أشرتُ إليه، وأعرضت عن ذكر ما كان مُنْكَرًا أو موضوعًا" (١) أعرضت، هذه عبارته، ولم يذكر قط أنّ مراد الأئمة بالحسان كذا، وبالصحاح كذا، ومع هذا لم نعرف وجه تخطئة الشيخين (٢) إياه (٣)، والله أعلم (٤).
стр. 171
[الفرق بين إسناده صحيح أو حسن من جهة، وحديد صحيح أو حسن من جهة أخرى]:
٣٧ - الرابع: قولهم: هذا حديث صحيح الإسناد، أو حسن الإسناد دون قولهم: هذا حديث حسن أو صحيح؛ لأنه قد يقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولا يصحّ، لكونه شاذًّا أو معلَّلًا، غير أنَّ المصنِّفَ المعتمدَ منهم إذا اقتصر على قوله: صحيح الإسناد أو حسنه، ولم يقدح فيه فالظاهر من حاله الحكم بصحته وحسنه، لأن الأصل والظاهر السلامة من القدح، هكذا قال الشيخ تقي الدين (١)، وتابعه الشيخ محيي الدين (٢).
[تعقب ابن الصلاح والنووي]:
وفيه بحث؛ لأنا لا نسلِّم إذا قيل: صحيح الإسناد أو حسنه يحتمل كونه شاذًّا أو معللًا مردودًا؛ فإنَّ صحَّة الإسناد من المبدأ إلى المنتهى مستلزمة لصحَّة المتن، والحكم بصحَّة الإسناد مع احتمال عدم صحَّته بعيد جدًّا (٣).
стр. 172
ومع ذلك هذا الاحتمال قائم في قولهم: هذا حديث حسن أو حديث صحيح؛ لجواز إطلاق المطلق وإرادة المقيَّد، اللّهم إلا إذا كان مراد الشيخين أنهم اصطلحوا على خلاف الظاهر، والله أعلم.
[معنى قولهم: حديث حسن صحيح]:
٣٨ - فإن قيل: قول الترمذي وغيره: "هذا حديث حسن صحيح" فيه إشكال؛ لأن الحسن قاصر عن درجة الصحيح، والجمع بينهما جمع بين نفي القصور وإثباته.
стр. 173
فأجيب: بأن ذلك راجع إلى الإسناد بأن روي ذلك الحديث بإسنادين، أحدهما إسناد حسن، والآخر إسناد صحيح، فاستقام أن يقال فيه: إنه حسن صحيح (١).
وقال قاضي القضاة تقي الدين: "يجوز أن يقال: حسن باعتبار الصفات الأدنى، وهي الصِّدقُ والعَدَالة وعدم التهمة والكذب في رواته، وصحيح باعتبار الصفات الأعلى من الضبط والإتقان والحفظ، ولا تنافي بينهما، وكل صحيح حسن دون العكس" (٢).
وفيه بحث؛ إذ لا نسلِّم أنَّ كلَّ صحيح حسن، فإنَّ الصحيح الذي ليس له إلا راوٍ واحد - على ما تبين إن شاء الله تعالى - ليس بحسن، لما بيَّنَّا أنّ الحسن ما روي من غير وجه.
стр. 174
[في تحقيق الفرق بين الصحيح والحسن] (١):
نعم؛ لو قيل: بينهما عموم من وجه (٢)، لكان متَّجهًا؛ إذ بعض الحسن ليس بصحيح أيضًا؛ لكون رجاله ليسوا من الضبط والإتقان والشهرة بذاك، وإنْ كان معروف المخرج، وروي من غير وجه فحينئذٍ بينهما عموم وخصوص من وجه، فحيث عرف مخرجه، واشتهر رجاله، وهم بمكانٍ من الضبط والإتقان بعد العدالة، وروي من غير وجه؛ فحسن صحيح، وحيث روي من وجه واحد، وليس له إلّا راوٍ واحد في كلِّ درجة، وهو ضابظ مُتقن عدل ثقة؛ فصحيح دون الحسن، وحيث له مخرج مُشْتهر، وأخرج من غير وجه، ورجاله موصوفون بالصفة الأدنى، وهي الصدق والعدالة، وعدم التُّهمة؛ فهو حسن دون الصحيح، هذا هو التحقيق، والله أعلم (٣).
٣٩ - قال الشيخ تقي الدِّين: "ويجوز أن يكون المراد بالصحيح الاصطلاحيَّ على ما ذكرنا، وبالحسن اللغوي، وهو ما تميل إليه النَّفسُ من جودة الألفاظ" (٤).
قال قاضي القضاة تقي الدين: "يلزم من ذلك أن يطلق على الحديث الموضوع إذا كان حسن اللفظ أنه حسن، وذلك لا يقوله أحد في الاصطلاح" (٥).
وفيه بحث، لأن الحسن الذي ذكره الشيخ هو الحسن المذكور مع
стр. 175
الصَّحيح، فإن كان مراد الحافظ قاضي القضاة ذاك؛ فلا نسلِّم أنه موضوع، وأنه لا يقال في الاصطلاح إنه حسن، وإن كان مراده الحسن المطلق؛ فلا يرد على الشيخ تقي الدين، لأنه يبحث في الحسن المذكور مع الصحيح، ومع ذلك لا نسلم أنه لا يقال للحديث الموضوع الحسن اللفظ: هذا حسن، والله أعلم (١).
стр. 176
[استشكال قول الترمذي: "حسن غريب" أو "حسن لا يعرف إلا من هذا الوجه" وجوابه]:
٤٠ - فإن قيل: قول الترمذي: "هذا حديث حسن غريب" أو "حسن لا يعرف إلا من هذا الوجه" أو "من حديث فلان لا فيه إشكال؛ لأن شرط الحسن أن يكون مرويًّا من غير وجه، والغريب ما انفرد واحد من رواته بالرواية، فبينهما تناقض؟!
فالجواب: أن الغريب على أقسام - كما سنبيِّن إن شاء الله تعالى -: غريب من جهة الإسناد والمتن، وغريب من جهة المتن دون الإسناد، وغريب من جهة الإسناد دون المتن، وغريب في بعض السند فحسب أو في بعض المتن، فالذي يمكن أن يجمع من هذه مع الحسن هو الغريب من جهة الإسناد دون المتن، لأن هذا الغريب معروف عن جماعة من الصحابة، لكن تفرد بعضهم بروايته عن صحابي، فبحسب المتن حسن لأنه عرف مخرجه واشتهر رجاله في الصدر الأول، ووجد شروط الحسن في سائر الطبقات، وبحسب الإسناد غريب لأنه لم يروِ عن تلك الجماعة إلا واحد، فلا منافاة بين الغريب بهذا المعنى وبين الحسن، بخلاف سائر الغرائب؛ فانها تتنافى.
فائدة [في أقسام الحسن والغريب بالنسبة إلى الحسن والصحيح]:
٤١ - الحسن والغريب بالنسبة إلى الحسن والصحيح أربعة أقسام:
стр. 177
غريب حسن صحيح، على ما يقول الترمذي كثيرًا.
وغريب حسن دون الصحيح.
وغريب صحيح دون الحسن.
وغريب دون الصحيح والحسن، وهذا القسم ضعيف، والله أعلم.
فائدة جليلة [في شرط الأئمة الخمسة في كتبهم]:
٤٢ - قال الشيخ الحافظ محمد بن الطاهر المقدسي (١): "إن الأئمة الخمسة: البخاريَّ، ومسلمًا، وأبا دود، والترمذيَّ، والنسائي، لم ينقل عن أحد منهم أنه قال: شرطي في إخراج الحديث كذا، لكن لما سبر كتبهم، واستقرئ رواياتهم علم بذلك شرط كل واحد منهم.
[شرط البخاري ومسلم في "الصحيحين"]:
فشرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المجمعَ على ثقة نَقَلَته إلى الصَّحابيَّ المشهور، فإنْ كان للصَّحابي راويان فصاعدًا، فحسن، وإن لم يكن إلا راوٍ واحد، وصَحَّ الطَّريق إلى ذلك الراوي أخرجاه أيضًا، إلا أنَّ مسلمًا أخرج حديث قوم تركهم البخاري لشُبهة وقعت في نفسه بما لا يزيل العدالة والثقة استغناء بغيرهم، كحمَّاد بن سَلَمة (٢)، وسهيل بن أبي صَالح (٣)، وداود بن أبي هِند (٤)، وأبي الزبير (٥)،
стр. 178
وعلاء بن عبد الرحمن (١)، وغيرهم (٢)؛ لما تكلم في سُهَيل بن أبي صَالح
стр. 179
في سماعه من أبيه، فقيل: صحيفة (١)، وتكلَّموا في حماد بأنه أدخل في حديثه ما ليس منه، وعند مسلم لم يصح هذا الكلام (٢)، فأخرج أحاديثهم
стр. 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 181
لإزالة الشُّبهة عنده، وأما أبو داود والنسائي فإن أحاديث كتابيهما ثلاثة أقسام:
قسم على شرط "الصحيحين" أو مخرَّج فيهما (١)، وقسم صحيح على شرط أنفسهما، فحكى أبو عبد الله بن منده (٢) أن شرطهما إخراج أحاديث قوم لم يجمع على تركهم، فإذا صحَّ الحديثُ باتّصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال، فيكون هذا القسم من الصحيح.
قلت: لكن دون القسم الأول في الرُّتبة، وسبيله سبيل الصحاح التي ما أوردها البخاري ومسلم في كتابيهما، والله أعلم.
وقسم أحاديثُ أخرجاها من غير قطع منهما بصحته، وقد أبانا علَّتها بما يعرفه أهل العلم، وإنما أودعا هذا القسم في كتابيهما لأنه رواية قوم لها، واحتجاجهم بها أقوى من رأي الرجال.
[شرط أبي عيسى الترمذي في "جامعه"]:
وأما أبو عيسى الترمذي فقسَّم كتابه أربعة أقسام:
الأول: صحيح مقطوع به، وهو ما وافق البخاريَّ ومُسلمًا.
الثانن: ما هو على شرط أبي داود والنسائي كما بيَّنا آنفًا.
والثالث: كالقسم الثالث لهما أخرجه وبيَّن علته وضعفه.
стр. 182
والرابع: أخرجه وأبان هو عنه، وقال: "ما أخرجت في كتابي إلا حديثًا قد عمل به بعضُ الفقهاء. … " (١)، فعلى هذا الأصل كل حديث احتجَّ به محتجّ أو عمل بموجبه عامل أخرجه (٢)، سواء صح طريقه أو لم يصح، وقد ازاح عن نفسه، فإنه تكلم على كلِّ حديث بما فيه، وكان من طريقه أن يترجم الباب الذي فيه حديث مشهور عن صحابي في حُكْمٍ، وقد صَحَّ الطريق إليه، وأخرج حديثه في الكتب الصِّحاح، فيورد في الباب ذلك الحكمَ عن صحابيٍّ آخر لم يخرجوه من حديثه، ولا يكون إليه كالطريق إلى الأول، إلا أن الحكم صحيح، ثم يتبعه بأن يقول: وفي الباب عن فلان وفلان (٣)، ويعدّ جماعة، وفيهم الصحابي الأكثر الذي أخرج ذلك الحكم من حديثه.
стр. 183
[تعقب الحاكم في "المدخل" في ذكره شرط المتفق عليه]:
وأما ما ذكر أبو عبد الله الحاكم في "المدخل" (١) من أن الشرط المتفق عليه بين البخاري ومسلم في الإخراج أن يرويه الصّحابيُّ المشهورُ عن رسول الله ﷺ ، وله راويان ثقتان، ثم يروي عنه التابعيُّ المشهورُ بالرواية عن الصَّحابي، وله راويان ثقتان، ثم يروي عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة من الطبقة الرابعة يكون فيها شيخ البخاري ومسلم حافظًا
стр. 184
متقنًا مشهورًا بالعدالة، فهذه الدرجة الأولى من الصحيح، فهذا شرط حسن لو كان موجودًا فيما أخرجاه في كتابيهما، لكن ليس كل ما في كتابيهما كذلك، فإن البخاري أخرج حديث قيس بن أبي حازم، عن مرداس الأسلمي: "ذهب الصالحون أولًا فأولًا" (١)، وليس لمرداس راوٍ غير قيس (٢)، وأخرج حديث المسيب بن حَزْن في وفاة أبي طالب (٣)، ولم يرو عنه غير ابنه سعيد (٤)، وأخرج حديث الحسن البصري، عن عمرو بن تَغْلِب: "إني لأعطي الرجل والذي أدع أحب إليّ" (٥) الحديث، ولم يروِ عن عَمرو غيرُ الحسن (٦)، هذا في أشياء كثيرة عند البخاري.
стр. 185
وأما مسلم فاخرج حديث الأغر المزني: "إنه ليغان على قلبي" (١) ولم يرو عنه غير أبي بُردة (٢)، وأخرج حديث أبي رفاعة العدوي (٣)، ولم يروِ عنه غير حُميد بن هِلَال العَدَويّ (٤)، وأخرج حديث رافع (٥) بن عَمرو الغِفَاري (٦)، ولم يروِ عنه غيرُ عبدِ الله بن الصَّامت (٧)، هذا في أشياء
стр. 186
كثيرة (١)، وهكذا في التَّابعين وأتباعهم ومن روى عنهم إلى عصر الشَّيخين كثير فيمن لم يروِ عنه إلا واحد، فعلم أن القاعدة التي أسسها الحاكم لهما ليست بمطردة، ثم يلزم أن تكون أحاديث "المستدرك أصح من أحاديث "الصحيحين" التي لم يوجد فيها الشَّرط الذي شرطه الحاكم لهما، ووجد في حديث بزعمه، وهذا بمعزل عن الإنصاف لما فيه، والله أعلم.
[الحديث الضعيف]:
٤٣ - القسم الثالث: الضعيف، وهو كلُّ حديثٍ لم يجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحسن على ما ذكرنا، وذلك على أقسام:
[أقسام الحديث الضعيف]:
منها ما له لقب خاصٌّ معروف؛ كالموضوع، والمقلوب، والشَّاذ، والمعلَّل، والمضطرب، والمرسل، والمنقطع، والمعضل، في أنواع سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
стр. 187
ومنها ما ليس له لَقَب خاص، وأطنب الحافظ أبو حاتم بن حبان في تقسيمه، وبلغ تسعة وأربعين بأنْ جَعل كل نوعٍ قسمًا، ثم مع كلِّ واحد ثم مع كل اثنين إلى أن يستوعب الأقسام (١)، مثلًا: يجعل النوع
стр. 188
الأول: المعضل، والثاني: المعضل مع الشاذ أو مع المرسل، والثالث: المعضل والشاذ مع المضطرب أو مع واحد آخر، وهكذا (١).
ثم الضعيف على نوعين: لأن ضعفه إما لعدم اتصاله إلى منتهاه، أو لغير ذلك.
[أنواع الضعيف بسبب عدم اتصاله]:
٤٤ - أما النوع الأول فعلى أصناف:
[الحديث المعلق]:
الصنف الأول: ما سقط من أوله واحد وأكثر، ويسمى التَّعليق،
стр. 189
والحديث المعلَّق، واشتقاقه من تعليق الجدار، وتعليق الطَّلاق لما يشترك الجميع في قطع الاتّصال، كما إذا قال البخاري: قال مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ .
فإنه حذف من سمع عنه.
وكذا إذا قال: قال الزّهريّ … وساقه.
وقد يطلق التعليق على ما حذف إسناده رأسًا، كقول الفقهاء: قال رسول الله ﷺ .
[المعلقات في "الصحيحين"]:
ومثل هذا التَّعليق كثير في "صحيح البخاري" (١)
فما كان فيه لفظُ جزمٍ، كما إذا قال: "قال رسول الله ﷺ .. " كذا، أو قال: "قال ابن عباس كذا"، أو قال: "قال الزهري كذا"؛ فهو حُكمٌ بصحَّتهِ (١).
وأما ما لم يكن فيه لفظ جزم وحكم مثل: "روي" أو "وفي الباب عن النّبيّ ﷺ "، وما أشبه ذلك ينبغي أن لا يحكم بصحته، لأن هذه العبارة تستعمل في الأحاديث الضعيفة (٢)، لكن إيراده في أثناء "الصحيح"
стр. 195
مشعر بصحة أصله (١) لأنه قال: "ما أدخلت في كتابي "الجامع" إلا ما صَحّ" (٢)، وإنما يفعل ذلك لكون ذلك الحديث معروفًا من جهة الثقات عن ذلك الشَّخص الذي علَّقه عليه، وقد يفعل ذلك لأنه قد ذكره في موضع آخر من كتابه مسندًا متصلًا، وقد يفعل لغرض آخر لا يصحبه خلل الانقطاع، وهذا حكم المعلَّق فيما أورده أصلًا ومقصودًا، لا فيما أورده في معرض الاستشهاد، فإن الهشَواهد يحتمل فيها ما ليس من شروط الصحيح معلَّقًا كان أو موصولًا.
[المرسل الموقوف والمرفوع]:
٤٥ - الصنف الثاني: ما سقط من آخره وهو ذكر الصَّحابي، بأن قال التابعي: قال رسول الله ﷺ ، أو سقط ذكر التابعي في الموقوف، بأن قال تبع التابعي: قال ابن عمر ﵄ كذا، والأول يسمَّى: المرسل المرفوع، والثاني: المرسل الموقوف (٣).
стр. 196
ولا يشترط في الإرسال أن يكون المرسل تابعيًّا كبيرًا، وهو الذي لقي جماعةً من الصحابةِ وجالسهم، كعُبيد الله بن عَدِي بن الخِيَار (١)، أو التَّابعي الصغير الذي لقي بعضًا منهم، كالزهري (٢) على الأصحّ، وعند الأصوليين (٣): المرسل: قولُ من لم يلقَ رسول الله ﷺ : قال رسول الله ﷺ .
[حكم الحديث المرسل]:
٤٦ - ثم حُكم الحديثِ المرسل حُكمُ الضعيف إلا أن يصحَّ مخرَجُهُ بمجيئه من وجه آخر بإرسالٍ أو إسنادٍ (٤)، ولهذا احتجَّ الشافعي
стр. 197
بمرسلات ابن المسيَّب، فإنها وُجِدَت مساند من وجوه (١)، ولا يختصُّ ذلك بإرسال ابن المسيَّب عنده بدليلٍ سنذكره (٢).
فإنْ قلتَ: إن كان الوجه الآخر إرسالًا، فَضُمَّ غيرُ مقبولٍ إلى غيرِ مقبول، فلا يقبل، فحينئذٍ العمل بالإسناد، فلا حاجة إلى الإرسال.
قلتُ: لا نسلّم أنّ ضمّ الإرسال إلى الإرسال لا يفيد قبولًا؛ لجواز توكيد أحدِ الظَّنَّيْن بالآخر، فيقرب من الجليِّ ولا نسلِّم أن لا فائدة للإرسال مع الإسناد، فالمسند يبيِّنُ صحَّة إسنادِ الإرسال حتى يحكم له مع إرساله أنه صحيحُ الإسناد تقوم به الححّة، وأيضًا لو عارض المسند الذي معه المرسل مسند آخر فيترجَّح على معارضه بسبب ما معه.
[المرسل عند الشافعي]:
وفي أصول الفقه فإن الشَّافعيَّ ﵁ يحتج أيضًا بمرسل يعضده قولُ صحابيٍّ، أو قولُ أكثر العلماء (٣)، أو عرف أنه لا يرسِلُ إلا عن
стр. 198
عَدْلٍ (١)، وقال الحافظ البيهقي: "إنَّ الشَّافعيَّ يقبل مراسيلَ كبار التابعين إذا انضم إليها ما يؤكدها، سواء كان لابن المسيَّب أو غيره، والدليل عليه أن بعض مراسيل ابن المسيَّب لم تقبل حين لم ينضم إليها ما يؤكدها، وقبل مراسل غيره حين انضم إليها ما يؤكدها" (٢).
وهذا قريب مما قاله الأصوليون، وما ذكرنا من سقوط الاحتجاج بالمرسل المطلق والحكم بضعفه هو المذهب الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث، ونقّاد الأثر، وتداولوه في تصانيفهم.
[حجيّة الحديث المرسل]:
وفي صدر صحيح مسلم: "المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحُجَّة" (٣).
وحكى الحافظ ابنُ عبد البرِّ عالم الغرب ذلك أيضًا عن جماعةِ أصحاب الحديث (٤)، وبه قال القاضي
стр. 199
أبو بكر الباقلاني (١)، وذهب مالك (٢) وأبو حنيفة (٣)، وأحمد (٤) - في إحدى الروايتين عنه - وجماهير المعتزلة (٥) إلى أنه حجة معمول به.
стр. 200
وقال أبو بكر الخطيب بعد قدحه في المرسل (١): "والذي نختاره من هذه الجملة سقوطُ فرض العمل بالمراسيل، وأن المراسيل غير مقبولة؛ لأن إرسال الحديث يؤذي إلى الجهل بالعين، ويستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه، والمجهول لا يعمل بروايته، لجواز أنه إذا سئل عن من أرسل لم يعدِّلْه، فلا يجوز العمل به".
[حجية مرسل الصحابي]:
٤٧ - وإرسال بعض الصحابة مثل ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله ﷺ ولم يسمعوه منه؛ فلا يعد في أنواع المراسيل، لأنّ ذلك في حكم الموصول (٢)؛ لأن روايتهم عن الصحابة، وهم كلُّهم عدول، والجهل بهم غير قاح.
٤٨ - الصنف الثالث: ما سقط من غير الأول وغير الآخر، وهو على نوعين:
[المنقطع (٣) ومثالان عليه]:
٤٩ - الأول: يسمى المنقطع، وهو ما سقط واحد منه (٤) قبل أن
стр. 201
يصل إلى التَّابعي، ومنه الإسناد الذي فيه مبهمٌ، مثل: رجلٌ، أو شيخ، أو نحوهما (١).
مثال الأول: ما روي عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن زَيْد بن يُثَيْع، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن ولَّيتموها أبا بكر فقويٌّ أمين … " (٢) الحديث.
стр. 202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 203
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 205
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 206
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 207
فهذا إسناد صورته صورة الاتصال، وهو منقطع (١) في موضعين،
стр. 208
فإن عبد الرزاق لم يسمع من الثَّوريِّ، وإنما سمعه من النُّعمان بن أبي شَيبة الجَنَدِيّ عن الثَّوريِّ، ولم يسمعه الثَّوريُّ من أبي إسحاق، وإنما سمعه من شريك، عن أبي إسحاق.
ومثال الثاني: ما روي عن أبي العلاء بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن رجلين، عن شداد بن أوس، عن رسول الله ﷺ في الدعاء في الصلاة: "اللّهم إني أسألك الثبات في الأمر" (١).