← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 800

مراقي العزة ومقومات السعادة

سليمان اللاحم

Полный текст (723 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الإهداء أهدي هذا الكتاب لكل مسلم ينشد العزة، ويطلب السعادة في الدين والدنيا والآخرة. لكل أب، ولكل أم، ولكل أسرة، ولكل معلم، ولكل معلمة، ولكل إمام، ولكل خطيب، ولكل داع إلى الله تعالى، ولكل ناصح لله تعالى ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.

стр. 2

مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن أعظم نعم الله تعالى على العباد، بعد نعمة الخلق والإيجاد، نعمة بعثة محمد ﷺ ، وإنزال القرآن الكريم؛ الذي فيه الهدى والنور، وبه الفلاح والنجاح، واستقامة أحوال العباد، وصلاح أمر دينهم ودنياهم وأخراهم؛ من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن اتبعه ودعا إليه هَدى إلى صراط مستقيم. قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩]. وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]. وعن أبي شريح الخزاعي ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقال: «أبشروا أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟»، قالوا: نعم، قال: «فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدا» (١).

стр. 3

وقد سجلت في ثنايا تفسيري «عون الرحمن، في تفسير القرآن، وبيان ما فيه من الهدايات والفوائد والأحكام» أكثر من مئة وسبعين وقفة علمية تربوية، وجعلت مسك ختامه مئة وصية، وأربعين من الفوائد والفرائد، وحكم ومعان شعرية مختارة. وهي في مجملها عملية تطبيقية لمن رغب في الاهتداء والاستنارة بها بنفسه، أو توجيه أولاده، أو جماعة مسجده، أو طلابه، أو غيرهم. ولأجل تقريبها وتسهيل تناولها وتوسيع الانتفاع بها والاستفادة منها، رأيت إفرادها في هذا الكتاب، وسميته: «مراقي العزة ومقومات السعادة». وجعلت ترتيبها وفق ترتيبها في التفسير؛ تيمنًا بكتاب الله تعالى؛ وهي كما يلي: ١ وقفة في: وجوب حسن التعامل مع الناس كلهم. ٢ وقفتان في: مجمل القول بالنسخ. ٣ وقفات أربع في: الجنائز. ٤ وقفة في: وجوب حسن العشرة بين الزوجين. ٥ وقفات ست في: الصلاة. ٦ وقفة في: حل عقدة المؤامرة. ٧ وقفتان في: فضل العفو والصفح، والحلم، وكظم الغيظ. ٨ وقفة في: أعظم الأمانات: النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. ٩ وقفات ثلاث في: صلاة الجماعة. ١٠ وقفتان في: تقوى الله. ١١ وقفة في: خطر الغلو في الدين. ١٢ وقفتان في: نعمة اللباس، وأخذ الزينة للصلاة.

стр. 4

١٣ وقفات أربع في: الدعاء ١٤ وقفات أربع في: إصلاح ذات البين. ١٥ وقفات ست في: الفتن وخطرها على الدين، وعلى العباد والبلاد. ١٦ وقفات ست في: تربية الأولاد. ١٧ وقفات ثلاث في: الرؤيا وتأويلها. ١٨ وقفة في: احفظ الله يحفظك. ١٩ وقفات أربع عشرة في: وجوب شكر نعم الله . ٢٠ وقفات ثلاث في: تحريم كفر نعم الله . ٢١ وقفة في: أهل الجنة بين نزع الغل وإذهاب الحزن. ٢٢ وقفة في: فضل التواضع. ٢٣ وقفة في: مكمن السعادة والحياة الطيبة. ٢٤ وقفات ثلاث في: بر الوالدين. ٢٥ وقفة في: وجوب حفظ السمع والبصر والفؤاد. ٢٦ وقفات ثلاث في: الرقية الشرعية. ٢٧ وقفات أربع في: الصديق والأصدقاء. ٢٨ وقفات ست في: أهمية الوقت ووجوب المحافظة عليه وتنظيمه. ٢٩ وقفتان في: سلامة القلب، وانشراح الصدر. ٣٠ وقفات ثلاث في: اللغة العربية بين عقوق وجهل أبنائها وعجز علمائها. ٣١ وقفة في: الأخذ بالعزم والحزم في الأمور كلها. ٣٢ وقفتان في: أمانة المسؤولية في أعمال الأمة.

стр. 5

٣٣ وقفات خمس في: تدبر القرآن الكريم وتحريم هجره. ٣٤ وقفات ثلاث في: إنزال الناس منازلهم. ٣٥ وقفة في: شهادة الجوارح على العبد يوم القيامة، ووجوب الاحتراز منها. ٣٦ وقفات ست في: وجوب صلة الأرحام. ٣٧ وقفة في: حقوق المسلمين بعضهم على بعض. ٣٨ وقفات تسع في: تحريم العصبية القبلية وذمها. ٣٩ وقفات خمس في: فضيلة اللسان، وخطورته، ووجوب حفظه. ٤٠ وقفات ثلاث في: الكرم. ٤١ وقفة في: أهمية خطبة الجمعة، وعظم مسؤولية الخطيب. ٤٢ وقفات خمس في: التفاؤل. ٤٣ وقفات خمس في: حسن الخلق. ٤٤ وقفتان في: مشروعية الوقف. ٤٥ وقفة في: العدل والإنصاف من النفس. ٤٦ وقفة في: فضل عشر ذي الحجة، وفضل الأعمال الصالحة فيها، والأعمال التي تتأكد مشروعيتها فيها. ٤٧ وقفة في: التيمن. ٤٨ وقفة في: تأمل معاني سورة العصر. ٤٩ وقفة في: الاستعداد للقاء الله تعالى. ٥٠ وقفتان في: الحسد. ٥١ وقفة في: وسوسة الشيطان للإنسان على أنواع ومراتب. ٥٢ وقفة فيما يعتصم به الإنسان من الشيطان.

стр. 6

هذا، وأسأل الله العلي القدير، بمنه وجوده وكرمه، أن يكتب له القَبول، وأن يعم بنفعه، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أبو إبراهيم

стр. 7

وقفة في: وجوب حسن التعامل مع الناس كلهم قال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] اعتنى الإسلام بحسن التعامل مع الناس كلهم، وجعل الدين المعاملة: المعاملة أولًا مع الخالق : بتقواه وإخلاص العبادة له . ثم المعاملة ثانيًا مع الناس كلهم: بأداء حقوقهم، بدعوتهم إلى الإسلام، والإحسان إليهم، والبر بهم، والعدل معهم، والإصلاح بينهم، وكف الأذى عنهم، ونحو ذلك، من غير اعتبار لأجناسهم وألوانهم، وعرقياتهم وأديانهم، وغير ذلك. قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]. وقال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. وقال رسول الله ﷺ : «ألا مَن قتل نفسًا معاهدًا له ذمةُ الله وذمةُ رسوله، فقد أخفَرَ بذمةِ الله» (١). وعن ابن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن قتل معاهدًا لم يَرَحْ رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرةِ أربعين عامًا» (٢).

стр. 8

واستأذنت أسماء بنت أبي بكر ﵄ رسول الله ﷺ لما قدِمت عليها أمها، وهي مشركة، في عهد قريش، وهي راغبة في الوصل، هل تصلها؟ قال ﷺ لها: «نعم، صِلِي أمَّكِ» (١). وقال ﷺ في معاملة المماليك من المسلمين وغيرهم: «إخوانُكم خَوَلُكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخاه تحت يدِه فلْيُطْعِمْه مما يأكُل، ولْيُلْبِسْه مما يَلبَس، ولا تكلِّفوهم ما يَغلِبهم، فإن كلَّفتموهم فأعينوهم» (٢). وقال ﷺ : «للملوك طعامُه وكسوتُه، ولا يكلَّف من العملِ إلا ما يُطِيقُ» (٣). وقال ﷺ : «إذا أتى أحدُكم خادمُه بطعامه، فإن لم يُجْلِسْه معه، فليناولْه لقمةً أو لقمتين أو أُكْلةً أو أُكلتين» (٤). وقال ﷺ : «كفى بالمرءِ إثمًا أن يحبِس عمَّن يملِكُ قُوتَهم» (٥). وقد فاق الإسلام بما جاء به من العدل والرحمة والإحسان جميعَ الأديان والمِلَل والنِّحَل والمذاهب، والقوانين والنظم الأرضية والوضعية، وما يتبجح به أدعياء منظمات حقوق الإنسان وغيرهم. فقد شمل الإسلام الناس كلهم بعدله ورحمته وإحسانه، حتى من غير المسلمين: قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ

стр. 9

وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. ولما قيل للنبي ﷺ : ادعُ على المشركين. قال: «إني لم أُبعَثْ لعَّانًا، وإنما بُعثتُ رحمةً» (١)، ومِصداق هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. ودعا ﷺ لقومه، وهم يُوقِعون به وبأصحابه صنوف الأذى، فقال: «ربِّ اغفرْ لقومي فإنهم لا يعلمون» (٢). وزار ﷺ اليهودي الذي كان يخدمه لما مرض، فقعد عند رأسه، فقال له: «أَسلِمْ»، فنظر إلى أبيه، فقال له أبوه: أطعْ أبا القاسم ﷺ ، فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: «الحمدُ الذي أنقذه منَ النار» (٣). وجلس الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ يتحاكم مع اليهودي الذي وجد دِرعه عنده إلى القاضي شُرَيح، ولم يكن لديه بيِّنة، فقيل له: يحلف اليهودي، ويأخذ الدرع؟ فقال: هو ذاك. فلما رأى اليهودي أن خليفة المسلمين تحاكم معه إلى القضاء، اعترف بالدرع لعلي ﵁، وأعلن إسلامه (٤). وكان لعبد الله بن المبارك ﵀ جارٌ يهودي، فاحتاج اليهودي وأراد أن يبيع دارَه، فقيل له: بكم تبيعها؟ قال: بألفين. فقيل له: هي لا تساوي إلا ألفًا. فقال: صدقتُم، ولكن ألفٌ للدار، وألف لجوار عبد الله بن المبارك، فدعاه عبد الله وسأله: ما الذي دعاك لبيع دارك؟ قال: عليَّ دَين. فأعطاه ثمن الدار، وقال: لا تبعها (٥). وبهذا ضرب الإسلام بتشريعاته العظيمة، ومبادئه السمحة، وسلوك أتباعه، أروع الأمثلة في العدل والرحمة والإحسان؟

стр. 10

قال ابن باز ﵀ في بيان المشروع في معاملة غير المسلمين: «إن من المشروع للمسلم بالنسبة إلى غير المسلم أمورًا متعددة، منها: أولًا: الدعوة إلى الله، بأن يدعوه إلى الله، ويبين له حقيقة الإسلام، حيث أمكنه ذلك، وحيث كانت لديه البصيرة؛ لأن هذا هو أعظم الإحسان، وأهم الإحسان الذي يهديه المسلم إلى مواطنه، وإلى من اجتمع به من اليهود أو النصارى أو غيرهم من المشركين؛ لقول النبي ﷺ : «من دل على خيرٍ فله مثلُ أجر فاعلِه» رواه الإمام مسلم في صحيحه (١)، وقوله ﵊ لعلي لما بعثه إلى خيبر، وأمره أن يدعو إلى الإسلام قال: «فوالله لأن يهديَ الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمْر النَّعَم» متفق على صحته (٢). وقال ﵊: «من دعا إلى هُدًى، كان له من الأجر مثل أجور من تَبِعه، لا يَنقُصُ ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالةٍ، كان عليه من الإثمِ مثل آثام من تبِعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» رواه مسلم في صحيحه (٣). فدعوته إلى الله وتبليغه الإسلام ونصيحته في ذلك من أهم المهمات، ومن أفضل القُربات. ثانيًا: لا يجوز أن يظلمه في نفسٍ ولا في مالٍ ولا في عِرضٍ، إذا كان ذميًّا أو مستأمنًا أو معاهدًا، فإنه يؤدي إليه الحق، فلا يظلمه في ماله لا بالسرقة ولا بالخيانة ولا بالغش، ولا يظلمه في بدنه لا بضربٍ ولا بغيره؛ لأن كونه معاهدًا أو ذميًّا في البلد أو مستأمنًا يعصِمه. ثالثًا: لا مانع من معاملته في البيع والشراء والتأجير ونحو ذلك، فقد صح عن رسول الله ﵊ أنه اشترى من الكفار عُباد الأوثان، واشترى من اليهود، وهذه معاملة، وقد توفي ﵊ ودرعه مرهونة عند يهودي في طعامٍ اشتراه لأهله.

стр. 11

رابعًا: في السلام، لا يبدأْه بالسلام؛ لقول النبي ﷺ : «لا تَبدَؤُوا اليهودَ ولا النصارى بالسلام» أخرجه مسلم في صحيحه (١). وقال: إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: «وعليكم»؛ فالمسلم لا يبدأ الكافر بالسلام، ولكن يرد عليه بقوله: «وعليكم»؛ لقول النبي ﵊: «إذا سلَّم عليكم أهلُ الكتابِ فقولوا: وعليكم»؛ متفَق على صحته (٢). هذا من الحقوق المتعلقة بين المسلم والكافر، ومن ذلك أيضًا: حسن الجوار إذا كان جارًا تحسن إليه ولا تؤذيه في جواره، وتتصدق عليه إذا كان فقيرًا؛ تُهدِي إليه، وتنصح له فيما ينفعه؛ لأن هذا مما يسبب رغبته في الإسلام ودخوله فيه، ولأن الجار له حق، قال النبي ﷺ : «ما زال جبريلُ يُوصيني بالجارِ حتى ظننتُ أنه سيُوَرِّثُهُ» متفق على صحته (٣). وإذا كان الجار كافرًا كان له حق الجوار، وإذا كان قريبًا وهو كافر صار له حقان: حق الجوار وحق القرابة. ومن المشروع للمسلم أن يتصدق على جاره الكافر وغيره من الكفار غير المحاربين من غير الزكاة؛ لقول الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]، وللحديث الصحيح عن أسماء بنت أبي بكر ﵂: أن أمها وفدت عليها بالمدينة في صُلح الحُديبيَة، وهي مشركةٌ تريد المساعدة، فاستأذنت أسماء النبي ﷺ في ذلك، هل تصلها؟ فقال: «صليها».

стр. 12

أما الزكاة: فلا مانع من دفعها للمؤلَّفة قلوبُهم من الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٦٠]. أما مشاركة الكفار في احتفالاتهم بأعيادهم، فليس للمسلم أن يشاركهم في ذلك» (١). تذييل: في وجوب الإحسان إلى الحيوان: ولم يقف الإسلام في إيجاب حسن المعاملة بين الناس فقط، بل أوجب حسن المعاملة مع الحيوانات والبهائم، والرفق بها، وحلبها يوم وِردِها، وإحسان ذبحها، وتأمين أكلها وشربها، وعدم تحميلها ما لا تُطيق، وغير ذلك. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في الإبل: «ومن حقِّها حَلبُها يوم وِردها» (٢). وعن شدَّاد بن أوسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قتلتم فأحسِنوا القِتلةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، ولْيُحِدَّ أحدكم شَفرتَه، ولْيُرِحْ ذبيحتَه» (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بينما رجل يمشي بطريقٍ اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا فنزل فيها فشرِب، ثم خرج، فإذا كلب يلهَث يأكل الثَّرَى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلبَ من العطشِ مثل الذي كان بَلَغَ مني. فنزل البئر فملأ خُفَّه ماءً، ثم أمسكه بفيه حتى رَقِيَ، فسقَى الكلب، فشكر الله له، فغفر له». قالوا: يا رسولَ الله، وإن لنا في هذه البهائم لأجرًا؟ فقال ﷺ : «في كل كبِدٍ رَطبةٍ أجرٌ» (٤). وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «عُذبت امرأة في هِرةٍ سجنتها حتى ماتتْ، فدخلتْ فيها النارَ، لا هي أطعمتها وسَقَتْها، إذ هي حَبَسَتْها، ولا هي تركتها تأكُلُ من

стр. 13

خَشاشِ الأرض» (١). وعن عبد الله بن جعفر ﵁: أن جملًا شكا إلى النبي ﷺ ما يَلقَى من صاحبه، فقال النبي ﷺ : «إنه شكا إلي أنك تُجيعُه وتُدئِبُه» (٢).

стр. 14

وقفتان في: مجمل القول في النَّسْخ قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] الوقفة الأولى في: بيان مجمل القول في معنى النسخ في اصطلاح المتقدِّمين والمتأخِّرين معنى النسخ في اللغة: الرفع والإزالة؛ يقال: نَسَخَتِ الشمسُ الظلَّ؛ أي: أزالتْه. أ) معنى النسخ في اصطلاح المتقدمين: توسع السلف ﵃ من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم في مدلول النسخ، فكما يطلقونه على معناه المعروف عند الأصوليين وعند المتأخرين، فقد كانوا يطلقونه أيضًا على: تخصيص العام، وتقييد المطلَق، وتفصيل المجمَل، وإيضاح المبهَم، وعلى الاستثناء والشرط والصفة. ويطلقونه على رفع البراءة الأصلية، وعلى رفع ما كان عليه أهل الكتاب، وعلى ما جاء في نسخة الآية؛ أي: في موضوعها، ونحو ذلك. كما يطلقونه على آيات يمكن العمل بكلٍّ منها في وقته المناسب، كآيات العفو والصفح والإعراض عن المشركين وأهل الكتاب ومجادلتهم بالتي هي أحسن، ونحو ذلك. مع آيات القتال عامة، وهي لا تعارض بينها، فكلٌّ منها موقتة بمناسبتها، فتطبق الأمةُ ما قَدَرَت عليه منها حسب مراحل قوتها وضعفها، فتطبق الأمر بالقتال حال قوتها، وتطبق الأمر بالعفو حال ضعفها، وهكذا (١). ب) معنى النسخ في اصطلاح الأصوليين والمتأخرين: عرَّف الأصوليون وغيرهم من المتأخرين النسخَ في الاصطلاح بتعاريفَ كثيرةٍ، وقفتُ على قريبٍ من عشرين منها.

стр. 15

أصحها وأجمعها وأمنعها ما ذكره فضيلة الشيخ: محمد بن صالح العثيمين ﵀ في كتابه «الأصول، من علم الأصول» (١)، وهو: «رفعُ حكمِ دليلٍ شرعيٍّ أو لفظِه بدليلٍ من الكتابِ والسنَّةِ». الوقفة الثانية في: مجمل القول في قضايا ودعاوى النسخ في القرآن الكريم كثُرت دعاوى النسخ في القرآن الكريم بسبب توسع السلف والمتقدمين في إطلاق مدلول النسخ- كما سبق بيانه- حتى بلغت قريبًا من ثلاثمئة دعوى. والحقيقة أن القضايا التي اشتهر فيها القول بالنسخ وَفق المعنى الاصطلاحي الصحيح للنسخ، لا تتجاوز إحدى عشرة قضية، يمكن تقسيمها على النحو الآتي: أولًا: القضايا التي تَرَجح أو صح القول فيها بالنسخ: وهي خمس قضايا، وهي كما يلي: ١ قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الآية: ١٨٤]. فكان المسلم مخيَّرًا في أول فرض الصيام بين الصيام أو الإطعام، فنسخ هذا التخيير بقوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [الآية: ١٨٥] (٢). ٢ مفهوم قوله تعالى في سورة النساء: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [الآية: ٤٣]. فمفهوم هذه الآية إباحة السكر في غير وقت الصلاة، وقد نُسخ هذا المفهوم بتحريم السكر مطلقًا في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ

стр. 16

وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [الآيتين: ٩٠ - ٩١] (١). ٣ قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الآية: ٦٥]. ففي هذه الآية كُلِّف الواحد من المؤمنين في المعركة بمصابرة عشرة من الكفار، ثم نُسخ بمصابرة المؤمن للاثنين من الكفار بقوله تعالى في الآية بعدها: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الآية: ٦٦] (٢). ٤ قوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [الآية: ١٢]. نُسخت هذه الآية بقوله تعالى في الآية بعدها: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الآية: ١٣]. فأوجب الله على المؤمنين في الآية الأولى تقديم الصدقة بين يديْ مناجاة الرسول ﷺ تخفيفًا عليه، ثم نسخها بالآية الثانية؛ تخفيفًا عليهم (٣). ٥ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٤]. أوجب الله في هذه الآية قيامَ الليل، فقام النبي ﷺ وأصحابه حولًا كاملًا حتى انتفخت أقدامهم، ثم نُسخ وجوب ذلك بقوله تعالى في آخر السورة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] (٤)، وبقِي قيام الليل بعد ذلك مندوبًا (٥).

стр. 17

فهذه القضايا الخمس النسخ فيها ظاهرٌ ولله الحمد، ولا إشكال في فهم ذلك، ولا احتمال فيها لغير النسخ. ثانيًا: القضايا التي تَرَجح أو صح القول فيها بالإحكام، وعدم النسخ، وهي ست قضايا، وهي كما يلي: ١ قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [الآية: ١٨٠]. ذهب أكثر السلف وأهل العلم بعدهم إلى أن هذه الآية منسوخة بآيات المواريث، وحكى بعضهم الإجماع على ذلك. وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة، خصصتها آيات المواريث بمن لا يرث من الوالدين لمانع من موانع الإرث، وهي: الرق، والقتل، واختلاف الدين، وبمن لا يرث من الأقربين؛ لكونه محجوبًا، وهذا هو الراجح (١). ٢ قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]. ذهب كثير من السف وأهل العلم بعدهم إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، وهي قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وبغيرها من آيات الأمر بالقتال. وذهب بعضهم إلى أن الآية محكمة، وأن القتال في الأشهر الحرم لا يجوز، ما لم يكن هناك اعتداء من الكفار؛ لأنه لا تنافي بينها وبين آية السيف وآيات الأمر بالقتال؛ لأن آية السيف وآيات القتال عامة بجواز قتال المشركين في جميع الأمكنة والأزمنة، وهذه الآية خاصة بالمنع من القتال في الأشهر الحرم، ولا تعارض بين خاص وعام. وهذا هو الراجح، وإليه ذهب بعض المحققين (٢). ٣ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠].

стр. 18

فذهب أكثر العلم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى قبلها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [الآية: ٢٣٤]. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الآيتين محكمتان، فالآية الأولى في وجوب التربص أربعة وعشرًا على وجه التحتيم على المرأة، والآية الثانية وصية لأهل الميت أن يبقوا زوجة ميتهم حولًا كاملًا؛ جبرًا لخاطرها، وبرًّا بميتهم، وهذا هو الراجح؛ لأنه إذا استقام عمل الآية على هذا المعنى فلا مُوجب للقول بنسخها بالآية التي قبلها (١). ٤ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. جاء في بعض الآثار أن هذه الآية نُسخت بقوله تعالى بعدها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. والصحيح أن الآيتين محكَمتان، وأن الآية الثانية لم تنسخ الآية الأولى، وإنما نسخت وأزالت ما وقع في نفوس بعض الصحابة من فهمهم أن في الآية الأولى التكليف بما لا يطاق، والمعاقبة على ما في أنفسهم، وهذا لم تدل عليه الآية، وإنما دلت فقط على المحاسبة على ذلك دون المعاقبة؛ ولهذا لا تنافيَ بينها وبين الآية الثانية يُوجِب القولَ بالنسخ. قال ابن تيميَّة (٢): «وكذلك ينسخ الله ما وقع في نفوس من فهم المعنى، وإن كانت الآية لم تدل عليه، لكنه مُحتمل، وهذه الآية من هذا الباب، فإن قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ الآيةَ، إنما يدل على أن الله يحاسب على ما في النفوس، لا على أنه يعاقب على كل ما في النفوس» (٣). ٥ قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [الآيتين: ١٥ - ١٦]. ذهب أكثر أهل العلم- بل حكى بعضهم الإجماعَ- على نسخ هاتين الآيتين بالحدود، مع اختلافهم بالناسخ لهما.

стр. 19

وعند التأمل في هاتين الآيتين نجد الأولى منهما مُغيَّاةً بغايةٍ ينتهي حكمُها عند حلول تلك الغاية، وهي قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، وقد جاء السبيل بوجوب رجم المحصن، وجلد غير المحصن مئة جلدة، وتغريب عام، وهذا لا يسمَّى نسخًا على المعنى الصحيح للنسخ. ونجد الآية الثانية فيها الأمر بأذاهما، وما شرعه الله تعالى من رجم المحصَن، وجلد غير المحصن وتغريبه نوع من الأذى، فهو بيان للآية، والبيان لا يُعد نسخًا. وهذا هو الراجح، فالآيتان محكَمتان (١). ٦ قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [الآية: ٣٣]. أي: والذين تعاهدتم وتحالفتم وإياهم بالأيمان والمواثيق المؤكدة المغلظة، وكان هذا في الجاهلية، الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، وكانوا يتوارثون بالحلف. وقوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ قال كثير من المفسرين: من الميراث. قالوا: ونسخ هذا بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥]. وقال بعضهم: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من النصرة والمعونة، والنصيحة والرأي، والعقل، دون الميراث. فالآية محكمة غير منسوخة؛ لأنه لا تعارض بينها وبين آية المواريث، وهذا هو الراجح (٢). يضاف إلى هذا أن الإسلام قد أبطل الحِلف، كما جاء في حديث جُبير بن مُطعِم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا حِلفَ في الإسلام، وأيما حلفٍ كان في الجاهليةِ فإن الإسلام لم يَزِدْهُ إلا شدةً» (٣). وبهذا يتبين أن الآيات التي نُسخت من القرآن الكريم لا تتجاوز خمس آياتٍ فقط، وما عداها مما قيل بنسخه فهو محكَم غير منسوخ، ولله الحمد.

стр. 20

وقفات أربع في: الجنائز قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٥، ١٥٦] الوقفة الأولى في: ما ينبغي للمؤمن مراعاتُه عند المصيبة: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾. لقد اشتملت هذه الآيات على توطين النفوس على المصائب قبل وقوعها، وبيان ما تقابل به إذا وقعت، وما يقال عند ذلك، وما يعين على الصبر، وما للصابرين من الأجر، وبهذا يتبين- ولله الحمد- الفرق بين المؤمن الذي يثق بوعد الله ورحمته به، ويحتسب مصابه، وبين غيره، وخلاصة القول أنه ينبغي للمؤمن عند المصيبة مراعاة ما يأتي: أولًا: الاستعانة بالصبر والصلاة والتسليم والرضا بقضاء الله وقدره، وأن يقارن ما أخذ الله منه بما أعطاه من النعم التي لا تحصى؛ كما قال ﷺ لما أرسلت له إحدى بناته أن ابنًا لها في الموت قال ﷺ : «ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجلٍ مسمًّى، فمُرْها فلتصبر ولتحتسب» (١). وأن يقول: «﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها» (٢)،

стр. 21

معترفًا بقلبه أنه ملك لله ، يدبره كيف يشاء، ومرده إليه، واختياره سبحانه له أحسن من اختياره لنفسه، فيحتسب عند الله مصيبته؛ ليطمئن قلبه، وينشرح صدره، فإن الكثيرين منَّا يقولون هذه المقالة من غير تدبر لمعناها، والذي لو تدبرناه حقًّا، ووطَّنَّا أنفسنا عليه، لهوَّن علينا المصاب بإذن الله تعالى. كما أن على المؤمن أن يتذكر ما وعد الله به الصابرين في هذه الآيات من معيَّته لهم، وبشارتهم، والثناء عليهم، ورحمتهم، وتأكيد هدايتهم، وما وعدهم به في غيرها؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦]، وقال تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥، ٧٦]. ولما قالت فاطمة ﵂: «واكرب أبتاه!» قال ﷺ : «لا كرب على أبيك بعد اليوم» (١). وقوله في الحديث القدسي: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة» (٢). وقوله ﷺ لما مات ابنه إبراهيم ﵇: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون» (٣). وقوله ﷺ : «عجبًا لأمر المؤمن لا يقضي الله قضاءً إلا كان خيرًا له، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيرًا له» (٤). وقال ﷺ : «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا

стр. 22

غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» (١). قال الشاعر: فإذا بُلِيت بمحنة فاصبر لها … صبر الكريم فإن ذلك أحزمُ وإذا بليت بكربة فالبَسْ لها … ثوب السكوت فإن ذلك أسلمُ لا تشكونَّ إلى العباد فإنما … تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحمُ (٢) ثانيًا: ينبغي للمصاب أن يتأمل في حقيقة الدنيا وطبيعتها، وأنها دار فناء، لا دار بقاء، دار غرور ومتاع قليل، وأن الدار الآخرة هي الدار الحقة؛ كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥، الحديد: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص: ٦٠، الشورى: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: نام رسول الله ﷺ على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاء؟ فقال: «ما لي وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها» (٣). وقال ﷺ : «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة

стр. 23

ماء» (١). وقال ﷺ : «الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر» (٢). ولهذا قال ابن عمر ﵄: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء» (٣)، قال الشاعر: تعزَّ فلا شيء على الأرض باقيًا … ولا وزر مما قضى الله واقيَا (٤) وقال عمر بن الخطاب ﵁: لا شيء مما ترى تبقى بشاشته … يبقى الإله ويفنى المال والولدُ (٥) وقال أبو الحسن التهامي لما مات ابنه (٦): حكم المَنيةِ في البريَّة جارِ … ما هذه الدنيا بدار قرارِ طبعت على كدر وأنت تريدها … صفوًا من الأقذاء والأكدارِ ومكلِّف الأيامِ ضدَّ طباعها … متلمس في الماء جذوةَ نارِ وإذا رجوت المستحيل فإنما … تبني الرجاء على شفير هارِ فالعيش نوم والمنية يقظة … والمرء بينهما خيال سارِ والنفس إن رضيت بذلك أو أَبَتْ … منقادة بأزمَّة الأقدارِ

стр. 24

فاقضوا مآربكم عجالًا إنما … أعماركم سفر من الأسفارِ وتراكضوا خيل الشباب وبادروا … أن تسترد فإنهن عوارِ وقال الآخر: متاع غرور لا يدوم سرورها … وأضغاث حلم خادع ببهائهِ فمن أكرمت يومًا أهانت له غدًا … ومن أضحكت قد آذنت ببكائهِ فكم في كتاب الله من ذكر ذمها! … وكم ذمها الأخيار من أصفيائهِ! (١) وقال لبيد بن ربيعة (٢): بَلِينا وما تبلى النجوم الطوالعُ … وتبقى الديار بعدنا والمصانعُ وما المرء إلا كالشهاب وضوئه … يحور رمادًا بعد إذ هو ساطعُ وما المال والأهلون إلا ودائع … ولا بد يومًا أن ترد الودائعُ أليس ورائي إن تراخت منيتي … لزوم العصا تُحنَى عليه الأصابعُ وقال الآخر: فهن المنايا أي واد سلكته … عليها طريقي أو عليَّ طريقها (٣) وقال الآخر: ومن لم يمت بالسيف ما ت بغيره … تنوعت الأسباب والموت واحدُ (٤) ثالثًا: ينبغي أن يعلم المصاب أن في طي المحنة منحةً، وفي البلية نعمة، وأن الخيرة فيما يختاره الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].

стр. 25

قال أبو تمام (١): قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت … ويبتلي الله بعض القوم بالنعمِ وقال علي بن أبي طالب ﵁ (٢): لا تكره المكروه عند حلوله … إن العواقب لم تزل متباينهْ كم نعمة لا يستهان بشكرها … لله في طي المكاره كامنهْ! وقال الآخر: فلرب أمر مسخط … لك في عواقبه الرضا ولربما اتسع المضيـ … ـق وربما ضاق الفضا (٣) ومن هنا ينبغي أن يعلم المصاب بفقد حبيب مِن ولد، أو والد، أو زوج، أو أخ، أو قريب، أو صديق أن ما عند الله خير للمؤمن؛ لأن الشيطان قد يأتي لأهل المصاب؛ ليحزنهم، ويزيد مصابهم، فيوسوس لهم أن ميتهم المسكين خسر حياته أو خسر شبابه، أو أن المسكين مات بهذا الحادث أو بهذا المرض الخطير، أو مات فجأة، ونحو ذلك؛ فينبغي أن يعلم أن المؤمن إذا مات بأي وقت من عمره، وبأي سبب فما عند الله خير له، وهو مأجور على ما أصابه، وبموته انتقل من الضيق إلى السعة، ومن العناء إلى الراحة، ومن الخوف إلى بر الأمان؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣]، فلا خوف عليهم مما أمامهم، ولا هم يحزنون على مَن خلفهم، فالله يتولاهم ويتولى مَن خلفهم. رابعًا: ينبغي أن يتذكر المصاب بمصيبته المصيبة العظمى بموت رسول الله ﷺ وانقطاع الوحي من السماء.

стр. 26

قال أبو العتاهية (١): اصبر لكل مصيبة وتجلدِ … واعلم بأن المرء غير مخلدِ أَوَما ترى أن المصائب جمة … وترى المنية للعباد بمرصدِ؟! من لم يُصَبْ ممَّن ترى بمصيبة؟! … هذا سبيل لستَ فيها بأوحدِ وإذا أُصِبت مصيبة تشجى بها … فاجبر مصابك بالنبي محمدِ عن أنس بن مالك ﵁ قال: «قال أبو بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيكِ؟ ما عند الله خير لرسوله ﷺ . فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها» (٢). قال حسان ﵁ (٣): بطيبةَ رسمٌ للرسولِ ومعهدُ … منيفٌ وقد تعفو الرسومُ وتَهمدُ ظللتُ بها أبكي الرسولَ فأسعدتْ … عُيون وَمِثْلاها مِنَ الجَفْنِ تُسعدُ فَبُورِكتَ يا قبرَ الرَّسولِ وبورِكتْ … بِلَادٌ ثَوَى فيهَا الرّشِيدُ المُسَدَّدُ وبوركَ لحدٌ منكَ ضُمِّنَ طيبًا … عليهِ بناءٌ من صفيحٍ مُنضَّدُ تهيلُ عليهِ التُّربَ أيدٍ وأعينٌ … عليهِ وقدْ غارتْ بذلكَ أَسعُدُ لقد غَيَّبوا حِلْمًا وعِلْمًا وَرَحمةً … عشيةَ علَّوْهُ الثرى لا يُوسَّدُ وَرَاحُوا بحُزْنٍ ليس فيهِمْ نَبيُّهُمْ … وَقَدْ وَهَنَتْ منهُمْ ظهورٌ وأَعْضُدُ يُبَكُّونَ مَن تبكي السمواتُ يومَهُ … ومَن قدْ بَكَتْهُ الأرضُ فالناس أَكْمَدُ وهلْ عدلتْ يومًا رزيةُ هالكٍ … رزيةَ يومٍ ماتَ فيهِ محمدُ

стр. 27

تَقَطَّعَ فيهِ مُنزِلُ الوَحْيِ عَنهُمُ … وَقَد كان ذا نورٍ يَغورُ ويُنْجِدُ فَبَيْنَا هُمُ في ذلكَ النُّورِ إذْ غَدَا … إلى نُورِهِمْ سَهْمٌ من المَوْتِ مُقصِدُ فأصبحَ محمودًا إلى اللهِ راجعًا … يُبَكِّيهِ جفنُ المرسلاتِ ويحمدُ وأمستْ بِلادُ الحَرْم وَحشًا بقاعُها … لِغَيْبَةِ ما كانَتْ منَ الوَحْيِ تعهدُ قِفارًا سِوَى مَعْمورَةِ اللَّحْدِ ضَافَها … فَقِيدٌ يُبَكِّيهِ بَلاطٌ وغَرْقدُ وَمَسْجِدُهُ فالموحِشاتُ لِفَقْدِهِ … خلاءٌ لهُ فيهِ مقامٌ ومقعدُ فبكِّي رسولَ الله يا عينُ حسرةً … ولا أَعرِفَنْكِ الدهرَ دمعك يجمدُ وما لي لا أبكي لذي النعمة التي … على الناس منها سابغ يُتغمدُ! فجودي عليه بالدموع وأعولي … لفقد الذي لا مثله الدهر يُوجدُ فما فقد الماضون مثل محمد … ولا مثله حتى القيامة يُفقدُ خامسًا: أن يعلم المصاب أن المصيبة الكبرى والبلية العظمي أن يصاب الإنسان في دينه فيخسر دنياه وأخراه؛ كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥]. قال شريح ﵀: «إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو فيه من الثواب، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني» (١)؛ فإن من كل شيء عوضًا إلا الدين. سادسًا: على المصاب انتظار الفَرَج من الله تعالى: كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الانشراح: ٥، ٦]. وقال ﷺ لابن عباس ﵄: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن

стр. 28

مع العسر يسرًا» (١). ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁: «لن يغلب عسرٌ يسرين» (٢). قال الشاعر: وكل الحادثات إذا تناهت … فموصول بها الفرج القريبُ (٣) وقال الآخر: ولرُبَّ نازلة يضيق بها الفتى … ذرعًا وعند الله منها المخرجُ ضاقت فلما استحكمت حلقاتها … فُرِجَت وكان يظنها لا تفرجُ (٤) وقال الآخر: عسى فرج يأتي به الله إنه … له كلَّ يوم في خليقته أمرُ (٥) وقال أبو العتاهية (٦): يا صاحب الهم إن الكرب منفرجٌ … أبشر بخير فإن الفارج اللهُ أَلْيأس يقطع أحيانًا بصاحبه … لا تيأسنَّ فإن الكافي اللهُ أَلله يحدث بعد العسر ميسرة … لا تجزعنَّ فإن الكاشف اللهُ إذا بليت فثق بالله وارضَ به … إن الذي يكشف البلوى هو اللهُ

стр. 29

والله ما لك غير الله من أحد … فحسبك الله في كلٍّ لك اللهُ سابعًا: ينبغي أن يتأسى المصاب ويتسلى بأحوال السلف عند المصائب وما هم عليه من قوة الصبر، والتسليم لقضاء الله وقدره، والرضا به. والأخبار عنهم في هذا مستفيضة، فقد رُوي أن أبا ذر ﵁ كان لا يعيش له ولد، فقيل له في ذلك، فقال: «الحمد لله الذي يأخذهم في دار الفناء، ويدخرهم في دار البقاء» (١). ولما حضرت بلالًا ﵁ الوفاةُ أنشأ يقول: «غدًا نَلقى الأحبَّهْ؛ محمدًا وحزبَهْ»، فقالت امرأته: «واويلاه!». فقال: «وافرحاه!» (٢). وقد روي أن عروة بن الزبير ﵁ وقعت في رجله الآكلة، فقطعها من الساق، ولم يمسكه أحد وهو شيخ كبير، ولم يدَعْ وِرْده تلك الليلة، ومات أحد أبنائه، فقال ﵀: «اللهم إن كنت ابتليت فقد عافيت، وإن كنت أخذت فقد أبقيت، أخذت عضوًا وأبقيت أعضاءً، وأخذت ابنًا وأبقيت أبناءً»، وتمثل بهذه الأبيات: لعمري ما أهويت كفي لريبة … ولا نقلتني نحو فاحشة رِجْلِي ولا قادني سمعي ولا بصري لها … ولا دلني رأيي عليها ولا عقْلِي وأعلم أني لم تصبني مصيبة … من الدهر إلا قد أصابت فتًى مثْلِي (٣) ولما مات عبد الملك بن عمر بن عبدالعزيز ﵀ قال عمر: «الحمد لله الذي جعلك في ميزاني، ولم يجعلني في ميزانك، رضينا بقضاء الله، وسلمنا لأمر الله، والحمد لله رب العالمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون». ومات ولد لعقبة اسمه يحيى، فلما أنزله في قبره قيل له: «والله لقد كان نعم القائد للجيش! فاحتسِبْه. فقال: وما لي لا أحتسبه وقد كان من زينة الحياة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات».

стр. 30

وقيل لرجل: كم لك من الولد؟ فقال: تسعة، فقيل له: نحن لا نعرف لك إلا ولدًا واحدًا. فقال: «الحمد لله كان لي عشرة من الولد فقدمت تسعة أحتسبتهم عند الباري -جل وعلا-، وبقي واحد، لا أدري هل أنا له، أم هو لي؟». وقال علي بن أبي طالب ﵁ لمصابٍ: «إنك إن صبرت جرَتْ عليك المقادير؛ وأنت مأجور، وإن جزِعْت جرَتْ عليك المقادير؛ وأنت مأزور» (١). وروي في «مناقب الشافعي» للبيهقي (٢): أن عبد الرحمن بن مهدي مات له ولد فجزع عليه جزعًا شديدًا؛ حتى امتنع من الطعام والشراب. فبلغ ذلك الشافعيَّ، فكتب إليه: أما بعد، فعزِّ نفسك بما تعزي غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من فعل غيرك، واعلم أن أمضَّ المصائب فَقْدُ سرور وحرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزرٍ؟! ألهمك الله عند المصائب صبرًا، وأجزل لنا ولك بالصبر أجرًا. وكتب إليه: إني معزِّيكَ لا أني على ثقة … من الخلود ولكن سُنة الدِّينِ فما المعزَّى بباق بعد ميتهِ … ولا المعزِّي وإن عاشا إلى حينِ ويشاء الله أن يموت بعدها ابن للشافعي ﵀ الذي كان يعزِّي أصبح يعزَّى، فتمثل بهذا البيت: ما الدهر إلا هكذا فاصطبر له … رزية مال أو فراق حبيبِ ولما قتل أبناء الخنساء الأربعة في معركة القادسية وجاءها الخبر ما زادت على أن قالت: «الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته» (٣)، وهي التي كادت تهلك جزعًا لما مات أخوها صخر في الجاهلية؛ حيث تقول: يذكرني طلوع الشمس صخرًا … وأذكره لكل غروب شمسِ ولولا كثرة الباكين حولي … على إخوانهم لقتلت نفسِي

стр. 31

فلا والله لا أنساك حتى … أفارق مهجتي ويشق رمسِي فقد ودعت يوم فراق صخر … أبي حسان لذاتي وأنسِي فيا لهفي عليه ولهف أمي … أيصبح في الضريح وفيه يمسي؟! (١) ثامنًا: ينبغي أن يُعلم أنه ما سلم أحد من المصائب، حتى الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكما قيل: ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها … لكان رسول الله حيًّا مخلدَا (٢) بل لم يسلم الوحوش في القفار، والأسود في الغابات، والحيتان في أعماق البحار، وكما قيل: هي الليالي وقاك الله صولتها … تصول حتى على الآساد في الأجمِ (٣) وقد روي أن الإسكندر المقدوني ويقال: ذا القرنين. لما حضرته الوفاة أمر أمه أن تصنع طعامًا إذا مات وتدعو له جميع الناس، وأن تكتب على الباب أنه لا يأتي إليها إلا من لم يصب بمصيبة قط، ففعلت ذلك، فلم يأتها أحد، فقالت: لِمَ لَمْ يأتِ إليَّ أحد؟ فقيل لها: إنك كتبت أنه لا يأتي إليك إلا مَن لم يُصَبْ بمصيبة قط، وما من أحد إلا وقد أصيب بمصيبة، فعلمت السر في وصية ابنها لها بذلك وقالت: «لقد عزيتني عن نفسك بنفسك» (٤).

стр. 32

الوقفة الثانية في: التحذير من بعض البدع والمخالفات في الجنائز: استحدث الناس في الجنائز بِدعًا ومخالفاتٍ كثيرةً، دلت نصوص الكتاب والسنة على تحريمها، وحذر منها المحققون من علماء الأمة، يجب الحذر منها، والبُعد عنها، منها ما يلي: ١ النِّياحة على الميت والندب، ولطم الخدود، وشق الجيوب. ٢ الدعاء للميت بطريقة جماعية بعد الفراغ من الصلاة عليه. ٣ التهليل أثناء تشييع الجنازة. ٤ الأذان عند القبر، عند دفن الميت. ٥ تلقين الميت بعد دفنه الشهادتين، وما سوف يُسأل عنه: مَن ربُّك؟ ما دينُك؟ من نبيُّك؟ ٦ رفع القبور، وتجصيصها، والبناء عليها، والكتابة عليها. ٧ وضع جريد النخل والشجر على القبر. ٨ الاجتماع لقراءة القرآن للميت قبل دفنه، أو بعد دفنه، عند القبر، أو في أي مكان. ٩ جعل المصاحف عند القبور للقراءة للأموات. ١٠ وقف الأوقاف لتلاوة القرآن، وجعل ثوابه للأموات. ١١ استئجار من يقرأ القرآن للأموات. ١٢ اجتماع الناس في البيوت لقراءة القرآن على رُوح الميت، وختم القرآن وجعل ثوابه للميت. ١٣ ذبح الذبائح وصنع الطعام، واجتماع المعزين من الناس.

стр. 33

١٤ الذكرى الأربعينية بعد مرور أربعين يومًا من وفاة الميت. ١٥ تخصيص زيارة المقابر يوم العيد وليلته أو يوم الجمعة. إلى غير ذلك من المخالفات والبِدع الكثيرة، التي أوصلها بعض أهل العلم إلى أكثر من مئتي مخالفةٍ وبدعة (١). الوقفة الثالثة في: التنبيه على أمور تتعلق بالجنائز: هناك أمور كثيرة مما يتعلق بالجنائز ينبغي التنبيه لها، ومراعاتها، منها ما يلي: ١ عدم تأخير الصلاة على الميت ودفنه لغير حاجةٍ؛ لأن في ذلك تعديًا على حقه، وتأخيرًا له عن الوصول إلى ما عند الله تعالى له من الخير، قال ﷺ : «أسرعوا بالجنازة؛ فإنْ تكُ صالحةً فخيرٌ تقدِّمونها إليه، وإن تكن غير ذلك فشرٌّ تَضَعُونه عن رِقابِكم» (٢). وعن أبي هريرة ﵁: أن رجلًا أسودَ- أوِ امرأةً سوداءَ- كان يَقُمُّ المسجدَ، فمات، فسأل النبي ﷺ عنه، فقالوا: مات. قال: «أفلا آذَنْتُمُوني به، دُلُّوني على قبرِه» أو قال: «قبرِها» فأتى قبرَها فصلى عليها (٣). وفي بعض الروايات: قالوا: «إنه كان ليلًا» (٤)؛ أي: أنه توفي ليلًا. وفي بعضها: «فكرِهنا أن نُوقِظَك».

стр. 34

فلم ينتظر الصحابة رضوان الله عليهم استيقاظَه ﷺ ليصليَ عليها معهم، ولم ينكر ﷺ ذلك عليهم، وإنما قال لهم: «أفلا آذنتموني»؟ أي: أخبرتموني، فبيَّنوا له سبب ذلك، وهو أن ذلك كان ليلًا. ولهذا لا ينبغي أن تؤخَّر الصلاةُ على الميت ودفنُه انتظارًا لمن كان بعيدًا أو مسافرًا من أقاربه أو معارفه وأصدقائه، أو لأجل حشد أكبر عددٍ من المصلين، ونحو ذلك، إلا في حدود وقت كافٍ لتجهيزه وتغسيله وتكفينه، وحفر قبره، أو انتظار وقت صلاةٍ قريبٍ، ونحوِ ذلك، كما قال الفقهاء ﵏. ٢ استبدال الكتابة للناس في وسائل الاتصال بأن العزاء في المقبرة بغيرها، كأن يكتب للناس: ليس هناك جلوس في البيت للتعزية، ونحو ذلك؛ لأن التعزية ليس لها مكان محدود ولا وقت محدود. قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: «ليس للعزاء أيام محدودة، بل يُشرع من حين خروج الروح، قبل الصلاة على الميت وبعدها، وليس لغايته حد في الشرع المطهر، سواء كان ذلك ليلًا أو نهارًا، وسواء كان ذلك في البيت أو الطريق، أو المسجد، أو في المقبرة، أو في غير ذلك من الأماكن» (١). ٣ ينبغي لكل من دخل المقبرة من المشيِّعين وغيرهم الحرص على السلام على الأموات، والدعاء لهم، وعدم نسيان ذلك. ٤ ينبغي لأهل الميت ومَن شيَّعه معهم تقديمُ دفنِه، والدعاء له بعد ذلك بالمغفرة والثبات، وعدم الانشغال عن ذلك بالتعزية؛ لأن دفنه والدعاء له بعد الدفن من حقه عليهم، وهو أولى وآكد، ويفوت وقته بخلاف التعزية. عن عثمان بن عفان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا فرَغ من دفن الميت وقف عليه، فقال: «استغفِرُوا لأخيكم، وسَلُوا له التثبيتَ؛ فإنه الآنَ يُسأل» (٢).

стр. 35

٥ التعزية إنما تكون لأهل الميت وأقاربه، ومَن أُصيب وتأثر بموته، لا لكل مَن شيع الجنازة وحضرها. ٦ يُستحسن ممن ليس لديه القدرة على الصبر والتحمل، ومقابلة المعزين، من أقارب الميت، ويُخشى أن يتأثر أو يتضرر: عدم الجلوس للتعزية، ولا يُلزَم بذلك؛ لأن التعزية إنما شُرعت للمواساة، وتخفيف المصاب، والدعاء للميت، وهي في الأصل سُنة، فإذا ترتب عليها ضرر، وجب تركها. ٧ اعتاد الناس في المدن والبلدان الكبيرة الصلاة في وقت واحد على عدة أموات، ووصيتي لكل مَن شيعهم وحضر دفنهم ألا يغادرَ المقبرة حتى يدعو لهم جميعًا بالمغفرة والثبات، فإن تمكن من الوقوف عند قبر كل واحدٍ منهم والدعاء له فحسَن، وإلا عمَّ بالدعاء لهم جميعًا. ولا يكتفي بالدعاء فقط لميته، كما هو حال كثير من الناس اليوم. ٨ رغَّب النبي ﷺ في الصلاة على الجنائز واتباعها، فقال ﷺ : «من شهد الجنازة حتى يصليَ فله قِيراط، ومن شهِدها حتى تُدفَنَ له قيراطان» (١). وهذا فضل عظيم ينبغي للمسلم أن يحرص ألا يفوته هذا الأجر، إذا قدَر على ذلك دون تعطيل سائر أعماله، والتخلي عما عليه من حقوق قد يكون بعضها لله ، أو لوالديه وأهله وأولاده، وأقاربه وجيرانه وإخوانه، أو للأمة عامة؛ لأن هناك أناسًا فرغوا أنفسهم للصلاة على الجنائز واتباعها، فجلسوا ينتظرون الجنائز، وفرطوا في كثيرٍ من الحقوق المذكورة وغيرها. وهذا أمر لم يفعله الرسول ﷺ ، ولا القرون المفضلة من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ولا مَن بعدهم مِن خيرة هذه الأمة، وقد وصل الحال ببعض من ذُكر أنه يمر على الجنائز في بعض المساجد فيصلي عليها بمفرده قبل صلاة الناس عليها

стр. 36

ليدرك الصلاة على الجنائز في المساجد الأخرى، وربما فاتته صلاة الجماعة بسبب ذلك، وهذا أمر لا ينبغي ولا يجوز، والصلاة على الجنائز مهما كثُرت لا تعوِّض فوات هذه الحقوق. ٩ يتعاطف بعض أقارب الميت وأصدقائه ومعارفه معه فيقوم بعضهم بجمع التبرعات لأجل الصدقة عنه، أو الوقف له. وهذا العمل لم يُنقل عن الرسول ﷺ ، ولا عن خلفائه وأصحابه، والقرون المفضلة، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. مع ما فيه من مجاملة البعض، وإحراجهم، والميت في غنًى عن هذا، ولو كان حيًّا ما رضي بذلك، فينبغي تركه. ١٠ يتوسع أقارب بعض الأموات في الثناء عليهم بعد موتهم، وإطرائهم، وامتداح سيرتهم، وتَعداد أعمالهم الخيرية، والمبالغة في ذلك، ويُخشى أن يدخل ذلك في باب النعي المذموم، فالأولى الحرص بدلًا من ذلك على ما ينفع الميت، وهو الدعاء له بالمغفرة والرحمة ونحو ذلك. الوقفة الرابعة: لا يجوز أن يترتب على الصلاة على الجنازة وتشييعها التفريط فيما هو أهم فلا يجوز أن يترتب على صلاة الجنازة تفويت صلاة الجماعة أو بعضها؛ لأن هذا العمل من استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، وفاعله أشبه بمن يَعمُرُ قصرًا ويهدِم مِصرًا. كما أنه لا يجوز أن تكون الصلاة على الجنازة مبررًا لترك بعض أهل المسؤوليات في الأمة مسؤولياتِهم من المؤذنين والأئمة والمدرسين والموظفين وغيرهم؛ لأن بإمكانهم الصلاة عليها في المقبرة قبل الدفن أو بعده، بعد أداء مسؤولياتهم، وإذا كان هذا مُسوَّغًا لأهل الميت وأقاربه الأدنَين الذين يتولون تجهيزه، فليس مسوغًا لغيرهم.

стр. 37

وقفة في: وجوب حسن العشرة بين الزوجين قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] يُعد عقد الزوجية من أغلظ العقود، وأشدها وأخطرها، رتَّب الله عليه حقوقًا عظيمة بين الزوجين، يجب على كلٍّ منهما مراعاتها، والقيام بها، وأداؤها للآخر، على أكمل الوجوه وأتمها؛ لكي تصلح الحياة الزوجية بينهما وتستقر، ويكوِّنا أسرة صالحة آمنة مستقرة بإذن الله تعالى. ومن أوجب الحقوق وأعظمها فيما بين الزوجين: أن يعاشر كلٌّ منهما الآخر بالمعروف، كما قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]؛ أي: ليعاشر كلٌّ من الزوجين الآخر بما هو معروف وواجب في الشريعة الإسلامية من حسن المعاشرة؛ قولًا وفعلًا وبذلًا، واحترامًا وتقديرًا، لِينًا في القول، ومعاملة حسنة، وصحبة جميلة، وأداءً للحقوق، وبذلًا للندى، وكفًّا للأذى. ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة في حسن خُلقه ﷺ وطيب مَعشَره في تعامله مع أزواجه ﵅. قالت عائشة ﵂: خرجت مع النبي ﷺ في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمِلِ اللحمَ ولم أبدُن، فقال للناس: «تقدموا» فتقدموا. ثم قال لي: «تعالَيْ حتى أُسابِقَكِ». فسابقته فسبقته، فسكت عني حتى إذا حملتُ اللحمَ وبدُنت ونسِيت خرجتُ معه في بعض أسفاره، فقال للناس: «تقدموا» فتقدموا، ثم قال: «تعالي حتى أسابقك». فسابقته فسبقني، فجعل يضحك وهو يقول: «هذه بتِلكِ» (١).

стр. 38

وسألها الأسود بن يزيد ﵄: ماذا كان يصنع رسول الله ﷺ في بيته؟ قالت: «كان يكون في مِهنة أهله- تعني خدمة أهله- فإذا حضرتِ الصلاةُ خرج إلى الصلاة» (١). وقد قال ﷺ : «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (٢). ومن أوجب وأهم حقوق المعاشرة بالمعروف أن يسعى كلٌّ من الزوجين بكل ما استطاع إلى إعفاف الآخر وإشباع ميوله ورغبته الجنسية، والتودُّد والتحبُّب إليه بحُسن الخُلق، وطيب المَعشَر، ولين الحديث، وبالملاطفة والممازحة والملاعبة. وبظهور كلٍّ منهما أمام الآخر بأجمل صورة، وأزكى رائحة، وأنظف بدن، وأفضل ملبس، حتى ترى الزوجة في زوجها جمال يوسف بن يعقوب ﵉، وحتى يرى الزوج في زوجته جمال العَنقاء، أو كما يقال: «بنت المطر». فلا هي تبغي بزوجها بديلًا، ولا ترى في عالم الجمال سواه، ولا هو يبغي بزوجته بديلًا، ولا يرى في عالم الجمال سواها. قال ﷺ لجابر بن عبد الله ﵁: «هلَّا بِكْرًا أو جاريةً تُلاعِبُها وتُلاعِبُك!» (٣). وقال ابن عباس ﵄: «إني أحب أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي المرأة؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤) [البقرة: ٢٢٨]». ومن أعظم التقصير من كلٍّ من الزوجين في حق الآخر البرود في هذا الجانب، والبلادة، بل الجفاء في معاملة أحدهما صاحبه، مما يؤدي في النهاية إلى نفور كلٍّ منهما من الآخر. ويكون سببًا لكثير من مشكلات البيوت؛ بل سببًا للطلاق، وتفكك كثير من

стр. 39

الأسر، فليس بصحيحٍ أن يرى الرجل أهم واجب عليه النفقة، وتأمين السكن والمأكل والملبس، ونحو ذلك، وأن ترى الزوجة أهم واجب عليها طهي الطعام، وغسل ملابسه، ونحو ذلك. بل أهم من ذلك وأوجب أن يسعى كلٌّ منهما ما استطاع إلى إعفاف الآخر. وليس بصحيحٍ أن تأتي الزوجة إلى فراش زوجها بقميص المطبخ، وثوب الغسيل، وتريد أن تدوم العشرة بينها وبين زوجها. وليس بصحيحٍ أن يأتي الرجل إلى فراشه بثوب ورشة الحِدادة، أو قميص رحلة التنزه، وهو يريد دوام العشرة بينه وبين زوجته. وليس بصحيحٍ إذا أراد الزوج زوجته أن يذهب يبحث عنها في زوايا البيت، أو يقودها بسلسلة إلى فراشه، وهي تريد ديمومة العشرة معه. وليس بصحيحٍ ألا يهتم الرجل بإشباع رغبة زوجته، ويبتعد عنها وينساها، ثم يريد ديمومة العشرة معها، هذا أمر لا يكون. وليس بصحيحٍ أن من يتعامل بهذا قد أدى ما يجب عليه في حق زوجه، بل هو مقصر أشد التقصير، ومسؤول أمام الله عن ذلك. ومع أن البرود في هذا الجانب، وعدم إعطائه حقه سببٌ لكثير من مشكلات البيوت، وتفكك الأسر، وربما أدى بالزوجين أو أحدهما إلى التطلع إلى الحرام، قلَّ من يسعى إلى تبصير الناس في هذا الأمر؛ ليعود للبيوت جمال الحياة الزوجية، وتعود للأسر الألفة والمحبة، وتسلم من التفكك والتشرد والتشتت، بل ليسلم الزوجان من النظر والتطلع إلى الحرام، نسأل الله السلامة. همسة: ينبغي للزوجين لكي يتعاشرا بالمعروف أن يستشعرا أنه ما من شريكين أو متعاشرين يرضى كل منهما خُلق الآخر على التمام، وقد قيل: «ما تعاشر اثنان إلا وأحدهما يتغاضى عن الآخر».

стр. 40

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَفْرَك مؤمنٌ مؤمنةً، إن كرِه منها خُلقًا، رضي منها آخرَ» (١). وهكذا ينبغي للزوجة، فلا تبحث عن بعض السلبيات، وتتناسى الإيجابيات الكثيرة لدى زوجها. قال الشاعر: وإذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍ … جاءتْ مَحاسِنُه بألفِ شَفيعِ (٢) وقال الآخر: ومن لم يغمِّض عينَه عن صديقِه … وعن بعضِ ما فيه يَمُتْ وهْو عائبُ ومَن يتتبع جاهدًا كل عثرةٍ … يَجِدْها ولا يَسلَمْ له الدهرَ صاحبُ (٣) وقال الآخر: إذا كنتَ تهوى العيشَ فاقنَعْ تَوسُّطًا … فعند التناهي يَقصُرُ المُتطاوِلُ تُوَقَّ البدورُ النقصَ وهْي أَهِلَّةٌ … ويُدرِكها النقصانُ وهْي كوامِلُ (٤) وقال زهير: ومَن لم يُصانعْ في أمورٍ كثيرة … يُضرَّس بأنيابٍ ويُوطَأ بمَنسِمِ (٥)
следующие страницы →