Полный текст (6 133 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
الْمُطَّلِبِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا، فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأمَّا خَالِدٌ، فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا قَدِ احْتَبَسَ أَدرَاعهُ، وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَقَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَقَالَ: «قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهُوَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا».
ثُمَّ قَالَ: «يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ».
قَوْلُهُ: «وَأَعْتُدَهُ» يُرْوَى بِالتَّاءِ، وَالْأَعْتُدُ: جَمْعُ الْعَتَادِ، وَكَذَلِكَ الْأَعْتَادُ، وَهُوَ مَا أَعَدَّهُ الرَّجُلُ مِنَ السِّلاحِ وَالدَّوَابِّ وَالْآلَةِ لِلْحَرْبِ.
стр. 2452
ثُمَّ لَهُ تَأْوِيلانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الْآلاتِ كَانَتْ عِنْدَهُ لِلتِّجَارَةِ، فَطَلَبُوا مِنْهُ زَكَاةَ التِّجَارَةِ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ قَدْ جَعَلَهَا حُبُسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ، وَجَوَازِ وَقْفِ الْمَنْقُولِ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: أَنَّهُ اعْتَذَرَ لِخَالِدٍ، يَقُولُ: إِنَّ خَالِدًا لَمَّا حَبَسَ أَدْرَاعَهُ تَبَرُّعًا، وَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ: إِنَّهُ احْتَسَبَ لَهُ مَا حَبَسَهُ بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الصَّدَقَةِ، لِأَنَّ أَحَدَ أَصْنَافِ الْمُسْتحقين لِلصَّدَقَةِ هُمُ الْمُجَاهِدُونَ.
وَفِيهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَوَاتِ بَدَلًا عَنِ الْأَعْيَانِ، وَعَلَى جَوَازِ وَضْعِ الصَّدَقَةِ فِي صنْفٍ وَاحِدٍ.
وَقَوْلُهُ: «صِنْوُ أَبِيهِ»، أَيْ: أَصْلُهُمَا وَاحِدٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرَّعْد: ٤]، وَهِيَ جَمْعُ صِنْوٍ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ وَاحِدًا، وَفِيهِ النَّخْلَتَانِ، وَالثَّلاثِ، وَالْأَرْبَعِ.
وَيُحْكَى عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: الصِّنْوُ: الْمِثْلُ، أَرَادَ مِثْلَ أَبِيهِ.
وَقَوْلُهُ فِي صَدَقَةِ الْعَبَّاسِ: «فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ»، فَإِنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَلَّ الْمُتَابِعُونَ لِشُعَيْبٍ فِيهَا، لِأَنَّ الْعَبَّاسَ مِنْ صَلِيبَةِ بَنِي هَاشِمٍ لَا تَحِلُّ
стр. 2453
لَهُ الصَّدَقَةُ، فَكَيْفَ يَسْتَأْثِرُهُ بِهَا.
وَرَوَى غَيْرُهُ «هِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا»، وَتَأَوَّلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، قَالَ: لَعَلَّهُ أَخَّرَهَا عَلَيْهِ عَامَيْنِ لِحَاجَةٍ بِالْعَبَّاسِ إِلَيْهَا، كَمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أَخَّرَ الصَّدَقَةَ عَامَ الرَّمَادَةِ، فَلَمَّا أَحْيَا النَّاسُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، أَخَذَ مِنْهُمْ صَدَقَةَ عَامَيْنِ.
قَوْلُهُ: «أَحْيَا النَّاسُ»، أَيْ: صَارُوا فِي الْحَيَا، وَهُوَ الْخِصْبُ.
وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى، أَنَّهُ قَالَ: «هِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا»، فَلَهُ تَأْوِيلانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ قَدْ تَسَلَّفَ مِنْهُ صَدَقَةَ سَنَتَيْنِ، فَصَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَعْجِيلِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ مَحِلِّهَا، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ تَعْجِيلَ صَدَقَةِ عَامَيْنِ لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ قَدْ قَبَضَ مِنْهُ صَدَقَةَ ذَلِكَ الْعَامِ الَّذِي شَكَاهُ فِيهِ الْعَامِلُ، وَتُعَجَّلُ صَدَقَةُ عَامٍ ثَانٍ، فَقَالَ: «هِيَ عَلَيَّ»، أَيِ: الصَّدَقَةِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ، وَأَنْتَ تُطَالِبُهُ بِهَا مَعَ مِثْلِهَا مِنْ صَدَقَةِ عَامٍ لَمْ يَحِلَّ، فَيَكُونُ قَدْ أَخَذَ صَدَقَةَ أَحَدِ الْعَامَيْنِ بَعْدَ مَحِلِّهَا، وَاسْتَعْجَلَ صَدَقَةَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ.
стр. 2454
بَابُ زَكَاةِ الثِّمَارِ وَخَرْصِهَا
قَالَ اللَّهُ : ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الْأَنْعَام: ١٤١].
قَالَ مَالِكٌ: سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ الزَّكَاةُ.
стр. 2455
١٥٧٩ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ التَّمَّارِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ فِي زَكَاةِ الْكَرْمِ: «يُخْرَصُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ، ثُمَّ يُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا كَمَا يُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا».
١٥٧٩ - وَبِإِسْنَادِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ مَنْ يَخْرُصُ عَلَى النَّاسِ كُرُومَهُمْ وَثِمَارَهُمْ.
стр. 2456
أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا أَبُو عَمْرٍو مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الْحَذَّاءُ، أَنا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، أَنَّهُ تُخْرَصُ الثِّمَارُ عَلَى أَرْبَابِهَا، فَبَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ فِي الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ بَعَثَ الإِمَامُ خَارِصًا يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ، وَيَقُولُ: تُحَصَّلُ مِنْ هَذَا الرُّطَبِ كَذَا مِنَ التَّمْرِ، وَمِنْ هَذَا الْعِنَبِ كَذَا مِنَ الزَّبِيبِ، فَيُحْصِي عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، ثُمَّ يُخَلِّي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا يَصْنَعُونَ بِهَا مَا شَاءُوا، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْهُمُ الْعُشْرَ بَعْدَمَا أَدْرَكَ وَجَفَّ، فَإِنِ ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ نُقْصَانًا عَمَّا خَرصَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَحُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: الْخَرْصُ بِدْعَةٌ.
وَأَنْكَرَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ الْخَرْصَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا كَانَ يَخْرُصُ ذَلِكَ تَخْوِيفًا لِلْأَكَرَةِ، لِئَلا يَخُونُوا، فَأَمَّا أَنْ يَلْزَمَ بِهِ حُكْمٌ، فَلا، لِأَنَّهُ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَمِلَ بِهِ، وَالصَّحَابَةُ مِنْ بَعْدِهِ، وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَجْوِيزِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: هُوَ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ.
لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ اجْتِهَادٌ فِي مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الثَّمَرِ، كَالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ أَحْصَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَهُوَ كَتَقْوِيمِ الْمُتْلَفَاتِ، وَالْحُكْمُ بِالاجْتِهَادِ.
وَإِنَّمَا يُسَنُّ الْخَرْصُ فِي النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ دُونَ الْحُبُوبِ، لِأَنَّ الْحُبُوبَ لَا تُؤْكَلُ رَطِبَةً، وَثَمَرُ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تُؤْكَلُ رَطِبَةً، فَتَتْلَفُ حُقُوقَ الْمَسَاكِينِ.
стр. 2457
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ يَقُولُ: «إِذَا خَرَصْتُمْ، فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدْعُوا الثُّلُثَ، فَدَعُوا الرُّبُعَ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْخَارِصُ يَدَعُ الثُّلُثَ لِلْخِرَفَةِ، وَكَذَا قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الثُّلُثَ وَالرُّبُعَ مَتْرُوكٌ لَهُمْ عَنْ عُرضِ الْمَالِ تُوسِعَةً عَلَيْهِمْ، فَقَدْ يَكُونُ مِنَ السُّقَاطَةِ، وَيَنْتَابُهَا الطَّيْرُ، وَيَخْتَرِفُهَا النَّاسُ لِلْأَكْلِ.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَأْمُرُ الْخُرَّاصَ بِذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ لَهُمْ شَيْئًا شَائِعًا، بَلْ يُفْرَدُ لَهُمْ نَخْلاتٌ مَعْدُودَةٌ قَدْ عُلِمَ مِقْدَارُ ثَمَرِهَا بِالْخَرْصِ.
قَالَ ﵀: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الْعُشْرِ فِي النَّخِيلِ وَالْكُرُومِ، وَفِيمَا يُقْتَاتُ مِنَ الْحُبُوبِ مِمَّا يَزْرَعْهُ الْآدَمِيُّونَ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهَا مِنَ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى أَنَّهُ لَا عُشْرَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجِبُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْفَوَاكِهِ وَالْبُقُولِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ الْعُشْرِ فِي جَمِيعِهَا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إِلَى إِيجَابِ الْعُشْرِ فِي الزَّيْتُونِ، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ
стр. 2458
مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْأَخْذِ، فَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: يُؤْخَذُ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنَ الزَّيْتِ إِذَا بَلَغَ زَيْتُونُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُؤْخَذُ مِنْ ثَمَرِهِ.
أَمَّا الْخضْرَاوَاتِ، فَلا عُشْرَ فِيهَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ فِيهَا الْعُشْرُ إِلَّا الْحَطَبَ، وَالْحَشِيشَ، وَالْقَصَبَ الْفَارِسِيَّ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ، فَلَمْ يُوجِبَا فِيهِ الْعَشْرُ.
وَرُوِيَ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: عِنْدَنَا كِتَابُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ مِنَ الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ.
стр. 2459
وَكُلُّ ثَمَرَةٍ أَوْجَبْنَا فِيهَا الزَّكَاةَ، فَإِنَّهَا تَجِبُ بِبُدُوِّ الصَّلاحِ، وَوَقْتُ الإِخْرَاجِ بَعْدَ الاجْتِنَاءِ وَالْجَفَافِ.
وَكُلُّ حَبٍّ أَوْجَبْنَا فِيهِ الْعُشْرَ، فَوَقْتُ وُجُوبِهِ اشْتِدَادُ الْحَبِّ، وَوَقْتُ الإِخْرَاجِ بَعْدَ الدِّيَاسَةِ وَالتَّنْقِيَةِ، وَلا حَوْلَ لَهَا، إِنَّمَا الْحَوْلُ لِلْمَوَاشِي وَالنُّقُودِ، لِأَنَّ نَمَاءَهَا لَا يَظْهَرُ إِلا بِمُضِيِّ الْحَوْلِ.
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ الَّذِي لَا اخْتِلافَ فِيهِ، أَنَّهُ لَا يُخْرَصُ مِنَ الثِّمَارِ إِلا النَّخِيلُ وَالْأَعْنَابُ، أَمَّا مَا لَا يُؤْكَلُ رَطِبًا إِنَّمَا يُؤْكَلُ بَعْدَ حَصَادِهِ مِثْلُ الْحُبُوبِ كُلِّهَا، فَإِنَّهُ لَا يُخْرَصُ، وَإِنَّمَا عَلَى أَهْلِهِ فِيهِ الْأَمَانَةُ.
стр. 2460
بَابُ قَدْرِ الصَّدَقَةِ فِيمَا أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ
١٥٨٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ.
الْعَثَرِيُّ: الْعِذْيُ وَهُوَ مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ، وَيُرْوَى: «مَا سُقِيَ مِنْهُ بَعْلًا فَفِيهِ الْعُشْرُ».
وَالْبَعْلُ: مَا شَرِبَ بِعُرُوقِهِ مِنْ غَيْرِ سَقْيِ سَمَاءٍ وَلا غَيْرِهَا،
стр. 2461
فَإِذَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ، فَهُوَ عِذْيٌ.
وَقَوْلُهُ: «مَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ»، يُرِيدُ مَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي وَهِيَ النَّوَاضِحُ، وَاحِدَتُهَا نَاضِحَةٌ.
قَالَ ﵀: وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ فِي الْمَسْقِيِّ مِنَ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ بِمَاءِ السَّمَاءِ، أَوْ مِنْ نَهْرٍ يَجْرِي الْمَاءُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَئُونَةٍ، أَوْ كَانَ بَعْلًا، وَهُوَ الَّذِي يَشْرَبُ بِعِرْقِهِ، الْعُشْرَ، وَفِيمَا سُقِيَ بِسَانِيَةٍ، أَوْ نَضْحٍ نِصْفُ الْعُشْرِ، لِأَنَّ الْمَئُونَةَ إِذَا كَثُرَتْ، قَلَّ الْوَاجِبُ نَظَرًا لِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، فَإِذَا قَلَّتَ الْمَئُونَةُ، وَعَمَّتِ الْمَنْفَعَةُ، زِيدَ فِي الْوَاجِبِ تُوسِعَةً عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِي النَّعَمِ إِذَا كَانَتْ سَائِمَةً، فَإِنْ كَانَتْ مَعْلُوفَةً، فَلا زَكَاةَ فِيهَا لِكَثْرَةِ مَئُونَتِهَا.
стр. 2462
بَابُ زَكَاةِ الْعَسَلِ
١٥٨١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ، نَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ التِّنِّيسِيُّ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فِي الْعَسَلِ فِي كُلِّ عَشْرَةِ أَزُقٍّ زِقُّ».
стр. 2463
قَالَ أَبُو عِيسَى: فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرُ شَيْءٍ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا صَدَقَةَ فِيهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ.
كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَامِلِهِ عَلَى دِمَشْقَ: إِنَّمَا الصَّدَقَةُ فِي الْعَيْنِ، وَالْحَرْثِ، وَالْمَاشِيَةِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى إِيجَابِهَا، وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، قَالُوا: فِيهِ الْعُشْرُ.
وَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ، قَالَ: كَلَّمْتُ قَوْمِي فِي الْعَسَلِ،
стр. 2464
فَقُلْتُ لَهُمْ: زَكُّوهُ، فَإِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي ثَمَرٍ لَا يُزَكَّى.
فَأَخَذْتُ مِنْهُمُ الْعُشْرَ، فَأَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَأَخَذَهُ عُمَرُ، فَبَاعَهُ، ثُمَّ جَعَلَ ثَمَنَهُ فِي صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ.
ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ فِي خَلايَا الْعَسَلِ: «فِيهَا الْعُشْرُ».
أَرَادَ بِالْخَلايَا: الْمَوَاضِعَ الَّتِي تُعَسِّلُ فِيهَا النَّحْلُ، وَاحِدَتُهَا خَلِيَّةٌ، وَهِيَ مِثْلُ الرَّاقُودِ.
стр. 2465
بَابُ زَكَاةِ الْوَرِقِ وَالْحُلِيِّ
١٥٨٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، أَنا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ عَفَوْتُ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ، فَهَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَةِ، مِنْ كُلِّ أَرْبَعينَ دِرْهَمًا دِرْهمٌ، وَلَيْسَ فِي تِسْعِينَ وَمِائَةٍ شَيْءٌ، فَإِذَا بَلَغَ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: كِلاهُمَا عِنْدِي صَحِيحٌ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَنْهُمَا جَمِيعًا.
وَرُوِيَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، وَالْحَارِثُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَتْ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا
стр. 2466
وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ»، قَالَ: فَلا أَدْرِي أَعَلَيَّ، قَالَ: «بِحِسَابِ ذَلِكَ» أَوْ رَفَعَهُ.
وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي الْوَرِقِ حَتَّى يَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ نُقْرَةً خَالِصَةً، وَلا فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالا بِوَزْنِ مَكَّةَ، ثُمَّ فِيهِ رُبُعُ الْعُشْرِ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ، فَإِنْ كَانَ يَنْقُصُ عَنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا حَبَّةً، فَلا زَكَاةَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَجُوزُ جَوَازَ الْوَازِنَةِ، وَقَالَ مَالِكٌ: تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ إِذَا كَانَتْ تَجُوزُ جَوَازَ الْوَازِنَةِ.
١٥٨٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا قُتَيْبَةُ، نَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ امْرَأَتَيْنِ أَتَتَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَفِي أَيْدِيهِمَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهُمَا: «أَتُؤَدِّيَانِ زَكَاتَهُ؟»، قَالَتَا: لَا، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَتُحِبَّانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللَّهُ ﵎ بِسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟»، قَالَتَا: لَا، قَالَ: «فَأَدِّيَا زَكَاتَهُ».
стр. 2467
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَابْنُ لَهِيعَةَ يَضْعُفُ، وَلا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ
وَرُوِيَ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَتْ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ، فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ جَهَنَّمَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَى أَنْ لَا زَكَاةَ فِيهِ، مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ، وَجَابِرٌ، وَأَنَسٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَإِلَيْهِ
стр. 2468
ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى إِيجَابِ الزَّكَاةِ فِيهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَأَمَّا الْحُلِيُّ الْمَحْظُورَةُ، فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ، فَمِنَ الْمَحْظُورِ الْأَوَانِي وَالْقَوَارِيرُ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا.
وَمِنَ الْمُبَاحِ أَنْ تَتَّخِذَ الْمَرْأَةُ لِنَفْسِهَا أَوِ الزَّوْجِ لامْرَأَتِهِ سِوَارًا، أَوْ خَلْخَالًا، أَوْ عِقْدًا، أَوْ قُرْطًا، أَوْ خَاتَمًا، أَوْ نَحْوَهَا مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، وَكُلُّ هَذَا حَرَامٌ لِلرِّجَالِ إِلا خَاتَمَ الْفِضَّةِ.
وَمَنْ جُدِعَ أَنْفُهُ أَوْ سَقَطَتْ سِنُّهُ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا أَوْ سِنَّا مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، فَمُبَاحٌ.
стр. 2469
بَابُ زَكَاةِ التِّجَارَةِ
قَالَ اللَّهُ : ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٦٧]، قَالَ مُجَاهِدٌ: مِنَ التَّجَارَةِ.
١٥٨٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا سُفْيَانُ، أَنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حِمَاسٍ، أَنَّ أَبَاهُ، قَالَ: مَرَرْتُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلَى عُنُقِي أَدَمَةٌ أَحْمِلُهَا، فَقَالَ عُمَرُ: «أَلا تُؤَدِّي زَكَاتَكَ يَا حِمَاسُ؟»، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا لِي غَيْرُ هَذِهِ الَّتِي عَلَى ظَهْرِي وَآهِبَةٌ فِي الْقَرَظِ، فَقَالَ: «ذَاكَ مَالٌ، فَضَعْ».
قَالَ: فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَحَسِبَهَا، فَوَجَدْتُ قَدْ وَجَبَ فِيهَا الزَّكَاةُ، فَأَخَذَ مِنْهَا الزَّكَاةَ
стр. 2470
قَوْلُهُ: آهِبَةٌ.
جَمْعُ إِهَابٍ، مِثْلُ آلِهَةٍ جَمْعُ إِلَهٍ، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ.
وَرُوِيَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَمَّا بَعْدُ، «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ».
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ فِي الْعَرْضِ زَكَاةٌ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ التِّجَارَةُ.
стр. 2471
قَالَ ﵀: ذَهَبَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ التِّجَارَةَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي قِيمَتِهَا إِذَا كَانَتْ نِصَابًا عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا رُبُعَ الْعُشْرِ.
وَقَالَ دَاوُدُ: زَكَاةُ التِّجَارَةِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَهُوَ مَسْبُوقٌ بِالإِجْمَاعِ.
وَيَنْعَقِدُ الْحَوْلُ فِي مَالِ التِّجَارَةِ يَوْمَ يَشْتَرِيهِ لِلتِّجَارَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَأْسُ مَالِهِ يَوْمَئِذٍ نِصَابًا، فَإِذَا تَمَّ الْحَوْلُ يَقُومُ مَا فِي يَدِهِ مِنَ الْعُرُوضِ بِنَقْدِ الْبَلَدِ إِنْ كَانَ رَأْسُ مَالِهِ عَرْضًا حِينَ ابْتَدَأَ التِّجَارَةَ، وَإِنْ كَانَ رَأْسُ مَالِهِ نَاضًّا، فَيَقُومُ بِجِنْسِهِ، فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا، أُخْرِجَ رُبُعُ الْعُشْرِ مِنْ قِيمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ، فَلا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَتِمُّ النِّصَابَ.
стр. 2472
بَابُ الدَّيْنِ هَلْ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ
١٥٨٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصَعْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، كَانَ يَقُولُ: «هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ حَتَّى تَحْصُلَ أَمْوَالُكُمْ، فَتُؤَدُّوا مِنْهَا الزَّكَاةَ»
قَالَ ﵀: إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْ غَيْرِ مَالِ الزَّكَاةِ مَا يَفِي بِدَيْنِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْ مَالِهِ،
стр. 2473
وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكَ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ، وَدَيْنُهُ لَا يَزِيدُ عَلَى الْفَاضِلِ عَنِ النِّصَابِ يَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ آخَرُ، وَدَيْنُهُ يَسْتَغْرِقُ مَالَهُ، أَوْ يَنْقُصُ النِّصَابُ لَوْ أَدَّاهُ مِنَ الْمَالِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَقَالُوا: يَمْنَعُ وُجُوبَ زَكَاةِ الْعَيْنِ، وَلا يَمْنَعُ وُجُوبَ عُشْرِ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ.
وَمَنْ كَانَ مَالُهُ دَيْنًا عَلَى مَلِيءٍ وَفِي، فَعَلَيْهِ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مُعْسِرٍ، فَلا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ، فَإِنْ قَبَضَهُ فَعَلَيْهِ إِخْرَاجُ زَكَاةِ مَا مَضَى عَلَى أَحَدِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَلَوْ ضَلَّتْ مَاشِيَتُهُ، أَوْ
стр. 2474
غُصِبَ مَالُهُ أَحْوَالا، ثُمَّ وَجَدَهَا، زَكَّاهَا عَلَى أَظْهَرِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ زَكَاةُ حَوْلٍ وَاحِدٍ.
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ فِي مَالٍ قَبَضَهُ بَعْضُ الْوُلاةِ ظُلْمًا يَأْمُرُ بِرَدِّهِ إِلَى أَهْلِهِ، وَيُؤْخَذُ زَكَاتُهُ لِمَا مَضَى مِنَ السِّنِينَ، ثُمَّ أَعْقَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِكِتَابٍ: لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ إِلَّا زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنَّهُ كَانَ ضَمَارًا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ الْغَائِبُ الَّذِي لَا يُرْجَى، فَإِذَا رُجِيَ، فَلَيْسَ بِضَمَارٍ، وَأَضْمَرْتُ الشَّيْءَ: إِذَا غَيَّبْتُهُ.
قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَعْطَى النَّاسَ أَعْطِيَتَهُمْ يَسْأَلُ الرَّجُلَ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ مَالٍ وَجَبَتْ عَلَيْكَ فِيهِ زَكَاةٌ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، أَخَذَ مِنْ عَطَائِهِ زَكَاةَ مَالِهِ، وَإِنْ قَالَ: لَا، أَسْلَمَ إِلَيْهِ عَطَاءَهُ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا.
وَيُرْوَى عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مِثْلُ هَذَا.
стр. 2475
بَابُ الرِّكَازِ وَالْمَعْدِنِ
١٥٨٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «جُرْحُ الْعَجْماءِ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ اللَّيْثِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَغَيْرُهُ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، نَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ
وَقَالَ: «الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ» سُمِّيَتْ عَجْمَاءُ، لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ.
قَالَ ﵀: أَرَادَ «بِالْعَجْمَاءِ» الْبَهِيمَةَ.
стр. 2476
قَوْلُهُ: «جُبَارٌ»، أَيْ: هَدَرٌ، وَأَرَادَ بِهِ أَنَّ الْبَهِيمَةَ إِذَا أَتْلَفَتْ شَيْئًا، وَلَمْ يَكُنِ الْمَالِكُ مَعَهَا، وَكَانَ نَهَارًا لَا ضَمَانَ عَلَى مَالِكِهَا، أَوِ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِحَفْرِ بِئْرٍ أَوْ مَعْدِنٍ، فَانْهَارَ عَلَيْهِ، فَلا ضَمَانَ.
١٥٨٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ.
ح وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَارِفُ، قَالا: أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنا الرَّبِيعُ، أَنا الشَّافِعِيُّ، أَنا سُفْيَانُ، عَنْ هَوَّادِ بْنِ سَابُورٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ فِي كَنْزٍ وَجَدَهُ رَجُلٌ فِي خَرِبَةٍ جَاهِلِيَّةٍ: «إِنْ وَجَدْتَهُ فِي قَرْيَةٍ مَسْكُونَةٍ، أَوْ سَبِيلٍ مِيتَاءٍ، فَعَرِّفْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ فِي خَرِبَةٍ جَاهِلِيَّةٍ، أَوْ فِي قَرْيَةٍ غَيْرِ مَسْكُونَةَ، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ»
قَالَ ﵀: الرِّكَازُ اسْمٌ لِلْمَالِ الْمَدْفُونِ فِي الْأَرْضِ، وَالْمَعْدَنُ:
стр. 2477
اسْمٌ لِلْمَخْلُوقِ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ يَقَعُ اسْمُ الرِّكَازِ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَدْفُونَ رَكَّزَهُ صَاحِبُهُ فِي الْأَرْضِ، وَالْمَخْلُوقُ رَكَّزَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ، وَالْخَبَرُ وَرَدَ فِي الْمَدْفُونِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: الرِّكَازُ: الْكَنْزُ الْعَادِي.
وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الْخُمُسِ فِي الرِّكَازِ حَالَةَ مَا يَجِدُهُ لَا يُنْتَظَرُ بِهِ حَوْلٌ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَجِدَهُ مَدْفُونًا فِي مَوَاتٍ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ جَاهِلِيٍّ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ مَلِكٌ فِي الإِسْلامِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ شَيْئًا لَا يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهُ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ، أَوْ كَانَ نَقْدًا بِضَرْبِ الإِسْلامِ، فَهُوَ لُقْطَةٌ.
стр. 2478
وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْوُجُوبَ هَلْ يَخْتَصُّ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَبِالنِّصَابِ؟ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ إِلَى أَنَّ الْخُمُسَ، لَا يَجِبُ فِي غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَيَجِبُ فِيهِمَا بَعْدُ أَنْ يَكُونَ نِصَابًا عِشْرِينَ مِثْقَالا مِنَ الذَّهَبِ، أَوْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، ثُمَّ احْتَاطَ، وَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أنَا الْوَاجِدُ لَخَمَّسْتُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ وَالذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَغَيْرَهُمَا.
وَأَوْجَبَ مَالِكٌ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ.
وَمَصْرَفُ الرِّكَازِ مَصْرَفُ الزَّكَاةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْأَرْضِ كَالزَّرْعِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَصْرَفُهُ مَصْرَفُ خُمْسُ الْفَيْءِ، لِأَنَّهُ مِنْ مَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ.
وَأَمَّا الْمُسْتَخْرَجُ مِنَ الْمَعْدَنِ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إِنْ كَانَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً يَجِبُ فِيهِ رُبُعُ الْعُشْرِ عَلَى أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ نِصَابًا، وَلا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْلُ كَالزَّرْعِ يُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةَ حِينَ يُحْصَدُ، وَلَمْ يَجِبُ الْخُمُسُ لِكَثْرَةِ الْمَئُونَةِ فِي تَحْصِيلِهِ، وَلا يُوجَبُ فِي غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
١٥٨٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرزيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَقْطَعَ لِبِلالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ مَعَادنَ الْقَبَلِيَّةِ وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرْعِ، فَتِلْكَ الْمَعَادِنُ لَا يُؤخَذُ مِنْهَا الزَّكَاةُ إِلَى الْيَوْمِ».
стр. 2479
وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: فِي رِكَازِ أَرْضِ الْحَرْبِ الْخُمُسُ، وَفِي رِكَازِ أَرْضِ السِّلْمِ الزَّكَاةُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجِبُ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنَ الْمَعْدَنِ الْخُمُسُ كَالرِّكَازِ.
وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَأَحَدُ أَقَاوِيلِ الشَّافِعِيِّ.
وَأَوْجَبَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي كِلِّ جَوْهَرٍ يَنْطَبِعُ كَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ قِيَاسًا عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، ثُمَّ نَاقَضَ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُمَهُ، فَلا يُؤَدِّي مِنْهُ الْخُمُسَ.
стр. 2480
وَشَرَطَ بَعْضُهُمُ الْحَوْلَ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنَ الْمَعْدَنِ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ، وَلا شَيْءَ فِي الْعَنْبَرِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ فِي الْعَنْبَرِ زَكَاةٌ، هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ فِي الْعَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ: الْخُمُسُ.
стр. 2481
بَابُ زَكَاةِ مَالِ الصَّبِيِّ
١٥٨٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: «أَلا مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ، فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ، وَلا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأكُلَهُ الصَّدَقَةُ».
قَالَ أَبُو عِيسَى: فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، لِأَنَّ الْمُثَنَّى بْنَ الصَّبَّاحِ ضَعِيفٌ
قَالَ ﵀: وَرَوَى سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى، لَا تَسْتَهْلِكُهَا الزَّكَاةُ.
стр. 2482
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى وُجُوبِهَا، مِنْهُمْ عُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ، وَجَابِرٌ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
وَذَهَبَ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ الْعُشْرِ فِيمَا أَخْرَجَتْهُ أَرْضُهُ، وَوُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنْهُ.
стр. 2483
بَابُ أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنَ الْوَسَطِ
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمُعَاذٍ: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ».
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ﷺ بَعَثَ مُصَدِّقًا، فَقَالَ: «لَا تَأْخُذْ مِنْ حَزَرَاتِ أَنْفُسِ النَّاسِ».
يُرِيدُ: لَا تَأْخُذْ خِيَارَ أَمْوَالِهِمْ، وَالْحَزَرَةُ: خِيَارُ الْمَالِ.
١٥٩٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي لَيْلَى الْكِنْدِيِّ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ، قَالَ: أَتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَقَرَأْتُ عَهْدَهُ: أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلا يُفَّرقَ
стр. 2484
بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ عَظِيمَةٍ مُلَمْلَمَةٍ، فَأَبَى أَنْ يَأخُذَهَا، ثُمَّ أَتَاهُ بِأُخْرَى دُونَهَا، فَأَبَى أَنْ يَأخُذَهَا، ثُمَّ أَتَاهُ بِأُخْرَى دُونَهَا، فَأَخَذَهَا، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي، وأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، إِذَا أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ أَخَذْتُ جِيَادَ إِبِلِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ»
وَالْمُلَمْلَمَةُ هِيَ النَّاقَةُ الْمُسْتَدِيرَةُ سِمْنًا.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ نَاقَةً كَوْمَاءَ، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقَالَ الْمُصَدِّقُ: إِنِّي ارْتَجَعْتُهَا بِإِبِلٍ، «فَسَكَتَ».
الْكَوْمَاءُ: مِشْرِفَةُ السَّنَامِ، وَالْكَوْمُ: مَوْضِعُ مُشْرِفٍ.
وَالارْتِجَاعُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ أَنْ يَقْدَمَ الرَّجُلُ الْمِصْرَ بِإِبِلِهِ، فَيَبِيعُهَا، ثُمَّ يَشْتَرِي بِثَمَنِهَا مِثْلَهَا أَوْ غَيْرَهَا، فَهِيَ الرَّجْعَةُ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الصَّدَقَةِ إِذَا وَجَبَتْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ سِنٌّ، فَأَخَذَ مَكَانَهَا سِنَّا أُخْرَى، فَتِلْكَ الَّتِي أَخَذَ رَجْعَةٌ، لِأَنَّهُ ارْتَجَعَهَا مِنَ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَى رَبِّهَا.
стр. 2485
بَابُ إِذَا أَدَّى زَكَاتَهُ فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ
١٥٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الشَّيْبَانِيُّ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَنا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ، عَنْ أَبِي هَرَيْرَةَ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ، فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ الزَّكَاةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلا أَنْ تَطَوَّعَ».
وَابْنُ حُجَيْرَةَ: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُجَيْرَةَ الْمِصْرِيُّ
стр. 2486
بَابُ حَقِّ الْمَالِ
قَالَ اللَّهُ : ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧].
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: كُنَّا نُعُدُّ الْمَاعُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَارِيَةَ الدَّلْوِ وَالْقِدْرِ.
وَيُقَالُ: الْمَاعُونُ الْمَعْرُوفُ كُلُّهُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَعْلاهَا الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ، وَأَدْنَاهَا عَارِيَّةُ الْمَتَاعِ.
١٥٩٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِيُّ، أَنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، نَا أَبُو عِيسَى، نَا مُحَمَّدُ بْنُ مَدُّوَيْهِ، نَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، قَالَتْ: سَأَلْتُ، أَوْ سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 2487
عَنِ الزَّكَاةِ، فَقَالَ: " إِنَّ فِي الْمَالِ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الْبَقَرَة: ١٧٧] "، الْآيَة.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَأَبُو حَمْزَةَ مَيْمُونٌ الْأَعْوَرُ ضَعِيفٌ، وَرَوَى بَيَانٌ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ، قَوْلُهُ: «إِنَّ فِي هَذَا الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ»، وَهَذَا أَصَحُّ
وَيُرْوَى: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: «الْمَاءُ»، قِيلَ: مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: «الْمِلْحُ».
قِيلَ ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي أَرْضٍ أَوْ جَبَلٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ.
стр. 2488
بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ
١٥٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرِ أَوْ أُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ
١٥٩٤ - أَنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ،
стр. 2489
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَالذَّكَرِ والْأُنْثَى، والصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ».
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ نَافِعٍ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ فَرِيضَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَعَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ لَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ، وَالْوَاجِبُ عِنْدَهُمْ أَحَطُّ رُتْبَةً مِنَ الْفَرِيضَةِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِلْكَ النِّصَابِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِوُجُوبِهَا، بَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَعَطَاءٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ لِيَوْمِ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ قَدْرَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، يَلْزَمَهُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ.
стр. 2490
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا تَجِبُ إِلا عَلَى مَنْ يَمْلُكُ نِصَابًا، لِأَنَّ مَنْ حَلَّتْ لَهُ الصَّدَقَةُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ، وَالْحَدُّ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مِلْكُ الْمِائَتَيْنِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَدَاؤُهَا عَنِ الصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَعَمَّنْ أَطَاقَ الصَّوْمَ أَوْ لَمْ يُطِقْ.
رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ قَالَ: «صَدَقَةُ الْفِطْرِ إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ أَطَاقَ الصَّوْمَ».
وَيَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْ عَبِيدِهِ وَإِمَائِهِ الْمُسْلِمِينَ شَاهَدِهِمْ وَغَائِبِهِمْ، سَوَاءٌ كَانُوا لِلْخِدْمَةِ أَوْ لِلتِّجَارَةِ، فَعَلَيْهِ فِي رَقِيقِ التِّجَارَةِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى رَقِيقِ التِّجَارَةِ.
وَلا تَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِطْرَةُ عَبْدِهِ الْكَافِرِ، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ: «مِنَ الْمُسْلِمِينَ»، وَلِأَنَّهَا طُهْرَةُ الْمُسْلِمِ كَزَكَاةِ الْمَالِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ: تَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَنْ عَبْدِهِ الْكَافِرِ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَإِسْحَاقُ.
следующие страницы →