← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 797

الزبد في مصطلح الحديث

فضل الرحمن صافي

Полный текст (60 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين القائل في محكم التنزيل ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾. (١) والصلاة والسلام على رسوله الأمين سيدنا محمد القائل: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه"، (٢) وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فلما كانت السنة النبوية الشريفة هي المصدر الثاني في التشريع، لذا فقد اعتنى علماؤنا الأوائل خلفاً عن سلف بتصحيحها وتدقيقها وضبطها رواية ودراية، متناً وسنداً، وذلك خشية الوقوع فيما هو غير ثابت عن الشارع الحكيم، وأُلفت في ذلك المؤلفات المسماة بعلم المصطلح، وهذه المؤلفات فيها المطولات كتدريب الراوي للسيوطي، والألفية له، ومقدمة ابن الصلاح، وغيرها كثير، ومنها المختصرات وهي كثيرة أيضاً، منها على سبيل المثال: البيقونية وشروحها، ونخبة الفكر مع شرحها للحافظ ابن حجر

стр. 2

العسقلاني، وتيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان، وقد راعى المتأخرون ﵏ في هذه المختصرات التسهيل للطلاب، وخاصة طلاب المعاهد والجامعات، وهذه المنظومة التي بين أيدينا للشيخ عبد الرحمن بن الشيخ أبي بكر الملا مع شرحها للشيخ فضل الرحمن صافي، ويجد القارئ في هذه المنظومة جانباً من الاختصار غير المخل مع جزالة الألفاظ وسلامة الأسلوب، ويهذا من صفات العالم الرباني الذي يعلم تلاميذه مسائل العلم، صغيرها قبل كبيرها تدرجاً مع إدراك الطالب. فنجد أن مشايخنا الأحسائيين ﵏ كانت لهم عناية كبيرة بهذا العلم المنيف، وكان لهم حظ وافر في علم الرواية والدراية إلى أيامنا هذه ولله الحمد والمنة، وقد تركوا لنا تراثاً حديثياً ليكون أمانة في أعناقنا لنخرجه إلى النور فنستفيد ونفيد، ومما ترك لنا أولئك السادة الأسلاف في هذا العلم الشيء الكثير، ومنه على سبيل المثال: مختصر الإمام البخاري للعلامة الشيخ محمد بن عمر بن عبد الرحمن الملا. وأما الشيخ أبو بكر بن الشيخ محمد الملا فله مؤلفات كثيرة في هذا العلم، ومنها على سبيل المثال: شرح صحيح الإمام البخاري، وشرح شمائل الإمام الترمذي، والرد الفصيح على منكر العمل بالنص الصريح.

стр. 3

وأما الشيخ محمد بن سعيد العمير فله دعاء لختم صحيح الإمام البخاري. وأما الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ أبي بكر الملا فله منظومته المسماة "إلهام المغيث في أقسام الحديث"، والذي بين يديك شرح لها. وقد طلب مني الأخ مراد بن عبد الله الملا أن أقدم لهذا الكتاب، ولما لم يسعني مخالفته كتبت هذه الأسطر المختصرة نظراً لضيق المقام، راجياً من الله التوفيق وأن ينفع به طلاب العلم، ويجعل عملناً خالصاً لوجهه الكريم، إنه سميع مجيب. وأخيراً، نسأل الله تعالى أن يوفقنا للتعلم والتعليم، وخدمة التراث الإسلامي بما يليق بهذا الدين العظيم، ورحم الله شيخنا الناظم وأجزل له المثوبة والأجر، وجزى الله تعالى شارحها كل خير، وغفر لوالديه ونفع بعلومه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه أحمد بن الشيخ عبد الله بن الشيخ أبي بكر الملا غرة ربيع ثاني ١٤٢٦ هـ - الأحساء

стр. 4

ترجمة الناظم رحمه الله تعالى اسمه ونسبه: هو العلامة المحدث الفقيه الأديب الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ أبي بكر بن الشيخ عبد الله الملا. تنسب أسرة الملا إلى بيت الواعظ، الذي يرجع نسبه إلى الصحابي الجليل سيدنا عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁، كما أشار إلى ذلك العم الشيخ عبد الرحمن في مرثيته لوالده الجد الشيخ أبو بكر ﵏ بقوله: من قريش آباؤك الغر جاءوا … هم حماة العرين كهف النزيل لأبي بكر ينتمون ومن تيم … فروع تسلسلت من أصول نشأته: نشأ شيخنا الناظم ﵀ في بيت عرف بالتقوى والورع والصلاح، فقام والده بتربيته على مكارم الأخلاق، واجتهد عليه وعلى إخوته بتلقينهم القرآن الكريم، والقراءة والكتابة، والفقه، والأوراد النبوية، والعلوم الشرعية. وكان بيت الشيخ أبي بكر آنذاك مهبط الضيوف من علماء وفقراء وعابري سبيل، كما عرف عن والده إكرامهم والعناية بهم وتلبية حاجاتهم،

стр. 5

وتوفير المسكن والمطعم المناسب لهم، فكان لهذا الأمر وقع وأثر في تكوين شخصية الناظم رحمه الله تعالى. شيوخه: تتلمذ الناظم ﵀ على والده الشيخ أبي بكر فأخذ عنه القرآن الكريم، والقراءة والكتابة، والفقه وغيره، كما أخذ عن تلميذ والده العلامة الفقيه الشيخ محمد بن عبد اللطيف الملا، وأخذ النحو عن الشيخ عبد اللطيف الجعفري، والشيخ أحمد العلي العرفج، كما قرأ على العلامة الورع الشيخ عبد العزيز العلجي، وأخذ الفقه عن الشيخ محمد الحلبي الحنفي وهو من العلماء الذين وفدوا الأحساء زمن والده. ثم أرسله والده إلى مكة المكرمة ليكمل دراسته هناك فالتحق بالمدرسة الصولتية وتخرج منها، ولازم علماء الحرم المكي الذي كان عبارة عن جامعة مفتوحة يقصده أكابر علماء الأمة لينشروا علومهم، فأخذ عن العلماء الذين أدركهم في ذلك الوقت ثم رحل للمدينة المنورة فلازم فيها عدداً من مشاهير العلماء آنذاك، وفي هذا الوقت كان ﵀ لا يسمع بشيخ متفنن إلا لازمه وأخذ عنه، ومن أبرز شيوخه الذين تلقى عنهم خارج بلده الأحساء: العلامة المحدث الشيخ عمر حمدان المحرسي في الكتب الستة، والعلامة المحدث المجاهد السيد محمد عبد الحي الكتاني

стр. 6

في الحديث الشريف، والعلامة الفيه الشيخ حسين عبد الغني الحنفي، والعلامة الفقيه الأصولي الشيخ محمد يحيى أمان، كما قرأ على الشيخ الفقيه الصالح بهاء الدين الأفغاني، والعلامة المحدث الشيخ عبد الرؤوف المصري، وأخذ السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي عن العلامة السيد محمد العربي التباني، وقرأ على العلامة الشيخ محمد بن علي بن حسين المالكي في النحو، وأخذ عن السيد الشيخ عباس المالكي، وأخذ عن الشيخ أسعد المالكي. تلاميذه: لما كان لشيخنا الناظم رحمه الله تعالى إلماماً بالعلوم الشرعية والعربية ومتعلقاتهما جعل طلاب العلم يؤمونه للأخذ عنه والنيل من علومه والاتصال بأسانيده الحديثية التي تعتبر من أعلى الأسانيد وأرفعها وذلك بعد وفاة شيوخه وأقرانه، فالتف حوله جمع من طلبة العلم الشريف حينما كان مقيماً في مكة المكرمة، وعندما استقر في مسقط رأسه بلده الأحساء أصبح بيته مقصداً لطلاب العلم والعلماء ابتداء من الأحساء ونجد والحجاز حتى بقية الدول المجاورة، وكما ذكرنا أن إلمام الشيخ وتفننه في علوم شتى أضف إلى ذلك عنايته بالأدب وقرضه للشعر كل ذلك وغيره جعل للشيخ قبولاً ومكانة عند طلابه وزائريه، فكان

стр. 7

رحمه الله في تقريره للدرس كثير الشواهد بالشعر والنكت والطرائف المناسبة، لذلك كان مجلسه لا يمل وسامعه يصغي إليه ويستمتع بحديثه. مؤلفاته: ترك لنا الشيخ ﵀ عدة رسائل وفتاوى متنوعة في فنون عديدة، كما خلف لنا ديوان شعر، ومقطوعات نثرية ومقامات أدبية، وهي في طريقها للنور قريباً إن شاء الله بعناية سبطيه الشيخ مراد والشيخ رائد ابني عبد الله الملا. وفاته: توفي شيخنا الناظم رحمه الله تعالى مساء يوم السادس والعشرين من شهر شوال عام ١٤٢٩ هـ عن عمر يناهز ثماني وتسعين عاماً قضاها ﵀ في التعلم والتعليم ومنفعة المسلمين عن طريق الرقية الشرعية ومناصرة المظلومين ورد حقوقهم ومساعدة الفقراء والمحتاجين، ﵀ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وبارك له في ذريته وأهل بيته وتلاميذه وعموم المسلمين كل خير وعمل صالح. بقلم تلميذه وابن أخيه أحمد بن الشيخ عبد الله بن الشيخ أبي بكر الملا

стр. 8

مَتْنُ الأُرجوزَة "إلهام المغيث في أقسام الحديث " قال الناظم -رحمه الله تعالى: يَا سَائِلي عَنِ الحَدِيثِ مُرْتَقِبْ … أَقْسَامَهُ خُذْها بِنَظْمٍ مُقْتَرِبْ إنَّ الصَّحيحَ مَا سَنَدُهُ اتَّصَلْ … بِلَا شُذُوذٍ وَ بضَابِطَيْنَ دَلّْ وَالحَسَنُ المَعْرُوفُ دُونَ الأَوَّلِ … رجالُه لَا كَالصَّحِيحِ المُعْتَلِي أمَّا الضَّعيفُ فَهْوَ دُونَ الحَسَنِ … لِفَقْدِهِ شُرُوطَهُ فَاسْتَبِنِ وَمَا عُزِيْ (١) إِلَى النَّبِيِّ أَو نُسِبْ … فَذَا هُوَ المَرْفُوعُ فَاحْفَظْهُ تُصِبْ وَمَا عَلَى قَولِ الصَّحابيِّ قُصِرْ … فَذَا هُوَ المَوقُوفُ يَا ذَا المُبْتَصِرْ وَمَا بِإسْنَادٍ لَهُ قَدِ اتَّصَلْ … فَذَا هُوَ المَوصُولُ حَيْثُما حَصَلْ وَمُرْسَلٌ مَا التَّابِعِيُّ قَدْ رَفَعْ … كَقَوْلِهِ عَنِ النَّبِيِّ المُتَّبَعْ وَمَا أَتَى عَنْ تَابِعِ مَوْقُوفَا … فَذَاكَ مَقْطُوعٌ أَتَى مَعْرُوفَا وَمَا لِآحَادِ رُوَاتِهِ سَقَطْ … مُنْقَطِعٌ عَنِ الصَّحِيحِ قَدْ هَبَطْ

стр. 9

المُعْضَلُ السَّاقِطُ مِنْهُ اثْنَانِ … عَلَى التَّوَالي فَاتَّبِعْ بَيَاني وَمَا مِنَ الإِسْنَادِ أَوَّلاً حُذِفْ … مُعَلَّقٌ لَا وَسَطٌ بِذَا عُرِفْ وَمَنْ يَكُنْ لِشَيْخِهِ قَدْ أسْقَطَا … ذاَكَ مُدَلَّسٌ كَمَا قَدْ ضُبِطَا أمَّا الغَرِيبُ فَهْوَ مَا رَوَاهُ … فَرْدٌ مِنَ الرُّوَاةِ لَا سِوَاهُ وَمَنْ يَكُنْ قَدْ خَالَفَ الثَّقاتِ … حَديْثُهُ شَذَّ لَدَى الرُّوَاةِ وَالمُنْكَرُ الَّذِي لِمَتْنِهِ جُهِلْ … مِنْ غَيْرِ رَاوِيْهِ وَلَمْ يَكُنْ قُبِلْ وَمَا رُوِيْ (١) مِنْ أَوْجُهٍ مُخْتَلِفَهْ … عَنْ وَاحِدٍ مُضْطَرِبٌ فَلْتَعْرِفَهْ وَآخِرُ الأقسَامِ مَا كَانَ وُضِعْ … وَعَزْوُهُ إِلَى النَّبِيِّ قَدْ مُنِعْ وَنَاظِمُ الأَقْسَامِ لِلْبَيَانِ … هُوَ الفَقِيْرُ عَابِدُ الرَّحْمَنِ نَجْلُ أبي بِكْرِ الشَّهِيرِ ذِي الحَسَبْ مَنِ ارْتَقَى بِعِلْمِهِ أَعْلَى الرُّتَبْ عَلَيْهِ رَحْمَةُ الإلَهِ الخَالِقِ … الوَاسِعِ الرَّحْمَةِ لِلْخَلَائِقِ ثُمَّ صَلَاةُ اللهِ وَ السَّلَامُ … عَلَى الَّذِي ظلَّلَهُ الغَمَامُ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأَطْهَارِ … وَصَحْبِهِ مَشَارِقِ الأَنْوَارِ مَا نَزلَ الوَدْقُ مِنَ السَّحَابِ … وَمَا بَدَى البَدْرُ مِنَ الغِيَابِ

стр. 10

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الناظم ﵀. (١) يَا سَائِلي عَنِ الحَدِيثِ مُرْتَقِبْ … أَقْسَامَهُ خُذْها بِنَظْمٍ مُقْتَرِبْ (١) في هذا البيت ينادي الناظم ﵀ الشخص الذي سأله عن أنواع الحديث، ولعل هذا الشخص أحد طلابه ومريديه في تحصيل العلم، وأحد الملتزمين له، نفهم ذلك من أسلوب الخطاب. ومعنى البيت باختصار: أيها السائل الذي سألتني عن تعريف الحديث، وأنت تنتظر مني بيان أنواع الحديث، إذا اعرف وخذ بيان أنواع الحديث في نظم قريبٍ سهلٍ لا تجد في فهمه صعوبة. في هذا البيت جاء ذكر الحديث، وأود أن أذكر بإيجاز تعريف الحديث والسنة، ليتبين للقارئ الفرق بينهما، فبعون الله أقول: الحديث لغة: الجديد ضد القديم، كما يقال: فلان حديث عهد بالإسلام، وقد يطلق على الكلام، كما يقال: سمعتُ حديثك أي: كلامك، ويقال تحدث فلان، أي: تكلم. والحديث في مصطلح أهل الأثر: ما أضيف إلى رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، أو صفة خَلقية، أو خُلقية، ويطلق كثيراً على ما أضيف

стр. 11

إلى رسول الله ﷺ من قول. السنة في اللغة: الطريقة المسلوكة، ولها إطلاقات كثيرة، تارة تُطلق على ما عليه دليل من الكتاب أو السنة، أي: على الحكم الشرعي المأخوذ من الكتاب أو السنة، وتارة تطلق على ما يقابل البدعة. والسنة عند الفقهاء: ما ليس بواجب، وتطلق السنة على ما استقر عليه عمل الصحابة. والسنة في اصطلاح أهل الأثر: مرادف للحديث، أي: ما أضيف إلى رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، إلا أن السنة كثيراً ما تطلق على ما أضيف إلى رسول الله ﷺ من أفعال، وبذلك ظهر الفرق بين الحديث والسنة من حيث المعنى اللغوي والاصطلاحي حيث أن الحديث كثيراً ما يطلق على أقوال النبي ﷺ ، والسنة كثيراً ما تطلق على أعمال النبي ﷺ .

стр. 12

النوع الأول: الصحيح (٢) إنَّ الصَّحيحَ مَا سَنَدُهُ اتَّصَلْ … بِلَا شُذُوذٍ وَ بضَابِطَيْنَ دَلّْ (٢) بهذا البيت بدأ الشيخ الناظم ﵀ بيان أنواع الحديث، وجدير بالذكر أن الحديث بحسب مصطلحات أهل الحديث يتنوع إلى أنواع كثيرة، ولكل نوع مصطلح أو اسم خاص أطلق عليه علماء الحديث، ولا ينقسم الحديث في نفسه أو في حد ذاته إلا إلى ثلاثة أقسام: الصحيح، الحسن، الضعيف. ولا يُعدُ سائر الأنواع مثل: المرفوع، الموصول، الموقوف، المنقطع أقساماً للحديث، لأن كل قسم لا يجتمع مع قسيمه، فمثلاً الضعيف لا يجتمع مع الصحيح، فلا يصح أن نقول هذا الحديث صحيح وضعيف. وأما النوع فيجتمع مع نوعه الآخر، فيصح أن نقول: هذا الحديث مرفوع موصول، صحيح، إذاً ما يأتي ذكره في نظم الشيخ ﵀ وجعل الجنة مثواه- ذكر لنا في البيت الثاني من منظومته تعريف الحديث الصحيح، فقال: الصحيح، أي الحديث الصحيح: ما سنده اتصل، أي هو الحديث الذي اتصل سنده بلا شذوذ،

стр. 13

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أي: لا يكون متنه شاذاً وبضابطين دلَّ، أي: روي برواية ونقلِ رواةٍ عدول ضابطين، فقوله في آخر البيت: وبضابِطِينْ هو بصيغة الجمع المذكر السالم المجرور بالياء، فلا يُظن أنه مثنى. فتعريف الحديث الصحيح بالاختصار هو: "الحديث الذي اتصل سنَدُه بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير ولا علةٍ"، فبالنظر إلى تعريف الحديث الصحيح يتبين لنا أنه لا بد من وجود الشروط الخمسة التالية في حديث ما ليُسَمى حديثاً صحيحاً وهي: ١ - اتصال السند، ومعناه: أن كل راوٍ من رواته قد أخذه مباشرة عمّن فوقه، من أول السند إلى منتهاه. ٢ - عدالة الرواة، أي أن كل راوٍ من رواته اتصف بكونه مسلماً بالغاً عاقلاً، غير فاسق، وغير مخروم المروءة. ٣ - ضبط الرواة، أي: أن كل راوٍ من رواته يكون تام الضبط، إما ضبط الصدر أو ضبط الكتاب. ٤ - عدم الشذوذ، أي: بعد وجود الشروط الثلاثة المذكورة لا يكون متن الحديث شاذاً، والشذوذ: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه.

стр. 14

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ٥ - عدم العلة: أي: لا يكون الحديث معلولاً والمراد من العلة في هذا الشرط هو: السبب الخفي الغامض الذي يقدح في وجوده في صحة الحديث، ولا يُدرِكُه إلا الجهابذة والحذاق من المحدثين، ويبدو ظاهر السند والحديث سالماً من هذه العلة، فإذا اختل شرط واحد من هذه الشروط الخمسة (التي) لا يُسمَّى الحديث حينئذ حديثاً صحيحاً.

стр. 15

النوع الثاني: الحسن (٣) والحسن المعروف دون الأول … رجاله لا كالصحيح المعتلي (٣) ذكر الناظم ﵀ في هذا البيت تعريف القسم الثاني من أقسام الحديث، ألا وهو: الحديث الحسن، فقال ﵀: الحديث الحسن هو: الحديث الذي يكون معروفاً عند المحدثين، لكنه لم يصل إلى درجة الصحيح، ورجال إسناده لا تكون لهم درجة عالية كما هي لرجال درجة الصحيح، هذا هو معنى البيت في تعريف الحديث الحسن، ويمكننا أن نذكر تعريف الحديث الحسن بالاختصار: الحديث الحسن هو: الحديث الصحيح، إذا خف ضبط راويه، أي: قلَّ ضبطه، يعني: الحديث الحسن الذي يوجد فيه شروط الحديث الصحيح من اتصال السند، وعدالة الرواة، مع ضبطهم وخلوه من الشذوذ والعلة، ولكن رواته لا تبلغ في الضبط درجة رواة الصحيح.

стр. 16

النوع الثالث: الضعيف (٤) أما الضعيف، فهو دون الحسنِ … لفقده شروطه فاستَبِنِ (٤) ذكر الناظم ﵀ في هذا البيت تعريف القسم الثالث من أقسام الحديث، ألا وهو الحديث الضعيف، وقال ﵀: الحديث الضعيف هو الحديث: الذي يكون أدنى مرتبة من الحديث الصحيح، لعدم وجود شروط الحديث الحسن فيه، ونتذكر نحن أن شروط الحديث الصحيح والحسن خمسة: ١ - اتصال السند. ٢ - عدالة الرواة. ٣ - ضبط الرواة. ٤ - خلو الحديث من الشذوذ. ٥ - خُلُّوه من العلة الخفية. ٦ - وإذا فُقِدت هذه الشروط، أو واحد منها في حديثٍ ما ينزل درجة الحديث الضعيف، ثم للضعف مراتب، أدناها: أن يكون راويه سيُئ الحفظ، يعني: يوجد فيه الشروط الخمسة المذكورة سابقاً، لكن رواته أو واحد من رواته يكون سيئَ الحفظ، لا يستطيع أن يحفظ إلا بمحاولات وصعوبات كثيرة، وإذا حفظ ينساه سريعاً، وأعلى درجات الحديث الضعيف أن يكون راويه كذاباً وضَّاعاً، وهذا النوع من الراوي لا يُنظر إلى روايته ولا يُقبلُ كلامه البتَّة.

стр. 17

النوع الرابع: المرفوع (٥) وَمَا عُزِيْ إِلَى النَّبِيِّ أَو نُسِبْ … فَذَا هُوَ المَرْفُوعُ فَاحْفَظْهُ تُصِبْ (٥) ذكر الناظم -رحمة الله عليه- في هذا البيت نوعاً من أنواع الحديث، وهذا النوع عند المحدّثين يُسمَى: المرفوع، وتعريف المرفوع -كما ذكره الناظم ﵀: هو الحديث الذي عُزِيَ، أي: نُسِبَ إلى النبي ﷺ ، وفي آخر البيت طَلَبَ منَّا الناظم -رحمة الله عليه- بقوله: فاحفظه: أي احفظ تعريف الحديث المعروف كما ذكرتُ لك، وقوله: تُصِبْ: جواب الأمر، أي: إذا حفظت تعريف الحديث المرفوع وعرفتَه، تكون مصيباً في رأيك وقولك. اعلم أيها القارئ الكريم: أن الحديث المرفوع يصحّ أن يكون حديثاً صحيحاً، أو حديثاً حسناً، أو حديثاً ضعيفاً، يحتمل أن يكون ضعفه بسبب الإرسال- أي: حذف الصحابي - أو بسبب الانقطاع- أي: بإسقاط أحد الرواة من السند-، أو بسبب الإعضال، -أي: إسقاط الراويين المتتاليين من الإسناد-، أو بسبب الاضطراب، - أي: الاختلاف في الرواية عن الراوي الواحد في المتن أو السند-، دون وجود وجه الترجيح.

стр. 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وسنذكر - إن شاء الله - فيما بعد في آخر المنظومة مثالاً تطبيقياً لأنواع الحديث المذكورة في هذه المنظومة، فلتراجعه لترسيخ المعلومات لديك، ولكني أود أن أذكر في هذا المقام أنواع الحديث المرفوع مع الأمثلة، فأقول: الحديث المرفوع أربعة أنواع: الأول: المرفوع القولي، مثاله: أن يقول الصحابي أو غيره: قال الرسول ﷺ : كذا … الثاني: المرفوع الفعلي، مثاله: أن يقول الصحابي أو غيره: (فعل رسول الله ﷺ كذا … الثالث: المرفوع التقريري، مثاله: أن يقول الصحابي أو غيره: (فُعل بحضرة النبي ﷺ كذا، ولا يروي إنكاره لذلك الفعل). الرابع: المرفوع الوصفي، مثاله: أن يقول الصحابي أو غيره: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً).

стр. 19

النوع الخامس: الموقوف (٦) وما على قول الصحابي قصر … فذا هو الموقوف يا ذا المبتصر (٦) الناظم ﵀ ذكر في هذا البيت تعريف الحديث الموقوف، فقال: الحديث الذي يكون مقصوراً على قول الصحابي، فهو يسمى موقوفاً. وقول الناظم ﵀ في آخر البيت: يا ذا المبتصر، معناه: يا صاحب البصيرة انتبه واحفظ ما ذكرته لك من تعريف الحديث الموقوف. فبالاختصار نقول في تعريف الموقوف: هو ما نُسِب أو أُسند إلى صحابي أو جَمْعٍ من الصحابة، سواء كان ها المنسوب إليهم قولاً، أو فعلاً، أو تقريراً، وسواء كان السند إليهم متصلاً أو منقطعاً. مثال الموقوف القولي: قول الراوي: قال علي بن أبي طالب ﵁"حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله". مثال الموقوف الفعلي: قول الإمام البخاري: "أَمَّ ابنُ عباس وهو متيمّم". ومثال الموقوف التقريري: قول بعض التابعين-مثلاً-: "فعلت كذا أمام الصحابة، ولم يُنكر عليَّ".

стр. 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وجدير بالذكر أن بعض المحدثين -وبالأخصّ الخراسانيين*- يسمون الحديث الموقوف أثراً، والحديث المرفوع خبراً.

стр. 21

النوع السادس: الموصول (٧) وما بإسناد له قد اتصل … فذا هو الموصول حيثما حصل (٧) الناظم ﵀ يبين لنا في هذا البيت أنَّ الحديث الذي يكون له إسناد متّصل من الراوي إلى النبي ﷺ ، أو إلى الصحابي- يعني: لا يكون في إسناده انقطاع وإرسال، يسمَّى حديثاً موصولاً. إذاً يمكننا أن نقول: الحديث الموصول هو: الحديث الذي يكون إسناده متصلاً من أوله إلى آخره، أي: من أول الإسناد إلى آخر الإسناد، وهو النبي ﷺ أو الصحابي، مثلاً قال الإمام البخاري في صحيحه عندما روى أول حديث في كتابه: "حدثنا الحُمَيدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي: أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه"، فهذا الحديث يسمّى موصولاً؛ لاتصال إسناده من الإمام البخاري إلى النبي ﷺ "، بمعنى:

стр. 22

أن كل واحد من الرواة في السند سمع الحديث عن شيخه، وذلك من أول الإسناد إلى آخره، ثم بعد ذلك يجوز لنا أن نقول: إن الحديث الموصول يصح أن يكون حديثاً مرفوعاً، صحيحاً، أو حسناً لعدم التباين أو التناقض بين هذه الأنواع. والله أعلم بالصواب.

стр. 23

النوع السابع: المرسل (٨) ومرسل ما التابعي قد رفع … كقوله: عن النبي المُتَّبَع (٨) في هذا البيت من المنظومة نجد تعريف الحديث المرسل، فالمرسل في اللغة: اسم مفعول من أرسل يرسل إرسالاً، ومعنى أرسله، أي: أطلقه، وتركه. والمرسل في اصطلاح المحدثين كما ذكره الناظم ﵀ هو: الحديث الذي رفعه- أي: نسبه التابعي إلى النبي ﷺ مثلاً لو قال: سعيد بن المسيب، أو قتادة بن دعامة، أو محمد بن سيرين، أو الحسن البصري، وأمثالهم: قال النبي ﷺ ، أو عن النبي ﷺ أنه قال كذا، أو فعل كذا، أو أقرَّ كذا، فهذا الحديث يسمى مرسلاً، لأن التابعي ترك في الإسناد ذكر الصحابي، كأنه أطلق الإسناد من الاتصال. والحديث المرسل: حديث ضعيف عند المحدثين، لا يجوز الاحتجاج به، وأجاز الاحتجاج به بعض الفقهاء كالإمام أبي حنيفة، ومالك، وأحمد ﵏ بشرط أن يكون مرسل التابعي، والإمام الشافعي ﵀ يجيز الاحتجاج بمرسل كبار التابعين بشروط، وليس هذا مقام بسطها، لكن مرسل الصحابي حجة باتفاق جمهور المحدثين والفقهاء. ومرسل الصحابي هو: أن يسمع واحداً من صغار الصحابة، كابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير ﵃ مثلاً حديثاً عن أحد

стр. 24

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كبار الصحابة، ثم في أثناء الرواية ينسبه أو يرويه مباشرة عن النبي ﷺ ، فهذا النوع من الرواية يسمى مرسل الصحابي. والله الموفق.

стр. 25

النوع الثامن: المقطوع (٩) وما أتى عن تابع موقوفاً … فذاك مقطوعٌ أتى معروفاً (٩) وقد اصطلح المحدثون في فنون الحديث أن يسمّون قول التابعي أو فعله: حديثاً مقطوعاً، وقد ذكر الناظم ﵀ في هذا البيت تعريف الحديث المقطوع، فقال: ما أتى، أي: رُوي عن التابعي موقوفاً، أي: من قوله أو فعله، فهذا يسمّى مقطوعاً، هكذا اشتهر وعُرف في مصطلح المحدثين. والمقطوع من أنواع الحديث الضعيف، لا يجوز الاحتجاج به عند أهل العلم. والله الموفق.

стр. 26

النوع التاسع: الحديث المنقطع (١٠) وما لآحاد رواته سقط … منقطع عن الصحيح قد هبط (١٠) في هذا البيت من المنظومة ورد تعريف المنقطع، وهذا المصطلح عند المحدثين مورده إسناد الحديث، فالانقطاع: وصف الإسناد، لا المتن، لكن متن الحديث قد يوصف بالمنقطع أيضاً، وذلك باعتبار إسناده. الحديث المنقطع --ما ذكره الناظم ﵀ هو: الحديث الذي سقط من إسناده راوٍ واحد، سواء كان في موضع أو في موضعين متفرقين، لأنه لو وقع الانقطاع في موضعين متتاليين يسمَّى معضلاً. وقول الناظم --ليه الرحمة-: عن الصحيح قط هبط، يعني: أن الحديث المنقطع قد هبط -أي: نزل- عن مرتبة الحديث الصحيح، إذاً الحديث المنقطع حديث ضعيف، لا يجوز الاجتجاج به، والله الموفق للصواب.

стр. 27

النوع العاشر: الحديث المعضل (١١) والمعضل: الساقط منه اثنان … على التوالي فاتّبع بياني (١١) الناظم ﵀ ذكر في هذا البيت تعريف نوع من أنواع الحديث الضعيف، ألا وهو: الحديث المعضل، فقال: الحديث المعضل هو: الحديث الضعيف، ألا وهو: الحديث المعضل، فقال: "الحديث المعضل هو: الحديث الذي سقط من إسناده راويان على التوالي، أي: متواليين"، ثم طلب من القارئ لهذه المنظومة أن يتّبع بيانه، أي: يقبل قوله في تعريف المعضل؛ لأنه لا تعريف له غير ما ذكر. نريد أن نوضح معنى المعضل بذكر مثال: "القعنبي عن مالك: أنه بلغه أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يُكلف من العمل إلا ما يطيق"، هذا الحديث إسناده معضل، لأنه سقط من إسناده اثنان متواليان بين الإمام مالك ﵀ وأبي هريرة ﵁ .. الحديث إلى آخره. قيل لهذا النوع من الإسناد: معضل؛ لأن معضل اسم مفعول من أعضل، أي: أعياه وأتعبه، كأن الراوي إذا أسقط من الإسناد راويين أعياه، يعني: صار متعباً وضعيفاً، لا يتحمّل إسناد الحديث واتكائه عليه.

стр. 28

النوع الحادي عشر: المعلق (١٢) وما من الإسناد أولاً حذف … معلق لا وسط بذا عُرف (١٢) معنى البيت: الحديث الذي حُذف من أول إسناده رواةٌ يسمّى معلقاً، وأما إذا حذف من وسطه فلا يسمّى معلقاً، هذا هو المعروف بين المحدثين. أهـ. أقول: معلّقات الإمام البخاري معروفة، وهي ما ذكرها بدون إسناد ترجمة الباب، أو في ترجمة الباب قبل البدء برواية الحديث مسنداً، فمثلاً في صحيح البخاري ﵀ في كتاب المساقاة، باب رقم (١٧) أي: "باب الرجل يكون له ممرٌ أو شربٌ في حائط أو نخلِ"، هذه الجملة تسمّى ترجمة الباب، وبعد هذه الجملة قال الإمام البخاري: "قال النبي ﷺ : من باع نخلاً بعد أن تؤبر، فثمرتها للبائع … إلخ"، فقول الإمام البخاري: "قال النبي ﷺ … إلخ" يسمّى معلقاً، لأنه حذف إسناد الحديث من أوّله. الإمام البخاري بعد ذكر هذا المعلّق روى حديثاً مسنداً، وفي آخر الحديث قال: "وعن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عُمر في العبد"، هذه الرواية أيضاً من المعلقات، لأن الإمام البخاري حذف سنده إلى الإمام مالك ﵀.

стр. 29

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والمعلقات في غير صحيح البخاري من نوع الحديث الضعيف، وقد تتبع المحدّثون المعلقات في صحيح البخاري فوجدوا غالبيتها مسندةَ من قبيل الصحاح والحسان. والله الموفق.

стр. 30

النوع الثاني عشر: المدلس (١٣) ومن يكن لشيخه قد أسقطا … ذلك مدلس كما قد ضُبِطا (١٣) معنى البيت: إذا أسقط الراوي اسم شيخه الذي سمع منه الحديث عند رواية الحديث، يعني: لم يذكره، بل يذكر مَن فوقه، فهو يسمّى: المدلّس-بكسر اللام، اسم الفاعل- وحديثه الذي رواه بغير ذكر اسم شيخه يسمَّى: المدلَّس -بفتح اللام، اسم مفعول- وعمله هذا يسمَّى: التدليس. التدليس لغة: كتمان عين السلعة عن المشتري، وأصل التدليس مشتق من الدلس، وهو الظلمة، أو اختلاط الظلام، فكأ، المدّلس -بكسر اللام- أظلم وأخفى أمر الحديث على من يسمعه، فصار الحديث: مدلَّساً -بفتح اللام-. والتدليس في الاصطلاح: إخفاء عيب في الإسناد، وتحسين لظاهره. ثم التدليس نوعان: النوع الأول: تدليس الإسناد ، وهو: الذي ذكر تعريفه الناظم ﵀ في هذا البيت، وبيّنا معناه سابقاً، ونزيد هنا ممثلين صورة هذا النوع من التدليس، فنقول: فَرضاً راوٍ اسمه عليّ، عاش مع شيخ باسم: محمد في عصر واحدٍ، ولقيه وسمع منه أحاديث، ثم سمع شخصاً آخر اسمه: سليمان، يروي عن شيخه: محمد، فكتب عنه حديثاً، فإن روى عليُّ الحديث المذكور عن سليمان، عن محمد، يكون إسناده موصولاً، وأما إذا

стр. 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كان رواه عن محمد مباشرة بلفظ: قال، أو: عن، موهماً أنه سمعه منه، وحذف شيخه، سليمان، فقد دلَّس بهذا العمل تدليس الإسناد، لأنه حذف شيخه الذي سمع منه الحديث وكتب عنه، ونسبه لشيخٍ فوقه بلفظ يحتمل سماع الحديث المذكور عنه، ويحتمل عدم السماع. النوع الثاني: تدليس الشيوخ ، وهو: إخفاء الراوي أمر شيخه عن السامع، بأن يذكره عند الرواية باسم وكنية له غير معروفين، مثلاً: الإمام البخاري ﵀ معروف لدى الجميع باسم: أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وقد جاء في سلسلة نسبه: ابن بردزبه الجعفي -يسمَّى هذا الراوي مدلِّساً، لأنه ذكر شيخه باسم غير معروف، فكأنه أراد أن يستره، ويخفيه عن الناس، لئلا يعرفوه. حكم التدليس والمدِّلس: التدليس مكروه عند المحدثين وتشتد كراهيته إذا كان الغرض منه إخفاء حال الراوي الضعيف. ومن المحدثين من قال: التدليس أخو الكذب، المَّدلس ضعيف إذا كان غرضه سيئاً، والرواية التي فيها التدليس غير مقبولة، ولكن المدلس

стр. 32

إذا روى حديثاً آخر بدون التدليس، وصرَّح السماع به تقبل روايته.

стр. 33

النوع الثالث عشر: الغريب (١٤) أما الغريب فهو ما رواه … فردٌ من الرواة لا سواه (١٤) أراد الناظم ﵀ أن يُبين لنا في هذا البيت من منظومته تعريف الحديث الغريب، فقال: أمَّا الغريب -يعني الحديث الذي يوصف بالغريب- هو: الحديث الذي رواه راوٍ واحد فقط. يعني: لا يكون له إلا راوٍ واحدٍ، وإن كان مشهوراً في ألسِنَة الناس، فمثلاً: حديث "إنما الأعمال بالنيات" يسمّى حديثاً غريباً؛ لأنه لم يَرْوِه من الصحابة: إلا عمر ﵁، ولم يَرْوِه عن عمر ﵁ إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولم يروع عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يروه عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم رواه عن يحيى بن سعيد بمئات من الناس، والحديث غريب له راوٍ واحدٍ في طبقة الصحابة، والتابعين، وتبعهم، ولهذا لا يجوز أن يكون الحديث غريباً صحيحاً، أو حسناً موصولاً، مرفوعاً أو موقوفاً. والله أعلم بالصواب.

стр. 34

النوع الرابع عشر: الحديث الشاذ (١٥) ومن يكن قد خالف الثقات … حديثه شُذَّ لدى الرواة (١٥) أراد الناظم -رحمة الله عليه- في هذا البيت تعريف الحديث الشاذ، فقال: إذا خالف راوي الحديث الثقات فحديثه يسمّى شاذاً عند المحدثين، يعني: عدد من الرواة ثقات -مثلاً- رووا حديثاً عن أبي هريرة ﵁ وقام راوٍ واحد، وهو ثقة، رواه عن ابن عمر ﵁ فروايته هذه تسمّى رواية شاذّة، وكذا إن اتفق عدد من ثقات الرواة في لفظ الحديث، وقام راوِ آخر وهو ثقة خالفهم في اللفظ، فحديثه يسمّى شاذّاً.

стр. 35

النوع الخامس عشر: الحديث المنكر (١٦) والمنكر الذي لِمتنه جُهِل … من غير راويه ولم يكن قُبِل (١٦) ذكر الناظم ﵀ في هذا البيت تعريف الحديث المنكر. والمنكر: اسم مفعول من باب الإنكار، ونحن نعلم أن الإنكار مبدَؤُه الجَهْلُ، إذا لا يجهل شخصٌ شيئاً إلا ينكره، فلأجل ذلك قال الناظم ﵀ في تعريف الحديث المنكر: هو الحديث الذي يكون متنه مجهولاً عند الرواة، لا يعرفه غير الذي رواه، وهناك وصف آخر للراوي الذي تكون روايته من المنكرات؛ ذكر في كتب المصطلح، ألا وهو: الضعف، الضعف الذي جعل تفرّده بالرواية غير مقبولة، فإذا كان الراوي ضعيفاً وتفرّد برواية حديثٍ مّا، خالف فيه الثقات، يقال لحديثه: منكر، وسبق أن ذكرنا في تعريف الحديث الشاذّ أن الراوي إذا كان ثقة وخالف الثقات يسمّى حديثه شاذّاً، وهذا هو الفرق بين الشاذّ والمنكر، ويلاحظ: أن الحديث الذي يكون مقابل الشاذ أو المنكر يسمّى مرفوعاً ومحفوظاً. والله أعلم.

стр. 36

النوع السادس عشر: المضطرب (١٧) وما روي من أوجه مختلفة عن واحد مضطرب فلتعرفه (١٧) هذا هو تعريف الحديث المضطرب، الحديث المضطرب -كما عرفه الناظم- رحمة الله عليه - هو: الحديث الذي يرويه عدد من الرواة عن شيخ واحد، ولكن يختلفون في روايتهم إما في إسناد الحديث، أو في متن الحديث، ولا يمكن الترجيح بين وجوه الاختلاف. وقول الناظم ﵀: فلتعرفه، فعل مضارع للمخاطب مبدوءٌ بفاء التعقيب ولام الأمر، يأمرنا الناظم -عليه سحائب الرحمة- بأن نعرف ونحفظ تعريف الحديث المضطرب كما ذكره. وأنا أضرب لذلك مثالاً؛ للإيضاح: ثلاث من الرواة رووا عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ حديثاً رواه واحد منهم، متصلاً مرفوعاً حيث قال: عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، ورواه الثاني موقوفاً، حيث قال: عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁، ورواه الثالث مرسلاً، حيث قال: عن سعيد بن المسيب، عن النبي ﷺ ، ولا نستطيع أن نرجح رواية واحد منهم على الآخَرِين، لأنهم من حيث القوة والعدالة في درجة واحدة. فنسمي اختلافهم هذا على سعيد بن المسيب: اضطراباً في الإسناد، ولو اختلفوا في لفظ الحديث نسمّيه: اضطراباً في المتن، والله أعلم.

стр. 37

النوع السابع عشر: الموضوع (١٨) وآخر الأقسام ما كان وُضع وعزوه إلى النبي قد مُنِع (١٨) يعني: آخر أنواع الحديث هو الحديث الذي كان موضوعاً. والحديث الموضوع هو: الكلام الذي نسبه أحد الرواة إلى النبي ﷺ كذباً وافتراءً، ثم بين الناظم ﵀ في الشطر الثاني من البيت حكم الحديث الموضوع بقوله: (وعزوه إلى النبي قد مُنِع)، يعني: نسبة الحديث الموضوع إلى النبي ﷺ ممنوع ومحرم عند علماء المسلمين. قول الناظم - رحمة الله عليه -: (وآخر الأقسام) لا شك أنه يريد آخر الأقسام المذكورة في هذه المنظومة، والمراد بالأقسام الأنواع، فلعله ﵀ ذكر في هذه المنظومة أنواع الحديث وعلومه. الأنواع التي رآها مهمة لطالب علم الحديث المبتدئ، وترك الباقي لأنها لا تدور على ألسنة طلاب الحديث كثيراً، فذكر الناظم - رحمة الله عليه - في هذه المنظومة (١٧) سبعة عشر نوعاً من أنواع الحديث وعلومه؛ ولا شك في أنّ ما ذكره هي الأنواع المهمة، ويحتاج الطالب لمعرفتها عند دراسته لكتب الحديث. وها أنا أذكر عناوين الأنواع الباقية مع بيان معانيها بالإيجاز إتماماً للفائدة، فأقول:

стр. 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [النوع] الثامن عشر من أنوع الحديث وعلومه: معرفة المسند: المسند من الحديث هو: الحديث الذي رُويَ بالإسناد، مثلاً: إذا قلنا: قال النبي ﷺ : "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" هذا يسمّى حديثاً، ولكنه ليس مسنداً، أما إذا قلنا: عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال النبي ﷺ ؛ فحينئذٍ يسمّى مسنداً. النوع التاسع عشر من أنواع الحديث وعلومه: المُدْرَجُ المدرج اسم مفعول من الإدراج، ومعناه: الإدخال، فإذا أدرج الراوي من عنده كلاماً في إسناد الحديث أو متنه يسمّى الحديث مدرَجاً -بفتح الراء- فمثلاً: إذا كان سند الحديث: عن قتادة عن أنس قال: قال النبي ﷺ … فجاء الراوي وزاد من عنده: (عن قتادة بن دعامة، عن أنس)، يعني: ذكر اسم والد قتادة، فعمله هذا يسمى: إدراجاً، والسند: مدرجاً. جاء في الحديث رواه الإمام البخاري: «كان النبي ﷺ يتحنث في غار حراء". ذكر الراوي من عنده تفسير التحنث، وقال: هو تعبد الليالي ذوات العدد، فهذا يسمَى: المدرج في المتن.

стр. 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . النوع العشرون: المقلوب المقلوب من الحديث إما أن يكون متناً، أو إسناداً، فإن رؤى أحد من الرواة حديثاً، وجعل آخر المتن أوله، وأوله آخره، فهذا يسمى: مقلوباً في المتن، أما إن جعل إسناد حديث لحديث آخر وإسناد الحديث الثاني للأول فيسمى: مقلوب الإسناد -إن كان قصد الراوي في قلب الأحاديث التعمية والتجهيل للسامعين، فهو عمل قبيح- محرم يقدح في روايته، وإن كان قصده الاختبار ثم بَّين الصحيح وأرجع الحديث إلى أصل لفظه وسنده، فهذا لا بأس به. النوع الحادي والعشرون: المفرد المفرد في معرفة الأفراد، والمقصود منه تفرد الراوي برواية حديث عن شيخ، ولم يروه الآخرون عنه، وإذا تفرد أهل مدينة من المدن برواية حديث يسمّى أيضاً: من الأفراد، فيقال مثلاً: تفرد به أهل مكة، أو أهل المدينة، أو أهل الكوفة وهكذا. والفرق بين الفرد والغريب: أن الغريب ما لم يكن له إلا راوٍ واحد، والفرد يحتمل أن يكون له أكثر من راوٍ، فكل غريب فردٌ، وليس كل فرد غريباً.

стр. 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . النوع الثاني والعشرون: زيادة الثقة يعني: روى عدد من الرواة الثقات حديثاً وعند واحد منهم زيادة، إما في المتن أو في الإسناد لا توجد عند أصحابه، فهل تقبل منه هذه الزيادة أم لا؟ اختلف المحدثون في ذلك، منهم من قبلها على الإطلاق ومنهم من ردها على الإطلاق، ومنهم من ذكر فيها التفصيل، والبسط في هذه المسألة في كتب المصطلح. النوع الثالث والعشرون: الحديث المعلل وهو الحديث الذي توجد فيه علة خفية لا يكشفها إلا الجهابذة والنقاد من المحدثين، فإذا انكشفت العلة يسمَّى بعد ذلك باسم العلة، إما مرسل، أو منقطع، أو معضل، وهكذا. النوع الرابع والعشرون: في معرفة من تقبل روايته، ومن لا تقبل؟ وبيان الجرح والتعديل وفي هذا النوع مسائل كثيرة بسطها وتفصيلها في كتب المصطلح، ونحن نقول هنا بالاختصار: المقبول روايته هو: الراوي الثقة الضابط لما يرويه ولو قيل: متى يكون الراوي ثقة، وضابطاً لما يرويه؟ نقول في جوابه:
следующие страницы →