نص السؤال الذي أُورد على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
١- أيا علماءَ الدين ذمِّيُّ دينكم ... تحيرَّ دُلُّوه بأوضحِ حجةِ
٢- إذا ما قضى ربيْ بكفريْ بزعمكم ... ولم يَرضَهُ مني فما وَجْهُ حيلتي
٣- دعاني وسدَّ البابَ عنيْ فهل إلى ... دخوليْ سبيلٌ بيِّنوا لي قضيتي
٤- قضى بضلاليْ ثم قال: ارضَ بالقضا ... فما أنا راضٍ (١) بالذي فيه شقوتي
٥- فإن كنت بالمقضيِّ -ياقومُ- راضيًا ... فَرَبِّيَ لا يرضى بشؤمِ بليَّتي (٢)
٦- وهل (٣) ليْ رضا ما ليس يرضاه سيدي ... فقد حِرْتُ دُلوني على كشف حيرتي
٧- إذا شاء ربِّيْ الكفرَ مني مشيئةً ... فهل أنا عاصٍ في (٤) اتباع المشيئةِ (٥)
٨- وهل ليْ اختيارٌ أن أخالفَ حُكْمَهُ ... فبالله فاشفوا بالبراهين غُلتي (٦)(٧)
стр. 2
[أجاب ﵀] :
١- سؤالُك يا هذا سؤالُ معاندٍ ... مخاصمِ (١) ربِّ العرش باري البريةِ
٢- فهذا سؤالٌ (٢) خَاصَمَ الملأَ العُلا ... قديمًا به إبليسُ أصلُ البليةِ
٣- ومن يكُ خصمًا للمهيمن يرجعنْ ... على أمِّ رأسٍ هاويًا في الحُفيرةِ
стр. 3
٤- ويدعى (١) خصومُ اللهِ يومَ معادهم ... إلى النار طُرًّا معشرَ (٢) القدريةِ
٥- سواءٌ نفوه أو سعوا ليخاصموا ... به اللهَ أو مارَوْا به للشريعةِ
стр. 4
٦- وأصلُ ضلالِ الخَلْقِ من كل فرقةٍ ... هو الخوضُ في فعل الإله بِعِلَّةِ
стр. 5
٧- فإنهمو لم يفهموا حكمةً له ... فصاروا على نوعٍ من الجاهليةِ
٨- فإن جميعَ الكونِ أوجب فِعْلَه ... مشيئةُ ربِّ الخلق باري الخليقةِ (١)
стр. 6
٩- وذاتُ إله الخَلْقِ واجبة بما ... لها من صفات واجبات قديمةِ
١٠- مشيئتُه مَعْ عِلْمِه ثم قدرة ... لوازمُ ذاتِ الله قاضي القضيةِ
١١- وإبداعُه ما شاء من مُبْدَعاته ... بها حِكْمَةٌ فيه وأنواعُ رحمةِ
стр. 7
١٢- ولسنا إذا قلنا جَرَتْ بمشيئة (١) ... من المنكري آياتِه المستقيمةِ
١٣- بل الحقُّ أن الحكمَ لله وحده ... له الخلقُ والأمرُ الذي في الشريعةِ
стр. 8
١٤- هو المَلِكُ المحمودُ في كلِّ حالةٍ ... له المُلْكُ من غير انتقاص بِشِركةِ
١٥- فما شاء مولانا الإلهُ فإنه ... يكون وما لا لا يكون بحيلةِ
стр. 9
١٦- وقدرتُه لا نقصَ فيها وحكمه (١) ... يَعُمُّ فلا تخصيصَ في ذي القضيةِ
١٧- أُرِيْدُ بذا أن الحوادثَ كلَّها ... بقدرته كانت ومحضِ المشيئةِ
١٨- ومالِكُنا في كلِّ ما قَدْ أراده ... له الحمدُ حمدًا يعتلي كلَّ مِدْحةِ
стр. 10
١٩- فإن له في الخلق من نعم (١) سرت ... ومن حِكَمٍ فوق العقولِ الحكيمةِ
٢٠- أمورًا (٢) يحار العقل فيها إذا رأى ... من الحِكم العليا وكل عجيبةِ
стр. 11
٢١- فنؤمنُ أن الله عزَّ بقدرةٍ ... وخلقٍ وإبرامٍ لحكم المشيئةِ
٢٢- فنثبت هذا كلَّه لإلهنا ... ونثبت ما في ذاك من كل حكمةِ
٢٣- وهذا مقام طالما عجز الأُلى ... نفوه (١) وكروا راجعين بحيرةِ
стр. 12
٢٤- وتحقيقُ ما فيه بتبيين غوره ... وتحرير حقِّ الحق في ذي الحقيقةِ
٢٥- هو المطلب الأقصى لِوُرَّاد (١) بحره ... وذا عسِرٌ في نظم هذي القصيدةِ
٢٦- لحاجته تبيينَ علمٍ مُحقَّقٍ ... لأوصافِ مولانا الإلهِ الكريمةِ (٢)
٢٧- وأسمائه الحسنى وأحكام دينه ... وأفعاله في كل هذي (٣) الخليقةِ
٢٨- وهذا -بحمد الله- قد بان ظاهرًا ... وإلهامُه للخلق أفضلُ نعمةِ
٢٩- وقد قيل في هذا وخُطَّ (٤) كتابُه ... بيانٌ (٥) شفاءٌ للنفوس المريضةِ (٦)
стр. 13
٣٠- فقولك: «لِمْ قد شاء؟» مثل سؤالِ مَنْ ... يقول: فَلِمْ قد كان في الأزليةِ
٣١- وذاك سؤال يبطل العقلُ وَجْهَهُ ... وتحريمُه قد جاء في كل شرعةِ
стр. 14
٣٢- وفي الكون تخصيصٌ كثيرٌ يدلُّ من ... له نوعُ عقلٍ أنه بإرادةِ
٣٣- وإصدارُه عن واحد بعد واحد ... أو (١) القولُ بالتجويز رميةُ حيرةِ
стр. 15
٣٤- ولا ريبَ في تعليق كلِّ مُسَبَّبٍ ... بما قبله من (١) علة مُوجِبيَّةِ
٣٥- بل الشأنُ في الأسبابِ أسبابِ ما ترى ... وإصدارها (٢) عن حكم محض المشيئة
стр. 16
٣٦- وقولك: لِمْ شاء الإلهُ هو الذي ... أزلَّ (٢) عقول الخلق في قَعْر حُفْرةِ
٣٧- فإن المجوسَ القائلين بخالق ... لنفع وربٍّ مُبدعٍ للمَضرةِ
стр. 17
٣٨- سؤالُهم عن علة السرِّ (١) أوقعت ... أوائلَهم (٢) في شبهة الثَّنويةِ (٣)
стр. 18
٣٩- وأن ملاحيدَ الفلاسفةِ الأُلى ... يقولون بالفعل (١) القديمِ بعلةِ (٢)
٤٠- بغوا علة في الكون (٣) بعد انعدامه ... فلم يجدوا ذاكم فضلوا بِضَلةِ
стр. 19
٤١- وإن مبادي الشر في كل أمة ... ذوي ملة (١) ميمونة نبويةِ
٤٢- بخوضهموا في ذاكُمُ صار شركُهُمْ ... وجاء دُروسُ البينات بفترةِ (٢)
стр. 20
٤٣- ويكفيك نقضًا أن ما قد سألتَهُ ... من العذر (١) مردودٌ لدى كل فطرةِ
٤٤- فأنت تعيب الطاعنين (٢) جميعهم ... عليك وترميهم بكل مذمةِ
стр. 21
٤٥- وتَنْحل من والاك صَفْوَ مودةٍ ... وتبغض من ناواك (١) من كل فرقة
٤٦- وحالهم في كل قول وفعلة ... كحالك -يا هذا- بأرجح حجة
стр. 22
٤٧- وهَبْك كففتَ اللومَ عن كل كافرٍ ... وكلِّ غويٍّ خارجٍ عن محجة
٤٨- فيلزمك الإعراضُ عن كل ظالمٍ ... على (١) الناس في (٢) نفس ومالٍ وحرمة
٤٩- فلا تغضبن (٣) يومًا على سافك دمًا ... ولا سارقٍ مالًا لصاحب فاقة
٥٠- ولا شاتمٍ عِرْضًا مصونًا وإن علا ... ولا ناكح فرجًا على وجه غية (٤)
٥١- ولا قاطع للناس نهجَ سبيلِهم ... ولا مفسد في الأرض من كل وجهة
٥٢- ولا شاهدٍ بالزور إفكًا وفريةً ... ولا قاذف للمحصنات بزنية (٥)
٥٣- ولا مهلك للحرث والنسل عامدًا ... ولا حاكمٍ للعالمين برشوةِ
٥٤- وكُفَّ لسان اللوم عن كل مفسدٍ ... ولا تأخذنْ ذا جرمةٍ (٦) بعقوبةِ
стр. 23
٥٥- وسهِّل سبيل الكاذبين تعَمُّدًا ... على ربهم مِنْ كلِّ جاءٍ (١) بفريةِ
٥٦- وإن قصدوا إضلال من يستجيبهم (٢) ... برومِ فسادِ النوع ثم الرياسةِ
٥٧- وجادل عن الملعونِ فرعونَ إذ طغى ... فأُغْرِق (٣) في اليم انتقامًا بغضبةِ (٤)
٥٨- وكلِّ كفورٍ مشركٍ بإلههِ ... وآخرَ طاغٍ كافرٍ بنبوةِ
٥٩- كعادٍ ونمروذ (٥) وقومٍ لصالح ... وقوم لنوح ثم أصحاب الآيكةِ
٦٠- وخاصم لموسى ثم سائر من أتى ... من الأنبياء محييًا للشريعة (٦)
٦١- على كونهم قد جاهدوا الناس إذ بغوا (٧) ... ونالوا من العاصي (٨) بليغ (٩) العقوبة
стр. 24
٦٢- وإلا فكلُّ الخلقِ في كلِّ لفظةٍ ... ولحظةِ عينٍ أو تحرك شعرةِ (١)
٦٣- وبطشة كفٍّ أو تخطي قُديمةٍ ... وكلِّ حراكٍ بل وكل (٢) سكينةِ
٦٤- هم تحت أقدار الإلهِ وحكمهِ ... فما أنت (٣) فيما قد أتيت بحجةِ
стр. 25
٦٥- وَهَبْكَ رفعت اللومَ عن كل فاعلٍ ... فعالَ (١) ردًى طردًا (٢) لهذي المقيسةِ
٦٦- فهل يُمْكِننْ (٣) رفعُ الملامِ جميعِهِ ... عن الناس طُرًّا عند كلِّ قبيحةِ
٦٧- وتركُ عقوبات الذين قد اعتدوا ... وتركُ الورى الإنصافَ بين الرعيةِ
٦٨- فلا تُضمنَنْ (٤) نفسٌ ومالٌ بمثلهِ ... ولا يعقبن (٥) عادٍ بمثل الجريمةِ
٦٩- وهل في عقول الناس أو في طباعهم ... قبولٌ لقول النذل: ما وجه حيلتي
стр. 26
٧٠- ويكفيك نقضًا ما بجسمِ ابنِ آدمٍ ... صبيٍّ ومجنون وكلِّ بهيمةِ
٧١- من الألم المقضيِّ من (٣) غير حيلةٍ ... وفيما يشاء الله أكملُ حكمةِ
стр. 27
٧٢- إذا كان في هذا له حكمةٌ فما ... يُظن (١) بخلق الفعل ثم العقوبة
٧٣- فكيف (٢) ومِنْ هذا عذاب مُولَّدٌ ... عن الفعلِ فِعل العبد عند (٣) الطبيعة
٧٤- كآكِلِ سمٍّ أوجب الموتَ أكلُه ... وكلٌّ بتقديرٍ لرب البرية (٤)
٧٥- فَكُفْرُك يا هذا كسمٍّ أكلْتَهُ ... وتعذيبُ نارٍ مثل (٥) جرعةِ غصةِ
стр. 28
٧٦-ألست ترى في هذه الدار مَنْ جنى ... يعاقب إما بالقضا أو بشرعة
٧٧- ولا عُذْرَ للجاني بتقدير خالقٍ ... كذلك (١) في الأخرى بلا مَثْنَويَّةِ
٨٣- فهل (١) ينفعن عُذْرُ (٢) الملوم بأنه (٣) ... كذا طبعه أم هل يقال لعثرةِ
٨٤- أم الذمُّ والتعذيب أوكد للذي ... طبيعته فعل الشرور الشنيعة
стр. 33
٨٥- فإن كنتَ ترجو أن تجاب بما عسى ... ينجِّيك من نار الإله العظيمةِ
٨٦- فدونك ربَّ الخلقِ فاقْصُدْه ضارعًا ... مريدًا لأن يهديْك نحو الحقيقةِ
стр. 34
٨٧- وذلِّل قيادَ النفسِ للحق واسمعن (٢) ... ولا تعرضن عن فكرة مستقيمةِ (٣)
٨٨- وما بان من حق فلا تتركنَّه ... ولا تعصِِ من يدعو لأقوم شرعةِ (٤)
стр. 35
٨٩- ودَعْ دِينَ ذي العاداتِ لا تتبَعَنَّه ... وعُجْ عن سبيل الأمةِ الغضبيَّة
٩٠- ومن ضل عن حقٍّ فلا تقفونَّه (٢) ... وزنْ ما عليه الناس بالمَعْدِليةِ
стр. 36
٩١- هنالك تبدو طالعاتٌ من الهدى ... بتبشير (١) من قد جاء بالحنفية
٩٢- بملة إبراهيم ذاك إمامنا ... ودين رسول الله خير البريةِ (٢)
٩٣- فلا يقبل الرحمنُ دينًا سوى الذي ... به جاءت الرسْلُ الكرامُ السجيةِ
стр. 37
٩٤- وقد جاء هذا الحاشرُ الخاتَم الذي ... حوى كلَّ خير في (١) عموم الرسالةِ
стр. 38
٩٥- وأخبر عن رب العباد بأنَّ مَنْ ... غدا (٢) عنه في الأخرى بأقبحِ خيبةِ (٣)
стр. 39
٩٦- فهذي دلالاتُ العبادِ لحائر ... وأما هداه فهو فعلُ الربوبةِ (١)
٩٧- وفَقْدُ الهدى عند الورى لا يفيد (٢) مَنْ ... غدا (٣) عنه بل يجري (٤) بلا وجه حجةِ