مقدمة المصنِّف
بسم الله الرحمن الرحيم، صلِّ يا رب على سيِّدنا محمّد وآله ويسّر
١ - الحمد لله الذي أرسلَ الرسلَ مُبشرين ومنذرين؛ لعصمة الأمم عن طريق الضّلالة، ولهداية سلوك سبيل الرّشاد، وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوموا بالقِسْط (١)، منقادين عن القَسْط (٢)، في تحصيل أسباب مصالح المبدأ، وتكميل علل أحكام المعاد، وأسند الأحكامَ المحكمةَ المتقنةَ إلى نصوصِ الكتابِ السَّنِيَة، والسُّنّة السَّنيَّة النَّبوية؛ لتنقيح مناطِ عِلَلِها، وتصريحِ مظانِّ زَللها، تيسيرًا لتخريج الفتاوى عن تحقيق مناطها، وتفصيلًا في فيصل قضايا الأيام وارتباطها إلى يوم التناد، وما أرسل رسلًا فيهن بالأهواء الفاسدة على مرِّ الليالي وكرِّ الأيام، بالتَّكرار والتَّرداد، بل أحكم متونَها بالتَّواتر قطعًا، أو بالمساند رفعًا، أو بالمرسلات عُرفًا، صونًا عن تلبيس الأبالسة، وحرزًا عن طَعْنِ الزَّنادقة الملابسة (٣) بالإلحاد، والصَّلاة والسلام على منِ اختصَّ أمته بعَنْعنةِ
стр. 101
الأخبار، وسلسلةِ الإسناد، محمد المصطفى، ونبئه المجتبى، المبعوث إلى الأحمر والأسود من الحواضر والبواد، وعلى آله وأصحابه أولي القوَّةِ والجِدِّ في سُلوك طريق السَّداد، وسدِّ باب البدعة، ومحو رسم الفساد، أما بعد:
[سمات التصانيف التي رآها المؤلف في المصطلح]:
فإني رأيتُ جماعة من أئمة السَّلفِ، وأمناءِ الخلَفِ، وناصري المئة، ومنتخبي الأمة صنَّفُوا في علوم الحديث، ومهَّدوا أساسَ قواعدِه، وَرَصنُوا معاقدَ شواهده، ورصفوا بذلك بُنيانَ السُّنّة، محرسًا عن ثَلْمِه بحصائد الألسنة، وجعلوه معيارًا لصحيحهِ وسقيمهِ، ومسبارًا لمعلَّلهِ وسَليمِه، أردت أنْ أتشبَّثَ بأهداب تصنيفهم وتحقيقِهم، وأتعلَّق بأذيالِ تفسيرهم وتحديثهم، متشبِّهًا بهم لأُعَدَّ منهم، وأُحشَرَ في زُمرَتهم، بتصنيفِ مُختصَرٍ في علوم الحديث، حاويًا لِجميع مَقَاصِدِها، كافِلًا لإبرازِ مَحَاسِنها، كافِيًا فيما يُحتاجُ إليه فيها.
[كتاب ابن الصلاح وأهميته ومختصراته]:
٢ - ولمَّا كان كتابُ "علوم الحديث" للشيخ العلّامة الحافظ المتقن، إمامِ المتأخِّرين، تقي الدين أبي عَمرو عُثمان بن الصّلاح الشَّهْرَزَورِيّ - كتابًا لا نظير له فيها، ولا غنىً لأحدٍ في هذا الفنِّ عنه، واختصره جماعة مِنَ الحفَّاظ (١) الذين بعده اختصارًا رَأَى كلُّ واحدٍ أنه أضبطُ، وأسهلُ طريقًا إلى المقصود وأحوطها، وللنّاس فيما يعشقون مذاهب.
стр. 102
[سمات كتابنا ومنهجية المصنف فيه]:
رأيتُ أن أختصرَه على ما رُئيَ لي أنه أيسرُ وأجملُ وأضبطُ لفوائد هذا الفنِّ وأسهل، بحذف ما يُرَى كالمكرَّر في إطنابه، وإضافةِ ما لا بدَّ للطَّالب منه في كل بابه، مع زيادةٍ مِمَّا ذَكَرَهُ قاضي القضاة العلآمة الحافط تقيّ الدّين ابن دقيق العيد، والشيخ الامام الجليل الحافظ محيي الدّين النّووي - تغمّدهما الله بغُفرانه - في "مختصريهما" (١)، فاختصرتُ حَسَبَ ما أردتُ مُحافِظًا على مسائلِ جميع الأنواع وأضرابه (٢)، مُحتَرِزًا عما يُخِلُّ بغرضٍ في مَرَامِهِ (٣) وسَمَّيتُه "كافيًا" - لكفايَةِ من أقبل عليه بقراءته في دِرَايَتِهِ، وبَنيتُهُ على مُقَدِّمَتيْنِ، وأربعةِ أبوابٍ، وخاتمة.
وأستمدُّ الله التوفيق، فإنه بتحقيق رجاءِ الرَّاجين حَقيق.
* * *
стр. 103
المقدمة الأولى: في مناقب الحديث وأصحابه
[تبيين السُّنَّة للكتاب]:
٣ - اعلم أن الأحكام كما بُيِّنت بكتاب الله تعالى بُيّنت بسُنّة رسول الله ﷺ ، ومصداقُ ذلك - بعد شهرته وانكشافه عند أهل الحق شهرة لا تغيب عن ذوي الأبصار، وانكشافًا لا يتقنَّع عند أولي الاعتبار - حديثُ المقدام بن معدي كَرْب، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ألا إني قد أوتيتُ الكتابَ ومثلَه معه، ألا إنِّي قد أوتيتُ القرآنَ ومثلَه، ألا يوشكُ رجلٌ شبعانَ على أريكَتهِ يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحلُّوه، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرِّموه، ألا وإنّ ما حرّم رسولُ الله عليكم كما حَرَّم اللهُ، لا يحل لكم لحم الحمارِ الأهليِّ، ولا كلَّ ذي نابٍ من السِّباعِ، ولا لُقطةً من مالِ معاهدٍ، إلا أنْ يستغنيَ عنها صاحبُها" (١).
ونقل عن الأوزاعي، عن مكحول أنّه قال: "القرآنُ أحوجُ إلى السّنّة مِنَ السّنّة إلى القرآن" (١).
[القرآن محفوظ من تطرق الطعن والتغيير بخلاف السُّنَّة]:
٤ - ثُمَّ كتاب الله تعالى لمَّا كان مَحفُوظًا عن تطرُّقِ الطَّعْنِ والتغيير، متواتِرًا على تتابع الأنام، وتوالي الأيام، سقطت مؤنة حِفْظِهِ الموكول إلى الله تعالى عن العلماء (٢).
[مناقب الحديث وأصحابه]:
والسُّنَّة لما كادت أن يتطرَّقَ إليها طَعْنُ بعضِ الأبالسة، وتلبيس الملاحدة بوضْعِ الحديث، والكذِبِ على رسول الله ﷺ قام بنصرها وتقويمها، وتسديدها وتصحيحها العلماءُ الجهابذةُ، والأمناءُ
стр. 106
الجَحَاجِحَة (١)، وحفظوا على هذه الأمة دينَهم، وزادوا على إيمانهم بالغيب يقينَهم، فَمَنْ عَرَفَ للإسلام حَفه، وأوجبَ للرسول ﷺ حُرمَتَه، وآثر طريقتَه على كلِّ طريق، ونظر فيها بتَحقيقِ وتدقيق، وعظّم من عظَمَ الله شأنه، وأعلى مكانه - لم يرتق بطعنه إلى حزب الرسول وأتباع الوحي، وأوعية الدين، وخَزَنةِ العلم الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، كيف وهم أثبتوا السّنّة بإسنادهم كابرًا عن كابر، فنقلوا سيرَه وممشاه، ووصفوا ما كان عليه وشواهده، وجاءوا بأقواله وأفعاله، وأحواله في سَفَره وحَضرِه، وظعنه وإقامته، ومنامه وَيَقظته، من إشارةٍ وتصريحٍ، وقِيامٍ وقُعودٍ، ومأْكلٍ ومَشربٍ، ومَلْبسٍ ومَركَبٍ، وما كان سبيل الرِّضى والسُّخط، والإنكار والقبول، حتى القلامة من ظُفُره ما كان يصنع بها، والنُّخامة من فِيهِ كيف يلفظُها، وأين وضعها.
[عناية المحدثين بضبط الأحاديث رواية ودراية]:
ولولا عنايتُهم بضبط الأحاديث وأسانيدها مصروفة، وبإيداعهم خزانة خاطرهم محفوظةٌ، تارة بتحمُّل المشاقّ الشَّديدة بالحلِّ والارتحال إلى البلدان البعيدة، وتارة ببذْلِ الأنفس والأموال، وارتكاب المخاوف وا لأهوال، شُحْبُ الألوان، خمْصُ البطون، نُحْلُ الأبدان، [ولولا حفظهم] (٢) المتون؛ لكاد أن تنمحي رسوم الأحكام وآثارها، ويضمحل أثر الأخبار ومنارها، ويهيم الناسُ في أودية الضَّلالة، ويبيدوا في بَيْدَاء الجهالة، ويُتمسَّك بكلِّ حديث موضوع، ويُقْنَع عن مقدارِ كلِّ منصوصٍ ومرفوعٍ.
стр. 107
[ثمرة جهود عناية المحدثين بالحديث وبيان بركة ذلك]:
لكن الله تعالى جَلَّت حكمته إذ وفَّق لتحريك القَلَم فيها أعطَى القوس باريها، فأصبحت السُّنّةُ بسعيهم بارحة الأرجاء، مؤنَّقة الخضراء، كالرِّياض يانقة، وكالريحان شَايقة، مستندة إلى مَعْدَن النُّبوة ومشكاة الرسالة بالتواتر والآحاد، المحكم بسلسلة الإسناد.
لله تحت قباب العِزّ طَائِفةٌ … أخَفَاهُم في رِدَاءِ الفقر (١) إجْلَالا
هُم السّلاطين في أطمارِ مَسْكَنَةٍ … ما اسْتَعْبَدوا مِنْ مُلوكِ الأَرْضِ أَقْيَالا (٢)
شُمٌّ مَعَاطِسُهُم غُبْرٌ مَلَابسُهُم (٣) … جَرُّوا على الفُلْكِ الدَّوَّارِ (٤) أذْيَالا (٥)
هذِي المكارمُ لا قَعْبَانَ من لبَنٍ … شِيبا بماءِ فصارَا بَعْدُ أبوالا (٦)
стр. 108
المقدمة الثانية: في بيان ألفاطٍ مُستعمَلَة على اصطلاحِ أَهلِ هدا الشأن
[السُّنَّة: لغة واصطلاحًا]:
٥ - فمنها السُّنّة؛ وهي في الأصل: السِّيرة والطريقة.
وفي الاصطلاح: يراد بها عند الإطلاق: قولُ النّبيّ ﷺ ، وفِعلُه، وتقريرُه مما لَم ينطِقْ به الكتابُ العزيزُ صَريحًا (١)، ولذلك يقال: الأدلّة الكتاب والسُّنَّة وكذا.
[الحديث: لغة واصطلاحًا]:
٦ - ومنها الحديث: وهو في الأصل ضدُّ القديم، يقال: حدث يحدث حدوثًا وحدثانًا، ومنه حديث عائشة ﵂: "لولا حَدَثانُ قومكِ .. " (٢) الحديث، وفي حديث الحسن: "حَادِثُوا هذه القلوبَ بذكْرِ اللهِ" (٣) أي: اجلوها.
стр. 109
وقد يُطلقُ على المعنى القائم بالنَفس، يقال: حدَّثتُ نفسي بكذا (١).
والتّحديث: تفعيل من الحدث.
والمحدِّث كأنّه يوجِدُ الأمرَ الحديثَ، أي: يجلو القلوبَ به.
وفي الاصطلاح عند الإطلاق: يراد به ما يُرفَعُ إلى رسول الله ﷺ من قوله وفعله، فتكون السُّنّة أَعتم منه.
وقيل: ومن تقريره (٢)، فتكونُ السُّنّة مُرادفةً له.
والسُّنّة في الغالب تستعمل في الأحكام، والحديث فيها وفي غيرِها، فيكون الحديثُ أعمَّ منها من هذا الوجه.
[الخبر: لغة واصطلاحًا]:
٧ - ومنها الخبر: وهو يُطلَقُ على قَولٍ يَحتمِلُ الصِّدقَ والكَذِبَ، وعلى معناه القائم بالنفس، فيقربُ معناهُ من معنى الحديث، ويقال:
стр. 110
خَبَرْتُ الأمرَ أخْبُرُه، إذا عرفتُه على الحقيقة، ومنه اسم الله تعالى: الخبير، أي: العالم بما كان وبما يكون.
وقال أبو الدرداء: "وجدت الناسَ: اخْبُرْ تَقْلَهْ" (١)، أي: إن تَعرفْهم تُبغِضْهُم (٢).
فإنْ فرض اشتقاقُ الأخبار من (خَبَرْتُ) فيكون أخصَّ من الحديث.
[أقسام الخبر من حَيث الثبوت]:
٨ - وهو إما متواتر، إذا بلغ رواته مبلغًا يمنع العقلُ تواطؤهم على الكَذبِ، من تَواتر الرِّجالُ: إذا جاؤوا واحدًا بعد واحدٍ بفترة، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: ٤٤] أي: رسولًا بعد رسول بفترة، وهو يفيد اليقين، كحديث: "مَن كَذَب عليَّ فلْيتبوَّأُ مقعده من النَّار" (٣).
стр. 111
وإما آحاد: وهو الذي لم يبلغ رواته هذا الحدَّ.
ثم إنْ زاد رواته على ثلاثة يسمى مستفيضًا أيضًا، وهو يفيد الظَّنَّ القويَّ (١) إن كان مستجمعًا للشُّروط على ما يُذْكَر إن شاء الله تعالى.
стр. 112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 115
ويجب العملُ به بالإجْماع.
[الأثر: لغة واصطلاحًا]:
٩ - ومنها الأثر: وهو في الأصل: ما ظهر من مَشْي الشَّخص على الأرض (١)، قال زُهَير (٢):
والمرْءُ ما عَاشَ مَمْدُودْ له اُّملٌ … لا يَنْتَهي العُمْرُ حتَّى يَنتهي الأثَرُ
أي: إذا مات لا يَبقَى لقَدَمِهِ أثرٌ على الأرض (٣).
стр. 116
وفي الاصطلاح: يطلق على الحديث المرفوعِ والموقوفِ (١)، وعند كثيرٍ من الناس عند الإطلاق مخصوص بالموقوف.
[السند: لغة واصطلاحًا]:
١٠ - ومنها السّند؛ وهو في الأصل: ما ارتفع من الجبل، وفي حديث أُحُدٍ: "رأيتُ النِّساءَ يسندن في الجبل" (٢)، أي: يُصَعَّدن.
والإسنادُ رفعُ الشَّيء إلى علوِّ، ويستعملُ كلاهما بمعنًى، وهو الإخبار عن طريق المتن (٣)، والمحدِّث يرفعُ الحديثَ إلى مُنتهاهُ بإخْباره.
[المتن: لغة واصطلاحًا]:
١١ - ومنها المتن، وهو إما من المتانة، وهي الشِّدَّة والقُوَّة، ومنه: اسمُ الله تعالى: (المتين)، أي: الشَّديد القويُّ، الذي لا يلْحقُه من الأفعال مشقَّةٌ وكُلفة.
стр. 117
وإنَّا من قولهم: مَتنتُ الكبش؛ إذا شققتُ جلدة بيضته واستخرجتها (١).
والمراد به عندهم: نفس الدَّليل من الكتاب والسُّنّةِ والإجماعِ، إذ فيها قوة في إثبات أحكام الله تعالى، أو محل استخراج الأحكام.
[المسند: لغة واصطلاحًا]:
١٢ - ثم المسند من الحديث، هو: الذي اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه، فإن كان منتهاه رسول الله ﷺ ؛ يسمَّى المسندَ المرفوعَ.
[الموقوف والمقطوع]:
وإن كان الصحابيّ؛ يسمّى الموقوف.
وإن كانْ التابعيّ؛ يُسمَّى المقطوعَ (٢).
وعن ابن عبد البرّ: أنّ المسند يقال للمرفوع وإن لم يكن متَّصلًا (٣).
стр. 118
وعن الحاكم: أنّ المسند هو المرفوع المتّصل لا غير (١).
стр. 119
فهذه ثلاثة أقوال، ولعلَّ القولَ الأول أظهر (١).
[المتصل]:
١٣ - وإذا قيل: هذا متصل عند الإطلاق لا يراد إلا المتَّصل المرفوع، وهذا يقوِّي القولَ الأخيرَ، وسيمرُّ بك ما تحتاج إليه شيئًا فشيئًا، بني تضاعيف الأبواب إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 120
الباب الأول: في متن الحديث
وفيه ثلاثة فصول:
стр. 121
الفصل الأول: في أقسامه
١٤ - اعلم أنّ الحديث ينقسم ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف.
١٥ - القسم الأول: وهو الصَّحيح.
[معنى الصحيح: لغة واصطلاحًا]:
وهو في اللغة: ضدُّ السَّقيم والمكسور.
وفي الاصطلاح: هو الحديث المسند الذي اتَّصل إسنادُه بنقْل عَدْلٍ ضابطٍ، عن عَدْلٍ ضابط، إلى منتهاه من غير شذوذٍ وعلَّةٍ قادحةٍ، ولا نكارة.
[قيود التعريف ومحترزاته]:
وإنما قُيِّد العدل بالضابط (١)؛ لأنه لو كان عدلًا ولم يكن ضابطًا لا يعدُّ حديثُه صحيحًا.
وقوله: "من غير شُذوذٍ وعلَّةٍ قادحةٍ ونَكَارة" (٢)؛ احترازٌ عما كان فيه شيء من ذلك؛ فإنه لا يسمَّى صحيحًا.
стр. 122
وتحقيق الكلام في الشذوذ والعلَّة، وفيما كان مقبولًا منهما أو مردودًا، وفي النَّكارة سيجيء إن شاء الله تعالى.
١٦ - وكلما قيل: "هذا حديث صحيح" يُرادُ به الحديثُ الجامعُ للصِّفاتِ المذكورة.
١٧ - وكلما قيل: "إنه غيرُ صحيح" فليس مرادهم أنه كَذِبٌ أو ضعيفٌ جزمًا، بل المراد أنه لم يستجمع الصِّفات (١).
١٨ - وقد يُطلقُ الصَّحيحُ على ما نقله عَدْلٌ، وإنْ لم يكن ضابطًا متُقنًا (٢)؛ فحينئذٍ تختلف أقسام الصِّحاح بحسب اشتراط جميع الصِّفات.
فروع ثلاثة:
[أول من صنف في الصحيح]:
١٩ - الأول: أول مَن صَنَّف الصَّحيح الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجُعفيُّ البُخاريُ، وبعده أبو الحسين مسلم بن الحجَّاج الإمامُ القُشَيرِيُّ النَّيْسَابوريّ.
ومسلم مع أنه أخذ عن البخاري، واستفاد منه، شاركه في أكثر
стр. 123
شيوخه، وكتابهما أصحُّ كتب بعد كتابِ الله تعالى باتفاق العلماء.
وأمّا قول الشافعي الإمام ﵁: "ما أعلم في الأرض كتابًا في العلم أكثر صوابًا من كتاب مالك"؛ فإنما قاله قبل وجود كتابي البخاري ومسلم (١).
стр. 124
[المفاضلة بين "الصحيحين "]:
ثم إنَّ "صحيح البخاري" أصحُّ الكتابَين.
وقال أبو علي الحافظ النَّيسابوري وبعضُ شيوخِ المغرب: إن كتاب مسلم أصح (١)،
стр. 125
والأصح الأول (١).
[لم يستوعب البخاري ومسلم جميع الأحاديث الصحيحة]:
٢٠ - ثم إنهما لم يستوعبا الصحيح في كتابيهما، فنقل عن الإمام البخاري أنه قال: "ما أدخلت في كتاب الجامع إلّا ما صحّ، وتركت من الصحاح لحال الطول" (٢).
وروي عن مسلم أنه قال: "ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، يعني في كتابه الصحيح، إنّما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه (٣) ".
стр. 126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 130
فشرط صحيحهِ مُجمعٌ عليه.
٢١ - وقال الحافظ أبو عبد الله بن أخرم (١): "قلّ ما يفوت البخاريَّ ومسلمًا مما ثبت من الحديث الصحيح" (٢)، يعني: في كتابيهما.
وقال الإمام الحافظ تقي الدين ابن الصلاح: "ليس ذلك بالقليل؛ فإن "المستدرك على الصحيحين" للحاكم أبي عبد الله كتاب كبير شمل مما فاتهما على شيء كثير" (٣).
قلت: هذا لا يرد على الحافظ أبي عبد الله بن أَخْرم، لأنه قال: قلَّ ما يفوت البخاري ومسلمًا مما ثبت من الحديث الصحيح، ولم ينص في كتابيهما (٤).
стр. 131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 132
ويعضده ما روي عن الإمام البخاري أنه قال: "أحفظ مئة ألف حديث صحيح، ومئتي ألف حديث غير صحيح" (١).
[عدد ما في "الصحيحين" من أحاديث]:
وجملة ما في كتابه بالأحاديث المكررة سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا (٢).
وبإسقاط المكرر نحو أربعة آلاف حديث (٣).
ويندرج تحتها عندهم آثار الصَّحابة والتابعين، والحديث المرويّ بإسنادين.
стр. 133
وجملة ما في كتاب مسلم نحو أربعة آلاف بإسقاط المكرر (١)، والله أعلم.
стр. 134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 139
[هل فات الكتب الخمسة من الحديث الصحيح شيء]:
وقال الشيخ تقي الدين: "نعم إن الصواب أنه لم يفت الأصول الخمسة "الصحيحين" و"سنن أبي داود" و "الترمذي" و"النسائي" من الصحيح إلا اليسير" (١).
قلت: ينبغي أن يقيد قوله: "من الصحيح" على شرطهما، وإلا فات من الأصول الخمسة من الأحاديث الصحيحة المطلقة شيء كثير كثير، لما نقلنا عن البخاري أنه يحفظ مئة ألف حديث صحيح (٢).
[عدد أحاديث "الصحاح "]:
والأحاديث الصحيحة المروية في مصنّفات الجماعة كصحيح ابن حبان (٣)، والإمام ابن خزيمة (٤) وغيرهما مما لم يرد في الأصول