← Джавами‘

Джавами‘ · id 8

دروس للشيخ عطية سالم

عطية سالم

Полный текст (124 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مشروعية النذر النذر ثابت بالكتاب وبالسنة وبالإجماع. يستدل العلماء بقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان:٧] امتدح الله الموفين بالنذر، وأصرح من هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران:٣٥]، نذرت به، وهو لا يزال في الغيب ما وضعته بعد. ومريم ﵍ ماذا قالت؟ بأمر من الله وبتعليم من الله: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦]. إذاً: هذا نص في مشروعية النذر في كتاب الله. وفي السنة قال رسول الله ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، وأقر ﷺ من نذر نذر طاعة، وأورد عليه حالة فيها نذر يشتمل على حلال وحرام ومعصية وطاعة، فألغى ما لا يجوز، وأقر ما يجوز، وذلك في حديث الرجل الذي رآه النبي ﷺ وهو قائم في الشمس، فسأل عنه، فقالوا: نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال: (مره فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه)؛ لأن الصوم عبادة، وبقية تلك الأشياء ليست عبادة، وفي الحديث: (إن الله لغني عن أن يعذب أحدكم نفسه). ولما سئل عن امرأة نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام، فطلبت من أخيها أن يسأل رسول الله ﷺ فقال له: (لتمش ولتركب). إذاً: السنة جاءت بتقرير النذر، والقرآن الكريم يذكر لنا قضايا نذر في الأمم الماضية، وما ذكرها لنا إلا لأنها مشروعة، وشرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يأت في شرعنا ما يخالفه.

стр. 37

ما ينعقد به النذر بم ينعقد النذر؟ وفيم ينعقد؟ ينص ابن قدامة في المغني بأن النذر لا ينعقد إلا باللفظ، أما لو نوى في نفسه وحدث نفسه بنذر ولم يتلفظ به فلا ينعقد.

стр. 38

أقسام النذر واستخلص العلماء من مجموع الأحاديث الواردة في باب النذر أقسامه، قال ابن قدامة ﵀ في المغني: النذر خمسة أقسام: الأول: نذر مطلق أي: لم يذكر فيه المنذور، يقول: لله عليّ نذر، ولم يسم هذا النذر، فهذا نذر مطلق عن تسمية المنذور. الثاني: نذر لجاج، وهو قول الإنسان في الخصومة والغضب: لله علي نذر كذا، إذا تخاصم مع إنسان ولج معه في الخصومة وغضب قال: إن كلمتك فلله علي أن أحبو في الشارع، فهذا نذر غضب، ونذر لجاج، واللجاج هو المخاصمة. الثالث: نذر مباح، يقول: لله عليّ أن ألبس ثوبي، أو أركب دابتي. الرابع: نذر معصية. الخامس: نذر تبرر، أي: فعل البر. النذر المطلق هو الذي لم يعين فيه ما هو المنذور، ترك أن يسمي شيئاً مخافة أن يعجز عن الوفاء به مثلاً، فكفارته كفارة يمين. نذر اللجاج هو مخير فيه بين أن يأتي بنذره على ما فيه من مشقة وثقل، وبين أن يخرج منه بكفارة؛ لأنه خرج في ساعة الغضب وفي خصومة. النذر المباح كذلك، إن شاء فعل الأمر المباح، وإن شاء أعرض عنه وعليه كفارة. نذر المعصية يحرم الوفاء به، وهل عليه كفارة أم لا؟ يرجع هذا إلى مسألة نذر المعصية هل ينعقد أو لا ينعقد؟ فقد جاء في الحديث كما تقدم: (مره فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه) وجاء الحديث الصريح: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) وقوله: (فلا يعصه) هل انعقد النذر وانحل بكفارة أم لم ينعقد فلا كفارة فيه؟ اختلفت وجهة النظر عند العلماء، فقيل: إنه لم ينعقد أصلاً، وقيل: انعقد وعليه كفارة يمين، وهناك بعض التفصيلات والتفريعات التي تدخل في هذا، وكل مباحث النذر ترجع إلى هذه الأمور. إذا نذر مكروهاً فلا ينبغي أن يأتي به، كما لو نذر بطلاق زوجته، فالطلاق مكروه، فلا يفي به، ويخرج منه بكفارة. نذر التبرر هو نذر عبادة، يقول مثلاً: لله عليّ أن أصوم يوماً، هذا النذر إما أن يكون خالياً عن الشرط، ابتداءً من نفسه، مثلاً كان كسلان عن الصيام، يرى الناس يصومون الإثنين والخميس والأيام البيض وكذا وكذا، وهو لا يصوم، فيقول: لله علي نذر أن أصوم يوم الإثنين، فهذا نذر تبرر مطلق عن شرط، فعليه أن يأتي به إلا إذا عجز فينتقل إلى الكفارة. وإما أن يكون مشروطاً، يقول مثلاً: لله علي نذر إن شفى الله مريضي أن أصوم عشرة أيام، فهذا نذر تبرر بصيام عشرة أيام لكنه مشروط بشرط، فكأنه معاوضة بيع وشراء، فإن أعطاه الله ما اشترطه عليه وفى بنذره، وإذا لم يعطه الله ما شرط كان في حل؛ لأن المشروط لم يحصل، وليس عليه كفارة وليس عليه أي شيء. هذه أقسام النذر فيما يتعلق بالمنذور، والأحاديث التي ساقها المؤلف ﵀ كلها تدور حول هذه النقاط وحول هذه المباحث، إلا أن تفريعات الفقهاء واستنتاجاتهم وسعت الباب إلى حد بعيد، فمثلاً عند نذر المعصية قالوا: لو نذر أن يذبح ولده، كما نذر عبد المطلب أن يذبح ولده، فماذا يفعل؟ لأن ذبح الولد معصية! قالوا: يكفر بذبح شاة: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٧]، وعبد المطلب نحر مائة بدنة كما حكمت الكاهنة في فداء عبد الله بعشرة إبل ثم عشرة عشرة حتى بلغت المائة، فكانت هي الدية عند العرب، ثم جاء الإسلام فأقرها. فإذا نذر أن يتبرع بجميع ماله، فيتصدق بالثلث، كما في حديث أبي لبابة لما وقع منه ما وقع، وجاء وربط نفسه في سارية المسجد وجعل على نفسه إن تاب الله عليه أن يخرج من ماله كله في سبيل الله، فقال له ﷺ : (يكفيك الثلث، تصدق بالثلث والثلث كثير). ومن العلماء من يقول: إن عين ألفاً فعليه الوفاء، وإن كان مائة ألف أو شيئاً كثيراً يعجز عنه فكفارة. وتوسعوا في الجزئيات في باب النذر وفرعوا على ما تقدم من الأقسام الخمسة. هذا مجمل مباحث النذر، وسنمر على الأحاديث التي ساقها المؤلف ﵀ لنطبق هذه المبادئ وهذه الأقسام على تلك النصوص إن شاء الله.

стр. 39

كراهة النذر المشروط قال المصنف ﵀: [وعن ابن عمر عن النبي ﷺ (أنه نهى عن النذر وقال: إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل) متفق عليه]. القرآن ينص على النذر، والسنة تنص على النذر، والرسول يقرر الكثيرين على النذر، وفي هذا الحديث نهى عن النذر، فهذا النهي نحمله على التحريم أم على الكراهة؟ على الكراهة؛ لأن الأصل الإباحة، والأصل الجواز، فإذا جاء النهي عن الجائز فيبقى النهي للكراهة، لأن الإنسان قد يمد في نذره ثم يعجز عنه. ثم ما قيمة النذر في حياتك؟ هل قولك: لله عليّ نذر إن شفى الله مريضي أن أفعل كذا، فهل سيشفيه من أجل أن تفعل؟! إذا قلت: إن شفى الله مريضي ذبحت شاة، فإذا كان الله قد قدر وفاته، فهل قولك هذا سيجعل الله يشافيه؟! النذر لا يأتي بخير، ولكن قد يصادف نذرك إرادة الله فيقع ما طلبت، الله يريد الشفاء ذبحت أو لم تذبح، فقد قضى الله أنه يشفيه، حتى لو لم تنذر أن تذبح الشاة، إذا نذرت إن شفى الله مريضك أن تذبح شاة، والحال أن الله قدر شفاءه، فإنك لو لم تقدم النذر هل ستذبح الشاة؟ لا. إذاً: النذر لا يغير إرادة الله، ولا يقدر على جلب ما لم يرده الله. إذاً: فما الفائدة منه؟ (يستخرج من البخيل) لو قيل له: اذبح أرنباً أو اذبح دجاجة يقول: لا، لكن بالنذر استخرجنا منه شاة، وهذا نهي عن المباح، فهو نهي تنزيه لئلا يقع الإنسان فيما لا يقدر عليه أو يعجز عنه. قال ﵀: [وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كفارة النذر كفارة يمين) رواه مسلم، وزاد الترمذي فيه: (إذا لم يسم)]. أي: فإن أطلق النذر ولم يعلقه بشيء فكفارته كفارة يمين، ومفهوم المخالفة من قولنا: (ما لم يعلقه بشيء) أنه إن علقه يكون حكمه حكم النذر المسمى، وعليه أن يأتي بما سماه إن كان في استطاعته، والعلماء يقولون: لا نذر في مستحيل، ولا في معصية. معنى: (لا نذر في مستحيل ولا في واجب في أصل الشرع) أنه لو قال: لله علي أن أصوم يوم الخميس الأخير من الشهر الماضي، هل يمكن صومه؟ لا، فلا نذر في مستحيل. وإذا قال: لله علي نذر أن أصوم رمضان الآتي إن أحياني الله!! وهل صوم رمضان متوقف على النذر أو مفروض في أصل الشرع على الناذر وغير الناذر؟ إذاً لا ينعقد هذا النذر؛ لأنه في واجب في الشرع. إذاً: لا نذر في مستحيل ولا في واجب في الشرع، ولا فيما لا يملك، كأن يقول: لله علي نذر إن شفى الله ولدي أن أعتق عبد فلان، لكنه ليس ملكه، وبعضهم يقول: ينعقد، وعليه أن يشتري عبد فلان ويعتقه. ومن مباحث نذر المعصية أنه لو نذر صوم يوم العيد، فصوم يوم العيد محرم والجمهور أنه لا ينعقد، والإمام أبو حنيفة يقول: ينعقد، ولكن يخرج منه بكفارة يمين؛ لأنه ممنوع من صومه، فإذا كان ممنوعاً من صومه فلا يذهب نذره بدون شيء، بل عليه كفارة يمين، وهناك من يقول: لا كفارة عليه ولكن يقضي يوماً مكانه، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ﷺ .

стр. 40

دروس الحرم [١٠]

стр. 41

باب النفقات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصبحه ومن والاه. وبعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النفقات.

стр. 42

أدلة وجوب النفقة من السنة وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول)، رواه النسائي. وهو عند مسلم بلفظ: (أن يحبس عمن يملك قوته). قال: وعن جابر يرفعه في الحامل المتوفى عنها زوجها، قال: (لا نفقه لها) أخرجه البيهقي ورجاله ثقات، لكن قال: المحفوظ وقفه. وثبت نفي النفقة في حديث فاطمة بنت قيس ﵂ كما تقدم، رواه مسلم. قال: وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (اليد العليا خير من اليد السفلى، ويبدأ أحدكم بمن يعول، تقول المرأة: أطعمني أو طلقني) رواه الدارقطني، وإسناده حسن. وعن سعيد بن المسيب: (في الرجل لا يجد ما يمسك على أهله؟ قال: يفرق بينهما) أخرجه سعيد بن منصور عن سفيان عن أبي الزناد عنه قال: قلت لـ سعيد بن المسيب: سنة؟ فقال: سنة. وهذا مرسل قوي]. سيتكلم المؤلف رحمه الله تعالى في هذا المبحث عن إعسار الزوج بالنفقة، وما يترتب على ذلك من حق الزوجة بالمطالبة بالفسخ، وهذا الموضوع له أهميته في الحياة الزوجية ولا سيما في هذه الآونة التي نعيشها.

стр. 43

معنى الحديث فبدأ ﵀ بحديث أن النبي ﷺ قال: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول). كفى: تشعر بأن هذا الفعل هو بذاته وحده إثمه يكفي في هلاك صاحبه، ما هو هذا الشيء الوحيد الذي يكفي إثمه في إهلاك فاعله؟ هو أن يضيع المرء من يعول، يعول: من عال يعول، وعال يعيل، فَعَال يعيل: من العيال، وعال يعول: من الزيادة، ويعول أي: ينفق. (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول)، أي: من تلزمه نفقته. وقد جاء نظير ذلك لكن في أعمال الخير، جاء عن عثمان رضي الله تعالى عنه، أنه حينما جهز جيش العسرة، قال له ﷺ : (ما ضر عثمان ما صنع بعد اليوم). وكذلك الحارس الذي أرسله في غزوة حنين يستطلع له خبر هوازن في بطن الوادي، فمكث من بعد صلاة العشاء إلى ما بعد صلاة الفجر على صهوة جواده، وما طلع عليهم إلا وهم في مجلسهم من صلاة الصبح، فقال له النبي ﵊: (ماذا فعلت؟ قال: والله يا رسول الله ما نزلت عن جوادي إلا مصلياً أو لقضاء حاجة، قال: لا عليك أن تعمل بعد اليوم). وكما جاء في عموم أهل بدر، كما في قصة حاطب بن أبي بلتعة لما أرسل خطاباً إلى المشركين وكان من شأنه أنَّ عمر استأذن رسول الله ﷺ أن يضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ : (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). أي: أن هذه الأعمال وحدها يكفي ثوابها لنجاة العبد، وليس معنى ذلك أنه يبيح له المعاصي، أو يبيح له ترك الواجبات، ولكن المراد: تعظيم وتفخيم هذا الأمر الذي قام به هذا الشخص، فهنا كفى في الخير كذا، وهناك كفى في الشر كذا. يعني أن الأعمال تتباين وتتفاوت، وأعمال الخير تتفاوت في تعاظم الأجر، وأعمال الشر تتفاوت في عظم الإثم، وهذا ذهب إليه بعض المفسرين في قوله سبحانه: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت:٣٤]، الجمهور يقولون: (ولا تستوي الحسنة) أي: جنس الحسنات، (ولا السيئة) أي: جنس السيئات، الحسنة ما هي مثل السيئات، الحسنة أحسن، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤] هذا رأي الجمهور، وبعض المفسرين يقولون: لا تستوي الحسنات في أفرادها، بل تتفاوت الحسنات بعضها على بعض. ولا تستوي السيئة، أي: لا تستوي السيئات بعضها مع بعض، ولكن هناك سيئة وهناك أسوء، وهناك حسنة وهناك أحسن. فهنا تحذير من النبي ﷺ بقوله: (كفى بالمرء)، والمرء مذكر، ومثله امرؤ، ومؤنثه امرأة. (كفى بالمرء) أي: الإنسان مطلقاً، ويشمل المرأة. (إثماً) أي: ذنباً عظيماً، (أن يضيع): يكون ذلك بأحد وجهين: الوجه الأول: أن يكون غنياً ويمسك النفقة بخلاً أو تغافلاً أو سهواً، أو يقدم غير من يعولهم على من يعولهم، أو لكون العائل ينفق ماله في مباحات يسرف على نفسه بها، ويترك النفقة على من يعولهم. الوجه الثاني: كونه لا يجد النفقة ولم يتصرف معهم تصرف المعذور المعسر، وإذا كان الأمر كذلك، إذاً: من وجبت نفقة إنسان عليه فعليه أن يبادر وأن يقدم له ما يعوله، وهل يدفع له نفقته يومياً أو إسبوعياً أو شهرياً أو سنوياً؟ كل ذلك بحسب الاتفاق، وإن تنازعوا فيوم بيوم؛ لأن كل يوم له نفقة مستقلة.

стр. 44

هل يدخل العبيد والخدم والحيوان في معنى الحديث واللفظ الثاني: (أن يحبس عمن يملك قوته). في الرواية الأولى: (من يعول)، وفي هذه الرواية: (عمن يملك). يدخل في الملك أولياً: الخدم، أي: المماليك؛ سواء كن الجواري أو العبيد، ويتبع ذلك كل ما يدخل في ملكه وحوزته حتى الحيوان، وقد أشرنا سابقاً إلى ما تنص عليه كتب الحنابلة: بأن الإنسان إذا كان عنده حيوان يستخدمه ثم عجز الحيوان عن الخدمة، فلا يحق له أن يحبسه حتى يموت بل ينفق عليه، وإن عجز عن النفقة عليه أخرجه إلى أرض مخصبة منبتة يرعى فيها. أما إذا كان مأكول اللحم ذبحه وانتفع بلحمه وبرئ من إثمه، وإن كان غير مأكول اللحم لا ينفع ذبحه، فإنما يرسله إلى ما يمكن أن يجد قوته أو طعامه أو مرعاه هناك. وبهذه المناسبة ننبه على هؤلاء الذين يستخدمون الخدم، بأن طعامهم وشرابهم ومنامهم على الكفيل؛ لأنهم في ملكه للخدمة؛ ولأنهم من ضمن من يعول. وهنا تأتي المروءة، ويأتي حسن الخلق، ويأتي حسن الصحبة، فمن الناس من يجلس خادمه معه ليأكل، المرأة مع المرأة، والرجل مع الرجل، ومنهم من يغرف له قبل عياله، ومنهم من يحبس ويتحفظ على حصته من الطعام، وقد جاء عنه ﷺ فيما يتعلق بهذا الصنف من الناس، إذا قدم لك خادمك الطعام فإما أن تجلسه معك وإلا أطعمته منه، فقد عالجه وأنضجه وقدمه إليك. هذه ناحية نفسية عجيبة يا إخوان، الخادم والطباخ يعالج الطعام، وبرائحته، بلونه، بشهيته، بكل نفسيته، ثم أنت تأخذ الطعام ولا يذوق منه شيئاً، ألا تخشى من عينه، ألا تخشى من حقده عليك، بل المفروض أن الإنسان إذا كان يأكل طعاماً وجاءه طفل أو جاءه خادم أو جاءه إنسان أن يدعوه لمخالطته ما دام قد رأى الطعام بين يديه، ولعل نفسه تعلقت به! سئل رجل من السلف وكان لا يأكل مع والديه، عن سبب ذلك، فقال: أخشى أن تسبق يدي إلى شيء تتعلق به نفوسهما. فمعنى ذلك أن العين تسبق إلى الطعام، حتى العامة يقولون: الناس تأكل بعيونها لا ببطونها. فإذا كان الأمر كذلك، فينبغي أن نلاحظ حقوق الخدم الذين يكونون معنا في البيت، ومما يمكن أن نضيفه إلى ذلك -نبين مدى سعة رحمة الله وعناية الإسلام بالمملوك- الذين يقتنون الطيور ويجعلونها في أقفاص، فلا بد من توفير الماء والطعام لها، وتغيير الماء وغسل آنيته كلما دعت إلى ذلك حاجة. وبعض الناس يدعه ولا يسأل عنه وقد ينساه، وينتهي ما معه من ماء، فيموت عطشاً، فهذا يخشى عليه من حديث المرأة التي قال عنها النبي ﷺ : (دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض). فإن لم ترد إطعامها فاتركها تأكل من خشاش الأرض.

стр. 45

بيان مدى عظم أجر الإحسان إلى خلق الله يقابل هذا في الجانب الآخر أنه دخل رجل الجنة في كلب -هرة وكلب! سبحان الله- وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: (بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش، فنزل بئراً فشرب منها ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش)، الثرى: التراب المبلل بالماء، طلباً لأثر الماء الموجود في ذلك التراب. (فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي)، وليس عنده دلو، ولا عنده ماعون، فماذا فعل؟ (فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، ثم رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له)، وجاء في لفظ الجلالة الرفع والنصب. فأما على النصب: (فشكر اللهَ) أي: أن الكلب شكر الله لهذا الرجل الذي أحسن إليه. وعلى رواية الرفع على الفاعلية: شكر اللهُ له صنيعه في مخلوق. قالوا يا رسول الله: ألنا في الحيوانات أجر، قال: (في كل كبد رطبة أجر). على هذا: إذا كان الإنسان يقتني كلباً مما تجوز قنيته؛ ككلب الماشية، وكلب الزرع، وكلب الحراسة، وما عدا ذلك من اقتنى كلباً لغير هذه الأسباب الثلاثة نقص من أجره كل يوم قيراط؛ فواجب على من اقتنى كلباً عليه أن يوفر له المأكل والمشرب، وإلا تركه لحال سبيله يأكل من خشاش هذه الأرض. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 46

دروس الحرم [١١]

стр. 47

وجوب العدل والمساواة بين الضعيف والقوي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد: قال المصنف ﵀: [وعن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كيف تُقدّس أمة لا يؤخذ من شريفهم لضعيفهم؟!) رواه ابن حبان، وله شاهد من حديث بريدة عند البزار، وآخر من حديث أبي سعيد عند ابن ماجة. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يدعى بالقاضي العادل يوم القيامة، فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره) رواه ابن حبان، وأخرجه البيهقي، ولفظه: (في تمرة). وعن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) رواه البخاري].

стр. 48

هلاك الأمم بسبب ترك العدل يأتي المؤلف ﵀ بهذا الحديث في هذا الموطن ليبين أن العدالة في القضاء بها تقدّس الأمة، فإذا ما ضاعت العدالة في الأمة لم تكن أهلاً لأن تقدس. وكيف تقدّس؟ أي: تنزه وتطهر ويكون لها قيمة عند الله وعند الناس. فالتقديس هو: التنزيه، والرسول ﷺ بسؤال التعجب هذا: (كيف تقدس أمة؟!) كأنه يقول: لا يمكن أن تقدس أمة لا يؤخذ من شريفها لوضيعها؛ لأنه إذا لم يؤخذ من الشريف للوضيع حقه فحينئذ تسود الفوضى، ويختل النظام، وتصبح تلك الأمة في عداد الأمم التي لا قيمة لها؛ لأنها لم تنصف بين أفرادها، ولم تحسن أن تقيم العدالة بين الجميع. وكما قيل سابقاً: العدل أساس الملك، فالعدالة لا بد أن تكون عامة شاملة، وقد سمعنا في هذا الموضوع من بعض المعاني، وقرأنا كذلك فيما يتعلق بمساواة الشريف بالوضيع في الخصومة، وفي أخذ الحق. وقد أحسن الصديق رضي الله تعالى عنه حين أعلنها مدوية في خطابه الذي يسمى اليوم بخطاب العرش، أي: الخطاب الذي يرسم فيه رئيس الدولة خطته في الحكم، ومنهجه في السياسة، فمما قاله الصديق رضي الله تعالى عنه: (ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه) فالحق أعطى الضعيف قوة، والحق حط من قوة القوي حتى يتعادلا ويتساويا في الحقوق وفي الحكم. ومما سمعنا ولم نقرأه: أن جبلة بن الأيهم كان يطوف بمكة، وكان عمر رضي الله تعالى عنه آنذاك موجوداً في وقت الطواف، فوطئ رجل على إزار جبلة بن الأيهم، فأساءه، فالتفت إليه فصفعه على وجهه، فاستعدى عليه عمر وقال: القصاص يا أمير المؤمنين! فقال عمر لـ جبلة: القصاص يا جبلة!، قال: كيف تقتص مني لأعرابي يبول على فخذيه! -يعني: استخف به واستضعفه واستهان بأمره، ورأى في نفسه أنه لا يقتص من مثله لأعرابي- فقال له عمر: شرع الله القصاص، فلا بد من القصاص، فقال: إن كان ولا بد فأمهلني حتى أنهي عمرتي، فأمهله، فلما أنهى العمرة شرد إلى الشام، فأوى إلى الغساسنة هناك. هنا استعظم في نفسه أن يقتص منه لمن هو دونه، فهو من سادة العرب، وهذا الذي وطئ على إزاره فرد من الأفراد وشخص دونه، فتعاظم في نفسه وامتنع أن يعطي من نفسه القصاص لصاحب الحق؛ لأنه أضعف منه.

стр. 49

بنو إسرائيل ومفاضلتهم بين الشريف والوضيع في الحكم: وقد سُجل لنا في بني إسرائيل كما جاء في الحديث: (كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد). ولما جاءت قضية الزانية والزاني اليهوديين، فجاءوا إلى النبي ﷺ ليحكم بينهم، لأنهم قالوا فيما بينهم: امضوا إلى محمد لعلكم تجدون عنده أهون وأسهل مما عندكم، فلما أتوا النبي ﷺ سألهم عما في كتابهم، فقالوا: إن عندنا في التوراة أن نسخم وجوههما ونرسلهما على حمار مقلوبين ونطوف بهما ونشهر. فقال: هذا حكمها؟ قالوا: بلى، فقال شاب حاذق: لا والله أخبروا رسول الله عن الحقيقة، والله إن فيها الرجم، فلما جيء بالتوراة أخذ القارئ يقرأ من موضع آخر ووضع يده على نص الرجم، وقرأ ما قبله وما بعده، فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك؛ فرفع يده فإذا فيها نص الرجم، فقال: سبحان الله! ما الذي حملكم على هذا؟ قالوا: لقد فشا الزنا في بني إسرائيل -النساء جميلات، والرجال متوفرو الشهوة، والاختلاط موجود- وكثر القتل فيهم بسبب ذلك عند الرجم، فقالوا: لو استمر الرجم على ذلك لقتل أشراف بني إسرائيل، فهلم نجتمع على رأي نطبقه على الصغير والكبير، على الشريف والوضيع، فاتفق رأيهم أنهم يسخمون وجوههم، أي: يسودونها بالفحم، ويركبونهم على دابة، ووجوهما إلى قفاها، ويطوفون بهما في الطرقات معلنين أن هؤلاء زناة، ثم حكم ﷺ بالرجم. وهل حكم بالرجم على ما يوجد في التوراة لأهل التوراة، أو حكم بالرجم على ما في كتاب الله؟ قال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٨]. كذلك قضية العسيف والرجل اللذين أتيا إلى النبي ﷺ ، وقضيتهم في الموطأ مطولة فقال الرجل: (إن ابني كان عسيفاً عند هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله)، ثم قضى بينهما أن على ولده -أي: العسيف- جلد مائة لأنه أعزب، ولم يكن أُحصن، فقال: (الوليدة والغنم رَد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها). الكلام على إثبات موضوع الرجم هذا محله غير هذا المكان، وهو أمر مفروغ منه، وبإجماع جميع الملل أو النحل السماوية، فإن الزنا محرم وفيه الرجم.

стр. 50

أبو بكر وعمر ﵄ وعدلهم بين الرعية فلذلك لا تقدس أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها، وهكذا بنو إسرائيل حينما لم يأخذوا حق الضعيف من القوي آل أمرهم إلى التمزق، وآل أمرهم إلى السقوط والضياع، وقد فطن لذلك الصديق رضي الله تعالى عنه فأعلنها مبدئياًَ: (ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه) يعني: لا يعتصم أحد مني بقوته، ولا ييأس أحد مني لضعفه، الكل سواء في حكم العدالة. وهذا هو ما ينبغي، فإذا ما ضيع هذا الجانب، وروعي الأشراف أو السادة أو الكبار أو ذوو الجاه، فهودنوا فيما يتعلق بحدود الله، وجيء إلى الضعفاء المساكين فنفذ عليهم حق الله، فهذه الأمة لا تستحق التقديس، وهي إلى الضياع أقرب، نسأل الله تعالى العافية والتوفيق. وقد قال ﷺ : (الناس سواسية كأسنان المشط)، وكما تقدم في كتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى ﵁: (سوِّ بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك)، وأمره أن يسوي بين الخصمين أمامه، وألا يميل إلى واحد منهما بلحظه أو بنظره، لئلا يطمع الشريف في حيفه، ولا ييأس الضعيف من عدله. لأن الشريف إذا وجد القاضي يحابيه أو يصانعه أو يميل إليه، أو يلين له الحديث عند المناقشة؛ فإنه يطمع في المجاملة، والضعيف إذا وجد ذلك من القاضي في نبرات صوته، وفي كلماته وعباراته؛ فحينئذ يدخله كسر الخاطر، ويدخله الرعب والخوف من القاضي. ولهذا ينبغي على القاضي أن يسوي بين الخصوم في خصومتهم، وبين مفاهمته معهم، حتى قال بعض القضاة: لو أغضب أحد الخصوم القاضي فرفع صوته عليه، وتكلم القاضي على هذا الذي أغضبه أو أثاره؛ فإنه ينبغي أن ينتهز فرصة من الطرف الثاني ولو كانت أقل من خطأ صاحبه، ويصيح عليه كما صاح على الأول، ليشعر بالمساواة. وهكذا تبدأ العدالة من مجلس القاضي: (أجلسهم بين يديك، وأصغ إليهما، ولا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر) إلى آخر تلك الإرشادات التي جاءت في خطاب أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه. كيف تقدس أمة لم يؤخذ الحق من شريفها لضعيفها؟ لا يمكن، فإذا ما تساوى الجميع وأخذ الحق من القوي للضعيف، شعر الضعيف أنه قوي بالحق، وشعر القوي أنه ضعيف بمصادرته ومصادمته للحق، فيكون الحق هو حق النصر، وحق الاعتدال بين الطرفين كما قيل: الفضيلة وسط بين طرفين. وبالله تعالى التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 51

دروس الحرم [١٢]

стр. 52

باب الولاية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد الخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:

стр. 53

أدلة منع المرأة من الولاية قال المصنف ﵀: [وعن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) رواه البخاري. وعن أبي مريم الأسدي ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين فاحتجب عن حاجتهم وفقيرهم؛ احتجب الله دون حاجته) أخرجه أبو داود والترمذي. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي في الحكم) رواه أحمد، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو عند الأربعة إلا النسائي. عن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) رواه البخاري. الذين قالوا بعدم صحة تولية المرأة القضاء، قالوا: لأن القضاء مبناه على العقل والفهم، والفهم هو مقياس نجاح القاضي، والرسول ﷺ نفى عنهن تمام العقل والفهم، ونفى عنهن تمام الدين، وقال: (إنكن ناقصات عقل ودين)، ولما ذكر الله الشهادة قال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢]، وكأن المرأتين معاً صيغا وسبكا فجعل منهما رجل. وعلى هذا يكون نقص العقل في المرأة لا بد أن يكون نقصاً في التفكير ونقصاً في الفهم. ثم إذا نظرنا إلى وصف المرأة في معاتبة المشركين في ادعائهم بأن لله البنات ولهم الذكور فقال: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨]، أي: عاش على النعيم والترف، لم يذق شظف العيش، ولم يقف مواقف اضطرارية في حياته فيصبر عليها، ويفكك المشاكل، بل ينشأ في الحلية، وقد أشرنا إلى قضية اليهودي مع الجارية أنه وجدها ووجد على رأسها أوضاحاً من ذهب، فأخذ الأوضاح ورض رأسها، وكنا كتبنا عن ذلك مطولاً، وقلنا: إن أولياء هذه الطفلة وكل طفلة يكثرون عليها من الحلي فاعتدي على الطفلة لحليها، فإن أهلها شركاء في قلتها مع القاتل المعتدي؛ لأنهم علقوا عليها أسباب القتل والاعتداء، فإذا رآها مجرم ورأى الذهب سال لعابه أمام بريق الذهب، فارتكب جريمة القتل وأخذ ذهبها. فقوله: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ) دليل على ضعف القوى في مواجهة الخطوب والصعوبات، (وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) أي: ضعيف البيان، وكما قالوا: المرأة إذا حزبها أمر فزعت إلى البكاء، وإذا ضاقت حيلتها وعجزت قوتها عمدت إلى الضعف وبكت، فإذا كانت القضية حازمة، وكانت دلالاتها خفية، وحزبها الأمر، أتجلس تبكي أمام الخصوم، أم ماذا تفعل؟ لأنها بتركيبها التكويني جبلت على هذا الأمر، ومن يطلب من الماء ذهباً فقد كلف الماء ما لا يطيق، وعلى هذا لم يكن تكوينها الذاتي يعطيها الصلاحية للولاية.

стр. 54

ندرة صلاح المرأة للتدبير ومن أعجب ما قرأت أن الزبّاء وكانت ملكة بعد أن آل إليها حكم زوجها، وكان جذيمة ينافس زوجها فخافت منه، فأرادت أن تحتال عليه لتقتله لتأمن غيلته، فكتبت إليه، ومما قالت: إن تنصيب المرأة ملكة ثقيل في الأسماع -تتظاهر بعدم رضاها عن توليتها الملك- وضعف في السلطان، يطمع فيها الخصوم، فأت إلي لنتفق معاً ويتم الزواج وأكون بك قوية، فاستشار جذيمة أصحابه، فأشاروا عليه بذلك إلا رجلاً يسمى قصير، قال: لا أرى ذلك إلا خدعة، فلو كانت صادقة فلتأت هي إلى آخر أمرها، وذهب برجاله، فقال له قصير: إذا رأيت الخيل مشت أمامك فاعلم بأنها صادقة، وإذا رأيت الخيل قد أحاطت بك فاحذر. وكان لـ جذيمة فرس لا تدرك، فقال له قصير: فإن رأيت الغدر فاركب فرسك وانج بنفسك، فلما ساروا معه في الطريق وكان قصير معه، لقيتهم خيل الزبّاء وأحاطت به، فنبهه قصير فأبى، فحالاً بادر قصير وركب فرس الملك ونجا بنفسه، ثم لما دخل جذيمة عليها وجد المكيدة مدبرة وقُتل، وكان له أخ أو ابن أخ يدعى عمرو، فقال له قصير: قم واثأر لأخيك، قال عمرو: وكيف ذلك؟ قال قصير: اجدع أنفي واكسر ظهري، ففعل، فرجع إليها يبكي، فقالت له: ما بالك؟ قال: إن عمراً اتهمني أنني مالأتك على أخيه فقتلتيه، فلم أجد لي مهرباً إلا عندك، وأخذ يتقرب منها إلى أن وثقت به، إلى أن دبر المكيدة لقتلها الذي يهمنا: أنها كتبت إليه وقالت: إن تملك المرأة ثقيل في السمع ضعف في السلطان، فإذا كان هذا اعتراف ملكة بوضع المرأة في الولاية، فنحن لسنا في حاجة إلى ذلك، ولكن نقول: إن الذين ناصروا جانب تولية المرأة استشهدوا بهذه وبغيرها، وقالوا: بلقيس كانت ملكة سبأ، كيلو بترا كانت ملكة مصر، وملكة بريطانيا، وملكة إيطاليا، وملكة فرنسا، كلهن نساء، فكيف نوفق بين ذلك وبين هذا الحديث: (لن يفلح قوم) وهؤلاء نسوة قد تملكن في بلادهن، وسارت بلادهن على ما يرام؟ والجواب عن ذلك: أننا لو قرأنا تاريخ تلك النسوة في ملكهن، لوجدناهن جميعاً قد قتلن، واضطرب الملك تحت أيديهن، ولم تفلح دولة تحت ولاية امرأة خلفت زوجها أو أباها أو أخاها. ولا يهمنا تاريخ تملك النساء، ونتائج ذلك، ومن أراد التوسع في هذا فليرجع إلى كتاب: الدر المنثور في أخبار صاحبات القصور؛ ففيه من الأخبار العجائب. ومن المعلوم أنه لم تتول امرأة حكماً في العرب إلا بلقيس، ثم إذا وجد هناك نسوة حصيفات العقول، حكيمات السياسة، فيكون ذلك من الندرة بمكان، كما فعلت بلقيس حينما بلغها أمر نبي الله سليمان، وقالت: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ [النمل:٢٩ - ٣١]. ثم قالت: ماذا تشيرون علي؟ فكان رأيهم رأياً عسكرياً ﴿نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل:٣٣]، لكن بحصافة عقلها ورجحان فقهها ما رأت أن تبدأ بالقتال لمن تجهل قوته، ولم تعرف حقيقة ملكه، قالت: لا أنا سأبدأ باللين أولاً ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:٣٥]، وكانت تلك المهاداة، وهذا النظر اللين، كما يقال: الحرب الباردة، فكانت موفقة، ورجع الهدهد سفيراً إليها، وجاء الله بها مسلمة، فأسلمت مع سليمان لله رب العالمين. فهذه استعملت عقلها وحصافتها في قضية تأزمت، وقد صدر من بعض نساء المسلمين في عصر النبي ﷺ ، أو فيما بعد ذلك من هذا شيء كثير.

стр. 55

موقف أم سلمة الحكيم في الحديبية ففي الحديبية لما أمر النبي ﷺ أصحابه أن يتحللوا وأن ينحروا هديهم، فلم يقم أحد، فدخل على أم سلمة مغضباً، فقال: (يا أم سلمة: ما شأن الناس؟ قالت: يا رسول الله! قد دخلهم ما قد رأيت، فلا تكلمن منهم إنساناً، واعمد إلى هديك حيث كان فانحره واحلق، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك)، لأنهم خرجوا لا يظنون إلا أنهم آتون البيت، وما صدر في فكرهم أن يمنعوا منه، فهم متحمسون، وينتظرون فرجاً من الله بأن يهيئ لهم دخول مكة وإتمام عمرتهم. وقالت له: اخرج عليهم ولا تكلمن أحداً منهم؛ لأن النفوس مشحونة ليس فيها سعة لتتحمل شيئاً، وأصبح الآن القدوة الفعلية أولى من الكلام والبلاغة والخطابة، واعمد إلى هديك فانحره، وادع الحلاق يحلق لك، والزم خيمتك. نحن هناك نجد عمر حينما أعلن النبي ﷺ بالتحلل وبنحر الهدي وقف وقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فـ عمر يريد أن ينهي القضية بالسيف كأصحاب بلقيس: ﴿نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ﴾ [النمل:٣٣]، بينما أم سلمة رضي الله تعالى عنها ليست من أهل القوة والسيف، ولكن من أهل الفطنة وبعد النظر والتريث، فحلت القضية بالحكمة؛ فما أن رأى المسلمون رسول الله ﷺ نحر هديه وحلق شعره إلا تبادر الجميع وتسابقوا إلى الحلق والنحر، وانتهت القضية. ونجد التطبيق العملي في تاريخ المسلمين منذ أن أعلن النبي ﷺ رسالته، وبلغ وحي الله، ومدة مكثه في مكة، وعند مجيئه إلى المدينة، وفي زمن الخلفاء الراشدين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ومن تبعهم، إلى أن جاءت الخلافة العثمانية، لم نجد خلال هذه المدة الطويلة أن امرأة تولت القضاء أبداً. إذاً: حينئذ لا ينبغي أن نجعل تولية المرأة القضاء قضية، ونناقش فيها، ونأتي بأدلة من هنا أو هناك، ونجرح من يقول بولايتها لا وكلا، ويهمني تصحيح المفهوم عن الأحناف أنهم يجيزون ولايتها بالإطلاق، ولكن التحقيق عندهم أنهم لا يجيزونها إلا عند الضرورة. والله تعالى أعلم.

стр. 56

التركيب الخلقي في المرأة لا يناسب القضاء هناك أيضاً الذين يمنعون تولية المرأة القضاء، يوردون على الموضوع لوازم القضاء، ومن لوازم القضاء: أن القاضي يستقبل الخصوم، ويجلسهم بين يديه ويناقشهم، فهل المرأة تتحمل هذا في كل الظروف؟ قد يتقوى عليها الخصوم، وقد يسمعانها ما لا تطيق، وقد تعجز في مجاراتهما، فحينئذ يضيق صدرها ويعتريها الغضب، فتأتي إلى المحظور: (لا يقضين أحد بين اثنين وهو غضبان). ثم سيأتيها مواطن تضطر فيها إلى المشاهدة والمعاينة لواقع هذه القضية أو تلك، أو إنابة من ينوب عنه ليرى وينقل إليها الواقع، فإذا تولت المرأة ذلك كان شاقاً عليها، كما قالوا الآن في تولي المرأة النيابة في البلاد النيابية، وتقف وتذهب وتناقش وتعمل محاضر معاينة، ويكون في ذلك مشقة عليها، وهي امرأة ضعيفة. بل إن المرأة تعتريها لخلقتها ما يعتري النساء، وهذا قد يسيء إليها نفسياً، وقد تعجز معه أن تسع الخصومة بحلم وعفو وعقل، بل هي من نفسها تتضايق؛ فكيف تتحمل غيرها. وعلى هذا ذكروا أشياء عديدة في أن المرأة لا تصلح خلقياً أن تكون قاضية. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد ﷺ .

стр. 57

دروس الحرم [١٣]

стр. 58

أحكام الظهار باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، وبعد: قال المؤلف ﵀: [وعن ابن عباس ﵄ أن رجلاً ظاهر من امرأته، ثم وقع عليها، فأتى النبي ﷺ ، فقال: إني وقعت عليها قبل أن أكفر، قال: (فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به)، رواه الأربعة وصححه الترمذي ورجح النسائي إرساله، ورواه البزار من وجه آخر عن ابن عباس ﵄ وزاد فيه (كفر ولا تعد). وعن سلمة بن صخر ﵁ قال: (دخل رمضان فخفت أن أصيب امرأتي فظاهرت منها، فانكشف لي شيء منها ليلة، فوقعت عليها، فقال لي رسول الله ﷺ : حرر رقبة، فقلت: ما أملك إلا رقبتي، قال: فصم شهرين متتابعين، قلت: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: أطعم فرقاً من تمر ستين مسكيناً)، أخرجه أحمد والأربعة إلا النسائي وصححه ابن خزيمة وابن الجارود.

стр. 59

الظهار وكفارته تقدم لنا أن الظهار هو تشبيه الرجل زوجته بظهر أمه، وكان هذا معروفاً في الجاهلية، وكانوا يعتبرونه طلاقاً، يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، أي: في المحرمية، وتصبح امرأته حراماً عليه لا يصح له أن يطأها، وهذا معروف عند الجميع. وجاءت قضية خولة مع زوجها أوس بن الصامت الذي نزل في شأنها وشأنه سورة المجادلة: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة:١ - ٢]، إلى آخر السياق. تقول خولة: كنت تحت ابن عمي أوس بن الصامت، وكان رجلاً كبيراً فيه غضب، فغضب مرةً ثم قال: أنت عليّ كظهر أمي. فأتت النبي ﷺ فذكرت له ذلك فقال: (ما أراكِ إلا حرمت عليه)، فتجادلت مع النبي ﷺ وقالت: يا رسول الله ما ذكر طلاقا، ويقول لها رسول الله ﷺ : (ما أراك إلا حرمت عليه)، إلى آخره، فأنزل الله آية الظهار. وفي هذا تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات! هذه خولة تجادل رسول الله ﵌ وأنا معها في الغرفة، أسمع بعض حديثها ويخفى عليّ بعضه، والله يسمعه من فوق سبع سماوات. هذا مبدأ الظهار في الإسلام، فجعل الله على الذين يعودون لما قالوا: تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. فأما الحديث الأول: قال: وعن ابن عباس ﵄: (أن رجلاً ظاهر من امرأته ثم وقع عليها، فأتى النبي ﷺ فقال: إني وقعت عليها قبل أن أكفر، قال: فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به). ولكن جاءت قصة سلمة بن صخر قال: (كنت رجلاً قد أوتيت من جماع النساء مالم يؤت غيري -أي كان به نهم على الجماع- فلما دخل رمضان تظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان فرقاً من أن أصيب منها في ليلتي، فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار وأنا لا أقدر أن أنزع، فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فوثبت عليها، فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري فقلت: انطلقوا معي إلى رسول الله ﷺ فأخبره بأمري، فقالوا: لا والله لا نفعل! نتخوف أن ينزل فينا قرآن، أو يقول فينا رسول الله ﷺ مقالة يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك. قال: فخرجت فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته خبري، فقال: أنت بذاك؟ قلت: أنا بذاك، قال: أنت بذاك؟ قلت: أنا بذاك، قال: أنت بذاك؟ قلت: أنا بذاك، وهأنذا فامض في حكم الله فإني صابر لذلك. قال: أعتق رقبة، قال: فضربت صفحة عنقي بيدي، فقلت: لا والذي بعثك بالحق لا أملك غيرها، قال: صم شهرين متتابعين، قلت: يا رسول الله! وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام، قال: فأطعم ستين مسكيناً، قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه مالنا عشاء). فلما عرف للنبي ﷺ من حاله أنه لا يملك رقبة، ولا يستطيع صيام شهرين متتابعين، ولا يجد ما يطعم ستين مسكيناً، قال له رسول الله ﷺ : (اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقا ستين مسكيناً، ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك). والمعنى: أنها أكثر من المطلوب.

стр. 60

مقدار كفارة الظهار وجاء في بعض الروايات أن الرسول ﷺ : أتي بعرق تمر، والعرق: هو ما يسمونه المكتل، واختلفوا في مساحة هذا المكتل، وبعضهم يذكر أنه يسع وسقاً والوسق ستون صاعاً، لكل مسكين صاع. وفي بعض الروايات: فيه خمسة عشر صاعاً، فيكون الصاع لأربعة أشخاص. وفي قصة خولة التي نزلت فيها سورة المجادلة، قال ﷺ لما أخبرها: (ليعتق رقبة قالت: لا يملك، قال: يصوم شهرين متتابعين، قالت: شيخ كبير لا يستطيع، قال: يطعم ستين مسكيناً، قالت: والله ليس عنده ما يتصدق به، فأتي بمكتل تمر فقال: خذي هذا ليطعمه، قالت: وأنا سأعينه بمثله)، فيكون المكتل خمسة عشر صاعاً، ومكتل آخر من زوجته خمسة عشر صاعاً، فيصير ثلاثين صاعاً، إذن يعطى للشخص الواحد نصف صاع. وعلى هذا: اختلفت الأقوال في مقدار الكفارة للشخص الواحد من صاع إلى نصف إلى ربع، وهو المد النبوي. وقد وقع بين الإمام مالك ﵀ وشخصٌ من غير أهل المدينة مناظرة، فقال للإمام مالك: إن الإطعام على الشبع، يعني: أطعم ستين مسكيناً كل واحد ما يشبعه، فقال مالك: نعم على الشبع، فقال: لا يشبع الواحد عندنا إلا الصاع، فقال مالك: ونحن يشبع الواحد عندنا نصف الصاع؛ لأننا قد دعا لنا رسول الله ﷺ أن يبارك لنا في صاعنا ومدنا، وأنتم لم يدع لكم: (اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا)، فالإمام مالك ﵀ استعمل هذه الدعوة المباركة في مقدار ما يشبع الشخص من الكفارة.

стр. 61

أقوال العلماء في صور الظهار وصور الظهار أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي؛ هذا هو الأصل. وفرعوا على ذلك مسائل: منها لو ذكر عضواً غير الظهر، كالفخذ والبطن ونحوها، والراجح أن كل عضو في الأم يحرم عليه من أجنبية، فإن شبه زوجته بهذا العضو فهو ظهار، فلو قال: أنت علي ككتف أمي كذراع أمي كفخذ أمي أي: في المحرمية؛ فهو ظهار. ومعلوم أن الكتاب والسنة ذكرا الأم، فإذا شبه زوجته بغير أمه كالأخت أو البنت أو الخالة أو العمة، فهل يكون ظهاراً أو لا؟ القول الأول: قول ابن حزم فقد قصر الظهار على ظهر الأم، وما سوى ذلك فليس بظهار. القول الثاني: أن من شبه زوجته بمن تحرم عليه تحريماً مؤبداً أو مؤقتاً فهو ظهار. ومن هنا تأتي قضية تقدمت لنا في تحريم المرأة قبل أن يتزوجها، كقول القائل: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، هنا في الظهار: هل يصح الظهار من امرأة لم يتزوجها إن تزوجها؟ أو هل يصح تعليق الظهار على زواجه بامرأةٍ معينة أو بامرأة مطلقة؟ كما تقدم لنا في الطلاق، كأن يقول: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، أو إن تزوجت فلانة أو امرأة من القبيلة الفلانية أو البلد الفلاني أو الأسرة الفلانية؛ فهي طالق. فرق بين التعميم والتخصيص، ويقولون: التفريق استحسان، والحنابلة الذين يقولون بالتفريق في الطلاق، يقولون: لا يصح الظهار معلقاً على امرأة إن تزوجها؛ لأن الله قال: ﴿يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة:٣]، ومن كانت غير زوجة فليست من نسائهم. ومن هنا أيضاً: ذهب العلماء إلى عدم صحة الظهار من الأمة. ومباحث الظهار عند الفقهاء متعددة، يذكر ابن رشد وغيره في بداية المجتهد مسألة: هل للمرأة أن تظاهر من زوجها؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب، فمنهم من يقول: لها أن تظاهر، وإذا مكنته من نفسها فعليها كفارة ظهار، وهو خلاف ما عليه أصحاب المذاهب الأربعة الذين لا يقولون بصحة ظهار المرأة من زوجها، لأنها أصلاً لا تملك حق منع نفسها عنه، وبعضهم يوجب عليها كفارة يمين قبل أن تمكنه من نفسها. ثم الظهار يكون مؤقتاً بوقت أو مطلقاً، فإن كان مؤقتاً بأقل من أربعة أشهر -كالذي ظاهر من امرأته شهر رمضان- فتنتظر الزوجة حتى تنتهي المدة، وإن كان الظهار مؤقتاً بأكثر من أربعة أشهر؛ فإن مضت مدة أربعة أشهر ولم يكفر، فالمرأة لها أن تصبر أو أن ترفع أمرها للحاكم، وكذا إن كان الظهار مطلقاً. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 62

دروس الحرم [١٤]

стр. 63

الدلالة العامة لقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد: السؤال فضيلة الشيخ! رأينا في بعض الكتب قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤] في ضمن الأدعية المسنونة عند زيارة النبي ﷺ ، فهل هذا من السنة؟ وإن كان من السنة، فما المقصود بها؟ الجواب أيها الإخوة الكرام: لعلها من ساعات التوفيق من الله أن نجتمع في هذا المسجد النبوي الشريف، وأن نستمع إلى هذا السؤال من الأخ السائل الكريم الذي عبرنا عنه بحسن الظن إن شاء الله. ونحن أولاً نتناول صيغة السؤال، ثم نأتي إلى القضية في كتاب الله على منهج التفسير الموضوعي وليس الموضعي. يقول الأخ الكريم: وجدنا في بعض الكتب. أعتقد أن هذه الصيغة صيغة مجهول، ولو سألنا كل إنسان -سواء الأخ السائل أو غيره- في أيِّ الكتب؟! أهي العلمية التي هي مراجع المسلمين في الفقه والأحكام، أم هي الكتب التجارية التي تطبع وتباع للزوار بقصد الربح والتجارة؟! هذا أول ما يلزمنا معرفته؛ لأن هذه دعوى تتعلق بمعتقد، وتتعلق بحق المسلم وبهذه القضية، وهي: استغفار الرسول ﷺ لمن جاءه، وكنت أود لو أن الأخ السائل الكريم أو غيره حتى لا يكون هناك إحراج أن يسمي لنا كتاباً من تلك الكتب لنعرفها جميعاً، ونحن نريد أن نبحث هذه المسألة بحثاً علمياً هادئاً إلى أبعد حد، من غضون سياق الآية أو جزء الآية في كتاب الله . فإذا كنا لا نعلم عن هذه الكتب التي قرأ فيها، فأنا أقول له ولغيره: قد ذكر ابن كثير في تفسيره هذا القول، ولم يعقب عليه، ولكن قال: وقال شيخنا ابن الصائغ وقيل أو وذكر. وهي قضية مشهورة عند الناس قديماً وحديثاً، وتناولها المتأخرون بالنقض والنفي وإبطالها بالكلية. نحن نترك كلام الناس أولاً -ولا غنى لنا عنه- ونأتي إلى كتب التفسير المعتمدة كـ ابن جرير والشوكاني وأبو السعود وغيرهم من كتب التفسير المعتبرة. نأخذ سياق هذا النص، ما موضوعه لكي نتصور هيكل القضية؟ لا نأخذ النص من حيث هو فقرة، فنقطعه عما قبله ونقطع ما بعده عنه، ولكن نأخذ السياق كاملاً، ونأخذ المصحف الشريف ونقرأ من سورة النساء.

стр. 64

الأمر بأداء الأمانات ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]. الشيخ: انظروا يا إخوان وتأملوا هذا التنبيه، فقبل قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾ [النساء:٦٤] بثماني آيات متضمنة مسار تمجيد وخطاب، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ [النساء:٥٨] أي: المسلمين. (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ): ولفظ (الناس) هنا عام يدخل فيه المسلم والكافر، لأن المسلمين واجب عليهم فيمن يتحاكم إليهم ممن تحت رعايتهم أن يحكموا فيهم بكتاب الله. وإذا تحاكم غير المسلمين فيما بينهم فلا دخل لنا فيهم، أما إذا جاءوا إلى النبي ﷺ أو إلى الحاكم المسلم الموجود، أو إلى قاضي المسلمين ليقضي بينهم؛ حكم بينهم بكتاب الله. (يأمركم أن تؤدوا الأمانات) جمع أمانة، نزلت في مفتاح الكعبة ولكنها عامة، والحكم أمانة.

стр. 65

وجوب طاعة الله ورسوله وطاعة أولي الأمر بالمعروف ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]. من جانب ولي الأمر: إذا حكمت بين الناس فاحكم بالعدل، ومن جانب الرعية: واجبهم ما دام ولي الأمر يحكم بالعدل؛ فأنتم يا أيها المحكومون: يجب عليكم الطاعة. ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ))، طبعاً طاعة الله في طاعة رسوله، ((وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ))؛ لأنهم نواب عن رسول الله ﷺ ، فهذان نصان مقترنان: الأول: في حق الحكام أن يأمروا بالعدل. والثاني: في حق المحكومين أن يسمعوا ويطيعوا، لمن يحكم بالعدل.

стр. 66

العودة إلى الكتاب والسنة حال الاختلاف ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩]. نادى المؤمنين أن يطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر. ولاحظوا هنا في بلاغة القرآن وإعجازه اللفظي، فعل الطاعة: ((أطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)) (أولى الأمر)، هل قال: (وأطيعوا أولي الأمر) أم وردت بدون لفظ الفعل؟ (أطيعوا الله) (وأطيعوا الرسول)؛ لأن لله على خلقه حق الطاعة، وللرسول على الأمة حق الطاعة مستقلاً ابتداءً؛ لأنه مشرعٌ عن الله ومبلغ عنه. أما أولو الأمر فليست لهم طاعة مستقلة ذاتية، ولكنها طاعة بطاعة الله ورسوله، ولهذا لم يقل في أولي الأمر: (وأطيعوا أولي الأمر)؛ لأنه لو قال: (وأطيعوا أولي الأمر)، لكان لهم حق الطاعة الذاتية، ولكن لا؛ لأنه لا طاعة لأولي الأمر في معصية الله، ولا طاعة لأولي الأمر إلا إذا كانت في طاعة الله. إذاً: طاعة أولي الأمر تبع لطاعة الله ورسوله ماذا إذا وقع النزاع؟ (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)، فإذا حصل نزاع فيما بينكم، أو بينكم وبين أولي الأمر، كما لو أمروكم بأمر لم يأمر الله به، أو أمروكم بأمر فيه معصية لله، وتنازعتم في الأمر؛ فالمرد لمن؟ أولو الأمر لهم السلطة، لكن السلطة العليا هنا لمن؟ (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)، وتأمل أداة الشرط، (إن كنتم). قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩].

стр. 67

حال المنافقين واليهود إزاء التحاكم إلى الرسول ﷺ لاحظ، بعد ذلك التمهيد وبيان حق ولي الأمر في الحكم بالعدل، وبيان واجب الأمة في السمع والطاعة، وبيان مرد النزاع إلى الله ورسوله، يعجب الله رسوله من قوم خرجوا عن هذا كله، وهنا مبدأ القضية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ [النساء:٦٠] (ألم تر) يا محمد رؤيا تعجب (إلى الذين) من هم؟ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء:٦٠]، يقولون: الزعم أخو الظن، إذا قوي الزعم وصل إلى الظن، وليس بيقين ولا بحقيقة، (يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ) وهذا الخلق في بعضٍ من المنافقين، (وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ)، وهذا في بعض اليهود؛ لأن اليهود آمنوا بما أنزل من قبل محمد ﷺ ، والمنافقون آمنوا ظاهراً بما أنزل على محمد ﷺ . فالمنافق يزعم أنه آمن بما أنزل إليك، واليهودي يزعم أنه آمن بما أنزل من التوراة والإنجيل. مع هذا الزعم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء:٦٠]، يريدون أن يتحاكموا إلى من أمروا أن يكفروا به، ويبقى السؤال هل هم في هذا موافقون لمنهج الحكم السليم في الإسلام أم أنهم خرجوا عنه؟ لا شك أنهم خارجون عنه. ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠]، يبين سبحانه العلة، وأن من وراء ذلك الشيطان. (أن يضلهم):، أي: يغويهم ويضلهم ضلالاً بعيداً عن الحق والهدى. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦١]. (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ)، أي: هؤلاء الذين يزعمون الإيمان بالحاضر والسابق، وهم المنافقون واليهود، (تَعَالَوْا) في الحكم والتحاكم (إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ)، أي: تعالوا إلى ما أنزل الله على رسوله ﷺ . ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ [النساء:٦١]، أي: تعالوا إلى الكتاب المنزل من عند الله ومن الرسول، لماذا؟ ليحكم بينكم. (رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا)، فهل هؤلاء مؤمنون بما أنزل إليك، وهل هم صادقون في زعمهم أنهم آمنوا بما أنزل إليك، كيف يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك؛ وهم إذا دعوا إليك يصدون عنك. (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ)، وهو محمد ﷺ (رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ)، (يَصُدُّونَ)، أي: يعرضون عنك، ويصدون صدوداً بعيداً، وفعلهم هذا وصدهم موجه ضد الرسول ﷺ . لم يقل: يصدون عما أنزل الله، وإنما قال: (عنك)، أي: يصدون عن شخصك يا محمد استثقالاً لما جئت ولعدم الرضا به. (صُدُودًا)، يقول العلماء: يؤتى بالمصدر بعد الفعل؛ لتأكيد معنى الفعل، كما سيأتي ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] وكما جاء في قوله سبحانه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، تأكيداً للفعل الذي جاء قبل المصدر، فهم يصدون عنك صدوداً حقيقياً أكيداً مقصوداً. ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء:٦٣]. (أُوْلَئِكَ)؛ أي: هؤلاء الموصوفون بالصد عنك، الزاعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، الله يعلم ما في قلوبهم، والقلوب هي محل الإيمان والتصديق؛ فهل في قلوبهم ما زعموه من الإيمان، أو في قلوبهم غير ذلك؟! ما أسباب الصدود عن رسول الله ﷺ ؟ المانع لديهم هو النفاق. (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) وهذا فيه خسارة، ولا يهم ذلك؛ لأنهم لا يستحقون التقدير وليسوا أهلاً له. (وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ)، (في أنفسهم) يعني: في مسلكهم، وصدودهم عنك ونفاقهم بين المسلمين، أو في أنفسهم: بينك وبينهم لا تفضحهم (قولاً بليغاً). فهذا السياق من الآيات الدالة على معنى ومفهوم قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤]، ومنه يتضح سبب هذا الخطاب الإلهي لنبينا الكريم محمد ﵊. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد ﷺ .

стр. 68

دروس الحرم [١٥]

стр. 69

التحاكم إلى رسول الله ﷺ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فيقول الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء:٦٥]، أي: لا يحكمونك بقوة القانون غصباً عنهم، بل يحكمونك طواعية، ولا يجدون في أنفسهم حرجاً ولا ضيقاً ولا مضاضة، بل إيماناً وتصديقاً، يحكمونك ولا يجدون في صدورهم حرجاً، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. قد يأتي المدعى عليه عند القاضي فيحكم عليه ويسلم رغماً عن أنفه، فهل هو رضي وسلّم بالحكم عن رضا؟ لا، بل مخافة العقاب ومخافة السلطان، أما التحاكم إلى رسول الله لا يتم إلا إذا كان عن رضا، ولا يقع أي حرج منه، وأن يسلم تسليماً كاملاً، لأنه بإيمانه بأنه يحكم بالعدل، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨]، فالمؤمن يؤمن بذلك، ولهذا يرضى ويسلم كل التسليم. ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦٦] هذا موضوع آخر راجع إلى المنافقين، وهم يعرضون عن حكم رسول الله، والله يحكم ما يشاء، ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٦٦] اليهود كان من توبتهم أن يقتلوا أنفسهم فتاب الله عليهم، فالله لم يأمرنا بذلك، فهذا معنى هذا السياق. أعتقد -يا إخوان- أن هذا العرض قد يكون كافياً، ولكن بعض الإخوة يحب أن يطمئن أكثر، ويقف على نصوص أئمة التفسير في هذه الآية، وقد حاولت نقل ذلك عن بعض كتب التفسير ليسمعها الأخ السائل الكريم، وكل من تحوك في نفسه هذه الشبهة، ليعرف أن الأمر بعيد كل البعد عما ظن، وأنها من سنة أدعية السلام على رسول الله ﷺ ، ولم أجد الكتب التي ذكرت مسألة السلام على النبي ﷺ من ذكر ذلك.

стр. 70

تفسير قوله تعالى: (فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم) ابن جرير شيخ المفسرين، لما سئل الإمام ابن تيمية: أي التفاسير أولى؟ قال: ابن جرير أصحها سنداً، ثم ابن عطية أسلمها بدعة، وابن جرير عليه مآخذ، لكن يهمنا في موضوعنا تفسيره لقوله سبحانه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء:٦٢] إلى آخر الآية. قال: وهذا خبر من الله تعالى عن هؤلاء المنافقين أنهم لا تردعهم عن النفاق العبر والنقم، وأنهم إن تأتهم عقوبة من الله على تحاكمهم إلى الطاغوت لم يثوبوا ولم يتوبوا.

стр. 71

تفسير قوله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله) ثم ذكر تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ [النساء:٦٤]، أي: ولو أن هؤلاء المنافقين الذين وصفت صفتهم في هاتين الآيتين، وهم الذين دعوا إلى حكم الله وحكم رسوله فصدوا وأعرضوا؛ لو أنهم إذ ظلموا أنفسهم باكتسابهم الخطايا، لاحتكامهم إلى الطاغوت وإعراضهم عن كتاب الله وسنة رسوله إذا دعوا إليها. ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك -يا محمد- حين فعلوا ما فعلوا من تحاكمهم إلى الطاغوت ورضائهم بحكمه دون حكمك، فجاءوك تائبين منيبين، فسألوا الله أن يصفح عنهم، وسأل الله لهم رسول الله مثل ذلك، وهذا معنى قوله: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء:٦٤]. نقل أبو حيان والفخر الرازي ما ملخصه: فائدة ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم في قوله ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء:٦٤] أنهم بتحاكمهم إلى الطاغوت خالفوا حكم الله وأساءوا إلى رسول الله، أي: بالإعراض عنه والصدود عنه، فوجب عليهم أن يعتذروا ويطلبوا من الرسول ﷺ الاستغفار لحقه الخاص، أو لأنهم لما لم يرضوا بحكم رسول الله ظهر منهم التمرد، فإذا تابوا وجب أن يظهر منهم ما يخالف التمرد، وذلك بأن يذهبوا إلى الرسول ويطلبوا منه الاستغفار. وقال الزمخشري في الكشاف: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [النساء:٦٢] الآية، أي: بسبب التحاكم إلى غيرك، واتهامهم لك في الحكم، ولو أنهم جاءوك تائبين من النفاق متنصلين عما ارتكبوا، فاستغفروا الله، وبالغوا في الاعتذار إليك من إيذائك برد قضائك حتى انتصبت شفيعاً لهم. ويقول أبو السعود: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [النساء:٦٢] بظهور نفاقهم وبما قدمت أيديهم وبسبب ما عملوا من الجنايات التي من جملتها التحاكم إلى الطاغوت والإعراض عن حكمك، وظلموا أنفسهم بتركهم طاعتك، والتحاكم إلى غيرك، ولو أنهم جاءوك من غير تأخير متوسلين بك في التنصل من خيانتهم، ولم يعتذروا بالباطل، ولم يحلفوا كما قال الله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء:٦٢]، وهذا إثم ومعصية، فكيف إذا أصابتهم مصيبة، مثل الرجل المنافق الذي لم يرض بحكم رسول الله فقتله عمر، والمعنى: فكيف بهم إذا أصابتهم مصيبة في قتل قريبهم بسبب تحاكمهم إلى غير رسول الله. وفي قصة أن جبريل جاء -حينما طالبوا بدية القتيل- إلى النبي ﷺ ، فقال: (يا محمد! إن عمر قد فرق بين الحق والباطل)، فسمي فاروقاً من ذلك الوقت. هذه النصوص من كتب التفسير المعتبرة، التي تبين ما هي المصيبة التي أصابتهم، والتي تبين أنهم ظلموا أنفسهم في قضية التحاكم إلى غير رسول الله والإعراض والصدود عن رسول الله، فيكون مجيئهم إلى رسول الله لحق رسول الله ﷺ . ذكر ابن كثير في تفسيره قصة، وقال: ذكر الشيخ السباط -ومن هو الشيخ السباط؟ - في كتابه الشامل، ولا يعرف كتابه هذا؟ وما هو سند هذه القصة؟ وهي لا يوجد لها ذكر في كتب السنة ودواوينها، ولا في كتب الفقه وأصوله، وقد بحث الإمام ابن تيمية ﵀ عن هذه القصة، وأكد جازماً بأنها كذب موضوعة لا أصل لها. والقصة مشهورة وهي: أن أعرابياً أتى إلى النبي ﷺ ليسلم على يديه، فوجده قد توفي ودفن، فجلس عند قبره، وقال يا رسول الله! الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء:٦٤]، وقد جئتك ظالماً لنفسي فاستغفر لي، ثم ذهب، فقال العتبي: فأخذتني عيني بالنوم، فرأيت في نومي أن رسول الله يقول: أدرك الأعرابي وأخبره أن الله قد غفر له. هذه قصة لا سند لها ولا أصل لها، ولا توجد في الكتب المعتبرة، والمنامات مهما كانت لا تؤخذ منها الأحكام، لا في المندوب، ولا في المفروض، ولا في المحرم، ولكنها من باب البشرى. إذاً: قول هذا عند الزيارة لا أصل له، وأود أن الجميع قد فهم هذا البحث، والحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنى شاء، وقد قال ﷺ عن الشيطان: (صدقك وهو كذوب) لما قال لـ أبي هريرة: إذا أردت أن تحفظ مالك من الشياطين فاقرأ آية الكرسي، فقبل الحكمة من الشيطان؛ لأنه صادق فيها. فمن وجد هذه القصة في كتاب من كتب المسلمين سواء كانت أصول الفقه على مذاهب الأئمة الأربعة، أو كانت في كتب الحديث ولو الضعيفة، فليطلعنا عليها، وجزاه الله خيراً. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد ﷺ .

стр. 72

دروس الحرم [١٦]

стр. 73

باب اللعان الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله أجمعين. قال المؤلف ﵀: [كتاب: النكاح.

стр. 74

سبب مشروعية اللعان باب: اللعان. عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (سأل فلان فقال: يا رسول الله! أرأيت لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك، فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فأنزل الله الآيات في سورة النور، فتلاهن عليه ووعظه، وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قال: لا، والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها، ثم دعاها فوعظها كذلك، قالت: لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله، ثم ثنّى بالمرأة، ثم فرق بينهما) رواه مسلم]. قال: وعنه رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال للمتلاعنين: (حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها، قال: يا رسول الله! مالي؟ فقال: إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك منها) متفق عليه].

стр. 75

تعريف اللعان وهو في الاصطلاح: أن يرمي الزوج زوجته وليس عنده بينة إلا نفسه، فلتعذر إحضار الشهود، ولصعوبة سكوته على ما رأى، ولئلا يكون في حرج وضيق، فله أن يلاعن، كما جاء في قصة اللعان: (إن تكلم ضرب ظهره -أي: لأنه قذف مسلمة محصنة- وإن قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على أمر عظيم). وجاء في بعض الروايات أن الرسول ﷺ قال للرجل: (قد جعل الله لك مخرجاً)، وذلك أن اللعان وقع في زمن النبي ﷺ ، وأنا شخصياً لم أقف على صورة لعان بعد زمن النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولا أدري إن كان الإخوة قد وقف أحدهم على صورة لعان في عهد الخلفاء الراشدين أو ما بعدهم، أم لا. وهذه القصة التي ساقها المؤلف يتفق العلماء أنها أول لعان في الإسلام، وذلك أن عويمر العجلاني أو هلال بن أمية، ورواية عويمر أنه قال لابن عمه عاصم العجلاني: ماذا يفعل الرجل لو وجد رجلاً مع أهله، إن قتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه الحد، وإن سكت سكت على مكروه؟ سل لي رسول الله ﷺ عن ذلك، فأتى عاصم النبي ﷺ فسأله، فأعرض عنه ولم يجبه، وكره المسألة؛ كره أن يقع السؤال عن الشيء المكروه قبل وقوعه-. وقد كان ابن مسعود حينما يسأل عن مسألة يقول: أوقعت؟ فإن قيل: نعم وقعت أفتى فيها، وإن قيل: لم تقع، يقول: دعوها حتى تقع، وليس معنى هذا منع السؤال عن الأمور المستقبلية إذا كانت مظنة الوقوع، ولكن عندما يكون السؤال متعلقاً بالفاحشة، فإن الآذان تكره ذلك وتمج سماعه والرسول سكت ولم يجبه؛ لأنه لم يكن نزل في حكم ذلك شيء من قبل. فرجع عاصم إلى عويمر فقال: ماذا قال لك رسول الله؟ قال: ما وجدت منك خيراً، لقد سكت عني ولم يجبني، فقال عويمر: والله لا أتركها، وذهب بنفسه إلى رسول الله ﷺ ، ففي بعض الروايات لما سأل رسول الله صلى الله قال له: قد نزلت فيك وفي صاحبتك آيات فاذهب فأت بها)، هذا ما يتعلق برواية عويمر. فنزلت الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ [النور:٦] الآيات إلى آخر آيات اللعان، فقال: (قد أنزل فيك وفي صاحبتك قرآن فاذهب فأت بها) فجاءت -وفي بعض الروايات- أن عويمراً لما سأل رسول الله ﷺ قال: (حد في ظهرك وإلا بينة) أي: بينة على ما أخبرت ورميتها به، وفي بعض الروايات: (يا رسول الله! أحدنا يجد الرجل على أهله، ثم يتركه ويذهب ويأتي بالبينة، فيكون قد قضى حاجته ومضى)، وفي بعض الروايات: (بأن عويمراً رجع من مزرعته بعد العشاء فوجد عند أهله رجلاً، فلم يهجه وتركه، وفي الصباح أتى النبي ﷺ وأخبره الخبر) كل ذلك مقدمات يسوقها العلماء في ملابسات وظروف اللعان. وأجمع العلماء أنه لا لعان إلا بين الزوجين، واختلفوا: هل كل زوجين يمكن أن يقع بينهما لعان؟ فالبعض كـ أبي حنيفة ﵀ ومن وافقه يقول: لا لعان إلا بين مسلمين حرين بالغين.
следующие страницы →