، ولا ننعمك عيناً، فأتي النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: «أسم ابنك عبد الرحمن» (٢). ولو كان النهي في تلك الأحاديث للتنزيه لما أمر النبي ﷺ لمن سم ابنه قاسماً أن يغير اسمه. دليل القول الخامس ويستدل للقول الخامس-وهو عدم جواز التكني بأبي القاسم في حياة النبي ﷺ ، وجوازه بعد وفاته- بما يلي: أولاً: حديث أنس ﵁ قال: نادى رجل رجلاً بالبقيع: يا أبا

стр. 2559

القاسم، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني لم أعْنِك. إنما دعوت فلاناً. فقال: رسول الله ﷺ : «تسَمَّوا باسمي، ولا تكنَّوا بكنيتي» (١). ثانياً: حديث علي ﵁ أنه قال: يا رسول الله أرأيت إن ولد لي بعدك أسميه محمداً وأكنيه بكنيتك؟ قال: «نعم» (٢). ووجه الاستدلال منهما هو: أن حديث على ﵁ يدل على جواز التكني بأبي القاسم بعد وفاة النبي ﷺ ، فيكون النهي عن التكني به خاصة في حياته ﷺ ؛ لأن في ذلك اشتباه للغير بالنبي ﷺ ، ولذلك نهى النبي ﷺ عنه، كما يدل عليه حديث أنس ﵁، فيكون النهي مختصاً بحياة النبي ﷺ ، وجائزاً بعد وفاته ﷺ ، ولذلك بعد وفاة النبي ﷺ سمى بعض الصحابة ابنه محمداً، وكناه أبا القاسم (٣). ويعترض عليه: بأن في حديث علي ﵁ ما يدل على أن ذلك خاص بعلي ﵁، وحديث أنس ﵁ ليس فيه ما يدل على جواز التكني بأبي القاسم بعد وفاته ﷺ ، كما أن أكثر الأحاديث التي فيها النهي مطلقة (٤). الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة، وأدلتهم، يظهر لي- والله

стр. 2560

أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الأولى كراهة التكني بأبي القاسم، وذلك لما يلي: أ- لأن أكثر الأحاديث الناهية عن التكني به مطلقة، ثم هي أصح وأكثر مما يعارضها (١). ب- ولأنه إذا تعارض المبيح والمحظور، يقدم المحظور، فالعمل بعدم التكني بأبي القاسم أبرأ للذمة، وأعظم للحرمة (٢). ثانياً: إن القول بنسخ ما يدل على النهي عن التكني بأبي القاسم وإن كان محتملاً، لكن الصحيح عدم النسخ، وذلك؛ لأن الأدلة التي يستدل منها على النسخ، منها ما هو ضعيف، ومنها ما هو يدل على الخصوص،، فالأول لا يقوى على معارضة الأحاديث الصحيحة الصريحة في النهي عن التكني بأبي القاسم فضلاً من أن يكون ناسخاً لها، والثاني غير معارض لها، فلا يكون ناسخاً لها (٣). والله أعلم.

стр. 2561

المطلب سادس: سجدة التحية والإكرام للمخلوق ذهب غير واحد من أهل العلم إلى أن سجدة التحية والإكرام كانت مشروعة في بعض الأمم الماضية، ثم نسخت في ملتنا، فلا يجوز أي نوع من السجود لأي أحد غير الله . وممن صرح به: الجصاص (١)، وابن العربي (٢). وجمهور أهل العلم وإن لم يصرحوا بالنسخ، إلا أنه لا خلاف بين الجميع في عدم جواز أي نوع من السجود لأي أحد غير الله (٣). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (٤). ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ (٥).

стр. 2562

ثالثاً: قوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١). رابعاً: قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ (٢). خامساً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو كنت آمر أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ لما عظم الله من حقه عليها» (٣). وفي رواية عنه ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل حائطاً من حوائط الأنصار، فإذا فيه جملان يضربان ويرعُدان، فاقترب رسول الله ﷺ منهما فوضعا جرانهما (٤) بالأرض، فقال من معه: سجد له، فقال رسول الله ﷺ : «ما ينبغي لأحد أن يسجد لأحد، ولو كان أحد ينبغي أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، لما عظم الله عليها من حقه» (٥).

стр. 2563

سادساً: عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون (١) عليه، وإن الجمل استصعب عليهم فمنعهم ظهره، وإن الأنصار جاؤوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: إنه كان لنا جمل نسني عليه، وإنه استصعب علينا، ومنعنا ظهره، وقد عطش الزرع والنخل، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «قوموا» فقاموا فدخل الحائط والجمل في ناحيته، فمشى النبي ﷺ نحوه، فقالت الأنصار: يا رسول الله إنه قد صار مثل الكلب الكلِبِ وإنا نخاف عليك صولته، فقال: «ليس عليّ منه بأس» فلما نظر الجمل إلى رسول الله ﷺ أقبل نحوه، حتى خرّ ساجداً بين يديه، فأخذ رسول الله ﷺ بناصيته، أذلّ ما كانت قط، حتى أدخله في العمل، فقال له أصحابه: «يا نبي الله، هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك، ونحن نعقل، فنحن أحق أن نسجد لك! فقال: «لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقه عليها، والذي نفسي بيده، لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تتبجَّس (٢) بالقيح والصديد، ثم استقبلته تلحسه، ما أدّت حقه» (٣).

стр. 2564

سابعاً: عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي ﷺ ، قال: «ما هذا يا معاذ؟» قال: أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم (١)، وبطارقتهم (٢)، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك. فقال رسول الله ﷺ : «فلا تفعلوا، فإني لو أمرت أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده، لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب (٣) لم تمنعه» (٤). ثامناً: عن معاذ بن جبل ﵁ أنه أتى الشام فرأى النصارى يسجدون

стр. 2565

لأساقفتهم، و قسيسيهم (١)، وبطارقتهم، ورأى اليهود يسجدون لأحبارهم، ورهبانهم، وربانيهم، وعلمائهم، وفقهائهم، فقال: لأي شيء تفعلون هذا؟ قالوا: هذه تحية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قلت: فنحن أحق أن نصنع بنبينا، فقال نبي الله: «إنهم كذبوا على أنبيائهم كما حرفوا كتابهم، لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظيم حقه عليها، ولا تجد امرأة حلاوة الإيمان حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على ظهر قتب» (٢). ويستدل منها على النسخ: بأن آية سورة البقرة، وآية سورة يوسف تدلان على أن سجدة التحية والإكرام كانت جائزة في بعض الملل السابقة. وآيتا سورة حم السجدة، والنجم تدلان على أن السجود مختصة بالله ، كما تدل الأحاديث المذكورة بعد تلك الآيات على تحريم السجود لغير الله ، فيثبت من مجموع هذه الأدلة أن سجدة التحية والإكرام كانت جائزة في بعض الملل السابقة، ثم نسخت وخاصة في ملتنا فلا

стр. 2566

يجوز أي نوع من السجود لغير الله (١). ولا خلاف بين أهل العلم في عدم جواز أي نوع من السجود في هذه الملة لأي أحد غير الله . وذلك لأدلة كثيرة تدل على تحريم السجود لغير الله ، وقد سبق جملة منها في دليل القول بالنسخ (٢). وإن سجدة التحية والإكرام وإن كانت جائزة في بعض الملل السابقة إلا أنها نسخت كما سبق ذكره؛ لذلك لا يجوز في ملتنا أي نوع من السجود لغير الله . والله أعلم.

стр. 2567

المطلب السابع: ابتداء أهل الكفر بالسلام ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز ابتداء أهل الكفر بالسلام، وأن ما يدل على ابتدائهم به فإنه قد نسخ. وممن صرح بالنسخ: الطحاوي (١). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة (٢). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ (٣). ثانياً: قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٤). ثالثاً: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا

стр. 2568

وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). رابعاً: عن أسامة بن زيد-﵄-أن رسول الله ﷺ ركب على حمار، على قطيفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، قال: حتى مرَّ بمجلس فيه عبد الله بن أبيّ بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد لله بن أبيّ، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان، واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بن رواحة. فلما غشيت المجلسَ عجاجةُ الدابة خمر عبد الله بن أبيّ أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله ﷺ عليهم، ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبيّ بن سلول: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول. إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجالسنا. ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه. فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك. فاستبَّ المسلمون والمشركون واليهود، حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم حتى سكنوا، ثم ركب النبي ﷺ دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي ﷺ : «أيا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب؟ -يريد عبد الله بن أبيّ- قال كذا وكذا» قال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح عنه، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبوه

стр. 2569

بالعصابة، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ الآية [آل عمران: ١٨٦]. وقال الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ١٠٩]. وكان النبي ﷺ يتأول العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم، فلما غزا رسول الله ﷺ بدراً فقتل الله به صناديد كفار قريش، قال أبيّ بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجَّه، فبايعوا الرسول ﷺ على الإسلام فأسلموا) (١). خامساً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه» (٢). سادساً: عن ابن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنكم لاقون اليهود غداً، فلا تبدؤوهم بالسلام، فإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليك» (٣).

стр. 2570

سابعاً: عن أبي عبد الرحمن الجهني (١) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني راكب غداً إلى اليهود، فلا تبدؤوهم بالسلام، فإذا سلموا عليكم، فقولوا: وعليكم» (٢). ويستدل منها على النسخ: بأن الآيتين الأوليين تدلان على جواز السلام على غير المسلمين، كما أن حديث أسامة ﵁ فيه أن النبي ﷺ سلم على جمع فيه أناس من المسلمين ومن غير المسلمين، فقد يحتمل أن يكون النبي ﷺ أراد بالسلام جميعهم، لكن كل هذا كان قبل فرض الجهاد، كما يدل عليه حديث أسامة ﵁، ثم نهى النبي ﷺ عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، فيكون ما يدل على جواز ابتداء السلام على غير المسلمين منسوخاً بفرض الجهاد، وبنهي النبي ﷺ عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام (٣).

стр. 2571

واعترض عليه: بأن السلام قد يكون للتحية، وقد يكون للمتاركة والتوديع، فإن كان السلام في الآيتين للتحية، وكذلك إن أراد النبي ﷺ بالسلام في حديث أسامة ﵁ السلام على المسلمين وغيرهم، فإن ذلك يكون منسوخاً بآية قتال الكفار، وبنهي النبي ﷺ عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، كما سبق ذكره. لكن إن كان المراد بالسلام في الآيتين سلام المتاركة والتوديع، والمراد بالسلام في حديث أسامة ﵁ المسلمين فقط، فلا يكون في الآيتين وفي حديث أسامة ﵁ دلالة على جواز ابتداء السلام على غير المسلمين، وبالتالي لا يكون بين الآيتين وحديث أسامة ﵁ وبين الأحاديث التي تدل على عدم جواز ابتداء السلام على غير المسلمين تعارضاً، ولا يبقى للنسخ وجهاً (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد ذهب جمهور أهل العلم-ومنهم أهل المذاهب الأربعة- إلى عدم جواز ابتداء أهل الكفر بالسلام (٢).

стр. 2572

وذلك لأدلة كثيرة تدل على عدم ابتداء أهل الكفر بالسلام، وقد سبق بعضها في دليل القول بالنسخ (١). وذهب بعض أهل العلم إلى جواز ابتداء أهل الكتاب بالسلام (٢). وذلك بدليل ما سبق في دليل القول بالنسخ من آية سورة مريم وسورة الزخرف، وحديث أسامة ﵁؛ حيث فيه سلام النبي ﷺ على مجلس فيه مسلمون وغير مسلمين (٣). واعترض عليه: بأن تلك الأدلة محتملة لأكثر من معنى، وإذا أريد بها تحية أهل الكفر فتكون منسوخة بالنهي عن السلام عليهم، كما سبق ذكره. الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وأدلتهم، يظهر لي-والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الراجح هو عدم جواز ابتداء أهل الكفر بالسلام، وذلك لما

стр. 2573

يلي: أ- لأن أدلة هذا القول صريحة في النهي عن السلام على أهل الكفر، بخلاف أدلة القول المعارض له، فإن أدلته تحتمل أكثر من معنى واحتمال، كما سبق ذكره. ب- إن حديث أسامة ﵁ إن كان فيه سلام النبي ﷺ على المسلمين وكذلك على الكفار، وكذلك أريد بآية سورة مريم، وآية سورة زخرف، سلام التحية، فإن ذلك يكون منسوخاً بالأمر بقتالهم، وبالنهي عن السلام عليهم، كما سبق ذكره. ثانياً: إن الأدلة التي يستدل منها على جواز ابتداء أهل الكفر بالسلام، تحتمل أكثر من معنى واحتمال، لذلك لا يتعين فيها القول بالنسخ، لكن إن كان المراد بها سلام التحية على الكفار، فإنها تكون منسوخة بالأدلة التي تدل على قتال الكفار، وبالنهي عن ابتداء السلام عليهم؛ لتأخر ما يدل على النهي عن ابتداء السلام عليهم على ما يخالفه، كما سبق ذكره. والله أعلم.

стр. 2574

المطلب الثامن: حكم الضيافة ذهب بعض أهل العلم إلى أن الضيافة كانت واجبة ثم نسخ وجوبها (١). وممن صرح به: الطحاوي (٢). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة (٣). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن أبي شريح الكعبي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه» (٤). ثانياً: عن عقبة بن عامر ﵁ أنه قال: قلنا: يا رسول الله، إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا، فما ترى فيه؟ فقال لنا رسول الله ﷺ : «إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي

стр. 2575

ينبغي لهم» (١). ثالثاً: عن المقدام أبي كريمة (٢) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه، فإنه دين، إن شاء اقتضاه، وإن شاء تركه» (٣). رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أيما ضيف نزل بقوم، فأصبح الضيف محروماً، فله أن يأخذ بقدر قراه، ولا حرج عليه» (٤). خامساً: عن أبي حميد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه، وذلك لشدة ما حرم الله عز

стр. 2576

وجل مال المسلم على المسلم» (١). سادساً: عن أبي حُرَّة الرقاشي، عن عمه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» (٢). سابعاً: عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في حجته: «ألا وإن المسلم أخو المسلم، لا يحل له دمه ولا شيء من ماله إلا بطيب نفسه، ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم. قال: «اللهم اشهد» (٣). ثامناً: عن المقداد بن أسود (٤) ﵁ قال: جئت أنا وصاحب لي، قد كادت أن تذهب أسماعنا وأبصارنا من الجوع، فجلنا نتعرض للناس فلم يضفنا أحد. فأتينا النبي ﷺ فقلنا: يا رسول الله، أصابنا جوع شديد، فتعرضنا للناس فلم يضفنا أحد فأتيناك. فذهب بنا إلى منزله، وعنده أربعة أعنز، فقال: يا مقداد احلبهن، وجزِّء اللبن لكل اثنين جزءاً» (٥).

стр. 2577

وفي رواية عنه ﵁ قال: قدمت المدينة أنا وصاحب لي-ثم ذكر مثله-) (١). تاسعاً: عن عبد الرحمن (٢)، مولى سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كنت مع سعد بن أبي وقاص في سفر، فآوانا الليل إلى قرية دهقان، وإذا الإبل عليها أحمالها. فقال لي سعد: (إن كنت تريد أن تكون مسلماً حقاً، فلا تأكل منها شيئاً) (٣). ويستدل منها على النسخ من وجهين: الوجه الأول: أن الأحاديث الأربعة الأولى تدل على وجوب الضيافة، وأن من نزل بقوم فلم يضيفوه فله الأخذ من ماله بقدر قراه، والأحاديث الثلاثة بعدها تدل على عدم حل مال المسلم بغير طيبة نفس منه، فيكون ما يدل عليه الأحاديث الأربعة الأولى من وجوب الضيافة منسوخاً بهذه الأحاديث، ويدل عليه حديث المقداد ﵁ حيث قدم هو وصاحبه المدينة فلم يضيفهما الصحابة-﵃، ولم يعنفهم رسول الله ﷺ على ذلك. كما يدل عليه عمل سعد بن أبي وقاص ﵁؛ حيث بات هو ومولاه جائعين، ولم يأخذ أهل القرية بحق الضيافة، فدل ذلك أن وجوب الضيافة قد نسخ، وأنه لم تكن حينئذ واجبة (٤).

стр. 2578

واعترض عليه: بأنه لا يصح الاستدلال من هذه الأدلة على النسخ؛ لأن الضيافة حق واجب للضيف كما تدل عليه الأحاديث الأربعة الأولى، فليس أخذه لحقه أخذ مال المسلم بغير حق، فلا تعارض بين تلك الأحاديث وبين الأحاديث الدالة على حرمة أخذ مال المسلم بغير طيبة نفس منه. أما حديث المقداد ﵁ فلا يصح منه الاستدلال على عدم وجوب الضيافة؛ لأنه قدم المدينة، وهي من الأمصار فلا تجب على أهلها الضيافة، ثم إن النبي ﷺ قد أضافه، وهو من أهل المدينة. أما عمل سعد بن أبي وقاص ﵁ من عدم إلزام أهل القرية بحق الضيافة، فهو لا يدل على نسخ وجوب الضيافة، بل يدل على أن الضيف له أن يتنازل عن حقه ويتركه، إذا لم يضفه أحد، وليس في الأحاديث الدالة على وجوب الضيافة بأن الضيف يجب عليه أخذ حقه (١). الوجه الثاني: أن الضيافة كانت واجبة في أول الإسلام، حينما كانت المواساة واجبة، فلما فتحت الفتوح نسخ ذلك، ويدل على النسخ قوله ﷺ في حديث أبي شريح ﵁: (جائزته يوم وليلة). والجائزة تفضل لا واجب، فدل ذلك على نسخ وجوبها (٢).

стр. 2579

واعترض عليه: بأن المراد بالتفضل تمام اليوم والليلة، لا أصل الضيافة، فلا يصح منه الاستدلال على نسخها، وقد جاءت أحاديث مصرحة بوجوبها (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في حكم الضيافة على قولين: القول الأول: أن الضيافة سنة ومستحب، وليست بواجبة. وهو قول جمهور أهل العلم (٢)، ومنهم الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥). القول الثاني: أن الضيافة واجبة. وهو مذهب الحنابلة (٦)، وقول الليث بن سعد، وابن حزم (٧).

стр. 2580

الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو أن الضيافة سنة، وليست واجبة- بما يلي: أولاً: ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ من حديث أبي شريح ﵁ وقول النبي ﷺ فيه: «جائزته يوم وليلة». وفي رواية عنه ﵁ قال: سمعت أذناي، وأبصرت عيناي حين تكلم النبي ﷺ فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائزته»، قال: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: «يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، وما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه» (١). ثانياً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث المقداد ﵁ وفيه قوله: جئت أنا وصاحب لي، قد كادت أن تذهب أسماعنا وأبصارنا من الجوع، فجلنا نتعرض للناس فلم يضفنا أحد. فأتينا النبي ﷺ فقلنا: يا رسول الله، أصابنا جوع شديد، فتعرضنا للناس فلم يضفنا أحد فأتيناك). ثالثاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ أتوا على حيّ من أحياء العرب فلم يقروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا: إنكم لم تقرونا، ولا

стр. 2581

نفعل حتى تجعلوا لنا جُعلاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ، فأتوا بالشاء فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي ﷺ ، فسألوه فضحك، وقال: «وما أدراك أنها رقية؟ خذوها واضربوا لي بسهم» (١). رابعاً: عن مالك بن نضلة (٢) ﵁ قال: قال: قلت: يا رسول الله الرجل أمرُّ به فلا يقريني ولا يضيّفُني، فيمرّ بي أفأجزيه؟ قال: «لا، أقْره» (٣). ويستدل منها على عدم وجوب الضيافة: بأن حديث أبي شريح ﵁ جاء فيه: (جائزته يوم وليلة). والجائزة تفضل لا واجب، فدل على عدم وجوب الضيافة، وفي روايته الثانية جاء: (من كان يؤمن بالله واليوم

стр. 2582

الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه). وإكرام الجار ليس بواجب، فكذلك الضيافة. ويدل كذلك على عدم وجوبها حديث المقداد ﵁؛ حيث إنه وصاحبه استضافا فلم يضافا، ولم يأمرهما النبي ﷺ بأخذ قدر الضيافة ممن لم يضيفهما مع شدة حاجتهما، وبمعناه حديث مالك بن نضلة ﵁. كما يدل عليه حديث أبي سعيد ﵁ لأن الضيافة لو كانت واجبة للام النبي ﷺ القوم الذين أبوا، ولبين لهم ذلك. فثبت من مجموع هذه الأدلة أن الضيافة ليست واجبة، بل هي سنة وتفضل، والأحاديث التي جاء فيها ما يستدل منها على الوجوب، فإنها إما في المضطرين، أو أنه كان في أول الإسلام فنسخ، أو تحمل على تأكيد السنية واستحبابها؛ وذلك جمعاً بين الأدلة (١). واعترض عليه: بأن كل ما ذكر، احتمالات، لم يقم عليها دليل، والأحاديث الدالة على وجوب الضيافة صريحة في وجوبها وأنها حق، فلا تقوى هذه الاحتمالات على معارضتها (٢).

стр. 2583

دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو أن الضيافة واجبة- بما يلي: أولاً: ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ، من حديث أبي شريح، وعقبة بن عامر، والمقدام أبي كريمة، وأبي هريرة-﵃؛ حيث إنها تدل على وجوب الضيافة، وبعضها نص صريح في وجوبها. ثانياً: ما سبق ذكره في دليل القول السابق من حديث مالك بن نضلة ﵁؛ حيث أمره رسول الله ﷺ بالقرى حتى من لم يقره ولم يضيفه. ثالثاً: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن ناساً من الأنصار سافروا فأرملوا (١)، فمرُّوا بحيّ من العرب، فسألوهم القرى فأبوا عليهم، فسألوهم الشراء فأبوا فضبطوهم فأصابوا منهم، فأتت الأعراب عمر بن الخطاب ﵁ فأشفقت الأنصار، فقال عمر: (تمنعون ابن السبيل ما يخلف الله تعالى في ضروع الإبل بالليل والنهار؟ ابن السبيل أحق بالماء من الثاوي عليه) (٢). فهذه أدلة تدل على وجوب الضيافة، وأنها حق للضيف، وبعضها نص صريح فيه، وعمل به الصحابة بعد رسول الله ﷺ كما في رواية ابن أبي ليلى، فثبت منها وجوبها وعدم نسخها (٣).

стр. 2584

الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب - ما يلي: أولاً: إن الراجح هو القول الثاني، وهو وجوب الضيافة، وذلك لأن أدلة هذا القول مع كثرتها وصحتها صريحة في وجوب الضيافة وأنها حق للضيف، بخلاف أدلة القول المعارض له؛ حيث إنه ليس فيها ما يصرح على نفي وجوب الضيافة، وإنما هي احتمالات وتأويلات ليس عليها أي دليل (١). ثانياً: إن دعوى نسخ ما يدل على وجوب الضيافة غير صحيح، وذلك لما يلي: أ- لأنه لا يوجد دليل يدل على أن ما يستدل منه على النسخ متأخر على ما يستدل منه على وجوب الضيافة، والنسخ لا بد فيه من دليل يدل على تأخر الدليل الناسخ على ما يعارضه، كما سبق ذكره غير مرة. ب- إن الأدلة التي يستدل منها على النسخ، ليس فيها ما يدل على نفي وجوب الضيافة، كما سبق ذكره، وإذا كان الأمر كذلك، فإنه لا تعارض بينها وبين ما يدل على وجوب الضيافة، والنسخ إنما يصار إليه عند تعذر الجمع بين الدليلين (٢). والله أعلم.

стр. 2585

المطلب التاسع: اللعب بالحراب في المسجد ذهب بعض أهل العلم إلى أن اللعب بالحراب في المسجد قد نسخ (١). وظهر منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة (٢). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن عائشة-﵂-قالت: (لقد رأيت رسول الله ﷺ يوماً على باب حجرتي، والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله ﷺ يسترني بردائه انظر إلى لعبهم) (٣). وفي رواية عنها-﵂: أن أبا بكر ﵁ دخل عليها، وعندها جاريتان في أيام منى تُدففان وتضربان، والنبي ﷺ متغشّ بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي ﷺ عن وجهه فقال: «دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد» وتلك الأيام أيام منى. وقالت عائشة: رأيت النبي ﷺ يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، فزجرهم عمر، فقال النبي ﷺ : «دعهم، أمناً بني

стр. 2586

أرفدة» (١). ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما الحبشة يلعبون عند رسول الله ﷺ بحرابهم، إذ دخل عمر بن الخطاب فأهوى إلى الحصباء يحصبهم بها، فقال له رسول الله ﷺ : «دعهم يا عمر» (٢). ثالثاً: قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (٣). رابعاً: عن واثلة بن الأسقع ﵁ أن النبي ﷺ قال: «جنبوا مساجدنا صبيانكم ومجانينكم، وشراركم، وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسلّ سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجمع» (٤).

стр. 2587

ويستدل منها على النسخ: بأن حديث عائشة وأبي هريرة-﵄-يدلان على جواز اللعب بالحراب في المسجد، فيكون ذلك منسوخاً بالآية الكريمة وحديث واثلة ﵁؛ لأن الآية الكريمة تدل على أن المساجد للتسبيح ولذكر الله تعالى، وحديث واثلة ﵁ فيه الأمر بتجنب المساجد من الخصومات ورفع الأصوات، وسل السيوف. واللعب بالحراب يحصل فيه رفع الأصوات وغيرها، وليس ذلك من التسبيح ولا من ذكر الله، فتكون الآية الكريمة وحديث واثلة ﵁ ناسخان لما يدل عليه حديث عائشة وأبي هريرة ﵄ (١). واعترض عليه بما يلي: أ- إن حديث واثلة ﵁ ضعيف لا تقوم به حجة، ثم ليس فيه ولا في الآية الكريمة تصريح بالنسخ (٢). ب- إنه لا يوجد دليل يدل على أن الآية الكريمة وحديث واثلة ﵁ متأخران على حديث عائشة وأبي هريرة-﵄، والنسخ لا بد فيه من دليل يدل على تأخر الناسخ (٣). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وجمهور أهل العلم لم يذهبوا إلى القول بالنسخ، وذهبوا إلى جواز

стр. 2588

اللعب بالحراب في المسجد إذا كان للتدريب على مواقع الحروب والاستعداد للعدو (١). وذلك لما سبق ذكره من حديث عائشة وأبي هريرة ﵄ (٢). الراجح والراجح هو قول جمهور أهل العلم، وذلك لصحة الحديث فيه، وضعف حديث واثلة ﵁، وعدم التصريح فيه وفي الآية الكريمة بالنسخ، كما سبق بيانه كما أنه لا يوجد ما يدل على تأخر ما يستدل منه على النسخ على ما يعارضه، وهو شرط لصحة النسخ (٣). والله أعلم.

стр. 2589

المطلب العاشر: حكم اتخاذ اللعب للبنات ذهب بعض أهل العلم إلى أن اتخاذ صور البنات واللعب للبنات كان يجوز أولاً، ثم نسخ بالنهي عن الصور؛ لذلك لا يجوز اتخاذ لعب البنات لهن (١). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة (٢). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن عائشة-﵂-قالت: (كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل يتقَمّعْن (٣) منه فيسرِّبهن (٤) إليّ فيلعبن معي) (٥).

стр. 2590

وفي رواية عنها ﵁: (كنت ألعب بالبنات في بيته، وهن اللعب) (١). ثانياً: عن عائشة-﵂: (أن النبي ﷺ تزوجها وهي بنت سبع سنين، وزفت إليه وهي بنت تسع سنين، ولعبها معها، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة) (٢). وفي رواية عنها-﵂ قالت: (تزوجني رسول الله ﷺ وأنا بنت ست، ودخل عليّ وأنا بنت تسع سنين، وكنت ألعب بالبنات) (٣). ثالثاً: عن عائشة-﵂ قالت: قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب، فقال: «ما هذا يا عائشة؟» قالت: بناتي. ورأى بينهن فرساً له جناحان من رقاع، فقال: «ما هذا الذي أرى وسطهن؟» قالت: فرس، قال: «وما هذا الذي عليه؟» قالت: جناحان. قال: «فرس له جناحان؟» قالت: أما سمعت أن لسليمان- ﵇ خيلاً لها أجنحة؟ قالت: فضحك حتى

стр. 2591

رأيت نواجذه (١). رابعاً: عن عبد الله ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن أشد الناس عذاباً عند الله المصورون» (٢). خامساً: عن عبد الله بن عمر-﵄-أن رسول الله ﷺ قال: «إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم» (٣). سادساً: عن عائشة-﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا متستِّرة بقرام (٤) فيه صورة، فتلون وجهه، ثم تناول الستر فهتكه، ثم قال: «إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة، الذين يشبهون بخلق الله» (٥).

стр. 2592

وفي رواية عنها، قالت: (قدم رسول الله ﷺ من سفر، وقد سترت على بابي درنوكاً (١) فيه الخيل ذوات الأجنحة، فأمرني فنزعته) (٢). سابعاً: عن عائشة-﵂: (أن النبي ﷺ لم يكن يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه) (٣). ثامناً: عن ابن عباس ﵄-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفساً، فتعذبه في جهنم» (٤). تاسعاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: سعمت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي؟ فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة» (٥).

стр. 2593

عاشراً: عن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الصورة في البيت، ونهى أن يصنع ذلك) (١). حادي عشر: عن جابر ﵁ (أن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب ﵁ زمن الفتح وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها النبي ﷺ حتى محيت كل صورة فيها) (٢). ثاني عشر: عن أبي الهياج الأسدي (٣)، قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ، أن لا تدع تمثالاً (٤) إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) (٥).

стр. 2594

وفي رواية عنه ﵁ قال: (ولا صورة إلا طمستها) (١). ويستدل منها على النسخ: بأن أحاديث عائشة-﵂-الثلاثة الأولى تدل على جواز اتخاذ اللعب والبنات من اللعب للبنات، والأحاديث المذكورة بعدها تدل على النهي عن الصور، وعلى تحريم صنعها واتخاذها، وعلى طمسها ومحوها أينما كانت، فتكون هذه الأحاديث ناسخة لما يدل عليه الأحاديث الثلاثة الأولى من جواز اتخاذ اللعب والبنات للبنات؛ لتأخرها عليها؛ حيث إن أحاديث عائشة-﵂ الثلاثة الأولى كانت عند دخول النبي ﷺ وبنائه عليها، وقبل غزوة خيبر، والأحاديث الدالة على النهي عن الصور وعلى تحريم اتخاذها كانت بعد ذلك؛ لأن ابن عباس ذكر أنه سمع النبي ﷺ يقول: «كل مصور في النار» وابن عباس ﵁ كان سماعه من النبي ﷺ بعد فتح مكة، كما أن أمر النبي ﷺ لعمر ﵁ بمحو الصور في حديث جابر ﵁، كان زمان الفتح. وهذا كان بعد غزوة خيبر؛ لذلك تكون الأحاديث الدالة على النهي عن الصور وعلى تحريم اتخاذها ناسخة لما يدل على جواز اتخاذ اللعب والبنات للبنات (٢).

стр. 2595

واعترض عليه: بأن ما ذكر من وجه الاستدلال للنسخ احتمال، ويحتمل أن يكون اتخاذ اللعب للبنات مخصوصاً من عموم النهي عن اتخاذ الصور، والنسخ لا يثبت بالاحتمال (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز اتخاذ اللعب للبنات، ولعبهن بها (٢). وذلك لما سبق في دليل القول بالنسخ من أحاديث عائشة ﵂ الثلاثة الأولى، ورأوا ذلك مخصصاً ومستثنى من عموم النهي عن اتخاذ الصور (٣). وذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز اتخاذ اللعب للبنات (٤).
следующие страницы →