← Тараджим

Тараджим · id 794

معجم المدلسين

محمد بن طلعت

Полный текст (520 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ . أما بعد: فهذا بحث بعنوان: "معجم المدلسين"، أوردت فيه كل راوٍ وُصف بالتدليس، سواء صح وصفه به، أم لم يصح. وتتلخص طريقة عملي في هذا الكتاب فيما يلي: * وجمعت مادة كتابي هذا عن طريق استقراء الكتب التي تتكلم عن الرجال. فكنت كلما وقفت على وصف لعالم لأحد الرواة بالتدليس، أو كلام لعالم يتعلق بتدليس الراوي جمعته. * وبعد أن جمعت مادة الكتاب العلمية من كلام المتقدمين أوردت جميع التَّراجم التي في كتاب "تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس" للحافظ ابن حجر ﵀. وقد وصف الحافظ ابن حجر في كتابه "تقريب التهذيب" عددًا من الرواة بالتدليس (١)، ولم يصفهم به في كتابه "تعريف أهل التقديس"، فأوردت هؤلاء الرواة في كتابي، وقمت بالتعليق على كل ترجمة منهم. * ثم بعد ذلك قمت بقراءة الجزء الخاص بالتدليس من كتاب "جامع التحصيل" للعلائي، وقمت أيضًا بقراءة كتاب "التبيين لأسماء المدلسين" لبرهان الدين

стр. 2

ابن العجمي، وكتاب "المدلسين" لأبي زرعة بن العراقي، وكتاب "أسماء المدلسين" للسيوطي، واستخرجت منها الأقوال التي تفيد كتابي. * قمت بالتعليق على التَّراجم التي تحتاج إلى تعليق. * وزيادة في الفائدة قبل الشروع في ذكر الرواة الموصوفين بالتدليس ذكرت في مقدمة الكتاب نبذة عن معنى التدليس، وأقسامه، وحكم عنعنة الموصوف به، ومراتب الموصوفين به. والله أسأل أن يتقبل هذا العمل، وأن ينفعني به والمسلمين، إنه بكل جميل كفيل، وهو نعم المولى ونعم النصير. ١ صفر ١٤٢٦ هـ كتبه محمد بن طلعت بن محمد مصر - المحلة الكبرى

стр. 3

مُقَدَّمُة فِي مَعْنَي التَّدْلِيس وَأَقْسَامِهِ وَمَرَاتِبِ المَوْصُوفِينَ بِهِ

стр. 4

١ - تعريف التدليس قال ابن حجر: التدليس مُشتق من الدلس، وهو الظلام، قاله ابن السيد. وكأنه أُظلم أمره على الناظر لتغطية وجه الصَّواب فيه (١). وقال ابن حجر أيضًا: المُدَلَّس سُمي بذلك لكون الراوي لم يسم من حدثه، وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدثه به. واشتقاقه من الدَّلَس -بالتحريك-، وهو اختلاط الظلام بالنور، سُمي بذلك لاشتراكهما في الخفاء (٢). * * *

стр. 5

٢ - أقسام التدليس ١) تدليس الإسناد: قال الخطيب البغدادي: الضرب الأول من التدليس: تدليس الحديث الذى لم يسمعه الراوي ممن دلسه عنه بروايته إياه على وجه يوهم أنه سمعه منه، ويعدل عن البيان بذلك، ولو بين أنه لم يسمعه من الشيخ الذى دلسه عنه، فكشف ذلك لصار ببيانه مرسلًا للحديث غير مدلس فيه، لأن الإرسال للحديث ليس بإيهام من المرسل كونه سامعًا ممن لم يسمع منه، وملاقيًا لمن لم يلقه، إلا أن التدليس الذى ذكرناه متضمن للإرسال لا محالة، من حيث كان المدلس ممسكًا عن ذكر من بينه وبين من دلس عنه، وإنما يفارق حاله حال المرسل بإيهامه السماع ممن لم يسمع منه فقط، وهو الموهن لأمره، فوجب كون هذا التدليس متضمنًا للإرسال والإرسال لا يتضمن التدليس، لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمع منه، ولهذا المعنى لم يذم العُلماء من أرسل الحديث، وذموا من دلسه (١). وقال ابن عبد البر: التدليس هو أن يُحدث الرجل عن الرجل قد لقيه، وأدرك زمانه، وأخذ عنه، وسمع منه، وحدث عنه بما لم يسمعه منه، وإنما سمعه من غيره عنه، ممن تُرضى حاله، أو لا تُرضى، على أن الأغلب في ذلك أن لو كانت حاله مُرضية لذكره، وقد يكون لأنه استصغره. هذا هو التدليس عند جماعتهم، لا اختلاف بينهم في ذلك. واختلفوا في حديث الرجل عمن لم يلقه، مثل: مالك عن سعيد بن المسيب، والثوري عن إبراهيم النخعي، وما أشبه هذا، فقالت فرقة: هذا تدليس، لأنهما لو شاء لسميا من حدثهما، كما فعلا في كثير مما بلغهما عنهما، قالوا: وسكوت المحدث عن ذكر من حدثه مع علمه به دلسة.

стр. 6

قال أبو عمر: فإن كان هذا تدليسًا، فما أعلم أحدًا من العُلماء سلم منه في قديم الدهر ولا في حديثه، اللهم إلا شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان، فإن هذين ليس يوجد لهما شيء من هذا، لاسيما شعبة، فهو القائل: لأن أزني أحب إلى من أن أدلس. وقالت طائفة من أهل الحديث: ليس ما ذكرناه يجري عليه لقب التدليس، وإنما هو إرسال، قالوا: وكما جاز أن يرسل سعيد عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر وعمر، وهو لم يسمع منهما، ولم يسم أحد من أهل العلم ذلك تدليسًا، كذلك مالك عن سعيد بن المسيب (١). وقال ابن الصلاح: تدليس الإسناد هو أن يروي عمن لقيه مالم يسمعه منه موهمًا أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهمًا أنه قد لقيه وسمعه منه. ثم قد يكون بينهما واحد، وقد يكون أكثر. ومن شأنه أن لا يقول في ذلك: أخبرنا فلان، ولا حدثنا، وما أشبههما، وإنما يقول: قال فلان أو عن فلان، ونحو ذلك (٢). وقال الذهبي: المُدلس ما رواه الرجل عن آخر ولم يسمعه منه، أو لم يدركه. فإن صرح بالاتصال وقال: حدثنا، فهو كذاب، وإن قال: عن، احتُمل ذلك ونُظر في طبقته: هل يدرك من هو فوقه؟ فإن كان لقيه فقد قررناه، وإن لم يكن لقيه فامكن أن يكون معاصرة، فهو محل تردد، وإن لم يكن فمنقطع: كقتادة عن أبي هريرة. وحكم "قال" حكم "عن". ومن أمثلة التدليس: الحسن عن أبي هريرة. وجمهورهم على أنه منقطع لم يلقه. وقد رُوي عن الحسن قال: حدثنا أبو هريرة، فقيل: عنى بحدثنا: أهل بلده (٣).

стр. 7

وذكر العلائي كلام ابن عبد البر من "واختلفوا في حديث الرجل" إلى آخر كلامه، ثم قال: والقول الأول ضعيف، لأن التدليس أصله التغطية والتلبيس، وإنما يجي ذلك فيما أطلقه الراوي عن شيخه بلفظ موهم للاتصال، وهو لم يسمعه منه، فأما إطلاقه الرِّواية عمن يعلم أنه لم يلقه أو لم يدركه أصلًا فلا تدليس في هذا يوهم الاتصال، وذلك ظاهر، وعليه جمهور العُلماء والله أعلم. والتدليس نوعان، أحدهما ما أشرنا إليه آنفًا بأن يروي الراوي عن شيخه حديثًا لم يسمعه منه بلفظ عن أو قال أو ذكر ونحو ذلك مما يوهم الاتصال ولا يصرح بحدثنا ولا أخبرنا ولا سمعت. وهذا القسم حكمه في الحقيقة حكم المرسل، من جهة أنه لا يعرف الراوي الذى أسقط بينه وبين من دلس عنه، فكل مدلس مرسل، ولا ينعكس إلا على القول الضعيف الذى حكاه ابن عبد البر فيما تقدم (١). وقال العراقي: قوله: "هو أن يروي عمن لقيه مالم يسمعه منه موهمًا أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه "إلى آخر كلامه، هكذا حد المُصَنف القسم الأول من قسمي التدليس الذى ذكرهما، وقد حده غير واحد من الحفاظ بما هو أخص من هذا، وهو أن يروي عمن قد سمع منه مالم يسمعه منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه، هكذا حده الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في جزء له في معرفة من يُترك حديثه أو يُقبل، وكذا حده الحافظ أبو الحسن بن محمد بن عبد الملك بن القطان في كتاب "بيان الوهم والإيهام"، قال ابن القطان: والفرق بينه وبين الإرسال هو أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه انتهى. ويقابل هذا القول في تضييق حد التدليس القول الآخر الذى حكاه ابن عبد البر في "التمهيد" أن التدليس أن يحدث الرجل بما لم يسمعه. قال ابن عبد البر: وعلى هذا فما سلم من التدليس أحد، لا مالك ولا غيره.

стр. 8

وما ذكره المُصَنِّف في حد التدليس هو المشهور بين أهل الحديث، وإنما ذكرت قول البزار وابن القطان كيلا يغتر بهما من وقف عليهما، فيظن موافقة أهل هذا الشأن لذلك والله أعلم (١). قال بدر الدين الزركشي: قول ابن الصلاح: "هو أن يروي عمن لقيه … " إلى آخره أي شرط التدليس أن يكون المدلس قد لقى المروي عنه، ولم يسمع منه ذلك الحديث الذى دلسه عنه، وشرط البغوي في "شرح السنة" أن يكون مشهورًا بالرواية عنه، أما إذا روى عمن لم يدركه بلفظ موهم فليس بتدليس على الصحيح المشهور، بل هو من قبيل الإرسال، كما سبق بابه عن حكاية الخطيب وحكى ابن عبد البر عن قوم أنه تدليس، فجعلوا التدليس أن يحدث الرجل عن الرجل بما لم يسمعه منه بلفظ لا يقتضى تصريحًا بالسماع، وإلا لكان كذبًا، قال ابن عبد البر: "وعلى هذا فما سلم من التدليس أحد لا مالك ولا غيره". وقال ابن القطان في "الوهم والإيهام": "التدليس أن يروي عمن قد سمع منه مالم يسمع منه". وكذلك قال الحافظ أبو بكر البزار صاحب "المسند" في جزء له في معرفة من يُترك حديثه أو يُقبل (٢). وذكر ابن حجر تعريف ابن الصلاح لتدليس الإسناد، ثم قال: وقوله: "عمن عاصره" ليس من التدليس في شيء، وإنما هو: المرسل الخفي، كما سيأتي تحقيقه عند الكلام عليه. وقد ذكر ابن القطان في أواخر البيان له (٣) تعريف التدليس بعبارة غير معترضة، قال: "ونعني به أن يروي المحدث عمن قد سمع منه مالم يسمعه منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه. والفرق بينه وبين الإرسال هو أن الإرسال روايته عمن لم

стр. 9

يسمع منه، ولما كان في هذا قد سمع منه، جاءت روايته عنه بما لم يسمعه منه، كأنها إيهام سماعه ذلك الشيء، فلذلك سُمي تدليسًا". انتهى وهو صريح في التفرقة بين التدليس والإرسال، وأن التدليس مختص بالرواية عمن له عنه سماع، بخلاف الإرسال -والله أعلم-. وابن القطان في ذلك مُتابع لأبي بكر البزار، وقد حكى شيخنا كلامهما، ثم قال: "إن الذى ذكره المُصَنِّف في حد التدليس هو المشهور عن أهل الحديث، وأنه إنما حكى كلام البزار وابن القطان لئلا يُغتر به". قلت: ولا اغترار هنا، بل كلامهما هو الصَّواب على ما يظهر لي في التفرقة بين التدليس والمرسل الخفي، وإن كانا مشتركين في الحكم. هذا ما يقتضيه النظر، وأما كون المشهور عن أهل الحديث خلاف ما قالاه ففيه نظر، فكلام الخطيب في باب التدليس من "الكفاية" يؤيد ما قاله ابن القطان. قال الخطيب: التدليس متضمن للإرسال لا محالة، لإمساك المدلس عن ذكر الواسطة، وإنما يفارق حال المرسل بإيهامه السماع ممن لم يسمع منه فقط، وهو الموهن لأمره، فوجب كون التدليس متضمنًا للإرسال، والإرسال لا يتضمن التدليس، لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمع منه، ولهذا لم يذم العُلماء من أرسل، وذموا من دلس -والله أعلم-. قلت: والذى يظهر من تصرفات الحذاق منهم أن التدليس مختص باللقى، فقد أطبقوا على أن رواية المخضرمين مثل: قيس بن أبي حازم وأبي عثمان النهدي وغيرهما عن النبي ﷺ من قبيل المرسل، لا من قبيل المدلس. وقد قال الخطيب في باب المرسل من كتابه "الكفاية": "لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذى ليس بمدلس وهو رواية الراوي عن من لم يعاصره أو لم يلقه ثم مثل للأول بسعيد بن المسيب وغيره عن النبي ﷺ ، وللثاني بسفيان الثوري وغيره عن الزهري، ثم قال: والحكم في الجميع عندنا واحد". انتهى. فقد بيّن الخطيب في ذلك أن من روى عمن لم يثبت لقيه ولو عاصره أن ذلك

стр. 10

مرسل لا مدلس. والتحقيق فيه التفصيل، وهو أن من ذُكر بالتدليس أو الإرسال إذا ذكر بالصيغة الموهمة عمن لقيه فهو تدليس، أو عمن أدركه ولم يلقه فهو المرسل الخفي، أو عمن لم يدركه فهو مطلق الإرسال (١). وقد تبع السخاوي الحافظ ابن حجر في إطلاق التدليس على رواية الراوي عمن سمع منه مالم يسمع منه، وعدم إطلاقه على رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه وإطلاق ذلك على الإرسال الخفي (٢). قلت: الراجح عندي أن التدليس يُطلق على رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع منه، وُيطلق أيضًا على رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بلفظ موهم كـ " عن "أو" "قال". أما رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بلفظ غير موهم كـ "أُخبرت عن" أو" حُدثت عن "أو" بلغني عن "فهذا يُسمى إرسالًا ولا يُسمى تدليسًا. وكذلك يُطلق الإرسال على رواية الراوي عمن لم يدركه. وأكثر الأئمة المتقدمون أطلقوا التدليس على رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بلفظ موهم، كما أطلقوه على رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع منه. وإليك الأدلة عنى أن المتقدمين كانوا يسمون رواية الراوي عمن أدركه ولم يسمع منه بلفظ موهم تدليسًا. قال الخلال: قال مهنا: قلت لأحمد ويحيى: حدثوني عن عبد المجيد بن أبي رواد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة معاوية بن أبي سفيان"؟ فقالا جميعًا: ليس بصحيح، وليس يعرف هذا الحديث من أحاديث عبيد الله، ولم يسمع عبد المجيد بن أبي رواد من عبيد الله شيئًا، ينبغي أن يكون دلسه، سمعه من إنسان

стр. 11

فحدث به (١). قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: حدث هشيم عن سفيان الثوري، فقال: دلس عنه (٢). قلت: هشيم ليس له رواية عن سفيان الثوري في الكتب الستة، وهشيم والثوري كلاهما من الطبقة السابعة، وكلاهما يروي عن حصين بن عبد الرحمن فلعل ما رواه هشيم عن الثوري بلغه عن الثوري ولم يسمعه منه، فدلسه عنه، وهذا دليل آخر على أن أحمد كان يُطلق التدليس على الإرسال الخفي. قال الدوري: سمعت يحيى يقول: لم يلق يحيى بن أبي كثير زيد بن سلام، وقدم معاوية بن سلام عليهم، فلم يسمع يحيى بن أبي كثير، أخذ كتابه عن أخيه ولم يسمعه، فدلسه عنه (٣). وقال الدوري أيضًا: سمعت يحيى يقول: دلس هشيم عن زاذان أبي منصور، ولم يسمع منه (٤). وقال أيضًا: سمعت يحيى يقول: داود بن أبي القصاف يروي عنه سعيد بن أبي عروبة، ويروي عنه داود بن الزبرقان، يدلس عنه (٥). (٦) قال ابن محرز: سمعت ابن نمير يقول: قال أبو نعيم: أحاديث عبد السلام - يعني الملائي- عن سالم إنما هي أحاديث شريك كلها. قال ابن نمير: كان عبد السلام يدلس (٧). (٨)

стр. 12

وقال الترمذي: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمد بن سواء، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "استذكروا القرآن فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم من عقلها .. " الحديث. فسألت محمد عن هذا الحديث فقال: هذا حديث مشهور من حديث الأعمش ولكن لا أعرفه من حديث سعيد بن أبي عروبة، ولا أعرف لسعيد بن أبي عروبة سماعًا من الأعمش، وهو يدلس، ويروي عنه (١). وقال البخاري: عباد عن إبراهيم بن أبي يحيى عن داود عن عكرمة، وربما دلسها فجعلها عن عكرمة (٢). وقال الخطيب البغدادي: أخبرني أبو بكر أحمد بن سليمان بن على المقرئ الواسطي، قال: ثنا عبد الرحمن بن عمر الخلال، قال: ثنا محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة، قال: ثنا جدي، قال: التدليس جماعة من المحدثين لا يرون به بأسًا، وكرهه جماعة منهم، ونحن نكرهه، ومن رأى التدليس منهم فإنما يجوزه على الرجل الذى قد سمع منه ويسمع من غيره عنه مالم يسمعه منه، فيدلسه يرى أنه قد سمعه منه، ولا يكون ذلك أيضًا عندهم إلا عن ثقة، فأما من دلس عن غير ثقة وعمن لم يسمع هو منه، فقد جاوز حد التدليس الذى رخص فيه من رخص من العُلماء (٣). وفى قول يعقوب: "فأما من دلس عن غير ثقة، وعمن لم يسمع منه" دليل على أن التدليس يطلق على رواية الراوي عمن لم يسمع منه كما يطلق على رواية الراوي عمن سمع منه مالم يسمع منه.

стр. 13

وقال يعقوب بن سفيان: وقد روى سعيد بن أبي عروبة عن عبيد الله بن عمر وعن هشام بن عروة وعن أبي بشر ولم يسمع منهم، إنما دلس عنهم، ولعمرى إنما روى عنهم مناكير (١). وقال يعقوب بن سفيان أيضًا: حدثنا ابن نمير، عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، ولم يسمع من ثوبان، إنما هو تدليس (٢). وقال العجلي: حجاج بن أرطأة النخعي كوفي جائز الحديث، وكان له فقه، وكان على البصرة، وكان على الشرطة، وكان فقيهًا، وكان أحد مفتي الكوفة، وكان فيه تيه، وكان يقول: قتلنى حب الشرف، وولي قضاء البصرة، إلا أنه صاحب إرسال، كان يرسل عن يحيى بن أبي كثير ولم يسمع منه شيئًا، ويرسل عن مجاهد ولم يسمع منه شيئًا، ويرسل عن مكحول ولم يسمع منه شيئًا، ويرسل عن الزهري ولم يسمع منه شيئًا، فإنما يعيب الناس منه التدليس (٣). قال الشيخ الشريف حاتم بن عارف العوني حفظه الله: يقول أبو جعفر أحمد ابن إسماعيل النحاس (ت ٣٣٨ هـ) في "الناسخ والمنسوخ" معقبًا على حديث ذكره: وهذا لا حجة فيه، لأن الحجاج بن أرطاة يدلس عمن لقيه وعمن لم يلقه، فلا تقوم بحديثه حجة، إلا أن يقول: حدثنا أو أخبرنا أو سمعت. وهذا من صريح القول في اعتبار رواية المعاصر عمن لم يلقه تدليسًا (٤). وقال ابن عدي: والحجاج بن أرطأة إنما عاب الناس عليه تدليسه عن الزهري وعن غيره، وربما أخطأ في بعض الروايات، فأما أن يتعمد الكذب فلا، وهو

стр. 14

ممن يكتب حديثه (١). وقال ابن عدي أيضًا: وكان سعيد بن أبي عروبة ثبتًا عن كل من روى عنه، إلا من دلس عنهم، وهم الذين ذكرتهم ممن لم يسمع منهم (٢). وقال ابن حبان: النوع الثامن عشر من أنواع جرح الضعفاء: المدلس عمن لم يره كالحجاج بن أرطأة وذويه، كانوا يحدثون عمن لم يروه، ويدلسون حتى لا يعلم ذلك منهم. سمعت محمد بن عمر بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول: الحجاج بن أرطأة لم يسمع من الزهري ولم يره (٣). وقال ابن العراقي: قال الدَّارقُطْنِي في "العلل": لم يسمع ابن جريج من المطلب بن عبد الله بن حنطب شيئًا، ويقال: كان يدلسه عن ابن أبي سبرة أو غيره من الضعفاء (٤). وقال الحاكم: الجنس السادس من التدليس قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط ولم يسمعوا منهم، إنما قالوا: قال فلان فحمل ذلك عنهم على السماع وليس عنهم سماع عالٍ ولا نازل (٥). وقال الخليلي: قد روى عن عكرمة جماعة ممن لم يلقوه، وإنما يدلسون، كالحسين بن واقد المروزي وغيره (٦).

стр. 15

قال ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ) في مقدمة كتابه" جامع الأصول في أحاديث الرسول" متكلمًا على التدليس: "رواية المدلسين إذا لم يذكروا سماعهم في الرِّواية فيقولون: قال فلان، ممن هو معاصرهم، رأوه أو لم يروه، ولا يكن لهم عنه سماع أو إجازة، ولا طريق من الرِّواية … إلى آخر كلامه" (١). قلت: فإذا كان أحمد وابن معين وابن نمير والبخاري ويعقوب بن شيبة ويعقوب بن سفيان والعجلي وأبو جعفر النحاس وابن عدي وابن حبان والدارقطني والحاكم والخليلي وابن الأثير قد سموا رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه بلفظ موهم تدليسًا، فمن القوم بعدهم؟! والخطيب البغدادي نفسه أطلق التدليس على رواية الراوي عمن عاصره بلفظ موهم، فقال في "تاريخ بغداد" (٨/ ٢٣٥): حجاج بن أرطاة كان مدلسًا، يروي عمن لم يلقه. فحجاج بن أرطأة عاصر الزهري وغيره، ولكنه لم يسمع منهم، وروى عنهم بصيغة موهمة كالعنعنة، ولم يبين أنه لم يسمع منهم (٢)، فوصفه الخطيب البغدادي بالتدليس لذلك. وقال الخطيب البغدادي في "الكفاية" (صـ ٥١١ - ٥١٢): ذكر شيء من أخبار بعض المدلسين. ثم ذكر بإسناده قول أحمد: لم يسمع سعيد بن أبي عروبة من الحكم بن عتيبة شيئًا، ولا من حماد، ولا من عمرو بن دينار، ولا من هشام ابن عروة، ولا من إسماعيل بن أبي خالد، ولا من عبيد الله بن عمر، ولا من أبي بشر، ولا من زيد بن أسلم، ولا من أبي الزناد، وقد حدث عن هؤلاء كلهم ولم يسمع منهم.

стр. 16

ثم ذكر بإسناده إلى عبد الله بن علي بن المديني، قال: سألت أبي عن حديث رواه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن ابن جريج، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "عُرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد". قال: ابن جريج لم يسمع من المطلب بن عبد الله بن حنطب، كان يأخذ أحاديثه عن ابن أبي يحيى عنه. ثم ذكر الخطيب مثالًا للأعمش، ومثالًا لسفيان بن عيينة. قلت: وسعيد بن أبي عروبة لم يسمع من هؤلاء الرواة الذين ذكرهم أحمد، وروى عنهم بصيغة موهمة كالعنعنة، ولم يبين أنه لم يسمع منهم، فاطلق الخطيب على ذلك اسم التدليس. وكذلك أطلق الخطيب اسم التدليس على رواية ابن جريج عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، لأنه لم يسمع منه، وروى عنه بصيغة موهمة، ولم يبين أنه لم يسمع منه. وتعريف الخطيب للتدليس والإرسال ليس فيه دليل على أن رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه يُطلق عليها الإرسال فقط، ولا يُطلق عليها التدليس. فالخطيب البغدادي قال في تعريف "تدليس الإسناد": "هو تدليس الحديث الذى لم يسمعه الراوي ممن دلسه عنه"، وهذه الصورة تشمل رواية الراوي عن شيخه الذى سمع منه مالم يسمع منه، وتشمل أيضًا رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه. والفرق بين التدليس والإرسال عند الخطيب هو وجود الإيهام في التدليس، وعدم وجوده في الإرسال. وقول الخطيب في تعريف الإرسال: "إرسال الحديث الذى ليس بمُدلس" أي ليس فيه إيهام. فالراوي المُرسل يبين في روايته أنه لم يسمع ممن روى عنه، فيقول مثلًا: "أُخبرت عن فلان"، "أو" بلغني عن فلان"، أما المدلس فيقول:

стр. 17

"عن"، أو "قال" فيوهم السامع أنه سمع الحديث ممن روى عنه، وهو في الحقيقة لم يسمعه. ومما سبق يتبين أن ليس في كلام الخطيب دليل على ما ذهب إليه الحافظ من التفرقة بين التدليس والإرسال الخفي. أما رواية المخضرمين كقيس بن أبي حازم وأبي عثمان النهدي وغيرهما عن النبي ﷺ ، فإن العُلماء لم يطلقوا عليها اسم التدليس، لأنه ليس في روايتهم عن النبي ﷺ إيهام بأنهم سمعوا منه، فالكل يعلم أن هؤلاء لم يسمعوا من النبي ﷺ مع إدراكهم له. ٢) تدليس الشيوخ: قال الخطيب البغدادي: وأما الضرب الثاني من التدليس فهو: أن يروي المحدث عن شيخ سمع منه حديثًا فغير اسمه أو كنيته أو نسبه أو حاله المشهور من أمره لئلا يُعرف، والعلة في فعله ذلك كون شيخه غير ثقة في اعتقاده، أو في أمانته، أو أن يكون متأخر الوفاة قد شارك الراوي عنه جماعة دونه في السماع منه أو يكون أصغر من الراوي عنه سنًا، أو تكون أحاديثه التى عنده عنه كثيرة فلا يحب تكرار الرِّواية عنه، فيغير حاله لبعض هذه الأمور. ثم ذكر الخطيب من كان يصنع هذا النوع من التدليس كعطية العوفي وابن جريج ومروان بن معاوية الفزاري وغيرهم، ثم قال: فمنهم: محمد بن محمد بن سليمان الباغندي كان يروي عن يحيى بن أبي طالب، فيقول: ثنا عبد الله بن الزبرقان، وعن محمد بن غالب التمتام، فيقول: ثنا عبد الله بن غالب التمار. ومحمد بن المُظَفَّر الحافظ كان يروي عن أبي الحُسين عمر بن الحسن الأشناتي فيقول: ثنا عبد الله بن الحسن الشيباني، وعن عبد الباقي بن قانع القاضي، فيقول: ثنا عبد الله بن مرزوق. وأبو بكر محمد بن القاسم الأنباري كان يروي عن محمد بن خلف بن الزبرقان

стр. 18

فيقول: ثنا عبد الله بن خلف. وأبو عبيد الله المرزباني كان يروي عن محمد بن يحيى الصولي فيقول: ثنا أبو بكر الجرجاني. والحارث بن أبي أسامة حدث عن أبي بكر بن أبي الدنيا المُصَنِّف، وقال: ثنا أبو بكر الأموي، وقال في موضع آخر: ثنا عبد الله بن عبيد، وفى موضع آخر: ثنا عبد الله بن سفيان الأموي، وفى موضع آخر: ثنا أبو بكر بن سفيان الكوفي. وإبراهيم الحربي حدث عن علي بن داود القنطري فقال: ثنا علي بن أبي سليمان. وحدث الحارث بن أبي أسامة عن أخيه محمد فقال: ثنا محمد بن أبي سليمان. وحدث أبو معاوية الضرير عن الحسن بن عمارة، فقال: ثنا عبد الله بن عبد الرحمن شيخ كان في بجيلة. وبكار بن بشر الفزاري حدث عن علي بن غراب فقال: ثنا علي بن عبد العزيز وحدث عنه مروان بن معاوية فقال: ثنا علي بن أبي الوليد. وحدث أبو بكر بن مجاهد عن أبي بكر بن أبي داود السجستياني، فقال: ثنا عبد الله بن أبي عبد الله، وحدث أيضًا عن محمد بن الحسن بن زياد النقاش فقال: ثنا محمد بن سند. وروى أبو جعفر بن شاهين عن النقاش فقال: ثنا محمد بن أبي سعيد الموصلي. وحدث أبو بكر بن أبي الدنيا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري فقال: ثنا إبراهيم ابن أبي عثمان، وفى موضع آخر فقال: ثنا أبو إسحاق الجزري. وحدث محمد بن محمد بن سليمان الباغندي عن إسحاق بن شاهين الواسطي فقال: ثنا إسحاق بن عمران. وحدث عبد الله بن أحمد بن حنبل عن إسحاق بن منصور الكوسج فقال: حدثنا إسحاق بن أبي عيسى. وحدث أيضًا عن زهير بن محمد بن قمير فقال: ثنا زهير بن أبي زهير، وعن الحكم بن موسى فقال: ثنا الحكم بن أبي زهير.

стр. 19

وحدث يعقوب بن شيبة عن أحمد بن حنبل فقال: ثنا أحمد بن هلال. وروى قيس بن الربيع عن أبي خالد عمرو بن خالد الواسطي، فقال: ثنا عمير مولى عنبسة بن سعيد. وروى عبد الله بن عمر المعروف بمشكدانة عن أسيد بن زيد الجمال عن عمرو ابن شمر فقال: ثنا أبو محمد مولى بني هاشم عن عمرو بن أبي عمرو. واستيفاء ما ورد في هذا المعنى يطول، فمن أحب الوقوف عليه بكماله فلينظر في كتابنا الذى قدمنا ذكره (١). وفى الجملة فإن كل من روى عن شيخ شيئًا سمعه منه وعدل عن تعريفه بما اشتهر من أمره، فخفى ذلك على سامعه، لم يصح الاحتجاج بذلك الحديث للاسمع، لكون الذى حدث عنه في حله ثابت الجهالة، معدوم العدالة، ومن كان هذا صفته فحديثه ساقط، والعمل به غير لازم، على الأصل الذى ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم (٢). قال السخاوي: تدليس الشيوخ هو أن يصف المدلس الشيخ الذى سمع ذاك الحديث منه بما لا يُعرف، أي يشتهر به من اسم، أو كنيه، أو نسبه إلى قبيلة، أو بلدة، أو صنعة، أو نحو ذلك، كي يوعر معرفة الطريق على السامع. قال الخطيب: وذلك خلاف موجب العدالة ومقتضى الديانة من التواضع في طلب العلم، وترك الحمية في الأخبار بأخذ العلم عمن أخذه. قلت: وقد يكون للخوف من عدم أخذه عنه وانتشاره مع الاحتياج إليه، أو يكون المدلس عنه حيًا وعدم التصريح به أبعد عن المحذور الذى نهى الشافعي عنه لأجله. ومنه قول شيخنا (٣): أبو العباس بن أبي الفرج بن أبي عبد الله الصحراوي

стр. 20

بقرأتي عليه بالصالحية، وعنى بذلك الولى أبا زرعة ابن شيخه الزين أبي الفضل العراقي، ولم يتنبه له إلا أفراد، مع تحديثه بذلك حتى لجماعة من خواص الولي وملازميه، وما علموه. ويكون كفعل الخطيب الحافظ المكثر من الشيوخ والمسموع في تنويع الشيخ الواحد، حيث قال مرة: أخبرنا الحسن بن محمد الخلال، ومرة: أخبرنا الحسن بن أبي طالب، ومرة: أنا أبو محمد الخلال، والجميع واحد. وقال مرة: عن أبي القاسم الأزهري، ومرة: عن عبيد الله بن أبي القاسم الفارسي، ومرة: عن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، والجميع واحد. وقال مرة: أنا علي بن أبي علي البصري، ومرة: أنا علي بن المحسن، ومرة: أنا أبو القاسم التنوخي، ومرة: أنا علي بن الحسن، ويصفه مرة: بالقاضي، ومرة بالمعتدل، إلى غيرها، ومراده بهذا كله أبو القاسم علي بن أبي علي المحسن بن علي التنوخي البصري الأصل القاضي، وهو مكثر في تصانيفه من ذلك جدًا. ويقرب منه ما يقع للبخاري في شيخه الذهلي، فإنه تارة يقول: ثنا محمد ولا ينسبه، وتارة: محمد بن عبد الله فينسبه إلى جده، وتارة محمد بن خالد فينسبه إلى والد جده، ولم يقل في موضع محمد بن يحيى. قلت: ولكن لا يلزم من كون الناظر قد يتوهم الإكثار أن يكون مقصودًا لفاعله، بل الظن بالأئمة خصوصًا من اشتهر إكثاره مع ورعه خلافه، لما يتضمن من التشبع والتزين الذي يراعى تجنبه أرباب الصلاح والقلوب، كما نبه عليه ياقوتة العُلماء المعافى بن عمران، وكان من أكابر العُلماء والصلحاء، ولا مانع من قصدهم الاختبار لليقظة، والإلفات إلى حسن النظر في الرواة وأحوالهم وأنسابهم إلى قبائلهم وبلدانهم وحرفهم وألقابهم وكناهم، وكذا الحال في آبائهم، فتدليس الشيوخ دائر بين ما وصفنا. وقد ذكر الذهبي في فوائد رحلته أنه لما اجتمع بابن دقيق العيد سأله التقى: من

стр. 21

أبو محمد الهلالي؟ فقال: سفيان بن عيينة. فأعجبه استحضاره. وألطف منه قوله له: من أبو العباس الذهبي؟ فقال: أبو طاهر المخلص. وكذا مر في صحيح ابن حبان وأنا بين يدي شيخنا قوله: ثنا أبو العباس الدمشقي، فقال: من هذا؟ فبادرته مع أنه لم يقصدني بذلك، وقلت: هو أبو الحسن أحمد بن عمير بن جوصاء، فأعجبه الجواب دون المبادرة لتفويتها غرضًا له. ولذا قال ابن دقيق العيد: إن في تدليس الشيخ الثقة مصلحة، وهى امتحان الأذهان واستخراج ذلك وإلقاءه إلى من يُراد اختبار حفظه ومعرفته بالرجال. على أنه قد قيل في فعل البخاري في الذهلي: إنه لما كان بينهما ما عُرف في محله، بحيث منع الذهلي أصحابه من الحضورعند البخاري، ولم يكن ذلك بمانع للبخاري من التخريج عنه لوفور ديانته وأمانته، وكونه عذره في نفسه بالتأويل، غير أنه خشي من التصريح به أن يكون كانه بتعديله له صدقه في نفسه فأخفى اسمه، والله أعلم بمراده. والأكثر في هذا القسم وقوعه من الراوي، وقد يقع من الطالب بقصد التغطية على شيخه، ليتوفر عليه ما جرت عادته باخذه في حديث ذاك المدلس، كما سيأتي في الفصل الحادي عشر من معرفة من تُقبل روايته، وهو أخفها وأظرفها، ويجمع الكل مفسدة تضييع المروي عنه، كما قال ابن الصلاح، وذلك حيث جهل، إلا أنه نادر، فالحذاق لا يخفى ذلك عنهم غالبًا، فإن جهل كان من لازمه تضييع المروي أيضًا، بل قد يتفق أن يوافق ما دلس به شهرة راو ضعيف من أهل طبقته، ويكون المدلس ثقة، وكذا بالعكس، وهو فيه أشد (١). قلت: وقد سمى ابن الصلاح هذا النوع من التدليس بتدليس. الشيوخ، وتبعه على ذلك من جاء بعده. وممن كان يدلس تدليس الشيوخ: بقية بن الوليد، وسفيان الثوري، وعطية بن

стр. 22

سعد العوفي، ومروان بن معاوية الفزاري، والوليد بن مسلم. ٣) تدليس التسوية قال العلائي: النوع الثاني من تدليس السماع أن يسمع الراوي من شيخه حديثًا قد سمعه من رجل ضعيف عن شيخ سمع منه ذلك الشيخ هذا الحديث، فيسقط الراوي عنه الرجل الضعيف من بينهما، ويروي عن شيخه عن الأعلى، لكونه سمع منه أو أدركه، وُيسمى هذا النوع أيضًا التسوية، وهذا مذموم جدًا من وجوه كثيرة. منها: أنه غش، وتغطية لحال الحديث الضعيف، وتلبيس على من أراد الاحتجاج به. ومنها: أنه يروي عن شيخه مالم يتحمله عنه، لأنه لم يسمع منه الحديث إلا بتوسط الضعيف، ولم يروه شيخه بدونه. ومنها: أنه يصرف على شيخه بتدليس لم يأذن له فيه، وربما ألحق بشيخه وصمة التدليس، إذا أُطلع عليه أنه رواه عن الواسطة الضعيف، ثم يوجد ساقط في هذه الرِّواية، فيُظن أن شيخه الذى أسقطه ودلس الحديث، وليس كذلك، ولاريب في تضعيف من أكثر من هذا النوع. وبالجملة فهذا النوع أفحش أنواع التدليس مطلقًا وشرها، لكنه قليل بالنسبة إلى ما يوجد عن المدلسين والله تعالى الموفق بكرمه (١). قال ابن رجب: تدليس التسوية هو أن يروي عن شيخ له ثقة، عن رجل ضعيف، عن ثقة، فيسقط الضعيف من الوسط. وكان الوليد بن مسلم وسنيد بن داود وغيرهما يفعلون ذلك (٢). وقال العراقي: ترك المُصَنِّف (٣) ﵀ قسمًا ثالثًا من أنواع التدليس، وهو

стр. 23

شر الأقسام، وهو الذى يسمونه تدليس التسوية، وقد سماه بذلك أبو الحسن بن القطان وغيره من أهل هذا الشأن، وصورة هذا القسم من التدليس أن يجيء المدلس إلى حديث سمعه من شيخ ثقة، وقد سمعه ذلك الشيخ الثقة من شيخ ضعيف، وذلك الشيخ الضعيف يرويه عن شيخ ضعيف، فيعمل المدلس الذى سمع الحديث من الثقة الأول فيسقط منه شيخ شيخه الضعيف، ويجعله من رواية شيخه الثقة عن الثقة الثاني بلفظ محتمل كالعنعنة ونحوها، فيصير الإسناد كله ثقات، ويصرح هو بالاتصال بينه وبين شيخه، لأنه قد سمع منه، فلا يظهر حينئذٍ في الإسناد ما يقتضي عدم قبوله إلا لأهل النقد والمعرفة بالعلل (١). قال بدر الدين الزركشي: تدليس الإسقاط وهو ألا يسقط شيخه، لكن يسقط من بعده، لكونه رجلًا ضعيفًا، أو صغير السن، لتحسين الحديث بإسقاطه، ذكره الخطيب قال: وكان الأعمش والثوري وبقية يفعلون هذا النوع. واعلم أن بعضهم سمى هذا النوع تدليس التسوية، ومنهم أبو الحسن بن القطان وتلميذه ابن المواق، فقال في "بغية النقاد": "وصورته عند أئمة هذا الشأن أن يعمد الراوي إلى إسقاط راوٍ من بين شيخه وبين من رواه عنه شيخه، أو من بين شيخه ومن بين من رواه عنه شيخ شيخه ليقرب بذلك الإسناد، وإنما يفعل من يفعله منهم في راويين عُلم التقائهما واشتهرت رواية أحدهما عن الآخر حتى يصير معلوم السماع منه، ثم يتفق له في حديث أن يرويه عن رجل عنه، فيعمد ذلك المسوى إلى ذلك الرجل فيسقطه فيبقى الإسناد ظاهر الاتصال، فيسوي الإسناد كله ثقات، وهذا شر أقسام التدليس، لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفًا بالتدليس، ويجده الواقف على المسند كذلك بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر، فيحكم له بالصحة، وفى هذا غرور شديد، قال: ومثاله حديث علي "إذا كان لك ما تبادرهم"، ح، جرير سمع من أبي إسحاق، وروى عنه الكثير، ثم

стр. 24

يروي هذا الحديث عن الحسن بن عمارة عنه، فإسقاط الحسن بن عمارة لكونه ضعيفًا تسوية. انتهى (١). قال ابن حجر: ومثال مالا يدخل في التدليس ما ذكره ابن عبد البر وغيره أن مالكًا سمع من ثور بن يزيد أحاديث عن عكرمة، عن ابن عباس - رضى الله عنهما- ثم حدث بها عن ثور عن ابن عباس، وحذف عكرمة، لأنه كان لا يرى الاحتجاج بحديثه. فهذا مالك قد سوى الإسناد بإبقاء من عنده ثقة، وحذف من ليس عنده بثقة، فالتسوية قد تكون بلا تدليس، وقد تكون بالإرسال، فهذا تحرير القول فيها. وقد وقع هذا لمالك في مواضع أخرى، ثم ذكر هذه المواضع (٢). ثم قال: فلو كانت التسوية تدليسًا لعُد مالك في المدلسين، وقد أنكروا على من عده فيهم. قال ابن القطان: ولقد ظُن بمالك على بعده عنه عمله. وقال الدَّارقُطْنِي: أن مالكًا ممن عمل به وليس عيبًا عندهم. وإذا تقرر ذلك، فقول شيخنا (٣) في تعريف التسوية، تعريف غير جامع، بل حق العبارة أن يقول: "أن يجيء الراوي -ليشمل المدلس وغيره- إلى حديث قد سمعه من شيخ، وسمعه ذلك الشيخ من آخر عن آخر، فيسقط الواسطة بصيغة محتملة، فيصير الإسناد عاليًا، وهو في الحقيقة نازل". ومما يدل على أن هذا التعريف لا تقييد فيه بالضعيف أنهم ذكروا في أمثلة التدليس: ما رواه هشيم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن عبد الله بن الحنفية، عن أبيه، عن علي -رضى الله عنه- في تحريم لحوم الحمر الأهلية.

стр. 25

قالوا: ويحيى بن سعيد لم يسمعه من الزهري، إنما أخذه من مالك عن الزهري. هكذا حدث به عبد الوهاب الثقفي وحماد بن زيد وغير واحد عن يحيى ابن سعيد، عن مالك، فأسقط هشيم ذكر مالك منه، وجعله عن يحيى بن سعيد عن الزهري. ويحيى فقد سمع من الزهري، فلا إنكار في روايته عنه، إلا أن هشيمًا قد سوى هذا الإسناد، وقد جزم بذلك ابن عبد البر وغيره. فهذا كما ترى لم يسقط في التسوية شيخ ضعيف، وإنما سقط شيخ ثقة، فلا اختصاص لذلك بالضعيف -والله أعلم (١) -. وانظر كلام ابن القطان الفاسي عن تدليس التسوية في ترجمة "الوليد بن مسلم" من هذا الكتاب. قلت: وممن اشتهر بهذا النوع من التدليس: بقية بن الوليد، والوليد بن مسلم. ٤) تدليس السكوت: تدليس السكوت هو أن يقول المدلس: حدثنا، ثم يسكت، ثم يقول: فلان فيظن السامع أن الشيخ الذى ذكره المدلس بعد قوله: "حدثنا" قد سمع المدلس منه الحديث، ولا يكون المدلس سمعه. وكان عمر بن علي المقدمي يصنع هذا النوع من التدليس. ٥) تدليس العطف: قال ابن حجر: تدليس العطف هو أن يروي عن شيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه، ويكون قد سمع ذلك من أحدهما دون الآخر، فيصرح عن الأول بالسماع، ويعطف الثاني عليه، فيوهم أنه حدث عنه بالسماع -أيضًا-، وإنما حدث بالسماع عن الأول، ثم نوى القطع فقال: وفلان أي حدث فلان. مثاله: ما رويناه في "علوم الحديث" للحاكم، قال: اجتمع أصحاب هشيم

стр. 26

فقالوا: لا نكتب عنه اليوم شيئًا مما يدلسه، ففطن لذلك، فلما جلس قال: حدثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم، فحدث بعدة أحاديث، فلما فرغ قال: هل دلست لكم شيئًا؟ قالوا: لا. فقال: بلى، كل ما حدثتكم عن حصين فهو سماعي، ولم أسمع من مغيرة من ذلك شيئًا (١). علق الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعد في مقدمته لكتاب "منهج المتقدمين في التدليس" صـ ٣١ على هذه القصة بقوله: فهذه القصة لم يسندها الحاكم، فعلى هذا لا تصح، ومن ذكرها إنما ذكرها عن الحاكم -فيما أعرف-، ولكن في "العلل" للإمام أحمد برواية عبد الله خبرًا من رواية هشيم قد يصلح أن يكون مثالًا على هذا النوع: قال عبد الله (٢١٩٢): حدثني أبي، ثنا هشيم قال: وعبيد الله عن نافع عن ابن عمر. وكان عبد الله قد روى قبل ذلك عن أبيه: ثنا هشيم، أخبرنا الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، ثم قال: ثنا هشيم قال: وعبيد الله بن عمر ..... فظاهر هذا أن هذا من تدليس العطف. اهـ قلت: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل (٢١٩١ - ٢١٩٢): حدثني أبي قال: حدثنا هشيم قاله: أخبرنا الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ جعل يوم خيبر للفرس سهمين وللرجل سهمًا. حدثني أبي قال: حدثنا هشيم قال: وعبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ مثل ذلك. سمعت أبي يقول: لم يسمعه هشيم من عبيد الله. ٦) تدليس الأجازة: قال ابن حجر: ويلتحق بالتدليس ما يقع من بعض المحدثين من التعبير بالتحديث أو الإخبار عن الإجازة موهمًا للسماع، ولا يكون سمع من ذلك الشيخ شيئًا (٢).

стр. 27

قلت: وممن كان يدلس تدليس الإجازة: أحمد بن عبد الله بن أحمد أبو نعيم الأصبهاني، وأحمد بن محمد بن إبراهيم بن حازم السمرقندي، وأحمد بن محمد ابن يحيى بن حمزة الدمشقي، ومحمد بن عمران بن موسى المرزباني، وغيرهم. ٧) تدليس البلاد: قال ابن حجر: ويلتحق بقسم تدليس الشيوخ تدليس البلاد، كما إذا قال المصري: حدثني فلان بالأندلس، وأراد موضعًا بالقرافة. أو قال: "بزقاق حلب"، وأراد موضعًا بالقاهرة. أو قال البغدادي: "يحدثني فلان بما وراء النهر"، وأراد نهر دجلة. أو قال "بالرقة"، وأراد بستانًا على شاطئ دجلة. أو قال الدمشقي: "حدثني بالكرك" وأراد كرك نوح، وهو بالقرب من دمشق. ولذلك أمثلة كثيرة، وحكمه الكراهة، لأنه يدخل في باب التشبع، وإيهام الرحلة في طلب الحديث، إلا إن كان هناك قرينة تدل على عدم إرادة التكثير، فلا كراهة، والله الموفق (١). ٨) التدليس الخفي قال بدر الدين الزركشي: القسم الرابع: التدليس الخفي، ولا يعرفه إلا المدقق في هذه الصناعة، ومن أمثلته أنهم اختلفوا في سماع الحسن من أبي هريرة وورد في بعض الروايات: عن الحسن: حدثنا أبو هريرة، فقيل: أراد حدث أهل بلدنا، وهذا إذا لم يقم دليل قاطع على أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة لم يجز أن يضات إليه. ومنه قول أبي إسحاق: ليس أبو عبيده ذكره، لكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، فظاهره أن المراد سماعه من عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه لعدوله عن أبي عبيدة، قيل: إنه تدليس، كما لو قال ابتداء عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، ولم

стр. 28

يقل قبله: ليس أبو عبيدة ذكره، نبه عليه صاحب الاقتراح (١). ٩) تدليس المتون ذكر بدر الدين الزركشي أقسام التدليس، ثم قال: هذا كله في تدليس الرواة، وأما تدليس المتون فهو الذى يسميه المحدثون المدرج، وهو أن يدرج في كلام النبي ﷺ كلام غيره، فيظن السامع أن الجيم من كلام النبي ﷺ ، وقد ذكره المصنف في النوع العشرين، وكان ذكره هنا أنسب، وممن ذكره هنا من الأصوليين: الأستاذ أبو منصور البغدادي وأبو المُظَفَّر السمعاني، وقال: هو مطرح في الحديث مجروح العدالة، وهو من تحريف الكلم عن مواضعه، وكان ملحقًا بالكذابين، ولم يُقبل حديثه، وكذلك ذكره الماوردي والروياني في الحاوي والبحر في كتاب "القضاء"، فقسما التدليس إلى ما يقع في الإسناد وإلى ما يقع في المتن، ثم قالا: من عُرف بتدليس المتون فهو مجروح مطرح (٢). ١٠) تدليس المتابعة . قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعد: وأما تدليس المتابعة: فأعني به أن يروي الراوي خبرًا عن شيخين له أو أكثر ويكون بين من روى عنهم اختلاف إما باللفظ أو الإسناد، فيحمل رواية أحدهماعلى الآخر ولا يبين. قال ابن رجب في "شرح العلل" (صـ ٥٠٦): شعيب بن أبي حمزة عن ابن المنكدر روى عنه أحاديث منها: حديث ابن المنكدر عن جابر مرفوعًا (من قال حين يسمع النداء .. الحديث) وقد خرجه البخاري في صحيحه وله علة ذكرها ابن أبي حاتم عن أبيه، قال: قد طُعن في هذا الحديث وكان عرض شعيب على ابن المنكدر كتابًا فأمر بقرائته عليه فعرف بعضًا وأنكر بعض، وقال لابنه أو ابن

стр. 29

أخيه: اكتب هذه الأحاديث فدوّن شعيب ذلك الكتاب ولم يثبت رواية شعيب تلك الأحاديث على الناس، وعرض عليّ بعض تلك الكتب فرأيتها مشابهًا لحديث إسحاق بن أبي فروة، وهذا الحديث من تلك الأحاديث. قال ابن رجب: ومصداق ما ذكره ابن أبي حاتم أن شعيب بن أبي حمزة روى عن ابن المنكدر عن جابر حديث الاستفتاح بنحو سياق حديث علي، وروى عن شعيب عن ابن المنكدر عن الأعرج عن محمد بن مسلمة، فرجع الحديث إلى الأعرج، وإنما رواه الناس عن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب، ومن جملة من رواه عن الأعرج بهذا الإسناد إسحاق بن أبي فروة، وقيل إنه رواه عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج. وروى عن محمد بن حمير عن شعيب عن ابن أبي فروة وابن المنكدر عن الأعرج عن محمد بن مسلمة. ورواه أبو معاوية عن شعيب عن إسحاق عن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن محمد بن مسلمة، فظهر بهذا أن الحديث عن شعيب عن أبي فروة، وكذا قال أبو حاتم الرازي: هذا الحديث من حديث ابن أبي فروة يرويه شعيب عنه. وحاصل الأمر: أن حديث الاستفتاح رواه شعيب عن إسحاق بن أبي فروة وابن المنكدر، فمنهم من ترك إسحاق وذكر ابن المنكدر، ومنهم من كنى عنه فقال: عن ابن المنكدر وآخر، وكذا وقع في سنن النسائي، وهذا مما لا يجوز فعله، وهو أن يروي الرجل حديثًا عن اثنين أحدهما مطعون فيه والآخر ثقة، فيترُكُ ذلك المطعون فيه ويذكر الثقة، وقد نص الإمام أحمد على ذلك وعلله بأنه ربما كان في حديث الضعيف شيء ليس في حديث الثقة، وهو كما قال فإنه ربما كان سياق الحديث للضعيف، وحديث الآخر محمولًا عليه. فهذا الحديث يرجع إلى رواية إسحاق بن أبي فروة وابن المنكدر، ويرجع إلى حديث الأعرج ورواية الأعرج له معروفة (١) عن ابن أبي رافع عن علي، وهو

стр. 30

الصَّواب عند النسائي والدارقطني وغيرهما، وهذا الاضطراب الظاهر أنه من ابن أبي فروة لسوء حفظه وكثرة اضطرابه في الأحاديث وهو يروي عن ابن المنكدر. وقد كان بعض المدلسين يسمع الحديث من ضعيف فيرويه عنه ويدلسه معه عن ثقة لم يسمعه منه فيظن أنه سمعه منهماكما روى معمر: عن ثابت وأبان وغير واحد عن أنس عن النبي ﷺ "أنه نهى عن الشغار" قال أحمد: هذا عمل أبان، يعني أنه حديث أبان وإنما معمر يعني لعله دلسه. ومن هذا المعنى: أن ابن عيينة كان يروي عن ليث وابن أبي نجيح جميعًا عن مجاهد عن أبي معمر عن علي حديث القيام للجنازة. قال الحميدي: فكنا إذا وقفناه عليه لم يدخل في الإسناد أبا معمر إلا في حديث ليث خاصة، يعني أن حديث: ابن أبي نجيح كان يرويه عن مجاهد عن علي منقطعًا وقد رواه ابن المديني وغيره عن ابن عيينة بهذين الإسنادين ورواه ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح وحده وذكر في إسناده مجاهدًا وهو وهم. قال يعقوب بن شيبة: كان سفيان بن عيينة ربما يحدث بالحديث عن اثنين فيسند الكلام عن أحدهما فإذا حدث به عن الآخر على الانفراد أوقفه أو أرسله) (١). اهـ * * *

стр. 31

٣ - حكم عنعنه المدلس قال الشيخ عبد الله بن يوسف الجديع حفظه الله: والمذاهب المعتبرة لأهل العلم في حديث المدلس الذى لا يذكر فيه السماع تُحصر في الأربعة التالية: المذهب الأول: قبول روايته مطلقًا ما دام ثقة، ولم يتبين فيها علة قادحة، وإن لم يبين سماعه. وهذا يمكن أن تنزل عليه مذاهب من رأى قبول المراسيل، لأنه في التحقيق أولى بالقبول من المرسل، فالمرسل قد عُلم فيه الانقطاع جزمًا، والمُدلس انقطاعه على سبيل المظنة الواردة بسبب العنعنة. وممن ذهب إلى هذا أبو محمد بن حزم، فقال: "نترك من حديثه ما علمنا يقينًا أنه أرسله، وما علمنا أسقط بعض من في إسناده، ونأخذ من حديثه مالم نوقن فيه شيئًا من ذلك، وسواء قال: (أخبرنا فلان)، أو قال: (عن فلان)، أو قال: (فلان عن فلان)، كل ذلك واجب قبوله، مالم يُتيقن أنه أورد حديثًا بعينه إيرادًا غير مسند، فإن أيقنا ذلك تركنا ذلك الحديث وحده فقط، وأخذنا سائر رواياته (١). والمذهب الثاني: منع قبول رواية من عُرف بالتدليس ولو مرة واحدة، إلا فيما بيّن سماعه صريحًا، ورد ما رواه بصيغة احتمال السماع واحتمال التدليس كالعنعنة. وهذا هو مذهب الشافعي، فإنه قال: "ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته، وليست تلك العورة بالكذب فنرد بها حديثه، ولا النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نقبل من مدلس حديثًا حتى يقول فيه: حدثني، أو: سمعت" (٢).

стр. 32

وقال ابن حبان: "المدلس ما لم يبين سماع خبره عمن كتب عنه، لا يجوز الاحتجاج بذلك الخبر، لأنه لا يُدرى لعله سمعه من إنسان ضعيف يبطل الخبر بذكره إذا وُقف عليه وعُرف الخبر به، فما لم يقل المدلس في خبره وإن كان ثقة: (سمعت)، أو: (حدثني)، فلا يجوز الاحتجاج بخبره" (١). وقال: "وهذا أصل أبي عبد الله الشافعي ﵀، ومن تبعه من شيوخنا" (٢). قال الخطيب: "وهذا هو الصحيح عندنا" (٣). وقال الخطيب: "فإن قيل: لِمَ إذا عُرف تدليسه في بعض حديثه وجب حمل جميع حديثه على ذلك، مع جواز أن لا يكون كذلك؟ قلنا: لأن تدليسه الذى بان لنا صَيَّرَ ذلك هو الظاهر من حاله، كما أن من عُرف بالكذب في حديث واحد صار الكذب هو الظاهر من حاله، وسقط العمل بجميع أحاديثه، مع جواز كونه صادقًا في بعضها، فكذلك حال من عُرف بالتدليس، ولو بحديث واحد، فإن وافقه ثقة على روايته وجب العمل به، لأجل رواية الثقة له خاصة دون غيره" (٤). والمذهب الثالث: ردُّ رواية من شاع عنه التدليس واشتهر به وكثر منه، حتى يبين سماعه صريحًا، دون من ذُكر به، ولم يُعرف له كبير أثر على صحة حديثه وروايته في الجملة، فهذا يُقبل حديثه ولو عنعن فيه، من أجل ضعف مظنة التدليس، خصوصًا وأن حديث الراوي معروض في العادة على المعروف من حديث الثقات المتقنين، فلدينا بهذا الاعتبار ميزان لكشف أثر تدليسه إن وجد.

стр. 33

كذلك يُقال كما سبق: التدليس قدح نسبي في الراوي، مظنة فيمن استقرت ثقته ولم يكثر منه شبيهةٌ بمظنة خطئه، فمع احتمال وقوع ذلك منه، إلا أن روايته مقبولة مالم يثبت خطؤه فيها. وعلى هذا المذهب في التحقيق عمل الشيخين، وعليه دلت عبارات كبار أئمة الحديث: قال يعقوب بن شيبة: سألت يحيى بن معين عن التدليس، فكرهه وعابه، قلت له: أفيكون المدلس حجة فيما روى؟ أو حتى يقول: (حدثنا) و (أخبرنا)؟ فقال: "لا يكون حجة فيما دلس" (١). قلت: فابن معين هنا لا يشترط بيان السماع لقبول حديث المدلس، وإنما هو لديه مقبول، إلا فيما ثبت أنه دلس فيه. وقال يعقوب بن شيبة: سألت علي بن المديني عن الرجل يدلس، أيكون حجة فيما لم يقل: (حدثنا)؟ قال: "إن كان الغالب عليه التدليس فلا، حتى يقول: حدثنا" (٢). قلت: فجعل غلبة التدليس على الراوي هي السبب في رد مالم يبين فيه السماع دون من لم يغلب عليه وكان يُذكر به نادرًا. وكأن من هذا صنيع أحمد بن حنبل في توقفه في قبول روايةٍ لهشيم بن بشير، وهو معروف بالتدليس مشهور به، فقد قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: "حديث ابن شبرمة: قال رجل للشعبي: نذرت أن أطلق امرأتي، لم يقل فيه هشيم: أخبرنا، فلا أدري سمعه أم لا" (٣).

стр. 34

كذلك قال أبو داود: سمعت أحمد سُئل عن الرجل يُعرف بالتدليس يُحتج فيما لم يقل (سمعت)؟ قال "لا أدري"، فقلت: الأعمش، متى تُصاد له الألفاظ؟ قال: "يضيق هذا، أي: أنك تحتج به" (١). قلت: فهذا دل على توقف أحمد في قبول عنعنة المدلس في حال، وقبولها دون توقف في حالٍ أخرى، فحال التوقف ينبغي أن تُحمل على عنعنة من اشتهر أمره بالتدليس وكثر ذلك منه، كهشيم، أما من ذُكر به، وكان كثير الحديث الصحيح المتصل، وشق تتبع ذكره للسماع في كثرة ما روى ونَذرَةِ أثَرِ ما ذُكر به من التدليس، كالأعمش، فهذا يحتج به. لكن يجب أن يُقيد بالقول: ما لم يثبت أنه دلس فيه. ومن ذلك قول البخاري: "لا أعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور -وذكر مشايخ كثيرة- لا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليسًا، ما أقل تدليسه" (٢). وقال مسلم بن الحجاج: "وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم، إذا كان الراوي ممن عُرف بالتدليس في الحديث وشُهر به، فحينئذٍ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه حتى تنزاح عنهم علة التدليس" (٣). وقال يعقوب بن سفيان: "حديث سفيان وأبي إسحاق والأعمش، ما لم يعلم أنه مدلس يقوم مقام الحجة" (٤). قلت: وقد جهدت لأقف لأبي حاتم الرازي أو صاحبه أبي زرعة على حديث

стр. 35

أعلَّاه بمجرد العنعنة من موصوف بالتدليس، فلم أجد، وإنما وجدتهما في شيء قليل يُحيلان التهمة بنكارة الحديث على عنعنة المدلس، حيث لم يبين السماع، ولا ريب أن هذا أولى من تخطئةِ الثقة أو الصدوق أو حمل النكارة في الرِّواية عليه. وتارة لثبوت التدليس في الحديث المعين (١)، كما رأيت أبا حاتم توقف في بعض الأسانيد خشية التدليس لغلبة المظنة (٢). وجائز حمل عبارة ابن عبد البر على هذا المذهب، حين قال بعد أن ذكر الاتفاق على قبول الإسناد المعنعن: "إلا أن يكون الرجل معروفًا بالتدليس، فلا يُقبل حديثه حتى يقول: حدثنا، أو: سمعت، فهذا مالا أعلم فيه خلافًا" (٣). ولما ذكر ابن رجب مذهب الشافعي في رد خبر المدلس بوقوعه في التدليس مرة، قال: "واعتبر غيره من أهل الحديث أن يغلب التدليس على حديث الرجل" وذكره عن علي بن المديني (٤). والمذهب الرابع: التفريق بين أصناف المدلسين من الثقات، بين من عُرف أنه لم يدلس إلا عن ثقة معروف عند أهل العلم بالحديث، وبين من عُرف بالتدليس عن المجروحين والضعفاء والمجهولين (٥). وهذا المذهب يجب اعتباره على تفصيل: فمن قالوا فيه: (لا يدلس إلا عن ثقة) فيجب أن يكون ذلك الثقة معروفًا لأهل العلم، لا بناءً على مجرد قول الناقد: (فلان لا يدلس إلا عن ثقة)، فذلك الثقة

стр. 36

عنده ربما كان مجروحًا عند غيره لو سمي. ولو قيل: بل نقبل ذلك بإطلاق، ما دام قائله في الراوي من النقاد العارفين. قلنا: إذًا يلزم أن نقبل بإطلاق كذلك خبر الحافظ الناقد المدلس إذا روى لنا عن شيخ له بالعنعنة، من أجل ما أحسناه فيه من الظن: أنه دلسه وهو عنده ثقة، لأنه لو كان يعده مجروحًا فدلسه كان ذلك مما يقدح فيه، لما فيه من ضد الأمانة في الدين، والصواب أن حُسن الظن هنا لا يعني شيئًا. وقد بينا في (مباحث التعديل) أن قول الناقد: (حدثني الثقة) ولا يسميه لا يُعتمد عليه، بل هو منزل منزلة المجهول، وفى التدليس لم يقل شيئًا من ذلك، بل أسقطه جملة، فزاد في الريبة، خصوصًا مع استحضار أن المدلس قد يسقط واسطتين أو أكثر (١). وانظر كلام الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعد، وكلام الشيخ ناصر بن حمد الفهد الذي في ترجمة (سفيان الثوري) من هذا الكتاب. * * *

стр. 37

٤ - مراتب المدلسين قال ابن حجر: الموصوفون بالتدليس على خمس مراتب: الأولى: من لا يوصف بذلك إلا نادرًا جدًا، كيحيى بن سعيد الأنصاري. الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه، وأخرجوا له في الصحيح، وذلك لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى كالثوري، أو كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة. الثالثة: من أكثر من التدليس، فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقًا، ومنهم من قبلهم كأبي الزبير المكي. الرابعة: من اتُفق على أنه لا يُحتج بشيء من حديثهم، إلا بما صرحوا فيه بالسماع، لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل، كبقية بن الوليد. الخامسة: من ضُعف بامر آخر سوى التدليس، فحديثهم مردود، ولو صرحوا بالسماع، إلا إن تُوبع من كان ضعفه منهم يسيرًا، كابن لهيعة. وهذا التقسيم حرره الحافظ صلاح الدين المذكور في كتابه المذكور (١). (٢) * * *

стр. 38

مُعْجَمُ المُدَلِّسِين مُرَتبًا عَلَي الحروفِ

стр. 39

حرف الألف ١ - أحمد بن عبد الله بن أحمد أبو نعيم الأصبهاني ذكر الحافظ ابن حجر: أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني الحافظ أبو نعيم في المرتبة الأولى من المدلسين وقال: صاحب التصانيف الكثيرة الشائعة منها "حلية الأولياء"، وكـ "معرفة الصحابة "و كـ "المستخرجين على الصحيحين"، كانت له إجازة من ناس أدركهم ولم يلقهم، فكان يروي عنهم بصيغة أخبرنا، ولا يبين كونها إجازة، لكنه كان إذا حدث عمن سمع منه يقول: حدثنا، سواء كان ذلك قراءة أو سماعًا، وهو اصطلاح له، وتبعه عليهم بعضهم وفيه نوع تدليس بالنسبة لمن لا يعرف ذلك. قال الخطيب: رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها منها أنه يطلق في الإجازة أخبرنا ولا يبين. قال الذهبي: هذا مذهب رآه أبو نعيم، وهو ضرب من التدليس، وقد فعله غيره (١). قال الذهبي: قال محمد بن طاهر المقدسي: سمعت عبد الوهاب الأنماطي يقول: سألت محمد بن إبراهيم العطار مستملي أبي نعيم عن جزء محمد بن عاصم كيف قرأته على أبي نعيم، وكيف رأيت سماعه؟ فقال: أخرج إلي كتابًا وقال: هو سماعي، فقرأت عليه. ثم قال الخطيب: قد رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها، منها أنها يقول في الإجازة: أخبرنا، من غير أن يبين. قال الحافظ أبو عبد الله النجار: جزء محمد بن عاصم قد رواه الأثبات عن أبي

стр. 40

نعيم، والحافظ الصدوق إذا قال: هذا الكتاب سماعي جائز أخذه عنه بإجماعهم. قلت: قول الخطيب: كان يتساهل .. إلى آخره، هذا شيء قل أن يفعله أبو نعيم، وكثيرًا ما يقول: كتب إلي الخلدي، ويقول: كتب إلي أبو العباس الأصم وأخبرنا أبو الميمون بن راشد في كتابه. ولكن رأيته يقول في شيخه عبد الله بن جعفر بن فارس الذى سمع منه كثيرًا وهو أكبر شيخ له: أخبرنا عبد الله بن جعفر فيما قرئ عليه، فيوهم أنه سمعه، ويكون مما هو له بالإجازة. ثم إطلاق الإخبار على ما هو بالإجازة مذهب معروف قد غلب استعماله على محدثي الأندلس، وتوسعوا فيه. وإذا أطلق ذلك أبو نعيم في مثل الأصم وأبي ميمون البجلي والشيوخ الذين قد علم أنه ما سمع منهم بل له منهم إجازة، كان له سائغًا والأحوط تجنبه. حدثني أبو الحجاج الكلبي الحافظ أنه رأى خط الحافظ ضياء الدين قال: وجدت بخط أبي الحجاج بن خليل أنه قال: رأيت أصل سماع الحافظ أبي نعيم لجزء محمد بن عاصم. قلت: فبطل ما تخيله الخطيب وتوهمه، وما أبو نعيم بمتهم، بل هو صدوق عالم بهذا الفن، ما أعلم له ذنبًا -والله يعفو عنه- أعظم من روايته للأحاديث الموضوعة في تواليفه، ثم يسكت عن توهيتها (١). وقال الذهبي أيضًا: قال يحيى بن منده الحافظ: سمعت أبا الحسين القاضي يقول: سمعت عبد العزيز النخشبي يقول: لم يسمع أبو نعيم مسند الحارث بن أبي أسامة بتمامه من ابن خلاد فحدث به كله. قال ابن النجار: وهم في هذا فأنا رأيت نسخة الكتاب عتيقة وعليها خط أبي نعيم يقول: سمع مني فلان إلى آخر سماعي من هذا من ابن خلاد، فلعله روى باقيه بالإجازة. ثم تمثل ابن النجار ببيت:
следующие страницы →