Полный текст (124 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
دروس الحرم [١]
-
стр. 2
السبق
стр. 3
مشروعية السبق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فعن ابن عمر ﵄ قال: (أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل التي ضمرت من الحفياء وأمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق).
مسجد بني زريق كان وراء مسجد الغمامة من الجنوب الشرقي، وكان موجوداً إلى عهد قريب وشاهدناه، والحيفاء إلى الشمال جهة بئر عثمان، والمسافة ستة أميال.
ما معنى الخيل المضمرة؟ العرب تضمر الخيل للسبق وللحرب، وتضميرها من الضمور، وهو أن تعلف مدة طويلة علفاً زائداً عن حاجتها لتسمن سمناً وافياً، ثم تشمس في مكان قليل الهواء، وتجلل، أي: توضع عليها الجلال ومع ضيق المكان، وعدم وجود الهواء، وكثرة الجلال يكثر عرقها، والعرق يخرج بفضلات الجسم، وتبقى عضلاتها، فهم يسمنونها، ثم يخففون سمنها بإخراج العرق منها، فتكون قد اجتمعت قواها وتخلصت من ثقلها الذي هو رطوبة الجسم، وغير المضمرة تأكل وتنام كعادتها.
فهم يضمرون الخيل ويعدونها للجري؛ لأنها تكون أخف جسماً وأقوى، وتكون أدعى إلى السبق، وفي الحرب تكون أدعى إلى الصبر على الكر والفر، فهي أمسك من غيرها.
стр. 4
ما يشترط في المسابقة
ومن هنا قال العلماء: يجب في السبق أن يكون الفرسان من نوع واحد، فلا يصح السباق بفرس عربية أصيلة مع فرس غير عربية، ولا مضمرة مع غير مضمرة؛ لأن هذا فيه تفاوت، لكن تكون حقيقة القوة والمعادلة والسبق إذا كانا متساويين.
وكذلك الفارسان اللذان يركبان يجب أن يكونا متقاربين في الوزن والثقل، وبهذا يتم لنا تحديد المسافة ونوعية الخيل، فإذا اختلف واحد من هذا فسد عقد السبق، ولا يجوز ذلك، والإبل ليس فيها تضمير.
وبعض العلماء ألحق بالفرس كل ما له حافر، ويذكرون ذلك عن الشافعية، ويلحقون بالبعير كل ذي خف كالفيلة، ولكن المعهود عند العرب أنهم لا يقاتلون على فيلة، ولا يقاتلون على كل ذي حافر؛ لأن كل ذي حافر لا يصلح للكر والفر كالخيل، قال ﵊: (الخيل معقود بنواصيها الخير).
стр. 5
شروط جواز الجعل للمتسابقين
فإذا كان نوع الخيل واحداً، والمسافة محددة في كل عقد مع الجنس، فهنا تبقى عملية السبق بينهما إذا جعل أحدهما الجُعل للسابق ولم يدفع الثاني شيئاً، فنفترض أن السبق بين اثنين، فالمال الذي يدفع جائزة للسابق، من أين يأتي؟ إن كان من واحد منهما على أن من سبق منهما أخذه، فلا مانع، فإن سبق الدافع استرجع حقه، وإن سبق الآخر أخذه.
أما إذا دفع كل منهما جزءاً، وقالا: الجميع لمن يسبق، فلا يجوز؛ لأنه قمار! وإذا جاء ثالث غيرهما وقال: تسابقا فمن سبق منكما فجائزته عليَّ، فلا مانع؛ لأنه ليس بين المتسابقين مقامرة إذا كان الأمر كذلك بإيجاد الجائزة من ثالث غير مشترك.
الأئمة الثلاثة يقولون: أي واحد تدخل بينهم وتبرع بجائزة فلا مانع، ومالك يقول: لا يصح هذا التبرع إلا من ولي الأمر؛ لأنه هو الذي من حقه أن يأخذ من بيت مال المسلمين ويعطي، والجمهور يقولون: هو متبرع، وليس في ذلك غضاضة عليه.
إذا لم يكن هناك ثالث تبرع بالجائزة، ولم يقبل واحد من الاثنين أن يدفع الجائزة بمفرده، وقالا: لا بد من مشاركة في الجائزة أنت تدفع النصف وأنا النصف، يقولون: إن جعلا محللاً بينهما جاز، ومن هو المحلل؟ المسابقة الآن على خيل، وكلا الفرسين في الطرفين من جنس واحد، والمحلل شخص ثالث يدخل معهما بفرس من نوع فرسيهما ويكون من عادته السبق، وكلا المتسابقين يظنان أنه قد يسبق، ويعتقدان أنه يمكن أن يسبق، لا أن يكون عاجزاً وهما يعلمان أنه لن يسبق، لأن دخوله حينئذ سيكون شكلياً ما له قيمة؛ لأن السبق سيكون بينهما فقط، والثالث معروف أنه لا يسبق، فهذه حيلة لا تصح.
فيشترط في المحلل الذي يدخل بينهما أن يكون نظيرهما تماماً، فإذا دفع أحد المتسابقين النصف، ودفع الثاني النصف الآخر، ودخل هذا المحلل على أساس أنه لو سبق أخذ الجائزة التي دفعها الطرفان، وإذا سبق واحد من الاثنين أخذها؛ لأنه يوجد ثالث يمكن أن يفوز بالجائزة، فهنا سلمت من المقامرة، هذا ما يتعلق بالسبق في الخيل والإبل.
أما النصل، وهي: الرمي بالسهام، فيكون بين اثنين أو بين فريقين، خمسة مع خمسة، أو عشرة مع عشرة، أو أكثر أو أقل، فإن كان الرمي بين اثنين فبعض العلماء يقول: يوضع لكل واحد هدفاً مستقلاً، هذا يقف هنا وهدفه أمامه هناك، والثاني هدفه أمامه هناك، وبعضهم يقول: يبقى الهدف واحداً، ويرميان تباعاً لا في وقت واحد، فإذا حددت مسافة الهدف بين أطراف أصابع القدمين وهدف الإصابة؛ كذا قدماً أو كذا متراً تحددت.
كم يكون الرمي مثلاً؟ قال: الرمي عشر مرات، كل واحد منهما يرمي عشرة أسهم، ثم يقولون: من أصاب بأكثر العشرة فهو الفائز، فكل واحد منهما يرمي عشرة أسهم.
وننظر الأول كم أصاب من العشرة، والثاني كم أصاب، فمن كانت إصابته أكثر فهو الفائز.
أو يقولون: الرمي من عشرة أسهم ولكن الفوز من إصابة خمسة، الذي يصيب خمسة من عشرة فهو فائز، فهنا يبدأ الفريق الأول يرمي إذا كان الهدف واحداً، وإن كانا هدفين فيرميان معاً، فإن أصاب أحد الفريقين الخمسة التي هي نصاب الفوز فاز، وإن أصاب الفريق الثاني الخمسة أيضاً تساويا، فلا جائزة، ولا يقال: نصلح بينهما، فالقرعة لا تدخل هنا، وإن كان الهدف واحداً فالأول يرمي إلى أن يصل إلى الخمسة، ثم يأتي الثاني ويرمي إلى أن يصل إلى الخمسة، ومن لم يصب خمسة أسهم من العشرة فليس بفائز، ومن أصاب خمسة فأكثر من العشرة فهو الفائز.
وهكذا إذا كانوا جماعة، فريق من عشرة أشخاص، وفريق من عشرة أشخاص، والرمي من عشرة سهام، فكل فريق سيرمي مائة سهم، كم مجموع الفوز من مجموع الفريقين؟ نقول: الفوز بإصابة خمسين، سواء كان الفريق الأول شخصين أو خمسة أو أكثر، على حسب العدد المتفق عليه.
إذا وصل الفريق الأول بإصابة خمسين سهم وصل إلى الفوز بالجائزة، وإذا وصل الفريق الثاني بمجموعه إلى أربعين أو إلى تسعة وأربعين، وليس بلازم أن يكون كل واحد من العشرة يصيب مثل بعض، ولو اثنين أصابوا الخمسين فهذا الفريق قد فاز، هذا ما يتعلق بعموم موضوع السبق بين المتسابقين.
نعود إلى متن الحديث، وهو الحديث الأول: (أن الرسول ﷺ سابق بين الخيل المضمرة من ثنية الوداع إلى الحيفاء ستة أميال)، إذاً: لا مانع من أن يكون هذا المقدار على هذا النوع من الخيل في المسابقة، وسابق بين الخيل غير المضمرة من الثنية إلى مسجد بني زريق، ومسافتها ميل واحد، والله تعالى أعلم.
[وعنه ﵁: (أن النبي ﷺ سبق بين الخيل وفضل القرّح في الغاية)].
سابق ﷺ بين الخيل، وفضل القرّح أي: الخالصة الأصيلة، يقال: ماء قراح، أي: صاف، وكذلك الخيل القرّح هي الأصيلة.
ولأصالة الخيل عند العرب تاريخ، وهواة الخيل يجعلون سجلاً لولادة خيلهم، فإن كان عنده ثلاثون رأساً من الخيل من ذكور وإناث للتناسل، فعنده سجل يسجل فيه مواليد الإنتاج، ويسجل فيه سلالة الأم وسلالة الأب، الأم هذه من أين؟ أمها ما نوعها؟ وأم أمها من أين؟ ويتبع تاريخها إلى مدى بعيد، فإذا لم يدخلها هجين قيل عنها: قرّح، أي أنها من سلالة خيل صافية، وكذلك الأب، ويغلون أثمانها إذا استوفت الشروط، وهو أن تكون من سلالة خيل صالحة لم يدخل في نسلها هجن، فكان يفاضل ﷺ بينها وبين غيرها؛ لأنها أقوى وأزهى وأنسب للسباق.
стр. 6
لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر
[قال: وعن أبي هريرة ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ : لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر)].
فـ (لا سبق إلا)، هذا الأسلوب عند البلاغيين يسمى: النفي والإثبات، وهو أقوى أنواع الحصر.
(لا سبق): نفي جميع أنواع السبق، (إلا): إثبات للمطلوب: نصل، حافر، خف، فـ (لا) نفت جميع صور وأفراد وأنواع السبق، ولو قيل: (لا سبق) ولم يستثن لنفي كل سبق في أي نوع من الأنواع؛ لكن لما جاءت إلا وهي من أدوات الاستثناء، وقع الاستثناء، ويشترط أن يكون متصلاً وألا يفصل بين المستثنى والمستثنى منه بزمن طويل أو أو إلى آخره، فـ (إلا) تثبت بعض أفراد المنفي.
وهذا الأسلوب أقوى أنواع الحصر، كما في كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، فلو أن إنساناً يقول: لا إله، فإنه يكون قد نفى جميع الألوهية، حتى نفى الألوهية عن رب العزة، أي: إذا قال: لا إله، فمعناه أنه لا يعترف حتى بألوهية رب العالمين، لأنه نفى جميع الألوهية، ثم تأتي (إلا) وتثبت الألوهية لله وحده.
فـ (لا) نفي لجميع الآلهة، و (إلا) أثبتت المطلوب، وهو الله الواحد.
فكذلك هنا، والحصر ينفي ما قبل إلا، ويثبت ما بعد إلا، وقد يكون هناك أدوات حصر أخرى مثل: (إنما) كان يقول: إنما السبق في كذا وكذا، والتقديم والتأخير، مثل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] يعني: لا نعبد غيرك، ولا نستعين بغيرك.
فهنا جاء الحديث بأسلوب النفي والإثبات وهو أقوى أنواع الحصر، فنفى السبق في كل شيء واستثنى من ذلك هذه الثلاث.
إذاً: لا يجوز لأحد أن يدخل مع صاحبه في سباق لم يأت به نص، والنص إنما جاء بهذه الثلاث، فلا سبق في غيرها.
كلمة: (لا سبق) عامة، بجعل وبغير جعل، لكن المراد هنا ما فيه المحظور وهو الذي بالجعل، أي: لا يجوز السبق بجعل إلا في هذه الثلاثة، وأما بدون الجعل في السباحة، أو في الجري، وفي جميع أنواع الرياضيات؛ فلا مانع في ذلك.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد.
стр. 7
دروس الحرم [٢]
стр. 8
الجزية والفيء والغنائم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فمن الموارد المالية للدولة الإسلامية الجزية التي تؤخذ من الكفار إذا لم يسلموا، واختاروا دفع الجزية بدلاً من قتال المسلمين، وقد اختلف العلماء هل تؤخذ الجزية بغير اسمها؟ فأجاز ذلك كثير من العلماء واستدلوا بقصة نصارى بني تغلب مع عمر بن الخطاب ﵁، فإنهم قالوا له: فرضت علينا الجزية، واعترفنا بها، وصالحنا عليها، إلا أننا نأنف من تقديمها؛ لأن تقديمها كما قال تعالى: ﴿عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]، والعرب تأنف من ذلك؛ قالوا: فخذ منا كما تأخذ من المسلمين، لأن ما يأخذه من المسلمين في الزكاة أكثر مما يأخذه من أهل الذمة في الجزية.
فامتنع عمر، فزادوه، فقالوا: خذ منا ضعف ما تأخذه من المسلمين من أموالهم، فأرادوا أن يدفعوا ضعف الجزية باسم الزكاة ولا تكون باسم الجزية، قالوا: وإلا فدعنا نرحل إلى أرض الشرق، ونخرج من الجزيرة، فشاور عمر من حضره، فقالوا له: يا عمر! اقبل منهم، وأبقهم تحت يدك بدلاً من أن يخرجوا عن طاعتك فيكونون عليك بعد أن كانوا لك وفي قبضتك، فقبل منهم، وأضعف عليهم العشر كما يقال، وأبقاهم على ما هم عليه، باتفاق بينهم وبينه.
هذه هي الجزية على الكفار، والزكاة تكون على المسلمين في الأموال.
стр. 9
اجتهاد عمر ﵁ بعدم قسمة الأراضي المغنومة
ومن الموارد: الخراج، والعشر، والخراج مختص بالأرض المزروعة، ولا علاقة له بالأشخاص، والجزية مختصة بالرقاب والأشخاص ولا علاقة لها بالأراضي.
وقد تقدم أن عمر رضي الله تعالى عنه أوقف قسمة الأراضي المغنومة على الغانمين، ولما عارضه بلال وابن الزبير وقالا له: اقسم علينا كما قسم رسول الله خيبر وبني النضير، قال: إن الرسول فتح مكة ولم يقسمها.
وقال: إنني رأيت رأياً وأستشيركم فيه، إننا لو قسمنا كل ما فتحه المسلمون على الغازين، فسيأتي وقت ويأتي أجيال فيما بعد فلا يجدون من الغنائم شيئاً، وإننا في الوقت الحاضر في حاجة إلى المال بصفة مستمرة للمصالح العامة، لنمون الثغور، ونجهز الجيوش، ونطعم الأيتام والأرامل والمحتاجين، فمن أين نأتي بالمال لهذا كله إذا كنا نقسم كل قرية فتحت على الغانمين؟ ولو فعلنا ذلك لم يبق عندنا شيء، فإني أرى أن نقسم ما كان منقولاً من الثياب والأموال والحيوانات على الغانمين قسمة غنيمة، ونبقي الأرض ونجعل عليها خراجاً لمن هي تحت أيديهم.
وهذا الخراج بمعنى أجرة، جزية، جُعل، غرامة، وكل هذا يقول به بعض العلماء، وإذا جئنا إلى استعمال القرآن لكلمة خراج أو خرج لوجدنا أنها تدور بين الجُعل وبين الإجارة، كما في قصة أصحاب السد: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف:٩٤] فـ (خرجاً) هنا بمعنى: أجرة على هذا العمل، وبعضهم يقول: إن هذا الخراج الذي فرض على الأراضي أجرة تؤخذ ممن هي تحت أيديهم.
وكيف يقدر الخراج على الأراضي المختلفة في النتاج والغلة؟ قالوا: أرسل عمر رضي الله تعالى عنه خبيراً، فجعل على النخل ثمانين درهماً، والعنب ستين درهماً، وما عداهما من الأرض البيضاء والحبوب والخضروات عشرين درهماً، أي أنه وضع نسباً مختلفة لأرض النخيل ولأرض الأعناب، وعلى الأرض البيضاء كذلك.
قيل: وجعل الخراج على الأرض البيضاء والسوداء أيضاً، والبيضاء هي: التي لم تزرع، والسوداء هي: المزروعة المسودة بخضرة الزرع الذي هو فيها، قيل: جعل الخراج على السوداء والبيضاء ليهتم أصحاب القرية بإحياء الموات، ولا يبقى بياض في الأرض.
وهناك من يقول: إنما جعل الخراج على الأراضي السوداء التي تنتج، وترك الأرض البيضاء لولي الأمر ليمنح منها، ويقطع الإقطاع منها لمن يريد، أو تركها لمن يحيي مواتاً منها فهي له، وهكذا كان الخراج على الأرض تختلف النسبة فيه بنوع الثمرة والغلة، فعلى النخيل أكثر مما على العنب، وعلى العنب أكثر مما على الخضروات.
стр. 10
إرسال عمر ﵁ للمعشرين
وكان عمر رضي الله تعالى عنه يرسل إلى الحدود وإلى ثغور بلاد الإسلام المعشرين، فإذا مر بهم تاجر يريد أن يدخل أرض الإسلام لتجارة نظر المعشر لشخصيته، سواء كان مسلماً جاء من أرض أخرى إلى أرض جوار أرضه، أو كان ذمياً أتى بتجارة إلى أرض المسلمين، أو كان حربياً له عهد أو في وقت هدنة وأتى بمال إلى أرض المسملين.
كل هؤلاء يسمح لهم بدخول بلاد المسلمين، فالمسلم يدخل الأرض الإسلامية، والذمي يدخل الأرض الإسلامية، والحربي بالمعاهدة وبالصلح يدخل الأرض الإسلامية، فكان المعشر يأخذ من المسلم ربع العشر على تجارته، ومن الذمي نصف العشر، ومن الحربي العشر، وهكذا تحصل الأموال بالتعشير على اختلاف الأشخاص بصرف النظر عن نوعية التجارة التي أتى بها، والتي يريد أن يروجها في أرض المسلمين.
ثم كان يقع الظلم على أهل الأموال عند تعشيرها، فكان أحدهم يمر على هذا المعشر فيأخذ منه، ثم في طريقه يمر على غيره فيأخذ ولا يصدقه بأنه قد دفع، فأنشئت السندات؛ ففي أول معشر يمر به ويدفع له العشر أو نصفه أو ربعه يعطيه سنداً على أنه عشر ماله، بحيث لو مر على عدة معشرين لا يكرر عليه أخذ مال منه.
واتفقوا على أن من تكرر مجيئه في السنة الواحدة لا يكرر عليه العشر قبل الحول، إلا الحربي، فإذا أتى وباع تجارته، ثم رجع إلى بلده، ثم جاء مرة أخرى عُشِّر ماله ولو كان قبل الحول.
واتفقوا على أنه لا يعشر مال أقل من نصاب الزكاة، وهو مائتا درهم من الفضة، وعشرون مثقالاً من الذهب.
هذا ما يتعلق بالأموال التي تدخل على المسلمين بطريق المعشرات.
والغنيمة هي: المال المأخوذ بغلبة السيف، فما فتح عنوة من القرى فهي وما فيها غنيمة، والغنيمة تخمس ثم يقسم ما عدا الخمس على المجاهدين، إلا أن عمر أوقف قسمة الأراضي على المجاهدين وقال لهم: أوقف قسمة تلك الأراضي من أجل أن يستمر خراجها لسد حاجة المسلمين الآن ولمن يأتي بعد ذلك، ثم أعلن لهم وقال: وجدت حجته من كتاب الله، وذكر قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر:٨]، ثم ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾ [الحشر:٩]، ثم ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر:١٠]، واستقر الأمر على ذلك.
فالفيء طريقه مثل طريق الغنيمة، ولكنه ما أخذ بدون قتال كما قال تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر:٦].
стр. 11
مشروعية النفل من الغنيمة
النّفل: النفل جزء من الغنيمة ينفله قائد الجيش لمن رآه أهلاً لذلك، فمثلاً: أرسل سرية من جيشه إلى جهة من الجهات أو كما يقولون: إلى جيب من جيوب العدو، فذهبت السرية وانتصروا، وغنموا منهم غنائم، فلقائد الجيش أن ينفل تلك السرية مما غنموه زيادة لهم، والباقي يضمه إلى أموال غنيمة الجيش؛ لأن عموم الجيش يشاركهم في غنيمتهم، وهم يشاركون عموم الجيش في غنائمه.
والخراج هو: ما جعل على الأرض.
والجزية هي: ما جعلت على الأشخاص.
هذا ما يتعلق بالأموال التي تؤخذ من غير المسلمين عند القتال في سبيل الله.
стр. 12
مقدار الجزية
الجزية مصدرها الأشخاص، وكم مقدارها؟ هناك من يقول: هي محددة بدينار على كل محتلم، وهناك من يقول: أربعة دنانير، وهناك من يقول: على الموسر ثمانية وأربعون درهماً، وعلى المتوسط: أربعة وعشرون، وعلى العامل: اثنا عشر درهماً.
والظاهر أنه حسب اجتهاد الإمام وحالة من يدفع الجزية، وهذا محل اجتهاد، وليس توقيفاً.
هذه الأموال تساق إلى بيت مال المسلمين لتصرف في مرافق المسلمين بصفة عامة.
стр. 13
أخذ الجزية من المجوسي
[عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ (أن النبي ﷺ أخذها -يعني: الجزية- من مجوس هجر)]: قال عبد الرحمن رضي الله تعالى عنه هذا حينما توقف عمر في أمرهم، وقال: ما أدري ماذا أفعل بهم؟ فقال قائل: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) أي: في الجزية، وابن عوف يقول: إن الرسول أخذها من مجوس هجر، فالرسول أخذها وخفي ذلك على عمر، أو نسي عمر، المهم أن الجزية أخذها رسول الله وفعلها عمر مع وجود الصحابة، وكانت الجزية موجودة من قديم، وجاء الإسلام وعدل فيها بالرفق والشفقة.
عرفنا أن أهل الكتاب هم: اليهود والنصارى، فمن المجوس؟ عرف العلماء المجوس كما في كتاب الملل والنحل للشهرستاني أو لـ ابن حزم، وكذلك عرّفهم الشوكاني في نيل الأوطار.
المجوس: أمة كان لها كتاب، سئل علي رضي الله تعالى عنه عنهم فقال: أنا أعرف الناس بهم، كانوا أمة لهم كتاب، لكن كتابهم رفع!! نزع الله كتابهم منهم، فأصبح الكتاب ورقاً أبيض ليس فيه كتابة، وانتزع من صدروهم ما كان محفوظاً منه من صدورهم، والذي كان مكتوباً محاه الله من صحفهم، وأصبحوا بدون كتاب.
ومن هنا كان فيهم شبه بأهل الكتاب؛ لأنهم باعتبار ما كان أهل كتاب، فقال: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب).
إذاً: الجزية من أهل الكتاب مفروغ منها؛ لأنها بنص القرآن الكريم، والجزية من غيرهم ثبتت بالسنة، أعني بالحديث الفعلي والقولي من رسول الله ﷺ .
الجزية تكون على الأشخاص، والخراج يكون على الأرض.
والخراج يكون باجتهاد الإمام على حسب إنتاج الأرض، والآن هناك الأراضي التي فيها القطن أو القصب، وفيها مزروعات ما كانت موجوة من قبل، فيكون خراجها على حسب رأي الإمام.
هل مقدار الجزية بالتوقيف أو باجتهاد؟ باجتهاد، وقيل: على الغني ثمانية وأربعون درهماً، وعلى المتوسط أربعة وعشرون، وعلى العامل بيده اثنا عشر درهماً.
وقد بينا نظام العشر على التجارة، وممن يؤخذ، وكم مقدار المأخوذ، سواء كان المال من الحديد أو الحبوب أو القماش.
والتجار ثلاثة أصناف: مسلم، وذمي، وحربي، فالمسلم يدفع ربع العشر زكاة، والذمي: نصف العشر ضعف ما يدفعه المسلم، والحربي: العشر كاملاً.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد.
стр. 14
دروس الحرم [٤]
стр. 15
كتاب الأيمان والنذور
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: كتاب الأيمان والنذور عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها؛ فكفر عن يمنيك وائت الذي هو خير)، متفق عليه، وفي لفظ للبخاري: (فائت الذي هو خير وكفّر عن يمينك)، وفي رواية لـ أبي داود: (فكفّر عن يمنيك ثم ائت الذي هو خير)، وإسنادما صحيح.
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (من حلف على يمين فقال: إن شاء الله؛ فلا حنث عليه) رواه أحمد والأربعة، وصححه ابن حبان].
стр. 16
من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأتِ الذي هو خير
الشرح: قال ﵀: عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمنيك وائت الذي هو خير) متفق عليه.
هذا الحديث يعتبر باباً بذاته، وهو كيف يخرج الإنسان من عهدة اليمين ويسلم الحنث فيما بينه وبين الله؟ أي: ليس يتعلق بها حقوق للآخرين، وليست في معرض القضاء والدعاوى، وليست في معرض الصلح والإصلاح، ولكن في حلف الإنسان نفسه ومنهجه في تعامله، كما لو قال: والله! لا أكلم فلاناً.
فهذا يمين، ولكن قوله: لا أكلم فلاناً.
إن التزم بهذا اليمين وطال به المدى؛ فقد يؤدي ذلك إلى قطيعته لأخيه المسلم ونحو ذلك، فقد يكون سبب اليمين مشكلة بينه وبين هذا الشخص، أو عللاً قائمة، أو مزاحمة ومنافسة، أو خصومة، أو حسداً، أو أي شيء آخر سَبَّبَ هذه اليمين فحلف على أن لا يكلمه، ثم بعد مدة ذهبت تلك العلة، وصفا الجو، ورأى أن يكلمه، فلأن يكلم أخاه خير من أن يبقى على خصومته، كما جاء في الحديث: (لا يحق لامرئ مسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام).
وهذا الحالف أراد أن يخرج من عهدة هذه اليمين، ويعود إلى كلامه مع صاحبه، ماذا يفعل؟ أعرض مسألة عرضت على بالي، وأنا أتهيب من المسائل التي لا أجد لي فيها سلفاً ذكرها واعتمدها في هذا الموضوع.
إذا جئنا إلى كتاب الله، وجئنا إلى كفارة الظهار، ماذا نجد؟ ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾ [المجادلة:٢] ماذا؟ ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة:٣]، (يعودون) أي: يريدون العودة إلى الحياة الزوجية فيعود المظاهر إلى زوجته بإمساكها، لأن المظاهر هو بين أحد أمرين: إما أن يمضي ويتركها في ظهارها ولا تحل له بعد ذلك، أو أنه يَحلُّ يمين الظهار، وجاء القرآن فماذا قال؟ ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّاِ﴾ [المجادلة:٣].
ما معنى الظهار؟ معناه: أن يقول لزوجته: (أنت عليّ حرام كظهر أمي).
إذاً الظهار يُحرِّم وطء الزوجة.
وهنا: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣] ولكن الله حييٌ يكني ولا يصرّح، كقوله في سورة أخرى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣].
وقوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) فهنا نص صريح بأن يكفّر عن يمين الظهار من قبل أن يطأها، ولم يقل: يتماسا ثم يكفر، فنجد هنا أن النص القرآني الكريم يقدم الكفارة على المماسة ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٤]، فيصوم شهرين حتى تتم الكفارة بالصيام، ولا يقرب زوجته حتى تتم الكفارة، ومن لم يطق الصيام فليطعم ستين مسكيناً، وهذا فيه تفصيلات لا يتسع المجال لذكرها.
والذي يهمنا: التنصيص على أنه يكفّر (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)، فلو أخذنا هذه الآية الكريمة وجعلناها شاهداً أو قرينة لا نقول: نصاً، فذاك موضوع وهذا موضوع، لكن التنصيص على تقديم الكفارة في نظيرها، ويستأنس به في تقديم الفعل -تقديم الكفارة- ووجدنا القرآن يقدم الكفارة على الفعل، ووجدنا (ثم) ترجح تقديم الكفارة على الفعل.
يقول القرطبي ﵀: لا يجوز له أن يعود في الظهار قبل أن يكفر، فإن عاد قبل أن يكفر عصى الله.
وعليه أن يكفر خلافاً لمن يقول: سقطت الكفارة؛ لأن الله قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣]، أفإذا وطأها من قبل أن يتماسا سقطت الكفارة؟ يعني: أعتدي وتسقط الكفارة؟ لا، بل يكون قد ارتكب إثماً وعليه الكفارة قضاء؛ لأن محلها قبل المجيء، إذا حلفت على يمين ووجدت غيرها خيراً منها، فلا تكن عنيداً مصرّاً على القطيعة، فهذا صديقك وهو أخوك وبينكما عشرة و (عيش وملح) وصداقة.
وهذا الحلف له ما يفكه، وهذا من فضل الله أن جعل للإنسان من كل ضيق مخرجاً، وكنت -منذ زمن- أقول: لا يوجد في الإسلام طريق مسدود.
افرض أنه في ساعة غضب، حلف هذه اليمين، ثم بعد ذلك تأسف وندم، فهل يظل حبيس يمينه أو نجد له مخرجاً؟
الجواب
نجد له مخرجاً.
والثانية أيضاً: قضية اللعان، رجلٌ رأى بعينه ما لا يصبر عليه الحيوان، ولكن السيف على رأسه، إن أتى ببينة أربعة شهود، وإلا جُلد ظهره، إن سكت سكتَ على غيظ، وإن تكلم خاف السوط على ظهره فماذا يفعل؟ قال سعد بن عبادة: (أتركه وأمضي وأذهب وآتي بالشهود؟! -ويعود وقد حاجته ومضى- والله لئن رأيت لأضربن بسيفي)، وبعض الروايات: (بين فخذيها)، والذي يكون هناك يحصل السيف.
إذاً: الطريق -فعلاً- مسدود، ولكن الله جعل للزوج الذي شاهد المكروه من أهله مخرجاً، ولهذا لا يكون اللعان إلا بين الزوجين، أما إنسان اتهم بالزنا وقال: أنا ألاعن! لا، أو امرأة ادعت الزنا وقالت: أنا ألاعن، لا؛ لأنه لا يلحق الزاني أو الزانية معرة ما يلحق الزوج في زوجته.
إذاً في هذا الحديث: إيجاد نافذة يخرج منها الإنسان فيما عليه في يمين ووجد ما هو خير له، ولا يحرم من الخير ولا يلزم بتلك اليمين، بل يأتي بما يفكها ويكفر عنها، وبهذا يكون قد تحلل منها، والله تعالى أعلم.
стр. 17
الاستثناء في اليمين بقول: (إن شاء الله)
قال ﵀: وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (من حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه)، رواه أحمد والأربعة وصححه ابن حبان.
الشرح هذا الحديث جار على أسلوب العربية؛ لأن القرآن -وهو أصل هذا الدين الكريم- عربي، فأسلوبه يتمشى مع الأساليب العربية، وكذلك السنة، وقد قال ﷺ : (أنا أفصح العرب والعجم بيد أني من قريش، واسترضعت في بني سعد بن بكر)، يعني: جمع أطراف الفصاحة في أفصح قبائل العرب.
كلمة (إن شاء الله) عند علماء اللغة دالة على الاستثناء، ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]، لأنك لا تدري ما الذي سيحصل؟ والاستثناء عند علماء العربية له شروط: أولاً: أن يكون وقوع الاستثناء متصلاً بالكلام، كما لو قال شخص: والله لا أكلم فلاناً إن شاء الله.
وإذا كان الفصل بشيء لا يؤثر غالباً، كأن يأخذ نفساً، أو يبلع ريقه، أو كحة، أو عطاس وغيرها من الأمور التي لا تأثير لها، ولا تعتبر فاصلة بين حديث وحديث، فهذا الاستثناء يظل معتبراً.
لكن إن دخل حديث أجنبي عن موضوع المستثنى والمستثنى منه وفصل بين المستثنى والمستثنى منه؛ كقول أحدهم: والله! لا أكلم زيداً، أتدرون لماذا؟ لأنه فعل كذا وفعل كذا، وحاولت معه ووسّطت فلاناً، وكذا وكذا إن شاء الله، هل جاء هذا الاستثناء متصلاً بالمستثنى منه، أم أن بينهما فاصلاً أجنبياً عنه؟ فصل بينهما بأجنبي عنه، هذا واحد.
الثاني: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه.
إذا قال: عليّ لزيد، مائة دينار إلا خمسة دنانير، فالمستثنى من جنس المستثنى منه.
ولو قال: عليَّ لزيد ألف دينار إلا إردباً من التمر، فالمستثنى ليس من جنس المستثنى منه، وجمهور علماء اللغة يقولون: هذا الاستثناء باطل ويلزم بالمائة كاملة؛ لأنه استثنى ما ليس من جنس الذي اعترض به، وبعض مُنصفي علماء العربية يقول: يصح ونقدر قيمة ما استثناه ونخصمه مما اعترف به، فلو قال: له عليّ مائة دينار إلا بعيراً، فالبعير ليس من الدنانير، فيقول هذا القائل من أهل اللغة: نقدر كم قيمة البعير؟ فمثلاً: قيمة البعير خمسة دنانير، فيكون استثنى خمسة دنانير من المائة، لكن جمهور علماء العربية يقولون: لا، لأن المستثنى من غير جنس المستثنى منه.
الشرط الثالث: ألاّ يكون المستثنى أكثر من الباقي من المستثنى منه، كما لو قال له: علي مائة إلا ستين، فاستثنى من المائة ستين وصار الباقي أربعين، وهذا لا يصح؛ لأن الاستثناء وضع لرفع الأقل تداركاً.
وعلى هذا: إذا تمت شروط الاستثناء كان صحيحاً واعتبر وعمل به، هذا من حيث الناحية اللغوية، والكتاب والسنة على هذا المبدأ، وإذا قال شخص: والله! لأعطين زيداً كذا أو لآخذن منه كذا إن شاء الله، فكلمة: (إن شاء الله) هنا أعطته مفتاح الباب، إن شاء بقي على ما حلف، وإن شاء فتح، وخرج من عهدة هذا اليمين؛ لأنه استثنى وعلقه على المشيئة، وهذا راجع لعلم الله وراجع لذات الله سبحانه ونحن ما عرفنا: شاء الله أو لم يشأ الله؟! لكن هل حنث في يمينه أو لم يحنث؟ فإذا شاء الله أن يفعل وقع الفعل بالذات، وعرفنا أن الله قد شاء الفعل، وإذا طالت المدة ولم يفعل، عرفنا أن الله لم يشأ له أن يفعل.
فعلى كل لا يهمنا في هذا الحديث أن الاستثناء في اليمين إذا استوفى شروطه نفعه، إلا أن بعض العلماء يقول: لا يصح الاستثناء في اليمين إلا بالمشيئة، لكن في بقية الحقوق لا مانع، فإن قال: له عليّ كذا إلا كذا، فهذا معتبر في المعاملات وفي الحقوق، لكن في الأيمان التعبدية والمنعقدة بين العبد وبين ربه تختص بالمشيئة.
والله أعلم.
стр. 18
صفة يمينه ﷺ
قال ﵀: وعن ابن عمر ﵄ قال: (كانت يمين النبي ﷺ لا ومقلب القلوب)، رواه البخاري.
الشرح: هذا بحث في صحة اليمين بصفات الله؛ لأنه مقلب القلوب هو الله ، ومعنى تقليب القلب، هل هو مثل ما تقلب السلعة أو تقلب الحبل أو تقلب المروحة؟ لا، وإنما هو تصريفه؛ لأن القلب كما يقولون عضو صنوبري معلق في الصدر، فليس هناك تقليب، وإن كان لديه حركة لكن في محله لا ينقلب، ولكن الغرض من تقليب القلوب هنا، إنما هو التصريف المعنوي.
وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 19
دروس الحرم [٦]
стр. 20
الجزية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال ابن حجر ﵀ في بلوغ المرام: باب الجزية والهدنة: [عن عبد الرحمن بن عوف ﵁: (أن النبي ﷺ أخذها -يعني الجزية- من مجوس هجر) رواه البخاري، وله طريق في الموطأ فيها انقطاع.
وعن عاصم بن عمر عن أنس وعثمان بن أبي سليمان ﵃: (أن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة فأخذوه، فأتوا به فحقن له دمه وصالحه على الجزية) رواه أبو داود.
قال: وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: (بعثني النبي ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافرياً) أخرجه الثلاثة، وصححه ابن حبان والحاكم.
وعن عائذ بن عمرو المزني ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الإسلام يعلو ولا يعلى) أخرجه الدارقطني.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه) رواه مسلم.
وعن المسور بن مخرمة ومروان ﵄: أن النبي ﷺ خرج عام الحديبية، فذكر الحديث بطوله، وفيه: (هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض) أخرجه أبو داود وأصله في البخاري.
وأخرج مسلم بعضه من حديث أنس، وفيه: (أن من جاءنا منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقالوا: أتكتب هذا يا رسول الله؟! قال: نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً).
وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً)].
أشرنا إلى تداخل هذا الباب مع أبواب عديدة فيما يتعلق بالأموال التي يحصل عليها المسلمون من غيرهم، سواء كانوا مشركين أو أهل كتاب أو ممن ألحق بأهل الكتاب.
ومجموع هذه الأموال قد ذكرنا الفرق بينها.
стр. 21
ممن تؤخذ الجزية
الجزية: فعلة من الاجتزاء، قال بعض العلماء: إنها تجزئ صاحبها عن الدخول في الإسلام، وعن تسليم جميع ماله، وتعصم دمه.
وهي تؤخذ ممن أبى الدخول في الإسلام، قيل: من عموم غير المسلمين، وقيل: تؤخذ من أهل الكتاب فقط، فلا تؤخذ جزية من وثني مشرك، وإنما تؤخذ من أهل الكتاب ومن ألحق بهم، وهم المجوس، لأنه جاء عنه ﷺ : (أنه أخذها من مجوس هجر)، وقال صلوات الله وسلامه عليه: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب)، وهذه السنة فيما يتعلق بقبول الجزية منهم، وعصمة أموالهم ودمائهم، بخلاف ذبائحهم، وحل نسائهم، فإن فيهم وجهاً من الشرك وفيهم وجهاً من أهل الكتاب، فمن وجه أهل الكتاب قبلت الجزية، ومن وجه الشرك لا تحل نساؤهم، فلا تحل حرائرهم بعقد كما تحل اليهودية والنصرانية، ولا تحل إمائهم بملك يمين كما تحل النصرانية واليهودية.
وفي مسألتي الذبائح والنساء خلاف، أما الحرائر فبإجماع المسلمين أنه لا يجوز لمسلم أن يعقد عقد نكاح على مجوسية.
وهل يجوز له أن يستمتع بإمائهم بملك اليمين كالكتابيات؟ قال الجمهور: لا، وشذ بعض العلماء من غير الأئمة الأربعة وقال: يجوز.
الجزية مقابلة لفرض الزكاة، فالمسلم يدفع زكاة ماله، وغير المسلم يدفع الجزية، إلا أن الزكاة على الأموال، والجزية على الرقاب، أي: على الأشخاص.
ولو قارنا بين الزكاة وبين الجزية لوجدناهما وفق الحكمة والرحمة، فأهل الجزية يخفف عنهم، كما جاء في حديث معاذ أنه أخذ على الحالم ديناراً، وكانت الجزية تقدر على الأثرياء: ثمانية وأربعون درهماً، وعلى الوسطاء: أربعة وعشرون درهماً، وعلى العمال الذين لا مال لهم وإنما يتكسبون بأبدانهم كالأجراء أو الفلاحين أو الصناع اثنا عشر درهماً.
والزكاة في الإسلام ربع العشر، وتكثر الزكاة مع وفرة المال وتنزل مع قلته، فقد يدفع المسلم من زكاة ماله ما يعادل جزية عشرين أو ثلاثين أو خمسين واحداً من أهل الذمة.
لكن الجزية على من تؤخذ؟ العلماء يتفقون على أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب، أما الوثنيون فلا تقبل منهم إما الإسلام وإما القتل، وبعضهم يلحقهم بأهل الكتاب، ولكن الجمهور على عدم أخذها منهم.
стр. 22
شروط من تؤخذ منه الجزية
تؤخذ الجزية من كل حالم بالغ صحيح معافى ذكر حر، فلا تؤخذ من النساء، ولا من الصبيان، ولا من الشيوخ الكبار، فكل هؤلاء تسقط عنهم الجزية في الإسلام.
وكانت الجزية يفرضها الفرس على من كان بالعراق قبلهم عندما غلبوهم، وفرضوها على الصغير والكبير والغني والفقير والذكر والأنثى على السواء، وأجحفوا عليهم في ذلك، فلما وجدوا هذا التخفيف في الإسلام بادروا إليها، وكانوا يجمعونها ويقدمونها للمسلمين.
ومن دفع الجزية في شبابه وغناه وكسبه وقوته، ثم تقدمت به السن وعجز عن العمل ولم يستطع أن يدفع الجزية سقطت عنه، وجاء ذلك عن كل من عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وخالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه.
فعن عمر أنه رأى رجلاً شيخاً كبيراً يتكفف ويسأل الناس، فقال: (ما شأنك يا رجل؟! قال: أنا رجل من أهل الجزية عجزت عنها، فأنا أتكفف الناس لأجمعها، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: والله ما أنصفناك إن أكلنا شبابك وأفنيناك، ثم أضعنا كبرك وشيخوختك)، وأسقط عنه الجزية، وفرض له رزقاً من بيت مال المسلمين.
وذكر أبو يوسف في كتاب الخراج أن خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه رأى رجلاً كبيراً ومعه أولاده، وهو يتكفف الناس ويسألهم، فقال: (ما بالك يا رجل؟! قال: أنا من أهل الجزية وعجزت عنها، فأنا أسأل الناس لأقدمها، فقال كلمة عمر: والله! ما أنصفناك)، وأسقط عنه الجزية، وفرض له من بيت مال المسلمين ما يكفيه ويكفي أولاده، لأنه كان معه عياله، ففرض له ولعياله من بيت مال المسلمين ما يكفيهم.
فالذين تفرض عليهم الجزية من أهل الكتاب هم: الأحرار الذكور البالغون أصحاب الثراء.
стр. 23
مقدار الجزية
وهل تكون الجزية ديناراً على كل حال أو ينظر إلى حال اليسار؟ جاء أن أهل الشام كان يؤخذ منهم الجزية أربعة دنانير، وأهل اليمن دينار واحد، فقيل لـ معاذ: ما بال أهل الشام يدفعون أربعة دنانير وأنت تأخذ من أهل اليمن ديناراً واحداً؟ قال: إنما الجزية حسب اليسار، وكان أهل الشام أهل يسار، وهو أوسع وأكثر من أهل اليمن، ومنهم من يقول: يرجع في هذا إلى اجتهاد الإمام بشرط ألا يكلفهم فوق ما يطيقون.
عمر رضي الله تعالى عنه لما أتى الجابية مر بأشخاص وقوف في الشمس، فقال: ما هؤلاء؟! قيل: قوم لم يدفعوا الجزية، فقال لهم: لِم لم تدفعوها؟ قالوا: ليس عندنا ما ندفع، فقال: لا توقفوهم في الشمس، ولا تضربوهم عليها، ولا تضيقوا عليهم، من عجز عنها فاتركوه.
ما هو المال الذي يدفعه من عليه الجزية؟ أهل الكتاب يستبيحون أشياء هي محرمة في الإسلام، وقد يستبيحون الميتة ويتداولونها بيعاً وشراء، ويتناولون الخمر والخنزير، ولهم ذلك في بيوتهم، وقد تقدم قوم بالعراق إلى عامل الجزية، وقدموا له خمراً بقيمة ما عندهم من الجزية، فكتب عامله إلى عمر، فقال عمر: (لا، لا تأخذوا منهم خمراً ولا خنزيراً ولا ميتة، ولكن ولوهم بيعها، ثم خذوا منهم الجزية).
هنا نقطة: ربما يظن إنسان أن هذا العمل من الحيلة، هم قدموا خمراً فردها العامل فباعوها وجاءوا بثمنها ودفعوه إليه، فدفعوا ثمن الخمر، وهل يجوز للمسلم أن يأكل ثمن الخمر؟ أول ما حرمت الخمر؛ وكان الرسول ﷺ مع أصحابه، فجاء رجل كان من عادته كل سنة أن يهدي لرسول الله ﷺ زقاق خمر والرسول ما كان يشرب المسكر، ولا كان يشرب النبيذ إذا عليه أيام، فكانت الخمر آنذاك مباحة، وكان قد نزل تحريمها قبل أن يأتي هذا الرجل، فلما قدمها قال: (يا أخا العرب! إن الله قد حرم الخمر) فقام رجل فأسر إلى صاحب الخمر وقال: اذهب فبعها، فقال له رسول الله: ماذا قلت له؟! قال: قلت له: اذهب فبعها، فقال ﷺ : (إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه)، ففتح الرجل وكاء الزقاق، وترك الخمر يسيح في الأرض.
وأيضاً في الحديث: (لعن الله اليهود حرم الله عليهم الشحوم فجملوها -أي فأذابوها- فأكلوا ثمنها)؛ هو محرم فاحتالوا وباعوه فاستحقوا اللعن!.
إذاً: كيف يقول عمر: ولوهم بيعها؟ لو باعها أمام العامل وأخذ الثمن وأعطاه للعامل، فالعامل قبض نقداً، ولكن من أين هذا النقد؟ هو ثمن للخمر، لكن يقول العلماء: ننظر إلى جهة أخذنا وتملكنا لهذا المال، فهو وجه صحيح، هو حق الجزية من الكتابي، فمادام أخذ المال من الكتابي بوجه مشروع فلسنا مسئولين من أين أتى هذا المال؟ نحن نعلم أنهم يتاجرون بالخمر والخنزير، ويربون الخنازير كما تربون الأغنام، ويبيعونها فيدخرون الأموال، ويدفعون لكم الجزية منها، وهم حينما يبيعون ويشترون ذلك يظنونه حلالاً بحسابهم، فليس عندهم في بيع الخمر وأخذ ثمنها حساب؛ لأنها مباحة عندهم، ونحن حينما نأخذ منهم الجزية أخذناها بوجه حلال مسموح لنا به، فلا حرج علينا في ذلك.
هذا ما يتعلق بالمال، ومن تؤخذ منهم الجزية.
كيف كانوا يعاملون من دفع الجزية؟ كانوا في سابق الأمر إذا جمعوا أهل الكتاب في مدينة أو في قرية ودفع الواحد منهم ما عليه من الجزية، ختموا في عنقه علامة على أنه دفعها حتى لا تؤخذ منه مرة ثانية، حتى إذا تم جمع الجزية من هذه القرية أو المدينة وعلم أنه لم يبق أحد؛ كسرت تلك الأختام التي في أعناقهم.
وكان هناك علامات لأهل الذمة يتميزون بها عن المسلمين، منها منعهم من ركوب الخيل، ومنعهم من بعض الأعمال، ومنعهم من حمل السلاح، هذه أمور اصطلاحية في الدولة، والذي يهمنا أنه يدفع الجزية بوجه مشروع.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ﷺ تسليماً كثيراً.
стр. 24
دروس الحرم [٧]
стр. 25
اللغو في الأيمان
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: قال ابن حجر ﵀ في بلوغ المرام في كتاب الأيمان والنذور: [وعن عائشة رضي الله تعالى عنها في قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥] قالت: هو قول الرجل: لا والله! وبلى والله!].
هذا تفسير أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها لقوله سبحانه: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥]، قالت: هي قول الرجل: لا والله! بلى والله! إيجاباً ونفياً.
وهذه -نسأل الله السلامة- بعض الناس يسرف فيها، فيقال له: تعال نشرب شاي، فيقول: لا والله! ولماذا حلف؟! يعتذر، وعلى أخيه أن يقبل عذره، فيقول الآخر: بلى والله! وقد قال الله: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٤]، لكن من قالها في معرض الحديث، ولم يرد انعقاد القلب عليها صدقاً أو كذباً، فلا حرج عليه.
وبعضهم يقول: لغو اليمين هو أن يحلف على شيء يظن صدقه فيه فيظهر خلافه، فهذا لغو من حيث إنه حلف على غلبة ظنه، وهو لغو من حيث إنه انكشف على غير الظن الذي ظنه.
ولكن تفسير أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أصح، وكما يقولون: قول الصحابي في تفسير الآية مقدم على غيره ما لم يوجد له معارض، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها اشتهر عنها من الفقه والعربية، ومن الورع والعبادة أشياء كثيرة.
لما قيل لها: السعي ليس لازماً، قالت: لماذا؟ قيل: لأن الله أسقط الجناح عمن ترك الطواف بهما فقال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨]، فقالت: لا -يا ابن أختي- لو كان الأمر كذلك لقال: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما، وإنما الآية جاءت رداً على اعتقادهم؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يسعون بين الصفا والمروة، ووضعوا على كلٍ منهما صنماً، وكانوا يسعون بين الصنمين على الجبلين، فلما أراد المسلمون أن يسعوا بين الصفا والمروة خافوا أن يشابهوا المشركين في سعيهم لأصنامهم، فتحرج المسلمون أن يسعوا بين الصفا والمروة؛ لأن المشركين كانوا يسعون بينهما وعليهما الصنمان، فأنزل الله الآية لأنهم تأثموا، فقال: (فلا جناح) والجناح: الإثم.
فهم تأثموا أن يسعوا؛ نظراً لما كان عليه أهل الجاهلية من السعي بين الصنمين، فقالوا: كيف نفعل مثلما كانوا يفعلون؟! مع أن الأصنام قد حطمت وأزيلت، لكن محله محل فعل المشركين، فجاء: (لا جناح) فقد أزيلت الأصنام، والصفا والمروة من شعائر الله، فلا جناح على من سعى بينهما.
انظر إلى فقهها في اللغة، قالت: لو كان الأمر كذلك لقال: (فلا جناح عليه ألا يطوف).
إذاً المطلوب السعي وهو الطواف بينهما، فحينما تفسر عائشة رضي الله تعالى عنها آية من كتاب الله، ولا يوجد ما يعارضها؛ فتفسيرها مقبول كالحديث المرفوع.
стр. 26
أسماء الله الحسنى
قال المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) متفق عليه، وساق الترمذي وابن حبان الأسماء، والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة].
هذا الحديث أكثر العلماء من البحث فيه، وأفرده البعض بتآليف مختصة، ونتكلم عليه من نقطتين: هذا الحصر العددي من أين؟ أهو اجتهاد وتلمس أو هو توقيف من النبي ﷺ ؟ وهل لهذا العدد مفهوم أو لا مفهوم له؟ وما المراد بأحصاها؟ هل المراد جمعها؟ فقد يجمعها يهودي أو نصراني أو بوذي!! وقد يحفظها شريط مسجل، وتسجل عليه، وتكون محفوظة فيه! هل حفظها عن التغيير فيها؟ هل حفظها بالعمل بمقتضاها؟ كل ذلك فيه مباحث متشعبة وعديدة.
وهناك من يتعمق نوعاً ما فيقول: كيف يكون لذات واحدة أسماء متعددة؟! وبعضهم نفى تلك الأسماء، وأثبت اسماً واحداً وهو الله.
وهل الاسم هو عين المسمى؟ ودخلوا في أشياء لا نقدر أن نمشي وراءهم فيها.
ولكن نتناول الحديث بقدر المستطاع وبقدر الحاجة في إيراده في باب الأيمان والنذور.
قوله: (لله): لفظ الجلالة علم على الذات، ولم يسم به غير الله، حتى الذين ادعوا الألوهية والربوبية ما قال واحد منهم: (أنا الله) أبداً، قال فرعون فيما حكى الله عنه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] لكن هل قال: أنا الله؟ لا.
وقالوا: لفظ الله هو الأصل، وجميع الأسماء والصفات راجعة إليه، يقال: الرحمن الرحيم اسمان من أسماء الله، الحي القيوم اسمان من أسماء الله؛ فكلها ترجع إلى لفظ الجلالة.
وعند العرب كلما عظمت الذات كثرت أسماؤها، انظر الرسول ﷺ كم له من الأسماء؟ بعض الناس جعلها مثل أسماء الله الحسنى مائة، وبعضهم زادها قليلاً عن المائة.
стр. 27
الاختلاف في مأخذ الأسماء الحسنى
قوله: (اسماً): أصل الاسم من السمو والسمة، والسمة في اللغة: العلامة، أنت علي، وهذا حسن، وهذا محمد، إذا أطلق هذا اللفظ كان علامة لهذا، يقال: يا علي! فيقول: نعم، أو يا حسن! نعم؛ لأن هذا اللفظ وسم له.
وسمي اسماً لسموه أيضاً؛ لأنه يعلو ويشمخ به.
فالاسم علم على الشخص، والعلم: العلامة.
التسعة والتسعون اسماً من أين جاءت؟ لا يوجد حديث في الصحيحين والسنن والمعاجم، وكل دواوين السنة لا يوجد فيها حديث صحيح مرفوع إلى النبي ﷺ أنه قال: التسعة والتسعون هي: كذا كذا.
فلم تأت في كتاب الله مرتبة ولا محصورة، ولم تأت في سنة رسول الله ﷺ مرتبة محصورة.
إذاً من أين نأخذها؟ ومن أين نعرفها؟ اجتهد العلماء في جمعها، حتى أن بعضهم تتبع سور القرآن، كم في كل سورة من أسماء الله؟ وأوصلوها إلى تسعة وتسعين، وبعضهم وقف عند سبعين، وبعضهم وصل إلى الثمانين، وبعضهم أخذ الثمانين وكمَّل من السنة، وبعضهم قال: التسعة وتسعين اسماً كلها كتاب الله.
ولكنهم يعدون الأسماء والصفات، وصاحب استنباطها من سور القرآن يقول: الفاتحة فيها: الله، الرحمن، الرحيم، الملك، أربعة أسماء من أسماء الله، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:١ - ٤] أو: ((ملك يوم الدين))، قراءتان، فالفاتحة فيها خمسة من أسماء الله الحسنى.
ويأتي إلى البقرة فيسرد ما وقف عليه منها، إلى أن ينتهي إلى سورة الناس، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٣] وهذه مكررة فيما تقدم، وينتهي حسابه في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فيها الأحد والصمد؛ فهذه أسماء من أسماء الله.
إذاً: الأسماء الحسنى اجتهد العلماء فيها، وأكثر من توسع في جمعها -كما قالوا- الترمذي ﵀.
ونحن نجد بعض المصاحف خاصة التي تطبع في باكستان في نهايتها صفحة بأسماء الله الحسنى، والناس يختلفون في لفظ مكان لفظ، وينتهون إلى تسعة وتسعين، لكن قد يستبدلون اسماً مكان اسم.
стр. 28
لا يجوز اشتقاق أسماء الله من صفاته
قالوا: نثبت كل ما سمّى الله به نفسه أو سماه به رسوله، أو وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، وهل نشتق من الوصف اسماً؟ اتفقوا أن هناك صفات لله لا يجوز اشتقاق الاسم منها؛ لأنها ما جاءت ابتداء ولكن جاءت في معرض المقابلة، كما جاء في قوله سبحانه: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] هل تقول: الله من أسمائه: الماكر؟! لا؛ لأن إفراد هذا اللفظ ذم، لكن لما يأتي في مقابلة إبطال مكرهم، وأن مكره أقوى، يكون مدحاً، فنقول: هم يمكرون والله يمكر بهم.
قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾ [البقرة:٩]، مكرهم أنهم نافقوا، وأظهروا الإيمان، وخالطوا المؤمنين، وناكحوهم، وتوارثوا معهم، واقتسموا سهام الغنيمة معهم بظاهر عملهم، والله كأنه يقول: اتركهم على هذا إلى أن يأتي يوم القيامة: (تحشر أمتي غراً محجلين من أثر الوضوء)، فيبعثون كالمسلمين عليهم أثر الوضوء، ويمشون معهم، حتى وقت المرور على الصراط، فيضرب بينهم وبين المؤمنين: ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣].
فتطفأ أنوار الوضوء عنهم، ويبقون في الظلام، يستغيثون بالمسلمين ذرونا نقتبس منكم، ذرونا نقتبس منكم نوراً، فضرب بينهم بسور، في هذه الحالة ظهر بطلان مكرهم وخداعهم، وجاء نصر الله.
فإذا كانوا في الدنيا يمكرون ويتحايلون، فعندما يمرون على الجسر يجدون مكر الله أمامهم، فهو خير الماكرين وهناك يقول المؤمنون: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم:٨]، ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾ [الحديد:١٢] فأولئك أطفئت أنوارهم التي كانت من آثار الوضوء، وهؤلاء ثبتت أنوارهم، ثم كانت نهاية الفريقين معلومة.
كل صفة في كتاب الله لك أن تأخذ لله اسماً من تلك الصفة إلا ما أشعر بنقص، وهو ما أتى على سبيل المقابلة، تقول: يمكرون ويمكر الله، ولا يصح أن تقول: الله يمكر، وتسكت، بل: يمكر في مقابل مكرهم.
وقالوا: لا يسمى الله أنه زارع، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة:٦٣ - ٦٤]، لا تقل: الله زارع؟ أو فلاح!! هو قادر، هو خالق، هو على كل شيء قدير، لكن لا تسمه بهذا الاسم.
هل قولك: رب العرش العظيم كقولك: رب الذبابة والبعوضة؟ ليسا سواء.
أما ما يدل على قدرة الله كقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦] أي: ولا فوقها في الصغر؛ فإنه أدل على العظمة والقدرة، المخلوقات الحقيرة من آيات الله، البعوض يطير في الهواء فمن يحرك عضلاته؟ بماذا يتغذى؟ أين معدته؟ أين قلبه؟ تعجز أن تتصور ذلك.
والكل خلق الله! الصفات المذكورة في المقابلة لا يجوز أن تشتق له منها اسماً ، أما ما جاء في كتاب الله على سبيل المدح وعلى سبيل التذكير، فلا مانع من ذلك، والعلماء بحثوا في كتاب الله عما جاء من اسم صريح، أو صفة من الصفات توحي بقداسة لله، وإجلال لله، فأخذوا منها اسماً من أسمائه ، والله تعالى أعلم.
стр. 29
دروس الحرم [٨]
стр. 30
شرح حديث: (من صنع إليه معروف فقال) الحديث
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن أسامة بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيراً، فقد أبلغ في الثناء) أخرجه الترمذي وصححه ابن حبان.
] أيها الإخوة الكرام! هذا الحديث في منطوقه ودلالته استوقف كثيراً من العلماء، فهو في ذاته لا إشكال فيه، ولكن إدخال المؤلف إياه هنا في الأيمان والنذور، هو الذي جعل العلماء يتساءلون: ما علاقته بهذا الباب؟! ومن المعلوم أن من الواجب على الإنسان شكر النعمة، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، فأي إنسان صنع لك معروفاً أياً كان، استحق أن تثني عليه أو أن تحمده أو أن تشكره.
стр. 31
الفرق بين الحمد والثناء والشكر
فالحمد: هو الثناء على المحمود لكمال ذاته وصفاته، ولو لم يصلك منه شيء، وليس هذا الحمد المطلق إلا لله؛ لأن كمال الذات خاص بالله سبحانه، وهو منزه عن النقص: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ولهذا يقول العلماء: (ال) في قولك: (الحمد) للاستغراق، فاستغرقت جميع المحامد، وأضافتها لله سبحانه.
والثناء: هو امتداحك الشخص لحسن فعاله، هناك لكمال ذاته ولو لم يأتك ولا غيرك منه خير، ولو لم يصدر منه فعل، وهنا لحسن فعاله تثني عليه، فمثلاً: إنسان برز في مهمته واختصاصه، طبيب برع في مجال طبه وأجرى عمليات ناجحة، فسمعت به ولم تره، ولم يصنع لك شيئاً، فأنت تثني عليه لتفوقه؛ لأنه صدر منه للغير فعل حسن جميل، ولو لم يصلك من جميله شيء.
فمثلاً: نحن في هذا العصر نثني ونذم، نثني على غير المسلم لأنه اخترع ما ينفع الناس، فهذا الهاتف أنت في آسيا تخاطب شخصاً في أوروبا وكأنه وراء الحائط، فنثني عليه لأنه سهّل اتصال العالم، ويسر الكلام عن بعد.
ونذم من اخترع تفجير الذرة؛ لأنه سلاح فتاك، وإن كان قد يستعمل في الأغراض السلمية.
إذا جنح في جانب السلم أثنينا عليه، وإذا ذهب إلى التدمير العام ذممناه، ولهذا قالوا: جائزة نوبل تكفيراً عن ذنب.
أيضاً: من قام بإعادة إعمار الحرم المكي، ومن خطط لذلك من المهندسين؛ نثني عليهم.
وأما الشكر: فيكون لمن صنع لك معروفاً، ولو لم يصل لغيرك منه شيء، فمثلاً: مقاول اتفقت معه على بناء مسكن لك، ونصح في بنائه وأخلص في عمله وقدمه إليك على أحسن ما يكون، فتشكره على حسن صنيعه وعلى الوفاء بوعده معك.
عندك مريض أدخلته المستشفى، فجاء طبيب غير مسلم وعمل كما يقولون عندهم: بشرف المهنة؛ لأن الأطباء يعترفون بأن مهنة الطب شريفة وهي إنسانية وليست إقليمية ولا تعصبية، فالطبيب يعالج خصمه وعدوه كما يعالج صديقه، هذا مبدأ الطب، إلا إذا غير في مبدأه.
فإذا قدمت طفلاً أو شخصاً آخر إلى المستشفى وتولى طبيب علاجه وأحسن معه وتماثل للشفاء، فيكون قد أسدى إليك معروفاً تشكره عليه، فإذا ما قلت لهذا الذي استحق عليك الشكر: جزاك الله خيراً، فقد أضعفت المثوبة والجزاء؛ لأنه إذا تولى الله جزاءه بالخير لا يكون مثل ما تعطيه حفنة تمر أو مائة ريال؛ لأن هذا القول يجعل الجزاء من الله، فيتولى الله جزاءه بالخير على هذا الفعل، وسيكون عطاء جزلاً.
стр. 32
علاقة الحديث بكتاب الأيمان والنذور
هذا موضوع الحديث، ونفس الشارح يتساءل: ما علاقة هذا الحديث بالأيمان والنذور؟ وقد يكون الحديث أقرب إلى كتاب مكارم الأخلاق وحسن الآداب والفعال منه إلى كتاب الأيمان والنذور.
ووجه الجمع بين هذا الحديث وإنزاله في هذاالباب أنه حينما ينذر الإنسان نذراً لشخص فقال: يا فلان، إن لي حاجةً، فنذر عليّ لله إن أنت قضيتها لي لأجازينك جزاءً ولأكافأنك مكافأة عظيمة.
فإن عجز عن الوفاء بنذره لهذا الشخص، فلا بأس بأن يلحق جزاءه على عمله بالله ، ويكون بذلك قد وفاه.
ولنرجع إلى الحديث: (من صنع له معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيراً)، أي: كنت وعدتك على صنعك المعروف لي ما هو واسع جداً، ولكنني عجزت عنه، فأسأل الله أن يجزيك عني خيراً، فأكون بهذا قد وفيت بنذري.
وأرى أننا لو حاولنا وتلمسنا علاقة ولو كانت واهية؛ أنه أولى من أن نخطئ المؤلف في إيراده الحديث في كتاب مخصص للأحكام، وهذا في نظري هو أولى.
ومن المعلوم أن الإنسان قد تأخذه العاطفة والانفعال وينذر بشيء ليس في وسعه، والرسول ﷺ في باب القضاء إذا وجد إنساناً سيطرت عليه العاطفة لا يتركه، بل ينبهه.
فهذان الخصمان اللذان أتيا رسول الله ﷺ يحتكمان إليه في مواريث بينهما، وهي تركة لا حجة عندهما ولا معالم عليها، فقال ﷺ : (ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع) قد كان الله قدراً أن يأتيه الوحي؛ ولكن إذا جاء الوحي لرسول الله في خصومات القضاء فكيف يصنع من بعده، فكان المنهج للجميع: (ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض)، يعني: أبلغ وأفصح في البيان، وإن من البيان لسحراً (فأقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم)،هذا تحذير، (فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعة من النار يأتي بها إسطاما في عنقه يوم القيامة).
فلما سمع الطرفان هذا القول قال كل منهما: حقي للآخر.
فقال ﵊: (أما إذا فعلتما فاذهبا واقتسما وتوخيا الحق، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه).
لماذا وجههم هذا التوجه المستغرق: (اقتسما وتوخيا)؟ فالقسمة يجب أن تكون عادلة، فإذا قسمتما فتوخيا الحق، وليأخذ كل منكما قسمه، وذلك يكون بالقرعة.
(ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه) أي: يتسامحا بعد القسمة وبعد التحري وبعد القرعة، ونرضى ويرضي كل منا بقسمه مخافة أن يتركوا إلى سلطان العاطفة والعاطفة أمدها قريب، فبعد انطفاء جذوتها تعود الخصومات -عياذاً بالله-.
والشاهد هنا: أن الرسول ﷺ ما تركهما تحت تأثير العاطفة، بل نبههما إلى ما ينبغي أن يكون قطعاً للنزاع فيما بعد.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ﷺ .
стр. 33
دروس الحرم [٩]
стр. 34
النذر
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: قال ابن حجر ﵀ في بلوغ المرام: [وعن ابن عمر (أن النبي ﷺ نهى عن النذر، وقال: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل) متفق عليه].
ما علاقة الأيمان بالنذور؟ اليمين ملزم، وكذلك النذر، ومن حنث في يمينه فعليه أن يكفر، وبعض أقسام النذر حكمها كفارة اليمين.
إذاً: اقتران الأيمان بالنذور هو لقوة الصلة بين البابين، وقد ساق المؤلف في خصوص النذر حوالي ثمانية أحاديث.
стр. 35
معنى النذر
ما هو النذر؟ وما مشروعيته؟ النذر هو: أن يلزم الإنسان نفسه لله بشيء، يقول: لله عليّ نذر أن أصوم يوماً، ألزم نفسه لله بشيء وهو صوم يوم، أو بصدقة كذا، أو بصلاة كذا، أو بتلاوة كذا، أو بحج، أو بعمرة؛ فهو ألزم نفسه بما لم يكن لازماً عليه.
حديث: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه)، الجمهور على أن الصوم عام، كالصوم الواجب من فرض الشرع أو بالإلزام الشخصي؛ بأن ألزم نفسه بصوم يوم لم يكن لازماً عليه، وبعضهم قالوا: المعنى: إذا كان صوماً لازماً بالشرع فلا قضاء عليه، لأن الذي أوجب عليه الصوم هو الذي أماته.
فلو كان مريضاً وعليه صيام وعجز عنه، وكان هذا الصوم مما أوجبه على نفسه فعليه الوفاء؛ لأن الله ما ألزمه وإنما ألزم نفسه فعليه الوفاء، إذاً: فرق بين ما التزم به الإنسان بنفسه وبين ما ألزمه الشارع به، وقيل: المعنى صوم النذر خاصة.
إذاً: النذر هو أن يلزم المرء نفسه لله بشيء.
стр. 36
مشروعية النذر
النذر ثابت بالكتاب وبالسنة وبالإجماع.
يستدل العلماء بقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان:٧] امتدح الله الموفين بالنذر، وأصرح من هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران:٣٥]، نذرت به، وهو لا يزال في الغيب ما وضعته بعد.
ومريم ﵍ ماذا قالت؟ بأمر من الله وبتعليم من الله: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦].
إذاً: هذا نص في مشروعية النذر في كتاب الله.
وفي السنة قال رسول الله ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، وأقر ﷺ من نذر نذر طاعة، وأورد عليه حالة فيها نذر يشتمل على حلال وحرام ومعصية وطاعة، فألغى ما لا يجوز، وأقر ما يجوز، وذلك في حديث الرجل الذي رآه النبي ﷺ وهو قائم في الشمس، فسأل عنه، فقالوا: نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال: (مره فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه)؛ لأن الصوم عبادة، وبقية تلك الأشياء ليست عبادة، وفي الحديث: (إن الله لغني عن أن يعذب أحدكم نفسه).
ولما سئل عن امرأة نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام، فطلبت من أخيها أن يسأل رسول الله ﷺ فقال له: (لتمش ولتركب).
إذاً: السنة جاءت بتقرير النذر، والقرآن الكريم يذكر لنا قضايا نذر في الأمم الماضية، وما ذكرها لنا إلا لأنها مشروعة، وشرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يأت في شرعنا ما يخالفه.
стр. 37
ما ينعقد به النذر
بم ينعقد النذر؟ وفيم ينعقد؟ ينص ابن قدامة في المغني بأن النذر لا ينعقد إلا باللفظ، أما لو نوى في نفسه وحدث نفسه بنذر ولم يتلفظ به فلا ينعقد.
стр. 38
أقسام النذر
واستخلص العلماء من مجموع الأحاديث الواردة في باب النذر أقسامه، قال ابن قدامة ﵀ في المغني: النذر خمسة أقسام: الأول: نذر مطلق أي: لم يذكر فيه المنذور، يقول: لله عليّ نذر، ولم يسم هذا النذر، فهذا نذر مطلق عن تسمية المنذور.
الثاني: نذر لجاج، وهو قول الإنسان في الخصومة والغضب: لله علي نذر كذا، إذا تخاصم مع إنسان ولج معه في الخصومة وغضب قال: إن كلمتك فلله علي أن أحبو في الشارع، فهذا نذر غضب، ونذر لجاج، واللجاج هو المخاصمة.
الثالث: نذر مباح، يقول: لله عليّ أن ألبس ثوبي، أو أركب دابتي.
الرابع: نذر معصية.
الخامس: نذر تبرر، أي: فعل البر.
النذر المطلق هو الذي لم يعين فيه ما هو المنذور، ترك أن يسمي شيئاً مخافة أن يعجز عن الوفاء به مثلاً، فكفارته كفارة يمين.
نذر اللجاج هو مخير فيه بين أن يأتي بنذره على ما فيه من مشقة وثقل، وبين أن يخرج منه بكفارة؛ لأنه خرج في ساعة الغضب وفي خصومة.
النذر المباح كذلك، إن شاء فعل الأمر المباح، وإن شاء أعرض عنه وعليه كفارة.
نذر المعصية يحرم الوفاء به، وهل عليه كفارة أم لا؟ يرجع هذا إلى مسألة نذر المعصية هل ينعقد أو لا ينعقد؟ فقد جاء في الحديث كما تقدم: (مره فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه) وجاء الحديث الصريح: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) وقوله: (فلا يعصه) هل انعقد النذر وانحل بكفارة أم لم ينعقد فلا كفارة فيه؟ اختلفت وجهة النظر عند العلماء، فقيل: إنه لم ينعقد أصلاً، وقيل: انعقد وعليه كفارة يمين، وهناك بعض التفصيلات والتفريعات التي تدخل في هذا، وكل مباحث النذر ترجع إلى هذه الأمور.
إذا نذر مكروهاً فلا ينبغي أن يأتي به، كما لو نذر بطلاق زوجته، فالطلاق مكروه، فلا يفي به، ويخرج منه بكفارة.
نذر التبرر هو نذر عبادة، يقول مثلاً: لله عليّ أن أصوم يوماً، هذا النذر إما أن يكون خالياً عن الشرط، ابتداءً من نفسه، مثلاً كان كسلان عن الصيام، يرى الناس يصومون الإثنين والخميس والأيام البيض وكذا وكذا، وهو لا يصوم، فيقول: لله علي نذر أن أصوم يوم الإثنين، فهذا نذر تبرر مطلق عن شرط، فعليه أن يأتي به إلا إذا عجز فينتقل إلى الكفارة.
وإما أن يكون مشروطاً، يقول مثلاً: لله علي نذر إن شفى الله مريضي أن أصوم عشرة أيام، فهذا نذر تبرر بصيام عشرة أيام لكنه مشروط بشرط، فكأنه معاوضة بيع وشراء، فإن أعطاه الله ما اشترطه عليه وفى بنذره، وإذا لم يعطه الله ما شرط كان في حل؛ لأن المشروط لم يحصل، وليس عليه كفارة وليس عليه أي شيء.
هذه أقسام النذر فيما يتعلق بالمنذور، والأحاديث التي ساقها المؤلف ﵀ كلها تدور حول هذه النقاط وحول هذه المباحث، إلا أن تفريعات الفقهاء واستنتاجاتهم وسعت الباب إلى حد بعيد، فمثلاً عند نذر المعصية قالوا: لو نذر أن يذبح ولده، كما نذر عبد المطلب أن يذبح ولده، فماذا يفعل؟ لأن ذبح الولد معصية! قالوا: يكفر بذبح شاة: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٧]، وعبد المطلب نحر مائة بدنة كما حكمت الكاهنة في فداء عبد الله بعشرة إبل ثم عشرة عشرة حتى بلغت المائة، فكانت هي الدية عند العرب، ثم جاء الإسلام فأقرها.
فإذا نذر أن يتبرع بجميع ماله، فيتصدق بالثلث، كما في حديث أبي لبابة لما وقع منه ما وقع، وجاء وربط نفسه في سارية المسجد وجعل على نفسه إن تاب الله عليه أن يخرج من ماله كله في سبيل الله، فقال له ﷺ : (يكفيك الثلث، تصدق بالثلث والثلث كثير).
ومن العلماء من يقول: إن عين ألفاً فعليه الوفاء، وإن كان مائة ألف أو شيئاً كثيراً يعجز عنه فكفارة.
وتوسعوا في الجزئيات في باب النذر وفرعوا على ما تقدم من الأقسام الخمسة.
هذا مجمل مباحث النذر، وسنمر على الأحاديث التي ساقها المؤلف ﵀ لنطبق هذه المبادئ وهذه الأقسام على تلك النصوص إن شاء الله.
стр. 39
كراهة النذر المشروط
قال المصنف ﵀: [وعن ابن عمر عن النبي ﷺ (أنه نهى عن النذر وقال: إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل) متفق عليه].
القرآن ينص على النذر، والسنة تنص على النذر، والرسول يقرر الكثيرين على النذر، وفي هذا الحديث نهى عن النذر، فهذا النهي نحمله على التحريم أم على الكراهة؟ على الكراهة؛ لأن الأصل الإباحة، والأصل الجواز، فإذا جاء النهي عن الجائز فيبقى النهي للكراهة، لأن الإنسان قد يمد في نذره ثم يعجز عنه.
ثم ما قيمة النذر في حياتك؟ هل قولك: لله عليّ نذر إن شفى الله مريضي أن أفعل كذا، فهل سيشفيه من أجل أن تفعل؟! إذا قلت: إن شفى الله مريضي ذبحت شاة، فإذا كان الله قد قدر وفاته، فهل قولك هذا سيجعل الله يشافيه؟! النذر لا يأتي بخير، ولكن قد يصادف نذرك إرادة الله فيقع ما طلبت، الله يريد الشفاء ذبحت أو لم تذبح، فقد قضى الله أنه يشفيه، حتى لو لم تنذر أن تذبح الشاة، إذا نذرت إن شفى الله مريضك أن تذبح شاة، والحال أن الله قدر شفاءه، فإنك لو لم تقدم النذر هل ستذبح الشاة؟ لا.
إذاً: النذر لا يغير إرادة الله، ولا يقدر على جلب ما لم يرده الله.
إذاً: فما الفائدة منه؟ (يستخرج من البخيل) لو قيل له: اذبح أرنباً أو اذبح دجاجة يقول: لا، لكن بالنذر استخرجنا منه شاة، وهذا نهي عن المباح، فهو نهي تنزيه لئلا يقع الإنسان فيما لا يقدر عليه أو يعجز عنه.
قال ﵀: [وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كفارة النذر كفارة يمين) رواه مسلم، وزاد الترمذي فيه: (إذا لم يسم)].
أي: فإن أطلق النذر ولم يعلقه بشيء فكفارته كفارة يمين، ومفهوم المخالفة من قولنا: (ما لم يعلقه بشيء) أنه إن علقه يكون حكمه حكم النذر المسمى، وعليه أن يأتي بما سماه إن كان في استطاعته، والعلماء يقولون: لا نذر في مستحيل، ولا في معصية.
معنى: (لا نذر في مستحيل ولا في واجب في أصل الشرع) أنه لو قال: لله علي أن أصوم يوم الخميس الأخير من الشهر الماضي، هل يمكن صومه؟ لا، فلا نذر في مستحيل.
وإذا قال: لله علي نذر أن أصوم رمضان الآتي إن أحياني الله!! وهل صوم رمضان متوقف على النذر أو مفروض في أصل الشرع على الناذر وغير الناذر؟ إذاً لا ينعقد هذا النذر؛ لأنه في واجب في الشرع.
إذاً: لا نذر في مستحيل ولا في واجب في الشرع، ولا فيما لا يملك، كأن يقول: لله علي نذر إن شفى الله ولدي أن أعتق عبد فلان، لكنه ليس ملكه، وبعضهم يقول: ينعقد، وعليه أن يشتري عبد فلان ويعتقه.
ومن مباحث نذر المعصية أنه لو نذر صوم يوم العيد، فصوم يوم العيد محرم والجمهور أنه لا ينعقد، والإمام أبو حنيفة يقول: ينعقد، ولكن يخرج منه بكفارة يمين؛ لأنه ممنوع من صومه، فإذا كان ممنوعاً من صومه فلا يذهب نذره بدون شيء، بل عليه كفارة يمين، وهناك من يقول: لا كفارة عليه ولكن يقضي يوماً مكانه، والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ﷺ .
стр. 40
دروس الحرم [١٠]
следующие страницы →