← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 800

مراقي العزة ومقومات السعادة

سليمان اللاحم

Полный текст (723 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ليدرك الصلاة على الجنائز في المساجد الأخرى، وربما فاتته صلاة الجماعة بسبب ذلك، وهذا أمر لا ينبغي ولا يجوز، والصلاة على الجنائز مهما كثُرت لا تعوِّض فوات هذه الحقوق. ٩ يتعاطف بعض أقارب الميت وأصدقائه ومعارفه معه فيقوم بعضهم بجمع التبرعات لأجل الصدقة عنه، أو الوقف له. وهذا العمل لم يُنقل عن الرسول ﷺ ، ولا عن خلفائه وأصحابه، والقرون المفضلة، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. مع ما فيه من مجاملة البعض، وإحراجهم، والميت في غنًى عن هذا، ولو كان حيًّا ما رضي بذلك، فينبغي تركه. ١٠ يتوسع أقارب بعض الأموات في الثناء عليهم بعد موتهم، وإطرائهم، وامتداح سيرتهم، وتَعداد أعمالهم الخيرية، والمبالغة في ذلك، ويُخشى أن يدخل ذلك في باب النعي المذموم، فالأولى الحرص بدلًا من ذلك على ما ينفع الميت، وهو الدعاء له بالمغفرة والرحمة ونحو ذلك. الوقفة الرابعة: لا يجوز أن يترتب على الصلاة على الجنازة وتشييعها التفريط فيما هو أهم فلا يجوز أن يترتب على صلاة الجنازة تفويت صلاة الجماعة أو بعضها؛ لأن هذا العمل من استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، وفاعله أشبه بمن يَعمُرُ قصرًا ويهدِم مِصرًا. كما أنه لا يجوز أن تكون الصلاة على الجنازة مبررًا لترك بعض أهل المسؤوليات في الأمة مسؤولياتِهم من المؤذنين والأئمة والمدرسين والموظفين وغيرهم؛ لأن بإمكانهم الصلاة عليها في المقبرة قبل الدفن أو بعده، بعد أداء مسؤولياتهم، وإذا كان هذا مُسوَّغًا لأهل الميت وأقاربه الأدنَين الذين يتولون تجهيزه، فليس مسوغًا لغيرهم.

стр. 37

وقفة في: وجوب حسن العشرة بين الزوجين قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] يُعد عقد الزوجية من أغلظ العقود، وأشدها وأخطرها، رتَّب الله عليه حقوقًا عظيمة بين الزوجين، يجب على كلٍّ منهما مراعاتها، والقيام بها، وأداؤها للآخر، على أكمل الوجوه وأتمها؛ لكي تصلح الحياة الزوجية بينهما وتستقر، ويكوِّنا أسرة صالحة آمنة مستقرة بإذن الله تعالى. ومن أوجب الحقوق وأعظمها فيما بين الزوجين: أن يعاشر كلٌّ منهما الآخر بالمعروف، كما قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]؛ أي: ليعاشر كلٌّ من الزوجين الآخر بما هو معروف وواجب في الشريعة الإسلامية من حسن المعاشرة؛ قولًا وفعلًا وبذلًا، واحترامًا وتقديرًا، لِينًا في القول، ومعاملة حسنة، وصحبة جميلة، وأداءً للحقوق، وبذلًا للندى، وكفًّا للأذى. ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة في حسن خُلقه ﷺ وطيب مَعشَره في تعامله مع أزواجه ﵅. قالت عائشة ﵂: خرجت مع النبي ﷺ في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمِلِ اللحمَ ولم أبدُن، فقال للناس: «تقدموا» فتقدموا. ثم قال لي: «تعالَيْ حتى أُسابِقَكِ». فسابقته فسبقته، فسكت عني حتى إذا حملتُ اللحمَ وبدُنت ونسِيت خرجتُ معه في بعض أسفاره، فقال للناس: «تقدموا» فتقدموا، ثم قال: «تعالي حتى أسابقك». فسابقته فسبقني، فجعل يضحك وهو يقول: «هذه بتِلكِ» (١).

стр. 38

وسألها الأسود بن يزيد ﵄: ماذا كان يصنع رسول الله ﷺ في بيته؟ قالت: «كان يكون في مِهنة أهله- تعني خدمة أهله- فإذا حضرتِ الصلاةُ خرج إلى الصلاة» (١). وقد قال ﷺ : «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (٢). ومن أوجب وأهم حقوق المعاشرة بالمعروف أن يسعى كلٌّ من الزوجين بكل ما استطاع إلى إعفاف الآخر وإشباع ميوله ورغبته الجنسية، والتودُّد والتحبُّب إليه بحُسن الخُلق، وطيب المَعشَر، ولين الحديث، وبالملاطفة والممازحة والملاعبة. وبظهور كلٍّ منهما أمام الآخر بأجمل صورة، وأزكى رائحة، وأنظف بدن، وأفضل ملبس، حتى ترى الزوجة في زوجها جمال يوسف بن يعقوب ﵉، وحتى يرى الزوج في زوجته جمال العَنقاء، أو كما يقال: «بنت المطر». فلا هي تبغي بزوجها بديلًا، ولا ترى في عالم الجمال سواه، ولا هو يبغي بزوجته بديلًا، ولا يرى في عالم الجمال سواها. قال ﷺ لجابر بن عبد الله ﵁: «هلَّا بِكْرًا أو جاريةً تُلاعِبُها وتُلاعِبُك!» (٣). وقال ابن عباس ﵄: «إني أحب أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي المرأة؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤) [البقرة: ٢٢٨]». ومن أعظم التقصير من كلٍّ من الزوجين في حق الآخر البرود في هذا الجانب، والبلادة، بل الجفاء في معاملة أحدهما صاحبه، مما يؤدي في النهاية إلى نفور كلٍّ منهما من الآخر. ويكون سببًا لكثير من مشكلات البيوت؛ بل سببًا للطلاق، وتفكك كثير من

стр. 39

الأسر، فليس بصحيحٍ أن يرى الرجل أهم واجب عليه النفقة، وتأمين السكن والمأكل والملبس، ونحو ذلك، وأن ترى الزوجة أهم واجب عليها طهي الطعام، وغسل ملابسه، ونحو ذلك. بل أهم من ذلك وأوجب أن يسعى كلٌّ منهما ما استطاع إلى إعفاف الآخر. وليس بصحيحٍ أن تأتي الزوجة إلى فراش زوجها بقميص المطبخ، وثوب الغسيل، وتريد أن تدوم العشرة بينها وبين زوجها. وليس بصحيحٍ أن يأتي الرجل إلى فراشه بثوب ورشة الحِدادة، أو قميص رحلة التنزه، وهو يريد دوام العشرة بينه وبين زوجته. وليس بصحيحٍ إذا أراد الزوج زوجته أن يذهب يبحث عنها في زوايا البيت، أو يقودها بسلسلة إلى فراشه، وهي تريد ديمومة العشرة معه. وليس بصحيحٍ ألا يهتم الرجل بإشباع رغبة زوجته، ويبتعد عنها وينساها، ثم يريد ديمومة العشرة معها، هذا أمر لا يكون. وليس بصحيحٍ أن من يتعامل بهذا قد أدى ما يجب عليه في حق زوجه، بل هو مقصر أشد التقصير، ومسؤول أمام الله عن ذلك. ومع أن البرود في هذا الجانب، وعدم إعطائه حقه سببٌ لكثير من مشكلات البيوت، وتفكك الأسر، وربما أدى بالزوجين أو أحدهما إلى التطلع إلى الحرام، قلَّ من يسعى إلى تبصير الناس في هذا الأمر؛ ليعود للبيوت جمال الحياة الزوجية، وتعود للأسر الألفة والمحبة، وتسلم من التفكك والتشرد والتشتت، بل ليسلم الزوجان من النظر والتطلع إلى الحرام، نسأل الله السلامة. همسة: ينبغي للزوجين لكي يتعاشرا بالمعروف أن يستشعرا أنه ما من شريكين أو متعاشرين يرضى كل منهما خُلق الآخر على التمام، وقد قيل: «ما تعاشر اثنان إلا وأحدهما يتغاضى عن الآخر».

стр. 40

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَفْرَك مؤمنٌ مؤمنةً، إن كرِه منها خُلقًا، رضي منها آخرَ» (١). وهكذا ينبغي للزوجة، فلا تبحث عن بعض السلبيات، وتتناسى الإيجابيات الكثيرة لدى زوجها. قال الشاعر: وإذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍ … جاءتْ مَحاسِنُه بألفِ شَفيعِ (٢) وقال الآخر: ومن لم يغمِّض عينَه عن صديقِه … وعن بعضِ ما فيه يَمُتْ وهْو عائبُ ومَن يتتبع جاهدًا كل عثرةٍ … يَجِدْها ولا يَسلَمْ له الدهرَ صاحبُ (٣) وقال الآخر: إذا كنتَ تهوى العيشَ فاقنَعْ تَوسُّطًا … فعند التناهي يَقصُرُ المُتطاوِلُ تُوَقَّ البدورُ النقصَ وهْي أَهِلَّةٌ … ويُدرِكها النقصانُ وهْي كوامِلُ (٤) وقال زهير: ومَن لم يُصانعْ في أمورٍ كثيرة … يُضرَّس بأنيابٍ ويُوطَأ بمَنسِمِ (٥)

стр. 41

وقفات ست في: الصلاة: قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] الوقفة الأولى في: ذكر الأدلة على مشروعية الصلاة، ووجوبها الأدلة على مشروعية الصلاة ووجوبها كثيرة معلومة؛ منها ما يأتي: ١ قوله تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. ٢ قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦]. ٣ قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١]. ٤ قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. ٥ قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. ٦ قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. ٧ وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «بُني الإسلام على خمسٍ؛ شهادة أنْ لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمنِ استطاع إليه سبيلًا» (١). ٨ وفي حديث أنس ﵁ في قصة الإسراء: «أن الله فرض عليه ﷺ وعلى أُمته خمسَ صلواتٍ في اليوم والليلة» (٢).

стр. 42

٩ قول جَرير ﵁: «بايعت رسولَ الله ﷺ على إقامِ الصلاةِ، وإيتاء الزكاة، والنصحِ لكل مسلمٍ» (١). ١٠ قوله ﷺ وهو يَجُودُ بنفْسِه: «الصلاةَ، الصلاةَ، وما مَلَكَتْ أيمانُكم» (٢). إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الكثيرة الدالة على أن الصلاة أعظم شعائر الإسلام وآكدها وأوجبها بعد الشهادتين. ١١ إجماع المسلمين على مشروعيتها، ووجوبها، وأنها أحد أركان الإسلام، بل الركن الثاني بعد الشهادتين. قال ابن هُبيرة ﵀ (٣): «وأجمعوا على أن الصلاة أحد أركان الإسلام، وعلى أنها خمس صلوات في اليوم والليلة … وعلى أنه لا يسقط فرضها في حق من جرى عليه التكليف». الوقفة الثانية في: ذكر الأدلة على كفر تارك الصلاة، وأنه لا حظ له في الإسلام الأدلة على كفر تارك الصلاة، وأنه لا حظ له ولا نصيب في الإسلام كثيرة، منها ما يأتي: ١ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].

стр. 43

ومفهوم هذا أنهم إن لم يتوبوا، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فليسوا بإخواننا في الدين، بل كفار. ٢ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]؛ أي: اتركوهم لا تقاتلوهم؛ لأنهم مسلمون. ٣ قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١]. ٤ قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة ٣١، ٣٢]. ٥ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٨، ٤٩]. ٦ قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم ٥٩، ٦٠]. ٧ قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر ٤٢، ٤٣]. ٨ وعن جابر بن عبد الله ﵄: سمعتُ النبي ﷺ يقول: «إن بين الرجلِ وبين الشرك والكفر تركَ الصلاةِ» (١). ٩ وعن بُريدة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمَن تركها فقد كفر» (٢). ١٠ وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، أن النبي ﷺ قال: «أُمرتُ أن أُقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أنْ لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ الله، ويُقيموا الصلاةَ، ويؤتوا الزكاةَ، فإذا فعَلوا ذلك عَصَمُوا مني دماءَهم وأموالَهم إلا بحقِّ الإسلامِ، وحسابُهم على اللهِ » (٣).

стр. 44

١١ وقال عبد الله بن شَقيق ﵀: «كان أصحاب محمد ﷺ لا يَرَونَ شيئًا من الأعمال تركُه كفرٌ إلا الصلاة» (١). ١٢ وكتب أبو بكر ﵁ لعامله: «واعلَمُوا أن أهم أموركم عندي الصلاة، فمن ضيَّعها فهو لغيرها أضيعُ … » (٢). ١٣ وكان عمر ﵁ يكتب إلى الآفاق (٣): «إن أهم أموركم عندي الصلاة، فمَن حفِظها حفِظ دِينَه، ومَن ضيَّعها فهو لما سواها أضيعُ، ولا حظ في الإسلامِ لمن ترك الصلاةَ» (٤). ١٤ وقال الإمام أحمد ﵀ (٥): «فكلُّ مُستخِفٍّ بالصلاة، مستهينٍ بها، هو مستخفٌّ بالإسلام، مستهينٌ به، وإنما حظُّهم من الإسلام على قدْرِ حظهم من الصلاة، ورغبتهم في الإسلام على قدْرِ رغبتهم في الصلاة، فاعرِفْ نفسَك يا عبدَ الله، واعلم أن حظك من الإسلام، وقدر الإسلام عندك، بقدر حظك من الصلاة، وقدرها عندك، واحذَرْ أن تلقَى الله ولا قدْر للإسلام عندك، فإن قدر الإسلام في قلبك كقدر الصلاة في قلبك». ١٥ وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (٦): «ومعلوم أن ترك الصلاة كفر وضلال، وخروج عن دائرة الإسلام؛ لقول النبي ﷺ : «بين الرجل والشرك تركُ الصلاة»، وقال ﷺ : «العهدُ الذي بيننا وبينهم الصلاةُ، فمَن تركها فقد كَفَرَ». والآيات والأحاديث في تعظيم شأن الصلاة، ووجوب المحافظة عليها، وإقامتها كما شرع الله، والتحذير من

стр. 45

تركها؛ كثيرةٌ معلومة، فالواجب على كل مسلم أن يحافظ عليها في أوقاتها، وأن يقيمها كما شرع الله». ١٦ وقال الشيخ محمود محمد شاكر ﵀ في تقديمه لـ «رسالة الصلاة» للإمام أحمد ﵀ (١): «ولْيَعلَمِ امرُؤٌ أن صلاته إذا بَطَلَتْ بطَل عملُه كله، وأنه إذا استهان بشيءٍ مما فيها، استهان الله به، وأن إقامة الصلاة على وجهها أصلٌ في إقامة الدين كله على وجهه». الوقفة الثالثة في: بيان مكانة الصلاة في الإسلام، وفي سائر الشرائع للصلاة مكانة عظيمة، ومنزلة كبيرة في الإسلام، وفي سائر الشرائع، فهي عماد الدين، وأعظم مستلزمات الإيمان في الشرائع كلها؛ لهذا جاء الأمر بها، والترغيب فيها، والحث على إقامتها في الشرائع السابقة على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام. قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠]. وقال تعالى عن إسماعيل ﵇: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥]. وقال تعالى مخاطبًا نبيه موسى ﵇: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. وقالت الملائكة ﵈ لمريم ﵍: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. وقال عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١].

стр. 46

وشأن الصلاة في الإسلام أعظم وأعظم، ومنزلتها فيه أهم، ومكانتها فيه أكبر؛ حيث «فرضها الله على رسوله ﷺ بدون واسطة، من فوق سبع سموات، ليلة أُسرِيَ به ﷺ إلى بيت المقدس، وعُرِجَ به إلى السماء» (١). وهي أول فرائض الإسلام، وأعظمها، وثاني أركانه بعد الشهادتين، وهي عمود الإسلام، وأجلُّ مبانيه العِظام، وركنه الرَّكين الذي لا يقوم بدونه، وقُطب رَحاه الذي يدور عليه. عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول ﷺ : «رأسُ الأمرِ الإسلامُ، وعمودُه الصلاةُ، وذِروة سَنامِه الجهادُ» (٢). قال الإمام أحمد ﵀ (٣): «ألستَ تعلم أن الفُسطاط إذا سقط عموده سقط الفسطاط، ولم ينتفع بالطُّنُب، ولا بالأوتاد؟ فكذلك الصلاة من الإسلام». وهي أعظم العبادات، وأجلها، وأوجبها، وآكدها، وأفضل الذكر، وجماع الخيرات، وشعار التمسك بالقرآن، والصلاح، والإصلاح. قال الله تعالى مخاطبًا لنبيه موسى ﵇: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]. وقال ﷺ : «استقيموا، ولن تُحْصُوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاةُ، ولا يحافظ على

стр. 47

الوضوء إلا مؤمنٌ» (١). وهي آخر ما يُفقد من الدين، فهي أول الإسلام وآخره، قال ﷺ : «أولُ ما تَفقِدون من دِينِكُمُ الأمانةُ، وآخرُ ما تفقدون من دينكم الصلاةُ» (٢). قال الإمام أحمد ﵀ (٣): «فصلاتنا آخرُ دِيننا، وهي أول ما نُسأل عنه غدًا من أعمالنا، فليس بعد ذهاب الصلاةِ إسلامٌ ولا دين، فإذا صارت الصلاة آخرَ ما يذهب من الإسلام، فكل شيءٍ يذهب آخِرُه فقد ذهب جميعُه، فتمسكوا رحمكم الله بآخرِ دِينكم». عظَّم الله شأنها، فأوجب التطهر لها من الحدث الأصغر والأكبر، ومن النجاسات، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقال ﷺ : «لا يَقبَلُ الله صلاةً بغيرِ طهورٍ» (٤). وجعلها من أجلِّ صفات المؤمنين والمتقين في مواضعَ كثيرةٍ من كتابه المبين، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢]، وقال

стр. 48

تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩]، وفي المعارج: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الآية: ٣٤]. وهي الصلة بين العبد وبين ربه؛ ولهذا فإنها لا تسقُط بحالٍ من الأحوال، ما دام العقل موجودًا، لا في حال الخوف، ولا في حال المرض، أو غير ذلك، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]؛ أي: فصلوا رجالًا أو ركبانًا. وقال ﷺ لعِمرانَ بنِ حُصَينٍ ﵁: «صلِّ قائمًا، فإنْ لم تستطِعْ فقاعدًا، فإنْ لم تَستطِعْ فعلى جَنْبٍ» (١). وقال أبو بكر ﵁: «واعلَموا أن لله عملًا في الليل لا يَقبَلُه في النهار، وعملًا في النهار لا يقبله في الليل» (٢). قال ابن تيميَّةَ ﵀ بعد ذكره قول أبي بكر ﵁: «وأما عمل النهار الذي لا يقبله بالليل، وعمل الليل الذي لا يقبله بالنهار، فهما صلاة الظهر والعصر، لا يحِل للإنسان أن يؤخِّرَهما إلى الليل» (٣). وقال أيضًا: «وبالجملة، فليس لأحدٍ قطُّ شُغلٌ يُسقِطُ عنه فعلَ الصلاة في وقتها، بحيث يؤخر صلاةَ النهار إلى الليل، وصلاةَ الليل إلى النهار، بل لا بد من فِعلِها في الوقت» (٤). وبقية أركان الإسلام بعد الشهادتينِ قد تسقط، فالزكاة تسقط عمن لا مال عنده، والصوم يسقط عمن لا يستطيعه؛ لمرضٍ، أو كِبَر، أو غير ذلك، والحج يسقط عمن لا يستطيع إليه سبيلًا؛ ولهذا كانت الصلاة عمادَ الدين، وعموده؛ لأنها تقوم مقام جميع

стр. 49

الأركان عند سقوطها، ما عدا الشهادتين. قال الإمام أحمد ﵀ (١): «فالصلاة خطرها عظيم، وأمرها جسيم، وبالصلاة أمَر الله ﵎ رسولَه أول ما أَوحى إليه بالنبوة، قبل كل عمل، وقبل كل فريضة، وبالصلاة أوصى النبي ﷺ عند خروجه من الدنيا، قال: «اللهَ، اللهَ في الصلاة، وفيما مَلَكَتْ أيمانُكم» (٢) في آخر وصيته إياهم. وجاء الحديث أنها آخر وصية كل نبيٍّ لأُمته، وآخر عهده إليهم عند خروجه من الدنيا، وجاء في حديث آخر عن النبي ﷺ أنه كان يَجُودُ بنفسه ويقول: «الصلاةَ، الصلاةَ، الصلاةَ» (٣). فالصلاة أول فريضة فُرضت عليه، وهي آخر ما وصى به أمته، وآخر ما يذهب من الإسلام، وهي أول ما يُسأل عنه العبد من عمله يوم القيامة، وهي عمود الإسلام، وليس بعد ذهابها إسلام ولادين». وقال ابن القيم ﵀ في «مفتاح دار السعادة» (٤) في فضل الصلاة، وعِظم منزلتها: «فالصلاة قد وُضعت على أكمل الوجوه وأحسنها، التي تعبَّد الخالق ﵎ عباده؛ من تضمنها للتعظيم له، بأنواع الجوارح؛ من نطق اللسان، وعمل اليدين والرجلين، والرأس، وحواسه، وسائر أجزاء البدن، كلٌّ يأخذ حظه من الحكمة في هذه العبادة العظيمة المقدار، مع أخذ الحواسِّ الباطنة بخِطامها، وقيام القلب بواجب عبوديته فيها، فهي مشتمِلة على الثناء والمدح، والتحميد، والتسبيح، والتكبير، وشهادة الحق، والقيام بين يديِ الرب مقام العبد الذليل، الخاضع المدبَّر المربوب، ثم التذلُّل له في هذا المقام، والتضرع، والتقرب إليه بكلامه … ». ثم ذكر تذلُّلَه وخشوعه له في كل أحوال الصلاة، في ركوعه، ورفعه، وسجوده، واستوائه، وجلوسه، وتشهده، وثنائه على ربه، وسلامه على نبيه، وعلى عباده الصالحين، وصلاته على رسوله، ثم سؤاله ربه من خيره، وبره، وفضله، ثم قال: «فأيُّ

стр. 50

شيءٍ بعد هذه العبادة من الحُسن؟ وأي كمال فوق هذا الكمال؟ وأي عبوديةٍ أشرف من هذه العبودية؟!». وقال فضيلة الشيخ صالح السدلان ﵀ (١): «نعم، إن الصلاة رأس الإسلام، وعموده، وهي الصلة بين العبد العارف لعبوديته، الناصح لنفسه، وبين ربه الذي يربِّيه ويربي جميع العالمين بنعمه وفضله، وهي آية محبة العبد لربه، وتقديره لنعمه، وشكره لفضله وإحسانه، وهي الفارق الحقيقي بين المؤمن والكافر، نعم، إن من ضيع الصلاة فهو لغيرها أضيع، وانقطعت كل صلة له بالله تعالى، ورأس العبادة وأهمها الصلاة؛ فهي إحدى فرائض الدين، وأركان الشريعة، ونظام شمل الإسلام، وهي الركن الثاني الذي يحقق الركن الأول: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله» شعوريًّا وعمليًّا، وكل الإسلام بعد ذلك يأتي أثرًا عنها، ومن أجل هذا كان خير ما يفعله المسلم، وأعظم ما يقربه إلى الله الصلاة». الوقفة الرابعة في: ذكر فوائد الصلاة، وآثارها، وثمارها، ومنافعها رتب الله على حفظ الصلاة وإقامتها كما شرع، فوائدَ عظيمةً، وآثارًا جليلةً، وثمارًا كبيرةً، ومنافع كثيرة معلومة، من أهمها ما يأتي: أولًا: أنه بإقامتها بعد الشهادتين يدخل المرء في الإسلام، وتثبُت الأخوة بينه وبين المسلمين، ويُعصم دمه، وماله، وعِرضه، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وقال ﷺ : «أُمرتُ أن أُقاتلَ الناسَ حتى يَشهَدوا أنْ لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاةَ، ويؤتوا الزكاةَ، فإذا فعلوا ذلك عَصَمُوا مني دماءَهُم،

стр. 51

وأموالَهم، وأعراضَهم، وحسابُهم على الله » (١). ثانيًا: أنها السبب الأول للتوفيق والسعادة، والفلاح والنجاح في الدين والدنيا والآخرة، وهي سُلَّم الوصول إلى معالي الأمور، وسفينة النجاة، وبوابة الخير، ومفتاح التيسير. ثالثًا: أنها من أعظم أسباب العون على أمور الدين والدنيا والآخرة، واستقامة الأحوال، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]، «وكان النبي ﷺ إذا حَزَبَهُ أمرٌ صلَّى» (٢). ولما أخبر ابن عباس ﵄ وهو في سفرٍ بموت أخيه «قُثَم» استرجع، ثم تنحى عن الطريق فأناخ، فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] (٣). رابعًا: أن حفظها وإقامتها من أعظم أسباب التوفيق لحفظ ما سواها من أمور الدين، وتقوى الله، والهداية لكل خير، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة ١، ٢]، وقال تعالى: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان ١ - ٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ [الأنعام: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الشورى: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣].

стр. 52

فمَن حفِظها، وأقامها كما شرع الله، وُفِّق لحفظ ما سواها من الأعمال الصالحة، ومَن ضيعها، فهو لما سواها أضيع، كما جاء عن أبي بكر وعمر ﵄ (١). خامسًا: أن في حفظها وإقامتها الحفظَ من جميع الشرور والمعاصي؛ لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، واتباع الشهوات، وارتكاب المُوبِقات، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. فتضييعهم الصلواتِ أدى بهم إلى اتباع الشهوات، وارتكابِ المعاصي والسيئات. سادسًا: أنها السبب الأول والأعظم للراحة والطمأنينة والسعادة، وانشراح الصدر، والسياج المعنوي الروحي أمام تقلبات الحياة، ونوازع النفس، تمنح العبد بإذن الله تعالى الثباتَ والتوازن، في السراء والضراء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج ١٩ - ٢٣]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، والصلاة أعظم ذِكر الله تعالى. وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. والصلاة أعظم شعائر الإسلام. وقد قال ﷺ : «وجُعلت قُرَّةُ عيني في الصلاةِ» (٢)، وكان ﷺ يقول لبلال: «أرِحْنا

стр. 53

بالصلاة» (١). ولهذا فإن ما يصيب كثيرًا من الناس من الاضطراب والتذبذب، وفقدان التوازن في الحياة؛ سببُه الأعظمُ عدمُ المحافظة على الصلاة، وعدم إقامتها كما شرع الله . بل ما أصاب الأمةَ كلها من الضعف والهوان، وتسلطِ الأعداء، وتفرق الكلمة، أعظمُ أسبابِه وأهمُّها ضعفُ أمر الصلاة عند كثيرٍ من المسلمين، وعدم إقامتها كما شرع الله ! سابعًا: أنها سبب الرزق، قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]. ثامنًا: أنها سبب للتمكين في الأرض والنصر والقوة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠، ٤١]. تاسعًا: أن في حفظ الصلاة وإقامتها كما شرع الله تعالى التجارة الرابحة مع الله ، والثواب العظيم، والزيادة من فضله في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩، ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٦ - ٣٨]. عاشرًا: أن المحافظة عليها، والخشوع فيها، سبب للفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، والفوز بالفردوس الأعلى من الجنة، والخلود فيها، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ

стр. 54

الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج ١٩ - ٣٥]. فذكر في هاتين السورتين عددًا من صفات المؤمنين المصلين، بدأها بامتداحهم بخشوعهم في صلاتهم، وديمومتهم عليها، وختمها بامتداحهم بالمحافظة عليها، ووعدهم على ذلك بالفلاح، والفوز بالفردوس الأعلى من الجنة، والكرامة في الجنات. حادي عشر: أن في إقامتها تكفيرَ السيئات، ودخول الجنات، قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ١٢]. وقال ﷺ : «الصلوات الخمس، والجُمُعة إلى الجمعة، كفَّاراتٌ لما بينهنَّ، ما لم تُغْشَ الكبائر» (١). وقال ﷺ : «أرأيتم لو أنَّ نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كلَّ يومٍ خمسَ مراتٍ، هل يبقى من دَرَنِه شيءٌ؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: «فذلك مَثَلُ الصلواتِ الخمسِ، يمحو الله بهنَّ الخطايا» (٢). وقال ﷺ : «مثلُ الصلواتِ الخمسِ كمثل نهرٍ جارٍ غَمْرٍ على باب أحدكم، يغتسل منه كلَّ يومٍ خمسَ مراتٍ» (٣).

стр. 55

ثاني عشر: أنها أول ما يحاسَب عليه العبدُ من أعماله يوم القيامة، وقبولها سبب لقبول سائر الأعمال الصالحة؛ فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إن أولَ ما يحاسَبُ به العبدُ يومَ القيامةِ مِن عَمَلِه صلاتُه، فإن صلَحتْ فقد أفلح وأنجح، وإن فسدتْ فقد خاب وخسِر» (١). الوقفة الخامسة في: ذكر أهم الأسباب المعينة على حفظ الصلاة وإقامتها من أهم الأسباب، والوسائل المعينة على حفظ الصلاة وإقامتها، كما شرع الله تعالى، ما يلي: أولًا: معرفة وتذكر عظمة الصلاة، ومكانتها من الدين، وأنها عمود الإسلام، وأعظم أركانه، وثانيها بعد الشهادتين، ومعرفة فوائدها، وآثارها، وثمارها، ومنافعها الكثيرة العظيمة في الدين، والدنيا والآخرة، وتقديرها قدرها. ثانيًا: استحضار العبد لعظمة الله وتقديره حق قدره، كما قال : ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]، وقال تعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]. ثالثًا: تذكُّر نعم الله تعالى العظيمة، وآلائه الجسيمة، التي لا تُعد ولا تُحصى؛ خَلَق، ورزق، وأنعم علينا بسائر النعم، التي أعظمها وأجلُّها نعمة الإسلام والإيمان، كما قال : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤، والنحل ١٨].

стр. 56

وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، وقال تعالى مخاطبًا الإنس والجن في إحدى وثلاثين آية في سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ففي تعظيم الرب ، وتذكر نعمه سبحانه، ومعرفة مكانة الصلاة من الدين، أعظم مُعِينٍ على حفظ الصلاة، والعناية بها، والخشوع فيها؛ خوفًا من الله ورجاءً لثوابه، وشكرًا لنعمه ؛ لأن في الصلاة كمال العبودية لله ، العظيم المنعم، والعبودية أشرفُ حالٍ، وأجلُّ وصفٍ يوصف به البشر؛ ولهذا لما نزل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤، ٩٦، والحاقة: ٥٢]، قال ﷺ : «اجعلوها في رُكُوعِكُم»، ولما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قال ﷺ : «اجعلوها في سُجُودِكم» (١)، وذلك تعظيمًا لله في أشرف حال، وأعظم عبادة. رابعًا: التهيؤ للصلاة من أول وقتها، بدءًا من متابعة المؤذن، والذكر والدعاء أثناء الأذان وبعده، والوضوء، والتزين للصلاة باللباس الحسن، والطيب، والسعي إليها بسكينة ووقار، وتقديم الرجل اليمنى عند دخول المسجد، والذكر عنده. والتفرغ التام للصلاة من مشاغل الحياة كلها؛ فهي الزاد المعنوي والروحي للإنسان، قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٧]. خامسًا: المبادرة إليها بعد سماع النداء، والمسارعة والمسابقة إلى ذلك، والمنافسة على الصف الأول، وميامن الصفوف، والحذر من التأخر، ومزاحمة الناس، وتخطي رقابهم. سادسًا: تأمُّل الفرق الشاسع، والبون الواسع بين صلاة حفظها صاحبها، وتهيأ لها، وتفرغ لها، وبادر إليها، واستحضر عظمة الله فيها، وعظمة الصلاة وأهميتها، وبين

стр. 57

صلاة يؤديها كثير من الناس مجرد عادة، من غير تهيؤ، ولا تفرغ لها، مع انشغال البال، وتشوش الفكر، بلا طمأنينة ولا خشوع. الوقفة السادسة في: صفة الصلاة كما صلاها النبي ﷺ - نقل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في الأحاديث الصحيحة المتواترة صفة صلاة النبي ﷺ من أولها إلى آخرها، من التكبير إلى التسليم، من غير زيادة ولا نقصان، كما نقلوا عنه ﷺ و ﵃ سائر سنته من أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وجميع أحواله. وعُنِيَ العلماء ﵏ من السلف ومن بعدهم إلى يومنا هذا بدراسة الأحاديث الواردة في صفة صلاته ﷺ ، وتناولها- بالجمع والتحقيق، والتلخيص والتدقيق- جَمْعٌ من المحققين في كتبهم، بل أفردها جمعٌ منهم بالتأليف في كتب ورسائل؛ منهم: الإمام أحمد ﵀، وابن تيميَّةَ، وابن القيم، وابن باز، وابن عثيمين، والألباني، وغيرهم ﵏، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيرًا. ومن أخصر هذه الكتب والرسائل، وأوجزها، وأنفعها ما كتبه سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ﵀، في رسالته: «كيفية صلاة النبي ﷺ »، وقد رأيتُ إتمامًا للفائدة ذِكرَ ما جاء فيها، والاكتفاء به. قال ﵀: «بسم الله الرحمن الرحيم، «كيفية صلاة النبي ﷺ » (١): الحمد لله وحدَه، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمدٍ وآله وصحبِه، أما بعد: فهذه كلمات موجزة في بيان صفة صلاة النبي ﷺ أردتُ تقديمها إلى كل مسلمٍ ومسلمة؛ ليجتهد كل مَن يطلع عليها في التأسي به ﷺ في ذلك؛ لقوله ﷺ : «صلُّوا كما

стр. 58

رأيتُمُوني أُصلِّي»؛ رواه البخاري (١). وإلى القارئ بيان ذلك: ١ يُسبِغ الوضوء، وهو أن يتوضأ كما أمره الله؛ عملًا بقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، وقول النبي ﷺ : «لا تُقبَل صلاةٌ بغير طهورٍ، ولا صدقةٌ من غُلول»؛ رواه مسلم في «صحيحه». ٢ يتوجه المصلي إلى القبلة- وهي الكعبة- أينما كان بجميع بدنه قاصدًا بقلبه فعل الصلاة التي يريدها من فريضة أو نافلة، ولا ينطق بلسانه بالنية؛ لأن النطق باللسان غير مشروع، بل هو بدعة؛ لكون النبي ﷺ لم ينطق بالنية، ولا أصحابه ﵃ (٢)، ويُسَن أن يجعل له سُترةً يصلي إليها إن كان إمامًا أو منفردًا؛ لأمر النبي ﷺ بذلك. ٣ يكبر تكبيرة الإحرام قائلًا: «الله أكبر»، ناظرًا ببصره إلى محل سجوده (٣). ٤ يرفع يديه عند التكبيرة إلى حَذو مَنكِبيه، أو إلى حِيال أُذنيه (٤). ٥ يضع يديه على صدره؛ اليمنى على كفه اليسرى والرُّسْغ والساعد؛ لورود ذلك من حديث وائلِ بن حُجْرٍ، وقَبيصة بن هُلْب الطائي عن أبيه ﵄ (٥). ٦ يُسن أن يقرأ دعاء الاستفتاح وهو: «اللهمَّ باعِدْ بيني وبين خطايايَ كما باعدتَ بين المشرقِ والمغربِ، اللهم نَقِّني من خطايايَ كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ من

стр. 59

الدَّنَسِ، اللهم اغسِلني من خطايايَ بالماء والثلج والبَرَد»؛ متفَقٌ عليه من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، وإن شاء قال بدلًا من ذلك: «سبحانك اللهم وبحمدِك، وتبارك اسمُك، وتعالى جَدُّك، ولا إلهَ غيرُك»؛ لثبوت ذلك عن النبي ﷺ ، وإن أتى بغيرهما من الاستفتاحات الثابتة عن النبي ﷺ فلا بأس، والأفضل أن يفعل هذا تارَةً وهذا تارَةً؛ لأن ذلك أكملُ في الاتباع، ثم يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، «بسم الله الرحمن الرحيم»، ويقرأ سورة الفاتحة؛ لقوله ﷺ : «لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بفاتحة الكتاب»، ويقول بعدها: «آمين» جهرًا في الصلاة الجهرية، وسرًّا في السرية، ثم يقرأ ما تيسرَ من القرآن، والأفضل أن تكون القراءة في الظهر والعصر والعشاء من أوساط المفصَّلِ، وفي الفجر من طِوالِه، وفي المغرب من قِصارِه، وفي بعض الأحيان من طِواله أو أوساطه- أعني في المغرب- كما ثبَت عن النبي ﷺ ، ويُشرَعُ أن تكون العصر أخفَّ من الظهر. ٧ يركع مكبرًا رافعًا يديه إلى حذو منكبيه أو أذنيه، جاعلًا رأسه حِيال ظهره، واضعًا يديه على ركبتيه، مفرِّقًا أصابعه (١)، ويطمئن في ركوعه ويقول: «سبحان ربي العظيم»، والأفضل أن يكررها ثلاثًا أو أكثر، ويُستحب أن يقول مع ذلك: «سبحانك اللهم ربَّنا وبحمْدِكَ، اللهمَّ اغفِرْ لي». ٨ يرفع رأسه من الركوع، رافعًا يديه إلى حذو منكبيه أو أذنيه، قائلًا: «سمِع اللهُ لمَن حمِدَه»، إن كان إمامًا أو منفردًا يقول بعد رفعه: «ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مِلءَ السماواتِ وملءَ الأرضِ، وملءَ ما بينهما، وملءَ ما شِئتَ من شيءٍ بعدُ»، وإن زاد بعد ذلك: «أهلَ الثناءِ والمجدِ، أحقُّ ما قال العبدُ، وكلُّنا لك عبدٌ، اللهمَّ لا مانعَ لِمَا أعطيتَ، ولا مُعطِيَ لِما مَنعتَ، ولا ينفَعُ ذا الجَدِّ منك الجدُّ» فهو حسن؛ لأن

стр. 60

ذلك قد ثبَت عن النبي ﷺ في بعض الأحاديث الصحيحة، أما إن كان مأمومًا فإنه يقول عند الرفع: «ربَّنا ولك الحمد» إلى آخِرِ ما تقدم، ويُستحب أن يضع كل منهم يديه على صدره، كما فعل في قيامه قبل الركوع؛ لثبوت ما يدل على ذلك عن النبي ﷺ من حديث وائل بن حُجر وسهل بن سعد ﵄. ٩ يسجد مكبرًا واضعًا ركبتيه قبل يديه إذا تيسر ذلك (١)، فإن شق عليه قدم يديه قبل ركبتيه، مستقبلًا بأصابع رجليه ويديه القبلة، ضامًّا أصابع يديه، ويكون على أعضائه السبع: الجبهة مع الأنف، واليدين، والركبتين، وبطون أصابع الرجلين، ويقول: «سبحان ربيَ الأعلى»، ويكرر ذلك ثلاثًا أو أكثر، ويُستحب أن يقول مع ذلك: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي»، ويكثِر من الدعاء؛ لقول النبي ﷺ : «أما الركوع فعظِّمُوا فيه الربَّ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم» (٢)، وقولِه ﷺ : «أقربُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجدٌ، فأكثروا الدعاءَ»؛ رواهما مسلم في «صحيحه» (٣)، ويسأل ربَّه له ولغيره من المسلمين من خير الدنيا والآخرة، سواء كانت الصلاة فرضًا أو نفلًا، ويجافي عَضُدَيه عن جنبيه وبطنه عن فَخِذيه، وفَخِذَيه عن ساقيه، ويرفع ذراعيه عن الأرض؛ لقول النبي ﷺ : «اعتدِلوا في السجود، ولا يَبسُطْ أحدكم ذراعيه انبساطَ الكلبِ»؛ متفق عليه (٤).

стр. 61

١٠ يرفع رأسه مكبرًا، ويفرش قدمه اليسرى ويجلس عليها، وينصِب رجله اليمنى ويضع يديه على فخِذيه وركبتيه (١)، ويقول: «ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي، اللهم اغفر لي وارحمني وارزقني وعافني واهدني واجبُرني» (٢)، ويطمئن في هذا الجلوس حتى يرجع كل فَقَار إلى مكانه، كاعتداله بعد الركوع؛ لأن النبي ﷺ كان يطيل اعتداله بعد الركوع، وبين السجدتين. ١١ يسجد السجدة الثانية مكبرًا، ويفعل فيها كما فعل في السجدة الأولى. ١٢ يرفع رأسه مكبرًا، ويجلس جلسة خفيفة مثل جلوسه بين السجدتين، وتسمى جلسة الاستراحة، وهي مستحبة في أصح قولي العلماء، وإن تركها فلا حرج، وليس فيها ذكر ولا دعاء (٣)، ثم ينهض قائمًا إلى الركعة الثانية معتمدًا على ركبتيه (٤) إن تيسر ذلك، وإن شق عليه اعتمد على الأرض بيديه، ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر له من القرآن

стр. 62

بعد الفاتحة، كما سبق في الركعة الأولى، ثم يفعل كما فعل في الركعة الأولى. ولا يجوز للمأموم مسابقة إمامه؛ لأن النبي ﷺ حذر أمته من ذلك، وتُكره موافقته للإمام، والسنة له أن تكون أفعاله بعد إمامه من دون تراخٍ، وبعد انقطاع صوته؛ لقول النبي ﷺ : «إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا» الحديث متفق عليه (١). ١٣ إذا كانت الصلاة ثنائيةً، أي: ركعتين؛ كصلاة الفجر، والجمعة، والعيد، جلس بعد رفعه من السجدة الثانية ناصبًا رجله اليمنى، مفترشًا رجله اليسرى، واضعًا يده اليمنى على فخِذه اليمنى، قابضًا أصابعه كلها إلا السبابة فيشير بها إلى التوحيد عند ذكر الله سبحانه، وعند الدعاء، وإن قبض الخنصر والبنصر من يده اليمنى وحلق إبهامها مع الوسطى وأشار بالسبابة فحسن؛ لثبوت الصفتين عن النبي ﷺ . والأفضل أن يفعل هذا تارَةً وهذا تارة» (٢)، ويضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وركبته، ثم يقرأ التشهد في هذا الجلوس، وهو: «التحياتُ للهِ والصلواتُ والطيباتُ، السلامُ عليك أيها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين، أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهَدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه»، ثم يقول: «اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ،

стр. 63

كما صليتَ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيدٌ، وبارِكْ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما باركت على إبراهيمَ وآلِ إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ»، ويستعيذُ باللهِ من أربعٍ، فيقول: «اللهمَّ إني أعوذُ بك من عذابِ جَهنمَ، ومن عذابِ القبرِ، ومن فتنةِ المحيا والممات، ومن فتنةِ المَسيحِ الدجال»، ثم يدعو بما شاء من خير الدنيا والآخرة، وإذا دعا لوالديه أو غيرهما من المسلمين فلا بأس-سواء كانت الصلاة فريضةً أو نافلةً- لعموم قول النبي ﷺ في حديث ابن مسعود لمَّا علمه التشهدَ: «ثم لْيَتَخَيَّرْ من الدعاء أعجَبَهُ إليه فيدعو» (١)، وفي لفظٍ آخر: «ثم لْيَخْتَرْ من المسألةِ ما شاء» (٢)، وهذا يعم جميع ما ينفع العبد في الدنيا والآخرة، ثم يسلم على يمينه وشماله، قائلًا: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله». ١٤ إن كانت الصلاة ثلاثية؛ كالمغرب، أو رباعية؛ كالظهر والعصر والعشاء، قرأ التشهد المذكور آنفًا، مع الصلاة على النبي ﷺ ، ثم نهض قائمًا معتمدًا على ركبتيه، رافعًا يديه إلى حذو منكبيه، قائلًا: «الله أكبر» (٣)، ويضعهما- أي يديه- على صدره كما تقدم، ويقرأ الفاتحة فقط، وإن قرأ في الثالثة والرابعة من الظهر زيادة عن الفاتحة في بعض الأحيان فلا بأس؛ لثبوت ما يدل على ذلك عن النبي ﷺ من حديث أبي سعيدٍ ﵁ (٤)، ثم يتشهد بعد الثالثة من المغرب، وبعد الرابعة من الظهر والعصر والعشاء، ويصلي على النبي ﷺ ، ويتعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، ويكثِر من الدعاء. ومن الدعاء المشروع في

стр. 64

هذا الموضع وغيره: «ربَّنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار»؛ لما ثَبَتَ عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ : «ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النار» (١)، كما تقدم ذلك في الصلاة الثنائية، لكن يكون في هذا الجلوس متورِّكًا، واضعًا رجلَه اليسرى تحت رجله اليمنى، ومِقعَدَتَه على الأرض، ناصبًا رجله اليمنى؛ لحديث أبي حُميد في ذلك (٢)، ثم يسلم عن يمينه وشماله، قائلًا: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله». ويستغفر الله ثلاثًا، ويقول: «اللهم أنت السلامُ ومنك السلام، تباركتَ يا ذا الجلالِ والإكرام، لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، له المُلكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير، اللهم لا مانعَ لِمَا أعطيتَ، ولا مُعطِيَ لِما مَنعتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منك الجد، لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، لا إلهَ إلا الله، ولا نعبُدُ إلا إياه، له النعمةُ وله الفضل، وله الثناءُ الحَسَن، لا إلهَ إلا الله مخلصين له الدينَ ولو كرِه الكافرون»، ويسبح الله ثلاثًا وثلاثين، ويحمده مثل ذلك، ويكبره مثل ذلك، ويقول تمام المئة: «لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير»، ويقرأ آية الكرسي، و «قل هو الله أحد»، و «قل أعوذ برب الفلق»، و «قل أعوذ برب الناس» بعد كل صلاة، ويُستحب تكرار هذه السور الثلاث ثلاث مرات بعد صلاة الفجر وصلاة المغرب؛ لورود الحديث الصحيح بذلك عن النبي ﷺ ، كما يُستحب أن يزيد بعد الذكر المتقدم بعد صلاة الفجر، وصلاة المغرب، قول: «لا إله إلا الله، وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ، وله الحمدُ، يُحيي ويُميت، وهو على كلِّ شيءٍ قدير» عشرَ مراتٍ؛ لثبوت ذلك عن النبي ﷺ ، وإن كان إمامًا انصرف إلى الناس وقابلهم بوجهه بعد استغفاره ثلاثًا، وبعد قوله:

стр. 65

«اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»، ثم يأتي بالأذكار المذكورة، كما دل على ذلك أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ، منها حديث عائشة ﵂ في «صحيح مسلم». وكل هذه الأذكار سنة وليست فريضة. ويُستحب لكل مسلم ومسلمة أن يصليَ قبل صلاة الظهر أربعَ ركعات، وبعدها ركعتين، وبعد صلاة المغرب ركعتين، وبعد صلاة العشاء ركعتين، وقبل صلاة الفجر ركعتين، الجميع اثنتا عشْرة ركعة، وهذه الركَعات تسمى الرواتب؛ لأن النبي ﷺ كان يحافظ عليها في الحضر، أما في السفر فكان يتركها إلا سنةَ الفجر والوتر، فإنه كان ﵊ يحافظ عليهما حضرًا وسفرًا، ولنا فيه أُسوة حسنة؛ لقول الله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، وقوله ﵊: «صلُّوا كما رأيتُمُوني أصلي»؛ رواه البخاري (١). والأفضل أن تُصلَّى هذه الرواتب والوتر في البيت، فإن صلاها في المسجد فلا بأس؛ لقول النبي ﷺ : «أفضلُ صلاةِ المرءِ في بيتِه إلا الصلاةَ المكتوبةَ»؛ متفَق على صحته، والمحافظةُ على هذه الركعات من أسباب دخول الجنة؛ لما ثبت في «صحيح مسلم»، عن أم حَبيبة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «ما من عبدٍ مسلمٍ يصلى لله كلَّ يومٍ ثِنتي عشْرةَ ركعةً تطوعًا غيرَ فريضة، إلا بنى الله له بيتًا في الجنة»، وقد فسرها الإمام الترمذي في روايته لهذا الحديث بما ذكرنا، وإن صلى أربع ركعات قبل العصر، واثنتين قبل صلاة المغرب، واثنتين قبل صلاة العشاء، فحسن؛ لقوله ﷺ : «رحِم الله امرأً صلى أربعًا قبل العصر»؛ رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسَّنه، وابن خُزيمة وصححه، وإسناده صحيح، ولقوله ﵊: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة» ثم قال في الثالثة: «لِمَن شاء»؛ رواه البخاري. والله ولي التوفيق. قاله ممليه الفقير إلى ربه عبد العزيز بن عبد الله بن باز، سامحه الله، وغفر له، ولوالديه وللمسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وآله وأصحابه أجمعين، وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين» (٢).

стр. 66

وأخيرًا: فإنني أُتوج هذه الوقفات في الصلاة بكيفية صلاة النبي ﷺ لسماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀؛ وذلك لما لسماحته ﵀ من جهود عظيمة مباركة، ومن أعمال جليلة في خدمة الإسلام والمسلمين؛ في التعليم، والدعوة، والنصح، والفتوى، والخير، والبذل. ولما لسماحته من أثر عظيم في المسلمين في شتى بقاع المعمورة، فقلَّ أن تجد مسلمًا إلا وقد أفاد من علمه، ودعوته، ونصحه، وفتواه، وخيره، وبذله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وأعتبر هذا- مع ما أفدته منه، ومن غيره من أهل العلم- من الوفاء لهم، ومن نشر علمهم، وأسأل الله أن يجعل ذلك في موازين حسناتهم، وأن يُعظِمَ لهم الأجر والمثوبة. لقد تأثرت في حياتي بسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ أكثر من غيره، وأحببته في الله أكثر من غيره، مما أرجو به أن أكون معه، كما قال ﷺ : «المرءُ مع مَن أحب» (١) مع قلة البضاعة، ولكن كما قال الشافعي ﵀ (٢): أُحِبُّ الصالحين ولستُ منهم … لعلي أن أنالَ بهم شفاعَهْ وذلك لما حباه الله تعالى من النصح لله، ولدينه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم، ومن العلم والحكمة، والكرم، والتواضع، وحسن الخُلق، والورع، والزهد، والتبشير، والإحسان والعطف على المساكين، وحب الخير للمسلمين. ولما حباه الله من ذلك الصوت الندي الشجي، المميز الجميل، الذي يفيض بالعلم والحكمة، والصدق، والنصح، ومحبة الخير للناس، والغيرة على دين الله، الذي يأخذ

стр. 67

بلُب السامع ومشاعره، فلا يملك إلا أن يُنصِت له، ويلهَج له بالدعاء بالمغفرة والرحمة. ﵀ رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

стр. 68

وقفتان في: فضل العفو والصفح، والحِلم وكظم الغيظ قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] الوقفة الأولى في: فضل العفو والصفح العفو: التجاوز، وترك المؤاخذة على الذنب، وأعلى درجاته «الصفح»، وهو الإعراض عما حصل كليةً، وترك اللوم والتثريب. والعفو من أفضل الصفات وأعظمها وأجلها وأكملها، وصف الله به نفسه في آيات كثيرة، وقرنه في عدد منها بالمغفرة؛ ليبين أن عفوه مقرون بالستر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٠، والمجادلة: ٢]. كما قرنه بالقدرة؛ ليبين أن عفوه مقرون بالقدرة التامة على العقوبة، لا عن عجز، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]. وقرنه بالتوبة؛ ليبين أن عفوه مقرون بالتوبة على من تاب من عباده، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥]. وبيَّن عفوه سبحانه عن كثير من كسب العباد مما يستحقون عليه العقوبة، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤]. وأمر به رسوله ﷺ فقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وأمر به المؤمنين، فقال تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩].

стр. 69

وقرنه بصفات المسارعين إلى مغفرته وجنته، المتقين المنفقين، الكاظمين الغيظ، المحسنين، الذين يحبهم الله ، فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤]. وقرنه بالإصلاح، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. وجعله من الصبر الذي هو شطر الإيمان، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]. وهو من صفات المصطفى ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣]؛ أي: عفا وتغافل عن بعضٍ صلواتُ الله وسلامُه عليه. ولهذا كان ﷺ يقول: «اللهم اغفِرْ لقومي فإنهم لا يعلمون» (١)، وفي المغفرة عفو وسَتر. ولما سأله مَلَكُ الجبال أن يُطبِق عليهم الأَخْشَبَيْنِ، قال: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم مَن يَعبُدُ الله وحدَه، لا يشرك به شيئًا» (٢) ولما دخل مكة فاتحًا عفا ﷺ عن قريش. وعفا عن غَوْرَث بن الحارث الذي استلَّ سيفه من الشجرة وأراد قتله (٣). ونزل عليه ﷺ ثمانون رجلًا من التنعيم يريدون قتله، فعفا عنهم لَما قَدَرَ عليهم (٤). وقد تكفل بأجر من عفا وأصلح، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾

стр. 70

[الشورى: ٤٠]، فلا أحد يقدِّر قدْر أجره إلا مَن تكفل به، وهو الله ، كما قال تعالى في الصوم: «الصوم لي وأنا أَجْزي به» (١). وامتدح من صبر وغفر بأنه من أهل عزائم الأمور، فقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]؛ وذلك لأنه جمع بين الصبر والعفو والستر. ورغَّب بالعفو، وبيَّن أنه أقرب للتقوى، فقال : ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ورتَّب على العفو والصفح المغفرة والرحمة، فقال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤]. ورغَّب بدفع السيئة بالحسنة مبينًا أثرها العظيم في جعل العدو صديقًا، وأنه لا يلقاها إلا أهل الصبر والحظ العظيم، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥]. وقال ﷺ : «ما نَقَصَ مالٌ من صدقة، وما زاد اللهُ عبدًا بعفوٍ إلا عِزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رَفَعَه الله» (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يومُ القيامة نادى منادٍ يقول: أين العافون عن الناس؟ هلُمُّوا إلى ربكم وخُذوا أجورَكم، وحقٌّ على كل امرئٍ عفا أن يدخلَ

стр. 71

الجنة» (١). وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت: يا رسولَ الله، أخبِرني بفواضل الأعمال، قال: «يا عقبةُ، صِلْ مَن قطعك، وأعطِ مَن حرَمك، وأعرِضْ عمن ظَلَمك» (٢). وفي الأثر: «من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه» (٣). قال الشاعر: لما عفوتُ ولم أحقِدْ على أحدٍ … أرحتُ نفسيَ من همِّ العَداواتِ (٤) فيا سعادة من وفقه الله تعالى للعفو والصفح والتسامح، فقضى حياته سليم القلب، منشرح الصدر، حسن المعشر، مرتاح البال. ويا بشارته في الآخرة بما تكفل الله به من الفوز العظيم، والثواب الجزيل، والأجر الكريم لمن عفا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. فليجعل كلٌّ منا العفو والصفح والتسامح ديدنه وشعاره، وليحذر كل الحذر من نزغات الشيطان، ومن النفس الأمَّارة بالسوء، ومن الحرج، وضيق الخلق، ومن فظاظة القلب وقساوته؛ فإن أبعد الناس من الله القلب القاسي. وليسأل كلٌّ منا ربه على الدوام أن يجازيَه عما له من حقوق على إخوانه المسلمين من

стр. 72

قريب أو بعيد، وأن يعفو عنهم، كما يسأل ربه أن يجازيَ مِن فضلِه مَن لهم عليه حقوقٌ، وأن يعفو عنه ويتجاوز، ففضله واسع، وعفوه عظيم. وشتان شتان بين من يَرِد غدًا على أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين، ذي الفضل العظيم، فيوفيه أجره بغير حساب، وبين من يرد على الناس الضعفاء الفقراء المساكين من أقاربه وجيرانه وإخوانه المسلمين؛ ليقتص منهم، وربما اقتص من أقرب الأقربين إليه؛ من أمه وأبيه، وزوجه وولده وغيرهم، بسبب حرجه وشح نفسه. فارفع رأسك أخي الكريم وأختي الكريمة، بطلب معالي الأمور، واجعل العفو والصفح والتسامح ديدنك؛ ابتغاء ما عند الله تعالى، تُوفَّق في دينك وتسعد في دنياك، وتجني بذلك عند لقاء الله عظيم الأجور. على قدْرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ … وتأتي على قدْرِ الكرامِ المكارمُ وتكبُر في عينِ الصغيرِ صِغارُها … وتصغُر في عين العظيم العظائمُ (١) الوقفة الثانية في: فضل الحلم، وكظم الغيظ الحِلم (٢)؛ بكسر الحاء: ترك المعاجلة في العقوبة، والرفق والتثبت والأناة. والغيظ: الغضب الشديد، وكظمه: حبسه، وهو من أعظم آثار الحلم. والحلم من أفضل الصفات وأعظمها وأجلها وأكملها، وقد سمى الله نفسه بـ (الحليم) ووصف نفسه بالحلم في آيات كثيرة من كتابه الكريم. قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾

стр. 73

[البقرة: ٢٦٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤، وفاطر: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧]. فالحلم من أجل صفات الله وأعظمها، و (الحليم) من أعظم أسمائه ؛ أي: الذي لا يعاجل من عصاه بالعقوبة. قال ابن القيم (١): وهو الحليمُ فلا يُعاجِلُ عَبدَهُ … بعقوبةٍ؛ ليتوبَ مِن عِصيانِ وقد وصَف بالحلم خليلَه إبراهيم ﵊ فقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]. وكان نبينا محمد ﷺ من أشد الناس حلمًا، كما تقدم في الكلام على صفة العفو. فلقد لقِي من قومه من التكذيب والأذى ما لم يَلقَه نبي قبله من الأنبياء، وكان مع ذلك صلوات الله وسلامه عليه يقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». وأبى على مَلَك الجبال أن يُطبِق على أهل مكة الأخشَبَين، وقال: «بل أرجو أن يُخرِجَ الله من أصلابهم مَن يعبد الله وحدَه، ولا يشرك به شيئًا»، ولما دخل مكة فاتحًا عفا عن أهلها. فالحلم وكظم الغيظ من أنبل وأجلِّ وأفضل الصفات، قال تعالى في مدح المتقين: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]؛ أي: الذين يحبسون الغيظ، وهو الغضب، كما قال تعالى في وصف المؤمنين المتوكلين: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]. وقال ﷺ لأَشَجِّ عبدِ القيسِ: «إن فيك خَصلتينِ يحبهما الله: الحِلم والأناة» (٢)؛ والأناة:

стр. 74

التأني في الأمور، والتثبت والرفق والتؤدة. قال الشاعر: الرفق يُمنٌ والأناةُ سعادةٌ (١) وقال رجل: يا رسول الله، أوصني، قال: «لا تغضَبْ»، قال: أوصني، قال: «لا تغضب»، قال: أوصني، قال: «لا تغضب» (٢). وقال ﷺ : «الغضب جمرةٌ من جمْر جَهنمَ يُوقِدُها الشيطانُ في قلبِ ابنِ آدمَ» (٣). وقال ﷺ : «إن الله رفيقٌ يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يُعطي على ما سواه» (٤). وقال ﷺ : «إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا يُنزَع من شيءٍ إلا شانه» (٥). وقد قيل: «في التأني السلامَة، وفي العجلة الندامة» (٦). والحلم إنما يُمدح ويُستحق في مكانه المناسب؛ كما قال ﷺ : «ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملِك نفسه عند الغضب» (٧).

стр. 75

ورأى ﷺ رجلًا قد انتفخت أوداجه من شدة الغضب، فقال ﷺ : «إني أعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» (١). قال النابغة الجَعْدِيُّ (٢): ولا خيرَ في حلمٍ إذا لم تكنْ له … بوادرُ تَحمي صفوَه أنْ يُكَدَّرَا ولا خيرَ في جهلٍ إذا لم يكن له … حَليمٌ إذا ما أوردَ الأمرَ أَصْدَرَا وقال الآخر: حليمٌ إذا ما الحلمُ زيَّنَ أهلَه … معَ الحلمِ في عينِ العدوِّ مَهيبُ (٣) فلنأخذ بالحلم والعفو فعاقبتهما الحسنى، والأجر العظيم والنجاة، ولنحذرْ كل الحذر من الغيظ والغضب، فعاقبتهما الندامة، والإثم الكبير، والهلاك.
следующие страницы →