[هل فات الكتب الخمسة من الحديث الصحيح شيء]:
وقال الشيخ تقي الدين: "نعم إن الصواب أنه لم يفت الأصول الخمسة "الصحيحين" و"سنن أبي داود" و "الترمذي" و"النسائي" من الصحيح إلا اليسير" (١).
قلت: ينبغي أن يقيد قوله: "من الصحيح" على شرطهما، وإلا فات من الأصول الخمسة من الأحاديث الصحيحة المطلقة شيء كثير كثير، لما نقلنا عن البخاري أنه يحفظ مئة ألف حديث صحيح (٢).
[عدد أحاديث "الصحاح "]:
والأحاديث الصحيحة المروية في مصنّفات الجماعة كصحيح ابن حبان (٣)، والإمام ابن خزيمة (٤) وغيرهما مما لم يرد في الأصول
стр. 140
الخمسة؛ كيف وما في الأصول الخمسة لم يبلغ عشرين ألف حديث، والله أعلم.
[كيفية الحكم على أحاديث غير "الصحيحين "]:
٢٢ - الثاني: إذا روي حديث، ولم يوجد في "الصحيحين"؛ نظر إنْ نَصَّ على صحَّته مصنِّفٌ، وهو من أئمة الحديث المعتمدة المشهورة، كأبي داود، والترمذي، والنسائي، وأبي بكر ابن خزيمة، والدَّارقطني وأكفائهم؛ يقبل، ويحكم بصحَّته، وإن لم ينص على ذلك؛ نُظر، إنِ اشترط مصنِّفهُ فيما جمعه الصحيح كـ"كتاب ابن خزيمة" والمخرجة على "الصحيحين" كـ"كتاب أبي عوانة الإسفراييني" و"كتاب أبي بكر الإسماعيلي" ونحوهم؛ حُكِم أيضًا بصحَّته (١).
стр. 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 142
وأما إذا كان في كتاب جمع فيه بين الصحيح وغيره، كـ"كتاب أبي داود" والترمذي فلا يجترأ على الجزم بصحته بسبب ثبوته فيهما (١).
[التدقيق في ألفاظ الأحاديث المخرجة على الصحيحين]:
٢٣ - وإذا رأينا حديثًا في الكتب المخرَّجة على "الصحيحين" ولم نعرف أن مصنِّفها نقل الحديث بألفاظ "الصحيحين" أو رأينا في تصنيفٍ مستقلٍّ كـ "السنن الكبير" للبيهقي و "شرح السُّنّة" للبغوي، فيما قالوا فيه: أخرجه البخاري أو مسلم، فلا نستفيد منه أكثر من أنَّ البخاريَّ أو مُسلمًا
стр. 143
أخرج أصلَ ذاك الحديث (١)، ولا يجوز لنا أن نقول: هذا الحديث على هذا الوجه في البخاري أو مسلم، إلا أن نُقابِلَ لفظَه بلفظهِ، أو قال مخرِّجه: أخرجه البخاري بهذا اللفظ؛ لاحتمال أن يكون بينهما تفاوت في اللفظ أو في المعنى، وعند فقدان الأمرين لم نجزم أنه ذاك بعينه.
[مدى صحة أحاديث الحاكم وابن حبان]:
وأما ما جَمَع أبو عبد الله الحاكم في "المستدرك" مما ليس في واحدٍ من "الصحيحين"، وزعَم أنه على شرط الإمامين قد أخرج عن رجاله في "الصحيحين"، أو على شرط أحدهما، أو أدى اجتهاده إلى صحَّته، ولم نعلم أنه على شرط أحدهما، فالأولى أن نتوسط في أمره، ونقول: ما حكم بصحَّته ووجد لغيره من الحفاظ الحكم بها فصحيحٌ، وإن لم نجد لغيره حكمًا بصحَّتها نظر؛ فإنْ كان فيه علَّة توجب ضعفه في الإسناد أو المتن فضعيف، وإن لم يوجد فنقول: حَسَن يحتجّ به، ويعمل به (٢)،
[فوائد المستخرجات]:
٢٤ - ثم إن الكتب المخرَّجة على "الصحيحين" لها ثلاث فوائد:
علوُّ الإسناد، والزِّيادُة في قدر الصَّحيح، إذ الزِّيادة عن الثِّقة مقبولة، وهي صحيحة؛ لإخراجها بإسناد الصحيح، وزيادة قوّة للحديث بكثرة الطُّرق (١).
стр. 149
[أقسام الحديث الصحيح]:
٢٥ - الثالث: أن الصحيح أقسام:
[المتفق عليه]:
فأولها ما أخرجه البخاري ومسلم، ويقال فيه: صحيح متفق عليه، وهو أعلاها، وهذا القسم جميعه مقطوعٌ بصحَّته، سوى أحرف يسيرة (١) تكلَّم عليها بعضُ الحفاظ، كالدَّارقطني وغيره.
وهي معروفة عند أهل هذا الشأن (٢).
стр. 150
[هل أحاديث "الصحيحين" تفيد اليقين؟]:
قال الشيخ تقي الدين (١): "إن العلمَ اليقينيَّ واقعٌ بأن هذا القسمَ مقطوعٌ به؛ لاتِّفاقِ الأُمَّة (٢) على تلقي ما اتَّفقا عليه بالقبول، والأمَّةُ في إجماعها معصومةٌ عن الخطأ".
стр. 151
وقال الشيخ محيي الدين: "هذا الذي اختاره الشيخ خلاف الذي اختاره المحققون" (١).
стр. 152
قلتُ: إنْ ثبتَ إجماعُ الأمة على ما حكاه الشَّيخ تقي الدين، أو ثبت تواتر هذا القسم عند علماء الحديث، فلا شكَّ في أنَّ ما قاله الشَّيخُ تقيُّ الدِّين حقّ، وإن لم يوجد شيء من ذلك فعدُّه من اليقينيات بَعيدٌ، إلَّا عند من ذهب إلى أن الآحاد يفيد اليقين مطَّردًا، وفيه بُعْد (١).
٢٦ - وأما قولُ الحافظ أبي نَصرٍ الوائليِّ السِّجْزيِّ: "أجمع أهل العلم من الفقهاء وغيرهم على أن رجلًا لو حلف بالطَّلاق أن جميع ما في كتاب البخاري مما روي عن النّبيّ ﷺ قد صحَّ عنه، ورسول الله ﷺ قاله؛ فإنه لا يحنث، والمرأة بحالها في حبالته" (٢).
وقال الشيخ تقي الدين: "إنما المراد بذلك مقاصد الكتاب، وموضوعه، ومتون الأبواب" (٣).
стр. 153
قلت: وفيه بحثٌ؛ لأنا لا نسلِّم عدمَ وقوعِ الطَّلاقِ للجزم بصحَّته، بل لعدم الجزم بعدم صحَّته (١)، ولا يقع الطَّلاقُ بالشَّكِّ في وقوع المعلَّق عليه، فعلى هذا كلُّ كتابٍ لم يجزم بضعف ما فيه فهو بهذه المثابة، وشأن الكتابين أعظم من أن يثبت بمثل هذه المسائل، والله أعلم.
[ما انفرد به البخاري وما انفرد به مسلم، وماذا يفيد ذلك؟]:
٢٧ - الثاني: صحيح انفرد به البُخاريّ عن مُسلمٍ (٢).
٢٨ - الثالث: صحيح انفرد به مسلم عن البخاري.
والحق الشيخ تقي الدين هذين القسمين بالأول في إفادتهما اليقين (٣).
[الصحيح على شرط الشيخين، والمراد بذلك]:
٢٩ - الرابع: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه.
قال الشيخ محيي الدين وغيره: "المراد بشرطهما أن يكون رجال
وقيل: شرطهما أن لا يرويا عن أحد إلا إذا كان له راويان فصاعدًا، ليدفع عنه الجهالة والنكارة، فإذا روى عن رسول الله ﷺ صحابي مشهور له راويان، ثم يروي عنه اثنان التابعي المشهور بالرواية وله راويان ثقتان، ثم يروي عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور وله رواة من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظًا متقنًا مشهورًا بالعدالة في روايته.
هكذا نقل عن أبي عبد الله الحاكم (١)، وسنعود إليها إن شاء الله تعالى (٢).
[الصحيح ليس على شرط واحد من "الصحيحين]:
٣٠ - الخامس: صحيحٌ عند غيرِهما، وليس على شرطِ واحدٍ منهما، لكن عُرف أن طريقَه صحيحٌ إلى منتهاه، فهو أيضًا معمولٌ به.
القسم الثاني: الحسن.
[تعريف الحسن وقيوده ومحترزاته]:
٣١ - قال الإمام أبو سليمان الخطابي: "الحسن ما عرف مَخْرَجُه، واشتهر رجاله" (٣).
стр. 158
قوله: "ما عرف مخرجه"؛ قيل: احتراز عن المنقطع (١).
وقوله "اشتهر رجاله"؛ احتراز عن حديث المدلس قبل أنْ يتبيَّنَ مُدلَّسَه (٢) والمستور، وقال الحافظ قاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق العيد: "ما اشتهر رجاله: أي: ما لم يبلغ درجة الصحيح، لئلا يدخل الصحيح في حد الحسن" (٣).
قلت: وفيه بَحْثٌ، لأنه سيذكر من قوله أن الصَّحيح أخصُّ من
стр. 159
الحسن، ودخول الخاص في حد العام ضروري (١)، والتقييد بما يخرجه مخلٌّ للحد (٢)، والله أعلم.
стр. 160
[الحسن عند الترمذي]:
٣٢ - وقال الترمذي: "المراد بالحسن أن لا يكون في إسناده مَنْ يُتَّهم بالكذب، ولا يكون شاذًّا، ويروى من غير وجه" (١).
стр. 161
[الحسن عند ابن الصلاح]:
٣٣ - قال الشيخ تقي الدّين: "ليس فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يتميز به الحسن عن الصحيح، وقد اتضح لي من استقراء كلامهم أن الحسن قسمان:
أحدهما: أنه لا يخلو رجال إسناده من مستورٍ لم تتحقَّق أهليتُه، وليس مغفَّلًا كثيرَ الخطأ فيما يرويه، ولا ظهر منه تعمّدُ كَذِبٍ في الحديث، ولا يكون سبب آخر مفسِّق، وعرف متن الحديث بأن روي مثله من وجه آخر حتى اعتضد بمتابعة أو اعتضد بما له شاهد، وهو ورود حديث آخر نحوه؛ فيخرج بذلك عن أن يكون منكرًا، وكلام الترمذيِّ يُنزَّلُ على هذا القسم" (١).
[تعقب ابن الصلاح]:
قلت: سيبيِّنُ أنَّ روايةَ من لم تتحقَّق أهليته مردودة، كيف يجعل ما يرويه من قسم الحسن، ويُنزِّلُ كلامَ الترمذي على هذا، وليس في كلامه ما يُشعِرُ به، والله أعلم (٢).
القسم الثاني: "أن يكون رواتُه من المشهورين بالصِّدقِ والأمانةِ، غير أنه لم يبلغ درجةَ رجال الصحيح في الحفظ والإتقان، ومع ذلك يرتفع حاله عن حال مَن يعدُّ حديثه منكرًا إذا انفرد، وعلى هذا القسم
стр. 162
ينزلُ كلام الخطابيِّ" (١).
فروع:
[الاحتجاح والعمل بالحسن]:
٣٤ - الأوّل: أن الحسن وإن كان أدنى درجة عن الصّحيح، لكن مثله في الاحتجاج والعمل به.
[إطلاق الصحيح على الحسن ومظان وجوده]:
ولذلك أطلق جماعة من علماء الحديث اسم الصحيح عليه، وهو ظاهر من كلام أبي عبد الله الحاكم في تصرفاته (٢)، ومن التّرمذيّ حيث سمّى كتابه "الجامع الصحيح" (٣)، ومن كلام الحافظ أبي بكر الخطيب (٤) بإطلاق اسم الصحيح عليه، ومن كلام الحافظ أبي طاهر السِّلفي حيث ذكر الكتب الخمسة من "الصحيحين" و"سنن أبي داود" و"جامع الترمذي"
стр. 163
و "سنن النسائي"، وقال: "اتفق على صحَّتها علماء الشرق والغرب"، (١) وهذا نوعُ تساهلٍ؛ لأن فيها ما صرَّحوا بكونه ضعيفًا، أو منكرًا، أو شبهه.
وقال الشيخ محيي الدّين: "مراد الحافظ السِّلفي أنّ معظَم كتب الثلاثة سوى "الصحيحين" يُحتجُّ به" (٢).
[عادة أصحاب "المسانيد" تخريج الصحيح والضعيف]:
وأمّا غير "الكتب الخمسة" من المساند (٣) "كمسند أبي داود الطيالسي"، و"مسند أحمد بن حنبل"، و"مسند إسحاق بن راهويه"، و"مسند الدارمي"، و"مسند أبي يعلى الموصلي"، و"مسند البزار أبي
стр. 164
بكر"، وأشباهها (١)؛ فغير ملحقة بها في الاحتجاج بها، لأن عادة مصنّفيها أنّ يخرجوا في مسند كلِّ صحابي جميع ما رووه من حديثه صحيحًا كان أو ضعيفًا (٢)، ولا يعتنون فيها بالصحيح، فلذلك تأخَّرتْ رتبتُها عن الكتب الخمسة، وإنْ جَلَّتْ لجلالة مُصنِّفيها.
стр. 165
[الحسن بتعدد طرقه يصل لدرجة الصحيح ومثاله]:
٣٥ - الثاني: (إذا كان راوي الحديث دون درجة أهل الحفظ والإتقان، لكن من المشهورين بالصِّدق والصَّلاحِ، وروي حديثه من غير وجه فقد اجتمعت له قوَّة من الجهتين، فيرتفع حديثه عن درجة الحسن إلى درجة الصَّحيح، كحديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: "لولا أشُق أَشُقَّ على أمِّتي لأمرنهم بالسِّواكِ عند كلِّ صلاة" (١).
مُحمَّد بن عَمرو بن عَلْقَمة (٢) من المشهورين بالصِّدق والصِّيانة، وليس من أهل الإتقان؛ فحديثه إذا لم يتابع حسن، فلما روي حديثه هذا من وجه آخر انجبر عدم إتقانه، والتحق بدرجة الصحيح.
[تفاوت زوال الضعف بتعدد الطرق]:
ولا يلزم ذلك في الأحاديث المحكوم بضعفها وإن رويت بأسانيد كثيرة، مثل "الأذنان من الرأس" (٣) ليلحق بالحسن، لأنه ليس كل ضعيف
стр. 166
يزول ضعفه بمجيئه من وجه آخر، بل ذلك على التفاوت، فإنْ كان ضَعفًا ناشئًا من ضَعف حَفظِ راويه مع كَونه عَدلًا، ثم جاء من وجهٍ آخرَ صحيحٍ يُعتبر، وكذا إنْ كان ضعفُه للإرسال وزالَ ذلك بمجيئه من وجهٍ آخر مسندًا أو مرسلًا، وأما إن كان ضعفهُ لتُهمةِ الرَّاوي بالفِسقِ أو الكَذِب، فلا ينجبرُ بمَجيئه من وجهٍ آخر.
[تعقب ابن الصلاح]:
قلت: هكذا أطلقه الشيخ تقي الدين، وفيه بحث (١)؛ لأنا لو حكمنا بضعف حديثٍ، لكَذِبِ راويه أو فِسْقهِ، ثم رأينا جاء ذلك الحديث بطريق آخر صحيح إلى منتهاه، فلا نحكم قطعًا بضعف الحديث، بل غاية ما في الباب أنّ يقال له: هذا ضعيف من هذا الوجه إذا روي بالطريق الأول، وذلك لأنَّ الحُكمَ بضعف الحديث، لضعف الإسناد إنما يمكن إذا كان شاذا من ذلك الطريق، نعم إذا كان الطريق الثاني فيه وهن أيضًا، فكثرة الطرق الضعيفة لا تفيد شيئًا، وكذلك قال بعضُهم في المرسل (٢)، والله أعلم.
стр. 167
[مظان الحسن في دواوين السُّنّة]:
٣٦ - الثالث: كتاب الترمذي (١) أصلٌ في معرفة الحسن، وهو الذي شهر باسمه وأكثر من ذكره في "جامعه"، ويوجد في كلام بعض مشايخه كأحمد بن حنبل (٢)، والبخاري، وطبقتهما (٣)، ونص الدارقطني في "سننه" (٤) على كثير من ذلك، وتختلف النسخ من كتاب الترمذي في قوله: "حسن"، أو "حسن صحيح" ونحو ذلك، فينبغي أنّ تصحِّح أصلَك بجماعة أصول، وتعتمد على ما اتَّفقت عليه (٥).
[الحسن في "سنن أبي داود"]:
ومن مظانِّ الحسن "سنن أبي داود"، روي عنه أنه قال: "ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه"، وقال: "وما فيه وهن شديد فقد بيَّنتُه، وما لم أذكر
стр. 168
فيه شيئًا، فصالح، وبعضُها أصحُّ من بعضٍ" (١).
قال الشيخ تقي الدين: "فعلى هذا ما وجدناه مذكورًا في كتابه مطلقًا وليس في أحد "الصحيحين"، ولا نصَّ على صحَّته ممن يميِّزُ بين الحسن والصحيح، فهو حسن عند أبي داود، وقد يكون فيه ما ليس بحسن عند غيره" (٢).
[اصطلاح البغوي في "المصابيح والاعتراض عليه وردّه]:
وأما ما قسم صاحب "المصابيح" (٣) أحاديثها إلى نوعين:
стр. 169
الصِّحاح، والحسان، مريدًا بالصِّحاح ما ورد في "الصحيحين" أو في أحدهما، وبالحسان ما أورده أبو داود والترمذي وأشباههما في تصانيفهم (١)؛ فهذا اصطلاح لا يُعرف؛ إذ ليس الحسن عند أهل الحديث عبارة عن ذلك، وهذه الكتب مشتملة على الحسن وغير الحسن.
وقال الشيخ محيي الدين: "هذا الكلام من البغوي ليس بصواب؛ لأن في السنن الصَّحيح والحسن والضعيف" (٢).
قلت: ليست المشاحَّة في الاصطلاح، وتخطئة الشَّخص على اصطلاحه - مع نص الجمهور على أنّ من اصطلح في كتاب فليبين في أوله - بعيد عن الصواب، فإن البغوي نص في ابتداء "المصابيح" بهذه العبارة، قال: "وأعني بالصحاح ما أخرجه الشيخان .. " إلى آخرها، ثم قال: "وأعني بالحسان ما أورده أبو داود وأبو عيسى الترمذي أو غيرهما من الأئمة … " إلى آخره، ثم قال: "فما كان فيها من ضعيف أو غريب
стр. 170
أشرتُ إليه، وأعرضت عن ذكر ما كان مُنْكَرًا أو موضوعًا" (١) أعرضت، هذه عبارته، ولم يذكر قط أنّ مراد الأئمة بالحسان كذا، وبالصحاح كذا، ومع هذا لم نعرف وجه تخطئة الشيخين (٢) إياه (٣)، والله أعلم (٤).
стр. 171
[الفرق بين إسناده صحيح أو حسن من جهة، وحديد صحيح أو حسن من جهة أخرى]:
٣٧ - الرابع: قولهم: هذا حديث صحيح الإسناد، أو حسن الإسناد دون قولهم: هذا حديث حسن أو صحيح؛ لأنه قد يقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولا يصحّ، لكونه شاذًّا أو معلَّلًا، غير أنَّ المصنِّفَ المعتمدَ منهم إذا اقتصر على قوله: صحيح الإسناد أو حسنه، ولم يقدح فيه فالظاهر من حاله الحكم بصحته وحسنه، لأن الأصل والظاهر السلامة من القدح، هكذا قال الشيخ تقي الدين (١)، وتابعه الشيخ محيي الدين (٢).
[تعقب ابن الصلاح والنووي]:
وفيه بحث؛ لأنا لا نسلِّم إذا قيل: صحيح الإسناد أو حسنه يحتمل كونه شاذًّا أو معللًا مردودًا؛ فإنَّ صحَّة الإسناد من المبدأ إلى المنتهى مستلزمة لصحَّة المتن، والحكم بصحَّة الإسناد مع احتمال عدم صحَّته بعيد جدًّا (٣).
стр. 172
ومع ذلك هذا الاحتمال قائم في قولهم: هذا حديث حسن أو حديث صحيح؛ لجواز إطلاق المطلق وإرادة المقيَّد، اللّهم إلا إذا كان مراد الشيخين أنهم اصطلحوا على خلاف الظاهر، والله أعلم.
[معنى قولهم: حديث حسن صحيح]:
٣٨ - فإن قيل: قول الترمذي وغيره: "هذا حديث حسن صحيح" فيه إشكال؛ لأن الحسن قاصر عن درجة الصحيح، والجمع بينهما جمع بين نفي القصور وإثباته.
стр. 173
فأجيب: بأن ذلك راجع إلى الإسناد بأن روي ذلك الحديث بإسنادين، أحدهما إسناد حسن، والآخر إسناد صحيح، فاستقام أن يقال فيه: إنه حسن صحيح (١).
وقال قاضي القضاة تقي الدين: "يجوز أن يقال: حسن باعتبار الصفات الأدنى، وهي الصِّدقُ والعَدَالة وعدم التهمة والكذب في رواته، وصحيح باعتبار الصفات الأعلى من الضبط والإتقان والحفظ، ولا تنافي بينهما، وكل صحيح حسن دون العكس" (٢).
وفيه بحث؛ إذ لا نسلِّم أنَّ كلَّ صحيح حسن، فإنَّ الصحيح الذي ليس له إلا راوٍ واحد - على ما تبين إن شاء الله تعالى - ليس بحسن، لما بيَّنَّا أنّ الحسن ما روي من غير وجه.
стр. 174
[في تحقيق الفرق بين الصحيح والحسن] (١):
نعم؛ لو قيل: بينهما عموم من وجه (٢)، لكان متَّجهًا؛ إذ بعض الحسن ليس بصحيح أيضًا؛ لكون رجاله ليسوا من الضبط والإتقان والشهرة بذاك، وإنْ كان معروف المخرج، وروي من غير وجه فحينئذٍ بينهما عموم وخصوص من وجه، فحيث عرف مخرجه، واشتهر رجاله، وهم بمكانٍ من الضبط والإتقان بعد العدالة، وروي من غير وجه؛ فحسن صحيح، وحيث روي من وجه واحد، وليس له إلّا راوٍ واحد في كلِّ درجة، وهو ضابظ مُتقن عدل ثقة؛ فصحيح دون الحسن، وحيث له مخرج مُشْتهر، وأخرج من غير وجه، ورجاله موصوفون بالصفة الأدنى، وهي الصدق والعدالة، وعدم التُّهمة؛ فهو حسن دون الصحيح، هذا هو التحقيق، والله أعلم (٣).
٣٩ - قال الشيخ تقي الدِّين: "ويجوز أن يكون المراد بالصحيح الاصطلاحيَّ على ما ذكرنا، وبالحسن اللغوي، وهو ما تميل إليه النَّفسُ من جودة الألفاظ" (٤).
قال قاضي القضاة تقي الدين: "يلزم من ذلك أن يطلق على الحديث الموضوع إذا كان حسن اللفظ أنه حسن، وذلك لا يقوله أحد في الاصطلاح" (٥).
وفيه بحث، لأن الحسن الذي ذكره الشيخ هو الحسن المذكور مع