باب الوديعة (١)
الوديعة: فعيلة بمعنى مفعولة من الوَدَعِ وهو الترك، فكأنما سميت وديعة أي: متروكة عند الْمُودَعِ، وهي اسمٌ للمال المودع.
والإيداع: توكيلٌ في حفظ مالٍ تبرعًا.
والاستيداع: توكل في حفظه كذلك بغير تصرفٍ.
فإن أذن المالك له فيه، ففعل صارت عاريةً مضمونةً، ويشترط فيها أركان وكالة (٢)، وتنفسخ بموتٍ، وجنونٍ، وعزل مع علمه كوكالة، وهي أمانة، لا ضمان عليه فيها (٣)، إلا أن يتعدى، وإن تلفت من بين ماله، لم
стр. 1017
يضمن، إلا أن يتعدى.
ويلزمه حفظها بنفسه، أو وكيله، أو من يحفظ ماله عادة، كزوجة، وعبد، في حرز مثلها عرفًا، كحرز سرقةٍ، فإن لم يحرزها في حرز مثلها، أو سعى بها إلى ظالمٍ، أو دل عليها لصًا فأخذها ضمنها.
وإن عيّن صاحبها حرزًا، فجعلها في دونه ضمن، سواء ردها إليه، أو لا.
وإن أحرزها بمثله، أو فوقه لم يضمن، ولو لغير حاجةٍ.
وإن نهاه عن إخراجها، فأخرجها؛ لغشيان شيء الغالب (١) منه الهلاك، ويلزمه إذًا، لم يضمن إن وضعها في حرز مثلها، أو فوقه، فإن تعذر، وأحرزها في دونه، فلا ضمان، وإلا ضمن، صرح به الشيخ وغيره (٢).
وإن تركها إذًا، ولم يخرجها فتلفت، ضمن، وإن أخرجها لغير خوفٍ ضمن.
فإن قال: لا تخرجها، وإن خفت عليها، لم يضمن، أخرجها، أم لا،/ [٢٠٩/ أ].
وإن أودعها بهيمة كانت، فلم يعلفها (٣) حتى ماتت ضمن، إلا أن
стр. 1018
ينهاه المالك عن علفها، فيحرم، ويضمن.
وإن أمره به لزمه، ومتى أودعه وأطلق، فتركها في جيبه، أو يده، أو شدها في كُمِّهِ (١)، أو عضده، أو ترك في كُمِّهِ، ثقيلاً بلا شدٍّ، أو تركها في وسطه، وأحرز عليه سراويل، لم يضمن.
وإن عين جيبه ضمن في كُمِّهِ، ويده، لا عكس.
وإن قال: اتركها في كمك، فتركها في جيبه لم يضمن، وإن تركها في يده، أو عكسه ضمن، كما لو جاءه بها في السوق، وأمره بحفظها ببيته، فتركها عنده إلى مضيه إلى منزله، وقيل: لا (٢).
قال في الفروع (٣): وهو أظهر.
وإن أودعه خاتمًا وقال: اجعله في البنصر، فجعله في الخنصر (٤) ضمن، لا عكسه.
وإن دفع الوديعة إلى من يحفظ ماله، أو مال ربها عادة، كزوجته، وعبده، وخادمه لم يضمن نصًّا (٥) كوكيل ربها.
стр. 1019
وإن دفعها إلى أجنبيٍ، أو حاكم؛ لعذرٍ لم يضمن، وإلا ضمن، ولمالكٍ مطالبة الثاني أيضًا، ويستقر عليه للضمان، إن كان عالمًا، وإلا فلا.
وإن أراد سفرًا، أو خاف عليها عنده، ردها على مالكها، أو من يحفظ ماله عادة، أو وكيله في قبضها إن كان، وإن لم يجد من يردها عليه منهم، حملها معه في سفره، ونصه مطلقًا (١)، إن كان أحفظ لها، ولم ينهه، ولا ضمان، وإلا فلا.
فإن لم يسافر بها دفعها إلى الحاكم، فإن تعذر ذلك، أودعها ثقة، أو دفنها، وأعلم بها ثقة يسكن تلك الدار، فيكون كإيداعه، فإن دفنها ولم يعلم بها أحدًا، أو أعلم بها من لا يسكن الدار ضمنها.
وحكم من حضرته الوفاة، حكم من أراد سفرًا في دفعها إلى الحاكم، أو ثقة، وإن تعدى فيها بانتفاعه، فركب الدابة لغير نفعها، ولبس الثوب، أو أخرجها لا لإصلاحها كإنفاقها،/ [٢٠٩/ ب] أو شهوة إلى رؤيتها، ثم ردها، أو كَسَرَ خَتْمَ كِيسِهَا، أو حله، أو جحدها، ثم أقر بها، أو منعها بعد طلب طالبها شرعًا، والتمكن، أو خلطها بما لا تتميز منه ولو في أحد عينين فيه (٢)، بطلت، وضمن، ولا تعود وديعة، إلا بعقدٍ جديدٍ، ووجب الرد فورًا، ومتى جدد استئمانًا، أو أبرأه برئ، ولا يضمن بمجرد نية التعدي إذا
стр. 1020
تلفت، وإن خلطها بمتميز، أو ركب الدابة؛ ليسقيها، أو خوفًا عليه من عبءٍ ونحوه، لم يضمن.
وإن أخذ درهمًا؛ لينفقه ونحوها، ثم رده، أو أبدله، أو أذن له في أخذه منها، ورد بدله غير متميزٍ فيضمن الجميع، كما لولم يدر أيهما ضاع نصًّا (١).
وإن اختلطت من غير فعله، ثم ضاع البعض جعل من مال المودع.
وإن أودعه صغير مميزًا، أو لا وديعة فتلفت ضمنها، ولم يبرأ، إلا بالتسليم إلى وليه، إلا أن يكون مأذونًا له، أو يخاف هلاكها معه، فيأخذها؛ لحفظها حسبة فلا، كالمال الضائع، والموجود في مهلكة إذا أخذه لذلك وتلف.
وإن أودع الصغير، والمجنون، أو السفيه وديعة، أو أعارهم شيئًا فأتلفوه، لم يضمنوا.
وفي السفيه وجه (٢) يضمن، كعبدٍ يضمنها في رقبته.
قال المنُقِّح (٣): وهو أظهر، ولا يضمن الكل تلفهما بتفريط.
فصل
وَالْمُودَعُ أمينٌ، والقول قوله مع يمينه فيما يدعيه، من ردٍ إلى ربها ولو
стр. 1021
على يد عبده، أو زوجته، أو خازنه، وكذا دعوى تلفٍ، إلا أن يدعيه بسببٍ ظاهرٍ، كحريقٍ، وغرقٍ، وغارةٍ ونحوه، فلا يقبل إلا ببينةٍ بوجود السبب وتقدم (١).
ويكفي في ثبوته الاستفاضة (٢)، ويقبل قول المودَع في الإذن في دفعها إلى إنسانٍ، وأنه دفع نصًّا (٣)، وما يدعي عليه من خيانةٍ، وتفريطٍ، ولا تقبل دعواه في الرد/ [٢١٠/ أ] إلى ورثة المالك، أو الحاكم، ولو منع المودع ربها منها، أو مطله، ثم ادعى تلفًا لم يقبل إلا ببينة.
ولو سلم وديعة كرهًا، أو صادره سلطانٌ لم يضمن، كما لو أخذها منه قهرًا، وإن سلم الوديعة إلى من يظنه صاحبها، فتبين خطؤه ضمنها؛ لتفريطه.
وإن قال: لم يودعني، ثم أقر بها، أو ثبتت ببينةٍ، فادعى ردًا، أو تلفًا سابقين لجحوده لم يقبل، وإن أقام به بينةً نصًّا (٤)، وإن كانت بعد جحوده، قبلت بهما، ويأتي (٥).
وإن قال مالكٌ: عندي شيءٌ قبل قوله في الرد، والتلف.
стр. 1022
ولو قال: لك وديعة، ثم ادعى ظن البقاء، ثم علم تلفها، لم يقبل قوله، ولو ادعى الرد إلى ربها، فأنكره، وورثته قبل قوله، كما لو كان ربها حيًا.
وإن مات المودَع، وادعى وارثه الرد لم يقبل، إلا ببينةٍ، ومن حصل في يده أمانة، فهي لصاحبها، كاللقطة.
ومن أطارت الريح إلى داره ثوبًا، وجبت المبادرة إلى رده، مع العلم بصاحبها، والتمكن منه، وكذا الوديعة، والمضاربة، والرهن ونحوها، إذا مات المرتهن، وانتقلت إلى وارثه؛ لزوال الائتمان، وكذا لو فسخ المالك عقد الائتمان.
وإن تلفت عنده، قبل إمكان ردها، لم يضمنها، وإلا ضمن، وإن أخر ردها بعد طلبها بلا عذرٍ ضمن، ويمهل لأكلٍ، ونومٍ، وهضم الطعام ونحوه بقدره، وكذا لو أمره بالرد إلى وكيله، فتمكن وأبى ضمن، طلبها الوكيل، أم لا.
ومثله من أخَّر دفع مالٍ أُمِرَ بدفعه بلا عذرٍ، ويعمل بخط أبيه على كيس ونحوه، هذا وديعة، أو لفلان نصًّا (١)، كخطه بدينٍ له فيحلف، وكذا بدينٍ عليه.
وإن ادعى الوديعة اثنان، فأقر بها لأحدهما، فهي له مع يمينه، ويحلف المودِع أيضًا للمدعي الآخر، فإن نكل لزمه بدلها له، وإن أقر بها لهما فهي لهما، ويحلف لكل واحدٍ منهما، فإن نكل لزمه بدل/ [٢١٠/ ب]
стр. 1023
نصفها، لكل واحدٍ منهما، ويلزم كل واحدٍ منهما الحلف لصاحبها.
وإن قال: هي لأحدهما، ولا أعرف عينه، فإن صدقاه، أو سكتا فلا يمين، ويقرع بينهما.
وإن كذباه، حلف أنه لا يعلم يمينًا واحدة، ويقرع بينهما، فمن قرع حلف، وأخذها، وقيل: (١) لا يمين على المودع، إلا أن يكون متهمًا.
قال الحارثي (٢): هذا المذهب، وتأتي تتمته (٣). وعلى الأول، إن نكل عنها حكم عليه، وألزم التعين.
فإن أبى، أجبر على القيمة، قاله في الفائق وغيره، فعليه تؤخذ القيمة، والعين فيقترعان عليها، أو يتفقان.
وإن أودعه اثنان مكيلاً، أو موزونًا ينقسم، فطلب أحدهما حقه؛ لغيبة شريكه، أو امتناعه، سلمه إليه (٤)، وإن غصبت الوديعة، فللمودع المطالبة بها، وكذا مضارب، ومرتهن، ومستأجر (٥).
стр. 1024
باب إحياء الموات (١)
وهي الأرض المنفكة عن الاختصاص (٢) وملك معصومٍ، فإن كان الموات لم يجر عليه ملك لأحد ولم يوجد فيه أثر عمارة، ملك بالإحياء نصًّا (٣).
وإن ملكها من له حرمة، أو شكّ فيه، فإن وَجَدَ، أو أحدًا من ورثته لم تملك بإحياء، وإن علم، ولم يُعْقِبْ لم تملك، وأقطعه إمام.
وإن كان قد ملك بإحياء، ثم ترك، حتى دثر، وعاد مواتًا، لم يملك بإحياء إذا كان لمعصوم، وإن علم ملكه لمعين غير معصومٍ، فإن كان بدار حربٍ، واندرس كان كمواتٍ أصليٍ يملكه مسلمٌ بإحياء.
وإن كان فيه أثر الملك، غير جاهلي، كالخَرِب (٤) التي ذهبت
стр. 1025
أنهارها، واندرست آثارها تملك بإحياء، وكذا إن كان جاهليًا قديمًا، أو قريبًا، أو تردد جريان الملك عليه.
ومن أحيا أرضًا ميتًا فهي له، مسلمًا كان، أو ذميًا، بإذن الإمام، وغير إذنه في دار الإسلام/ [٢١١/ أ] وغيرها، إلا موات الحرم، وعرفات، وموات العَنْوَة (١)، كغيره فيملك، ولا جناح عليه، إلا أن يكون ذميًا.
ولا يملك مسلمٌ ما أحياه من أرض كفارٍ، صولحوا على أنها لهم، ولنا الخراج عنها.
وما قرب من العامر وتعلق بمصالحه، كطرقه، وفنائه، ومسيل مياهه، ومرعاه، ومحتطبه، وحريمه ونحوه، لم يملك بالإحياء، ولم يجز للإمام إقطاعه، بل ما يتعلق بمصالحه.
ولا يملك معادن ظاهرة، وهي ما لا تفتقر إلى عملٍ، كملحٍ، وقارٍ، ونفطٍ، وكحلٍ، وجصٍ، وياقوتٍ، وماءٍ، وكبريتٍ، ومقاطع طين ونحوها، ولا باطنة ظهرت، أو لا، كحديدٍ ونحوه بإحياء، ولا ما تصب عنه الماء مما كان مملوكًا وغلبت عليه، ثم نضب عنه، بل هو باقٍ على ملك مالكه له أخذه نصًّا (٢).
стр. 1026
أما ما ينضب عنه الماء من الجزائر، وَالرَّقَاقِ (١) ممالم يكن مملوكًا، فلكل أحدٍ إحياؤه كمواتٍ، وليس للإقطاعي ظاهرة كانت، أو باطنة.
وقيل (٢): يجوز إقطاع الباطنة، قال المنُقِّح (٣): وهو أظهر.
فإن كان بقرب الساحل موضع، إذا حصل فيه الماء صار ملحًا ملكه بالإحياء، وللإمام إقطاعه.
وإذا ملك الْمُحْيَا، ملكه بما فيه من المعادن الجامدة، كمعادن الذهب، والفضة ونحوهما باطنةً كانت، أو ظاهرة تبعًا، وإن ظهر فيه عين ماءٍ، أو معدن جاز، أو كلأ، أو شجر فهو أحق به بغير عوضٍ، ولا يملكه.
وما فضل من مائه الذي في قرار العين، والبئر لزمه بذلُه لبهائمِ غيره، سواء اتصل بالمرعى، أو بَعُدَ عنه، إن لم يوجد ماء مباحًا، ولم يتضرر به، ويلزمه بذلُه؛ لزرعِ غيرهِ، مالم يؤذه بالدخول.
فإن آذاه، أو كان له فيه ماء السماء فيخاف عطشًا، فلا بأس أن يمنعه نصًّا (٤)، وكذا لو حازه في إناءٍ، وعند الأذى يوجه وجه الماشية إليه، فيجوز لرعاتها سوق فضل الماء إليها.
ولا يلزمه بذل آلة الاستقاء له، كالحبل، والدلو، والبكرة، وعند
стр. 1027
الضيق/ [٢١١/ ب] يقدم الحيوان، على الزرع.
وعنه (١) لا يلزمه بذل ذلك، فعليه آلة بيعه بكيلٍ، أو وزنٍ معلومٍ لا مقدرًا بمدةٍ معلومةٍ، ولا بالري، ولا جزافًا، قاله القاضي وغيره، واقتصر عليه في الفروع (٢).
قال المنُقِّح (٣): «لو قيل بالصحة إذا قدر بمدة، أو بالري، وله عادة لكان قويًا».
قال في المغني (٤): «وعلى كل حالٍ، لكل أحد أن يسقي من الماء الجاري؛ لشربه، وطهارته، وغسل ثيابه، وانتفاعه به في أشباه ذلك مما لا يورث فيه من غير إذن، إذا لم يدخل إليه في مكان محوط عليه، ولا يحل لصاحبه المنع من ذلك».
وقال الحارثي (٥): «للفضل الواجب بذله ما فضل عن شَفَتِهِ، وَشَفَةِ عِيَالِهِ، وعجينهم وطبيخهم، وطهارتهم، وغسل أثوابهم ونحو ذلك، وعن مواشيه، ومزارعه، وبساتينه».
قال الأثرم: «سمعت أبا عبد الله يسأل عن فضل الماء ما هو؟ قال: أن تسقي زرعك، وماشيتك، فما فضل بعد ذلك، فهو فضل الماء، فليس له
стр. 1028
أن يمنعه، نص على الزرع، والماشية»، فأما ما هو للشفعة ونحوه تنبيها، وما دونه مما يحتاج إليه قياسًا، وبهذا تقول الأئمة الثلاثة (١)؛ لمسيس الحاجة إلى هذه الأمور، انتهى.
فصل
وإحياء الأرض أن يحوزها بحائطٍ منيع نصًّا (٢)، سواء أرادها؛ لبناء، أو زرع، أو حظيرة غنم، وخشبٍ ونحوهما، ويجري لها ماء، إن كانت لا تزرع إلا به، أو يحفر فيها بئرًا، أو يغرس فيها شجرًا نصًّا (٣)، أو يمنع ماءً لا يمكن زرعها معه.
ولا يحصل الإحياء بمجرد الحرث، والزرع، وإن حفر بئرًا عاديّة (٤)، بتشديد الياء، وهي القديمة، ملك حريمها خمسين ذراعًا، وغير العادية خمسة وعشرين من كل جانبٍ فيهما (٥).
стр. 1029
وحريم (١) عينٍ، وقناة خمس مئة ذراعٍ نصًّا (٢).
وحريم نهرٍ من جانبيه ما يحتاج إليه؛ لطرح كِرَايَتِهِ (٣)، وطَريقِ شَاوِيهِ (٤) ونحوهما.
وحريم شجرةٍ، قدر مد أغصانها، وأرض لزرع ما تحتاجه لسقيها، وربط دوابها، وطرح سبخها ونحو ذلك.
وحريم دارٍ من موات حولها مطروح تراب، وكناسة، وثلج، وممرٍ إلى بابها.
ولا حريم لدارٍ محفوفة بملك الغير،/ [٢١٢/ أ] ويتصرف كل واحدٍ في ملكه، وينتفع به بحسب ما جرت به العادة، فإن تعدى، مُنِع.
ومن تحجر مواتًا، بأن حفر بئرًا، ولم يصل إلى مائها نصًّا (٥)، أو أدار حول الأرض ترابًا، أو أحجارًا، أو جدارًا صغيرًا، أو سبق إلى شجرٍ مباحٍ، كالزيتون، والخروب (٦) ونحوهما، ولم يركبه ونحو ذلك، أو أقطعه له إمامٌ،
стр. 1030
لم يملكه بذلك، وهو أحق به، ووارثه بعده، ومن ينقله إليه، وليس له بيعه، فإن لم يتم إحياؤه، وطالت المدة عرفًا، قيل له: إما أن تحييه، أو تتركه، إن حصل متشوف للإحياء لم يملكه في الأصح.
قال في الفروع (١): ويتوجه مثله، من ترك عن وظيفة لزيد هل (٢) بتقرر غيره.
قال المنُقِّح (٣): قال ابن أبي المجد (٤): لا يقرر غيره، فإن قرر هو، وإلا فهي للنازل.
وقال أبو العباس (٥): لا يتعين المنزول له، ويولى الناظر مستحقًا شرعًا.
وقال ابن القيم (٦): «ومن بيده أرض خراجيةٌ، فهو أحق بها بالخراج،
стр. 1031
كالمستأجر ويرثها ورثته كذلك، وليس للإمام أخذها منه، ودفعها إلى غيره، وإن ترك عنها، أو أثر بها فالمنزول له، والمورث أحق».
قال (١): وقريب منه ما صححه المصنف يعني صاحب الفروع وغيره، لو آثر شخصًا بمكانه في الجمعة، لم يكن لغيره سبقه إليه؛ لأنه أقامه مقامه في الاستحقاق أشبه من يحجر مواتًا، أو سبق إليه، وآثر به، وخالف ابن عقيل انتهى.
فمراد صاحب الفروع بالتنبيه المذكور، أنه لم يقم المنزول المذكور، إما لكونه قبل المقبول من المنزول له، أو قبل الإمضاء إذا كان النزول معلقًا بشرط الإمضاء ممن له ولاية ذلك، فإنه حينئذٍ يشبه المتحجر فيجري فيه ما فيه من الخلاف.
أما إذا تم النزول، إما بالقول، أو الإمضاء ووقع الموقع فليس لأحد التقرر، ولا التقرير فيه، وهو حينئذٍ شبيهٌ بالمتحجر إذا أحيا ما تحجره، وبالمؤثر بالمكان إذا صار فيه فإنه يدفع يد المحيي عما أحياه، ولا المؤثر يزال من المكان الذي أوثر به وصار فيه.
وكلام ابن أبي المجد لا يأباه، وكلام أبي العباس، مناطٌ بالأهلية فإذا لم يكن أهلاً/ [٢١٢/ ب] فلا يتعين، ومقتضاه أنه إذا كان أهلاً يتعين، ويستحقها دونه وهو أصح والله أعلم.
стр. 1032
فصل
وللإمام إقطاع الموات لمن يحييه، ولا يملكه بالإقطاع، بل يصير كالمتحجر الشارع في الإحياء كما تقدم (١).
وله إقطاع غير موات تمليكًا، وانتفاعًا؛ للمصالحة، قاله في الفروع (٢).
وقال الحارثي: يجوز الإقطاع من مال الجزية، كما في الإقطاع من مال الخراج.
وقال القاضي: لا يجوز أكثر من سنة، وهذا لا يصح انتهى.
والظاهر أن مرادهم بالمصلحة ابتداءً، ودوامًا، فلو كان ابتداؤه لمصلحةٍ، ثم في أثناء الحال فقدت، فللإمام استرجاعها، ويأتي كلام صاحب الفروع في نقض الإطلاق آخر الباب.
وله إقطاع الجلوس في الطرق الواسعة، ورحاب المساجد المتسعة، إن قيل إنها ليست منها، مالم يضيق على الناس فيحرم، ولا يملك ذلك بالإحياء، ويكون المقطع أحق بالجلوس فيها مالم يعد الإمام فيه، فإن لم يقطعها الإمام فلمن سبق إليها الجلوس فيها بغير إذنه، ويكون أحق بها ولو ليلاً مالم ينقل قماشه عنها.
وإن أطال الجلوس فيها أزيل، وإن أجلس غلامه، أو أجنبيًا؛ ليحفظ له المكان حتى يعود، فهو كما لو نزع المتاع فيه، وله أن يظل عن نفسه فيها
стр. 1033
بلا ضررٍ فيه من بلدته، وكسبًا، لا بناءً.
فإن سبق اثنان فأكثر إليها، وإلى خان مسبّلٍ، أو رباطٍ، أو مدرسةٍ، أو خَانِكَاة (١) ولم يتوقف فيها على تنزيل ناظر أقرع.
ومن سبق إلى معدنٍ مباحٍ، فهو أحق بما ينال منه، ولا يمنع ما دام آخذًا ولو طال.
وإن سبق اثنان فأكثر، وضاق المكان عن أحدهم جملة، أقرع كطريق، ومن سبق إلى ما ينبت في الجزاير، والزقاق.
وكل مواتٍ من الطَّرفَاء (٢)، والقصب وغير ذلك من النبات فهو من المباحات، من سبق إلى شيءٍ منه ملكه، ومن سبق إلى مباحٍ، كصيدٍ،/ [٢١٣/ أ] ولو سمكًا، وعنبر، وحطب، وثمرٍ، ولؤلؤ، ومرجان ونحوه، وما ينبذه الناس رغبةً عنه فهو أحق به.
وإن سبق إليه اثنان، قسم بينهما، وكذا لو سبق إلى ما ضاع من الناس مما لا تتبعه الهمة، ولقيطٍ، وما يسقط من الثلج، والمنِّ، وسائر المباحات، فإن رأى اللقطة واحدٌ، وسبق آخر إلى أخذها، فهي لمن سبق، فإن أمر أحدهما صاحبه بأخذها، فأخذها، فإن نواه لنفسه فهي له، وإلا فلمن أمره.
стр. 1034
وإذا كان الماء في نهرٍ غير مملوكٍ، كمياه الأمطار، والأنهر الصغار، وازدحم الناس فيه وتشاحوا، فلمن في أعلاه أن يبدأ فيسقي، ويحبس الماء حتى يصل إلى كعبه نصًّا (١)، ثم يرسل إلى من يليه كذلك إلى آخرهم، فإن لم يفضل عن الأَوَّل ماءً، ومن يليه شيءٌ، فلا شيء للباقين.
وإن كانت بعض أرض أحدهم مستفلة، وبعضها مستعلية، سقى كل واحدةٍ على حدتها، فإن استوى اثنان في القرب من أَوَّل النهر، اقتسما الماء على قدر الأرض إن أمكن، وإلا أقرع.
فإن كان الماء لا ينفضل عن أحدهما، سقى القارع بقدر حقه من الماء، ثم يتركه للآخر، وليس له أن يسقي بجميع الماء؛ لمساواة الآخر له، وإنما القرعة للتقدم، بخلاف الأعلى مع الأسفل، فإنه ليس للأسفل حقٌ، إلا في الفاضل على الأعلى.
وإن كانت أرض أحدهما أكثر من الآخر، قسم الماء بينهما على قدر الأرض، ولو احتاج الأعلى إلى الشرب ثانيًا قبل انتهاء سقي الأرض لم يكن له ذلك.
ومن سبق إلى قناةٍ لا مالك لها، وسبق آخر إلى بعض أفواهها من فوق، أو من أسفل فلكل واحدٍ منهما ما سبق إليه، ولمالك أرض منعه من الدخول بها، ولو كانت رسومها في أرضه، وأنه لا يملك تضييق مجرى قناة في أرضه خوف لصٍ؛ لأنه لصاحبها نصًّا (٢).
стр. 1035
وإن كان النهر كبيرًا، لا يحصل فيه تزاحمٌ، فلكل واحدٍ أن يسقي منه ما شاء، متى شاء، كيف شاء، فإن أراد إنسانٌ إحياء أرضه بسقيها منه ولو كان/ [٢١٣/ ب] أقرب إلى أَوَّل النهر لم يمنع، ما لم يضر بأهل الأرض الشاربة منه، ولا يسقي قبلهم، ولو أحيا سابقٌ في أسفله، ثم آخر فوقه، ثم ثالث فوق الثاني سقى المحيي أولاً، ثم الثاني، ثم الثالث.
ولو كان الماء بنهر مملوكٍ، كحفر نهرٍ صغيرٍ، سيق الماء إليه من نهرٍ كبيرٍ ملك، فلو كان لجماعةٍ فبينهم على حسب العمل، والنفقة، فإن لم يكفهم، وتراضوا على قسمةٍ جاز، وإلا قسمه حاكمٌ على قدر ملكهم، فما حصل لأحدهم في ساقيته تصرف فيه بما أحب.
وأما النهر المشترك فليس لأحدهم أن يتصرف فيه بذلك.
وفي الكافي (١): وليس لأحدهم فتح ساقيةٍ في جانب النهر قبل المقسم يأخذ حقه منها، ولا أن ينصب على حافتي النهر رحى تدور بالماء، ولا غير ذلك؛ لأن حريم النهر مشترك فلم يملك التصرف فيه بغير إذنهم.
ومن ترك دابة بمهلكةٍ، أو فلاةٍ؛ لعجزه عن علفها، وانقطاعها ملكها مستنقذها نصًّا (٢) ومتاعًا تركه عجزًا، ولا ما ألقي (٣) في البحر خوفًا من الغرق فيرجع آخذه بنفقةٍ واجبةٍ، وأجرة حمل متاعٍ نصًّا (٤).
стр. 1036
وللإمام أن يحمي أرض مواتٍ؛ لرعي دواب المسلمين، التي يقوم بحفظها من الصدقة، والجزية، ودواب الغزاة، والضعفاء وغير ذلك، مالم يضيق، وليس ذلك لغيره (١).
وما حماه النبي ﷺ ولو لنفسه، فليس لأحدٍ نقضه، ولولم يحتج إليه عن غير المرعى، ولا إحياؤه، فإن أحياه لم يملكه، وما حماه غيره من الأئمة، جاز لإمامٍ غيره نقضه، كهو (٢)،
وقيل (٣): لا يجوز، فعليه يملكه محييه، ومن أخذه مما حماه إمام عزر في ظاهر كلامهم؛ لمخالفته، وظاهره لا ضمان، قاله في الفروع (٤).
وقال أيضًا: ويتوجه في نقض إطلاقات الإمام الخلاف، يعني المذكور في نقض حماه، وفي كلام أبي العباس ﵀: إذا كان من أطلق له ممن يستحق تناولها؛ لحاجة مع دينه، أو لمنفعةٍ عامةٍ ونحوه جاز، ولم يجز مخالفته (٥).
стр. 1037
باب/ [٢١٤/ أ] الجعالة (١)
الجعالة: مشتقةٌ من الْجَعْلِ، وهو عوضهما، وهي شيءٌ معلومٌ، كأجرة، لا من مال محارب، فيصح مجهولاً، لمن يعمل له عملاً مباحًا (٢)، ولو مجهولاً على مدةٍ ولو مجهولة، سواء جعله لمعين بأن يقول من تصح إجارته: إن رددت عبدي فلك كذا، فلا يستحقه من رده سواه.
أو غير معينٍ بأن يقول: من رد لقطتي، أو من وجدها، أو بنى لي هذا الحائط، أو يقول: من رد عبدي، فله كذا، فيصح العقد، ويستحق الجعل، ولو كان أكثر من دينار، أو اثني عشر درهمًا، وإلا إن لم يكن أكثر فله ما قدره الشارع قطع به الحارثي.
قال المنُقِّح (٣): «وظاهر كلام غيره له الجعل فقط، وقدمه في الفروع» انتهى.
стр. 1038
فمن فعله بعد أن بلغه الجعل استحقه، كدينٍ، وفي أثنائه يستحق حصة تمامه، والجماعة تقسمه، فإن فاوت بينهم، فجعل لواحدٍ دينارًا، ولآخر اثنين، ولآخر ثلاثة، فردوه الثلاثة، فلكلٍ ثلث جعله.
وإن رده من دون المسافة المعينة فبالقسط، ومن أبعد منها، فله المسمى فقط، ذكره في التلخيص، واقتصر عليه في الرعاية (١)، والفروع (٢).
وإن قال: من رد عَبْدَيَّ فله كذا، فرد أحدهما، فله نصف الجعالة، ومن فعله قبل ذلك لم يستحقه، وحرم أخذه، سواء رده قبل بلوغ الجعل، أو بعده.
ويصح الجمع بين تقدير المدة، والعمل، ويصح على مدةٍ مجهولةٍ، وعملٍ مجهولٍ، إذا كان العوض معلومًا وتقدم (٣).
وهي عقدٌ جائزٌ، لكل واحدٍ فسخها، فمتى فسخها العامل لم يستحق شيئًا، وإن فسخها الجاعل بعد الشروع، فعليه للعامل أجرة عمله.
وإن اختلفا في أصل الجعل، فقول من ينفيه، وفي قدره، أو المسافة فقول جاعلٍ.
ومن عمل لغيره عملاً بغير جعلٍ، فلا شيء له، إن لم يكن معدًّا لأخذ الأجرة (٤)، فإن كان كذلك، وأذن له فله الأجرة وتقدم معناه في
стр. 1039
الإجارة (١)، إلا في تخليص متاع غيره من بحرٍ، أو فلاة نصًّا (٢)، ولو عبدًا فله أجرة مثله، وفي رد آبق من قنٍ، ومدبرٍ، وأم ولد، إن كان غير الإمام، فله ما قدره الشارع دينارًا، أو اثني عشر درهمًا.
وإن مات السيد، قبل وصول الْمُدَبَّرِ، وأم الولد عتقا، ولا شيء له، ويأخذ منه ما أنفق عليه في قوته، وعلى دابته ولولم يستأذن/ [٢١٤/ ب] المالك مع القدرة عليه حتى ولو هرب منه في طريقه مالم ينو التبرع، لكن لا جعل له، وذلك أمانة في يده، وله ذبح مأكولٍ خيف موته، ولا يضمن ما نقصه؛ لأنه إنقاذٌ له من التلف الْمُشْرِفِ عليه.
стр. 1040
باب اللقطة (١)
اللُقَطة بضم اللام، وفتح القاف، وسكونها لغةً: اسمٌ لما يلقط.
وهي مالٌ، أو مختص وما في معناه، لغير حربيٍ ونحو ذلك، (وهي ثلاثة أقسام: أحدها: ما لا تتبعه همة أوساط الناس كسوط وشسع ونحوه ورغيف وكسرة) (٢) فيملك بأخذه، وينتفع به نصًّا (٣) بلا تعريف، ولا يلزمه دفع بدله، إن وجد ربه، ولعل المراد، إذا تلف، فأما إن كان موجوداً، أو وجد ربه فيلزمه دفعه إليه، وكذا لو لقي كنَّاس، ومن في معناه، قطعًا صغارًا مفرقةً ولو كثرت (٤).
الثاني: الضَّوَالُّ الذي تمتنع من صغار السباع، مثل ثعلب، وذئبٍ، وابن آوى ونحوهما، إما؛ لكبر جثته (٥)، كإبلٍ، وبقرٍ نصًّا (٦)، وخيلٍ، وبغالٍ.
стр. 1041
وإما؛ لطيرانه، كطيور كلها، أو؛ لسرعةٍ، كظباء، ولِنَابه، ككلابٍ، وفهودٍ معلمةٍ، ومن الممتنع الحمر، وخالف الشيخ فيها (١).
قال المنُقِّح (٢): وهو أظهر.
فهذا القسم يحرم التقاطه، إلا الآبق، ولا يملك بتعريفه، قاله الشيخ (٣) وغيره.
وإن أنفق على أنه ملكه لشهر يرجع؛ لتعديه، لكن للإمام، أو نائبه، لا غيرهما، ولو بموضع مخوف، خلافًا للشيخ (٤) أخذه؛ ليحفظه لربه، ولا يلزمهما تعريفه، ولا تكفي فيه الصفة.
ومن أخذه ضمنه إن تلف، أو نقص، كغاصبٍ، وإن كتمه، ضمنه بقيمته مرتين نصًّا (٥)، فإن دفعه إلى إمامٍ، أو نائبه، أو أَمَرَاهُ برده إلى مكانه، زال عنه الضمان، وكذا من أخذ من نائمٍ، أو ساهٍ شيئًا لا يبرأ برده، بل بتسليمه لربه بعد انتباهه، أو لإمامٍ، أو نائبه.
ويجوز التقاط الصيود/ [٢١٥/ أ] المتوحشة، التي إذا تركت رجعت إلى
стр. 1042
الصحراء، بشرط عجز ربها عنها، قطع به الشيخ (١)، والحارثي، وظاهر ما قدمه في الفروع المنع (٢).
وأحجار الطواحين الكبيرة، والقدور الضخمة، والأخشاب الكبيرة ملحقة بإبل، قاله ابن عقيل، والشيخ، وجمعٌ (٣)، وظاهر كلامه في الفروع، وقطع به في الخشبة الكبيرة له التقاطه، ويجوز التقاط قن صغيرٍ، ذكرًا كان، أو أنثى، ولا يملك بالالتقاط.
قال القاضي (٤): هذا قياس المذهب.
وقال الشيخ (٥): لأنه محكومٌ بحريته.
الثالث: سائر الأموال كالأثمان، والمتاع، والغنم، والفصلان، والعجاجيل، والأفلا (٦)، فمن لا يأمن نفسه عليها، لا يجوز له أخذها، وتركها أفضل (٧).
стр. 1043
ومتى أخذها، ثم ردها إلى موضعها، أو فرط فيها ضمنها، إلا أن يكون ردها بإذن إمامٍ، أو نائبه ولو ممتنعًا، كما تقدم (١).
وهي على ثلاثة أضربٍ:
أحدها: حيوانٌ، فيلزمه فعل الأحظ من أكلها وعليه قيمتها، أو بيعها، وحفظ ثمنها لصاحبها، أو حفظها، والإنفاق عليها من ماله، ويرجع به مالم يتعد إن نوى الرجوع، وإلا فلا، فإن استوت الثلاثة خيِّر بينهما (٢).
قال الحلواني (٣): وأولى الأمور الحفظ مع الإنفاق، ثم البيع، وحفظ الثمن، ثم الأكل، وغرم القيمة.
الثاني: ما يخشى فساده، كطبيخٍ، وبطيخٍ ونحوهما، فيلزمه فعل الأحوط من أكله، وعليه قيمته وبيعه بلا حاكم، وحفظ ثمنه، فإن استويا خيِّر بينهما، وقيده جماعة بعد تعريفه بقدر ما لا يخاف معه فساده، ثم هو بالخيار، إلا أن يمكن تجفيفه (٤)، كالعنب، فيفعل ما يرى الحظ فيه لمالكه، وغرامة التجفيف منه، فيبيع بعضه في ذلك (٥).
стр. 1044
الثالث: سائر المال، فيلزمه الجميع، ويعرفه/ [٢١٥/ ب] نصًّا (١)، على الفور بالنداء عليه، في مجامع الناس، كالأسواق، والحمامات، وأبواب المساجد وقت الصلوات، ويكره فيها، حولاً كاملاً، نهارًا أسبوعًا، أو لكل يومٍ، ثم العادة.
وفي الرعاية (٢) وغيرها كل يومٍ مرةً أسبوعًا، ثم مرةً في كل أسبوعٍ من شهرٍ، ثم مرةً في كل شهرٍ، ولا يصفه بل يقول: من ضاع منه شيءٌ، أو نفقة، وأجرة المنادي على الملتقط نصًّا (٣)، ولا يرجع بها نصًّا (٤)، ولم يذكر الأكثر للحيوان تعريفًا (٥)، وَلَا تُعَرَّفُ كلاب، بل ينتفع بالمباح منها.
ولو أخر التعريف عن الحول الأَوَّل، أو بعضه مع إمكانه أثم، وسقط نصًّا (٦) كالتقاطه بنية تملكه، أولم يرد تعريفه، ولا يملكها بالتعريف بعده، وكذا لو تركه فيه عجزًا، كمريضٍ، ومحبوسٍ، أو نسيانًا، أو ضاعت فعرفها الثاني مع علمه بالأول، ولم يعلمه، أو أعلمه، وقصد بتعريفها لنفسه، لم
стр. 1045
يملكه، وليس خوفه أن يأخذها سلطانٌ جائرٌ، أو يطالبه بأكثر عذرًا في ترك تعريفها، فإن أخرلم يملكها، إلا بعده، ذكره أبو الخطاب (١) وغيره.
قال في الفروع (٢): والمراد والله أعلم، أنه ليس عذرًا حتى يملكها بلا تعريفٍ، ولهذا قالوا: يملكها بعده، فإن لم تعرف دخلت في ملك الملتقط، بعد الحول نصًّا (٣) حكمًا كالميراث، ولو عروضًا كأثمانٍ.
وعنه (٤) لا يملك غيرها، اختاره الأكثر، فعليها له الصدقة بها بشرط الضمان.
وعنه لا (٥) فيعرفها أبدًا، كما يحرم التقاطه، وله دفعها إلى حاكمٍ.
فصل
ولا يجوز له التصرف في اللقطة، حتى يعرف وِعَاءَهَا، وهو ظرفها كيسًا، أو غيره ـ وَوِكَاءَهَا ـ وهو الخيط الذي تشد به (٦) ـ وعِفَاصَهَا (٧) ـ وهو
стр. 1046
الشد، والعقد، قاله في المستوعب (١)، أي صفتها، وقدرها، وجنسها (٢).
ويسن ذلك عند وجدانها، وإشهاد عدلين عليها، لا على صفتها، فمتى جاء طالبها، فوصفها لزم دفعها إليه إن كانت/ [٢١٦/ أ] عنده بلا بينةٍ، ولا يمينٍ نصًّا (٣) ظن صدقه، أو لا، فإن وجدها قد خرجت عن الملتقط ببيعٍ، أو غيره بعد ملكها، فلا رجوع، وله بدلها، فإن صادفها ربها قد رجعت إليه بفسخٍ، أو غيره أخذها بنمائها المتصل.
فأما المنفصل قبل الحول، فلمالكها، أو بعده، لواجدها، ووارثٍ ملتقط كهو، في تعريفٍ وغيره.
وإن تلفت، أو نقصت، أو ضاعت نصًّا (٤) قبل الحول لم يضمنها إن لم يفرط؛ لأنها في يده أمانةٌ، وبعده يضمنها مطلقًا بقيمتها يوم عرف ربها سواءٌ تلفت بفعله، أو بغيره (٥).
وإن وصفها أحد مدعيين حلف، وأخذها، ومثله وصفه مغصوبًا،
стр. 1047
ومسروقًا يستحقه بالوصف، ذكره القاضي (١)، وأصحابه على قياس قوله: إذا اختلف المؤجر، والمستأجر في دفن
في الدار من وصفه فهو له، ولا يكفي تصديق عبدٍ ملتقطٍ لواصف، بل لا بد من بينةٍ بالتقاطه؛ لأن إقرار العبد، لا يصح فيما يتعلق برقبته.
وإن وصفاها معًا، أو وصفها الثاني قبل دفعها إلى الأَوَّل، أقرع بينهما، فمن قرع حلف وأخذها، وبعد دفعها لا شيء للواصف الثاني (٢).
ولا يجوز دفعها بغير وصفٍ، ولا بينةٍ ولو ظهر صدقه.
وإن أقام آخر بينة أنها له، أخذها من الواصف، فإن تلفت، وكان الدافع بإذن حاكم، أو قلنا بوجوب الدفع إليه لم يضمن (٣)، وإلا فلربها تضمين من شاء من الواصف، والدافع إليه، فإن ضمن الدافع، رجع على الواصف إن لم يعترف له بالملك، ومؤنة ردها على ربها.
وإن وجد في حيوان اشتراه نقدًا فلقطة لواجده، كما لو وجد صيدًا مخضوبًا، أو في عنقه حرز، وإن اصطاد سمكة، فوجد في بطنها درةً غير مثقوبة، فلصيادٍ نصًّا (٤).
فإن باعها غير عالمٍ بها لم يزل ملكه عنها، فترد إليه نصًّا (٥)، كما لو
стр. 1048
باع دارًا له فيها/ [٢١٦/ ب] مالٌ يعلم به.
ومن أُخِذَ متاعه، كثيابٍ في حمامٍ، أو أخذ مداسه، وترك بدله لم يأخذه نصًّا (١)، وهو لقطةً.
فصل
ولا فرق بين كون الملتقط غنيًا، أو فقيرًا مسلمًا، أو كافرًا عدلاً، أو فاسقًا يأمن نفسه عليها.
وإن وجدها صغير (٢)، أو سفيه، أو مجنون، قام وليه بتعريفها، فإذا عرفها فهو لواجدها، وإن تركها الولي بيد الصبي بعد علمه ضمنها، وإن تلفت بيد أحدهم، وفرَّط ضمنها، نص عليه في صبيٍ (٣) كإتلافه، وكعبدٍ.
وإن وجدها عبدٌ فله التقاطها، وتعريفها بلا إذن سيده، كاحتطابه، وله إعلام سيده العدل بها إن أمنه، وإلا لزم سترها عنه، ولسيده العدل أخذها منه، وتركها معه؛ ليعرفها إذا كان عدلاً، فإن أتلفها العبد، أو تلفت بتفريطه قبل الحول ففي رقبته (٤)، وبعده إن قلنا يملكها ففي ذمته، وإلا ففي رقبته، ومثله أم ولد، ومدبر، ومعلق عتقه بصفةٍ، ولقطة من بعضه حرٌ بينه وبين سيده، ولو كان بينهما مُهَايَأَة (٥).
وكذا حكم نادٍ، ومن كسبه لهبةٍ، وهدية، ووصية، وركازٍ ونحوه.
стр. 1049
باب اللَّقِيطِ
وهو الطفل لا يعرف نسبه، ولا رقه، نبذ، أو ضل، إلى سن التمييز.
وقيل (١): والمميز إلى البلوغ، وعليه الأكثر، والتقاطه فرض كفايةٍ.
ويستحب لِلْمُلْتَقِطِ الإشهاد عليه، وعلى ما معه، وهو حرٌ (٢).
قال المنُقِّح (٣): إلا أن يوجد بدار حربٍ كما يأتي (٤) انتهى، وفيه نظر إذا حل دار الحرب أحرارٌ، وإنما الرق يطرى عليهم، يُنفَق عليه من بيت المال، إن لم يكن معه ما ينفق عليه.
فإن تعذر، اقترض حاكمٌ على بيت المال.
فإن تعذر، فعلى من علم حاله الإنفاق مجانًا، فهي فرض كفايةٍ على عالمٍ به.
فإن تعذر، الإنفاق، فأنفق عليه ملتقطه بنية الرجوع، فنص أحمد ﵀ أنه يرجع بما أنفقه على بيت المال (٥)، ولعل المراد به/ [٢١٧/ أ] أمكن بعد
стр. 1050
تعذره، أو أنفق ابتداءً مع إمكان الإنفاق منه.
وقيل (١): يرجع على لقيط، وقدمه في الفروع (٢).
ويحكم بإسلامه، فتجري عليه أحكامه، إلا أن يوجد في بلد كفار حرب، ولا مسلم فيه، أو فيه مسلمٌ، كتاجرٍ، وأسيرٍ، فكافر، فإن كثر المسلمون فمسلمٌ.
وإن كان في دار الإسلام بلدٌ كل أهلها ذمة، فكافر، وإن كان فيه مسلمٌ، فمسلم، إن أمكن كونه منه.
وما وجد معه من فراشٍ تحته، أو ثياب، أو مالٍ في جيبه، أو تحت فراشه، أو حيوان مشدود بثيابه، أو كان مدفونًا تحته طريًا، أو مطروحًا قريبًا منه فهو له (٣).
وأولى الناس بحضانته، وحفظ ماله، واجده إن كان، أمينًا، عدلاً ولو ظاهرًا، حرًا، مكلفًا، رشيدًا، وقيل: يصح التقاط سفيه (٤)، وهو ظاهر ما قدمه في الفروع (٥).
قال المنُقِّح (٦): وهو أظهر.
стр. 1051
وله الإنفاق عليه مما وجد معه بغير إذن حاكمٍ، وإن كان فاسقًا، أو رقيقًا بلا إذن سيده مع وجود غيره، أو كافرًا، واللقيط مسلمًا، بل ذمي لذمي، أو بدويًا ينتقل في المواضع، أو وجده في الحضر، فأراد نقله إلى البادية لم يقر في يده.
وإن التقطه في البادية مقيم في حُلة، أو من يريد نقله إلى الحضر، أقر معه، وإن التقطه في الحضر من يريد نقله إلى بلدٍ آخر، ونقله من بلدٍ إلى قريةٍ، أو من محلةٍ إلى محلةٍ (١)، لم يقر بيده، مالم يكن البلد الذي كان فيه وبيئًا (٢)، كَغَور بَيْسَان (٣) ونحوه، قاله الحارثي (٤).
ويقدم موسرٌ، ومقيمٌ من أهل الحضانة، إذا التقطه على ضدهما، فإن تساويا، وتشاحا أقرع بينهما (٥).
فإن اختلفا في الملتقط منهما، قدم من له بينة، فإن كان لكل واحدٍ
стр. 1052
منهما بينة، قدم أسبقهما تاريخًا (١)، فإن اتحدتا تاريخًا، أو أطلقتا، أو أحديهما تعارضتا.
وإن لم يكن بينة، قدم صاحب اليد، مع يمينه، فإن كان في أيديهما، أقرع بينهما، فمن قرع سلم إليه مع يمينه (٢).
وإن لم يكن لهما يدٌ، ولا بينة، فوصفه أحدهما بعلامةٍ مستورةٍ في/ [٢١٧/ ب] جسده قدم، فإن وصفاه جميعًا، أقرع بينهما، ولا تخيير للصبي، ومن أسقط حقه منهما سقط.
فصل
وميراث اللقيط، وديته إن قتل، لبيت المال، وإن قتل عمدًا، فوليه الإمام إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية نصًّا (٣).
وإن قطع طرفه عمدًا، انتظر بلوغه، فيحبس الجاني، إلى أوان البلوغ مع رشده، إلا أن يكون فقيرًا مجنونًا، أو عاقلاً، فيجب على الإمام العفو على مالٍ ينفق عليه.
وإن ادعى الجاني عليه ما يوجب قودًا، أو قاذفه رقه، وكذبهما اللقيط بعد بلوغه، فالقول قول اللقيط.
وإن ادعى إنسانٌ أجنبي أن اللقيط، أو مجهول النسب غيره، مملوكه،
стр. 1053
وهو في يده صُدِّق مع يمينه، وإلا فلا، فلو شهدت له بينة باليد، أو الملك، أو أنها ولدته في ملكه، حكم له به، وإن ادعاه الملتقط لم يقبل إلا ببينة (١).
وإن كان المدعي بالغًا، عاقلاً فأنكر، فالقول قوله أنه حرٌ.
وإن أقر بالرق بعد بلوغه، فإن لم يتقدم إقراره تصرف، ولا إقرار بحرية، بل أقر بالرق جوابًا، أو ابتداء، لم يقبل إقراره، ولو صدقه المقر له، صححه الشيخ (٢)، وخالف صاحب المحرر (٣) فقط بقبول قوله.
وإن تقدم إقراره بالرق، تصرف ببيعٍ، أو شراء، أو تزويج، أو إصداق ونحوه، لم يقبل إقراره، كما لو تقدمه إقرارٌ بحرية.
وإن قال: إني كافرٌ، وقد حكمنا بإسلامه من طريق الظاهر تبعًا للدار لم يقبل قوله، وحكمه حكم المرتد، كما لو بلغ سنًا يصح إسلامه فيه، ونطق بالإسلام ثم قال: إني كافرٌ.
فصل
وإن أقر إنسانٌ مسلمٌ، أو ذميٌ يمكن كونه منه حرًا كان، أو رقيقًا، رجلاً كان، أو امرأةً، ولو أمة، حيًا كان اللقيط، أو ميتًا ألحق/ [٢١٨/ أ] به نصًّا (٤)، لا يلحق بزوج المرأة الْمُقِرَّةِ به، ولا بالرقيق في رقه، بدون بينة
стр. 1054
الفراش، كما لو استلحق رقيقًا، ويلحق الذمي نسبًا، لا دينًا إلا أن يقيم بينة أنه ولد على فراشه فيلحقه دينًا أيضًا.
وإن ادعاه اثنان، أو أكثر، لأحدهم بينة قدم بها، كما تقدم (١).
ولو كان في يد أحدهما، وأقاما بينة قدمت بينة خارج، وإن تساووا في البينة، أو عدمها عرض معهما على القافة (٢)، أو مع أقاربهما كالأخ، والأخت، والعمة، والخالة إن ماتا، فإن ألحقته بأحدهما لحق به، وإن ألحقته بهما لحق بهما، فيرث كلّا منهما إرث ولدٍ كاملاً، ويرثانه إرث أبٍ واحدٍ، وإن وصى له قبلا جميعًا، وإن حلف أحدهما، فله إرث أبٍ كامل، ونسبه ثابت من الميت نصًّا (٣)، ولأم أبويه مع أم أم نصف السدس، ولها نصفه.
وإن ادعاه أكثر من اثنين، فَأُلْحِقَ بِهِمْ لَحِقَ بِهِمْ، وإن كثروا، والحكم كما تقدم (٤).
وإن نفته القافة عنهم، أو أشكل عليهم، أو لم يوجد قافة ولو بعيدة فيذهبون إليها، أو اختلف قائفان، أو اثنان، وثلاثة، وإن اتفق اثنان، وخالف ثالث أخذ بهما نصًّا (٥)، ومثله بيطاران، وطبيبان في عيبٍ ولو رجعا.
стр. 1055
وإن وطئ اثنان امرأة بشبهةٍ، فأتت بولدٍ يمكن أن يكون منه، فادعى الزوج أنه من الواطئ أري القافة معهما، سواء ادعياه، أو جحداه، أو أحدهما، ولا يقبل قول القائف، إلا أن يكون
ذكرًا، عدلاً، مجربًا في الإصابة، ويكفي قائف واحد نصًّا (١)، وهو كحاكم، فيكفي مجرد خبره، وعنه (٢) يعتبر اثنان، ولفظ الشهادة منهما، اختاره جماعة (٣).