وله الإنفاق عليه مما وجد معه بغير إذن حاكمٍ، وإن كان فاسقًا، أو رقيقًا بلا إذن سيده مع وجود غيره، أو كافرًا، واللقيط مسلمًا، بل ذمي لذمي، أو بدويًا ينتقل في المواضع، أو وجده في الحضر، فأراد نقله إلى البادية لم يقر في يده.
وإن التقطه في البادية مقيم في حُلة، أو من يريد نقله إلى الحضر، أقر معه، وإن التقطه في الحضر من يريد نقله إلى بلدٍ آخر، ونقله من بلدٍ إلى قريةٍ، أو من محلةٍ إلى محلةٍ (١)، لم يقر بيده، مالم يكن البلد الذي كان فيه وبيئًا (٢)، كَغَور بَيْسَان (٣) ونحوه، قاله الحارثي (٤).
ويقدم موسرٌ، ومقيمٌ من أهل الحضانة، إذا التقطه على ضدهما، فإن تساويا، وتشاحا أقرع بينهما (٥).
فإن اختلفا في الملتقط منهما، قدم من له بينة، فإن كان لكل واحدٍ
стр. 1052
منهما بينة، قدم أسبقهما تاريخًا (١)، فإن اتحدتا تاريخًا، أو أطلقتا، أو أحديهما تعارضتا.
وإن لم يكن بينة، قدم صاحب اليد، مع يمينه، فإن كان في أيديهما، أقرع بينهما، فمن قرع سلم إليه مع يمينه (٢).
وإن لم يكن لهما يدٌ، ولا بينة، فوصفه أحدهما بعلامةٍ مستورةٍ في/ [٢١٧/ ب] جسده قدم، فإن وصفاه جميعًا، أقرع بينهما، ولا تخيير للصبي، ومن أسقط حقه منهما سقط.
فصل
وميراث اللقيط، وديته إن قتل، لبيت المال، وإن قتل عمدًا، فوليه الإمام إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية نصًّا (٣).
وإن قطع طرفه عمدًا، انتظر بلوغه، فيحبس الجاني، إلى أوان البلوغ مع رشده، إلا أن يكون فقيرًا مجنونًا، أو عاقلاً، فيجب على الإمام العفو على مالٍ ينفق عليه.
وإن ادعى الجاني عليه ما يوجب قودًا، أو قاذفه رقه، وكذبهما اللقيط بعد بلوغه، فالقول قول اللقيط.
وإن ادعى إنسانٌ أجنبي أن اللقيط، أو مجهول النسب غيره، مملوكه،
стр. 1053
وهو في يده صُدِّق مع يمينه، وإلا فلا، فلو شهدت له بينة باليد، أو الملك، أو أنها ولدته في ملكه، حكم له به، وإن ادعاه الملتقط لم يقبل إلا ببينة (١).
وإن كان المدعي بالغًا، عاقلاً فأنكر، فالقول قوله أنه حرٌ.
وإن أقر بالرق بعد بلوغه، فإن لم يتقدم إقراره تصرف، ولا إقرار بحرية، بل أقر بالرق جوابًا، أو ابتداء، لم يقبل إقراره، ولو صدقه المقر له، صححه الشيخ (٢)، وخالف صاحب المحرر (٣) فقط بقبول قوله.
وإن تقدم إقراره بالرق، تصرف ببيعٍ، أو شراء، أو تزويج، أو إصداق ونحوه، لم يقبل إقراره، كما لو تقدمه إقرارٌ بحرية.
وإن قال: إني كافرٌ، وقد حكمنا بإسلامه من طريق الظاهر تبعًا للدار لم يقبل قوله، وحكمه حكم المرتد، كما لو بلغ سنًا يصح إسلامه فيه، ونطق بالإسلام ثم قال: إني كافرٌ.
فصل
وإن أقر إنسانٌ مسلمٌ، أو ذميٌ يمكن كونه منه حرًا كان، أو رقيقًا، رجلاً كان، أو امرأةً، ولو أمة، حيًا كان اللقيط، أو ميتًا ألحق/ [٢١٨/ أ] به نصًّا (٤)، لا يلحق بزوج المرأة الْمُقِرَّةِ به، ولا بالرقيق في رقه، بدون بينة
стр. 1054
الفراش، كما لو استلحق رقيقًا، ويلحق الذمي نسبًا، لا دينًا إلا أن يقيم بينة أنه ولد على فراشه فيلحقه دينًا أيضًا.
وإن ادعاه اثنان، أو أكثر، لأحدهم بينة قدم بها، كما تقدم (١).
ولو كان في يد أحدهما، وأقاما بينة قدمت بينة خارج، وإن تساووا في البينة، أو عدمها عرض معهما على القافة (٢)، أو مع أقاربهما كالأخ، والأخت، والعمة، والخالة إن ماتا، فإن ألحقته بأحدهما لحق به، وإن ألحقته بهما لحق بهما، فيرث كلّا منهما إرث ولدٍ كاملاً، ويرثانه إرث أبٍ واحدٍ، وإن وصى له قبلا جميعًا، وإن حلف أحدهما، فله إرث أبٍ كامل، ونسبه ثابت من الميت نصًّا (٣)، ولأم أبويه مع أم أم نصف السدس، ولها نصفه.
وإن ادعاه أكثر من اثنين، فَأُلْحِقَ بِهِمْ لَحِقَ بِهِمْ، وإن كثروا، والحكم كما تقدم (٤).
وإن نفته القافة عنهم، أو أشكل عليهم، أو لم يوجد قافة ولو بعيدة فيذهبون إليها، أو اختلف قائفان، أو اثنان، وثلاثة، وإن اتفق اثنان، وخالف ثالث أخذ بهما نصًّا (٥)، ومثله بيطاران، وطبيبان في عيبٍ ولو رجعا.
стр. 1055
وإن وطئ اثنان امرأة بشبهةٍ، فأتت بولدٍ يمكن أن يكون منه، فادعى الزوج أنه من الواطئ أري القافة معهما، سواء ادعياه، أو جحداه، أو أحدهما، ولا يقبل قول القائف، إلا أن يكون
ذكرًا، عدلاً، مجربًا في الإصابة، ويكفي قائف واحد نصًّا (١)، وهو كحاكم، فيكفي مجرد خبره، وعنه (٢) يعتبر اثنان، ولفظ الشهادة منهما، اختاره جماعة (٣).
стр. 1056
كتاب الوقف (١)
وهو تحبيس مالكٍ مطلق التصرف، ماله المنتفع به مع بقاء عينه، بقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته، يصرف ريعه إلى جهة برٍ، تقربًا إلى الله تعالى.
وهو مستحبٌ، ويصح بقولٍ، وفعلٍ دالٍ عليه، مثل أن يجعل أرضه مقبرةً، ويأذن في الدفن فيها، أو يبني صورة مسجدٍ، ويأذن للناس في الصلاة فيه نصًّا فيهما (٢)، إذنًا عامًا، أو يبني بيتًا؛ لقضاء حاجة الإنسان، والتطهر، ويشرعه/ [٢١٨/ ب] لهم.
ولو جعل سفل بيته مسجدًا، أو عكسه، أو وسطه ولم يذكر استطراقًا صح، وَيُسْتَطْرِقُ.
وصريحه: وقّفت، وحبّست، وسبّلت، وكنايته: تصدّقت، وحرّمت، وأبّدت (٣).
فلا يصح الوقف بالكناية، إلا أن ينويه، أو يقرن بها أحد الألفاظ الباقية، أو حكم الوقف فيقول: تصدقت صدقةً موقوفةً، أو محبَّسةً، أو
стр. 1057
مسبَّلة، أو محرَّمة، أو مؤبَّدة، أو لا تباع ولا تورث، ولا يصح الوقف إلا بشروطٍ أربعةٍ:
أحدها: أن يكون في عينٍ يصح بيعها، ويمكن الانتفاع بها دائمًا مع بقاء عينها عرفًا، كإجارة، سواء كانت غير منقول، كالعقار، ومنقول، كالحيوان، والأثاث، والسلاح ونحوه.
ويصح وقف المشاع نصًّا (١)، ووقف الحلي على اللبس، والعارية.
ولا يصح الوقف في الذمة، كعبدٍ، ودارٍ، ولا غير معين، كأحد هذين، أو عليه، ولا وقف ما لا يصح بيعه، كأم الولد، والكلب، والمرهون.
لكن يصح وقف الدار، وإن لم يذكر حدودها، إذا كانت معروفة نصًّا (٢).
ولا وقف ما لا ينتفع به مع بقائه دائمًا، كأثمان، إلا تبعا، كفرسٍ بسرج، ولجامٍ مفضضين نصًّا (٣)، ولا مطعوم، ورياحين.
الثاني: أن يكون على برٍ من مسلمٍ، وذميٍ، كالمساكين، والحج، والغزو، والقناطر، والمساجد، والأقارب من مسلمٍ وذميٍ، ويصح على ذمي غير قريب، وشرط استحقاقه ما دام ذميًا لاغٍ، ويستمر له إن أسلم، كمع عدم هذا الشرط، ولا يصح على غير بر، فلا يصح على كنائسٍ، وبيوت
стр. 1058
نارٍ، ومصالحها (١).
زاد في الفصول: وساكنٍ بها ومجاورٍ؛ لأن الوقف ليس عليها، بل على الناس، ولا على الأغنياء، وقطاع الطريق، ولا مرتد، ولا على نفسه، ويصرف في الحال إلى من بعده.
وعنه يصح (٢) اختاره جماعةٌ، منهم أبو العباس (٣).
قال المنُقِّح (٤): وعليه العمل، وهو أظهر.
وإن وقف على غيره، واستثنى/ [٢١٩/ أ] كل الغلة، أو بعضها له، أو لولده مدة حياته نصًّا (٥)، أو مدةً، أو استثنى الأكل، أو النفقة عليه، وعلى عياله نصًّا (٦)، والانتفاع لنفسه، وعياله ونحوهم ولو بسكنى مدة حياتهم، أو يطعم صديقه صح (٧)، فلو مات المشروط له في أثناء المدة، كان لورثته، وتصح إجارتها، ولو وقف على الفقراء فَافْتَقَرَ شَملَهُ، وتناوَل منه، ولو
وقف
стр. 1059
مسجدًا، أو مقبرةً، أو بئرًا، أو مدرسةً؛ لعموم الفقهاء، أو رباطًا للصوفية مما يعم، فهو كغيره في الاستحقاق، والانتفاع.
الثالث: أن يقف على معينٍ بملك، فلا يصح على مجهولٍ، كرجلٍ، أو مسجدٍ ونحوهما، ولا على حيوانٍ لا يَمْلِكُ، كعبدٍ ولو مكاتبًا، وأم ولد، وحمل أصالة بل تبعًا، كعلى أولادي، أو أولاد فلان، أو انتقل إلى بطن من أهل الوقف وفيهم حمل استحق بوضعه، من ثمرٍ، وزرعٍ ما يستحقه مشترٍ نصًّا (١).
ولا على معدومٍ أصلاً، كمن سيولد لي، أو لفلان، ولا على مَلَكٍ، كجبريل ونحوه، ولا على بهيمة.
الرابع: أن يقف ناجزًا، فإن علقه بشرطٍ، لم يصح، إلا أن يعلقه بموته، فيقول هو وقفٌ بعد موتي، فيصح، ويكون لازمًا نصًّا (٢)، ويعتبر من ثلثه.
وإن شرط شرطًا فاسدًا، كخيارٍ فيه، وتحويله، وتغيير شرط، وبيعه، وهبته، ومتى شاء أبطله ونحوه، لم يصح الوقف.
فصل
ولا يشترط له قبول ناظره، ولا آدمي موقوف عليه ولو معينًا، ولا يبطل برده كسكوته.
وقيل (٣): يشترط فورًا، فيشترط اتصال القبول بالإيجاب، فإن تراخى
стр. 1060
عنه، بطل البيع ونحوه.
وقيل: (١) ولو تراخيا.
قال المنُقِّح (٢): وهو أظهر، وتصرفه فيه يقوم مقام القبول.
قال أبو العباس (٣): وكذا أخذ ريعه، فإن لم يقبله، أو رده بطل في حقه دون من بعده، وليس كمنقطع الابتداء (٤)، بل يصح هنا، وإن لم يصح هناك، ويصرف هو ومنقطع الابتداء، كوقفه على من لا يجوز، ثم على من يجوز، أو منقطع الوسط (٥) حينئذٍ إلى من/ [٢١٩/ ب] بعده.
ويصرف منقطع الآخر، كما لو وقف على جهةٍ تنقطع ولم يذكر له مالاً، أو على من يجوز، ثم على من لا يجوز (٦).
وما وقفه، وسكت، إلى ورثة الواقف نسبًا بعد انقراض من يجوز
стр. 1061
الوقف عليه، وقفًا عليهم على قدر إرثهم، فيستحقونه كالميراث، ويقع الحجب بينهم، فلبنتٍ مع ابن الثلث، وللأخ من الأم، مع الأخ من الأب، السدس، وجد، وأخ، يقتسمانه نصفين، وأخ، وعم ينفرد به الأخ، وعم، وابن عم، ينفرد به العم.
وعنه (١) يصرف إلى أقرب عصبته وقفًا، ولا يختص به فقراؤهم، فإن لم يكن له أقارب، فللفقراء، والمساكين، ونصه (٢) يصرف في مصالح المسلمين، ويعمل في صحيح الوسط فقط بالاعتبارين.
وإن قال: وقفته سنةً، أو إلى سنة، أو قدوم الحاج ونحوه لم يصح، وهو الوقف المؤقت، وإن قال: على أولادي سنة، أو مدة حياتي، ثم على الفقراء، صح.
وإن قال: على الفقراء، ثم على ولدي، صحّ للفقراء فقط.
ولا يشترط للزومه إخراجه عن يده، بل يلزم بإيجابه، وقبول ملكه عنه.
وعنه (٣) يشترط، فلو شرط نظره له سلمه كغيره، ثم ارتجعه.
فصل
ويملك الموقوف عليه الوقف إن كان آدميًا معينًا، أو جمعًا محصورًا
стр. 1062
نصًّا (١)، فينظر فيه هو، أو وليه بشرطه، ويزوجه إن لم يشترطه لغيره، ويلزمه بطلبها، ويأخذ المهر، ويزوجه، ويفديه إذا جنى خطأً، وعليه فطرته، وزكاته، ونفقته إن لم يكن له كسبٌ، ويقطع سارقه، وعنه (٢) لا يملكه، بل يكون ملك الله تعالى، والحاكم ينوب فيه، ويصرفه في مصارفه، وجنايته في كسبه، وعلى القولين يملك نفعه، وصوفه ونحوه، وغلته، وكسبه، وَلَبَنَهُ، وثمرته، وله وطء الجارية.
فإن وطئها فعلى الأَوَّل، لا حد بوطئه، ولا مهر، وولده/ [٢٢٠/ أ] حرٌ، وعليه قيمته يشتري بها ما يقوم مقامه، وتصير أم ولده تعتق بموته، وتجب قيمتها في تركته، ويشتري بها مثلها تكون وقفًا بمجرد الشراء، وله تملك زرع غاصبٍ بالنفقة، حيث يتملك رب الأرض ويتلقاه البطن الثاني ومن بعده من أهل الوقف من الواقف، لا من البطن الذي قبله، فله اليمين مع شاهده؛ لإثبات الوقف مع امتناع بعض البطن الأَوَّل منهما.
وإن وطئ الموقوفة أجنبي بشبهةٍ، يظنها حرة، فأولدها فهو حرٌ، وعليه المهر لأهل الوقف، وقيمة الولد تصرف في مثله.
وإن كان من زوجٍ، أو زِنًا، فهو وقفٌ معها، وإن تلفت به، أو أتلفها، أو بعضها إنسان فعليه القيمة، يشتري بها مثلها، أو شقص يكون وقفًا
стр. 1063
بمجرد الشراء، ويأتي (١).
وإن قتل فليس له عفوٌ، ولا قودٌ، بل يشتري بقيمته بدله، وإن وقف على ثلاثةٍ، ثم على المساكين فمن مات منهم، أو رد رجع نصيبه إلى الآخرين (٢) فإن ماتوا، أو ردوا، فللمساكين،
وإن وقف على ثلاثةٍ، ولم يذكر له مالٌ، فمن مات منهم، فحكم نصيبه حكم المنقطع، كما لو ماتوا جميعًا، قاله الحارثي (٣).
وقطع في القواعد (٤) بأنه يصرف إلى الباقي.
قال المنُقِّح (٥): وهو قويٌ.
وإن قال: وقفت على أولادي، وعلى المساكين، فهو بين الجهتين نصفين؛ لاقتضاء الإضافة التسوية.
فصل
ويرجع إلى شرط واقفٍ، فلو تعقب جُملاً، عاد إلى الكل واستثناء كشرط نصًّا (٦)، وكذا مخصص من صفةٍ، وعطف بيان، وتوكيد، وبدل
стр. 1064
ونحوه، وجار، ومجرور نحو: على أنه، وبشرط أنه، ونحوه.
ويجب العمل به في عدم إيجاره، أو قدر المدة، وقسمه على الموقوف عليه في تقدير الاستحقاق وتقديم، كالبداءة ببعض أهل الوقف دون بعض نحو: وقفت على زيدٍ، وعمر، وبكرٍ، ويبدأ بالدفع إلى زيد، أو وقفت على طائفة كذا، ويبدأ بالأصلح ونحوه، وتأخير عكسه، كجعل الاستحقاق مشتركًا في حالةٍ واحدة (١)، وترتيبٍ، كجعل استحقاق بطن مرتبًا على آخر، فالتقديم: بقاء أصل الاستحقاق للمؤخر، على صفة أن له ما فضل، وإلا سقط، والمراد إذا كان للمقدم شيءٌ مقدرٌ، فحينئذٍ إن كانت الغلة وافرة حصل بعده فضلٌ، وإلا/ [٢٢٠/ ب] فلا.
والترتيب: عدم استحقاق المؤخر، مع وجود المقدم، وفي التسوية، كقوله: الذكر، والأنثى سواء ونحوه، والتفضيل، كقوله: للذكر مثل حظ الأنثيين.
ولو جهل شرط الوقف، عمل بعادةٍ، ثم عرف، ثم التساوي.
وإن شرط إخراج من شاء بصفةٍ، وإدخاله بها، أو إخراج من شاء من أهل الوقف، وإدخال من يشاء منهم، صح، لا إدخال من شاء منهم من غيرهم، كشرطه تغيير شرط، وتقدم (٢).
قال أبو العباس (٣): «كل متصرفٍ بولايةٍ، إذا قيل يفعل ما يشاء، فإنما
стр. 1065
هو إذا كان فعله؛ لمصلحةٍ شرعيةٍ، حتى لو صرح الواقف بفعل ما يهواه، أو ما يراه مطلقًا، فشرطٌ باطلٌ على
الصحيح المشهور، قال: وعلى الناظر، بيان المصلحة فيعمل بما ظهر مع الاشتباه، إن كان عالمًا عادلاً ساغ له اجتهاده انتهى».
وفي الناظر فيه، والإنفاق عليه وسائر أحواله، فإن عين الإنفاق عليه من غلةٍ، أو غيرها عمل به، وإن لم يعينه رأسًا فمن غلته، فإن لم يكن له غلة، فمن الموقوف عليه المعين إن كان ذا روحٍ، فإن تعذر بيع، وصرف في عينٍ أخرى تكون وقفًا لمحل الضرورة، قاله الحارثي (١).
ثم قال: فإن كان عدم الغلة؛ لأجل أنه ليس من شأنه أن يؤجر، كالعبد يخدمه، والفرس يغزو عليها، أو يركبه، أوجر بقدر نفقته، وكذا إن احتاج الخان الْمُسَبَّل، أو الدار الموقوفة؛ لسكنى الحاج، أو الغزاة إلى مرمة، أوجر منه بقدر ذلك.
وإن كان الوقف على غير معينٍ، كالمساكين ونحوهم، فنفقته في بيت المال، فإن تعذر بيع، كما تقدم (٢)، وإن كان عقارًا لم تجب عمارته، إلا بشرط كالمطلق.
وخالف أبو العباس (٣) فقال: «تجب عمارته بحسب البطون، فإن شرط الواقف عمارته عمل به مطلقًا، ومع الإطلاق يقدم على أرباب الوظائف».
стр. 1066
وقال أبو العباس (١): الجمع بينهما حسب الإمكان.
وإن شرط ألا ينزل فاسقٌ، ولا شرير، ولا متجوه ونحوه (٢) عمل به، وللناظر الاستدانة عليه بلا إذن حاكمٍ؛ لمصلحةٍ، كشراءٍ للوقف نسيئةً، أو بنقدٍ لم يعينه.
ويتعين صرف الوقف إلى الجهة التي عينها الواقف نصًّا (٣).
ويجوز صرف الموقوف على بناء المسجد؛ لبناء منارته، وإصلاحها وبناء منبره، وأن يشتري/ [٢٢١/ أ] سلمًا للسطح، وأن يبني منه ظلة، ولا يجوز في بناء مرحاضٍ، وزخرفة مسجدٍ، ولا في شراء مكانس، ومَجَارِف (٤)، قاله الحارثي (٥).
وإن وقف على المسجد، أو على مصالحه، جاز صرفه في نوع العمارة، وفي مكانسٍ، ومجارف، ومساحي، وقناديل، ووقود، ورزق إمامٍ، ومؤذن، وقيم.
وفي الفتاوى لأبي العباس (٦): إذا وقف على مصالحه، وعمارته، فالقائمون بالوظائف التي يحتاج إليها المسجد من التنظيف، والحفظ،
стр. 1067
والفرش، وفتح الأبواب، وإغلاقها ونحو ذلك يجوز الصرف إليهم.
فإن لم يشرط ناظرًا، فليس للناظر ولاية النصب نصًّا (١).
والنظر لموقوفٍ عليه إن كان معينًا، أو جمعًا محصورًا كل واحدٍ على حصته، وغير المحصور، والوقف على مسجدٍ ونحوه للحاكم، ووظيفة ناظرٍ، حفظ وقف، وعمارته، وإيجاره، وزرعه، ومخاصمة فيه، وتحصيل ريعه من أجرة، أو زرع، أو ثمر، والاجتهاد في تنميته، وصرفه في جهاته، من عمارة، وإصلاحٍ، وإعطاء ضعيف، قوي، أمين.
فإن كان النظر لغير موقوفٍ عليه، وكانت ولايته من الحاكم، أو ناظر، فلا بد من شروط العدالة فيه، فإن فسق، أو أصر متصرفًا بخلاف الشرط الصحيح، عالمًا بتحريمه، قدح فيه، فإن عاد إلى أهليته، عاد حقه، كما لو صرح به، وكالموصوف، ذكره أبو العباس قال (٢): «ومتى فرط، سقط مما له بقدر ما فوته من الواجب».
وفي الأحكام السلطانية (٣): في العامل يستحق ماله، إن كان معلومًا، فإن قصر فترك بعض العمل، لم يستحق ما قابله، وإن كان؛ لجنايةٍ منه، استحقه، ولا يستحق لزيادةٍ، وإن كان مجهولاً فأجرة مثله.
فإن كان مقدرًا في الديوان، وعمل به جماعة فهو أجرة المثل، وإن
стр. 1068
شرط للناظر أجرة، فكلفته عليه، حتى يبقى أجرة مثله نصًّا (١).
وإن لم يسم له شيئًا فقياس المذهب إن كان مشهورًا بأخذ الجاري على عمله فله جاري مثله، وإلا فلا شيء له، وله الأجرة من وقت نظره فيه.
وإن كانت ولايته من واقفٍ وهو فاسق، أو عدل، ففسق صح، وضم إليه أمينٌ.
وإن كان لموقوفٍ عليه، إما بجعل الواقف النظر له،/ [٢٢١/ ب] أو لكونه أحق؛ لعدم ناظر، فهو أحق بذلك مطلقًا، فإن كان صغيرًا، أو سفيهًا، أو مجنونًا، قام وليه في النظر مقامه كملكه المطلق قاله الشيخ (٢).
قال الحارثي (٣): وهو مبنيٌ على القول بملك الموقوف عليه، إما على انتفاء ملكه فللحاكم، ولا بد إلى حين تأهله، وإن أجر الناظر الوقف بأنقص من أجرة مثل، صحّ وضمن النقص.
ولو شرط الواقف النظر إلى غيره، لم يصح عزله بلا شرطٍ، ومقتضاه له عزله مع الشرط، فيتوجه أن يؤخذ منه أنه لو شرط له عزل من شاء كان صحيحًا. انتهى.
وإن شرط النظر لنفسه، ثم جعله لغيره، أو أسنده، أو فوضه إليه، فله عزله، قاله ابن حمدان، والحارثي وغيرهما (٤).
стр. 1069
وقيل (١): لا، اختاره جمعٌ، وللناظر بالأصالة كموقوفٍ عليه، وحاكم نصب ناظر، وعزله، لا ناظر بشرط.
وقيل (٢): بلى، بناءً على أن للوكيل التوكيل.
ولا يوصي به نصًّا (٣)، ولو أسند النظر إلى اثنين فأكثر، أو جعله الحاكم، أو الناظر إليهما لم يصح تصرف أحدهما مستقلاً بلا شرط، وإن شرطه لكلٍ منهما صحّ واستقل به.
ولا نظر لحاكم، مع ناظر حاضر.
قال في الفروع (٤): «أطلقه الأصحاب، وقاله شيخنا، ويتوجه ومع وجوده فيقرر حاكم في وظيفة خلت في غيبته؛ لما فيه من القيام بلفظ الواقف في المباشرة، ودوام نفعه فالظاهر أنه يريده»، ولو سبق تولية ناظر غائب قدمت.
قال أبو العباس (٥): «فله الاعتراض عليه إن فعل ما لا يسوغ، وله ضم أمينٍ إليه مع تفريطه، أو تهمته؛ ليحصل المقصود، وللناظر وضع يده عليه، والتقرير في وظائفه ذكروه في ناظر المسجد فَيُنَصِّبُ من يقوم بوظائفه من إمامٍ، ومؤذن، وقيِّمٍ وغيرهم».
стр. 1070
كما أن للناظر الموقوف عليه نَصْبَ من يقوم بمصلحته من جابٍ ونحوه.
وإن شرط الواقف/ [٢٢٢/ أ] ناظرًا، ومدرسًا، ومعيدًا، وإمامًا، لم يجز أن يقوم شخصٌ بالوظائف كلها وينحصر فيه.
وفي الفتاوى المصرية لأبي العباس (١): إن أمكن أن يجمع بين الوظائف لواحدٍ فعل.
وما بناه أهل الشوارع، والقبائل من المساجد، فالإمامة لمن رضوه، لا اعتراض للسلطان عليهم، وليس لهم بعد الرضا صرفه، ما لم يتغير حاله، وليس له أن يستنيب إن غاب، وإلا صح.
قال الحارثي فيه (٢): للإمام النصب أيضًا، لكن لا يَنصِبُ من لا يرضاه الجيران، وكذا الناظر الخاص لا ينصب من لا يرضاه الجيران.
وقال أيضًا (٣): «ليس لأهل المسجد مع وجود إمامٍ، أو نائبه نصب ناظرٍ في مصالحه، ووقفه، فإن لم يوجد كالقرى الصغار الخارجة عن المصر، أو وجد وكان غير مأمونٍ، أو ينصب غير مأمونٍ فلهم النصب تحصيلاً للغرض ودفعًا للمفسدة وكذا ما عداه من الأوقاف لأهله نصب ناظر فيه لذلك، وكذا لو نزل مستحقٌ تنزيلاً شرعيًا لم يجز صرفه بلا موجب شرعي، ومن
لم يقم بوظيفته غيَّره من له الولاية لمن يقوم بها إذا لم يتبين الأَوَّل، ويلتزم الواجب، ولا يجوز أن يؤم في المساجد السلطانية، وهي
стр. 1071
الجوامع، إلا من ولاه السلطان؛ لئلا يفتات عليه فيما وكل إليه».
وفي الرعاية (١) إن رضوا بغيره بلا عذرٍ كره، وصح في المذهب (٢).
قال القاضي (٣): «وإن غاب من ولاه فنائبه أحق، ثم من رضيه أهل المسجد؛ لتعذر إذنه».
وإن علق الناظر الاستحقاق بصفة استحق من اتصف بها، فإن زالت منه زال استحقاقه، فلو وقف على المشتغلين بالعلم، استحق من اشتغل، فإن ترك المشتغل الاشتغال زال استحقاقه، فإن عاد، عاد استحقاقه، قاله في المغني (٤).
وإن شرط الواقف في الصرف نصب الناظر للمستحق كالمدرس، والمعيد، والمتفقه بالمدرسة مثلاً فلا إشكّال في توقف الاستحقاق على نصب/ [٢٢٢/ ب] الناظر له.
وإن لم يشترطه بل قال: ويصرف الناظر إلى مدرسٍ، أو معيدٍ، أو متفقه بالمدرسة، لم يتوقف الاستحقاق على نصب، بل لو انتصب مدرسٌ، أو معيدٌ بالمدرسة، وأذعن له الطلبة بالاستفادة، وتأهل لذلك استحق؛ لعلمه، ولم تجز منازعته؛ لوجود الوصف المشروط.
وكذا لو قام طالبٌ بالمدرسة متفقهًا، ولم ينصبه ناصب، وكذا لو
стр. 1072
شرط الصرف المطلق إلى إمام مسجدٍ، أو مؤذنه، أو قيِّمه فأم إمامٌ ورضيه الجيران، أو قام بخدمة المسجد قائم ونحو ذلك.
قال أبو العباس (١): ولو وقف على مدرس، وفقهاء، فللناظر، ثم للحاكم تقدير أعطيتهم، فلو زاد النماء، فهو لهم، وليس تقرير الناظر أمرًا حتمًا، كتقرير الحاكم بحيث لا يجوز له، أو لغيره زيادته، ونقضه؛ للمصلحة.
وإن قيل: إن المدرس لا يزاد، ولا ينقص بزيادة النماء ونقصه؛ للمصلحة كان باطلاً؛ لأنه لهم، والحكم بتقديم مدرسٍ، أو غيره باطلٌ لم نعلم أحدًا يعتد به قال به، ولا بما يشبهه (٢)، ولو
نفذه حاكمٌ، وإنما قدم القيّم ونحوه؛ لأن ما يأخذه أجرة، ولهذا يحرم أخذه فوق أجرة مثله بلا شرطٍ.
قال في الفروع: «وجعل الإمام، والمؤذن كالقيّم بخلاف المدرس، والمعيد، والفقهاء، فإنهم من جنسٍ واحدٍ» (٣).
وقال أبو العباس (٤) أيضًا: «ولو عطل مغل، وقف مسجد سنة، تقسطت الأجرة المستقبلة عليها وعلى السنة الأخرى؛ لتقوم الوظيفة فيهما، فإنه خير من التعطيل، ولا ينقص الإمام بسبب تعطيل الزرع بعض العام».
قال في الفروع: «فتداخل مغل سنة في سنة، وأفتى غير واحدٍ منا في زمننا فيما نقص عما قدره الواقف كل شهرٍ، أنه يتمم مما بعده، وحكم به
стр. 1073
بعضهم بعد سنتين، ورأيت غير واحد لا يراه انتهى» (١)، ويتوجه أن الثاني أظهر.
ومن شرط لغيره النظر إن مات، فعزل نفسه، أو فَسَقَ، فكموته؛ لأن تخصيصه للغالب قاله/ [٢٢٣/ أ] أبو العباس (٢).
وإن شرط النظر للأفضل من أولاده فهو له، فإن أبى القبول، انتقل إلى من يليه، فإن تعين أحدهم؛ لفضله، ثم صار فيهم من هو أفضل، انتقل إليه؛ لوجود الشرط فيه، ويتوجه إن استوى اثنان اشتركا، وللإمام ولاية النصب؛ لأنه من المصالح العامة.
وقال أبو العباس (٣): إن أطلق النظر؛ لحاكمٍ شمل أي حاكمٍ كان، سواءٌ كان مذهب حاكم البلد زمن الواقف، أو لا، وإلا لم يكن له نظر إذا انفرد وهو باطلٌ اتفاقا انتهى.
فإن تعذر كان للسلطان تولية من شاء من المتأهلين، قاله نصر الله الحنبلي، وولد صاحب الفروع (٤).
ولو فوضه حاكمٌ، لم يجز لآخر نقضه، ويتعين مصرف الوقف نصًّا (٥)؛
стр. 1074
فلا يصرف في غيره، وإن شرط الواقف ألا يؤجر وقفه صح، واتبع شرطه، وكذا لو شرط، ألا يزاد في عقد الإجارة على مدةٍ قدرها قاله في التلخيص.
وقال ابن أبي موسى (١) وغيره: لا اعتراض لأهل الوقف على من ولاه الواقف أمر الوقف، إذا كان أمينًا، ولهم مُسَاءَلَتُهُ عما يحتاجون إلى علمه من أمر وقفهم، حتى يستوي علمهم فيه، وعلمه، ولهم مطالبته بانتساخ كتاب الوقف؛ لتكون نسخته في أيديهم وثيقةً لهم.
وينفق عليه من غلته، إن لم يعين واقف النفقة من غيره.
فإن لم يعينه، ولم تكن له غلة، فالنفقة على الموقوف عليه المعين إن كان ذا روح، فإن تعذر، بيع وصرف في عين أخرى (٢) تكون وقفًا لمحل الضرورة قاله الحارثي (٣).
فإن أمكن إيجاره كعبدٍ، وفرسٍ، أوجر بقدر نفقته، وإن كان على غير معينٍ، كالمساكين ونحوهم، فالنفقة من بيت المال، فإن تعذر بيع، كما تقدم (٤).
وإن كان عقارًا لم تجب عمارته من غير شرطٍ، كالمطلق.
وخالف أبو العباس فقال (٥): تجب عمارته بحسب البطون، وإن شرط
стр. 1075
الواقف عمارته عمل به مطلقًا، ومع الإطلاق، تقدم على أرباب الوظائف.
وقال أبو العباس (١):/ [٢٢٣/ ب] الجمع بينهما حسب الإمكان أولى.
وقال المنُقِّح (٢): إن أفضى تقديم العمارة إلى تعطيل مصالحه جمع بينهما حسب الإمكان.
ولو احتاج خان مسبَّل، أو دار؛ لسكنى حاجٍ، أو غزاة ونحوه إلى مرمة، أوجر منه بقدر ذلك، فإن تعذر فيتوجه من بيت المال.
وإن وقف على ولده، أو ولد غيره، ثم على المساكين، فهو لولده الذكور، والإناث بالسوية نصًّا (٣)، ولو وجدوا بعد الوقف، وكذا ولد بنيه، لكن لا يستحقون مع آبائهم، بل بعدهم مرتبًا على الأصح، قاله في الفروع (٤).
قال في القواعد (٥): ونصه، ترتيب فردٍ على فرد، فيستحق كل ولدٍ نصيب والده بعد فقده.
وقدم في الفروع (٦) بطنًا بعد بطن، أو الأقرب، فالأقرب، أو الأَوَّل فالأَوَّل ونحوه.
стр. 1076
فلا يستحق ولد الولد شيئًا مع وجود فردٍ مع الأَوَّل يعني أنه ترتيب جملة، وكذا حكم وصية إذا وجدوا قبل موت موصٍ، فإن كان ولد غيره قبيلة، أو قال: أولادي، وأولادهم، فلا ترتيب، واستحقوا مع آبائهم.
وعنه (١) لا يدخل ولد البنين، إلا بذكرهم.
فإذا قال: على ولدي، وولد ولدي، ثم على المساكين دخل البطن الأَوَّل والثاني، ولم يدخل الثالث، وإن قال: على ولدي، وولد ولد ولدي، دخلت ثلاث بطون دون من بعدهم.
وإن وقف على ولده فلانٌ، وفلانٌ وسكت عن الثالث، وعلى ولد ولدي، دخل فيه ولد الثالث الذي لم يذكره نصًّا (٢)؛ لدخوله في عموم ولدي، وخالف الشيخ (٣)، وكذا ولدي فلان،
وفلان، ثم الفقراء يشمل ولد ولده، ولا يدخل فيه ولد البنات نصًّا (٤)، إلا بقرينةٍ، كقوله من مات منهم عن ولدٍ، فنصيبه لولده، أو قال: على ولدي فلان، وفلانة، وفلانة، وأولادهم ونحو ذلك.
وعنه (٥) يدخلون اختاره جماعة (٦).
стр. 1077
قال المنُقِّح (١): وعليه العمل.
فإن قيد فقال: لصاحبي، أو من ينتسب إليَّ، لم يدخلوا، ولو قال: على/ [٢٢٤/ أ] أولادي، ثم أولادهم، ثم الفقراء فترتيب جملةٍ على مثلها لا يستحق البطن الثاني شيئًا قبل انقراض الأَوَّل.
فلو قال: من مات عن ولدٍ، فنصيبه لولده، استحق كل ولدٍ بعد أبيه نصيبه الأصلي، والعائد، وبالواو الاشتراك، فإن زاد على أنه إن توفي أحدٌ من أولاده الموقوف عليه ابتداءً في حياة والده وله ولدٌ، ثم مات الابن عن أولاده لصلبه، وعن ولد ولده لصلبه الذي مات أبوه قبل استحقاقه، فله معهم ما لأبيه لو كان حيًا، فهو صريحٌ في ترتيب الأفراد.
وإن قال: على أن نصيب من مات عن غير ولدٍ لمن في درجته، والوقف مرتب، فهو لأهل البطن الذي هو منهم من أهل الوقف، وكذا إن كان مشتركًا بين البطون، فإن لم يوجد في
درجته أحدٌ، فكما لولم يذكر الشرط، فيشترك الجميع في مسألة الاشتراك، ويختص الأعلى به في مسألة
стр. 1078
الترتيب على المذهب (١).
وأفتى جمعٌ من الحنفية (٢)، والشافعية (٣) بانقطاعه فيها.
وإن كان الوقف على البطن الأَوَّل، على أن نصيب من مات منهم عن غير ولدٍ لمن في درجته، فكذلك، فيستوي في ذلك كله إخوته، وبنو عمه، وبنو بني عم أبيهم ونحوهم، إلا أن يقول: يقدم الأقرب، فالأقرب إلى المتوفى ونحوه فيختص به، وليس من الدرجة من هو أعلى، ولا أنزل.
وإن شرط أن نصيب المتوفى عن غير ولدٍ، لمن في درجته استحقه أهل الدرجة، وقت وفاته، وكذا من سيوجد منهم، أفتى به الشارح (٤)، واختاره صاحب الفائق (٥)، وابن رجب (٦).
قال: وعلى هذا لو حدث من هو أعلى من الموجودين، وكان الشرط في الوقف استحقاق الأعلى فالأعلى أخذه منهم، وإن/ [٢٢٤/ ب] على بنيه، أو بني فلانٍ فهو للذكر خاصة، إلا أن يكونوا قبيلة، فيدخل فيه النساء، دون أولادهن عن غيرهم، ولا يدخل مولى بني هاشمٍ في الوصية لهم؛ لأنه ليس منهم حقيقةً، ويحدد حق حملٍ بوضعه من ثمرٍ، وزرعٍ، كمشترٍ نصًّا (٧)،
стр. 1079
وجزم به الْمُوَفَّق، وغيره (١).
ثم قال في الفروع: «ويشبه الحمل، إن قدم إلى ثغر موقوف عليه فيه، أو خرج منه إلى بلد موقوف عليه فيه، نقله يعقوب، وقياسه من نزل في مدرسة ونحوه» (٢).
وإن وقف على عقبه، أو ولد ولده، أو ذريته دخل فيه ولد البنين وإن نزلوا، ولا يدخل فيه ولد البنات نصًّا (٣).
وإن وقف على قرابته، أو قرابة فلان، فهو للذكر، والأنثى من أولاده، وأولاد أبيه، وجده، وجد أبيه، يستوي ذكر، وأنثى، وصغير، وكبير، وغني، وفقير، ولا يدخل فيه قرابته من قبل أمه، ويأتي حكم أقرب قرابته، أو الأقرب إليه في الوصايا إن شاء الله تعالى (٤).
وأهل بيته نصًّا (٥)، وقومه، ونساؤه، كقرابته، ونسل، كعقب، وأهله، وآله، كأهل بيته.
والعترة: العشيرة، وهي قبيلته، وذوو رحمه قرابته من جهة أبويه، وولده، وعصبته، وارثه بها مطلقًا، والأشراف أهل بيت النبي ﷺ ، وجمع المذكر السالم، كالمسلمين، وضميره يشتمل النساء.
стр. 1080
وإن قال لجماعةٍ، أو لجمعٍ من الأقارب إليه فمثله، ويتمم مما بعد الدرجة الأُولى، والأيامى (١).
والعزاب: من لا زوج له من رجلٍ، وامرأةٍ.
والأرامل: النساء اللاتي فارقهن أزواجهن، وبكر.
وثيب وهو: من زالت بكارته، ولو من غير زوجٍ، وعانس (٢)، وإخوته، وعمومته لذكرٍ، وأنثى وتناوله لبعيدٍ، كولد ولده، وعزب، وأيم غير متزوجٍ.
والوسط:/ [٢٢٥/ أ] مادون العشيرة من الرجال، وأهل الوقف: المتناولون له.
والعلماء: حملة الشرع من غنيٍ، وفقير.
وأهل الحديث: من عرفه، ولو حفظ أربعين حديثًا، لا من سمعه، والقراء الآن حفَّاظه (٣).
واليتيم: من لم يبلغ، ولا أب له، ولو جهل بقاء أبيه، فالأصل بقاؤه في ظاهر كلامهم، قاله في الفروع (٤).
وإن وقف على أهل قريته، أو قرابته، أو إخوته ونحوهم، لم يدخل
стр. 1081
فيهم من يخالف دينه، إلا بقرينةٍ.
وإن وقف على جماعةٍ يمكن حصرهم، واستيعابهم، وجب تعميمهم، والتسوية بينهم، كما لو أقر لهم، وإن أمكن حصرهم في ابتدائه، ثم تعذر، كوقف علي ﵁، عمم من أمكن منهم، وسوى بينهم، وإن لم يمكن حصرهم ابتداءً، جاز التفضيل، والاقتصار على واحدٍ منهم. وإن وقف على الفقراء، والمساكين تناول الآخر، ومن وجد فيه صفات استحق بها، وما يأخذه الفقهاء منه؛ كرزق من بيت المال، لا كجعل واستحق ببعض المال، ولا كأجرة في أصحها، ولو وقف على أصناف الزكاة، أو الفقراء، أو المساكين، جاز الاقتصار على صنفٍ، كزكاة.
ولا يعطي فقيرًا أكثر مما يعطاه من زكاة نصًّا (١)، ووصية، كوقف فيما ذكر في هذا الفصل، وتأتي تتمته (٢).
فصل
والوقف عقدٌ لازمٌ، لا يجوز فسخه بإقالة، ولا غيرها، ولا يصح بيعه، ولا المناقلة به نصًّا (٣)، إلا أن يتعطل منافعه المقصودة منه بخرابٍ، أو غيره، ولو مسجد حتى بضيقه على أهله، أو خراب محلته، نص عليهما (٤) فيصح
стр. 1082
بيعه، ولو شرط عدمه إذًا، فشرطه إذًا فاسدٌ نصًّا (١)، ويصرف ثمنه في مثله، أو بعض مثله نصًّا (٢) وقاله في التلخيص وغيره، كجهةٍ ويصير حكم المسجد للثاني، ويصح بيع بعضه؛ لإصلاح ما بقي إن اتحد الواقف، كالجهة، إن كان عينين، أو عينًا، ولم تنقص القيمة، وإلا بيع الكل.
وأفتى عبادة (٣) رحمه/ [٢٢٥/ ب] الله بجواز عمارة وقف من آخر على جهة.
стр. 1083
قال المنُقِّح (١): وعليه العمل.
ويجوز اختصار أبنية إلى أصغر منها، وإنفاق الفضل على الإصلاح، ونصه (٢) جواز تجديد بنايةٍ؛ لمصلحة، وحكم فرس حبيسٍ إذا لم يصلح للغزو، كوقفٍ، فيباع، ويشتري بثمنه ما يصلح للجهاد، وبمجرد شراء البدل، يصير وقفًا، كبدل أُضْحِيَّةٍ، ورهن أُتْلِفَ.
قال المنُقِّح (٣): «والاحتياط وقفه»، ويبيعه حاكمٌ إن كان سبل الخيرات، وإلا ناظره الخاص، فإن عدم، فحاكم.
وقيل (٤): يبيعه حاكم، قدمه في الفروع (٥).
قال المنُقِّح (٦): «وهو قويٌ في النظر، والأحوط إذن حاكم، ويجوز بيع آلته».
وصرفها في عمارته، وما فضل عن حاجته من حصره، وزيته، وأنقاضه، وآلة، وثمنها، جاز صرفه إلى مسجدٍ آخر، والصدقة به على فقراء المسلمين نصًّا (٧).
стр. 1084
قال أبو العباس (١): وفي سائر المصالح، وبناء مساكن لمستحقٍ، ريعه، وفضلة غلة، موقوف على معين استحقاقه مقدر، بتعيين إرصاده (٢)، ذكره أبو الحسين (٣).
واقتصر عليه الحارثي (٤).
وقال أبو العباس (٥): إن علم أن ريعه يفضل دائمًا، وجب صرفه؛ لأن بقاءه فساد، وإعطاؤه فوق ما قدره الواقف جائز؛ لأن تقديره لا يمنع استحقاقه، كغير مسجده، قال: ومثله وقف غيره، وكلام غيره معناه.
قال: ولا يجوز لغير الناظر صرف الفاضل، ومن صرف على ثغرٍ، فاختل صُرِف في ثغر مثله، وعلى قياسه مسجد، ورباط ونحوهما.
стр. 1085
وَنَصَّ (١) فيمن وقف على قنطرة، فانحرف الماء، أو انقطع يُرْصَدُ، لعله يرجع.
ويحرم حفر بئرٍ، وغرس شجرة في مسجدٍ، فإن فعل قلعت، وطمت نص عليهما (٢)، فإن لم تقلع فثمرتها لمساكين المسجد، ويتوجه جواز حفر بئرٍ فيه، إن كان فيه مصلحة، ولم يحصل به ضيق.
قال في الرعاية الكبرى: لم يكره أحمد ﵀ حفرها فيه (٣).
وإن كانت مغروسة/ [٢٢٦/ أ] فيه قبل بنايةٍ، ووقفها معه، فإن عين مصرفها عمل، وإلا فكوقفٍ منقطعٍ.
قال في الفروع (٤): «وإن بنى، أو غرس ناظر في وقفٍ، توجه أنه له، إن أشهد، وإلا للوقف، ويتوجه في أجنبيٍ للوقف بنيته» انتهى.
وقال المنُقِّح (٥): ولو غرس، أو بنى فيما هو وقفٌ عليه وحده فهو له محترمٌ، وإن كان شريكًا، وله النظر فقط فغير محترمٍ، وإن غرسه للوقف، أو من مال الوقف فوقف.
وإن أجر الوقف بدون أجرة مثله صح، وضمن النقص.
стр. 1086
باب الهبة والعطية
الهبة: تمليك الحي لغيره ما يصح بيعه، غير واجبٍ بغير عوضٍ، بما يعد هبةً عرفًا من لفظ هبة، وتمليك ونحوهما، وبمعاطاة، بفعل مقترنٍ بما يدل عليها، فتجهيز ابنته بجهازٍ إلى زوج، تمليكٌ، وتقدم (١).
وأنواعها: صدقة، وهدية (٢)، وهبة، ونِحْلَةٌ (٣)، ويستحب لله تعالى، وصلة رحمٍ، لا مباهاة، ورياءً، وسمعةً فيكره، ويعتبر أن تكون من جائز التصرف، ويصح بعقد، وتملك به أيضًا، ولو بمعاطاة، كما تقدم (٤)، وهي
стр. 1087
كبيعٍ في تراخي قبول، وتقدمه وغيرها، وإن شرط فيها عوضًا معلومًا صارت بيعًا، فيثبت فيها خيارٌ، وشفعة ونحوهما، وإن شرط ثوبًا مجهولاً لم تصح (١).
وتلزم بقبض، إن اعتبر، كقبض مبيعٍ لا قبله، إلا ما كان في يد متهبٍ، كوديعةٍ، وعاريةٍ فتلزم بعقدٍ، ولا تحتاج إلى مضي مدة يتأتى قبضه فيها.
وعنه (٢) يلزم في غير مكيلٍ، وموزونٍ، ومعدودٍ، ومذروعٍ بمجرد الهبة، ولا يصح إلا بإذن واهبٍ، ولواهبٍ الرجوع في إذن وهبةٍ قبل قبض.
ويبطل إذنٌ بموت أحدهما، ويقبض لطفلٍ أبٌ فقط من نفسه، فيقول: وهبت ولدي كذا، أو قبضته له إن كان مما يحتاج إلى قبض، ولا يحتاج إلى قبول، ولا يصح قبضه، ولا قبض مجنونٍ لنفسه، ولا قبوله، بل وليه يقوم مقامه/ [٢٢٦/ ب] فيهما، ثم وصى، ثم حاكمٌ أمينٌ يقوموه مقامهم، فإن لم يكن واحدٌ منهم، فيتوجه أن الأظهر صحة قبض ممن يلي أمرهما، من غير هؤلاء، ورحجه الشيخ (٣)، واختاره في الفائق.
وإن كان الواهب لهما أحد الثلاثة، وكل من يقبض، ويقبل هو، وإن مات واهبٌ قبل إقباض، ورجع، قام وارثه مقامه في إذنٍ، ورجوعٍ، وتبطل بموت متهبٍ قبل القبض.
стр. 1088
قال في المستوعب: لو وهب الغائب هبةً، وأنفذها مع رسول الموهب له، أو وكيله، ثم مات الواهب، أو الموهوب له قبل وصولها لزم حكمها، وكانت للموهوب له؛ لأن قبضها كقبضه.
ولو أنفذها الواهب مع رسول نفسه، ثم مات قبل وصولها إلى الموهوب له، أو مات الموهوب له بطلت، وكانت للواهب، أو ورثته؛ لعدم القبض، وكذا حكم هديةٍ نص على ذلك كله (١).
وإن أبرأ غريمٌ، غريمه من دينه، أو وهبه له، أو أحله منه، أو أسقطه عنه، أو تركه، أو ملَّكه له، أو تصدّق به عليه، أو عفا عنه صح، وبرأت ذمته، وإن رد ذلك ولولم يقبله نصًّا (٢)، أو اعتقد أنه لا شيء له عليه، أو قبل حلوله حتى ولو كان المبرأ منه مجهولاً، لكن لو جهله ربه، وكتمه المدين خوفًا من أنه لو علمه لم يبرئه، لم تصح البراءة.
ومن صور البراءة من المجهول: لو أبرأه من أحدهما، أو أبرأه أحدهما، قاله الحلواني، والحارثي، ويؤخذ بالبيان (٣).
والمذهب لا يصح مع إبهام المحل: كأبرأت أحد غرمائي (٤)، ولا تصح هبة الدَّين، لغير من هو في ذمته وتقدم (٥).
стр. 1089
وتصح هبة المشاع من شريكه، وغيره، منقولاً كان، أو غيره، فيقسم أولاً، ويعتبر لقبضه إذن شريكٍ، ويكون نصفه مقبوضًا تملكًا، ونصف الشريك أمانة، وإن أذن له في التصرف مجانًا، فكعارية، وإن كان بأجرةٍ، فكمأجورٍ، وهبةٍ/ [٢٢٧/ أ] جائز بيعه خاصة نصًّا (١)، وفي الكافي (٢) وغيره (٣): وكلبٌ، ونجاسةٌ يباح نفعهما.
قال المنُقِّح (٤): وهو قويٌ.
ولا تصح هبة مجهولٍ، إلا إن تعذر علمه فيصح، كصلحٍ، ولا هبة ما لا يقدر على تسليمه، ولا تعليقها على شرط مستقبل غير الموت، نحو إن متَّ بفتح التاء، فأنت في حلٍ، فإن ضم التاء صح، وكان وصيةً (٥).
ولا شرط ما ينافي مقتضاها، نحو ألا يبيعها، ولا يهبها ونحوه، وتصح هي، ولا يصح توقيتها، إلا في العمرى (٦) كقوله: أعمرتك هذه الدار، أو
стр. 1090
أرقبتكها، أو جعلتها لك عمرك، أو حياتك، أو عمرى، أو رقبى، أو ما بقيت، أو أعطيتكها، ويقبلها فتصح، وتكون للمعمر ولورثته من بعده، كتصريحه، فإن لم يكن له ورثة، فلبيت المال.
وإن شرط رجوعها بلفظٍ وغيره إلى المعمِر بكسر الميم عند موته، أو إليه إن مات قبل، أو إلى غيره، فهي الرُّقبى (١)، أو رجوعها مطلقًا، أو إلى ورثته، أو قال: لآخرنا موتًا صحّ العقد، ولم يصح الشرط، وتكون للمُعْمَر، ولورثته من بعده كالأول، ولا ترجع إلى المُعَمِّرِ والمُرَقِّبِ نصًّا (٢).
ولا يصح إعمار المنفعة، ولا إرقابها، فلو قال: سكنى هذه الدار لك عمرك، أو غلة هذا البستان، أو خدمة هذا العبد، أو منحتكه، فعارية نصًّا (٣)، له الرجوع فيها متى شاء في حياته، وبعد موته.
ويصح إعمار منقولٍ، وإرقابه من حيوانٍ، كعبدٍ، وجاريةٍ، ونحوهما، وغير حيوانٍ.
فصل
ويجب التعديل، حتى من الأم في عطية الأولاد، وغيرهم، ممن يرثه